← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 561–586 · переход к 566.

стр. 561

فمن كان منكم معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، (وفي رواية: فقال: أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالاً. حتى إذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة). فقام سراقة بن مالك بن جعُشمُ (وهو في أسفل المروة:) فقال: يا رسول الله أرأيت عمرتنا (وفي لفظ: متعتنا:) هذه: ألعامنا هذا أم لأبد الأبد: قال: فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في أخرى وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد، ثلاث مرات قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو فيما نستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل إذن؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. (قال جابر: فأمرنا إذا حللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية كل سبعة منا في بدنة فمن لم يكن معه هدي، فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله. قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله قال: فَكَبُرَ ذلك علينا، وضاقت به صدورنا. النزول في البطحاء قال: فخرجنا إلى البطحاء، قال: فجعل الرجل يقول: عهدي بأهلي اليوم. قال: فتذاكرنا بيننا فقلنا: خرجنا حجاجاً لا نريد إلا الحج، ولا ننوي غيره، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا أربع (وفي رواية: خمس ليال أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنى من النساء، قال: يقول

стр. 562

جابر بيده، (قال الراوي): كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فما ندري أشيء بلغه من السماء. أم شيء بلغه من قِبل الناس. خطبته ﷺ بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له . فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: أبالله تعلموني أيها الناس قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، افعلوا ما آمركم به فإني لولا هديي لحللت كما تحلون ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا. قال: فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وسمعنا وأطعنا. فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي. قال: وليس مع أحد منهم هدي غير النبي- ﷺ وطلحة. قدوم علي من اليمن مهلاً بإهلال النبي ﷺ - وقدم علي من سعايته من اليمن ببدُن النبي ﷺ . فوجد فاطمة ﵂ ممن حل: ترجلت ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟!، فقالت: إن أبي أمرني بهذا قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله- ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا فقال: صدقت، صدقت، صدقت أنا أمرتها به. قال جابر: وقال لعلي: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ .

стр. 563

قال: فإن معي الهدي فلا تحل، وامكث حراماً كما أنت. قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ -من المدينة مائة بدنة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي- التوجه إلى مِنى محرمين يوم الثامن وهو يوم التروية: فلما كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر توجهوا إلى مني فأهلوا بالحج من البطحاء. قال: ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلِلْ، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي ففعلت (وفي رواية: فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت. وركب رسول الله ﷺ وصلى بها (يعني مني، وفي رواية: بنا) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس. وأمر بقبة له من شعر تضرب له بنمرة -وهو موضع بجانب عرفات وليس من عرفات-. التوجه إلى عرفات والنزول بنمرة: فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة ويكون منزله ثم كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز -أي

стр. 564

جاوز المزدلفة ولم يقف بها- رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها. حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي. خطبة عرفات فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك وأديت ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم أشهد، اللهم أشهد". الجمع بين الصلاتين والوقوف على عرفة: ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً.

стр. 565

ثم ركب رسول الله ﷺ القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصَّفرة قليلاً حتى غاب القُرصُ، وأردف أسامة خلفه. الإفاضة من عرفات ودفع رسول الله ﷺ (وفي رواية: أفاض وعليه السكينة) وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورِك رحله -وهو قطعة أدمٍ يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل، شبه المخدة الصغيرة- ويقول بيده اليمنى "أيها الناس! السكينة السكينة .. ". الجمع بين الصلاتين في المزدلفة والبيات بها: حتى أتي المزدلفة فصلى بها، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر. وصلى الفجر حين تبين له الفجر، بأذان وإقامة. الوقوف على المشعر الحرام ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام. فاستقبل القبلة، فدعا (وفي لفظ: فحمد الله) وكبره وهلله ووحده. فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً. وقال: وقفت ها هنا، والمزدلفة كلها موقف. الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة فدفع من جمع قبل أن تطلع الشمس وعليه السكينة. وأردف الفضل بن عباس- وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً-. فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن تجرين- الظعينة البعير الذي عليه

стр. 566

امرأة، ثم سمى به المرأة مجازاً لملابستها البعير- فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهة من الشق الآخر. حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً وقال: عليكم السكينة. رمي الجمرة الكبرى ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها ضحى بسبع حصيات. يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف. رمى من بطن الوادي وهو على راحلته وهو يقول: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. قال جابر ﵁ ورمى بعد يوم النحر في سائر أيام التشريق إذا زالت الشمس. ولقيه سراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصة؟ قال: لا، بل لأبد. النحر والحلق ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنه بيده. ثم أعطى علياً فنحر ما غبر يقول: ما بقي، وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنه ببضعة -وهي القطعة من اللحم- فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها.

стр. 567

(وفي رواية قال: نحر رسول الله ﷺ عن نسائه بقرة). (وفي أخرى قال: فنحرنا البعير، عن سبعة، والبقرة عن سبعة). (وفي رواية خامسة عنه قال: فاشتركنا في الجزور سبعة، فقال له رجل: أرأيت البقرة أيشترك؟ فقال: ما هي إلا من البدن). (وفي رواية: قال جابر: كنا لا نأكل من البدن إلا ثلاث مني، فأرخص لنا رسول الله ﷺ ، قال: "كلوا وتزودوا". قال: فأكلنا وتزودنا حتى بلغنا بها المدينة. رفع الحرج عمن قدم شيئاً من المناسك أو أخر يوم النحر. (وفي رواية: نحر رسول الله ﷺ فحلق. وجلس بمنى يوم النحر للناس، فما سئل يومئذ عن شيء قدم قبل شيء إلا قال: "لا حرج، لا حرج". حتى جاءه رجل فقال: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: "لا حرج". ثم جاء آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي؟ قال: "لا حرج". ثم جاءه آخر فقال: طفت قبل أن أرمي؟ قال: "لا حرج". قال آخر: طفت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج". ثم جاءه آخر فقال: إني نحرت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم". ثم قال نبي الله ﷺ : قد نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر فانحروا في رحالكم. خطبة النحر وقال جابر ﵁: خطبنا ﷺ يوم النحر فقال: أي يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأي شهر أعظم حرمة؟ قالوا: شهرنا هذا، أي بلد أعظم

стр. 568

حرمة؟ قالوا بلدنا هذا، قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. الإفاضة لطواف الصدر: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فطافوا ولم يطوفوا بين الصفا والمروة فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فناولوه دلواً فشرب منه (١). عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من حجة الوداع فهي: أولاً: تحديد مصدر التلقي ، ففي حجة الوداع، حدد النبي- ﷺ مصدر التلقي الذي يجب على الأمة أن ترجع إليه، وذلك عندما قال لهم: "خذوا عني مناسككم"، وقال لهم: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمت به؟ كتاب الله". عباد الله! وكما قال ﷺ في الحج قال في الوضوء: "من توضأ نحو وضوئي هذا" وقال أيضاً في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي". فعلى الأمة أن تأخذ دينها من الكتاب والسنة، حتى لا تضل عن الصراط المستقيم لقوله ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي". وعلى المسلمين أن يفهموا الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة؛ أصحاب محمَّد ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ

стр. 569

الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وقال ﷺ : "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي". وقال ﷺ : "إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ". ثانياً: قطع الصلة بالجاهلية، والابتعاد عن الذنوب والمعاصي: وهذا يؤخذ من قوله ﷺ : "ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع؛ دماء الجاهلية موضوعة .. وربا الجاهلية موضوع". فيجب على الأمة الإِسلامية أن تبتعد عن أمور الجاهلية؛ لتعيش في ظل الإِسلام كاملاً، والتبرج يا عباد الله من أمور الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، والحكم بغير ما أنزل الله من أمور الجاهلية، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ .. ﴾ والفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة من أعمال الجاهلية قال ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن؛ الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (١). ثالثاً: الوصية بالنساء

стр. 570

وهذا يؤخذ من قوله ﷺ في خطبته: "فاتقوا الله في النساء". عباد الله! كان النبي ﷺ يوصي دائماً بالنساء فيقول: "استوصوا بالنساء خيراً"، وفي آخر أيامه وهو في فراش الموت يقول: "الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم" والله وصى بالنساء فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فيجب على المسلمين أن يتقوا الله في النساء؛ لأن النبي- ﷺ حذر من الاعتداء على المرأة، فقال ﷺ : "اللهم إني أحرج حق الضعيفين؛ المرأة واليتيم" (١). رابعاً: من مات في الحج محرماً يبعث يوم القيامة ملبياً . قال ابن عباس ﵄: بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة، إذ وقع عن راحلته فأوقصته، أو قال فأقعصته -أي: قتلته في الحال- فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه -أي: لا تضعوا عليه من الطيب شيئاً- ولا تخمروا رأسه -أي: لا تغطوا رأسه- فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً" (٢). اللهم ارزقنا علماً نافعاً

стр. 571

الخطبة الحادية والخمسون: وفاةُ الرسول ﷺ - عباد الله! وموعدُنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الحادي والخمسين من سيرة حِبيبِ ربِّ العالمين محمدٍ ﷺ النبي الأمين، وهذا هو اللقاءُ الأخير، وحديثنُا في هذا اللقاءِ سيكونُ عن وفاة رسول الله ﷺ . عباد الله! رسولُ الله ﷺ الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾. والذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور. والذي ختم اللهُ به الأنبياءَ والمرسلين، فلا نبي بعده ولا رسول بعده. والذي قال الله له ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ أو قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فنشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهدَ في سبيل دينه حتى أتاهُ اليقين، وترك أمته على المحجةِ البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك أو ضالُ. عباد الله! رسولُ الله ﷺ الذي قال الله له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠] والذي قال الله له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].

стр. 572

وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾. رسول الله ﷺ الذي قال له جبريل ﵇: "يا محمَّد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه" (١). عباد الله! بعد أن فتح رسولُ الله ﷺ مكة وأرسل إلى ملوك ورؤساء الدول الكبرى يدعوهم إلى الإِسلام، وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً؛ أخذ رسول الله ﷺ يشير إلى اقتراب أجله، وُيعرضُ بقرب أجله. فقبل حجة الوداع، خرج رسول الله ﷺ مع معاذ بن جبل ﵁ يودعه ويوصيه عندما بعثه إلا اليمن، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ ﷺ قال: "يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري". فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله ﷺ ، ثم التفت ﷺ فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: "إن أولى الناس بي المتقون؛ من كانوا وحيث كانوا" (٢). ووقع ما أشار إليه رسول الله ﷺ ، فإن معاذاً أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاة النبي ﷺ حجة الوداع، ومعاذ باليمن. وكان ﷺ يعتكف كل سنة عشراً في شهر رمضان، فاعتكف في السنة الأخيرة عشرين ليلة، وكان جبريل يعارضه القرآن مرة في شهر رمضان،

стр. 573

فعارضه في السنة الأخيرة مرتين. قال أبو هريرة ﵁: كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً (١). أخبر النبي ﷺ فاطمة ﵂: "أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري" (٢). عباد الله! وفي حجة الوداع، ودع النبي ﷺ أمته وأصحابه. في يوم النحر، وعند جمرة العقبة قال ﷺ : "لتأخذوا مناسككم -أي: خذوا عني مناسككم- فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" (٣). وعلى عرفة نزل على رسول الله ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فلما تلاها ﷺ على أصحابه بكى عمرُ ﵁ فقيل له: ما يبكيك؟ فقال ﵁ إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان (٤). وفي ثاني أيام التشريق نزل على رسول الله ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر]

стр. 574

فلما سأل عمر ﵁ ابن عباس ﵄ عن هذه السورة. قال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ أعلم له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (١). عباد الله! ودعا النبي- ﷺ فاطمة ﵂ فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت. فلما سألتها عائشة ﵂ قالت: سارّني في الأول فقال لي: "إن جبريل كان يُعارضُني بالقرآن كل سنة مرةً، وقد عارضني في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك" فبكيت. ثم سارني فقال: "يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟ " فضحكت (٢). عباد الله! وخرج ﷺ يوماً إلى أحد فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض. وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن

стр. 575

تنافسوا فيها" (١). عباد الله! هكذا أخذ رسول الله ﷺ يشير ويعرض باقتراب أجله، والناس يشعرون أن رسول الله ﷺ يودعهم. عباد الله! وعاد النبي ﷺ من حجة الوداع إلى المدينة، وهناك في المدينة بدأ النبي ﷺ يشتكي من صداع شديد في رأسه. تقول عائشة ﵂ رجع النبي ﷺ ذات يوم من جنازة من البقيع فوجدني، وأنا أجد صداعا وأنا أقول، وارأساه، فقال: "بل أنا يا عائشة وارأساه". ثم قال- ﷺ لها: "وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك". فقالت ﵂ له: كأني بك والله لو فعلت ذلك، لرجعت إلى بيتي فعرست فيه ببعض نسائك. تقول ﵂: "فتبسم رسول الله ﷺ ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه" (٢). عباد الله! "اشتد الوجع برسول الله- ﷺ ، فطلب من زوجاته أن يمرض في بيت عائشة أم المؤمنين فأذنَّ له، فخرج بين رجلين من أهل بيته حتى دخل بيت عائشة" (٣). وكان ﷺ يقول: "يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر،

стр. 576

فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري" (١) -من ذلك السم-. وكان ﷺ يخرج إلى المسجد يصلي بالناس، فلما اشتد به الوجع قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. فقال ﷺ : "مروا أبا بكر فليصل بالناس". تقول عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. ففعلت حفصة. فقال ﷺ : "مه! إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً (٢). وعاودت عائشة رسول الله ﷺ لئلا يتشاءم الناس بأبيها (٣). عباد الله! أبو بكر ﵁ يصلي بالناس، وفي يوم وجد النبي ﷺ في نفسه خفة فخوج يهادي بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن مكانك، ثم أُتي به حتى جلس إلى جنبه، فكان ﷺ يصلي، وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر (٤).

стр. 577

عباد الله! فلما كان يوم الخميس قبل خمسة أيام من وفاته ﷺ ؛ اشتد الوجع برسول الله ﷺ فقال للمسلمين حوله: "ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده" فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع .. فقال لهم "دعوني فالذي أنا فيه خير" (١). ثم أراد النبي ﷺ أن يخرج للخطبة. فقال لأهله: "أهريقوا علي من سبع قرب لم تُحَلُ أوكيتها، لعلي أعهد إلى الناس". تقول عائشة ﵂ "فأجلسناه في مخصب لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده" أن قد فعلتن، تقول ﵂ ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم (٢). يقول أبو سعيد الخدري ﵁ "خطب رسول الله ﷺ الناس فقال: "إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله". قال أبو سعيد: "فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير، فكان رسول الله ﷺ هو المُخَيرُ، وكان أبو بكر أعلمنا". فقال ﷺ : "إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإِسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر" (٣). عباد الله! اشتد الوجع برسول الله ﷺ ، فأخذ يوصي أمته وأصحابه في

стр. 578

الأيام الأخيرة من عمره بما يلي: أولاً: أوصى أمته بإخراج المشركين في جزيرة العرب، فقال ﷺ قبل موته بخمس: "أوصيكم بثلاث ثم ذكر منها: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (١). ثانياً: وأوصى أن تغلق الأبواب المفتوحة على المسجد إلا باب أبي بكر فقال- ﷺ : "لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر" وهذه من الإشارات لاستخلافه ﵁ (٢). ثالثاً: وأوصى ﷺ بالأنصار خيراً. يقول أنس ﵁: "مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يُبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ فينا فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي -أي: موضع سري وأمانتي-، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" (٣). رابعاً: وأوصى ﷺ بتعظيم الرب في الركوع، والاجتهاد في الدعاء في السجود يقول: ابن عباس ﵄: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: "أيها الناس، إنه لم يبق

стр. 579

من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وأني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن -أي: حقيق وجدير- أن يستجاب لكم" (١). خامساً: أوصى ﷺ أمته بالصلاة يقول علي ﵁: كان آخر كلام رسول الله ﷺ "الصلاة، الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" (٢). سادساً: ووصى ﷺ أمته أن تحسن الظن بالله. يقول جابر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: "لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " (٣). سابعاً: نهى ﷺ أمته عن بناء المساجد على القبور، تقول عائشة وابن عباس ﵃: إن رسول الله- ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقى على وجهه طرف خميصة، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". تقول عائشة: "يُحَذّرُ مثل الذي صنعوا" (٤). عباد الله! اشتد الوجع برسول الله ﷺ ، وانقطع عن أصحابه بقية يوم

стр. 580

الخميس، والجمعة والسبت والأحد، وبينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بالناس، لم يفجأهم إلا ورسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة؛ فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة ثم ابتسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة. يقول أنس ﵁: وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله ﷺ ، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل- ﷺ الحجرة وأرخى الستر، ثم مات ﷺ ضحى ذلك اليوم الاثنين (١). عباد الله! وفي يوم الاثنين اشتد المرض برسول الله ﷺ تقول عائشة ﵂: لا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد ما رأيت النبي ﷺ (٢). ويقول ابن مسعود ﵁: "دخلت على رسول الله- ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكاً شديداً". قال- ﷺ : أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال ﷺ : أجل، ذلك كذلك. ثم قال ﷺ : "ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها

стр. 581

سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها" (١). وتقول عائشة ﵂ "لما نزل برسول الله ﷺ -أي: وجع الموت- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، ويقول: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" تقول عائشة ﵂: لولا ذلك لأبرز قبره، خشي أن يتخذ مسجداً (٢). ويقول أنس ﵁ لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة- ﵂ "واكرب ابتاه! قال ﷺ : "ليست على أبيك كرب بعد اليوم" (٣). وتقول عائشة ﵂ "إن من نعم الله علي، أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي ويومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقى وريقه عند موته. تقول ﵂: دخل علي عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك - وأنا مسندة رسول الله ﷺ - فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فتناوله فاشتد عليه، فقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فلينته فأمرّه -أي استاك به- تقول ﵂ "وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات"، ثم نصب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى"، حتى قبض

стр. 582

فمالت يده (١). يقول أنس ﵁، لما مات رسول الله ﷺ ، قالت فاطمة ﵂: يا أبتاه! أجاب رباً دعاه. يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه. يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه" (٢). عباد الله! لما مات رسول الله ﷺ وضعت عائشة ﵂ رأسه على وسادة، وسجته -أي: غطته- ببردة. عباد الله! عائشة تبكي، وفاطمة تبكي، والكل يبكي على فراق رسول الله ﷺ ، والخبر ينتشر هنا وهناك، فمن المسلمين من يقول: مات رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول: لا ما مات رسول الله ﷺ ، وهذا الفاروق عمر ﵁ يتوعد من قال مات رسول الله ﷺ بالقتل والقطع. عباد الله! وصل الخبر إلى أبي بكر ﵁، فجاء على فرسه، ثم دخل فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠].

стр. 583

وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤] فنشج الناس يبكون، وقال عمر: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق، فَعُقِرْتُ حتى ما تُقِلُّني رجلاي، وهويت إلى الأرض، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله ﷺ قد مات" (١) مات النبي- ﷺ وإنها لمصيبة من أعظم المصائب؛ لأن بموته انقطع الوحي من السماء. أيها المسلم! اصبر لكل مصيبة وتجلدِ ... واعلم بأن المرء غير مُخلد أوَما ترى أن المصائبَ جمّة ... وترى المنيةَ للعباد بمرصد مَنْ لم يُصبْ ممن ترى بمصيبة ... هذا سبيلٌ لستَ فيه بأوحدِ فإذا ذكرتَ محمداً ومصابه ... فاذكرْ مُصابَكَ بالنبيِّ محمدِ عباد الله! اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة، وبعد المشاورات والمحاورات تم الاتفاق على أبي بكر ﵁ خليفةً للمسلمين بعد رسول الله ﷺ ، وبايعه المسلمون في المسجد على ذلك. عباد الله! وبدأ المسلمون في تجهيز النبي- ﷺ . أولاً: الغسل: تقول عائشة ﵂: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله لا

стр. 584

ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله ﵎ عليهم النومُ حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره. ثم كلَّمهم مُكَلِّمٌ من ناحية البيت- لا يدرون مَنْ هو-: أن غسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون القميص دون أيديهم وكانت عائشة تقول "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه" (١). ثانياً: الكفن: فلما فرغوا من غسله ﷺ كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. كما قالت عائشة ﵂ (٢) -. ثالثاً: الصلاة عليه: ثم أخذوا في الصلاة عليه ﷺ فرادى، لم يؤمهم أحد، دخل الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان (٣). رابعاً: الدفن: فلما أرادوا دفنه- ﷺ اختلفوا أين يدفنونه؟ فقال أبو بكر ﵁: سمعت من رسول الله ﷺ شيئاً ما نسيته، قال ﷺ : "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه فدفنوه، في موضع

стр. 585

فراشه" (١). وكان بالمدينة رجل يُلحد، وآخر يضرح. فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه. فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﷺ (٢). تقول عائشة ﵂: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء (٣). فلما فرغوا من دفنه قالت فاطمة ﵂: "يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب" (٤). وتقول أم سلمة ﵂ بينما نحن مجتمعون نبكي لم ننم، ورسول الله ﷺ في بيوتنا، ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرارين في السحر، فصحنا وصاح أهل المسجد فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر رسول الله ﷺ بكى وانتحب فزادنا حزناً (٥). عباد الله! إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا رسول الله لمحزونون، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 586

ويقول أنس ﵁: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة، أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه، أظلم منها كلُّ شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب حتى أنكرنا قلوبنا (١). عباد الله! وعزاؤنا في رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا أراد الله رحمة أمةٍ من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها" (٢). وتقول عائشة ﵂: "ما ترك رسول الله ﷺ ديناراً ولا درهماً ولا شاةً ولا بعيراً ولا أوصى بشيء" (٣). "بل لقد مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعيرٍ أخذها لأهله" (٤). ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير توفنا على الإسلام وألحقنا بالصالحين