← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه" (١). تاسعاً: ومن أعظم حقوق الأخوة في الله: ألا يكون الأخ أحق بدرهمه وديناره من أخيه . لأن النبي ﷺ قال: "ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه" (٢). ولقد أتى أبا هريرة رجل فقال: يا أبا هريرة إني أريد أن أؤاخيك في الله فقال أبو هريرة: وهل تدري ما حق الأخوة؟ قال: لا، عرفني. قال: إن من حق الأخوة ألا تكون أحق بدرهمك ولا دينارك مني. فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة. قال أبو هريرة: فإليك عني (٣). وقال أبو جعفر لأصحابه يوماً: أيدخل أحدكم يده في جيب أخيه فيأخذ من ماله ما يريد؟ قالوا: لا. قال: فلستم بإخوان كما تزعمون (٤). العنصر الرابع: الأمراض التي تفتك، وتفسد الأخوة في الله . أولاً: الحسد والتباغض والتدابر قال ﷺ : " .. لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع

стр. 282

بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره (ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" (١). ثانياً: سوء الظن والتجسس والغيبة والنميمة . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. وقال- ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا .. " (٢). ثالثاً: الهجران ولذلك كان النبي- ﷺ يحذر أمته من الهجر قال- ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (٣). وقال ﷺ : "تعرض أعمال الناس في كل خميس واثنين، فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً؛ إلا امرءاً كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول اتركوهما حتى يصطلحا" (٤). رابعاً: السخرية ولذلك حذر الإِسلام من أن يسخر المسلم من أخيه المسلم.

стр. 283

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]. خامساً: عدم التثبت من الأخبار التي ينقلها بعض الفساق . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. سادساً: الغش في البيع والشراء . قال- ﷺ : "من غشنا فليس منا" (١). وقال ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" (٢). فاتقوا الله عباد الله!، وكونوا على حذر من هذه الأمراض التي فرقت بين المسلمين، وكونوا عباد الله! إخواناً كما أمركم الله ﵎. اللهم ألف بين قلوب المسلمين.

стр. 284

الخطبة الثامنة والعشرون: وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود. عباد الله! عندما وصل النبي ﷺ إلى المدينة مهاجراً من مكة انشغل بما يلي: أولاً: صلة الأمة بالله، فبادر ﷺ إلى بناء المسجد كما ذكرنا، لتظهر فيه شعائر الإِسلام التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء بربه، وتنقى القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا. ثانياً: صلة الأمة بعضها ببعض، فآخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار أخوة تمحى من خلالها كلمة (أنا)، ويتحرك الفرد فيها بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كياناً دونها .. ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه. ثالثاً: صلة الأمة بالأجانب عنها، ممن لا يدينون دينها، أخص بالذكر "اليهود" الذين استوطنوا المدينة في ذلك الوقت. عباد الله! وحديثنا عن وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر.

стр. 285

العنصر الثاني: موقف اليهود من رسول الله ﷺ عندما وصل إلى المدينة. العنصرالثالث: معاملة النبي ﷺ لليهود في المدينة. العنصر الرابع: اليهود أهل غدر وخيانة. العنصر الأول: الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر: عباد الله! الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١]. وقال عبد الله بن سلام -وكان رجلاً يهودياً شرح الله صدره للإسلام-: فلما رأيت وجهه (أي النبي ﷺ ) علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" (١). وسأل رجل النبي ﷺ : أي الإِسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٢). وقال ﷺ : "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (٣). وقال ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤). عباد الله! الإِسلام دين يأمر بالوفاء بالعهود ويحذر من الخيانة والغدر،

стр. 286

قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء:٣٤]، أي يا معشر المسلمين إذا عاهدتم فأوفوا بعهدكم، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقال تعالى محذراً من نقض العهود: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. عباد الله! والنبي ﷺ يربي أمته على الوفاء بالعهود ويحذرهم من خلف الوعود، قال ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (١). وقال ﷺ : "اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة": منها "وأوفوا إذا وعدتم" (٢). والنبي ﷺ يقول: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". وفي رواية لمسلم زاد: "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" (٣).

стр. 287

عباد الله! ولذلك ضرب لنا الرسول- ﷺ والمسلمون من بعده مثلاً أعلى في الوفاء بالعهود، استجابة لأمر الله ولأمر رسوله ﷺ . العنصر الثاني: موقف اليهود من رسول الله ﷺ عندما وصل إلى المدينة . عباد الله! اليهود شعب مجرم لا يحب إلا نفسه، ولا يعرف إلا مصالحه؛ يعيش على حساب خراب بيوت الآخرين، دائماً يُشعلون نار الحرب بين القبائل قديماً وبين الدول حديثاً. واليهود في المدينة هم الذين كانوا يشعلون نار الحرب بين الأوس والخزرج، فلما جاء النبي ﷺ إلى المدينة بالإِسلام، عرفوا وأيقنوا أن هذا الدين الجديد يقضي على مصالحهم الخبيثة، فنظروا إلى الرسول- ﷺ والإِسلام نظرة حقد وحسد وبغض ولكنهم لم يستطيعوا أن يظهروا ذلك في أول الأمر. ويظهر لنا ذلك من قصة إسلام عبد الله بن سلام عندما أرسل النبي ﷺ إلى اليهود فجاءوا فقال لهم رسول الله- ﷺ : "يا معشر اليهود؛ ويلكم اتقوا الله وأسلموا، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد علمتم أني رسول الله حقاً، وأني قد جئتكم بالحق من عنده" فقالوا: ما نعلمه -وهذا يدل على ما في قلوبهم- علماً أنهم يعرفون رسول الله- ﷺ حقاً كما يعرفون أبناءهم. وعندما قال لهم: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. وعندما قال لهم عبد الله بن سلام: يا معشر اليهود! اتقو الله فوالله الذي

стр. 288

لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق، فقالوا له: كذبت (وهذا يعبر عما في قلوب اليهود). ويظهر لنا ذلك أيضاً مما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ أنها قالت: كنت أحَبُّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر؛ لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي؛ حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين -أي وقت صلاة الفجر- قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع. فوالله! ما التفت إلى واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمِّ. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي، حيي بن أخطب: أهو هو؟ - وهذا هو الشاهد -أي: أهو الرسول الذي نعرفه في التوراة. قال: نعم والله! قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله! ما بقيت -وهذا هو الشاهد- (١).

стр. 289

هذا هو موقف اليهود من الرسول ﷺ عندما وصل إلى المدينة، حقد بغضاء حسد عداوة. العنصر الثالث: معاملة النبي- ﷺ لليهود في المدينة . عباد الله! لما استقرت الأوضاع في المدينة، تطلع رسول الله ﷺ إلى حماية المدينة من الداخل- وهذا ما يقال في لغة العصر تأمين الجبهة الداخلية- فسعى إلى أن يكون بينه وبن اليهود -وهم على دينهم- حسن جوار فلا يؤذيهم ولا يؤذونه، ولا يعتدي عليهم ولا يعتدون عليه، فدعى النبي- ﷺ إلى معاهدة سلم تكفل لهم الحرية الكاملة التامة في دينهم وأموالهم، وتضمن لهم أن يعيشوا في جوار النبي- ﷺ في سلم وسلام، وأمن وأمان. وكان من مقتضى هذه المعاهدة أن يكون المسلمون واليهود يداً واحدة ضد كل من قصد المدينة بسوء. وكان في المدينة من اليهود ثلاث طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فعاهدهم النبي ﷺ جميعاً على المسالمة، وعلى النصرة والمؤازرة ضد كل من يقصد المدينة بسوء. عباد الله! وأخذ النبي- ﷺ يحث المسلمين على الوفاء، وأداء الأمانة، وينهاهم عن الغدر والخيانة، ويأمرهم باحترام هذه المعاهدة واحترام أهلها، ويحذرهم من الاعتداء على أهل هذه المعاهدة في نفس أو مال، فجعل ﷺ يقول: "ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (١).

стр. 290

وجعل ﷺ يقول: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً" (١). عباد الله! وتأليفاً من النبي ﷺ لقلوب اليهود، وطمعاً في إسلامهم: توجه ﷺ في صلاته إلى بيت المقدس بأمر الله له. ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فسألهم عن سبب صيامهم فقالوا: ذاك يوم نجَّى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل، وأهلك فرعون وملأه؛ فنحن نصومه شكراً لله فقال ﷺ : "نحن أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه" (٢). وظل ﷺ يوافقهم على ما هم عليه؛ فيما لم يأته فيه وحي من الله تأليفاً لقلوبهم، فعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه. "وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي ﷺ ناصيته ثم فرق بعد" (٣). سدل رسول الله ﷺ ناصيته تأليفاً منه لليهود، وموافقة لهم حتى يكون قريباً منهم، ومع ذلك لم يستجيبوا له، ثم فرق بعد أن دخل الوثنيون في الإِسلام وأبى اليهود إلا الكفر. عباد الله! وكان القرآن الكريم ينزل على النبي ﷺ مفرقاً في العلاقة بين

стр. 291

المسلمين واليهود، وبين المسلمين والوثنيين. فنهى الله تعالى رسوله والمسلمين عن أكل طعام الوثنيين وعن الزواج منهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. نهيٌ عن أكل ذبائح المشركين، ونهى عن الزواج منهم. أما اليهود والنصارى فقد أحل الله تعالى طعامهم والزواج منهم. فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]. عباد الله! ونزل القرآن الكريم يدعو اليهود والنصارى إلى الإيمان، ويرغبهم فيه، وينهاهم عن الكفر. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ

стр. 292

الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١]. عباد الله! ومع ذلك كله، فقد أصر اليهود على الكفر، واستكبروا استكبار، ومكروا للإسلام والمسلمين مكراً كباراً، فمن مكرهم وخديعتهم، أن يدخل في الإِسلام نفر منهم أول النهار، ويجلسون عند رسول الله ﷺ وبين المسلمين، ويراهم المسلمون جميعاً، حتى إذا كادت الشمس تغرب رجع هؤلاء اليهود عن إسلامهم آخر النهار وذلك حتى يقال: إن اليهود أهل نبوة وأهل كتاب، وعندهم علم من السماء فقد دخلوا في الإِسلام يظنونه دين الحق، فلما دخلوا فيه تبين لهم أنه ليس دين الحق، ولذلك رجعوا عنه فتكون هذه فتنة لضعاف الإيمان، والذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم بعد، والله الذي خلقهم يعلم طبائعهم وخبثهم، فأخبرنا في كتابه عن صنيعهم، قال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣]. وحذر ربنا -جل وعلا- اليهود من هذا الفعل، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ [آل عمران: ٩٩].

стр. 293

عباد الله! وقد أخبرنا الله في كتابه عما تحمله اليهود في قلوبهم نحو المسلمين والإِسلام، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. عباد الله! من أجل ذلك حذر الله رسوله ﷺ والمسلمين من أهل الكتاب- اليهود والنصارى- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].

стр. 294

العنصر الرابع: اليهود أهل غدر وخيانة . عباد الله! ومع ذلك كله ظل النبي ﷺ وفياً لهم بعهده، ملتزماً بالميثاق الذي أخذه على نفسه لهم، حتى كانوا هم أول من نقض العهد، فأجلاهم وأخرجهم من المدينة، وقتل فيهم من قتل، وكان أول من نقض العهد من طوائف اليهود بنو قينقاع، ثم نقض بنو النضير عهدهم في نفس السنة، ولما جاءت الأحزاب في السنة الخامسة نقض بنو قريظة عهدهم، فلما رجعت الأحزاب أتاهم النبي ﷺ فقتل مقاتليهم وسبق ذراريهم ونسائهم، وقد أخبرنا الله في كتابه أن اليهود أهل غدر وخيانة ونقض للعهود. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا

стр. 295

مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٢ - ١٣]. عن عبد الله بن عمر ﵄ أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ ، فأجلى رسول الله- ﷺ بني النضير وأقر قريظة، ومنَّ عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا أن بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فاَمنهم وأسلموا، وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام) ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان في المدينة" (١). فقد ثبت بالكتاب والسنة والتاريخ أن المسلمين أهل وفاء وأمانة، وأن اليهود أهل غدر وخيانة. فنسأل الله سبحانه كما أخرج اليهود من المدينة؛ أن يخرجهم من أرض فلسطين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 296

الخطبة التاسعة والعشرون: مشروعية القتال عباد الله! وموعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن مشروعية القتال. وكلامنا عن مشروعية القتال سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: رسول الله ﷺ والمسلمون قبل مشروعية القتال العنصر الثاني: مشروعية القتال. العنصر الثالث: السرايا والغزوات التي تحركت من المدينة بعد الإذن بالقتال. العنصر الأول: رسول الله- ﷺ والمسلمون قبل مشروعية القتال: عباد الله! أرسل الله رسوله إلى الناس جميعاً، وأمره أن يدعو إلى الهدى ودين الحق، فلبث في مكة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، عباد الله! فقابل كفار مكة هذه الدعوة بالصد والاعتداء على رسول الله- ﷺ وعلى أصحابه، والله يأمر رسوله ﷺ أن يقابل هذا الاعتداء؛ بالصبر، والعفو، والصفح الجميل. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤].

стр. 297

رسول الله ﷺ في مكة يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وكفار قريش يقابلون ذلك بالاعتداءات على رسول الله ﷺ وأصحابه. ولم يأذن الله لرسوله ﷺ بأن يقابل السيئة بالسيئة، أو يواجه الأذى بالأذى، أو يحارب الذين حاربوا الدعوة، أو يقاتل الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ولكن قال له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾ [المؤمنون: ٩٦]. وذلك يا عباد الله! حتى لا يصطدم المسلمون مع الكفار في بداية الدعوة، فيؤثر ذلك على دعوة الإِسلام. عباد الله! النبي ﷺ في مكة يربي أصحابه على العفو والصبر والصفح، وينهاهم عن قتال الكفار قبل مشروعية القتال. ومن الأمثلة على ذلك: ١. كان النبي- ﷺ يمر على أصحابه وهم يعذبون فيقول لهم: "صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" (١). ٢. وعن ابن عباس ﵄: "أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي ﷺ بمكة فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة- يريدون بذلك أن يأذن لهم النبي ﷺ أن يقاتلوا الكفار- فقال: "إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا .. " (٢). ٣. وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد

стр. 298

بردة له في ظل الكعبة- ولقد لقينا من المشركين شدة-، فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال- ﷺ : "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشي بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١). تربية في بادئ الأمر على الصفح والعفو والصبر الجميل. العنصر الثاني: مشروعية القتال . عباد الله! كفار مكة يتفننون في أساليب الاعتداء على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ ليصدوهم عن دينهم، والنبي ﷺ وأصحابه يقابلون ذلك بالعفو والصفح الجميل، ولما وصل الاعتداء قمته بتدبير مؤامرة لاغتيال النبي ﷺ ، اضطر الرسول ﷺ وأصحابه أن يهاجروا من مكة إلى المدينة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]. عباد الله! عندما وصل النبي- ﷺ إلى المدينة مهاجراً من مكة بدأ أولاً ببناء المسجد، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم عقد معاهدة مع اليهود -الذين يسكنون معه في المدينة- تقتضي أن يكون المسلمون واليهود يداً واحدة ضد كل من قصد المدينة بسوء- وهذا ما يسمى في لغة العصر تأمين

стр. 299

الجبهة الداخلية- ليتفرغوا للتصدي لأي عدوان يأتي من الخارج على المدينة. عباد الله! لما استقر رسول الله ﷺ بالمدينة، وألف الله بين قلوب المسلمين، وقامت للمسلمين دولة في المدينة، ساء ذلك قريشاً وأحزنهم، فأخذوا يهددون رسول الله ﷺ وأصحابه. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - انطلق سعد بن معاذ إلى مكة معتمراً، فنزل على أمية بن خلف بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت فخرج به قريباً من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعد فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد آويتم الصباة (أي أصحاب النبي ﷺ )، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله! لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله! لئن منعتني هذا لأمنعك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة" (١). وهذا هو الشاهد، التهديد من كفار مكة لمن جاء إلى المدينة. أمر ثان يشهد بالتهديد من كفار مكة للنبي ﷺ وأصحابه. ٢ - عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ "أن

стр. 300

كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبي، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، والنبي ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه، أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم. فلما بلغ ذلك ابن أبي ومن كان معه من عبده الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله ﷺ فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا" (١). عباد الله! لما أرسل كفار مكة كتاب التهديد إلى ابن سلول وافق ذلك هوىً في نفسه، إذ كان أهل المدينة قبل هجرة النبي ﷺ يرصعون التاج لابن أبي ليتوجوه ملكاً عليهم، فلما وصل رسول الله ﷺ المدينة انصرف الناس كلهم إليه، وأعرضوا عن ابن سلول، فكان ابن سلول يعتقد أن النبي ﷺ سلبه الملك، فما هو أن أتاه هذا الكتاب من كفار قريش حتى بادر إلى تجميع الناس، وتحريضهم على قتال النبي ﷺ ، فاجتمع هو ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج لقتال النبي ﷺ ، فلما وصل الخبر إلى النبي ﷺ خرج إليهم، وذكرهم ونصحهم، فلما سمعوا كلام النبي ﷺ ، كفوا أيديهم، وألقوا سلاحهم، ورجعوا عما عزموا عليه. ٣ - واستمر كفار مكة في تهديد المسلمين، فأرسلوا كتاباً آخر إلى المسلمين في المدينة يهددونهم بالهجوم عليهم في أي لحظة من ليل أو نهار للقضاء عليهم.

стр. 301

وعلم النبي ﷺ أن هذا التهديد ليس مجرد تهديد، وأن قريشاً قد تهاجمهم بالفعل في المدينة في آية ساعة من ليل أو نهار، مما جعل النبي ﷺ يسهر بالليل ولا ينام. عن عائشة ﵂ قالت: "سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة؟ فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة. قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح -أي: صوت سلاح- فقال رسول الله ﷺ : مَنْ؟ قال: سعد بن أبي وقاص. قال: وما جاء بك؟ قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ، ثم نام حتى أصبحنا" (١). واستمر هذا السهر من النبي ﷺ ، واستمرت الصحابة في حراسته ليلاً، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فقال رسول الله ﷺ : "أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله " (٢). عباد الله! ولم يكن هذا السهر خاصاً به ﷺ وحده، بل كان أصحابه جميعاً لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، حتى شق عليهم ذلك، وكانوا لا يظنون أن يأتي عليهم يوم يضعون فيه السلاح، ويأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

стр. 302

عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، ورمتهم العرب عن قوس واحدة -أي اتفقوا الكفار جميعاً على النبي ﷺ وعلى أصحابه- كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقال بعضهم لبعض وهم كذلك: تظنون أن يأتي علينا يوم نأمن على أنفسنا، ونضع السلاح ولا نخاف إلا الله من شدة البلاء- فأنزل الله قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] (١). عباد الله! في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، والتي كانت تنبئ عن أنَّ قريشاً لا يفيقون عن غيهم، ولا يمتنعون عن تمردهم بحال؛ أذن الله للمسلمين بالقتال. قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١]. عباد الله! شرع الله القتال للمسلمين على مراحل:

стр. 303

المرحلة الأولى: الإذن بالقتال دفاعاً عن النفس . قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾. المرحلة الثانية: أمر الله المسلمين بالقتال دفاعاً عن النفس والعقيدة . قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. المرحلة الثالثة: أمر الله المسلمين بقتال المشركين، وابتدائهم به، وذلك للتمكن للعقيدة الإِسلامية من الانتشار دون أية عقبات تضعها قوى الشرك، ولتصبح كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبذلك لا يقوى أحد على فتنة المؤمنين، وصرفهم عن دينهم حيثما كانوا، ويظهر ذلك من: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. عباد الله! وهذا القتال الذي شرعه الله للمسلمين، وأمرهم به، هو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وهو يختلف عن الحروب الأخرى التي تقوم بها الشعوب والدول.

стр. 304

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦]. وكان ﷺ إذا أرسل جيشاً قال لهم: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً" (١). العنصر الثالث: السرايا والغزوات التي تحركت من المدينة بعد الإذن بالقتال . عباد الله! لما أذن الله تعالى لرسوله ﷺ في الدفاع عن نفسه، وعن أصحابه، أخذ ﷺ يبعث سراياه إلى الجهات المختلفة لمقاصد عالية وحكم غالية منها: أولاً: إشعار قريش بأن المسلمين لم يهاجروا فراراً، ولم يخرجوا هرباً، وإنما هاجروا ليعدوا أنفسهم لمقاومة الطغيان، ورد الظلم والعدوان، ولتعلم قريش أن المسلمين أصبحوا أقوياء. ثانياً: السيطرة على بعض أموال قريش ليكون في ذلك إضعاف لقريش عن حرب المسلمين، وتقوية للمسلمين أنفسهم حتى ينفقوا هذه الأموال في سبيل الدعوة إلى الله، بدلاً من إنفاق قريش تلك الأموال في الصد عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. ثالثاً: إعلام الكفار من يهود المدينة ومن حولها؛ أن المسلمين قادرون على دحر أي عدوان ورد أي طغيان على المدينة، سواء كان من العدو

стр. 305

الداخلي -يعني اليهود- أو من العدو الخارجي -يعني كفار قريش-. رابعاً: استطلاع الأحوال واستكشاف الآراء، والإحاطة بالمواقع ومعرفة ميول الناس حول المدينة هل هي مع المسلمين أو عليهم. خامساً: الدعوة إلى الله ، ونشر دين الله ﵎ ولذلك لم يحصل قتال في أي سرية بعثها النبي ﷺ إلا بعد عناد الكفار، وإصرارهم على القتال، فكان المسلمون يضطرون إلى منازلة الكافرين لإصرارهم على المنازلة. عباد الله! ففي رمضان من السنة الأولى التقى "حمزة بن عبد المطلب" في ثلاثين من المسلمين، بأبي جهل يقود قافلة لقريش، ومعه ثلاث مئة راكب وقد حجز بينهما مجدي بن عمرو الجهني فلم يقع قتال. ٢ - وفي شوال من السنة نفسها، سار عبيدة بن الحارث في ستين راكباً إلى وادي رابغ، فالتقى بمائتي مشرك على رأسهم أبو سفيان، وقد ترامى الفريقان بالنبل ولم يقع قتال. ٣ - وفي ذي القعدة خرج "سعد بن أبي وقاص" في نحو عشرين رجلاً يعترض عيراً لقريش ففاتته. ٤ - وفي صفر من السنة الثانية خرج الرسول ﷺ بنفسه بعد أن استخلف سعد بن عبادة على المدينة، وسار حتى بلغ ودّان يريد قريشاً وبني ضمرة، فلم يلق قريشاً وعقد حلفاً مع بني ضمرة. ٥ - وفي ربيع الأول من السنة نفسها خرج الرسول ﷺ على رأس مائتين من المهاجرين والأنصار إلى "بواط" معترضاً عيراً لقريش يقودها أمية بن خلف ومعه مائة من المشركين ففاتته.

стр. 306

٦ - ثم أغار كرز بن جابر الفهري على المدينة واستاق سرحها، فخرج النبي ﷺ في طلبه حتى بلغ وادي سنوان قريباً من "بدر" فلم يدركه وتسمى هذه "غزوة بدر الأولى". عباد الله! بعث النبي ﷺ سرية، وأمّر عليها عبد الله بن جحش الأسدي، وكان ذلك في شهر رجب، وكتب النبي- ﷺ لعبد الله بن جحش كتاباً وأمره أن لا تنظر فيه حتى يسير يومين، فخرج عبد الله بن جحش في اثني عشر رجلاً من المهاجرين فلما سار يومين فتح الكتاب ونظر فيه، وإذا رسول الله ﷺ يأمره أن يسير حتى ينزل في نخلة، مكان بين مكة والطائف، فيرصد فيها قريشاً ويتعرف على أحوالها، وأمره النبي- ﷺ أن لا يستكره أحداً من أصحابه على السير معه، فلما قرأ عبد الله كتاب النبي ﷺ قال: سمعاً وطاعةً لرسول الله ﷺ ، وأخبر أصحابه أنه قد أمر أن لا يستكره أحداً منهم فمن أحب الشهادة فليسر، ومن كره الموت فليرجع. فمضوا كلهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش في عشرة من المهاجرين حتى نزلوا بنخلة فمرت لهم عير قريش قادمة من الشام على رأسها عمرو بن الحضرمي ومعه ثلاثة نفر من كفار قريش فلما رأوا العير تشاوروا ماذا يفعلون؟ إننا في آخر يوم من رجب، فإن قاتلناهم قاتلناهم في الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا المسجد الحرام، فرأوا أن يقاتلوهم حتى لا يفلتوا منهم، فرمي أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، ثم أسروا رجلين وأفلت الرابع، فرجعوا إلى النبي ﷺ بالعير والأسير، فأنكر عليهم النبي ﷺ تصرفهم ولم يقرهم عليه، وانتهزت قريش الفرصة للتشنيع على المسلمين والتشهير بهم، وذمهم وعيبهم على قتالهم في الشهر الحرام، وقالوا: انظروا إلى محمَّد

стр. 307

- ﷺ وأصحابه، يزعمون أنهم يعظمون الأشهر الحرم وقد قاتلوا في الشهر الحرام، واشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فعفى الله عنهم، ورفع الحرج عنهم وأنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فأقر الله ﵎ الكفار على عيبهم على المسلمين قتالهم في الشهر الحرام، وقال إن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن أكبر منه وأعظم جرماً ما أنتم عليه معشر المشركين من الكفر بالله، والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام، وما أنتم عليه من الشرك، وإخراج المسلمين أولياء الله من بيت الله الحرام، هذا الذي أنتم عليه أكبر عند الله من انتهاك المسلمين للشهر الحرام، فأنتم تستحقون القدح والذم والعيب والمقت والعقوبة. أما المهاجرون؛ فإنهم وإن انتهكوا حرمة الشهر الحرام؛ فإنما انتهكوها بنوع تأويل أو تقصير حصل، والله يعفو عنهم لأنهم أهل الإيمان وأهل توحيده وعبادته، هم الذين هاجروا مع رسوله، ونصروا دينه وتركوا ديارهم وأموالهم، ابتغاء مرضاته، فلا حرج عليهم فيما كان منهم من القتال في الشهر الحرام (١). اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.

стр. 308

الخطبة الثلاثون الأهداف السامية والحكم العالية التي من أجملها شُرِعَ القتالُ في سبيل الله عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الأهداف السامية، والحكم العالية التي من أجلها شُرعَ القتالُ في سبيل الله. عباد الله! تكلمنا في الجمعة الماضية عن مشروعية القتال، وتبين لنا أنه لما استقر النبي ﷺ بالمدينة؛ وأيده الله بنصره، ورمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمر لهم عن ساق العداوة والمحاربة، والله يأمرهم بالصبر والعفو، حتى قويت شوكتهم فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم. قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. وبعد ذلك فرض عليهم قتال المشركين كافة. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾.

стр. 309

عباد الله! كثير من الناس بسبب الجهل بالدين الإِسلامي، يفهمون القتال في سبيل الله فهماً خاطئاً: فمنهم من يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عبارة عن الخطب الرنانة الحماسية التي تثير الناس على ولاة أمورهم، وهذا خطأ وجهل كبير. ومنهم أن يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عرضٌ للعضلات على رجال الأمن في البلد التي يعيشون فيها، وهذا خطأ كبير. ومنهم من يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عبارة عن التخريب والاعتداء على المنشآت في البلد الذي يعيشون فيه. ومنهم من يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عبارة عن اغتيال الشخصيات البارزة في المجتمع الذي يعيشون فيه. ومنهم من يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عبارة عن الحصول على شرف البطولة، ليكتبوا عنه بعد موته في الجرائد والكتب "الشهيد البطل"، وهذا مفهوم خاطئ للقتال في سبيل الله. عباد الله! وجاءت الأدلة من الكتاب والسنة تبين لنا الأهداف السامية، والحكم العالية التي من أجلها شرع القتال في سبيل الله. الهدف الأول: لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ليعبد الله وحده في الأرض. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ

стр. 310

كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤٠ - ٤١]. أي من أجل هذا الهدف؛ انفروا خفافاً وثقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله. وقال ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١). وكان ﷺ إذا أرسل جيشاً قال لهم: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله .. " (٢). عباد الله! فالهدف الأول للقتال في سبيل الله هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، أما من قاتل حمية، أو وطنية، أو شجاعة، أو رياء، أو سمعة، أو غير ذلك؛ فله ما نوى، ولا أجر له عند الله، وقال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٣).

стр. 311

وقال ﷺ : "من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً؛ فله ما نوى" (١). وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلاً غزى يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال ﷺ : "لا شيء له". فأعادها ثلاث مرات، والرسول ﷺ يقول له: "لا شيء له". ثم قال ﷺ : "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتغي به وجهه" (٢). وأخبر ﷺ : "إن أول الناس يقضي عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكن قاتلت لأن يقال: هو جريء، فقد قيل -أي في الدنيا-، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" (٣). الهدف الثاني: رد اعتداء المعتدين الذين يعتدون على بلاد المسلمين، وأموال المسلمين وأعراض المسلمين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ

стр. 312

وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [التوبة: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. الهدف الثالث؛ هو: إرهاب الكافرين وإذلالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. الهدف الرابع: عذاب الكافرين وشفاء صدور المؤمنين ونصرهم، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [التوبة: ١٤]. الهدف الخامس: الامتحان والابتلاء والتمحيص لأهل الإيمان؛ لكي يتحصلوا على الشهادة في سبيل الله، فالله قادر أن ينتصر من الكفار، وقادر أن يهلكهم ويدمرهم، ولكن شرع القتال في سبيل الله لتمحيص المؤمنين، وليتحصلوا على الشهادة في سبيل الله. قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 313

مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٢]. عباد الله! وللقتال في سبيل الله آداب قبل القتال، وأثناء القتال، وبعد انتهاء القتال. عباد الله! ومن آداب القتال في الإِسلام قبل القتال: الدعوة: وهي دعوة الكافرين إلى إحدى خصال ثلاث: أولاها: الإِسلام، فإذا دخلوا في الإِسلام فقد عصموا دماءهم وأموالهم، وصاروا للمسلمين إخواناً، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، وتلك هي الغاية العظمى من القتال والجهاد في الإِسلام، وليس ذلك عن إكراه، بل عن اقتناع كامل لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. ثانيها: الجزية: لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فإن أعطوها قبلت منهم، وحقنت بها دماؤهم، وعصمت أموالهم، وإن رفضوا الإِسلام والجزية فقد أصروا على القتال فتعين على المسلمين قتالهم. ولذلك قال- ﷺ : "فإن هم أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم" (١). عباد الله! ومن آداب القتال في الإِسلام أثناء القتال: أولاً: إحسان القتل لقوله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا

стр. 314

قتلتم فاحسنوا القتلة .. " (١). ثانياً: اتقاء الوجه لقوله- ﷺ : "إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه" (٢). ثالثاً: أن لا يقتلوا النساء والصبيان، فعن ابن عمر ﵄ قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ ، فنهى- ﷺ -عن قتل النساء والصبيان" (٣). أما إذا ركبت المرأة الطائرة، وحاربت المسلمين، أو الدبابة وقتلت المسلمين، فتقتل لأنها شاركت في المعركة. رابعاً: أن لا يحرقوا بالنار، فعن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار"، ثم قال ﷺ حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموها فاقتلوهما" (٤). عباد الله! ومن آداب القتال في الإِسلام بعد انتهاء القتال: أولاً: النهي عن المثلة لقوله- ﷺ : "ولا تمثلوا" (٥). فلا يجوز أن يمثل المسلمون بقتلى المشركين، بقطع أنف، أو أذن، أو يد، أو رجل، وغير ذلك. ثانياً: الأمر بدفن قتلى المشركين، فقد كان- ﷺ بعد الانتهاء من المعركة يأمر بدفن قتلى الكفار.

стр. 315

ثالثاً: الأمر بالإحسان إلى الأسرى، ففي غزوة بدر أمكن الله رسوله من المشركين، فقتل منهم سبعين وأسر سبعين، فلما رجع ﷺ إلى المدينة فرق الأسرى بين الصحابة، ووصاهم بهم خيراً، فكانوا يطعمونهم ويسقونهم فضربوا بذلك مثلاً أعلى في حسن معاملة الأسرى حتى مدحهم الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨ - ٩]. رابعاً: النهي عن الغلول، وهو الأخذ من الغنائم قبل قسمتها فقد أقبل نفر من أصحاب النبي- ﷺ يوم خيبر فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال ﷺ : "كلا: إني رأيته في النار في عباءة غلها" (١). خامساً: النهي عن الغدر، فإذا انتهت الحرب بصلح عام، أو معاهدة، أو أجار أحدٌ من المسلمين محارباً، أو أعطاه أماناً وجب الوفاء بالعهد والأمان، وحرم الغدر والخيانة. قال ﷺ : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً" (٢). فانظروا عباد الله!، وانظروا يا أعداء الإِسلام في كل مكان إلى الإِسلام؛ دين له هدف في القتال في سبيل الله، دين يؤدب المسلمين في القتال، وأثناء القتال، وبعد القتال، فوالله الذي لا إله غيره ولا رب سواه لا خير للبشرية

стр. 316

إلا أن يدينوالله بهذا الدين. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

стр. 317

الخطبة الحادية والثلاثون: الترغيب في القتال والجهاد في سبيل الله عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الحادي والثلاثين من سيرة المصطفى ﷺ . وحديثنا في اللقاء سيكون عن: الترغيب في القتال والجهاد في سبيل الله. عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن الأهداف السامية التي من أجلها شُرع القتال في سبيل الله. وتبين لنا أن الإِسلام فرض القتال على المسلمين؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى دائماً. وتبين لنا أيضاً؛ أن الإِسلام أدب المجاهدين في سبيل الله بآدابٍ قبل المعركة وأثناء المعركة، وبعد الانتهاء من المعركة. عباد الله! ولما كان القتال فيه مشقة على النفوس البشرية، جاءت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة تُرغِبُ وتَحُثُّ وتُحَرِضُ على القتال والجهاد في سبيل الله ففي كتاب ربنا: قال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران: ١٥٧].

стр. 318

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً

стр. 319

وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]. عباد الله! وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، تُرغبُ في القتال والجهاد في سبيل الله. سُئل- ﷺ : أيُّ العمل أفضل؟ قال ﷺ : "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حجٌ مبرور". وسئل ﷺ : أيُّ الناس أفضلُ؟ قال ﷺ : "مؤمن يجاهد بنفسه وبماله في سبيل الله" (١). وسئل ﷺ : أيُّ المؤمنين أكملُ إيماناً؟ قال ﷺ : "الذي يجاهد بنفسه وماله، ورجل يعبدُ الله في شعبٍ من الشعاب وقد كفى الناس من شره" (٢). وقال ﷺ : "ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟

стр. 320

اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة" -أي قدر ما تحلب الناقة- "وجبت له الجنة" (١). وقال ﷺ : "إنَّ في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" (٢). وقال ﷺ : "ما أحد يدخلُ الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيدُ، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشر مراتٍ، لما يرى من الكرامة". وفي رواية: "لِمَا يرى مِن فضل الشهادة" (٣). وقال ﷺ : "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أوله دفعة من دمه، ويرى مقعدهُ من الجنة، ويُجارُ من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، وُيحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، وُيشفّع في سبعين إنسانٍ من أقاربه" (٤). وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:- يا رسول الله دُلَّني على عملٍ يعدلُ الجهادَ؟ قال ﷺ "لا أجدهُ". ثم قال ﷺ : "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ ". فقال الرجل: ومن يستطيع ذلك؟! (٥)
следующие страницы →