← Сира

Сира · id 97933

سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام

صالح بن طه عبد الواحد

Полный текст (586 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الراية منه ابنُ أخيه أبو موسى الأشعري فما زال يقاتل العدو حتى بدَّد شملهم وهُزموا شر هزيمةٍ. ومالك بن عوف- قائد المشركين يومئذ- ومن معه من رجالات قومه قرروا أن يمضوا في الفرار حتى يصلوا إلى "الطائف"، فيتحصنوا بحصنها تاركين في هذا الفرار مغانم هائلة، فخلف العدو في أرض المعركة أربعة وعشرين ألفاً من الإبل، وأكثر من أربعين ألفاً من الغنم، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة آلاف من السبي (١). عباد الله! وكره رسول الله ﷺ أن يُقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنى يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيأخذوا ما فقدوا، ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد، فجمع النبي ﷺ هذه الغنائم في (الجعرانة) وعين عليها حارساً، ثم خرج ﷺ بنفسه حتى أتى حصن الطائف الذي تحصن به مالك بن عوف ومن معه، وحاصرهم النبي ﷺ وطال الحصار، فلما طال الحصار ولم ينزلوا، رجع رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين. العنصر الرابع: حكمة رسول الله ﷺ في تقسيم الغنائم: عباد الله! عاد رسول الله ﷺ من الطائف بجيش المسلمين إلى (الجعرانة) وفي (الجعرانة) كانت غنائم حنين الجليلة، وبدأ رسول الله ﷺ في تقسيم الغنائم بسياسة خفيت حكمتها على بعض الصحابة آنذاك، حيث حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب تاليفاً لقلوبهم لقرب عهدهم بالإِسلام، وعدم تمكن معاني الإيمان من قلوبهم.

стр. 527

فأعطى مائة من الإبل لكل من عيينة بن حصن -من زعماء غطفان-، والأقرع بن حابس -من زعماء تميم-، والعباس بن مرداس، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية -من زعماء قريش (١). عباد الله! وشاع في الناس أن محمداً ﷺ يُعطى عطاء من لا يخشى الفقر، فجاء الأعراب من كل مكان يسألونه، حتى اضطروه إلى مضيق وحبسوه عن المسير فتعلق رداؤه بشجرة فقال- ﷺ : "أيها الناس أعطوني ردائي فوالله لو كان لي مثل هذه العضاة -أي: الوادي- نَعَما لقسمته فيكم، لا أحبس عنكم شيئاً، ثم لا تجدونني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً" (٢). عباد الله! وقد أثر عطاء رسول الله ﷺ في قلوب هؤلاء الزعماء وأتباعهم، فأظهروا الرضا بها وزادتهم رغبة في الإِسلام، ثم حَسُنَ إسلامهم جميعاً، فأبلوا في الإِسلام بلاءً حسناً، وخدموه بأنفسهم وأموالهم إلا يسيراً منهم. قال أنس ﵁: "إن كان الرجل ليُسلِمُ ما يريد إلا الدنيا، فما يُسلم حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (٣). وقد عبر بعض المؤلفة قلوبهم عن أثر ذلك فقال صفوان بن أمية: "لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ" (٤).

стр. 528

عباد الله! وقد تأثر بعض المسلمين -في بداية الأمر- بهذا التقسيم لأنه لم يشملهم، فكان لابدَّ من بيان الحكمة لهم من ذلك. فقال ﷺ : "والله إني لأعطي الرجل وأدعُ الرجل، والذي أدعُ أحبُ إليَّ من الذي أُعطي، ولكن أُعطي أقواماً لِما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير" (١). وقال ﷺ : "إني لأعطي رجالاً حُدثاء عهد بكفر أتألفهم" (٢). وقال ﷺ : "إني لأعطي الرجل وغيره أحبُ إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار" (٣). عباد الله! وقد بلغ رسول الله ﷺ أن الأنصار وجدوا في أنفسهم؛ لعدم أخذهم شيئاً من غنائم حنين، وأن بعض أحداثهم قالوا: "إذا كانت الشدة فنحن نُدعى، وتُعطى الغنائم غيرنا". وقالوا: "يُعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم". فأمر النبي ﷺ سعد بن عبادة أن يجمع له الأنصار، فجمعهم له في قبةٍ من أُدمٍ -أي: في خيمة من جلد- فخرج رسول الله ﷺ ، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي". قالوا: بلى!

стр. 529

قال ﷺ : ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك؟ المنُّ لله ورسوله. قال ﷺ : والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدقتم: جئتنا طريداً فآويناك وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فأمناك ومخذولاً فنصرناك .. فقالوا: المنُّ لله ورسوله. فقال ﷺ : أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإِسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعباً، وسلكت الأنصار شِعباً لسلكت شِعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله رباً، ورسوله قسماً، ثم انصرف .. وتفرقوا .. (١). عباد الله! ولما فرغ النبي ﷺ من توزيع الغنائم وهو بالجعرانة، أراد أن يعتمر قبل أن يرجع؛ فأحرم بالعمرة من الجعرانة ليلاً، ووصل مكة فطاف وسعى ثم تحلل، وخرج منها ليلاً فبات بالجعرانة. ثم عاد- ﷺ -إلى المدينة وقد كان خرج منها في رمضان ودخلها في أواخر ذي القعدة. عباد الله! وشتان بين هذا الدخول والدخول يوم الهجرة، لقد دخلها يوم الهجرة خائفاً يترقب، وقريش قد بعثت من يأتي به حياً أو ميتاً.

стр. 530

أما اليوم فقد دخلها منصوراً نصراً مؤزراً، وصدقه الله وعده حيث قال له: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. قال ابن عباس ﵄: لرادُّك ربك إلى مكة (١). فصدق الله رسوله وعده وردَّه إلى مكة، وفتح له غيرها، ثم عاد ﷺ إلى المدينة. العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة حنين: أولاً: التوكل على الله تعالى لا ينافي الأخذ بالأسباب: ويؤخذ هذا من فعل النبي ﷺ في غزواته، فكان يستعد للقاء العدو بالعددِ والعُدة. وفي غزوة حنين استعار النبي ﷺ أسلحة من صفوان بن أمية، وخرج بجيش كبير. فلا يجوز لرجلٍ أن يُقدم على عدو دون أن يُعِدَّ العدة ويقول: أنا متوكل على الله، فرسول الله ﷺ سيد المتوكلين، ولكنه أخذ بالأسباب. لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فهؤلاء الذين يتسرعون لملاقاة الأعداء -قبل أن يستعدوا إيمانياً ومادياً- يضيعون الوقت والجهود فلابد أن يعتبروا بفعل رسول الله ﷺ . ثانياً: الإعجاب بالكثرة يحجب نصر الله: وهذا ما حدث في غزوة حنين فقال بعض المسلمين: "لن نُهزم اليوم من قلة"، فحجب هذا الإعجاب النصر في بداية المعركة.

стр. 531

قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥]. عباد الله! بعد الأخذ بأسباب النصر، لابدَّ أن يعلم المسلمون أن النصر من عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. فالمسلمون لا ينتصرون على أعدائهم بالعدد والعُدة، إنما ينتصرون بهذا الدين العظيم؛ بالإِسلام. وهذا ما قاله عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة، قال: "يا معشر الناس! إن الذي تخافون منه هو الذي خرجتم له؛ الشهادة! والله ما نقاتِلهم بقوة ولا بكثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به". ثالثاً: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل . وهذا يؤخذ من دعائه ﷺ في غزوة حنين، عندما توجه إلى ربه وقال: "اللهم نزل نصرك"، فاستجاب الله له ونصره على أعدائه، ولذلك قال ﷺ : "الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء" (١). وقال ﷺ : "ما من مسلم يدعو الله بدعوة، ليس فيها إثم ولا قطيعة

стр. 532

رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوتهُ. وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" (١). والله يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. رابعاً: حلمهُ ﷺ على جفاء وغلظة الإعراب: يقول ابن مسعود ﵁: .. فلما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناساً في القسمة .. فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِل فيها، وما أُريد فيها وجه الله. قال: فقلت والله! لأخبرنَّ رسول الله ﷺ . قال: فأتيته فأخبرته بما قال، قال ابن مسعود: فتغير وجهه ﷺ -حتى كان كالصرف. ثم قال: "فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله". ثم قال: "يرحم الله موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر" (٢). ويقول أنس ﵁: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُردٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ ، قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته قال: مُر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه- ﷺ ، فضحك "ثم أمر له بعطاء" (٣). والله إنها لأخلاق النبوة. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

стр. 533

الخطبة الثامنة والأربعون: غزوة تبوك أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة تبوك. عباد الله! غزوة تبوك هي آخر غزوةٍ غزاها رسول الله ﷺ مع أصحابه، وهي أول غزوة خارج الجزيرة. غزوة تبوك هي: غزوة العُسرة، وذلك لأن الصحابة خرجوا إليها في قلةٍ من الظهر، وفي حرٍ شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء. قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧]. غزوة تبوك هي الفاضحة؛ لأنها كشفت عن حقيقة المنافقين، وهتكت أستارهم، وفضحت أساليبهم العدائية الماكرة، وأحقادهم الدفينة ونفوسهم الخبيثة، وجرائمهم البشعة بحق رسول الله ﷺ والمسلمين. عباد الله! وحديثنا عن غزوة تبوك سيكون حول العناصر التالية: العنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها. العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك. العنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك. العنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة.

стр. 534

العنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها عباد الله! سبب غزوة تبوك هو الاستجابة لأمر الله تعالى بالجهاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. ولذلك عزم رسول الله ﷺ على قتال الروم لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإِسلام وأهله. فأمر رسول الله ﷺ المسلمين في المدينة وغيرها بالجهاد، وأعلمهم بغزوه الروم، وكان ذلك في رجب من السنة التاسعة للهجرة يقول كعب بن مالك ﵁: "كان رسول الله ﷺ قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدداًَ كثيراً فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهبة عدوِّهم، وأخبرهُم بوجهه الذي يريد" (١). عباد الله! وقال المؤرخون: إن أسباب غزوة تبوك هو: أن الأخبار قد وصلت من الشام بأن الروم قد عزموا على غزو المدينة، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ ، رأى أنه لا بُدَّ من أن يستنفر المسلمين للخروج لهذا العدو قبل أن ياتيهم في أرضهم.

стр. 535

العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك . عباد الله! كما أنَّ الشدائد تظهر نفاق المنافقين، فهي كذلك تظهر إيمان المؤمنين، وغزوة تبوك كانت في ظروف صعبة جداً؛ حر شديدٌ، وعُسَرةٌ في الماء وقلة في المال، وطول في الطريق، فظهر فيها نفاق المنافقين، وكذلك ظهر فيها إيمان المؤمنين الصادقين. فعندما حثَّ النبي ﷺ المسلمين على الإنفاق في سبيل الله لتجهيز جيش المسلمين، جاء بعض المؤمنين الصادقين بكل ماله، ومنهم من جاء بنصف ماله، وجاء عثمان بن عفان ﵁ بألف دينار، فنثرها في حجر رسول الله ﷺ ، فسُرَّ بذلك رسول الله ﷺ ، وجعل يقبلها في حجره وهو يقول: "ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم" (١). عباد الله! وجعل فقراء المسلمين يتصدقون بما يجدونه وإن كان يسيراً، والمنافقون يسخرون من هؤلاء وهؤلاء، فيتهمون أهل الغنى والبذل العظيم بالرياء والسمعة! والفقراء بأن الله عن يسير صدقتهم لغني، وفضحهم الله في كتابه. فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩]. عباد الله! وحاول بعض المنافقين أن يتستر خلف نفقته، ففضحهم الله ، فَرَدَّ عليهم نفقاتهم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ

стр. 536

إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٣ - ٥٤]. عباد الله! وعندما أعلن رسول الله ﷺ النفير العام في المدينة، وكان ذلك وقت جني التمر وطيب الثمار واشتهاء الظلال، شقَّ ذلك على بعضهم، فعاتب الله الذين تباطئوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨]. وقد طالبهم الله في كتابه بأن ينفروا شباباً وشيوخاً، وأغنياء وفقراء. بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. عباد الله! ولقد استطاع رسول الله- ﷺ أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى. وحزن الفقراء من المؤمنين الصادقين لأنهم لا يملكون نفقة الخروُج إلى الجهاد. جاء سبعة رهطٍ من الفقراء إلى النبي- ﷺ يسألونه أن يحملهم فقال: "لا أجد ما أحملكم عليه"، فرجعوا يبكون حزناً ألا يجدوا ما ينفقون فهذا عليَّةُ ابن زيد ﵁ أحد البكاءين، قام بالليل فصلى لله وبكى ثم ناجى الله ﵎ قائلا: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ولم تجعل في يدي ما أتقوى به، ولم تجعل عند رسولك ما يحملني عليه، اللهم إنِّي تصدَّقت الليلة على كل مسلم بأي مظلمة أصابني بها، في عرضي أو مالي أو جسدي، ثم أصبح بين الناس، فقال رسول الله ﷺ : "أين المتصدِّق الليلة؟ " فليقم، فقام

стр. 537

عُلية بن زيد فأخبر رسول الله ﷺ الخبر فقال ﷺ : "أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة" (١). وفي رواية أن النبي- ﷺ أخبره أنه قد غُفِرَ له (٢). عباد الله! وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة - ممن أقعدهم المرض، أو النفقة عن الخروج- إلى حد البكاء شوقاً للجهاد، وتحرجاً من القعود حتى نزل فيهم قرآن: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] وقد خصَّ النبي ﷺ هؤلاء المتخلفين المعذورين ممن حسنت نياتهُم، واستقامت طويتهم بقوله: "إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً؛ إلا كانوا معكم: قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟! قال ﷺ : "وهم بالمدينة، حبسهم العذر" (٣). وقد حكى كعب بن مالك في حديثه الطويل إنه لم يبق بالمدينة إلا المنافقون وأهل الأعذار من الضعفاء (٤).

стр. 538

عباد الله! أما المنافقون فسلكوا مسالك شتى، فمنهم من اعتذر قبل الخروج وتعلل بالعلل الباطلة، قال تعالى عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾ التوبة: ٤٩]. فأذن لهم النبي- ﷺ فقال الله تعالى لنبيه- ﷺ : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣]. ثم قال الله لرسوله ﷺ : ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة: ٤٤ - ٤٥]. ومنهم من أخذ يثبط هِمَمَ الناس، قائلين لهم: لا تنفروا في الحرِّ فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التوبة: ٨١ - ٨٢]. العنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك عباد الله! في يوم الخميس من شهر رجبٍ من السنة التاسعة للهجرة، خرج رسول الله ﷺ بجيش المسلمين من المدينة، قاصداً غزو الروم؛ واستخلف على المدينة محمَّد بن مسلمة ﵁ وخلَّف علياً ﵁ على أهله فناله المنافقون بألسنتهم، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالاً له، وتخففاً منه فسمعها عليٌّ فأخذ سلاحه وانطلق يعدو خلف رسول الله ﷺ حتى أتاه فقال: يا رسول الله! قال المنافقون: إنك خلَّفتني استثقالاً لي وتخفُّفاً مني فقال ﷺ :

стр. 539

كذبوا، كذبوا، ارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون مِن موسى؛ إلا أنه لا نبي بعدي" (١). عباد الله! وانطلق رسول الله ﷺ في ثلاثين ألف مقاتل عبر الصحراء إلى تبوك، وفي الطريق أصاب جيش المسلمين جوع شديد؛ لأنَّ الزمان كان زمان عُسرةٍ، فلما تجهَّزوا لم يتجهزوا بما يكفيهم، إنما تجهزوا بما وجدوا. يقول أبو سعيد الخدري ﵁: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا- جمع ناضحٍ وهي الإبل التي يسقى عليها- فنأكل وندَّهن، فقال رسول الله ﷺ : "افعلوا"، فجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله! لا تفعل، إنهم إن فعلوا نفذ الظهر -وهو ما يُحمل عليه من الإبل- ولا يجدون ما يركبون، ولكن يا رسول الله ادعهُم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم بالبركة، فعسى الله أن يفعل. فدعا رسول الله ﷺ -أي: بساطٍ من الجلد- فبسطهُ، وأمرهم أن يأتوا بأزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكفٍ من ذرة، وآخر يجيء بكف من تمر، وثالث يجيء بكسرة خبز حتى اجتمع على النَّطع شيءٌ قليل من الزاد، فدعا النبي ﷺ ربَّه بالبركة في الطعام، فبارك الله لهم في الطعام فقال ﷺ : "خذوا واملأوا أوعيتكم" فملأوا أوعيتهم حتى لم يبق في الجيش وعاء إلا مُلئ. فقال رسول الله ﷺ : "أشهدُ أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله، لا يلقى الله بها عبدٌ غير شاكٍ فيحجبُ عن الجنة" (٢).

стр. 540

الله أكبر .. الله أكبر مَن الذي أطعم هذا الجيش في هذه الصحراء؟ إنه الله ثم ببركة دعاء النبي ﷺ . عباد الله! وفي الطريق أصاب الجيش عطشٌ شديد، يقول ابن عباس ﵄: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: حدثنا عن غزوة العُسرة - وهي غزوة تبوك-، فقال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد -أي في حرٍّ شديد- فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطشٌ شديدٌ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويضعُه على بطنه. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن الله عودك في الدعاء خيراً فادع. فقال النبي ﷺ : "أتحب ذلك يا أبا بكر؟ " قال: نعم. فرفع رسول الله ﷺ يديه -أي: إلى السماء- فلم يرجعهما حتى قَالَت السماء -أي: تهيأت واستعدت للمطر- ثم سكبت الماء عليهم، فاستقوا وملأوا أوعيتهم قال عمر: ثم ذهبنا ننظر حدود المطر فرأينا أن المطر لم يتجاوز مكان الجيش (١). الله أكبر .. الله أكبر مَن الذي سقى هذا الجيش في هذه الصحراء؟ إنه هو الله ثم ببركة دعاء النبي ﷺ . ويقول معاذ بن جبل ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك،

стр. 541

فكنا نجمع الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً. فلما كان ذات ليلةٍ قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستأتون غداً عين تبوك- إن شاء الله تعالى- وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتى آتي"، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين تبضُّ بشيءٍ من ماء، فسألهما رسول الله- ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئاً؟ ". قالا: نعم. فسبَّهُما، وقال لهما ما شاء اللهُ أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع شيءٌ، وغسل رسول الله ﷺ فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماءٍ كثير، فاستقى الناسُ. فقال رسول الله- ﷺ : "يا معاذ! يوشك إن طالت بك حياةٌ، أن ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً" (١). عباد الله! وفي الطريق إلى تبوك ضلَّت ناقة رسول الله ﷺ . فقال رجل من المنافقين: أليس يزعم أنَّه نبي، ويخبركم عن السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ رجلاً يقول: هذا محمَّد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها" فذهبوا فجاؤوا بها (٢). عباد الله! وفي الطريق مرَّ رسول الله ﷺ بجيش المسلمين على الحِجر

стр. 542

- وهي ديار ثمود- فأمر النبي ﷺ المسلمين أن لا يدخلوا مساكنهم، وأن يُسرعوا الخطى، وأن يكونوا باكين، ونهاهم عن التزود من مياههم إلا بئر الناقة. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما مرَّ النبي ﷺ بالحِجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه ﷺ ، وأسرع السير حتى أجاز الوادي" (١). وقال ﵁: "إن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ -على الحجر- أرض ثمود- فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردُها الناقة" (٢). عباد الله! وهذا منهج نبويٌ كريم، في توجيه رسول الله ﷺ صحابته والمسلمين إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكروا بها غضبُ الله على الذين كذَّبوا رسوله، وأن لا يغفلوا عن مواطن العظة، ونهاهم عن الانتفاع بشيءٍ مما في ربوعها؛ حتى الماء، لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقاً للتأثر بعذاب الله. عباد الله! وصل رسول الله ﷺ بجيش المسلمين إلى تبوك، وأخبر الجيش بأن ريحاً شديدة ستهُب، وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم، فلا يخرجوا حتى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لا تُؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول الله- ﷺ ، فهبت الريح الشديدة، وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد. روى مسلم في "صحيحه" بإسناده إلى أبي حُميد قال: وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله- ﷺ : "ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدة فلا يقم منكم أحدٌ،

стр. 543

فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عقاله". فهبت ريحٌ شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء" (١). عباد الله! وهناك في تبوك لم يلق النبي ﷺ وجيش المسلمين أي جُنديٍّ من جنود العدو، وألقى الله الرعب في قلوب الرومان على كثرتهم وقوة عدّتهم، فآثروا السلامة على الفناء، فجلسوا في أرضهم بالشام ولم يتحركوا أدنى مسافة للقاء رسول الله ﷺ . فقام رسول الله- ﷺ بتبوك بضعة عشر ليلة، لم يجد أدنى مقاومة وجاءت القبائل العربية المتنصرِّة حلفاء الرومان، فصالحت رسول الله ﷺ على الجزية، وكتب لها كتاب صُلحٍ، ثم عاد رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة سالماً غانماً. عباد الله! وغزوة تبوك تشبه غزوة الأحزاب. فغزوة الأحزاب لم يكن فيها قتال، وغزوة تبوك لم يكن فيها قتال. غزوة الأحزاب أولها شدة وبلاء، كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١]. وغزوة تبوك أولها أيضاً شدة وبلاءٌ وعُسرة، في الظَهر والمال والماء، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].

стр. 544

ونهاية الأحزاب نصرٌ على الأعداء بدون قتال، وكذلك في غزوة تبوك نصرٌ على الأعداء بدون قتال، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]. العنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة: عباد الله، عاد رسول الله ﷺ بجيش المسلمين من تبوك إلى المدينة سالماً غانماً منتصراً. وفي طريق العودة حاول مجموعة من المنافقين أن يغتالوا رسول الله ﷺ ، وآذوا رسول الله والمؤمنين بألسنتهم. وفي هؤلاء المنافقين نزل قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ [التوبة: ٧٤]. قال ابن كثير: أن الضحاك قال: إن نفراً من المنافقين هموا بالفتك بالنبي ﷺ وهو في غزوة تبوك في بعض الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلاً نزلت فيهم هذه الآية (١). عباد الله، وفي طريق العودة، جاء رسول الله ﷺ خبر مسجد الضرار الذي بناهُ المنافقون بالمدينة وكانوا قد طلبوا من النبي ﷺ أن يُصلي فيه.

стр. 545

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨]. فأمر النبي ﷺ أصحابه بهدم هذا المسجد. عباد الله! لما دنا رسول الله ﷺ والمسلمون من المدينة قال ﷺ : "هذه طابة وهذا أحدٌ جبلُ يحبنا ونحبه" (١). وخرجت النساء والصبيان والولائد يستقبلن أكبر جيش خرج لقتال المشركين في عصر السيرة؛ يقلن. طلع البدرُعلينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع (٢) عباد الله! ودخل رسول الله ﷺ المدينة، فبدأ بالمسجد؛ فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المتخلفون من المنافقين يعتذرون إليه بشتى الأعذار، ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله . عباد الله! أما كعب بنُ مالك أحدُ ثلاثةٍ من المؤمنين الصادقين تخلَّفوا من

стр. 546

غير عذر، فقد جاء هو وصاحباه إلى رسول الله ﷺ فاعترف بذنبه، فماذا قال كعب لرسول الله ﷺ ؟ وماذا قال له رسول الله ﷺ . وماذا أمر بهم رسول الله ﷺ ؟ وما هي نتيجة الصدق؟ هذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً.

стр. 547

الخطبة التاسعة والأربعون: قصة كعب بن مالك وصاحبيه أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى ﷺ ، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن قصة كعب بن مالك وصاحبيه؛ عندما تخلفوا عن غزوة تبوك. عباد الله! تكلمنا في الجمعة الماضية عن غزوة تبوك، وقد تخلف عنها ثلاثة من الصحابة وهم: كعبُ بن مالك، وهلالُ بن أُمية الواقفي، ومرارة بن الربيع العمري، والثلاثة من الأنصار المعروفين بحسن إيمانهم. فكعب بن مالك ﵁ شهد جميع الغزوات مع رسول الله ﷺ قبل غزوة تبوك سوى بدرٍ، وشهد أيضاً بيعة العقبة الثانية، وهلال بن أمية، ومرارةُ بن الربيع شهدا بدراً. عباد الله! الثلاثة من المؤمنين الصادقين تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذرٍ، فلما رجع رسول الله ﷺ من الغزوة، جاء كل منهم إلى رسول الله ﷺ واعترف بذنبه، فماذا قال لهم رسول الله ﷺ ؟ وماذا قالوا له؟ وماذا فعل بهم؟ هذا الذي نعرفه في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى-. تعالوا بنا عباد الله لنستمع إلى كعب بن مالك ﵁ وهو يخبرنا الخبر: يقول كعب ﵁:"لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدرٍ ولم يُعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم، على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة

стр. 548

- وهي الليلة التي بايع رسول الله ﷺ الأنصار فيها على الإِسلام، وأن يؤوه وينصروه- حين تواثقنا على الإِسلام -أي تبايعنا عليه وتعاهدنا- يقول ﵁: "وما أُحِبُّ أن لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها -أي: أشهر عند الناس بالفضيلة- يقول ﵁: "وكان من خبري، حين تخلّفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة". يقول ﵁: "فغزاها رسول الله ﷺ في حرٍّ شديدٍ، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدداً كثيراً، فَجَلَّى للمسلمين أمرهم" -أي كشفه وبينه وأوضحه- "ليتأهبوا أهبة غزوهم" -أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك- "فأخبرهم بوجههم الذي يريد" -أي: عرفهم جميعاً أنه يريد أن يغزو الروم- يقول ﵁: "والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابُ حافظ- يريد بذلك الديوان- فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا يظنُّ أن ذلك سيخفى به، ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله ". يقول ﵁: "وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أَصَعُر -أي: أميل- فتجهز رسول الله- ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم؛ فأرجعُ ولم أقضِ شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمرَّ بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله ﷺ غادياً والمسلمون معه، ولم أقض منِ جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعتُ ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو -أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا- فهممت أن أرتحل فأدركهم، فياليتني فعلتُ، ثم لم يُقَدَّر ذلك لي.

стр. 549

يقول ﵁: "فطفقت إذا خرجتُ في الناس، بعد خروج رسول الله- ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوةً، إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق" -أي: متهماً - أو رجلاً ممن عذر اللهُ من الضعفاء. يقول ﵁: "ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: "ما فعل كعبُ بن مالك؟ " قال رجل منِ بني سلمة: يا رسول الله: حبسهُ بردَاهُ والنظر في عِطفيه" -أي: جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه- "فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله! يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ ". يقول ﵁: "فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً" -أي: لابسا البياض- "يَزُولُ به السَّراب فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون". قال كعب ﵁: "فلما بلغني أنَّ رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً" -أي: راجعاً- "من تبوك، حضرني بثِّي" -أي: حزني الشديد- "فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله- ﷺ قد أظل قادماً، زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنجُ مِنه بشيءٍ أبداً، فأجمعت صِدقهُ" -أي: عزمت على أن أصدقه-. يقول ﵁: "وأصبح رسول الله- ﷺ -قادماً، وكان إذا قَدِمَ مِن سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءهُ المخلَّفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى"، يقول ﵁: "حتى جئت، فلما سلمت تبسَّم تبسُّمَ المُغضب ثم قال:

стр. 550

"تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: "ما خلّفَك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " -أي: اشتريت راحلتك؟ - قال ﵁: "قلتُ: يا رسول الله! إني والله! لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيتُ جدلاً" -أي: فصاحة وقوة في الكلام- "ولكني والله! لقد علمت لئن حدَّثتك حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يُسخطك عليَّ، وإن حدَّثتُك حديث صدق تجد عليَّ فيه" -أي: تغضب- إني لأرجو فيه عُقبى اللهِ -أي: العاقبة الحسنة بتوبة الله عليَّ- والله! ما كان لي عذر، والله! ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسر منيِّ حين تخلفت عنك، قال رسول الله- ﷺ : "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللهُ فيك"، فقمتُ". يقول كعب ﵁: "وسار رجال مِن بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله- ﷺ بما اعتذر به المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك". يقول ﵁ "فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذِّب نفسي، ثم قلتُ لهم: هل لَقِيَ هذا معي من أحد قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمريُّ، وهلال بن أمية الواقِفي". يقول ﵁: "فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدراً فيهما أسوة". يقول ﵁: "فمضيت حين ذكروهما لي". يقول ﵁: "ونهى رسول الله- ﷺ المسلمين عن كلامِنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس- أو قال تغيروا لنا- حتى تنكرت لي في

стр. 551

نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان"، "وأما أنا فكنت أشبَّ القوم" -أي: أصغرهم سناً- "وأجلدهم فكنت أَخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمُني أحدٌ، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حركَ شفتيه برد السلام أم لا؛ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر" -أي: أنظر إليه خفية- "فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ وإذا التفت نحوه أعرض عني". يقول ﵁: "حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة" -أي: علوت سور بستانه- "وهو ابن عمِّي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلمت عليه فوالله ما ردَّ عليّ السلام" فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك بالله -أي: أسألك بالله- "هل تعلمني أحِبُّ الله ورسوله ﷺ فسكت، فعدتُ فناشدته فسكت، فعدت فناشدتهُ فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوَّرت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطيٌ من نبط أهل (الشام) -أي: فلاح- ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاءني فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتُها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحيُ" -أي: أبطأ- "إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل فقال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها، وأرسل إلى صاحِبيَّ بمثل ذلك فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن

стр. 552

أمية رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم فهل تكرهُ أن أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربنك، فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله- ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب". يقول ﵁: "فلبثت بذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منَّا، قد ضاقت على نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سَلْع" -وهو جبل بالمدينة- "يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء الفرج". يقول ﵁: "فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا". يقول ﵁: "فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرُني نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشراه، والله! ما أملك غيرهما يومئذ". يقول ﵁: "واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمَّم رسول الله- ﷺ يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي: لتهنِكَ توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام طلحةَ بن عبيد الله ﵁ يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة يقول ﵁: "فلما سلمتُ على رسول الله- ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور:

стр. 553

أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك" فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا بل من عند الله " يقول ﵁: "وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه". يقول ﵁: "فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنْخَلِعَ من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله" -أي: أخرجه في سبيل الله- "فقال رسول الله ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله! إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحدِّث إلا صِدقاً ما بقيتُ". يقول ﵁: "فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى" -أي: أنعم عليه- "في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لِرسول الله ﷺ إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله تعالى به، والله ما تعمدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي". ثم قال ﵁: "فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة:١١٧:١١٩]. يقول كعب ﵁: "والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قطُّ بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ ؛ أن لا أكون كذبته فأهْلِكَ كما هلك الذين كذبوا.

стр. 554

إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] (١). عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة كعب بن مالك وصاحبيه فمنها: أولاً: الصدق سفينة النجاة. عباد الله! عليكم بالصدق فإنه ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة. ففي الدنيا: نجا كعب بن مالك بالصدق هو وصاحباه. وفي الآخرة: قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]. عباد الله! عليكم بالصدق، فهو طريق إلى الجنة، قال ﷺ : "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة" (٢). ثانياً: بعد الكرب والشدة يأتي الفرج، فهذا كعب بن مالك بعد أن ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، جاء الفرج فسمع صارخاً يصرخ: يا كعب بن مالك! أبشر فخر ساجداً لله وقال: قد جاء الفرج.

стр. 555

والرسول ﷺ يقول لابن عباس: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا" (١). ثالثاً: أعداء الإِسلام يتربصون بنا الدوائر، ويرصدون ما وقع بين المسلمين، فانظروا في اللحظة المناسبة أرسل ملك غسان إلى كعب بن مالك يطلبه: "الحق بنا نواسك". رابعاً: التأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف أنه كان فعله، لقول كعب بن مالك: "فياليتني فعلت". خامساً: ردّ الغيبة عن المسلم، لقول معاذ بن جبل: "بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً". سادساً: الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. سابعاً: يُشرع لمن بُشر بنعمة ما يلي: - سجود الشكر كما فعل كعب بن مالك ﵁ عندما بشروه بتوبة الله عليه. - مكافأة الذي يحملُ البشرى: فقد نزع كعب ثوبيه اللذين كان يلبسها، فكساهما الذي سمع صوته بالبشرى، وما كان يملك وقتئذ غيرهما. - التصدق بالمال: كما فعل كعب بن مالك ﵁ فقد تصدق ببعض ماله. ثامناً: خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلها؛ يوم توبته إلى الله، وقبول

стр. 556

الله توبته، لقول النبي- ﷺ : "أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك". تاسعاً: استحباب بكاء الإنسان على نفسه إذا وقعت منه معصية، وهذا ما وقع من كعب بن مالك وصاحباه. عاشراً: في الحديث عظم أمر المعصية يقول الحسن البصري ﵀ "يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالاً حراماً، ولا سفكوا دماً حراماً، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟ ". اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

стр. 557

الخطبة الخمسون: حجة الوداع أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الخمسين من سيرة حبيب رب العالمين محمَّد ﷺ ، النبي الأمين، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن حجة الوداع. عباد الله! حجة الوداع كانت في السنة العاشرة للهجرة، واتفق العلماء على أن النبي ﷺ لم يحج بعد هجرته إلى المدينة، سوى حجةٍ واحدةٍ وهي حجة الوداع. عباد الله! وفي حجة الوداع؛ ودّع النبي ﷺ أمته وأصحابه فقال لهم: "خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". عباد الله! كيف حج النبي ﷺ . تعالوا بنا لنستمع إلى جابر بن عبد الله ﵁، وهو يصف لنا حجة النبي ﷺ ، يقول جابر ﵁: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحُجَّ، ثم أذّنَ في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاجٌّ هذا العام. فقدم المدينة بشر كثير (وفي رواية: فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكباً أو راجلاً إلا قدم) فتدارك الناس ليخرجوا معه، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله. وقال جابر ﵁: سمعت- قال الراوي: أحسبه رفع إلى النبي ﷺ (وفي رواية قال: خطبنا رسول الله ﷺ ) فقال: "مُهَلّ أهل المدينة من ذي الحليفة

стр. 558

ومهل أهل الطريق الآخر الجُحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق -أي: مكان بالبادية، وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة- ومهل أهل اليمن من يلَملَم". قال جابر ﵁: فخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع وساق هدياً: فخرجنا معه معنا النساء والولدان: حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عمش محمَّد بن أبي بكر. فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستثفري -وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشى قطناً وتوثق طرفِها في شيء تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم- بثوب وأحرمي. فصلى رسول الله ﷺ في المسجد وهو صامت -يعني أنه لم يُلب بعدُ-. الإحرام: ثم ركب القصواء- وهي ناقته ﷺ حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالحج -أي رفع صوته بالتلبية- (وفي رواية: أفرد الحج) هو وأصحابه. قال جابر: فنظرت إلى مدِّ بصري -أي: منتهى بصري- من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله- ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وماعمل به من شيء عملنا به. فأهل بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

стр. 559

وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، (وفي رواية: ولبى الناس والناس يزيدون لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل، فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه. ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر: ونحن نقول لبيك اللهم لبيك بالحج: نصرخ صراخاً لسنا ننوي إلا الحج مفرداً: لا تحلطه بعمرة: (وفي رواية: لسنا نعرف العمرة) وفي أخرى: أهللنا أصحاب النبي- ﷺ بالحج خالصاً ليس معه غيره، خالصاً وحده). قال: وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بـ "سرِف" -أي: موضع قرب التنعيم- عرُكت أي: حاضت. دخول مكة والطواف: قال جابر ﵁ حتى إذا أتينا البيت معه صبح رابعة مضت من ذي الحجة، (وفي رواية: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى). فأتى النبي ﷺ باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد. استلم الركن (وفي رواية: الحجر الأسود). ثم مضى عن يمينه. فرمل حتى عاد إليه ثلاثاً -والرملُ هو إسراعُ المشي مع تقارب الخطا- ومشى أربعاً على هينته. ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، ورفع صوته يُسمعُ الناس.

стр. 560

فجعل المقام بينه وبين البيت [فصلى ركعتين]. قال: فكان يقرأ في الركعتين: (قل هو الله أحد) و (قل يا أيها الكافرون) (وفي رواية "قل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد"). ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصب على رأسه ثم رجع إلى الركن فاستلمه. الوقوف على الصفا والمروة ثم خرج من الباب (وفي رواية: باب الصفا) إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبداً (وفي رواية: نبدأ) بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت. فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره ثلاثاً وحمده وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد [يحيي ويميت] وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات. ثم نزل ماشياً إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه -أي انحدرت- في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا -يعني قدماه- الشق الآخر مشى حتى أتى المروة فرقى عليها حتى نظر إلى البيت. ففعل على المروة كما فعل على الصفا. الأمر بفسخ الحج إلى العمرة حتى إذا كان آخر طوافه (وفي رواية: كان السابع) على المروة. فقال: يا أيها الناس: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة.

стр. 561

فمن كان منكم معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، (وفي رواية: فقال: أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالاً. حتى إذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة). فقام سراقة بن مالك بن جعُشمُ (وهو في أسفل المروة:) فقال: يا رسول الله أرأيت عمرتنا (وفي لفظ: متعتنا:) هذه: ألعامنا هذا أم لأبد الأبد: قال: فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في أخرى وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد، ثلاث مرات قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو فيما نستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل إذن؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. (قال جابر: فأمرنا إذا حللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية كل سبعة منا في بدنة فمن لم يكن معه هدي، فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله. قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله قال: فَكَبُرَ ذلك علينا، وضاقت به صدورنا. النزول في البطحاء قال: فخرجنا إلى البطحاء، قال: فجعل الرجل يقول: عهدي بأهلي اليوم. قال: فتذاكرنا بيننا فقلنا: خرجنا حجاجاً لا نريد إلا الحج، ولا ننوي غيره، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا أربع (وفي رواية: خمس ليال أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنى من النساء، قال: يقول

стр. 562

جابر بيده، (قال الراوي): كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فما ندري أشيء بلغه من السماء. أم شيء بلغه من قِبل الناس. خطبته ﷺ بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له . فقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: أبالله تعلموني أيها الناس قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، افعلوا ما آمركم به فإني لولا هديي لحللت كما تحلون ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا. قال: فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وسمعنا وأطعنا. فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي. قال: وليس مع أحد منهم هدي غير النبي- ﷺ وطلحة. قدوم علي من اليمن مهلاً بإهلال النبي ﷺ - وقدم علي من سعايته من اليمن ببدُن النبي ﷺ . فوجد فاطمة ﵂ ممن حل: ترجلت ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟!، فقالت: إن أبي أمرني بهذا قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله- ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا فقال: صدقت، صدقت، صدقت أنا أمرتها به. قال جابر: وقال لعلي: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ .

стр. 563

قال: فإن معي الهدي فلا تحل، وامكث حراماً كما أنت. قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ -من المدينة مائة بدنة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي- التوجه إلى مِنى محرمين يوم الثامن وهو يوم التروية: فلما كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر توجهوا إلى مني فأهلوا بالحج من البطحاء. قال: ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلِلْ، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي ففعلت (وفي رواية: فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت. وركب رسول الله ﷺ وصلى بها (يعني مني، وفي رواية: بنا) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس. وأمر بقبة له من شعر تضرب له بنمرة -وهو موضع بجانب عرفات وليس من عرفات-. التوجه إلى عرفات والنزول بنمرة: فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة ويكون منزله ثم كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز -أي

стр. 564

جاوز المزدلفة ولم يقف بها- رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها. حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي. خطبة عرفات فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك وأديت ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم أشهد، اللهم أشهد". الجمع بين الصلاتين والوقوف على عرفة: ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً.

стр. 565

ثم ركب رسول الله ﷺ القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصَّفرة قليلاً حتى غاب القُرصُ، وأردف أسامة خلفه. الإفاضة من عرفات ودفع رسول الله ﷺ (وفي رواية: أفاض وعليه السكينة) وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورِك رحله -وهو قطعة أدمٍ يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل، شبه المخدة الصغيرة- ويقول بيده اليمنى "أيها الناس! السكينة السكينة .. ". الجمع بين الصلاتين في المزدلفة والبيات بها: حتى أتي المزدلفة فصلى بها، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر. وصلى الفجر حين تبين له الفجر، بأذان وإقامة. الوقوف على المشعر الحرام ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام. فاستقبل القبلة، فدعا (وفي لفظ: فحمد الله) وكبره وهلله ووحده. فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً. وقال: وقفت ها هنا، والمزدلفة كلها موقف. الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة فدفع من جمع قبل أن تطلع الشمس وعليه السكينة. وأردف الفضل بن عباس- وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً-. فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن تجرين- الظعينة البعير الذي عليه
следующие страницы →