← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢]. فهذا سؤال يفرض نفسه علينا الآن. ما السر، وما الحكمة في النهي عن الربا في هذا الموضع؟ الجواب: أن الجهاد في سبيل الله محتاجٌ للمال كما هو محتاج للنفس، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠] والجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠ - ١١]. والنبي- ﷺ يقول: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (١). عباد الله! وكما يجب أن تخلص النوايا من كل الشوائب، يجب أن تخلص الأموال التي تنفق في الجهاد من كل الشوائب، وأوسخ شائبة تشوب المال هي شائبة الربا، وإنفاق المال الربويّ في الجهاد في سبيل الله من أكبر أسباب الهزيمة والخذلان.

стр. 387

وذلك لأن أكل الربا من أكبر الكبائر، والمعاصي -كما تبين لنا- من أسباب الهزيمة والخذلان. قال ﷺ : "إذا ظهر الزنا والربا في قريةٍ، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله" (١). عباد الله! وأعلن الله ﵎ الحرب على آكل الربا، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] عباد الله! والنبي ﷺ حذر من الربا تحذيراً شديداً. فقال ﷺ : "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستةِ وثلاثين زينة" (٢). وقال ﷺ : "الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه" (٣). عباد الله! ولما كان الله تعالى يعلم المؤمنين ويربيهم على الابتعاد عن كل عوامل الهزيمة والخذلان، عرفهم بجريمة الربا أثناء الحديث عن غزوة أحد ليبتعدوا عنها ويتقوها. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً

стр. 388

وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾. عباد الله! ولقد استفاد المسلمون الأولون مما نزل عليهم من عند ربهم في شأن غزوة أحد استفادة عظيمة، فما هزموا بعدها لأنهم أخذوا منها العبر والعظات وتجنبوا أسباب الهزيمة والخذلان، فكان النصر حليفهم بفضل الله. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦].

стр. 389

الخطبة السادسة والثلاثون: غدر الكفار: مأساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء السادس والثلاثين من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غدر الكفار. ويتمثل هذا الغدر في مأساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة. عباد الله! تكلمنا عن غزوة أحد وتبين لنا أن الذي أصاب المسلمين فيها كان بسبب المخالفة التي وقع فيها بعض الرماة؛ عندما أمرهم النبي ﷺ أن يقفوا على الجبل ولا يتركوه؛ فنزلوا ليجمعوا الغنائم فكان ما كان. والله يخبرنا بذلك فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥]. عباد الله! وكان من نتائج غزوة أحد أن تجرأ الكفار على المسلمين وأخذوا يفكرون في استئصال المسلمين وإبادتهم، ففي مكة أخذ أبو سفيان ابن حرب يهدد ويتوعد، واليهود في المدينة تخون وتغدر ويفرحون بما حدث للمسلمين في أحد، والقبائل العربية من الأعراب حول المدينة تعتدي وتخون وتغدر وهم أشد كفراً ونفاقاً.

стр. 390

عباد الله! وبالفعل بدأ الكفار -والكفر ملة واحدة- في التحرش بالمسلمين ولكن لا عن طريق التصريح والمواجهة، بل عن طريق الحيلة والمكر والخديعة والغدر ويظهر ذلك جلياً من ماساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ما حدث في يوم الرجيع، وما حدث عند بئر معونة، ليتبين للجميع أن الغدر والمكر والخيانة من شيم وأخلاق الكفار من قديم الزمان وحتى يومنا هذا، وليست من شيم المسلمين. أولاً: مأساة يوم الرجيع . والرجيع هو: اسم للمكان الذي وقعت عنده المأساة، وتتلخص هذه المأساة فيما يلي: أرسلت قبيلتان من القبائل العربية المجاورة للمدينة -عضل والقارة- وافدهم إلى النبي ﷺ يخبره أن بهم إسلاماً، وأنهم يريدون أن يبعث النبي ﷺ إليهم من يفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن وأحكام الإِسلام، ولما كان النبي ﷺ حريصاً على تبليغ دين الله ونشر الإِسلام وإظهاره استجابة لأمر ربه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، فقد استجاب لهم ﷺ وبعث لهم عشرة من أصحابه وأمَّرَ عليهم عاصم بن ثابت ﵁. فلما وصل الوفد إلى مكان يسمى الرجيع بين عسفان ومكة، أغار عليهم بنو لحيان (من هذيل) وهم قريب من مائتي مقاتل، فأحاطوا بهم وقد لجأ الوفد من الصحابة إلى مكان مرتفع. قال المشركون للوفد: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً فقال عاصم -وهو أميرهم-: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم

стр. 391

أَخبر عنَّا نبيك، فاستجاب الله لعاصم فأخبر رسوله خبره، فأخبر أصحابه بذلك يوم أصيبوا". وفي رواية: "فقال عاصم: اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحمي لي لحمي" (١). فقاتلوهم حتى قَتَلوا عاصماً في سبعة نفر بالنبل، وبقي خُبيب بن عدي وزرر بن الدثنة، وعبد الله بن طارق. عباد الله! ولما قَتَلَ المشركون عاصماً أرادوا أن يأخذوا رأسه لإمرأة من المشركين نذرت؛ إن قدرت على رأس عاصم لتشربن فيها الخمر؛ لأن عاصماً ﵁ كان قد قتل ابنيها يوم أحد، فأرسل الله تعالى النحل والدبابير فأظلته فحمته منهم فلم يقدروا منه على شيء. وكان عاصم ﵁ قد أعطى الله تعالى عهداً أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركاً أبداً، فوفَّى الله ﵎ له. فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لما بلغه خبره: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته؟ عباد الله! وبقي من الوفد خبيب وزيد وعبد الله، فدعاهم المشركون إلى النزول وأعطوهم العهد والمثياق ألا يقتلوهم فنزلوا. فلما استمكن المشركون من الصحابة الثلاثة- ربطوهم بالحبال- فقال عبد الله بن طارق: هذا أول الغدر وأبى أن يسير معهم فجروه وعالجوه على أن يسير معهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلق المشركون بخبيب وزيد فباعوهما بمكة.

стр. 392

فأما خبيب فاشتراه بنو الحارث بن عامر ليقتلوه بالحارث بن عامر الذي كان خبيب قد قتله يوم بدر. فمكث خبيب أسيراً حتى إذا أجمعوا قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدَّ به فأعارته- الله أكبر! ما هذا يا خبيب غداً ستقتل وتستعير هذا الموسى ليحلق عانته تطبيقاً لسنة رسول الله- ﷺ ، أين تربى هؤلاء؟! حرص على السنة في آخر لحظة من حياته. قالت: فغفلت عن صبيٍّ لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعةً عرف ذلك مني وفي يده الموسى فقال -أي خبيب- أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك -إن شاء الله تعالى- قالت: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزق رزقه الله- إنها الكرامة يكرم بها ربنا؟ من يشاء من عباده- قالت: فلما أرادوا أن يقتلوه خرجوا به من الحرم إلى الحل. فلما عزموا على قتله قال لهم: دعوني أُصلي ركعتين، فتركوه فصلى ركعتين، فلما انصرف قال لهم: أما والله لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت في الصلاة، فكان أول من سنّ الصلاة عند القتل، ثم قال: اللهم أحصهم عدداً ثم أنشأ يقول: ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي وذاك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصالِ شلو ممزع (١)

стр. 393

ثم تقدم فقتل ﵁. عباد الله! وأما زيد فقد اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف وكان أمية بن خلف قد قتل يوم بدر. فلما أرسله أيضاً إلى الحل ليقتل خارج الحرم، اجتمع عليه رهط من قريش فيهم سفيان بن حرب ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ فقال أبو سفيان: يا زيد! أنشدك الله! أتحب أن محمداً مكانك الآن تضرب عنقه وأنت جالس في أهلك؟ فقال زيد ﵁: والله ما أحب أن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تؤذيه وأنا في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً، كَحب أصحاب محمد محمداً (١). وفي هذا يقول القائل: أسرت قريش مسلماً ... فمضى بلا وجلٍ إلى السياف سألوه هل يرضيك أنك ... سالمٌ ولك النبي فدىً من الإتلاف فأجاب: كلا لا سلمت من ... الردى ويصاب أنف محمَّد برعاف ثانياً: مأساة بئر معونة عباد الله! جاء وفد من قبائل رعل وذكران وعصية وبني لحيان إلى النبي

стр. 394

- ﷺ وأظهروا الإِسلام، واستمدوه على قومهم (أي طلبوا من النبي ﷺ أن يمدهم برجال من أصحابه إلى أقوامهم يعلمونهم الإِسلام والقرآن وأحكام الدين). ومع أن العهد بالغدر الأول قريب، ولم ينس النبي ﷺ هو وأصحابه العشرة الذين قتلوا يوم الرجيع، إلا أن حرص النبي ﷺ الشديد وطمعه الكبير في إسلام الناس وانتشار الإِسلام جعله يستجيب لهذا الوفد، ويرسل معهم سبعين صحابياً من خيرة أصحابه. يقول أنس ﵁ "كنا نسميهم القراء، كانوا يقرءون القرآن بالليل ويتدارسونه فيما بينهم ويتعلمون، فإذا أصبحوا جاءوا بالماء فوضعوه بالمسجد واحتطبوا فباعوه واشتروا طعاماً لأهل الصفة والفقراء". فبعثهم النبي ﷺ معهم. عباد الله! وعندما انتهى القراء إلى "بئر معونة" بعثوا أحدهم -وهو حرام ابن ملحان- إلى عامر بن الطفيل رأس الكفر في تلك البقاع، فأعطاه كتاب النبي ﷺ الذي يدعوه فيه إلى الإِسلام، فلم ينظر "عامر" في الكتاب وأمر الكافر رجلاً من أتباعه أن يغدر بحامل الرسالة، فما شعر حرام إلا وطعنةً تخترق ظهره وتنفذ من صدره. فقال حرام ﵁: "الله أكبر، فزت ورب الكعبة". وكأن هذه هي الشهادة التي يتمناها من قديم. عباد الله! ومضى "عامر" الكافر في جرمه، فاستصرخ أعوانه ليواصلوا العدوان على سائر القوم، فانضمت إليه قبائل "رعل" و"ذكوان" و"عصية" و "بني لحيان" فهجم بهم عامر على القراء.

стр. 395

ورأى هؤلاء الموت مقبلاً عليهم من كل صوب، فهرعوا إلى سيوفهم يدفعون عن أنفسهم دون جدوى، إذ استطاع الكفرة أن يقتلوهم جميعاً غير رجل رقى فكان في رأس جبل، وأتى النبي ﷺ فأخبره الخبر. فنعاهم لأصحابه فقال: إن إخوانكم قد أصيبوا -أي قتلوا جميعاً- وإنهم قد سألوا الله فقالوا: ربنا بلغ عنا إخواننا بما رضيت عنا ورضينا عنك، فأخبرهم عنهم. قال أنس: "فقرأنا فيهم قرآناً ثم نسخ: بلغوا عنا قومنا، أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" (١) عباد الله! فحزن النبي- ﷺ على هؤلاء السبعين القراء حزناً شديداً. يقول أنس ﵁: "ما رأيتُ رسول الله- ﷺ وَجَد -أي حزن- على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة وكانوا يُدعَوْنَ القراء، فمكث شهراً يقنت على قتلتهم" (٢). عباد الله! ومكث النبي- ﷺ شهراًَ يقنت على الكفرة الذين قتلوهم، كلما صلى ورفع رأسه من الركوع رفع يديه، وقال: "اللهم العن رعلاً وذكوان وعصيّة وبني لحيان عصوا الله ورسوله" (٣). عباد الله! وهكذا فقد المسلمون في شهر واحدٍ ثمانين من خيرة الدعاة، وقبل ذلك بقليل فقد المسلمون سبعين من خيرة الصحابة في غزوة أحد

стр. 396

ولكن كل ذلك في سبيل الله ودعوة الناس إلى هذا الدين، ليتبين لك يا تارك الصلاة كيف وصلك هذا الدين، ليتبين لك يا من تتخلى عن دينك كيف وصلك هذا الدين، وصلك على جماجم الصحابة، قدموا الأرواح والأموال ليوصِّلوا لك هذا الدين وأجرهم عند الله، ليعلم الجميع أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى رجال يقدمون الروح والمال رخيصة في سبيل هذا الدين العظيم. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من مأساة يوم الرجيع ومأساة بئر معونة فهي: أولاً: الغدر والخيانة من أخلاق الكفار واليهود ، وليست من أخلاق المسلمين ويظهر ذلك مما فعله المشركون بالصحابة من حادثة يوم الرجيع، وفي حادثة بئر معونة؛ فهذا أكبر دليل على أن المشركين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، أما المسلمون فلا يغدرون ولا يخونون ويظهر ذلك من فعل خبيب بن عدي ﵁ عندما كان سجيناً عند بني الحارث، وتدحرج الغلام الصغير حتى وصل إلى خُبيب فأخذه خبيب ووضعه على فخذه، فلما خافت أم الغلام قال لها خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله. ثانياً: إثبات كرامة الأولياء . - ويظهر ذلك مما حدث لخبيب ﵁، عندما كان مسجوناً عند بني الحارث

стр. 397

تقول إحدى بنات الحارث: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقهُ الله". - ويظهر ذلك أيضاً مما حدث مع عاصم بن ثابت ﵁ عندما دعا فقال: "اللهم أخبر عنا نبيك" فاستجاب الله لعاصم فأخبر رسول الله ﷺ خبره، وعندما دعا فقال: "اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحمي لي لحمي"، فاستجاب الله لعاصم، فحمى لحمه من الكفار عندما أرادوا أن يقطعوا رأسه، فأرسل الله مثل الظلة من الدبابير فحمت لحمه من الكفار فلم يقدروا منه على شيء. فالله يكرم أوليائه بكرامات ولكن الولي لا يخبر بهذه الكرامات ولا يصور نفسه بأفلام الفيديو لتنشر في العالم، فالله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. والله له أولياء، وللشيطان أولياء فلا بد للمسلم أن يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فقد وصف الله تعالى أولياءه فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. فإذا ظهرت خارقة على يد رجل ما، نظرنا في حاله فإذا كان من المؤمنين الصادقين المتبعين لسنة رسول الله ﷺ فهو من أولياء الرحمن، وإن كان من المشعوذين الدجالين المخالفين لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فهو من أولياء الشيطان. ثالثاً: جواز الدعاء على الكفرة والمشركين بالعموم، ويؤخذ ذلك من

стр. 398

دعوة خبيب ﵁ على المشركين عندما عزموا على قتله فقال: "اللهم أحصهم عدداً". ويؤخذ أيضاً من فعل النبي ﷺ عندما دعا شهراً كاملاً على الذين قتلوا السبعين من القراء. رابعاً: الرسول ﷺ لا يعلم الغيب ويظهر ذلك مما حدث للصحابة من مأساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة، فلو كان النبي ﷺ يعلم الغيب ويعرف أن ذلك سيحدث لأصحابه ما أرسلهم. وقد دلت الأدلة من كتاب ربنا على أن الرسل لا يعلمون الغيب إلا ما أعلمهم الله به. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. خامساً: التمسك بالسنة إلى الموت وبظهر ذلك من تعظيم الصحابي لسنة النبي ﷺ ، وكيف أن خبيباً مع أنه في أسر المشركين، ويعلم أنه سيقتل بين عشية أو ضحاها، ومع ذلك كان حريصاً على سنة الاستحداد واستعار الموسى لذلك، وفي هذا واعظ لمن يستهين بكثير من السنن، بل وكثير من الواجبات بحجة أنه لا ينبغي أن ينشغل المسلمون بذلك للظروف التي تمر بها الأمة، وفي الواقع لا منافاة بين تعظيم السنة والدخول في شرائع الإِسلام كافة، والسعي لإقامة شرع الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾.

стр. 399

وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم من المتمسكين بسنة رسول الله ﷺ .

стр. 400

الخطبة السابعة والثلاثون: غزوة بني المصطلِق (المريسيع) عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء السابع والثلاثين من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون: عن غزوة بني المصطلق. عباد الله! وبنو المصطلق بطن من قبيلة خزاعة، وكانوا يسكنون قديداً وعُسفان على الطريق من المدينة إلى مكة، وأول موقف عدائي لبني المصطلق من الإِسلام كان في إسهامهم واشتراكهم في جيش قريش من غزوة أحد. عباد الله! وحديثنا عن غزوة بني المصطلق سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: أحداثُ الغزوة . العنصر الثاني: دور المنافقين الخبيث في هذه الغزوة. العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذه الغزوة. العنصر الأول: أحداث الغزوة عباد الله! تجرأت قبيلة بني المصطلق على المسلمين نتيجة لغزوة أُحُدٍ كما تجرأت القبائل الأخرى المحيطة بالمدينة، فأخذت هذه القبيلة برئاسة الحارث بن أبي ضرار تتهيأ وتستعد، بجمع الرجال والسلاح لغزو المدينة لتستأصل المسلمين. عباد الله! ووصل الخبر إلى النبي ﷺ أن بني المصطلق جمعوا المجموع لغزو المدينة فبعث ﷺ عيونه يتأكدوا له من صحة هذا الخبر، فأكدوه، فكان لا بدَّ للنبي ﷺ والمسلمين من التحرك السريع نحو هذه

стр. 401

المجموع لتفريقها، وتلقينها درساً قاسياً لا تنساه، ويكون رادعاً لغيرها من القبائل التي تفكر أن تحذو حذوها في حرب الرسول ﷺ وغزو المدينة عباد الله! خرج النبي ﷺ بجيش المسلمين إلى بني المصطلق فباغتوهم في ساعة لم يتوقعوها عند بئر يقال له المريسيع، فتفرقوا يميناً وشمالاً وولوا الأدبار، فقتل من قتل منهم، وأُسر من أُسر منهم، وسبى رسول الله- ﷺ النساء والذراري، وغنم الأموال دون آية مقاومة تُذكر. عباد الله! وبهذا لقَّن النبي ﷺ بني المصطلق، وغيرهم من القبائل المجاورة درساً لا ينسونه، أراهم من نفسه أن به وبالمسلمين قوة قادرة على حماية المدينة، وردّ كل من يريدها بسوء. عباد الله! ولما عاد الجيش من غزوة بني المصطلق، وفي الطريق إلى المدينة أدركت الجيش القائلة في وادٍ كثير العضاة فنزل رسول الله ﷺ وتفرّق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سَمُرة فعلق بها سيفه ونام الجيش نومة، فجاء أعرابيٌ مشرك فأخذ سيف رسول الله ﷺ فاخترطه -أي سله وهو في يده- فقال الأعرابي لرسول الله ﷺ : تخافنُي؟ قال- ﷺ : "لا". فقال الأعرابي: فمن يمنعك مني؟ قال ﷺ : "الله- ثلاثاً"، فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: "من يمنعك مني؟ " فقال الأعرابي: كن خير آخذٍ. فقال له ﷺ : "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ ". قال الأعرابي: لا، ولكني أُعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى سبيله، فأتى الأعرابي أصحابه فقال: "جئتكم من عند خير الناس" (١).

стр. 402

إنها والله أخلاق النبوة. عباد الله! لما رجع النبي ﷺ إلى المدينة وقسم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار رئيس بني المصطلق في سهم واحدٍ من الصحابة فكاتبتهُ ثم جاءت النبي ﷺ تستعينه على كتابتها، فرأى النبي ﷺ بحسن رأيه. ودقة نظره، أن يُكرمها ويرفع من شأنها وينزلها منزلتها اللائقة بها كبنت ملك أو رئيس قوم، فعرض عليها أن يدفع عنها كتابتها ويتزوجها فوافقت ﵂. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع على عائشة ﵂ وهي تخبرنا الخبر. تقول عائشة ﵂: "لما قسَّم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له، وكانت امرأةً مُلاّحة تأخذها العين، فجاءت تسأل رسول الله ﷺ في كتابتها، فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت مقامها، وعرفت أن رسول الله- ﷺ سيرى منها مثل الذي رأيتُ. فقالت: يا رسول الله! إني جويرية بنت الحارث، وقد كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبته على نفسي، وجئتك يا رسول الله أستعينك على كتابتي. فقال ﷺ : "أو خيرٌ من ذلك"؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أدفع عنك كتابتك وأتزوجُك" قالت: قد فعلتُ، فما هو أن تزوجها حتى قال أصحاب رسول الله ﷺ : أصهار رسول الله ﷺ تحت أيدينا، فبادروا فأطلقوا سراح السبايا كلهن.

стр. 403

قالت عائشة: فما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أُعتق بسببها أكثر من مائة أهل بيت من بني المصطلق" (١). العنصر الثاني: دور المنافقين الخبيث في غزوة بني المصطلق . عباد الله! لما خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة بني المصطلق، خرج معه نفرٌ من المنافقين فكان خروجهم كما وصفهم الله في كتابه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. وعندما انتصر المسلمون على بني المصطلق، وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فكلما كسب الإِسلام نصراً جديداً ازدادوا غيظا على غيظهم كما وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾، فعند ماء المريسيع عكّرَ المنافقون هذا النصر بأن أثاروا العصبية الجاهلية بين المهاجرين والأنصار، وأثاروا الفتنة وغرسوا بذور الفرقة في النفوس. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ وهو شاهد عيان يخبرنا الخبر. يقول ﵁: "كنا في غزاة -وهي غزوة بني المصطلق- فكسح رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار -أي ضربه برجله- فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك النبي ﷺ فقال: "مَا بالُ دعوى الجاهلية"؟

стр. 404

قالوا: يا رسول الله! كسح رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال ﷺ : "دعوها فإنها منتنة". فسمع بذلك عبد الله بن أُبي -زعيم المنافقين- فقال: أو قد فعلوها؟ -يقصد بذلك المهاجرين- أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل- يعني: لعنة الله بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي- ﷺ : دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم إن المهاجرين كثروا بعد" (١). عباد الله! والذي بلَّغ رسول الله ﷺ مقالة ابن أبي هو زيد بن الأرقم ﵁ فتعالوا بنا لنستمع إليه وهو يخبرنا الخبر يقول زيدٌ ﵁: "خرجتُ مع رسول الله ﷺ في غزاة - وهي غزوة بني المصطلق- فقال عبد الله بن أُبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال زيد: فذكرتُها لعمِّي أو لعمر فذكرها للنبي ﷺ . فأرسل النبي ﷺ إلى ابن أُبي وأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا فصدقهم وكذَّبني قال زيد: فأصابني همٌ ما أصابني مثلهُ قط، فجلستُ في بيتي فجاء عمِّى فقال: ما أردت إلى أن كذَّبك رسول الله ومقتك؟ فأنزل الله على رسوله ﷺ

стр. 405

﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ١ - ٨]. فدعاني رسول الله ﷺ فقرأها علي ثم قال: "إن الله قد صدَّقك يا زيدُ" (١). عباد الله! وقد فضح الله هذا المنافق، وضعف مركزه في قومه، فكانوا يعنفونه ويلومونه كلما أخطأ. فهذا ابنه - الصحابي الجليل- عبد الله بنُ عبد الله بن أُبي استأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه، فنهاه النبي ﷺ فقال له: "لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته" (٢). فداك أبي وأمي يا رسول الله، إنها أخلاق النبوة. عباد الله! ومنع هذا الابن المؤمن أباه المنافق من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله ﷺ بدخولها، وقال له: لتعلم أنك الذليل وأن رسول الله ﷺ هو العزيز. عباد الله! ولما فشل المنافقون بزعامة ابن سلول في إثارة العصبية الجاهلية

стр. 406

بين المهاجرين والأنصار، سعوا إلى إيذاء الرسول ﷺ في نفسه وأهل بيته، فشنوا حرباً نفسية مريرة من خلال حادثة الإفك التي اختلقوها. عباد الله! ما هو الإفك؟ ومن الذي تولى نشره بين الناس؟ ومن التي اتهموها بهذا الإفك؟ هذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة - إن شاء الله تعالى-. العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد مما حدث في غزوة بني المصطلق: أولاً: على الدعاة إلى الله أن يتخلقوا بأخلاق النبي ﷺ في دعوتهم؛ استجابة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾. فرسول الله ﷺ كان يعفو عن الجاهلين، ولا ينتصر لنفسه أبداً ولا يغضب لها ويظهر ذلك: ١ - من معاملته ﷺ مع الأعرابي عندما أراد أن يقتل رسول الله ﷺ ، فقال له من يمنعك مني؟ فقال له رسول الله: "الله- ثلاثاً .. "، فوقع السيف، وأخذه رسول الله فقال له: "من يمنعك مني .. " فعندما خلى سبيله رجع الأعرابي إلى قومه يقول: جئتكم من عند خير الناس. ٢ - ومن معاملته ﷺ مع ابن سلول زعيم المنافقين بعد ما قال ما قال، وأراد ابنه المؤمن أن يقتل أباه فقال له ﷺ : "لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته". ثانياً: الأسماء الشريفة المشروعة إذا قُصد بها تفريق المسلمين وتفتيت جماعتهم، تصير من دعوى الجاهلية، وهي مُنتنةٌ كما أخبر النبي ﷺ ، فمع أن اسم المهاجرين واسم الأنصار من الأسماء الشريفة التي تدل على شرف

стр. 407

أصحابها، وقد سماهم الله بهذه الأسماء على سبيل المدح لهم فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. إلا أن هذه الأسماء لما استعملت الاستعمال الخاطئ لتفريق المسلمين وإحياء العصبيات الجاهلية أنكر ذلك رسول الله ﷺ وقال: "دعوها فإنها منتنة". ومن هنا أقول: من المشروع ولا بأس في ذلك ولا حرج أن يقول الإنسان أنا عراقي أو مصري أو فلسطين أو أردني، ولكن إذا استعملت هذه الأسماء في العصبية والحمية التي تفرق المسلمين فهي من دعوى الجاهلية وهي منتنة. ثالثاً: العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والذل والهوان للكفرة والمشركين والمنافقين. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون:٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. فعندما أراد ابن سلول- زعيم المنافقين- أن يُعز نفسه بمعصية الله؛ أذلة الله وفضحه، كما حدث في غزوة بني المصطلق. فالعزة بالإِسلام. رابعاً: المفسدة الكبرى تُدفع بالمفسدة الصغرى ويؤخذ ذلك مما حدث في غزوة بني المصطلق عندما قال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له ﷺ : "دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه". اللهم فقهنا في ديننا.

стр. 408

الخطبة الثامنة والثلاثون: حديث الإفك عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن غزوة بني المصطلق، وتبين لنا دور المنافقين الخبيث في تلك الغزوة، فقد حاولوا إثارة العصبية الجاهلية بين المهاجرين والأنصار ولكنَّ الله سلَّم. وقال زعيمهم عبد الله بن أُبي بن سلول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. وقال أيضاً: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقد فضحه الله ، وأنزل في فضيحته قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. عباد الله! ولم يتوقف هذا المنافق ومَنْ معه من المنافقين إلى هذا الحد من الاعتداء والمكر، ولكنهم سَعوا إلى إيذاء الرسول ﷺ في نفسه وأهل بيته، فشنوا حرباً نفسية مريرة من خلال حادثة الإفك التي اختلقوها وليس لها أساس من الصحة. عباد الله! ما هو الإفك؟ ومَنْ الذي اختلقه وتولى نشره بين الناس في غزوة بني المصطلق، وبعد الرجوع إلى المدينة؟ ومن هي البريئة التي رميت بهذا الإفك عدواً وظلماً؟ وكيف عاش الرسول- ﷺ والمسلمون في المدينة شهراً كاملاً على أعصابهم بسبب هذا الإفك؟ وكيف برأ الله تعالى أم المؤمنين مِنْ فوق سبع سماوات، فأنزل فيها قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة؟

стр. 409

عباد الله! تعالوا بنا إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ لنستمع لها وهي تخبرنا الخبر؛ عائشة ﵂ أتعرفونها؟ هي الصديقة بنت الصديق، التي تربت في بيت أبي بكر الصديق، ثم انتقلت وهي طفلة إلى بيت رسول الله ﷺ ولم تعرف الشرّ. عائشة ﵂ التي قال- ﷺ فيها: "أحب الناس إليَّ عائشة ومن الرجال أبوها". عائشة ﵂ التي قال ﷺ فيها: "إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". عائشة ﵂ التي قال ﷺ فيها: "عائشة زوجتي في الجنة". عائشة ﵂ التي قال لها رسول الله ﷺ : "يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام". ثم بعد ذلك، تأتي الرافضة والشيعة الشنيعة، يتهمون أم المؤمنين عائشة بالفاحشة، قاتلهم الله أنى يؤفكون. عباد الله! روى الإمامُ البخاري في "صحيحه" والإمام مسلمٌ في "صحيحه" أن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائهِ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه". قالت ﵂: "فأقرع بيننا في غزوة غزاها" -وهي غزوة بني المصطلق- فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ ، وذلك بعد ما أُنزل الحجاب فأنا أُحملُ في هودجي، وأنزل فيه مسيرنا". قالت- ﵂: "حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل"

стр. 410

-أي: رجع- "ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرَّحيل، فقمت حين آذنوا بالرَّحيل، فمشيتُ حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرَّحلِ فلمستُ صدري فإذا عِقدي -من جزع أظفار- قد انقطع، فرجعت فالتمستُ عِقدي فحبسني ابتغاؤه" -أي: تأخرت وأنا أبحث عن عقدي-. قالت: ﵂: "وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركبُ وهم يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذا ذاك خِفافاً لم يغشهنَّ اللحم، فلم يستنكر القوم ثِقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنِّ فبعثوا الجمل وساروا". قالت ﵂: "ووجدت عِقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إليَّ". قالت ﵂: "فبينما أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السُّلمي، قد عرّسَ مِن وراء الجيش" -أي: تأخر- "فأدّلج" -أي: جاء في آخر الليل- "فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يُضرب الحجابُ عليَّ". قالت ﵂: "فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني" - أي: انتبهت من نومي على قوله "إنا لله وإنا إليه راجعون" - "فخمرتُ وجهي بجلبابي، ووالله ما يُكلمني كلمة، ولا سمعتُ منه كلمة غير استرجاعهِ، حتى أناخ راحلتهُ .. فركبتُها، فانطلق يقود بي الرَّاحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا مُوغرين في نحر الظهيرة" -أي: نزلوا في شدة الحر- "فهلك من هلك

стр. 411

في شأني وكان الذي تولى كِبَرهُ عبد الله بن أُبي ابن سلول". عباد الله! عاد الجيش من غزوة بني المصطلق إلى المدينة، وفي المدينة أخذ المنافقون يتكلمون بهذا الإفك هنا وهناك- وهذه هي البيئة التي يترعرع فيها النفاق- تقول ﵂: "فقدمنا المدينة فاشتكيتُ" -أي: مرضت- "حين قدمنا المدينة شهراً، والناسُ يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو -أي والذي- يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله- ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله- ﷺ فيُسلِّم ثم يقول: "كيف تيكم" فذاك يريبني، ولا أشعر بالشرِّ. تقول ﵂: "حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قِبلَ المناصع، وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا .. فأقبلتُ أنا وأم مسطح قِبلَ بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مِرطها فقالت: تعس مِسطح. فقلتُ لها: بئس ما قلت أتسبين رجلاً قد شهد بدراً، قالت: أي هنتاهُ - أي يا مسكينة - أو لم تسمعي ما قال؟ قلتُ: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددتُ مرضاً إلى مرضي" تقول ﵂: "فلما رجعت إلى بيتي، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فسلّم ثم قال: "كيف تيكم" قلتُ: أتأذِنُ لي أن آتي أبويَّ؟ قالت: وأنا حينئذ أُريد أن أتيقن الخبر من قِبلَهما، فأذن لي رسول الله ﷺ تقول ﵂: فجئت أبويَّ فقلت لأمي: يا أُمَّتاهُ! ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنيةُ هوِّني عليك. فوالله! لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثَّرن عليها -أي الكلام- قالت: قلتُ: سبحان

стр. 412

الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: "فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع" - أي لا ينقطع- "ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي". عباد الله! أبطأ الوحي في النزول؛ والرسول ﷺ يتألم مما يسمعُ من كلام الناس، فدعا بعض أصحابه يستشيرهما في فِراق أهله. تقول ﵂: "ودعا رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي -أي أبطأ ولم ينزل- يستشيرُهما في فراق أهله". قالت: فأمَّا أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلمُ في نفسه لهم من الوُدِّ. فقال: يا رسول الله! همُ أهلك ولا نعلمُ إلا خيراً. وأمَّا عليُ بن أبي طالب فقال: لم يُضيق اللهُ عليك، والنساء سواهما كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدُقك. فدعا رسول الله ﷺ الجارية فقال لها: هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ فقالت الجارية: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قطُّ أغمصه عليها -أي أعيبها به- أكثر من أنها جارية حديثة السنِّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدَّاجن فتأكله". تقول ﵂: "فقام رسول الله- ﷺ على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاهُ في أهل بيتي- يقصد عبد الله بن أبي ابن سلول- فوالله، ما علمتُ على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما

стр. 413

علمتُ عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي". فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله! إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. تقول: فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج وكان رجلاً صالحاً ولكن اجتهلتهُ الحمية - فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمرُ الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بنُ حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمرُ الله! لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيَّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت". عباد الله! عائشة ﵂ ازدادت حزناً على حزنها وألماً على ألمها. تقول ﵂: "وبكيتُ يومي ذلك. لا يرقأ لي دمعٌ -أي لا ينقطع- ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالقٌ كبدي، فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنتُ لها، فجلست تبكي. تقول ﵂: "فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس. ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء". تقول ﵂: "فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعدُ: يا عائشة فإنهُ قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرِّئك اللهُ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف

стр. 414

بذنبه ثم تاب تاب الله عليه". قالت: فلما قضى رسول الله- ﷺ مقالته، قلص دمعي -أي: ارتفع- أي: جف -حتى ما أحِسُ منه قطره- وهذه الحالة من الحزن والألم شبيه بالموت -، فقلتُ لأبي: أجب عني رسول الله- ﷺ فيما قال. فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ . فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . تقول ﵂: "وأنا جارية حديثة السِّنِّ لا أقرأ كثيراً من القرآن" فقلت: إني والله لقد عرفتُ أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني بريئة- لا تُصدِّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، -والله يعلم أني بريئة- لتصُدِّقوني، وإني والله ما أجدُ لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾. استعانت ﵂ بالله على أمرها بعد أن انقطعت النصرة من أهل الأرض. عباد الله! وجاء الفرج بعد الكرب. تقول ﵂: "ثم تحولتُ فاضطجعت على فراشي وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مُبرِّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنتُ أظن أن ينزل في شأني وحيٌ يُتلى، ولشأني كان أحقرُ في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يُتلى. ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في

стр. 415

النوم رُؤيا يُبِّرئني الله بها". تقول ﵂: "فوالله ما رام -أي فارق- رسول الله- ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحدٌ حتى أنزل الله على نبيه ﷺ ، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء -أي الشدة- عند الوحي حتى إنه ليتحدَّرُ منه مِثلُ الجُمان -أي مثل حبات اللؤلؤ- من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه". تقول ﵂: "فلما سُرِّي -أي كُشِفَ- عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري يا عائشة! أما اللهُ فقد برَّأك". تقول ﵂: "فقالت ليَ أمي: قومي إلى رسول الله- ﷺ ". فقلتُ: والله لا أقوم إليه، ولا أحمدُ إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، تقول ﵂: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ .. ﴾. تقول ﵂: "فلما نزلت براءتي قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره -: والله! لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً وقد قال في عائشة ما قال، فأنزل الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحبُّ أن يغفر الله لي، فرجَّع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه وقال: والله لا أقطع عنه النفقة بعد ذلك (١).

стр. 416

عباد الله! بسبب كلمة واحدة تلفظ بها منافق حاقد بين الناس ولاكتها الألسن، عاش رسول الله- ﷺ وأهل بيته، وأبو بكر وأهل بيته والمسلمون كلهم شهراً كاملاً في غم وهم وحزن .. ولذلك أنزل الله الآيات يؤدب فيها المسلمين ويعلمهم كيف يتعاملوا مع الشائعات، وهذا هو الذي نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.

стр. 417

الخطبة التاسعة والثلاثون: الدروس والعظات والعبر والآداب التي تؤخذ من حديث الإفك أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى- ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس، والعظات، والعبر، والآداب التي تؤخذ من حديث الإفك. عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن حديث الإفك، وتبين لنا أن الذي اختلقه ونشره بين الناس في غزوة بني المصطلق؛ هو زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي ابن سلول، وانتشر هذا الإفك بين الناس في المدينة، وعاش الرسول- ﷺ والمسلمون في المدينة شهراً كاملاً في همٍّ وغمٍّ وحزنٍ، وتأخر الوحيُ عن رسول الله- ﷺ شهراً كاملاً. والتي اتهمت بهذا الإفك هي أم المؤمنين عائشة ﵂ وأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى الآيات التي نزلت في سورة النور فيها براءةُ أم المؤمنين عائشة ﵂ لنأخذ منها الدروس والعظات والعبر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ

стр. 418

فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ [النور: ١١ - ٢٦]. هذه الآيات التي نزلت على الرسول ﷺ بعد أن عاش ﷺ وعائشة وأبو بكر والمسلمون شهراً كاملاً على أعصابهم في هم وغم وحزن.

стр. 419

عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر والآداب التي تؤخذ من هذه الآيات فهي: أولاً: الصبر على الإشاعات الكاذبة التي يشُنُّها أعداء الإِسلام على الإِسلام والمسلمين . عباد الله! أعداءُ الإِسلام في كل زمان ومكان يشنون حرباً إعلامية على الإِسلام والمسلمين ليشوهوا صورة الإِسلام والمسلمين في العالم، قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦]. فعلى المسلمين أن يقابلوا ذلك بالصبر والإيمان، والاستعانة بالله كما فعلت عائشة ﵂ عندما افترى عليها زعيم المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول فقالت ﵂: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ فيا أمة الإِسلام: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف: ١٢٨]. يا أمة الإسلام! اصبروا واتقوا الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: ١٢٩]. عباد الله! صَبَرَ الرسول ﷺ وعائشة ﵂ وأبو بكر ﵁ والمسلمون في المدينة على إفك المنافقين فكان خيراً لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

стр. 420

ثانياً: إحسان الظن بالمؤمنين عباد الله! إذا سمع المؤمن حرباً إعلامية على أحد من المؤمنين، فيجب عليه أن يُحسن الظن بأخيه المؤمن، كما أنه يُحسن الظن بنفسه، استجابة لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾، واستجابة لقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١). عباد الله! وهذا ما فعلته أم مسطح ﵂ عندما كذَّبت الخبر وردّته، بل ودعت على ولدها عندما قالت: تعس مسطح -أي هلك- وهي بذلك أحسنت الظنَّ بعائشة ﵂ وأعلنت لربها أنها لا توالي من عادى أولياءه، ولو كان ذا قربى إلا أن يتوب إلى الله كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وهذا الذي فعلته زينب بنت جحش ﵂ عندما سألها رسول الله ﷺ عن عائشة ﵂ فقالت: يا رسول الله أحمى سمعي وبصري، ما رأيت إلا خيراً، وما سمعت إلا خيراً، والله ما علمت إلا خيراً" (٢). وهذا الذي فعله أسامة بن زيد ﵁ عندما استشاره النبي ﷺ في فِراق أهله فقال أسامة ﵁: يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم! إلا خيراً وشهد لرسول الله ﷺ ببراءة أهله.

стр. 421

وهذا الذي فعله أبو أيوب الأنصاري ﵁ عندما قالت له زوجته أم أيوب: يا أبا أيوب أتسمع هذا الذي يقوله الناس في عائشة؟ قال أبو أيوب: نعم، وإنه والله الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، فقال لها أبو أيوب: وعائشة والله خيرٌ منكِ (١). فالواجب على المسلمين في كل مكان، إذا سمعوا أحداً من الناس ينقل إشاعة عن أحد من المسلمين، أن يُحسنوا الظن بأخيهم المسلم، وأن يُدَافعوا عنه في غيابه يقول ﷺ : "من ذبَّ عن عِرض أخيه بالغيبة، كان حقاً على الله أن يعتقه من النار" (٢). ويقول ﷺ : "من ردَّ عن عرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة" (٣). ولذلك أدب الله المسلمين الذين نقلوا الإفك وتكلموا به. فقال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢]. ثالثاً: التثبت من الأخبار وإمساك اللسان عن الخوض في أعراض المسلمين . عباد الله! يجب على المسلم إذا سمع خبراً أن يتثبت من صحته، ويفكر فيه قبل أن يتكلم به ويقوم بنقله بين الناس. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 422

إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وفي قراءة (فتثبتوا) لماذا نتبين ونتثبت؟ قال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. ولذلك قال تعالى في الذين نقلوا الإفك هنا وهناك، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ .. ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾. لو أن الذي سمع هذا الإفك من ابن سلول أول ما سمع فقال له: لا بد أن تأتي على ما تقول بأربعة شهداء على هذا الافتراء، فما استطاع ابن سلول أن يأتي بأربعة شهداء لأنه يعلم أنه كذَّاب فإذا لم يأت ابن سلول بأربعة شهداء لبقي هذا الإفك في صدره، ولم ينتشر أبداً بين الناس ولكن عندما سمعوا وتكلموا قبل أن يتبينوا فانتشر الإفك بين المنافقين، حتى أنه تكلم به بعضُ المؤمنين الصادقين ولذلك يقول الله للمؤمنين الصادقين الذين تكلموا بهذا الإفك: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾. فمن أراد النجاة فعليه بوصية رسول الله ﷺ ، قال ﷺ للرجل: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (١). رابعاً: لا تتبعوا خطوات الشيطان عباد الله! الذين يروجون الإشاعات الكاذبة على المسلمين هم شياطين الإنس والجن، فحذر ربنا -جل وعلا- عبادة المؤمنين من خطوات

стр. 423

الشيطان؛ لأن الشيطان يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، ولأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ولأن الشيطان يأمر بالكفر والضلال. ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. خامساً: أن تُحسِنَ إلى من أساء إليك ، وبذلك تنتصر عليه، وهذا ما فعله أبو بكر ﵁ مع مسطح، تقول عائشة ﵂: "فلما نزلت براءتي قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً؛ وقد قال في عائشة ما قال، فأنزل الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فأرجعَ إلى مسطح ما كان ينفقه عليه وقال: والله لا أقطع عنه النفقة بعد ذلك" (١). عباد الله! يحذر ربنا -جل وعلا- الذين يخوضون بألسنتهم في أعراض المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾. الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا إمَّا بالإعلام، وإمَّا بالدعوة إلى التبرج والسفور والزنا والإشاعات الكاذبة، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة.

стр. 424

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾. عن أنس ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ " قلنا اللهُ ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة العبد ربه فيقول ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي شاهداً إلا مني، فيقول الله تعالى: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق باعماله ثم يُخلي بينه وبين الكلام فيقول -أي لأركانه- بُعداً لكنَّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل" (١)، أي: فكيف شهدتم علي. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٤].

стр. 425

فاتقوا الله عباد الله في ألسنتكم، وإذا أردتم النجاة فعليكم بهذه الوصية من رسول الله ﷺ . ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (١). فيا مروِّجاً للإشاعات، ويا مختلقاً للإفك، ويا طاعناً في أعراض المسلمين! أمسك عليك لسانك وإلا فالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.
следующие страницы →