← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وهذا الذي فعله أبو أيوب الأنصاري ﵁ عندما قالت له زوجته أم أيوب: يا أبا أيوب أتسمع هذا الذي يقوله الناس في عائشة؟ قال أبو أيوب: نعم، وإنه والله الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، فقال لها أبو أيوب: وعائشة والله خيرٌ منكِ (١). فالواجب على المسلمين في كل مكان، إذا سمعوا أحداً من الناس ينقل إشاعة عن أحد من المسلمين، أن يُحسنوا الظن بأخيهم المسلم، وأن يُدَافعوا عنه في غيابه يقول ﷺ : "من ذبَّ عن عِرض أخيه بالغيبة، كان حقاً على الله أن يعتقه من النار" (٢). ويقول ﷺ : "من ردَّ عن عرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة" (٣). ولذلك أدب الله المسلمين الذين نقلوا الإفك وتكلموا به. فقال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢]. ثالثاً: التثبت من الأخبار وإمساك اللسان عن الخوض في أعراض المسلمين . عباد الله! يجب على المسلم إذا سمع خبراً أن يتثبت من صحته، ويفكر فيه قبل أن يتكلم به ويقوم بنقله بين الناس. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 422

إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وفي قراءة (فتثبتوا) لماذا نتبين ونتثبت؟ قال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. ولذلك قال تعالى في الذين نقلوا الإفك هنا وهناك، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ .. ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾. لو أن الذي سمع هذا الإفك من ابن سلول أول ما سمع فقال له: لا بد أن تأتي على ما تقول بأربعة شهداء على هذا الافتراء، فما استطاع ابن سلول أن يأتي بأربعة شهداء لأنه يعلم أنه كذَّاب فإذا لم يأت ابن سلول بأربعة شهداء لبقي هذا الإفك في صدره، ولم ينتشر أبداً بين الناس ولكن عندما سمعوا وتكلموا قبل أن يتبينوا فانتشر الإفك بين المنافقين، حتى أنه تكلم به بعضُ المؤمنين الصادقين ولذلك يقول الله للمؤمنين الصادقين الذين تكلموا بهذا الإفك: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾. فمن أراد النجاة فعليه بوصية رسول الله ﷺ ، قال ﷺ للرجل: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (١). رابعاً: لا تتبعوا خطوات الشيطان عباد الله! الذين يروجون الإشاعات الكاذبة على المسلمين هم شياطين الإنس والجن، فحذر ربنا -جل وعلا- عبادة المؤمنين من خطوات

стр. 423

الشيطان؛ لأن الشيطان يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، ولأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ولأن الشيطان يأمر بالكفر والضلال. ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. خامساً: أن تُحسِنَ إلى من أساء إليك ، وبذلك تنتصر عليه، وهذا ما فعله أبو بكر ﵁ مع مسطح، تقول عائشة ﵂: "فلما نزلت براءتي قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً؛ وقد قال في عائشة ما قال، فأنزل الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فأرجعَ إلى مسطح ما كان ينفقه عليه وقال: والله لا أقطع عنه النفقة بعد ذلك" (١). عباد الله! يحذر ربنا -جل وعلا- الذين يخوضون بألسنتهم في أعراض المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾. الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا إمَّا بالإعلام، وإمَّا بالدعوة إلى التبرج والسفور والزنا والإشاعات الكاذبة، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة.

стр. 424

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾. عن أنس ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ " قلنا اللهُ ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة العبد ربه فيقول ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي شاهداً إلا مني، فيقول الله تعالى: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق باعماله ثم يُخلي بينه وبين الكلام فيقول -أي لأركانه- بُعداً لكنَّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل" (١)، أي: فكيف شهدتم علي. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٤].

стр. 425

فاتقوا الله عباد الله في ألسنتكم، وإذا أردتم النجاة فعليكم بهذه الوصية من رسول الله ﷺ . ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (١). فيا مروِّجاً للإشاعات، ويا مختلقاً للإفك، ويا طاعناً في أعراض المسلمين! أمسك عليك لسانك وإلا فالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

стр. 426

الخطبة الأربعون: غزوه الأحزاب (الخندق) أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الأربعين من سيرة سيد الأولين والآخرين محمَّد ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة الأحزاب (الخندق). عباد الله! غزوة الأحزاب لم تكن معركة خسائر بل كانت معركة أعصاب، فقتلى الفريقين من المؤمنين والكافرين يعدون على الأصابع ومع ذلك فهي من أحسم المعارك في تاريخ الإِسلام. فالأحزابُ الذين اجتمعوا على حرب الإِسلام والمسلمين في تلك الغزوة هم: - المشركون من أهل مكة. - المشركون من قبائل العرب جميعاً. - اليهود من خارج المدينة (يهود خيبر). - اليهود من داخل المدينة (يهود بني قريظة). - المنافقون. اجتمعوا وتحزبوا لاستئصال المسلمين من المدينة. عباد الله! وحديثنا عن غزوة الأحزاب سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾. العنصر الثاني: الرسول- ﷺ والصحابة ﵃ في المدينة يستعدون لملاقاة الأعداء.

стр. 427

العنصر الثالث: مواقف المؤمنين ومواقف المنافقين العنصرالرابع: شدةٌ وكربٌ وبلاءٌ يعقبها نصرٌ وفرجٌ. العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة الأحزاب. العنصر الأول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾: أعداء الإِسلام قديماً وحديثاً يمكرون بالإِسلام والمسلمين بالليل والنهار، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢] أمة الإِسلام! أين عادٌ الذين مكروا بنبيهم؟ أين ثمود الذين مكروا بنبيهم؟ أين قوم نوح الذين مكروا بنبيهم؟! أين فرعون الذي مكر بموسى؟ أين هم؟ ذهبوا فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا. عباد الله! وأساتذة المكر والغدر والخيانة ونقض العهود وإشعال الحروب هم اليهود- عليهم لعنة الله-

стр. 428

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ [الأنفال: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤]. عباد الله! فها هم اليهود قديماً، خرج وفدٌ منهم من خيبر إلى كفار مكة يحرِّضونهم ويؤلبونهم على غزو رسول الله- ﷺ ، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، بل وشهدوا لهم بأن الشرك الذي هم عليه خيرٌ من الإِسلام الذي جاء به محمَّد ﷺ ، وشهدوا لهم أيضاً بأنهم أهدى من محمَّد ﷺ وأصحابه وفيهم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١]. فأجابهم أبو سفيان لذلك، ثم انطلقوا إلى القبائل المجاورة ودعوهم إلى ما دعوا قريشاً إليه، فأجابتهم القبائل العربية أيضاً، وتواعدوا على المسير إلى المدينة، واجتمع بهذا التحريض -من اليهود- جيش قوامُهُ نحو عشرة آلاف مقاتل وذلك لاستئصال المسلمين في المدينة. عباد الله! العنصر الثاني: الرسول- ﷺ والصحابة ﵃ في المدينة يستعدون لملاقات العدو: لما وصل الخبر إلى رسول الله ﷺ بخروج هذا الجيش الكبير إلى المدينة، عقد مجلساً استشارياً مع أصحابه الكرام ﵃ ليشاورهم في خطة الدفاع عن المدينة فأشار عليه بعض الصحابة وهو سلمان الفارسي ﵁ -

стр. 429

بحفر خندق من الجهة الشمالية للمدينة؛ لأن هذه الجهة هي الجهة الوحيدة التي يستطيع العدو أن يدخل إلى المدينة منها، فإن المدينة تقع بين حرتين من جهة الشرق والغرب يعجز العدو أن يدخل من جهتهما، وأما جهة الجنوب ففيها مساكن يهود بني قريظة وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهداً وميثاقاً على أن لا يدخل عدو من ناحيتهم. عباد الله! وحفر الخندق مكيدة حربية- لم تكن العرب تعرفها من قبل- والحرب خدعة ولذلك أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق واستجاب الصحابة ﵃ لأمر رسول الله ﷺ وقاموا جميعاً بتنفيذ الأمر على الفور وبسرعة قبل وصول العدو. عباد الله! وخرج رسول الله ﷺ إلى أصحابه ليحفر معهم في هذا الخندق، فوصل إليهم وهم يحفرون في غداةٍ باردة، وكان الوقت وقت شتاء وكان البردُ شديداً جداً، وكان الزمان زمان قحطٍ، فلما رأى ﷺ ما بهم من التعب والجوع دعا لهم فقال: "اللهم إن العيشَ عيشُ الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة" فقالوا مجيبين له: "نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً" (١) عباد الله! وأخذ ﷺ يعمل مع أصحابه في حفر الخندق؛ يحفر بيده وينقل التراب بنفسه، حتى أغبر بطنه من شدة التراب.

стр. 430

يقول البراء بن عازب ﵁: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلنّ سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأُولى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا ثم يقول: "أبينا أبينا" ويمد بها صوته (١). عباد الله! الرسول ﷺ يحفر بنفسه في الخندق مع أصحابه، والصحابة- ﵃ يحفرون في الخندق هنا وهناك، وإذا بصخرة عظيمة تقابلهم فعجزوا عنها، فلجأوا إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: "إني نازل" فخلع ثيابه ثم هبط إليها. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى البراء بن عازب ﵁ وهو يخبرنا الخبر يقول ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فوضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول فقال: "باسم الله". فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر. فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأُبصِرُ

стр. 431

قصرها الأبيض من مكاني هذا" ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أُخرى، فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأُبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" (١). عباد الله! وهكذا يبشر رسول الله- ﷺ أصحابه بفتح هذه البلدان، وهم يُعانون من شدة الجوع والبرد، فرفع ذلك من روحهم المعنوية، فانطلقوا يعملون بجد ونشاط في حفر الخندق وهم يربطون الحجارة على بطونهم من شدة الجوع وهذا من أعلام نبوته ﷺ . عباد الله! ومن معجزاته ﷺ في حفر الخندق أيضاً زيادة الطعام بين يديه ﷺ ، تعالوا بنا لنستمع إلى جابر بن عبد الله ﵁ وهو يخبرنا الخبر. يقول ﵁: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدَية شديدة -أي صخرة- فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال- ﷺ : "أنا نازل". ثم قام وبطنه معصوب بحجر -ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً- فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب -أي الصخرة- فعاد كثيباً أهيل أو أهيم -أي صارت الصخرة رملاً سائلاً- فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت من النبي ﷺ شيئاً، ما كان لي في ذلك صبر فعندك شيءٌ؟ قالت: عندي شعيرٌ وعَنَاقٌ - والعناقُ أنثى المعز- يقول: فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البُرمة

стр. 432

-وهي القدر من الحجر- ثم جئتُ النبيَّ- ﷺ والعجينُ قد انكسر والبرمةُ بين الأثافيِّ قد كادت أن تنضج. فقلت: طُعَيِّمٌ لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال- ﷺ : "كم هو؟ " فذكرتُ له قال- ﷺ : "كثيرٌ طيبٌ". قال ﷺ : "قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي". فقال ﷺ : "قوموا"، فقام المهاجرون والأنصار وهم ألفٌ. فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. قالت: الله ورسوله أعلم. فقال ﷺ : "ادخلوا ولا تضاغطوا -أي لا تزدحموا-". فجعل ﷺ : يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم- ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه- ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية فقال- ﷺ : "كُلي هذا وأهدى فإن الناس أصابتهم مجاعة" (١). عباد الله! ومن الأحداث التي حدثت في حفر الخندق أيضاً. يقول أبو سعيد الخدري ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، وفينا فتىً حديثُ عهد بعرس، فجعل يستأذن رسول الله ﷺ أثناء النهار ليرجع لأهله، فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله ﷺ : "خذ عليك سلاحك، فإني

стр. 433

أخاف عليك قريظة" فأخذ سلاحه ورجع فإذا امرأتهُ قائمة بين البابين فأصابته الغيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها فقال: اكفف عليك رمحك، وادخل الدار فانظر ما الذي أخرجني، فدخل الدار فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح -أي ضربها- ثم خرج فركز رمحه في الدار، فعدت عليه الحية فلم ندر أيهما أسرع موتاً الحية أم الفتى؟! فجئنا رسول الله ﷺ فأخبرناه .. فقال: "استغفروا لصاحبكم" ثم قال ﷺ : "إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" (١). العنصر الثالث: مواقف المؤمنين ومواقف المنافقين . عباد الله! انتهى الرسول ﷺ والمسلمون من حفر الخندق قبل وصول الأعداء، وأخذ رسول الله ﷺ يستعد لملاقاة الأعداء فوضع النبي- ﷺ النساء والأطفال في حصنٍ هو من أقوى حصون المسلمين حفاظاً عليهم، ورتب النبي ﷺ الجيش، فأسند ظهرهم إلى سَلعٍ، وجعل وجوههم إلى الخندق الذي يفصل بينهم وبين العدو. عباد الله! وها هو جيش العدو في طريقه إلى المدينة يريد أن يقضى على محمَّد ﷺ وأصحابه لتستريح اليهود ولتستريح قريش وهيهات هيهات. عباد الله! وصل جيش الكفر إلى المدينة في عشرة آلاف مقاتل، فلما وصل الجيش إلى الخندق فوجئ برؤية الخندق، وأخذ الجيش بقيادة أبي سفيان يتحرك هنا وهناك يفكر في كيفية اقتحام الخندق، وكلما هموا بذلك

стр. 434

أمطرهم المسلمون بالسهام. عباد الله! النبي ﷺ مع جيش الإِسلام في ثلاثة آلاف مقاتل، الخندق أمامهم والجبل خلف ظهورهم، وفي الجانب الآخر للخندق جيش الكفر بقيادة أبي سفيان في عشرة آلاف مقاتل، واليهود يغدرون. يقول بعض العلماء: لو تركت الكلابِ نبَاحها وتركت الحميرُ نهيقها؛ لتركت اليهود غدرها. عباد الله! هجمات الكفار لم تنقطع؛ وجيش الإِسلام لهم بالمرصاد حتى إن الرسول ﷺ والمسلمين لم يتمكنوا من أداء صلاة العصر في أحدِ الأيام في وقتها بل صلوها بعد ما غربت الشمس ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد، يقول عمر ﵁: يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب. فقال- ﷺ : "فوالله إن صليتها" (١). ثم دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب الذين شغلوهم عن صلاة العصر. فقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً" (٢). عباد الله! تعالوا بنا لننظر إلى الظروف الصعبة التي تحيط بأرض المعركة. أولاًَ: أعداد الكفار كبيرة جداً بلغت عشرة آلاف مقاتل تحيط بالمدينة.

стр. 435

ثانياً: جوع شديد وبردٌ قارص. ثالثاً: وصلت الأخبار أن يهود بني قريظة غدروا بالمسلمين؛ فنقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ليضربوا المسلمين من الخلف تعاوناً مع جيش الكفر. رابعاً: ترك المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ أرض المعركة بحجج واهيةٍ زاعمين أن بيوتهم مكشوفة للأعداء، وإنما هم يريدون الفرار من المعركة. خامساً: أخذ بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض؛ يدعون غيرهم لترك أرض المعركة والرجوع إلى بيوتهم وأهليهم، بحجة أنه لا قِبَلَ لكم بعدد الكفار. سادساً: طال الحصار واشتد من الكفار للمدينة شهراً كاملاً. عباد الله! والله يخبرنا بهذه الظروف الصعبة على المسلمين، ويصورها لنا فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١]. عباد الله! وكما أن الشدائد تُظهر نفاق المنافقين، فهي كذلك تُظهر إيمان المؤمنين، فالمؤمنون وهم يعيشون هذه الظروف الصعبة في أرض المعركة، وهم على أعصابهم، تذكروا قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى

стр. 436

يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ - عندها- أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. ولذلك ازداد المؤمنون إيماناً وتسليماً وتصديقاً لوعد الله فماذا قال المؤمنون؟ قال الله في وصفهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب: ٢٢]. عباد الله! أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، عندما نظروا إلى جيش الكفر وإلى عدده الكبير ظنوا بالله ظن السوء، وأخذوا يشككون بل ويسخرون من البشارات التي بشَّر بها النبي ﷺ أصحابه عندما ضرب الصخرة وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن". ويقول بعضهم لبعض: انظروا إلى محمدٍ يعدكم بفتح اليمن والشام وفارس؛ وأحدكم لا يستطيع أن يذهب لقضاء حاجته من الخوف، ولذلك ازداد المنافقون مرضاً على مرضهم. قال تعالى عن المنافقين ومرضى القلوب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢]، ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾ [الأحزاب: ١٣] وقال تعالى في وصفهم: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ

стр. 437

فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾ [الأحزاب: ١٨ - ١٩]. العنصر الرابع: شدة وكرب وبلاء، يعقبها نصر وفرج . عباد الله! البلاء بالمسلمين يزداد يوماً بعد يوم، والخوف يزداد ساعة بعد ساعة، حتى بلغت القلوب الحناجر؛ بردٌ قارصٌ، وجوعٌ شديدٌ، وحصارٌ طالَ شهراً، فأتوا الصحابة رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله هل من شيءٍ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ - فماذا قال لهم؟ ربط قلوبهم بالله- فقال ﷺ -لهم: "نعم، قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا. فقال الصحابةُ: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" (١). عباد الله! وتوجه رسول الله ﷺ إلى ربه أيضاً بالدعاء ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾. فقال ﷺ : "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وزلزلهم" (٢). وفي رواية: "اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم". عباد الله! توجه رسول الله ﷺ والصحابة إلى ربهم بالدعاء أن يجعل لهم مخرجاً، وأن ينصرهم على عدوهم. والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، والله يستجيب الدعاء من

стр. 438

عباده الصالحين. قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾، وجاء النصر والفرج من عند الله، فأرسل الله ريحاً وجنوداً من عنده على الأحزاب أطفئت نارهم، وقلعت خيامهم. عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى حذيفة ﵁ وهو يخبرنا عن الظروف الصعبة التي يعيش فيها المسلمون، ويخبرنا أيضاً عن الرعب والدمار والذعر الذي حل بالأعداء في الجانب الآخر من الخندق. يقول ﵁: "لقد رأيتُنا مع رسول الله- ﷺ يوم الخندق -أي يوم الأحزاب- فقام ﷺ فصلى هوياً من الليل ثم قال: "من يأتنا بخبر القوم- أي العدو- أشترط له الرجعة، وأضمن له الجنة". قال حذيفة: فما قام أحدٌ من شدة الجوع والبرد والريح. قال حذيفة: فصلى رسول الله ﷺ هوياً من الليل ثم التفت إلينا وقال: "من يأتنا بخبر القوم؟ أشترط له الرجعة وأسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة". قال حذيفة: فلم يقمْ أحد من شدة الخوف والجوع والبرد. يقول حذيفة: فلما لم يقمْ أحدٌ قال رسول الله ﷺ : "قم يا حذيفة". يقول حذيفة: فلما دعاني لم يكن لي بدٌّ من القيام فقمتُ. فقال- ﷺ : "اذهب فأتنا بخبر القوم ولا تحدثن شيئاً حتى تأتينا". قال حذيفة: فخرجت وأنا شديد البرد، فلما مشيت في حاجة رسول الله ﷺ كأني أمشي في حمَّام -أي: لم أجد البرد الذي يجده الناس- لأنه خرج طاعة لله ولرسوله ﷺ فأتيت القوم ودخلت فيهم، وإذا بأبي سفيان يقوم ويقول: يا معشر قريش: لينظر امرىٌ -أي كلُّ واحد- من جارهُ!

стр. 439

قال حذيفة: فبادرت بيدي الذي جنبي، فقلت من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان. وقال أبو سفيان: يا معشر قريش، والله ما بقي لنا هنا مقام، لقد أكفأت الريح قدورنا، وأطفأت نارنا، وهدمت خيامنا، وقد بلغنا عن بني قريظة ما نكرهُ، أنهم لن يفوا بعهدهم بالحرب معنا فارتحلوا، فإني مرتحلٌ. قال حذيفة: ثم قام إلى جمله فركب عليه، فوثب الجمل على ثلاث فلم يحل عقاله حتى وثب. قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله ﷺ لا تحدثنَّ شيئاً حتى تأتينا، فلو شئت أن أقتله لقتلته بسهمي. قال حذيفة: فلما ارتحل وبلغ الخبر سائر القبائل رجعوا من حيثُ جاءوا" (١). قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥] عباد الله! ورجعت الأحزاب تجرّ أذيال الخيبة والحزن لم ينالوا شيئاً مما جاءوا له. وقال ﷺ : "الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم" (٢). وامتن الله على المؤمنين بنصرهم هذا في غزوة الأحزاب.

стр. 440

فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]. ولذلك كان رسول الله ﷺ ينسب الفضل كله في هزيمة الأحزاب لله . يقول أبو هريرة ﵁: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده" (١). العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة الأحزاب . أولاً: الكفر ملةٌ واحدة هدفهم واحد وهو: دمروا الإِسلام أبيدوا أهله . عباد الله! الكفر ملةٌ واحدة في كل بلاد الدنيا هدفهم: دمروا الإِسلام أبيدوا أهله، ويفعل الكفر ذلك تحت ستار (مكافحة الإرهاب). وهدف الكفار من القضاء على الإِسلام والمسلمين هو السيطرة على خيرات المسلمين، وهذا يا عباد الله يظهر لنا من غزوة الأحزاب فقد جاءوا من كل مكان للقضاء على الإِسلام والمسلمين والسيطرة على خيرات المسلمين في المدينة، ولتأمين طرق التجارة بين مكة والشام. عباد الله! والتاريخ يُعيد نفسه فما من عام يمر علينا إلا ونسمع ونرى ملة الكفر يجتمعون لحرب المسلمين تحت شعارات كاذبة، لينهبوا خيرات بلاد المسلمين وليأمنوا مصالحهم في تلك البلاد ورسولنا ﷺ يخبرنا بذلك فيقول:

стр. 441

"يوشك أن تداعى عليكم الأمم" -أي: يدعو بعضها بعضاً، فتجيب- "كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ؟ قال ﷺ : "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السَّيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهنَ. قالوا: يا رسول الله! وما الوهنُ؟ قال ﷺ : "حب الدنيا وكراهية الموت" (١). عباد الله! وهذا الحديث يُشَخّص لنا حال الأمة الإِسلامية إذا ضعفت وتفرقت مع أعدائها، ففي هذا الحديث: أولاً: أن أعداء الإِسلام يرصدون حالة أمة الإِسلام؛ فإن رأوا أن الوهن دبّ إليها، والمرض نخر جسمها، وثبوا عليها ليقضوا على ما تبقى منها. ثانياً: أن أمم الكفر تدعو بعضها بعضاً لتجتمع للتآمر على الإِسلام وأهله. ثالثاً: أن ديار المسلمين منبع خيرات وبركات، تحاول أمم الكفر الاستيلاء عليها ولذلك شبهها الرسول ﷺ بالقصعة المملوءة بالطيب من الطعام، التي أغرت الأكلة فتواثبوا عليها، كل يريد نصيب الأسد. رابعاً: أن أمم الكفر لم تعد تهابُ المسلمين لأنهم فقدوا مهابتهم بين الأمم، بعد أن بعدوا عن دينهم. خامساً: عناصر قوة الأمة الإِسلامية ليس في عددِها وعُدتِها، بل في عقيدتها ومنهجها.

стр. 442

ولذلك يقول ﷺ للسائل: "بل أنتم يومئذ كثير". وتأمل درس حنين قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾. وانظروا إلى يوم بدر كيف نصر الله المسلمين وهم قلة وانظروا إلى غزوة الأحزاب كيف نصر الله عباده بجند من عنده سادساً: أن الأمة الإِسلامية إذا تركت دينها أصبحت لا وزن ولا قيمة لها بين الأمم، قال ﷺ : "ولكنكم غثاء كغثاء السيل". ثانياَّ: من الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة الأحزاب (إن تنصروا الله ينصركم) . عباد الله! الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ في غزوة الأحزاب أخذوا بكل أسباب النصر، مع توكلهم على الله واعتقادهم أن النصر من عند الله، ولذلك توجهوا جميعاً إلى الله بالدعاء فاستجاب الله لهم، ونصرهم بنصر من عنده على عدوهم. عباد الله! وكان من نتائج غزوة الأحزاب. أولاً: فرق الله شمل الأحزاب واليهود بعد أن اجتمعوا لحرب المسلمين. ثانياً: أرسل الله على المشركين ريحاً شديدة باردة تقلع خيامهم وتطفئ نارهم. ثالثا: أرسل الله على المشركين جنداً من الملائكة، يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾.

стр. 443

رابعاً: رجع الكفار عن المدينة يحملون غيظهم في صدورهم، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾. خامساً: فشل الكفار في تحقيق أهدافهم ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. سادساً: كفى الله المؤمنين القتال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. عباد الله! ماذا فعل النبي ﷺ في يهود بني قريظة الذين نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ ؟ هذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.

стр. 444

الخطبة الحادية والأربعون: غزوة بني قريظة أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بني قريظة. عباد الله! وغزوة بني قريظة كانت نتيجة من نتائج غزوة الأحزاب، وأثراً من آثارها ولم تكن هذه الغزوة بتدبير من الرسول- ﷺ ، ولا بمشورة أحدٍ من الصحابة ﵃، بل كانت بأمرٍ من الله تعالى؛ إذ لم يكد الرسول ﷺ ينفض يديه من آثار غزوة الأحزاب حتى نزل الوحي بأمر الله له أن يتوجه إلى بني قريظة التي نقضت عهدها مع رسول الله- ﷺ ، وتحالفت مع الأحزاب سراً لضرب المسلمين في المدينة من الخلف. عباد الله! وحديثنا عن غزوة بني قريظة سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة العنصرالثاني: الجزاء من جنس العمل العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة بني قريظة. العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة السبب الرئيسي لغزوة بني قريظة هو: أنهم نقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ ، وتعاونوا مع الأحزاب للقضاء على المسلمين في المدينة.

стр. 445

عباد الله! خرج وفدٌ من اليهود وعلى رأسهم حُييُّ بن أخطبٍ وأبو رافع بن أبي الحقيق إلى كفار مكة وإلى القبائل المجاورة، وحرضوهم على غزو المسلمين في المدينة للقضاء عليهم، وخرج بسبب هذا التحريض جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل. عباد الله! ولما وصل هذا الجيش إلى المدينة ووجد الخندق الذي حال بينه وبين دخول المدينة، وطال الحصارُ من هذا الجيش للمدينة، ولم يتمكن من دخولها ذهب رأس العصابة حُييُّ بنُ أخطب اليهودي إلى يهود بني قريظة الذين يسكنون في الجهة الجنوبية من المدينة، وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد وميثاق، لينقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ حتى يتمكن جيش الأحزاب من الدخول إلى المدينة من الجهة الجنوبية ليضربوا المسلمين من الخلف، فأتي حييُّ بن أخطب اليهودي كعباً القرظي وهو كبير بني قريظة، ثم ناداه يا كعب افتح لي! فأغلق كعب دونه الأبواب. يا كعبُ افتح لي! قال له كعبٌ: ويحك يا حُييُّ، إنك رجلٌ مشئومٌ وقد أعطيت محمداً عهداً وميثاقاً، ولم أر منه إلا وفاءاً وصدقاً فما أنا بناقض عهده. عباد الله! فما زال حُييُّ بن أخطب بكعب القرظي يُغريه حتى فتح له، فأخذ يحدُّثه عن كثرة جيش الأحزاب الذي جاء به، وعن شدة قوة هذا الجيش وعن الأسلحة التي معهم حتى طمأنه أن النصر سيكون بجانب الأحزاب لا لمحمدٍ وأصحابه- لتعلموا ماذا تفعل اليهود في ظلمات الليل، وهذا هو هدفهم في كل زمان ومكان؛ القضاء على الإِسلام والمسلمين- فلما أمِنَ كعبٌ القرظي عاقبة الغدر، وعلم أن الدولة للأحزاب لا لمحمدٍ وأصحابه؛ وافق حُييُّ بن الأخطب على ما دعاه إليه من الغدر، وهذا يدلُنا يا عباد الله على أن اليهود أهل غدر وخيانة، يوفون بالعهد إذا كان لمصلحتهم ويغدرون إذا كان الغدر لمصلحتهم.

стр. 446

عباد الله! ولما بلغ الخبر رسولَ الله ﷺ قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " -أي بخبر بني قريظة- قال الزبير بن العوام ﵁: أنا يا رسول الله قال ﷺ : "من يأتيني بخبر القوم؟ " قال الزبير: أنا يا رسول الله. قال- ﷺ : "من يأتيني بخبر القوم؟ " قال الزبير: أنا يا رسول الله ثلاث مراتٍ فقال النبي ﷺ : "إن لكل نبيٍ حوارياً، وحواريَّ الزبير بن العوام" (١). يقول الزبير ﵁ فأتيتهم فأتيته بخبرهم -أي أنهم فِعْلاً غدروا وخانوا، فازداد المؤمنون شدة على شدتهم وخوفاً على خوفهم؛ لأن الأحزاب إذا دخلوا من الخلف ضربوهم ضربهَ قاضية ولكن الله سلّم. فما إن وقعت الفرقة بين الأحزاب وبني قريظة. العنصر الثاني: الجزاء من جنس العمل عباد الله! عندما أراد اليهود- قاتلهم الله- بتحريضهم الكفار على المسلمين وبغدرهم أن يستاصلوا المسلمين من على وجه الأرض؛ وقع ذلك بهم فقتلهم رسول الله ﷺ وسبى نسائهم وذراريهم وأخذوا أرضهم وأموالهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾. عباد الله! تعالوا بنا لنتعرف على ما نزل بيهود بني قريظة ومَنْ تعاون معهم بعد غدرهم برسول الله- ﷺ في غزوة الأحزاب. عباد الله! رجعت الأحزاب إلى ديارهم يجرون أذيال الخيبة والخسران، لم ينالوا خيراً بعد أن أرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً من عنده، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ

стр. 447

اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾، ورجع كذلك الوفد اليهودي- الذي خرج من خيبر لتحريض الأحزاب لغزو المدينة- إلى أرضهم. عباد الله! فلما رأت بنو قريظة أنهم وحدهم في المدينة مع رسول الله ﷺ ، ورأوا أنهم قد هلكوا بسبب غدرهم ونقضهم عهد النبي- ﷺ ، دخلوا حصونهم وأغلقوا أبوابهم، وجلسوا ينتظرون ما يُفعل بهم. ودخل معهم حييُّ بن أخطب اليهودي وفاءاً بعهده لسيدهم كعب القرظي، حيث كان حين دعاه إلى نقض العهد والغدر أعطاه عهداً وميثاقاً إن لم يكن ما أراد من استئصال المسلمين أن يرجع فيدخل معه في حصنه، ليصيبه ما أصابه. عباد الله! ورجع النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة بعد هذا النصر المبين على الأحزاب ووضع ﷺ سلاحه وأخذ يغتسل ليزيل هذا التراب الذي غبَّر جسده الشريف، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله! أوقد وضعت السلاح؟ قال ﷺ : "نعم". قال جبريل: والله ما وضعناه- لتعلموا أن الملائكة كانوا يجاهدون مع المسلمين في غزوة الأحزاب-. فقال ﷺ : "إلى أين"؟ فقال جبريل ﵇: ها هنا وأشار بيده إلى بني قريظة (١) - إلى الخونة الذين لا يتركون الغدر-. عباد الله! فأصدر النبي- ﷺ أوامره للجيش المسلم بالخروج إلى بني قريظة

стр. 448

فوراً وبأسرع ما يمكن وقال لهم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (١)، وكان ذلك بعد الظهر، ولبس النبي ﷺ سلاحه وخرج مع الجيش عباد الله! ها هو جيش الإِسلام بقيادة رسول الله- ﷺ في طريقه إلى بني قريظة، وقد سبقهم جبريل ﵇. ويقول أنس ﵁: "كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار ورسول الله- ﷺ إلى بني قريظة" (٢). وتقول عائشة ﵂ خرج رسول الله- ﷺ فمر على بني غنم، وهم جيران المسجد، فقال لهم: مَنْ مرَّ بكم؟ فقالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته ووجهه جبريل ﵇ فعلم رسول الله ﷺ أن جبريل قد سبقه إلى بني قريظة - تقول ﵂ فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسة وعشرين ليلةً، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح. فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ، فأُتي به على حمار قد حمل عليه وحفَّ به قومُهُ -أي من الأوس- وقالوا له: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية، ومَنْ قد علمت. فلم يرجع شيئاً ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه

стр. 449

فقال: قد آن لي أن لا يأخذني في الله لومة لائم. عباد الله! وسعد بن معاذ ﵁ قد أصابه سهم من رجل من المشركين في غزوة الأحزاب فأصاب أكحله فقطعه فدعا سعد ربه فقال: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة". عباد الله! فلما وصل سعد ﵁ إلى رسول الله ﷺ قال ﷺ لأصحابه: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فأنزلوه. فقال له رسول الله ﷺ : احكم فيهم -أي في بني قريظة-. قال سعد ﵁: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم -أي نساءهم وأطفالهم- وتقسم أموالهم. فقال النبي ﷺ : "قد حكمت فيهم بحكم الله ، وحكم رسوله" (١). وفي رواية قال ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الملك" (٢). عباد الله! ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ في دار بالمدينة، ثم خرج ﷺ إلى سوق المدينة فخندق فيها خنادق، ثم طفق يبعث إليهم فيؤتي بهم أرسالاً -أي جماعات- فتضرب أعناقهم- العزة لله ولرسوله وللمؤمنين- وفيهم عدو الله حييُّ بنُ أخطب النضري اليهودي الذي قال- لعنه الله- عندما رأى النبي ﷺ : والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ثم جلس فضُرِبَتْ عنقُهُ لعنه الله.

стр. 450

عباد الله! ولما قتل رجال بني قريظة وسبيت النساء والصبيان، وقرت عين سعد بن معاذ لذلك استجابة من الله لدعوته: توجه ﵁ إلى الله تعالى بدعوة ثانية فقال: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على نبيك ﷺ شيئاً فابقني لها، وإن كنت أنهيت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، فسأل جرحه فلم يتوقف حتى مات ﵁ (١). عباد الله! وقد أخبرنا الله في كتابه بغزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة فقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧]. هكذا (الجزاء من جنس العمل) ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾. أرادت بنو قريظة القضاء على رسول الله ﷺ وأصحابه فنزل ذلك بهم، وأراد عدو الله حيي بن أخطب اليهودي استئصال المسلمين فنزل ذلك به وضرب المسلمون عنقه مع أعناق بني قريظة. عباد الله! وهذا أبو رافع بن أبي الحقيق اليهودي، الذي ذهب مع حيي بن الأخطب اليهودي إلى كفار مكة؛ ليحرضوهم على استئصال المسلمين في المدينة، لا بد أن يأخذ جزاءه فأمر النبي- ﷺ أصحابه أن يقتلوه.

стр. 451

عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى البراء بن عازب ﵁ وهو يخبرنا الخبر قال البراء بن عازب ﵁: "بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالاً من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك". وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم -أي رجعوا بمواشيهم- قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فأدخل، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق -أي المفاتيح- على وتد. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب. وكان أبو رافع يُسَمَّرُ عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت باباً أغلقت علي من داخل. قلت إن القوم نذروا بي -أي علموا بي- لم يخلصوا إلى حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت؟ فقلت: أبا رافع، فقال: مَنْ هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئاً؟ وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأُمِكَ الويلُ إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربةً أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت ضبة السيف في بطنه حتى أَخذ من ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً حتى

стр. 452

انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلتُ النجاء -أي أسرعوا- فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال لي: "ابسط رجلك" فبسطتُ رجلي فمسحها فكأنها لم أشتِكها قط" (١). عباد الله! وهكذا تخلص رسول الله ﷺ والمسلمون من رؤوس الأفاعي من اليهود- لعنهم الله-، الذين تربوا على الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ فكل من كان على المسلمين وسعى في استئصالهم؛ هذا هو مصيره في الدنيا القتل والفضيحة، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾. العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة بني قريظة . أولاً: الله للظالمين بالمرصاد ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾. وقال ﷺ : "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ ".

стр. 453

عباد الله! ماذا فعل الله بالأحزاب عندما أرادوا ظلم المسلمين في المدينة؟ أرسلَ الله عليهم ريحاً وجنوداً من عنده ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. ماذا فعل الله بيهود بني قريظة عندما أرادوا أن يضربوا المسلمين من الخلف فخانوا وغدروا؟ أبادهم الله من فوق الأرض وأعطى أموالهم وأرضهم وديارهم للمسلمين، فاحذروا من الظلم يا عباد الله، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. واعلموا أن الله يستجيب دعوة المظلوم إذا دعا على الظالم. ثانياً: المستقبل للإسلام . قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. الإِسلام دين الله في الأرض: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]. والإِسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية ديناً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. عباد الله! والله يحفظ هذا الدين ويحفظ أهله؛ إن هم نصروا الله في أنفسهم. قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم:٤٧]، وقال

стр. 454

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وقال ﷺ : "ليبلغن هذا الأمر -أي هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر؛ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإِسلام، وذلاً يُذل به الكفر" (١). وقال ﷺ "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها" (٢). عباد الله! ما من أمة حاولت أن تعتدي على هذا الدين وعلى أهله إلا أبادهم الله ودمرهم، فانظروا عباد الله، ماذا فعل الله بالأحزاب عندما جاءوا من كل مكان للقضاء على الإِسلام وأهله؟ وانظروا عباد الله، ماذا فعل الله بيهود بني قريظة؛ عندما أرادوا بغدرهم القضاء على الإِسلام وأهله؟ ثالثاً: فضائل سعد بن معاذ ﵁ - عباد الله! سعد بن معاذ ﵁ الذي دعا فاستجاب الله له، قال: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني مِنْ بني قريظة". سعد بن معاذ ﵁ الذي حكم في بني قريظة بحكم الملك، من فوق سبع سموات، سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز عرش الرحمن لموته.

стр. 455

قال ﷺ "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ" (١). سعد بن معاذ ﵁ الذي حملت الملائكة جنازته. عن أنس ﵁ قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته. فقال النبي ﷺ : "إن الملائكة كانت تحمله" (٢) اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

стр. 456

الخطبة الثانية والأربعون: عمرة الحديبية (صلح الحديبية) أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ . وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن عمرة الحديبية (صلح الحديبية). عباد الله! والحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم (١). عباد الله! وحديثنا عن عمرة الحديبية أو عن صلح الحديبية سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين . العنصر الثاني: الرسول ﷺ والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة. العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح. العنصر الرابع: صلح الحديبية. العنصرالخامس: الأحداث التي وقعت بعد الصلح. العنصر السادس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من صلح الحديبية. العنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين. رأى النبي ﷺ -وهو بالمدينة- رؤيا بالمنام: أنه داخل مكة وطائف بالبيت العتيق، ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فأولها رسول الله ﷺ على أنها إذنٌ من الله-

стр. 457

عز وجل- بدخول مكة. فأذن مؤذنه في الناس بأن النبي ﷺ معتمر، فأجابه إلى العمرة ألف وأربعمائة من المؤمنين الصادقين. عباد الله! وأما المنافقون فقد ظنوا بالله ظن السوء، ظنوا أن محمداً وأصحابه إن دنوا من مكة، فإن قريش والعرب سيستأصلونهم ويبيدونهم، فلا يرجع منهم واحد البتة. ثم زَوَّروا في أنفسهم عذراً يعتذرون به للنبي ﷺ إن هو رجع، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون، فأنزل على رسوله قرآناً يفضح فيه المنافقين. قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾ [الفتح: ١١ - ١٣]. عباد الله! موقف المنافقين في كل الأحوال واحد لا يتغير إلا بأسلوبه وشكله الظاهري، وجزاؤهم على ذلك- عند الله تعالى -أيضاً واحد لا يتبدل. فقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦].

стр. 458

العنصر الثاني: الرسول ﷺ والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة . عباد الله! خرج رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، ونظراً لتوقع الشر من قريش فإن المسلمين أخذوا سلاحهم فكانوا مستعدين للقتال، فلما وصلوا إلى ذي الحليفة -وهي ميقات أهل المدينة- أحرموا بالعمرة، وساقوا الهدى سبعين بدنة، وبعث النبي ﷺ عيناً إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش. ولما وصل رسول الله ﷺ وأصحابه إلى "عسفان" جاء الخبر إلى رسول الله ﷺ أن قريشاً قد جمعوا المجموع، وخرجوا يريدون أن يقاتلوه، ويصدوه عن البيت الحرام. فاستشار النبي ﷺ أصحابه في أن يَغِيرَ على ديار الذين ناصروا قريشاً، واجتمعوا معها ليدعوا قريشاً ويعودوا للدفاع عن ديارهم. فقال ﷺ : "أشيروا أيها الناس عليّ، أترون أن أميل إلى عيالهم، وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين؟ -والمحروب هو من سلب ماله- فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال ﷺ : "امضوا على اسم الله" (١). عباد الله! أخذ رسول الله- ﷺ والصحابة يسيرون إلى مكة؛ حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالغميم -مكان قريب من

стр. 459

مكة- في خيل لقريش طليعة -أي في مقدمة الجيش- فخذوا ذات اليمين، فانحازوا ذات اليمين، فلم يشعر بهم خالد حتى رأى الغبار صاعداً فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حلْ حلْ- وهي كلمة تقال للناقة إذا تركت السير- فألحت -أي تمادت على عدم القيام- فقالوا: خلأت القصواء -أي حرنت القصواء- فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله -أي من ترك القتال في الحرم- إلا أعطيتهم إياها -أي أجبتهم إليها- ثم زجرها فوثبت -أي قامت الناقة-. فَعَدَلَ النبي- ﷺ عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، فما لبثوا أن نزحوه فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهماً من كنانته؛ ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر فما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه - وهذه من معجزاته ﷺ -. العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح . عباد الله! أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إلى قريش رجلاً من أصحابه يخبرهم أنهم جاءوا عماراً، ولم يجيئوا لقتالٍ - ليعلم الجميع أن الإِسلام لا يطلب حرباً إلا إذا فرضت عليه، وإن الذين يشعلون الحرب هم أهل الكفر والشرك- فدعا عمر ﵁ فقال عمر: يا رسول الله ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فأرسله، فانطلق عثمان فمر على نفر من قريش فقالوا له: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله- ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإِسلام وأخبركم؛ أنا لم نأت لقتالٍ وإنما جئنا عماراً.

стр. 460

فقالوا: قد سمعنا ما تقول فأنفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، فحمله بين يديه وأجاره حتى بلّغَ رسالة رسول الله ﷺ ، وتأخر عثمان ﵁ في مكة حتى أشيع أنه قد قتل. فدعا رسول الله ﷺ أصحابه إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة بيعة الرضوان على أن لا يفروا، فأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه وقال: هذه يد عثمان، ثم جاء عثمان ﵁ بعد أن تمت البيعة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. عباد الله! بينما رسول الله ﷺ والمسلمون على حالهم بالحديبية، إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة -وهم موضع سر رسول الله ﷺ وأهل النصح له- فأخبر رسول الله ﷺ أن قريشاً خرجت بكل ما تملك من قوة، ونزلت بالحديبية عند الماء الكثير، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب -أي أضعفت قوتهم وأموالهم- وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة -أي جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها- وُيخلّو بيني وبين الناس -أي من الكفار العرب وغيرهم- فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد رحموا -أي فإن ظهر غيرُهم عليَّ كفاهم المؤنة، وإن أظهر أنا على غيرهم فإن شاءوا أطاعوني وإلا فلا تنقض مدة الصلح إلا وقد استراحوا وقووا- ثم قال ﷺ : وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي -أي: حتى أموت- ولينفذن الله أمره -أي: وليمضين الله أمره في نصر دينه-.
следующие страницы →