إلا أن يدينوالله بهذا الدين.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.
стр. 317
الخطبة الحادية والثلاثون: الترغيب في القتال والجهاد في سبيل الله
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الحادي والثلاثين من سيرة المصطفى ﷺ .
وحديثنا في اللقاء سيكون عن: الترغيب في القتال والجهاد في سبيل الله.
عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن الأهداف السامية التي من أجلها شُرع القتال في سبيل الله.
وتبين لنا أن الإِسلام فرض القتال على المسلمين؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى دائماً.
وتبين لنا أيضاً؛ أن الإِسلام أدب المجاهدين في سبيل الله بآدابٍ قبل المعركة وأثناء المعركة، وبعد الانتهاء من المعركة.
عباد الله! ولما كان القتال فيه مشقة على النفوس البشرية، جاءت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة تُرغِبُ وتَحُثُّ وتُحَرِضُ على القتال والجهاد في سبيل الله
ففي كتاب ربنا:
قال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران: ١٥٧].
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
عباد الله! وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، تُرغبُ في القتال والجهاد في سبيل الله.
سُئل- ﷺ : أيُّ العمل أفضل؟
قال ﷺ : "إيمان بالله ورسوله"
قيل: ثم ماذا؟
قال: "الجهاد في سبيل الله".
قيل: ثم ماذا؟
قال: "حجٌ مبرور".
وسئل ﷺ : أيُّ الناس أفضلُ؟
قال ﷺ : "مؤمن يجاهد بنفسه وبماله في سبيل الله" (١).
وسئل ﷺ : أيُّ المؤمنين أكملُ إيماناً؟
قال ﷺ : "الذي يجاهد بنفسه وماله، ورجل يعبدُ الله في شعبٍ من الشعاب وقد كفى الناس من شره" (٢).
وقال ﷺ : "ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟
стр. 320
اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة" -أي قدر ما تحلب الناقة- "وجبت له الجنة" (١).
وقال ﷺ : "إنَّ في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" (٢).
وقال ﷺ : "ما أحد يدخلُ الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيدُ، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشر مراتٍ، لما يرى من الكرامة".
وفي رواية: "لِمَا يرى مِن فضل الشهادة" (٣).
وقال ﷺ : "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أوله دفعة من دمه، ويرى مقعدهُ من الجنة، ويُجارُ من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، وُيحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، وُيشفّع في سبعين إنسانٍ من أقاربه" (٤).
وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:- يا رسول الله دُلَّني على عملٍ يعدلُ الجهادَ؟
قال ﷺ "لا أجدهُ".
ثم قال ﷺ : "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم
ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ ".
فقال الرجل: ومن يستطيع ذلك؟! (٥)
стр. 321
وقال- ﷺ : "عينان لا تمسُّهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرسُ في سبيل الله" (١).
عباد الله! الإِسلام هو دين الله في الأرض إلى أن يرث اللهُ الأرض ومن عليها، ويوم القيامة لا يقبل الله ديناً غيره.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]
والإِسلام عندما أذن للمسلمين بالقتال وفرضه عليهم، بيَّن لهم الأهداف السامية التي يحاربون من أجلها.
وأدَّب الإِسلام المجاهدين في سبيل الله بآداب إسلامية قبل المعركة، وأثناء المعركة، وبعد الانتهاء من المعركة، ثم رغب الإِسلام في الجهاد في سبيل الله.
ومع ذلك لا يحرص الإِسلام والمسلمون على الحرب، وإشعال الحرب، ولكن إذا فَرَضَتْ الحربُ نفسها على المسلمين، صبروا، وحاربوا من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله.
يقول- ﷺ لأصحابه: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (٢).
فالإِسلام هو دين السلام ولذلك سمى اللهُ الإِسلام سلماً.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].
стр. 322
والجنة دار السلام جعل الله من أسباب دخولها إفشاء السلام.
قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (١).
وأول شيءٍ صدع به النبي ﷺ عندما قدم إلى المدينة قال:
"يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنةَ بسلام" (٢).
عباد الله! والكفار إذا كفوا أيديهم عن المسلمين، ولم يصدوا عن سبيل الله، وتركوا المسلمين يتحركون في الأرض بدين الله، يدعون عباد الله إلى الله، فالإِسلام لا يأمر بقتالهم أبداً.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]
وكان ﷺ إذا بعث جيشاً في سبيل الله أعلمهم، وأدبهم، وأمرهم أن يدعوا الناس أولاً إلى الإسلام، فإذا أجابوهم إلى الإِسلام فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، ولا قتال ولا إكراه في الدين، فإن رفضوا الإِسلام يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فإن رفضوا الإِسلام والجزية يأتي الإِسلام هنا -بعد أن فرض الكفار على أنفسهم القتال- فيقاتلهم الإِسلام لأنهم لولا أنهم هم يريدون القتال لدخلوا في الإِسلام أو
стр. 323
لدفعوا الجزية، حتى يفهم الجميع يا عباد الله، أن الإِسلام، هو دين السلام وهو دين الرحمة ولا يُشْعِلُ ناراً للحرب أبداً في أي مكان.
ولقد أخبرنا ربنا -جل وعلا- في كتابه؛ أن اليهود يشعلون نار الحرب هنا وهناك، وها هو التاريخ يشهد بذلك، ما من حرب قامت على وجه الأرض إلا وراءها اليهود؛ لأنهم يعيشون ويترعرعون على الحروب.
فإذا فُرضِتْ الحربُ على المسلمين يأتي الإِسلامُ، ويقول للمسلمين كما قال ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (١).
ففي الوقت الذي أمر الإِسلام ورغبَّ في الجهاد في سبيل الله، بيَّن أن الإِسلام هو دين الرحمة والسلم والسلام والأمان.
قال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
عباد الله! ولكن إذا اعتدى الكفار على المسلمين وعلى بلاد المسلمين، وصدوا عن سبيل الله، عندها أمر الإِسلام المسلمين أن يقاتلوا الكفار، ويصبروا على ذلك، وبيَّن الإسلام للمسلمين أنهم في قتالهم للكفار؛ فإنها إما النصر وإما الشهادة.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ
стр. 324
أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ [التوبة: ٥٢].
ولذلك أمر الإِسلام المسلمين بالصبر والثبات عند لقاء العدو.
فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
وقال ﷺ : "فإذا لقيتموهم فاصبروا".
ثم جاء الإِسلام يحث المسلمين ويرغبهم في قتال الكفار الذين حاربوا المسلمين، وصدوا عن سبيل الله .. اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.
стр. 325
الخطبة الثانية والثلاثون: غزوة بدرالكبرى
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الثاني والثلاثين من سيرة النبي ﷺ .
وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بدرٍ الكبرى وهي الغزوة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل.
وأعزَّ الإِسلام وأهله وأذلَّ الكفر وأهله.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة بدرٍ سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: بين يدي الغزوة .
العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.
العنصر الثالث: نتائج الغزوة.
العنصر الأول: بين يدي الغزوة.
وصلت الأنباء إلى المدينة أن قافلة ضخمةً لقريش عائدةٌ من الشام إلى مكة تحمل لأهلها الثروة الطائلة، يقودُها أبو سفيان بنُ حربٍ مع رجالٍ لا يزيدون عن الثلاثين أو الأربعين.
ولذلك قال النبي ﷺ لأصحابه: "هذه عيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها" (١)
وأراد الرسول ﷺ بذلك أن يضرب قريشاً ضربة اقتصادية تقصم
стр. 326
ظهورهم؛ لأنهم بهذه الأموال يستعينون بها على محاربة الإِسلام والمسلمين.
وأراد النبي ﷺ بذلك أن يعوض أصحابه ما تركوا من أموال وديار في مكة أرغموهم عليها كفار قريش.
ولم يعزم الرسول- ﷺ على أحدٍ بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، ثم سار بمن أمكنه الخروج.
وخرج المسلمون إلى بدر وهم ثلاث مائةٍ وتسعة عشر رجلاً، منهم مئة من المهاجرين وبقيتهم من الأنصار، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان: فرسٌ للمقداد بن الأسود، وفرسٌ للزبير بن العوام ﵄.
وكان معهم سبعون بعيراً يتعقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، حتى رسول الله ﷺ كان له زميلان يتعاقبان بعيراً.
عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا يوم بدرٍ كل ثلاثةٍ على بعير، وكان أبو لبابة وعليٌ بن أبي طالبٍ زميلي رسول الله- ﷺ .
قال: وكانت عقبةُ النبي ﷺ (جاء دورة ليمشي).
فقال أبو لبابة وعليُّ بن أبي طالب: يا رسول الله نحن نمشي عنك - ليظل راكبًا-.
فقال ﷺ : "ما أنتما بأقوى على المشي مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" (١).
عباد الله! قد بلغ أبا سفيان خروج المسلمين لأخذ القافلة، فسلك بها في
стр. 327
طريق الساحل، وأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستصرخ أهلها حتى يسارعوا إلى استنقاذ أموالهم.
واستطاع (ضمضم) هذا إزعاج البلدةِ قاطبةً، فقد وقف على بعيره بعد أن جدع أنفهُ، وحول رحلهُ، وشق قميصه، يصيحُ: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمدٌ وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث، الغوث!
عباد الله! فقام أشراف مكة، يحثون أهل مكة على أن ينفروا سراعاً؛ ليُخلِّصوا تجارتهم، من محمَّد وأصحابه، فخرجوا في نحو الألف، معهم مائة فارسٍ ومعهم- المغنيات يضربن بالدف، ويغنين بهجاء المسلمين.
وخرجوا من ديارهم كما أخبرنا الله تعالي: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧] وأقبلوا في تحملٍ وحنقٍ عظيم على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لما يريدون من أخذ عيرهم.
عباد الله! ولما رأى أبو سفيان أنه قد نجا وأحرز العير، كتب إلى قريش أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عيركمُ وقد سلَّمها الله، فوصلهم الخبرُ وهم بالجحفةَ. فهمُّوا بالرجوع؛ إلا أن أبا جهل أصرَّ على الخروج والوصول إلى بدر، قائلاً: والله لا نرجع حتى نأتي بدراً فنقيم عليها ثلاثاً، ننحرُ الجُزر، ونطعم الطعام، ونُسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، حتى تسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا؛ فلا يزالون يهابوننا بعد ذلك اليوم أبداً، ومضت قريش في مسيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدرٍ، وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا.
стр. 328
وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر، وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
عباد الله! ولما وصل الخبرُ رسولَ الله ﷺ أن كفار قريش قد خرجوا لملاقاتهم، وأن العيرَ قد نجت، وهي على مشارف مكة استشار أصحابه في لقاء العدو،
فقال بعضهم: ما خرجنا إلا للعير، وما أردنا النفير، ولم نستعد له، وقد أخبرنا الله في كتابه عن هؤلاء، فقال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ [الأنفال: ٥ - ٧].
عباد الله! وكان الأنصار قد بايعوا الرسول ﷺ في بيعة العقبة الثانية على أن يحموه في بلدهم (المدينة)، ولم يبايعوه على القتال معه خارج المدينة، لذلك اقتصرت السرايا التي سبقت بدرٍ على المهاجرين، ونظرًا لوجود الأنصار مع المهاجرين ببدرٍ، وتفوقهم العددي الكبير فقد أراد الرسول ﷺ معرفة رأيهم من الموقف الجديد.
فاستشار ﷺ أصحابه عامةً وقصد الأنصار خاصة.
وقد روى ابن إسحاق خبر المشورة بسند صحيح قال:
"فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما
стр. 329
قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغماد (١) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فقال له رسول الله- ﷺ خيراً ودعا له.
ثم قال رسول الله ﷺ أشيروا عليَّ أيها الناس؟ وإنما يريد الأنصار .. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل.
قال سعد: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٌ واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرُ به عينك، فسر على بركة الله. فسُر رسول الله- ﷺ بقول سعد ونشّطه ثم قال ﷺ : "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" (٢).
عباد الله! فلما رأى النبي ﷺ طاعة الصحابة وشجاعتهم، واجتماعهم على القتال، وحبهم للتضحية، بدأ بتنظيم جندهُ ثم أرسل عيونه - الجواسيس- يأتونه بأخبار القوم، فعرف النبي ﷺ أين القوم، وعددهم، ومن فيهم من أشراف قريش.
стр. 330
وقال النبي ﷺ لأصحابه: "هذه قريش قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها"؟ ونزل جيش الإِسلام بالعدوة الدنيا، ونزل جيش الكفر بالعدوة القصوى، ولا يعرف كل منهم ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
عباد الله! العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .
هذا اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، وأعز الله فيه الإِسلام وأهله، وأذل فيه الكفر وأهله، يقول الله : ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤١ - ٤٤].
عباد الله! وبات الجيش المسلم ليلة الجمعة، ليلة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ببدرٍ يرتقب هجوم العدو الكافر في أي ساعةٍ، فطار النوم من عيون المسلمين، وخافت قلوبهم، فأرسل الله عليهم النعاس، فناموا تلك الليلة حتى احتلم بعضهم، فلما أصبحوا ولا ماء أنزل الله عليهم من السماء ماءً فكان على المشركين وبالاً شديداًَ منعهم من المتقدم، وكان على المسلمين طلاً طهرهم به وأذهب عنهم رجز الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلَّب به الرمل، وثبت به الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على
стр. 331
قلوبهم قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١].
عباد الله! ووصف عليٌّ ﵁ كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدرٍ وأمامهم معسكر المشركين؟
قال: "لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وما منا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ ، فإنه كان يصلى إلى شجرة ويدعو حتى أصبح .. " (١).
عباد الله! وفي الصباح صف النبي ﷺ جنوده للقتال كما يحب الله .
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤].
وقال ﷺ لأصحابه: "لا يقدمنَّ أحدٌ منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" وكان رسول الله ﷺ يباشر القتال بنفسه.
قال عليٌّ ﵁: لقد رأيتُني يوم بدرٍ ونحن نلوذُ برسول الله ﷺ ، وهو- أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً" (٢).
فئة مؤمنة تقاتل من أجل لا إله إلا الله، وفئة كافرة جاءت لتقضي على الذين يقولون لا إله إلا الله.
стр. 332
عباد الله! بدأ القتال بمبارزاتٍ فردية، فقد تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه ابنهُ الوليد وأخوه شيبة طالبين المبارزة، فانتُدب لهم شباب من الأنصار فرفضوا مبارزتهم، طالبين مبارزة بني قومهم، فأمر الرسول ﷺ حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بمبارزتهم.
وقد تمكن حمزة من قتل عتبة، ثم قتل عليٌ شيبة، وأما عبيدة فقد تصدى للوليد وجرح كل منهما صاحبه فعاونه عليٌ وحمزة فقتلوا الوليد واحتملا عبيدة إلى معسكر المسلمين" (١).
عباد الله! وقد أثرت نتيجة المبارزة في معسكر قريش وبدأوا بالهجوم، فأمر النبي ﷺ أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم، حرصاً على الإفادة من النبال بأقصى ما يُستطاع.
فقال ﷺ "إذا أكثبوكم -يعني دنوا منكم- فارموهم واستبقوا نبلكمُ" (٢).
ورمى النبي ﷺ الحصى في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه".
قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر أُمر رسول الله- ﷺ ، فأخذ كفاً من الحصى فاستقبلنا به فرمى بها وقال: "شاهت الوجوه".
فأنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٣).
عباد الله! وقال النبي ﷺ لأصحابه: "قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات
стр. 333
والأرض"، فقال عُمير بن الحُمام: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟
قال: "نعم". فقال: بخ بخ.
فقال رسول الله ﷺ : "ما حملك على قولك بخ بخ"؟
قال: رجاءَ أن أكون من أهلها، فقال: "فأنت من أهلها".
فأخرج عميرٌ تمرات ليأكلها فجعل يأكلها، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم رمى بالتمرات، وأقبل على القوم فدخل في صفوفهم فقاتلهم ﵁ حتى قُتل" (١).
عباد الله! حميَ الوطيس، واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ في الدعاء والابتهال، ومناشدة ربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه.
وها هو عمر ﵁ يخبرنا الخبر فيقول: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائةٍ وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه -أي يصيحُ ويستغيث بالله بالدعاء- "اللهم أنجز لي ما وعدتني: اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابةُ -أي الجماعة من أهل الإِسلام- لا تُعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه، مادّا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءهُ فألقاه على منكبيه، ثم التزمهُ ورائه وقال: يا نبي الله! كذلك -أي كفاك- مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
стр. 334
فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩ - ٩] فأمده الله بالملائكة (١).
وقد خرج ﷺ من العريش الذي بُني له وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥] (٢).
عباد الله! وتقدم المسلمون يقتلون المشركين، والملائكة تقاتل معهم حتى قال ابن عباس: بينما رجلٌ من المسلمين يشتدُّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط، وصوت فارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خرَّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فجاء ذلك المسلم وأخبر النبي ﷺ فقال: "ذلك من مدد السماء الثالثة" (٣).
قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]
وخرج رسول الله ﷺ من عريشه وهو يقول: "يا أبا بكر، أبشر أتاك نصر
الله، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه عليه آلة الحرب" (٤).
стр. 335
ولما جيء بالعباس بن عبد المطلب أسيراً جاء به رجل من الأنصار
قصير يقول:
يا رسول الله أسرتُ هذا، فقال العباس: يا رسول الله! والله ما أسرني هذا ولكن أسرني رجل أبلج، على فرس أبلق وجهه كأحسن وجوه الناس، لا أراه في القوم فقال الأنصاريُ: أنا يا رسول الله أسرتُه.
فقال ﷺ : "اسكت لقد أعانك الله عليه بملك كريم" (١).
عباد الله! ورجع كفار مكة يجرون أذيال الخيبة والهزيمة، قُتِلَ منهم سبعون وأُسِرَ منهم سبعون.
قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ [آل عمران: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: ٧ - ٨].
عباد الله! العنصر الثالث نتائج الغزوة .
انتهت غزوة بدرٍ بنصر الإِسلام والمسلمين، وهزيمة الشرك والمشركين، وكان من نتائج الغزوة.
أولاً: نصر عظيم من الله للمؤمنين .
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ
стр. 336
بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦]
ثانياً: هلاك أئمة الكفر:
فقد قتل المسلمون سبعين رجلاً من بينهم أئمة الكفر.
هلاك أبي جهل لعنه الله:
عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: لقد رأيتني يوم بدر في الصف بين غلامين حديثة أسنانهما، فتمنيتُ أن أكون بين أكبر منهما، قال: فغمزني الذي عن يميني وقال: يا عماه أين أبو جهل؟ فقلت: يا ابن أخي ومالك ولأبي جهل قال: يا عماه لقد أخبرت أنه كان يسب رسول الله! لئن لقيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.
قال: ثم غمزني الذي عن يساري وأسرّ إليّ بمثلها، فلم أنشبْ أن رأيت أبا جهل يجول في الناس.
فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه وكان الغلامان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء" (١).
والظاهر أنهما تركاه مثخناً في جراحه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة
ولذلك روى أبو داود في "سننه": أن عبد الله بن مسعود ﵁ مرَّ بأبي جهل صريعاً فوقف على رأسه وقال: أخزاك الله يا عدو الله، ثم جعل يجهز عليه بسيفه، قال: فلم تغن عني شيئاً فما زلت أضربه حتى سقط سيفه من يديه فضربته به حتى برد (٢).
стр. 337
هلاك عقبة بن أبي مُعيط أشقى القوم لعنه الله:
أما عقبةُ بن أبي معيط، فقد أمر النبي ﷺ بضرب عنقه وكان من الأسرى، وفيه جواز قتل الأسير الكافر؛ لأنه كان من أشقى القوم، وممن يطلق عليهم بمصطلح العصر (مجرم حرب) وسيق الأشقياء الثلاثة إلى النار وبئس القرار، وكم لاقى المسلمون بمكة من إيذائهم واستهزائهم، وليبشر أئمة الكفر في كل زمان بهذه النهاية المشؤومة، إن لم يتوبوا إلى ربهم ويثوبوا إلى رشدهم، فإن الله يمهل ولا يُهمل "إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلتهُ" (١).
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
هلاك أمية بن خلف عدوالله:
الذي كان يعذب المسلمين في مكة، ومنهم بلال ﵁، فقد أسره عبد الرحمن بن عوف بعد المعركة، وأسر معه علياً ابنه فلمحه بلال، وكان هو الذي يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، واستصرخ عليه الأنصار، فأعانوه على قتله هو وابنه علي (٢).
عباد الله! وأمر رسول الله ﷺ بسحب قتلى المشركين إلى آبار ببدر فألقوا فيها، فلما كان ببدر اليوم الثالث وقف على أربعة وعشرين رجلاً منهم من صناديد قريش في إحدى الآبار فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم:
يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟
стр. 338
فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟
فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟
فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"
قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة" (١).
ثالثاً: ومن نتائج غزوة بدرٍ الكبرى: الأسرى .
فقد أسر المسلمون سبعين رجلاً من صناديد قريش.
وقد استشار الرسول الله ﷺ أبا بكر وعمر فيما يصنع بالأسرى؟
فأشار أبو بكر بأخذ الفدية منهم، وعلل ذلك بقوله "فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام".
وأشار عمر بن الخطاب بقتلهم وعلل ذلك بقوله "فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها"، ولم يكن قد نزل من أمرهم وحيٌ.
ومال النبي ﷺ إلى رأي أبي بكر بقبول الفدية، فنزلت الآية الكريمة في موافقة رأي عمر ﵁: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] (٢).
رابعاً: الغنائم
وقد غنم المسلمون في بدر من الكفار غنائم كثيرة جداً، ووقع خلاف
стр. 339
حول الغنائم إذ لم يكن حكمها قد شرع بعد، فنزل القرآن بتقسيمها كما نزل بمشروعيتها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١].
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١]، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: ٦٩].
خامساً: الشهداء
واستُشهد من المسلمين في بدرٍ أربعة عشر رجلاً اتخذهم الله شهداء فضلاً منه ونعمة، سبحانه وهو القائل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وجاءت أم حارثة وقد قتل ولدها ضمن الأربعة عشر شهيداً، فقالت: يا رسول الله، أنبئني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك بكيت عليه بكاءً لم يُبكَ على غيره.
فقال ﷺ : "أهبلت يا فلانة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك قد حاز الفردوس الأعلى منها" (١).
اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.
стр. 340
الخطبة الثالثة والثلاثون: غزوة بني قينُقاع وغزوة بني النضير
عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بني قينقاع وغزوة بني النضير.
عباد الله! عندما وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجراً من مكة بدأ ببناء المسجد، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم عقد معاهدة مع اليهود في المدينة تَكْفُلُ لهم الحرية الكاملة في دينهم وعقائدهم، وتضمن لهم أن يعيشوا في جوار النبي ﷺ ، في سلم وسلام، وأمنٍ وأمان.
وكان من مقتضى هذه المعاهدة، أن يكون المسلمون واليهود يداً واحدة ضدَّ كل عدو يقصد المدينة بسوء، وأن يحافظ الجميع على الأمن الداخلي في المدينة.
وكان اليهود في المدينة ثلاث طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فعاهدهم النبي ﷺ جميعاً.
وأخذ النبي- ﷺ يحث المسلمين على الوفاء، ويحذرهم من الغدر والخيانة، ويحثهم على احترام هذه المعاهدة وعلى احترام أهلها، ويحذرهم من الاعتداء على أهل هذه المعاهدة في نفسٍ أو مالٍ.
فقال- ﷺ : "ألا من ظلم معاهداً، أو انتقضه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (١).
стр. 341
وقال- ﷺ : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً" (١).
عباد الله! وحافظ النبي ﷺ والمسلمون على هذه المعاهدة، ولم يأت من المسلمين ما يخالف حرفاً واحداً من نصوصها، ولكن اليهود الذين ملأوا تاريخهم بالغدر والخيانة ونكث العهود؛ لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة، فغدروا وخانوا، ونقضوا العهود والمواثيق بعد أن نصر الله المسلمين في بدرٍ.
وكان أول مَنْ غَدَرَ يهودُ بني قينقاع، وكان ذلك بعد غزوة بدرٍ الكبرى بشهرٍ واحد، ثم غدرت بنو النضير بعد غزوة بدرٍ بستة أشهر، كما ذكر الإِمام البخاري في "صحيحه"، ثم غدرت بنو قريظةَ في غزوة الأحزاب، فعاقبهم النبي ﷺ بالعقاب الذي يليق بهم وبغدرهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله- ﷺ ، فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير، وَأَقَرَّ قريظة ومنَّ عليهم؛ حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم، لحقوا بالنبي- ﷺ فأمَنَهُم وأسلموا، وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينةُ كلهم بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام)، ويهود بني حارثة، وكل يهوديٍّ كان في المدينة (٢).
стр. 342
عباد الله! وحديثنا عن غزوة بني قينقاع وغزوة بني النضير سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: بعد غزوة بدرٍ الكبرى كفار مكة في مكة يهددون، واليهود في المدينة يغدرون .
العنصرالثاثي: ولا يحيق المكر السيئُ إلا بأهله.
العنصر الثالث: اليهود في المدينة يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار.
العنصر الرابع: دروس وعظات وعبر
العنصر الأول: بعد غزوة بدر الكبرى، كفار مكة في مكة يهددون، واليهود في المدينة يغدرون.
عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن غزوة بدرٍ الكبرى وتبين لنا أن الله قد منَّ على المسلمين بنصر عظيم على الكافرين؛ بأن قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وعندما وصلت أخبارُ النصر إلى مكة لم يصدقوا، حتى أنهم اتهموا الذي يخبرهم بالجنون حتى وصل جيش الكفر يجر أذيال الهزيمة والخيبة والعار، فلما تبين لهم صدق الخبر صُعِقَ نفرٌ منهم فهلك لتوِّه، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب لا يدري ما يفعل.
ولم تزدهم الهزيمة إلا كُرها للإسلام، ونقمة على محمَّد وصحبه واضطهاداً لمن يدخل في دينه.
ولما وصلت أخبار النصر إلى المدينة؛ لم يُصدق الخبر المنافقون والمشركون واليهود حتى أنهم اتهموا المسلمين الذين يُذيعون الخبر بالكذب، حتى جاء جيش الإِسلام من بدرٍ وأعلام النصر ترفرف عليه، والأسرى مقرنين في
стр. 343
الأصفاد، والغنائم بين يديه، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهراً، وقلوبهم تغلي حقداًَ وحسداً وكفراً، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وفريق آخر سلك أسلوب الدسِّ والنفاق والغدر والتمرد.
عباد الله! كفار مكة بعد هزيمتهم في بدر، يفكرون في الانتقام من محمَّد ﷺ وأصحابه، ولكنهم يريدون أن يكون ذلك عن طريق اليهود في المدينة، فأرسلوا إليهم تهديداً، إذا لم تقتلوا محمداً فعلنا بكم كذا وكذا.
فلما وصل ذلك لليهود في المدينة بدأ الغدر، ونقض العهود والمواثيق والخيانة، وأول من نقض العهد يهود بني قينقاع.
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجلٍ من أصحاب النبي- ﷺ : "أن كفار قريش كتبوا بعد وقعة بدرٍ إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتُقاتلُنَّ صاحبنا -أي رسول الله ﷺ أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحولُ بيننا وبين خدم نسائكم شيء- وهي الخلاخيل .. " (١).
عباد الله! لما وصل الكتاب إلى اليهود في المدينة أجمعوا على الغدر برسول الله ﷺ وأصحابه، وأولُ من نقض العهد وغدر؛ هم يهود بني قينقاع، وكانوا يسكنون داخل المدينة -في حي باسمهم- وكانوا صاغة وحدادين، وكانت عندهم خبرةٌ بالقتال وصنع السلاح، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة مقاتل.
عباد الله! وبعد أن نصر الله المسلمين في بدرٍ أخذ يهود بني قينقاع يثيرون الشغب، ويتعرضون بالسخرية، ويواجهون بالأذى كل مَنْ ورد سوقهم من
стр. 344
المسلمين، حتى أخذوا يتعرضون لنسائهم فجاءت امرأة إلى السوق عندهم لتبيع شيئاً، فلما جلست عند الصائغ اليهودي راودها على أن تكشف وجهها فأبت فاجتمع اليهود وراودوها أن تكشف عن وجهها فأبت، فقام الصائغ بربط طرف ثوبها في ظهرها خفية دون أن تعلم، فلما قامت المرأة انكشفت سوءاتها، فضحك اليهود فقام مسلم يوجد في السوق فقتل اليهودي فاجتمع اليهود على هذا المسلم فقتلوه، فجاء أهل المسلم واستنصروا بالمسلمين فوقع الشر بين المسلمين وبين يهود بني قينقاع.
وهذه رواية يذكرها أصحاب السير وإن كان في إسنادها ضعف، ولكن هذا لا يستغرب من أفعال اليهود.
ولم يكتفوا بذلك بل قالوا لرسول الله ﷺ : يا محمَّد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحنُ الناس، وأنك لم تلق مثلنا.
فأنزل الله تعالى قرآناً ينذر هؤلاء بسوء المنقلب: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣].
عباد الله! وفي قولهم هذا لرسول الله ﷺ إعلان منهم سافرٌ عن الحرب، ونقضٌ منهم للعهود والمواثيق، ولم يكتفوا بذلك بل أخلُّوا بالأمن في داخل المدينة وأخذوا يتعرضون لنساء المسلمين فلما فعلوا ذلك سار إليهم رسول الله ﷺ بالكتائب، المسلمة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فأراد قتلهم
стр. 345
فاستوهبهم منه عبد الله بن أُبي، رأسُ النفاق وزعيم المنافقين وكانوا حلفاءه فوهبهم له.
وأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات بالشام، ولم يبقوا هنالك طويلاً حتى هلك أكثرهم.
العنصر الثاني: ولا يحيق المكُر السيئ إلا بأهله .
عباد الله! لم يعتبر باقي اليهود بما أصاب كفار قريش في بدرٍ من القتل والأسر، ولا بما أصاب بني قينقاع من الجلاء عن المدينة.
فأخذ اليهود في المدينة يمكرون بالإِسلام والمسلمين مكراً سيئاً.
قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال:٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].
ومن هؤلاء اليهود الذين مكروا بالإِسلام والمسلمين مكراً سيئاً كعب بن الأشرف، وكان هذا اليهودي من أشد اليهود حنقاً على الإِسلام والمسلمين، وإيذاءً لرسول الله ﷺ وتظاهُراً بالدعوة إلى حربه.
وهذا اليهودي كان من يهود بني النضير، وكان غنياً مترفاً، معروفاً بجماله في العرب، وكان شاعراً من شعرائها.
ولما بلغه أول خبرٍ عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدرٍ قال: أحقٌ هذا؟ هؤلاء أشرافُ العرب، وملوكُ الناسِ والله! إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خيرٌ من ظهرها.
عباد الله! ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله ﷺ والمسلمين، ويمدح عدوَّهم، ويحرضهم عليهم بل أخذ يتغزل بنساء الصحابة
стр. 346
في شعره، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريشٍ، فنزل على أحد أشرافهم وجعل ينشد الأشعار، يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يُثيرُ بذلك حفائِظهم، ويزكي حقدهم على النبي- ﷺ ، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمَّد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ فقال عدو الله: أنتم أهدى منهم سبيلاً وأفضل، وفي ذلك أنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢].
ثم رجع كعب بن الأشرف اليهودي إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب -أي يتغزل- في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بصلاقة لسانه أشد الإيذاء.
عباد الله! عندها قال رسول الله- ﷺ : مَنْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله، قال محمَّد بن مسلمة ﵁، أنا يا رسول الله.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى قصة قتل هذا المجرم- كعب بن الأشرف اليهودي- الذي آذى الله ورسوله، ومكر بالمسلمين مكراً سيئاً، لتعلموا أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ ".
فقام محمَّد بن مسلمة ﵁ فقال: أنا يا رسول الله! أتحب أن أقتلهُ؟ قال ﷺ : "نعم".
стр. 347
قال: تأذن لي أن أقول شيئاً (أي: ائذن لي أن أتكلم في حقك من أجل المصلحة).
قال ﷺ : "قل".
فأتاه محمَّد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا (أي أوقعنا في العنت والحرج وكلَّفنا ما لا نجد).
فقال كعبٌ- وقد بدى البِشْرُ على وجهه مما سمع من محمَّد بن مسلمة في حقِّ النبي ﷺ : والله! لتمَلُّنَّهُ.
فقال محمَّد بن مسلمة: إنا قد اتبعناهُ، وما نريد أن نرجعَ عنه حتى نرى إلى ماذا ينتهي أمرهُ وشأنه، فَسَلِّفني وسْقاً أو وَسقين.
فقال كعب: نعم أرهنوني.
قال محمد بن مسلمة: ماذا تريد أن نُرهنك؟
فقال كعب: أَرهنوني نساءكمُ
قال ابن مسلمة: كيف نُرهنك نساءنا وأنت أجملُ العربِ؟
قال كعب: فارهنوني أبناءكم.
قال ابن مسلمة: كيف نُرهِنُك أبناءَنا، فيسبُ أحدُهم، فيقال: رُهِنَ بوسقٍ أو وسقين -أي هذا عارٌ علينا-.
قال كعب: فماذا ترهنوني؟
قال ابن مسلمة: نرهنك اللأمة - (يعني: السسلاح) - وأراد ابن مسلمة بذلك، أنه إذا جاءه بعد ذلك والسلاح في يده لا ينكرهُ؛ لأنه في اعتقاده أنه جاء بالسلاح ليضعه عنده رهناً-.
стр. 348
قال كعب: نعم
ثم وعده محمد بن مسلمة أن يأتيه في الليلة القادمة ببعض رجالٍ على مثل ما هو عليه في محمد ﷺ .
فجاءَوه في الليلة التالية وهم متسلحون، فدعوه ليلاً لينزل إليهم فقالت امرأتهُ: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم!
فقال كعب لها: إنه أخي محمَّد بن مسلمة ورضيعي -أي أخي في الرضاعة- أبو نائلة، ولو دُعي الفتى لطعنةٍ ليلاً لأجاب، فنزل.
فقال محمَّد بن مسلمة لأصحابه قبل أن ينزل إليهم: إني سأمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم فاقتلوه.
فلما نزل إليهم كعب نزل متوشحاً، تفوح منه رائحة الطيب.
فقالوا: نجد منك ريح الطيب؟
فقال كعب: نعم عندي أعطرُ نساء العرب.
فقال محمَّد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم؟ فوضع يده في رأسه فمسح رأسه بيده ليأخذ من طيب رأسه ثم شمّها، ثم ساروا قليلاً ثم عاد محمَّد بن مسلمة فقال: أتأذن لي أن أعود فاشمَّ؟
قال كعب: نعم شمَّ، فوضع يده في رأسه، فلما استمكن من رأسه قال لأصحابه: دونكم فاقتلوه، فقتلوه" (١).
عباد الله! نزلت السيوف على جسد هذا المجرم فوقع عدو الله قتيلا، وقد
стр. 349
صاح صيحة شديدة، أفزعت من حوله من اليهود فلم يبق حصنٌ إلا أوقد النار -أي استيقظ من نومه- وفي الصباح علمت بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف فدب الرعب في قلوبهم العنيدة ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
وهكذا يفعل الله بكل من مكر بالإِسلام والمسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
عباد الله! هذا عذابهم في الدنيا، قتلٌ، خزيٌ، فضيحة، أما في الآخرة فالعذاب الأليم قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾
ليعلم الجميع أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
العنصر الثالث: اليهود يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الأبصار .
عباد الله! بعد غزوة بدرٍ الكبرى أرسل كفار مكة كتاباً إلى اليهود في
المدينة يهددونهم بكذا وكذا إذا لم يقتلوا محمداً ﷺ ، فلما وصل الكتاب إلى اليهود في المدينة، أجمعت بنو النضير على الغدر ونسوا ما بينهم وبين النبي ﷺ من العهد والميثاق.
فأرسلوا إلى النبي ﷺ : اخرج لنا في ثلاثين من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبراً؛ حتى نلتقي بمكان المنصف؛ فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك؛ آمنا بك- وهم بذلك يريدوا أن يغتالوا رسول الله ﷺ ومن معه من أصحابه- ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].
стр. 350
فأخبر اللهُ رسوله ﷺ عن طريق جبريل ﵇ بما مكر به يهود بني النضير.
فخرج إليهم رسول الله ﷺ بكتائب الجيش المسلم، فلما رأوا الجيوش قد زحفت إليهم فروا هاربين إلى حصونهم، وكانت حصونهم منيعة، فأغلقوا أبوابهم، وتحصنوا بها، وحاصرهم النبي- ﷺ ليالي وهموا بالتسليم لرسول الله ﷺ ، ولكن زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول أرسل إليهم أن امتنعوا وتحصنوا ولا تنزلوا من حصونكم، فإنَّا مِن ورائكم، نمنعكم مما يضركم، لئن قوتلتم لننصرنكم، ولئن أُخرجتم لنخرجن معكم، فصدّقوهم، وأرسل يهود بني النضير إلى رسول الله ﷺ يقولوا: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.
فأمر النبي ﷺ بقطع النخيل وتحريقها، فدبَّ الخوف في نفوسهم وملأ الرعبُ قلوبهم، وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فسألوا رسول الله ﷺ أن ينزلوا على أن لهم ما حملت الإبلُ إلا السلاح، فوافق الرسول ﷺ على عرضهم هذا.
فجعل الرجل يهدم بيته بيده! ويحملُ الأبواب والشبابيك معه، وخرجوا من المدينة، فمنهم من نزل خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.
قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢].
عباد الله! ونزلت سورة الحشر في بني النضير، فعن سعيد بن جبير ﵁ "قال: قلت لابن عباس سورة الحشر؟ فقال: لا تقل سورة الحشر، قل:
стр. 351
سورة بني النضير" (١).
عباد الله! وفي سورة الحشر
أولاً: بدأها الله بالتسبيح وختمها بالتسبيح، قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.
ثانياً: بين الله في هذه السورة كيف ينتقم من أعدائه، وكيف أنه سبحانه جاء لبني النضير من باب لا يخطر لهم على بال.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢]
دب الرعب في قلوبهم، والرعبُ سلاح رباني ينصر الله به عباده.
ثالثاً: أثنى الله في هذه السورة على المهاجرين والأنصار ومن سلك سبيلهم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].
رابعاً: فضح الله المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأبطنوا الكفر قال تعالى:
стр. 352
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾ [الحشر: ١١ - ١٢].
العنصر الرابع: الدروس والعظات والعبر:
أولاً: من وقف في وجه الإِسلام أباده الله، عاجلاً أو آجلاً، فانظروا ماذا فعل الله بكفار مكة عندما جاءوا للاعتداء على الإِسلام والمسلمين في غزوة بدر.
وماذا فعل بيهود بني قينقاع عندما مكروا بالإِسلام والمسلمين.
وانظروا ماذا فعل الله تعالى بيهود بني النضير عندما نقضوا العهود والمواثيق، واعتدوا على الإِسلام والمسلمين، والعاقل من اتعظ بغيره، وليعتبر كل من تسول له نفسه أن يقف في وجه الإِسلام، وأن يمكر بالإِسلام والمسلمين.
ثانياً: النصر على الأعداء لا يكون إلا من عند الله.
قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
من الذي نصر المؤمنين يوم بدر؟ إنه هو الله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
من الذي نصر المؤمنين يوم الأحزاب؟ إنه هو الله.
стр. 353
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]
- من الذي نصر المؤمنين يوم حنين وفي مواطن كثيرة؟ إنه هو الله
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].
- من الذي قذف الرعب في قلوب يهود بني النضير، فأخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين؟ إنه هو الله.
قال تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢]
فالنصر يا عباد الله لا يكون إلا من عند الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ١٠]
ومن سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير أنه لا ينصر عباده إلا إذا نصروه.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].
ثالثاً: بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح واتباع منهج الصحابة ننتصر على أعدائنا عامة وعلى اليهود خاصة.
وهذا يظهر جليا من سورة الحشر التي نزلت من شأن يهود بني النضير.
стр. 354
ففي السورة توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وفيها الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار.
وفي السورة الحث على الأعمال الصالحة، فالسورة بدأت بالتسبيح لله وانتهت بالتسبيح.
وقال تعالى في وسط السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩].
وفي سياق السورة؛ أثنى الله على المهاجرين والأنصار، ومن سلك سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين، ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، ثم الآية التي جاءت بعدها في الأنصار، ثم الآية التي بعدها جاءت في من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رابعاً: على المسلمين أن يفهموا الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة -الصحابة ﵃ ومن سلك سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين.
الشباب المتحمس والمتعجل الذي يفهم الكتاب والسنة بعواطفه، ويستدل بقتل كعب بن الأشرف اليهودي على عمليات الاغتيال للحكام ورجال الأمن وهذا خطأ كبير لا يقره الشرع والدين؛ لأن قتل كعب بن الأشرف كان بأمر النبي ﷺ ، وكان يهودياً مناقضاً للعهد والميثاق الذي وثقه مع رسول الله ﷺ ، وكان يؤذي الله ورسوله، والذي أمر بقتله هو رسول الله ﷺ ، ورسولنا الكريم لا يأمر من عند نفسه ولكن كان ذلك بوحي من الله ، ونقول عندما أمر الرسول بقتل كعب بن الأشرف لم تكن هناك مفسدة واحدة، ولم يستطع يهودي واحد أن يتكلم أو يتحرك بعد ما
стр. 355
رأوا قتل كعب بن الأشرف، بل دخلوا في حصونهم ودب الرعب في قلوبهمِ، أما ما يفعله بعض الشباب المسلم فيقتلون فلاناً وفلاناً بعد أن يُكَفِّرُونهم، ويحملون فكر التكفير في عقولهم، هذا يخالف ديننا ويبرأ منه الإِسلام، والمفاسد كثيرة بعد أن يقتلوا رجلاً واحداًَ، وإذا قلنا لهم ذلك ونصحناهم اتهمونا بالعمالة والجبن، والله المستعان.
اللهم رد المسلمين إلى دينك رداًَ جميلاً.