١٠١٦ - " بَابُ مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ أوْ بِسَيِّئَةٍ "
١١٦٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيمَا يَرْوِي عَنْ ربِّهِ جَلَّ وَعَلا قَالَ: قَالَ "إِنَّ اللهَ ﵎ كَتَبَ الحَسَنَاتِ والسيئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا،
ــ
وصورة من فقراء الناس وضعفائهم، حتى يشعر بالنعمة التي هو فيها، ويشكر الله عليها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إرشاد المسلم إلى أفضل الوسائل التي تؤدي به إلى السعادة النفسية، وتشعره بالرضا بما قسم له، وهو أن ينظر في أمور الدنيا إلى من هو أقل منه مستوى، فإنه إذا فعل ذلك شعر بالارتياح النفسي حتماً، وفاض قلبه بالشكر والامتنان لله تعالى، فكان من الصابرين الشاكرين. ثانياًً: أن في العمل بهذا الحديث وقاية للإنسان من كثير من الأمراض النفسية كالحسد والحقد والشر، وغيرها. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
١٠١٦ - " باب من هم بحسنة أو بسيئة "
١١٦٥ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " فيما يروي عن ربه " أي في الحديث القدسي الذي يرويه عن الباري " إن الله ﵎ كتب الحسنات والسيئات " أي أمر الحفظة بكتابة الحسنات والسيئات للعبد ليجازيه بهما في الدار الآخرة " ثم بين ذلك " أي ثم بين الله للملكين كيف يكتبانها " فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة " أي فمن نوى حسنة وأراد أن يفعلها، ولكنه لم يفعلها لمانع، أو لغير مانع، كتبها الله عنده حسنة كاملة
стр. 1892
كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حسَنَاتٍ إلى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعَافٍ كَثِيرةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَم يَعْمَلْها كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً".
ــ
غير منقوصة، والعندية هنا لك شريف والتكريم. " فإذا هو هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة " فقد يضاعف ثوابها إلى سبعمائة وإلى أضعاف ذلك بحسب زيادة الإِخلاص. " ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة " أي لا ينقص من ثوابها شيء " فإن هم بها فعملها كتبها الله عليه سيئة واحدة " دون زيادة أو مضاعفة كما في الحسنات.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من همّ بالحسنة، ولم يفعلها لعذر أو لغير عذر تكتب له حسنة كاملة، والظاهر أنه لا يشترط أن يكون قد عزم عليها، بل يكفي مجرد الميل إليها، أو حديث النفس بها، لما جاء في رواية الأعرج: " إذا أراد "، وفي رواية أبي هريرة: " إذا تحدث " وهو محمول على حديث النفس. فإذا حدثته نفسه بالحسنة، أو مال إليها، أو أرادها ولم يفعلها كتبت له حسنة، ولا يشترط العزم، بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة، سواء كان الترك لمانع، أم لا. اهـ. كما أفاده الحافظ. ثانياًً: ظاهر الحديث أن من هم بالسيئة ولم يفعلها يثاب على تركها مطلقاً، واختلفوا في معنى ذلك، فذهب بعضهم إلى أن المراد به كلُّ هم ولو عزم على فعلها، ووطن نفسه عليها ولم يفعلها، فإنه يعفى عنه لما في حديث أبي هريرة " فأنا أغفرها له ما لم يعملها " أخرجه مسلم، ويثاب على تركها لقوله في حديث الباب: " ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة " وحكاه الماوردي عن كثير من الفقهاء والمحدثين ونُقِل ذلك عن الشافعي. وقال الباقلاني وغيره: من عزم على المعصية بقلبه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو على الخاطر، وحديث
стр. 1893
١٠١٧ - " بَابُ الرِّيَاءِ والسُمْعَةِ "
١١٦٦ - عن جُنْدُبَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ".
ــ
النفس، والميل إلى المعصية دون تصميم عليها، وذكر القاضي عياض أن عامة السلف على ما قاله الباقلاني لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، والظاهر أنه لا تكتب السيئة حسنة إلاّ إذا تركها خوفاً من الله (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: كما قال العيني في قوله: " فمن همّ بحسنة " وقوله ﷺ : " ومن هم بسيئة ".
١٠١٧ - " باب الرياء والسمعة "
١١٦٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من سمَّع سمَّع الله به "
أي من عمل عملاً من الأعمال الصالحة يَقْصِدُ به أن يسمع به الناس، فيشتهر عندهم بالدين والخير والصلاح، جازاه الله تعالى على عدم إخلاصه بالفضيحة بين الناس، وأظهر لهم منه ما كان يبطنه (٢) فأصبحوا ينظرون إليه باستهانة واحتقار، " ومن يرائي يرائي الله وبه " أي وكذلك من يحاول أن يطّلع الناس على أعماله الصالحة لكي ينال عندهم حظاً من المدح والثناء، أو منزلة وجاهاً، فإنَّ الله يُطْلِعُهُمْ على أنه لم يفعل ذلك لوجه الله.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على التحذير الشديد من الرياء والسمعة لأنّهما يعودان على صاحبهما بالفضيحة في الدنيا، وفساد العمل وبطلانه في
стр. 1894
١٠١٨ - " بَابُ قَوْل اللهِ تعَالَى (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) "
١١٦٧ - عَنْ أبي هُريْرةَ ﵁:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعاً، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ ".
ــ
الآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: تؤخذ من لفظ الحديث ومعناه.
١٠١٨ - " باب قول الله تعالى: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) "
١١٦٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " يعرق الناس يوم القيامة " أي يجمع الله الخلائق في ذلك المحشر العظيم فيشتد الكرب، وتدنو " الشمس من الرؤوس فتشتد الحرارة، وترشح الأجسام بالعرق الغزير، " حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى ييلغ آذانهم " أي يغمر العرق أجسامهم حتى يصل إلى آذانهم وهو كما قال العيني: مأخوذ من ألجمه الماء إذا بلغ فاه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: اشتداد الكرب على الناس في المحشر وتكاثر العرق، فيه بسبب حرارة الشمس، وشدة الزحام، وفي حديث مسلم، " تدنو الشمس يوم القيامة حتى تكون منهم كمقدار ميل " الخ ويبلغ الكرب بالناس مبلغاً عظيماً حتى يتمنّى أحدهم أن يذهبوا به ولو إلى النار، كما في الحديث " إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار " أخرجه الطبراني بسند جيد. ثانياً: أن الناس لا يتساوون في المحشر،
стр. 1895
١٠١٩ - "بَابُ صِفَةِ الجَنَّةِ والنَّارِ "
١١٦٨ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله ﵎ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيكَ رَبَّنا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى؟ وَقَدْ أعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أحَداً مِنْ خَلْقِكَ،
ــ
ولا يتساوون في العرق أيضاً، بل يعانون منه بحسب أعمالهم، كما روي عن ابن عمر، بسند لا بأس به، قال: " يشتد الكرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق " قيل له: فأين المؤمن قال: " على كرسي من ذهب يظلل عليه الغمام " وفي رواية: " فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً " وأشار رسول الله ﷺ إلى فيه " أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على شدة ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين. قال العيني: فإنه يتضمن بعض ما فيه (١)، والمناسبة بهذا القدر كافية.
١٠١٩ - " باب صفة الجنة والنار "
١١٦٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة " أي إن الله تعالى ينادي أهل الجنة بنسبتهم إليها تذكيراً لهم بهذه النعمة العظيمة التي أنعم بها عليهم " فيقولون: لبيك ربنا وسعديك " أي إجابة بعد إجابة، وإسعاداً بعد إسعاد " فيقول: هل رضيتم؟ " أي هل رضيتم بما أعطاكم ربكم من الجنة ونعميها؟ أو هل رضيتم
стр. 1896
فَيَقُولُ: أنَا أُعْطِيكُمْ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَب وَأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيكُمْ رِضْوَانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أبداً".
ــ
عن ربكم؟ " فيقولون: وما لنا لا نرضى " يعني أي مانع لنا من الرضا، وقد غمرتنا بفضلك وإحسانك وأعطيتنا ما لم يكن يخطر لنا على بال، " وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك " إن من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويصح ولا يسقم، ويشب ولا يهرم، ويحيا ولا يموت. " فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ " أي وهل هناك نعيم أعظم من النعيم الذي نحن فيه " فيقول: أُحِل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً " أي فيقول الله تعالى لهم: نعم هناك ما هو أعظم نعمة، وأكثر سعادة من الجنة وما فيها، وهو الرضوان الإلهي الذي لا يساويه شيء من نعم الله، فإذا أردت أن أمنحكم السعادة العظمى، وقد أردت لكم ذلك منحتكم الرضوان الدائم الذي لا سخط بعده.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن نعيم أهل الجنة لا يعدله نعيم، ولا تساويه سعادة أخرى، وأن الله يعطي أهل الجنة ما يرضيهم، ويقرّ أعينهم كما يدل عليه قولهم: " وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، ومن السعادة التي يمنحها الله أهل الجنة رضوانه عليهم الذي وصفه الله تعالى بأنه أكبر من كل نعيم، وأعظم من كل سعادة، حيث قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وإنما كان هذا الرضوان أكبر لأنه سبب كل فوز وكرامة، وطريقٌ إلى رؤية الله تعالى. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك ".
стр. 1897
١١٦٩ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أهْوَنَ أهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ عَلَى أخمص قَدَمَيْهِ جَمْرَتَان يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِى المِرْجَلُ بِالقُمْقُمَ ".
ــ
١١٦٩ - معنى الحديث:. يقول النبي ﷺ : " إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة " أي إن أخف الناس وأقلهم وأيسرهم عذاباً من أهل النار " رجل على أخمص (١) قدميه جمرتان " أي رجل يوضع على باطن قدميه جمرتان من النار " يغلي منهما دماغه " أي يفور دماغه من شدة حرارتهما " كما يغلي المرجل " أي كما يفور ماء القدر على النار، " والقمقم (٢) " أي وكما يفور القمقم قال في " القاموس " المرجل القدر من الحجارة أو النحاس، والقمقم اسم رومي معرّب، وهو كما في " المصباح " إناء من نحاس يسخن فيه الماء.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: شدة نار جهنم، لأنه إذا كان أخفها تغلي له الرؤوس، وتفور الأدمغة، فما بالك بما زاد على ذلك، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن أهون أهل النار عذاباً هو أبو طالب كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه " أخرجه البخاري. ثانياً: أن أهل النار يتفاوتون في العذاب فبعضهم أهون من بعض. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على وصف نار جهنم بشدة عذابها.
стр. 1898
١٠٢٠ - " بَابٌ في الحَوْضِ "
١١٧٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ:
قَال النبي ﷺ : " حَوضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاوهُ أبيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ " وَكِيْزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، من شَرِبَ مِنْهُ فَلا يَظْمَأُ أبَداً ".
ــ
١٠٢٠ - " باب في الحوض "
أي هذا باب يذكر فيه الأحاديث الواردة في وصف الحوض المورود.
١١٧٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " حوضي مسيرة شهر " يعني مقدار ما يسير المسافر شهراً كاملاً، وفي رواية: " وزواياه سواء " أي أنه مربع مستوي الزوايا والجوانب كما في حديث أبي ذر حيث قال فيه: " عرضه مثل طوله " أخرجه مسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب " ماؤه أبيض من اللبن " أي أشد بياضاً من اللبن، وفي رواية: " ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل " " وريحه أطيب من المسك " أي أحلى رائحة وأجمل طيباً من رائحة المسك " وكيزانه كنجوم السماء " أي أن الأكواب الموضوعة على جانبيه عدد نجوم السماء، وفي رواية عن أنس ﵁ قال: " ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء " من شرب منه فلا يظمأ أبداً " أي من شرب من ذلك الحوض فإنه يشعر بالري الأبدي، فينقطع عنه الظمأ إلى الأبد، ويجوز في يظماء الجزم على أن من شرطية، والرفع على أنها موصولة كما ذكره الطيبي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الإِيمان بحوض النبي ﷺ ، وهو الحوض المورود، ومن أنكر ذلك فهو فاسق مبتدع، وقد نفته المعتزلة، والأحاديث الصحيحة حجة عليهم، وفي الحديث الصحيح: "إن
стр. 1899
لكل نبي حوضاً، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردةً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةً" أخرجه الترمذي، وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : " إني فرطكم على الحوض، ومن مرّ علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً " متفق عليه، وقد عد العلماء الإيمان بالحوض المورود من العقائد الإسلامية الثابتة في الأحاديث الصحيحة التي تكاد تبلغ درجة التواتر، قال ابن حجر الهيتمي: " وقد اختلف العلماء: هل الحوض في أرض المحشر قبل جواز الصراط، أو في أرض الجنة؟ " والراجح عند أهل العلم أنه قبل الصراط، وهو قول الجمهور، وصححه بعضهم، لأن الناس يخرجون من قبورهم عطاشاً فيردون الحوض للشرب منه، وهذا هو الصحيح، لما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " بينا أنا نائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله " فهذا الحديث يدل على أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن كادوا يَرِدُونه يذهب بهم إلى النار، والذي يمر على الصراط كما قال الحافظ يكون قد نجا من النار، وفي هذا دلالة صريحة على أنّ الحوض قبل الصراط، بل قبل الميزان وقبل الحساب. ثانياً: دل هذا الحديث على وصف ماء الحوض بأنه أشد بياضاً من اللبن، وأطيب رائحة من المسك، وفي بعض الأحاديث " أحلى من العسل " أما أوانيه وأكوابه وأقداحه أو أباريقه فإنها من الذهب والفضة، وعددها أكثر من نجوم السماء. وأما من شرب منه فإنه يرتوي إلى الأبد. وأما طوله فإنه مسيرة شهر، وكل ما جاء من الأحاديث في ذلك فإنه يدور حول هذا المعنى. وأما شكل الحوض فهو مربع مستوي الجوانب والزوايا، كما في الحديث الصحيح " عرضه مثل طوله " أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على وجود الحوض وأوصافه حيث قال ﷺ : " حوضي مسيرة شهر ".
***
стр. 1900
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب القدر "
والقدر: بتحريك الدال، وهو مصدر قدرت الشيء -بفتح الدال المخففة- إذا أحطت بمقداره. وأل في كلمة القدر عوض عن المضاف إليه، أي تقدير الله للأمور قبل وقوعها، ولهذا قالوا: المراد من القدر أن الله تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد. قال في " التنبيهات السنية ": القدر تعلق علم الله تعالى وإرادته أزلاً بالكائنات قبل وجودها، فلا حادث إلاّ وقد قدّره أزلاً، أي سبق به علمه، وتعلقت به إرادته. وقال ابن تيمية: الإِيمان، بالقدر على درجتين: الأولى: الإِيمان بأن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، وكتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأوّل ما خلق القلم: القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإِنسان لم يكن ليخطأه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف، وإذا خلق الله جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه وأجله، وشقي أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية، كمعبد الجهني، وعمرو بن عبيد. أما الثانية فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإِيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلاّ بمشيئة الله، لا يكون في ملكه ما لا يريد، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين،
стр. 1901
١٠٢١ - " بَاب جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ "
١١٧١ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن ﵁ قَالَ:
قَالَ رَجلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أيعْرَفُ أهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: " كُل يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أوْ لِمَا يُيَسَّرُ لَهُ ".
ــ
والعباد فاعلون، والله خالق أفعالهم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم، قال: وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية.
١٠٤١ - " باب جف القلم على علم الله "
١١٧١ - معنى الحديث: " قال رجل: يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ " أي سأل رجل وهو عمران بن حصين النبي ﷺ : هل علم الله تعالى أهل الجنة من أهل النار قبل خلقهم، وأطلَعَ ملائكته عليهم فعرفوهم؟ " قال: " نعم " عَلِمَ الله تعالى أهل الجنة وأهل النار منذ الأزل، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وعَرَّف به الملائكة قبل خروج الناس إلى الدنيا فكتبوا الشقيَّ والسعيد منهم " قال: فلم يعمل العاملون " وفي رواية " ففيم العمل يا رسول الله؟ " قال الحافظ: معناه إذا سبق العلم بذلك، فلا يحتاج العامل إلى العمل، لأنه سيصير إلى ما قدر له " قال: كل يعمل لما خلق له " وفي حديث عمر مرفوعاً " إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار " أخرجه مالك والترمذي وأبو داود. ويؤيده ما جاء في حديث علي
стр. 1902
رضي الله عنه حيث قال فيه: " أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة. وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة " متفق عليه. قال الحافظ: فإن عمل العبد: أمارة على ما يؤول إليه أمره غالباً. اهـ. وهذا هو معنى قوله: " كلٌّ يعمل لما خلق له أو لما يُسِّر له " أي فإن العمل يسوقه إلى ما كتب له في الأزل من سعادة أو شقاء، فإذا عمل الأعمال الصالحة فليُسَرَّ بذلك، ويرجو أن يكون من أهلها، لأن العمل الصالح علامة على أن العبد قد كتبت له السعادة كما يدل عليه الحديث.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثبات القضاء والقدر، وكونهما حقيقة ثابتة، لا شك فيهما، ومعناهما كما قال أهل العلم: أن الله تعالى علم بجميع الكائنات وأزمانها وأحوالها وأفعالها من خير أو شر، وكتب في اللوح المحفوظ كل ما يصدر من الخلق من طاعة ومعصية وإيمان وكفر، وأطلع الملائكة على أحوال الإِنسان قبل ظهوره إلى هذه الحياة عندما أمر الملك أن يكتب عليه أقداره وهو لا يزال في بطن أمه إذن فالقدر حقيقة ثابتة، وهو عقيدة من عقائد الإيمان كما يدل عليه حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعاً " من مات على غير هذا " أي على غير الإيمان بالقضاء والقدر " فليس منّي " رواه أبو داود في باب القدر، وعن ابن الديلمي ﵁ قال: أتيت أُبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: " لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار " قال فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ أخرجه الحاكم في " مستدركه " (١) وفي رواية عن ابن وهب: " فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار ".
стр. 1903
فإن في هذا الأحاديث دلالة واضحة على أن إنكار القدر من أكبر الكبائر لما يترتب عليه من إحباط العمل ودخول النار وبراءة النبي ﷺ ممن مات على ذلك. وقد انقسمت الأمة بالنسبة إلى القدر إلى طوائف أربعة: الأولى: تعتقد أن الله لا يعلم شيئاً من أعمال الإِنسان إلاّ بعد وقوعه، وتنفي إحاطة العلم الإِلهي بالكائنات قبل وجودها، وهؤلاء أسوأ الفرق لنسبتهم الجهل إلى الله تعالى، وهم غلاة المعتزلة. الثانية: أثبتت علم الله بأفعال العباد قبل وجودها ونفت خلقه لها، فقالت: يعلمها ولا يخلقها، فالانسان هو الذي يخلق الطاعة والمعصية بنفسه، ولا علاقة لله تعالى بذلك، وهم عامة المعتزلة كما صرح بذلك الزمخشري وهو من كبار علمائهم حيث قال: أما الطاعة فمن العبد، ولكن الله قد لطف به في أدائها، وكذلك المعصية منه أيضاً، والله تعالى بريء منها، وهاتان الفرقتان هما القدرية التي جاءت الأحاديث بذمهم والتحذير منهم، كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم " أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم. الثالثة: ضلت ففسرت القدر " بالجبر " فقالت: إن أفعال الإِنسان كلها من طاعة أو معصية أو غيرها هي من الله خلقاً وفعلاً، وليس للإِنسان فعل أو إرادة واختيار، وإنما هو مجبر على أعماله وتصرفاته الشخصية، وإضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات. فهو كريشة معلقة في الهواء، أو كحجر في الماء حتى، قال شاعرهم:
ما حِيْلَةُ العَبْدِ والأقدَارُ جَاريَة ... عَلَيْهِ في كُلِّ حالٍ أيُّها الرائي
ألقَاهُ في اليَمِّ مَكْتُوفاً وقالَ لهُ ... إيَّاكَ إيَّاكَ أن تَبْتَلَّ بالماءِ
وتسمى هذه الفرقة الجبرية أو المرجئة. الرابعة: وهم أهل السنة والجماعة، ويتلخص مذهبهم في القدر: أن الله يعلم بأفعال العباد قبل وجودها وبخلقها عند وجودها، لكن الإِنسان حرٌّ في أفعاله، فاعل لأعماله، تصدر عنه تلك الأفعال
стр. 1904
حقيقة بمحض حريته واختياره، وتصرفات الإِنسان الشخصية الواقعة في إطار التكليف والمسؤولية كلها اختيارية دون أن يتعارض ذلك مع القدر في شيء، لأن علم الله لا تأثير له في سلب حرية الإنسان واختياره، فإن لله مشيئته وللإِنسان مشيئته، ولا تعارض بين المشيئتين كما قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ولهذا قال الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون، وإنما معناه الإِخبار عن تقدم علم الله سبحانه بما سيكون من اكتسابات العبد وخلقه لها خيرها وشرها. وعلم الله سبحانه بما سيقع لا تأثير له في إرادة العبد، فإن العلم صفة انكشاف لا صفة تأثير. ثانياً: دل قوله ﷺ : " كل يعمل لما خلق له " على أنه ينبغي للعبد الإكثار من الطاعات والاجتهاد في الأعمال الصالحة، فإن ذلك دليل السعادة، لأن عمل الإِنسان علامة على ما يؤول إليه أمره غالباً. قال ابن القيم: اتفقت هذه الأحاديث على أن القدر لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد، ولذلك لما جمع بعض الصحابة قوله: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " قال: ما كنت أشد اجتهاداً مني الآن، وذلك لأن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أُقدِرَ عليه، ومُكِّن منه، وهُيىء له، فإذا أَتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب، وكلما ازداد اجتهاداً في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، فمن عطل العمل اتكالاً على القدر فهو بمنزلة من عطّل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالاً على ما قدر له. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على إثبات القدر، وعلم الله بأعمال العباد قبل وقوعها، وهو ما ترجم له البخاري.
***
стр. 1905
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الأيْمَانِ والنُذور "
الأيمان جمع يمين، واليمين لغة: يطلق على معان متعددة، منها القوة النافذة، واليد اليمنى، كقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) وكقوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)، ومنها القسم والحلف الشرعي، وهو المقصود باليمين شرعاً. واليمين شرعاً: هو تأكيد الفعل أو الترك، أو الخبر بذكر الشيء المعظم في النفس (١) الذي يشعر الحالف نحوه بالتعظيم المطلق، وغاية الخوف والخشية منه إن خالف ما حلف عليه، ولا يكون اليمين إلاّ بذكر اسم الله تعالى، أو صفة من صفاته إذ لا يجوز الحلف بغير الله، لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به تعظيماً مطلقاً، والخوف والخشية منه، وهي لا تكون إلاّ لله تعالى. وأقسام اليمين: ثلاثة (أ) يمين اللغو (ب) واليمين المنعقدة (جـ) واليمين الغموس. أما اليمين اللغو: فهي الحلف عن غير (٢) قصد اليمين كأن يقول المرء: والله لتأكلن أو لتشربن " أو نحو ذلك، ولا يقصد بها قسماً، أو بعبارة أخرى: هي ما يجري على اللسان دون إرادة القسم، وإليه ذهب الشافعية ومن وافقهم، وقال مالك وأبو حنيفة والليث والأوزاعي: لغو اليمين أن يحلف على شيء يظن صدقه، فيظهر خلافه، فهو من باب الخطأ وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وحكم يمين اللغو أنه لا إثم فيها ولا كفارة عليها. أما اليمين المنعقدة وحكمها فهي أن يحلف على أمر مستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وحكمها وجوب الكفارة عند الحنث، كما قال تعالى:
стр. 1906
١٠٢٢ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) "
١١٧٢ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ لِي النبي ﷺ : "يا عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ سَمُرةَ لا تَسْأَلَ الإِمَارَةَ،
ــ
(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). أما اليمين الغموس: وتسمى أيضاً يمين الزور، واليمين الفاجرة فهي اليمين الكاذبة، ومعناها أن يحلف على شيء يعتقد فيه الكذب اعتقاداً جازماً ويتأكد أنه خلاف الواقع، ولكنه يحلف قاصداً الخيانة، وإضاعة الحق وتأييد الباطل. أما حكمها: فهي كبيرة من أعظم الكبائر لفظاعتها ولا كفارة فيها عند أكثر أهل العلم لفظاعتها وشناعتها، وعظم جرمها، وإنما تجب فيها التوبة، ورد الحقوق إلى أصحابها، وعن ابن مسعود موقوفاً: " كنا نعد الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعته ". قالوا: ولا مخالف له من الصحابة، ولكن تكلم ابن حزم في صحة هذا الأثر، وذهب الشافعي وآخرون إلى وجوب الكفارة في اليمين الغموس، واختاره ابن حزم.
١٥٢٢ - " باب قول (١) الله تعالى:
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) "
١١٧٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة ﵁: " يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإِمارة " أي لا تطلب من إمام
стр. 1907
فَإِنَّكَ إِنْ أُوْتِيْتَهَا عَنْ مَسْألةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإنْ أُوْتِيْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيتَ غَيْرَها خَيراً مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنكَ، وائْتِ الذي هُوَ خَيْرٌ".
ــ
المسلمين الإِمارة -بكسر الهمزة- أو غيرها من الولايات التي تتعلق بها مصالح الناس، لأنها أمانة كبرى ومسؤولية عظمى " فإنك إن أوْتِيْتَها عن مسألة وكلت إليها " أي فإنك إن وليت فيها بسبب سعيك وإلحاحك في طلبها وُكِلْتَ إلى جهدك وقوتك دون معونة ربانية وأنت لا تقدر عليها دون عون من الله تعالى "وإن أوتيتها عن غير مسألة" أي وإن جاءتك من غير طلب " أعنت عليها " أي أعانك الله على مسؤولياتها. " وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير " قال في " تيسير العلام ": أي إذا حلفت على أمر لتفعله أو لتدعه، فإن كان لا يترتب على حلفك شيء فأنت مخيّر بين المضاء فيها أو التكفير، وإن كان الأحسن هو فعل المحلوف على تركه، أو ترك المحلوف (١) على فعله، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: كراهية طلب الإِمارة وغيرها من الولايات والحرص عليها لما في ذلك من تعريض النفس لعمل ربما لا يقوم بحقوقه، فيعرِّض نفسه للخطر ولما فيه غالباً من سوء القصد، فإنه لا يطلبها مع وجود من يقدر عليها إلاّ لغرض مال أو جاه أو غير ذلك من المقاصد. ثانياً: أن من جاءته الولاية دون طلب أو استشراف يعان عليها، لأنه يرى القصور في نفسه وحينئذ سيلتجىء إلى الله تعالى فيعينه عليها. ثالثاً: أنه يستحب الحنث في اليمين والتكفير عنها، إذا رأى أن الخير والأفضل والأنفع شرعاً في ترك المحلوف على فعله، أو في فعل المحلوف على تركه، كما فعل الصديق ﵁ عندما
стр. 1908
غضب على مسطح، فحلف أن لا يتصدق عليه، فلما نزل قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) فقال: بلى أحب أن يغفر الله لي، فأعطى مسطح وكفر عن يمينه. رابعاً: وجوب الكفارة على كل من حنث في يمينه كما يدل عليه قوله ﷺ : " فكفّر عن يمينك وائت الذي هو خير " وهو معنى قوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) إلخ، وتتلخص كفارة اليمين في أحد أربعة أمور: الأول: إطعام عشرة مساكين من غالب قوت البلد لكل مسكين مُد (١). الثاني: كسوة كل واحد منهم ثوباً وسروالاً ونحوه. الثالث: عتق رقبة. الرابع: إن لم يكن قادراً على الكفارات السابقة يصوم ثلاثة أيام. خامساً: في الحديث تقديم الكفارة على الحنث حيث قال: فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير، إلاّ أنه انعقد الإجماع على مشروعية تقديم الحنث على الكفارة، فذهبت الحنفية (٢) إلى وجوب تقديم الحنث، وذهب جماهير أهل العلم إلى أن تقديم الحنث مستحب لا واجب، وأنه يجوز تقديم الكفارة، لما ورد في هذا الحديث، إلاّ في كفارة الصيام عند الشافعي، فإنه لا يجوز تقديمها، لأنها عبادة بدنية لا يجوز تقديمها عن وقتها، ووقتها بعد الحنث، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فكفر عن يمينك ".
...
стр. 1909
١٠٢٣ - " بَابُ كَيْفَ كَانتْ يَمينُ النَّبِيِّ ﷺ - "
١١٧٣ - عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ ﵁ قَالَ:
كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ كُلِّ شَيءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ: " لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إِلَيْكَ من نَفْسِكَ " فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَاللهِ لأنْتَ أحَبُّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " الآن يَا عُمرُ ".
ــ
١٠٢٣ - " باب كيف كانت يمين النبي ﷺ "
١١٧٣ - معنى الحديث: أنه بينما كان النبي ﷺ ممسكاً بيد عمر ﵁ أراد أن يعبر عن شعوره نحوه ﷺ فقال له: " لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلاّ من نفسي " قال القسطلاني: ذكر حبه لنفسه بحسب الطبع " فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده " أي فأقسم النبي ﷺ بالله الذي روحه بيده على أن عمر لن يبلغ المرتبة العليا حتى يكون النبي ﷺ أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه، وهو معنى قوله ﷺ : " لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك " أي حتى يصبح النبي ﷺ أحب إليك من نفسك " فقال له عمر: فإنه الآن " الخ أي فقال عمر: أمّا الآن فإني أشعر وأحس في أعماق نفسي أنك أحبّ إلي من نفسي. قال الحافظ: جواب عمر الأول كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي ﷺ أحب إليه من نفسه، لأنه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة. " فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر " أي الآن عرفت فنطقت بما يجب.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من الأيمان المأثورة
стр. 1910
١٠٢٤ - " بَابُ النَّذْرِ في الطَّاعَةِ "
١١٧٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّ النبي ﷺ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ الله، فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ ".
ــ
التي كان يحلف بها النبي ﷺ قوله: " والذي نفسي بيده ". ثانياً: أن من كمال الإيمان أن يستشعر المسلم فضل النبي ﷺ عليه حيث أنقذه برسالته من المهلكات وأخرجه من الظلمات إلى النور، فيحبه أكثر من نفسه. ولا غرابة في ذلك، فإن العواطف السائدة كحب الله تعالى وحب الأنبياء وحب العبادة قد تقوى فتصبح أقوى من حب الإنسان لنفسه الذي هو من أقوى غرائزه. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله ﷺ : " لا والذي نفسي بيده ".
١٠٢٤ - " باب النذر في الطاعة "
النذر: لغة الوعد بخير أو شر، وشرعاً التزام طاعة في مقابل حدوث نعمة أو زوال نقمة، ولا يصح إلاّ من بالغ عاقل مختار، ولو كان كافراً.
١١٧٤ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " من نذر أن يطيع الله " أي من نذر أن يعمل عملاً صالحاً فيه طاعة وقربة إلى الله تعالى " فليطعه " أي فليوف بنذره بفعل تلك الطاعة من صلاة أو صيام أو حجّ أو عمرة أو صدقة أو اعتكاف أو نحو ذلك، سواء كان النذر مطلقاً كأن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا، دون تقييد بشرط، أو كان معلقاً كقوله: " إن شفي الله مريضي أو رد غائبي فعلت كذا " " ومن نذر أن يعصيه " أي ومن نذر أن يفعل معصية كقوله: " لله علي أن أشرب الخمر " " فلا يعصه " أي فلا يوف بنذره، ولا يفعل المعصية التي نذرها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجب الوفاء بنذر
стр. 1911
١٠٢٥ - " بَابُ مَنْ مَات وعَلَيْهِ نذْرٌ "
١١٧٥ - عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁:
" أنَّهُ اسْتَفْتَى النبي ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فأفْتَاهُ أن يَقْضِيَهُ عَنْهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ ".
ــ
الطاعة، سواء كان نذراً معلقاً وهذا يجب الوفاء به إجماعاً، أو نذراً مطلقاً غير مقيد بشرط كقوله: ابتداءً لله عليّ صوم شهر، فإنه يجب الوفاء به عند أكثر أهل العلم، قال ابن قدامة: وهو قول أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعي، وقال بعض أصحابه: لا يلزم الوفاء به، لأن النذر عند العرب وعد بشرط كما قال أبو عمر. قال ابن قدامة: وما حكوه عن أبي عمر: لا يصح، فإن العرب تسمي الملتزَم بفتح الزاي نذراً وإن لم يكن بشرط قال جميل:
فَلَيْتَ رِجَالاً فِيْكِ قَدْ نَذَرُوْا دَمِي ... وَهَمُّوا بِقَتْلي يَابُثَيْنُ لَقُوْنِي
ثالثاً: أن نذر المعصية لا يحل الوفاء به إجماعاً لقوله ﷺ في حديث الباب: " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ويجب على الناذر نذر معصية كفارة اليمين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا كفارة عليه، كما قال ابن قدامة، وهو مذهب مالك والشافعي، لأنه ليس نذراً شرعياً في الحقيقة كما يدل عليه قوله ﷺ : " لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد " أخرجه مسلم. والمطابقة: في قوله: " من نذر أن يطيع الله فليطعه ". الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
١٠٢٥ - " باب من مات وعليه نذر "
١١٧٥ - معنى الحديث: يحدثنا سعد بن عبادة ﵁ " أنه استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أمّه، فتوفيت قبل أن تقضيه " قيل: كان صياماً، وقيل: صدقة، وقيل: عتقاً " فأفتاه أن يقضيه عنها " أي فأمره أن
стр. 1912
ينوب عنها في قضاء ذلك النذر " فكانت سنة بعد " أي فكانت فتوى النبي ﷺ سنة يعمل بها بعده.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية قضاء النذر عن الميت، وقد اختلف أهل العلم في النذور التي تقضى عن الميت، قال ابن قدامة: من نذر حجّاً، أو صوماً، أو صدقة، أو عتقاً، أو اعتكافاً أو صلاة، أو غيره من الطاعات، ومات قبل فعله، فعله الولي عنه، وعن أحمد في الصلاة لا يُصلّى عن الميت، لأنها لا يدل لها بحال، وأما سائر الأعمال فيجوز أن ينوب الولي عنه فيها، وليس بواجب، ولكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة والمعروف. قلت: وحاصل الخلاف في قضاء النذر عن الميت أربعة أقوال (١): الأول: أنه تقضى عنه جميع الطاعات بدنية كانت أو مالية وهو مذهب الحنابلة. الثاني: أنه تقضى عنه جميع الطاعات ما عدا الصلاة، وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي. الثالث: تقضى عنه جميع الطاعات ما عدا الصلاة والصوم، وهو أحد قولي الشافعي حيث قال في الصيام: يطعم عنه كل يوم مسكيناً. الرابع: أنه تقضي عنه الطاعات المالية دون البدنيّة، وهو مذهب مالك ﵀. ثانياً: أن قضاء النذر على ولي الميت مستحب وليس بواجب، إلاّ أن يكون مالياً وللميت تركه، وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أمّي ماتت وعليها صومٌ، أفأصوم عنها؟ فقال: " أرأيت لو كان على أمّك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ " قالت: نعم، قال: " فصومي عن أمك " متفق عليه، فإن أمره ﷺ في هذا محمول على الندب والاستحباب بدلائل قرائن في الخبر، منها أن النبي ﷺ شبهه بالدين، وقضاء الدين عن الميت، لا يجب على الوارث ما لم يخلّف تركة يقضى بها. وقال أهل الظاهر: يجب القضاء على وليه لظاهر الأخبار. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة.
стр. 1913
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الفرائض "
والفرائض لغة: تأتي من الفرض بمعنى القطع، يقال: فرضتُ لفلان فريضة من المال، أي قطعت له كمية منه، أو من الفرض بمعنى التقدير، فيكون معنى الفريضة المقدار المحدد، ومنه قوله في حديث الزكاة: " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ " (١) أما الفرائض شرعاً فإنها تطلق على معنيين: ١ - معنى خاص: وهي السهام المقدرة في كتاب (٢) الله وسنة رسوله ﷺ لبعض الورثة والتي هي الثلثان والثلث والسدس والنصف والربع والثمن. ومعنى عام: وهو قواعد فقهية وحسابية (٣) يعرف بها نصيب كل وارث من التركة. وقال في " الروض الأنيق " (٤): هي عبارة عن فهم قسمة المواريث، وفهم علم الحساب، ومعرفة النسب بين الأعداد. وقال في " أحكام المواريث ": هي عبارة عن فقه المسائل المتعلقة بالإرث، ومعرفة متى يكون الإنسان وارثاً أو غير وارث، ومقدار ما يستحقه الوارث، وكيفية تقسيم التركة على الورثة (٥)، وما يتبع ذلك. وموضوع علم الفرائض: هو التركات وما يتعلق بها، وتتعلق بالتركة الأحكام الآتية على الترتيب المذكور. أولاً: تجهيز الميت بغسله، وتكفينه، ودفنه، وفعل ما يحتاج إليه من وقت وفاته إلى مثواه الأخير من غير إسراف ولا تقتير. ثانياً: قضاء ديونه التي لها مطالب من العباد، فلا تقسم التركة حتى
стр. 1914
١٠٢٦ - " بَابُ مِيرَاثِ الْوَلَدِ مِنْ أبِيهِ وَأُمِّهِ "
١١٧٦ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ألحِقُوا الْفَرَائِضَ بأهْلِهَا، فمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُلٍ ذكرٍ ".
ــ
تقضى هذه الديون لقوله ﷺ : نفس الميت معلقة بدينه حتى يقضى. ثالثاً: تنفيذ وصايا الميت في حدود الثلث لغير الوارث بعد أداء ما يكفي للتجهيز وأداء الديون التي عليه. رابعاً: تقسيم ما بقي من التركة بين الورثة حسب الكتاب والسنة وإجماع الأمّة. حكم علم الفرائض: وقد أجمعت الأمة على أنه فرض كفاية لقوله ﷺ : " تعلموا الفرائض وعلّموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن هذا العلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان أحداً يفصل بينهما " رواه الحاكم (١). وأسباب الإِرث ثلاثة: النسب والنكاح والولاء، وموانعه ثلاثة أيضاً: القتل والرق واختلاف الدين، وذهب أحمد إلى أن القريب الوارث إذا كان كافراً وأسلم قبل قسمة التركة فإنه يرث خلافاً للجمهور.
١٠٢٦ - " باب ميراث الولد من أبيه "
١١٧٦ - معنى الحديث،: أن النبي ﷺ أمر أمته أن يقوموا بتوزيع المواريث وقسمتها على مستحقيها توزيعاً عادلاً يتفق مع حكم الله تعالى، فقال: " ألحقوا الفرائض بأهلها " أي ابدؤوا في القسمة أولاً بأصحاب الفروض الذين لهم سهام مقدرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فأعطوا لكل واحد منهم سهمه المقدر له شرعاً، " فما بقي فهو لأولى رجل ذكر " أي فما زاد عن أصحاب
стр. 1915
الفرائض فإنه يعطى للعصبة، وهم أقرب الذكور إلى الميت وإنما قال: " لأولى رجل ذكر " مع أن الرجل لا يكون إلاّ ذكراً، حتى لا يظن أحد أن المراد من لفظ الرجل هو الكبير القادر (١) فيمنع الصغير من الميراث، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فإن الذكر وإن كان رضيعاً يستحق الإِرث بالتعصيب وقد يأخذ كل المال بالتعصيب.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن أوّل ما يبدأ به عند قسمة المواريث أصحاب الفروض والسهام المقدرة شرعاً، وهم عشرة: الزوج، والزوجة، والأب، والجد، والأم، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخ، والأخت الأم، هؤلاء هم أصحاب الفرائض المقدرة شرعاً التي هي النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس، وهم الذين يُبدأ بهم أولاً عند قسمة المواريث، وتختلف أسهمهم حسب اختلاف أحوالهم، كما هو موضح في علم الفرائض. ثانياًً: أن القسم الثاني من الورثة: العصبة، وهو في لسان الشرع أقرب ذكر إلى الميت وقد جعل الشارع له الحق في أن يأخذ ما بقي عن أصحاب الفروض كما قال ﷺ : " فما بقى فهو لأولى رجلٍ ذكر " حيث دل الحديث على أن ما أبقت الفروض يكون لأقرب العصبات من الذكور، لا يشاركه من هو أبعد منه، حكاه النووي وغيره إجماعاً، وإن استووا اشتركوا. وتنقسم العصبة إلى ثلاثة أقسام: الأول: العصبة بنفسه: وهو كل ذكر ينسب إلى الميت ليس بينه وبينه أنثى كالأب والجد وإن علا، والابن وابن الابن وإن سفل، والأخ الشقيق أو لأب، وابن الأخ الشقيق أو لأب، والعم الشقيق أو لأب، وأولادهما، والمعتق ذكراً كان أو أنثى، وحكمه أنه إذا انفرد حاز جميع المال، وإن كان مع أصحاب الفرائض حاز ما بقى عن أصحاب الفرائض، وقد يستغرق أصحاب الفرائض المال كله فلا يرث شيئاً.
стр. 1916
١٠٢٧ - " بابُ مِيرَاثِ ابْنَةِ ابْنٍ مَعَ ابْنَةٍ "
١١٧٧ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁:
أنهُ سُئِلَ عَنْ ابْنَةٍ وابْنَةِ ابْن وَأختٍ، فَقَالَ: لِلابْنَةِ النِّصْفُ، ولِلأُخت النِّصْفُ، وأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَيتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُخبِر بِقَوْلِ أبي مُوسَى فَقَالَ: "لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذَاً وَمَا أنا مِنَ الْمُهْتَدِينَ! أقْضِي فيهَا بِمَا قَضَى
ــ
الثاني العصبة بغيره: وهو كل أخ يعصب أخته من جهتها، وينحصر ذلك في البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، فإن كل واحدة من هؤلاء الأربعة يعصبها أخوها. الثالث العصبة غيره: وهي كل أنثى تصير عصبة باجتماعها مع غيرها، ويتحقق في الأخوات الشقيقات، أو الأخوات لأب إذا اجتمعن مع البنات أو بنات الابن، فإذا اجتمعت أخت شقيقة مثلاً مع بنت، أخذت البنت النصف فرضاً، وأخذت الأخت الباقي وهو النصف تعصيباً، وإذا اجتمعت مع بنتين أخذت البنتان الثلثين فرضاً، وأخذت الأخت الثلث الباقي تعصيباً، وإذا اجتمعت مع أصحاب فرائض وبنت، أخذت الباقي بعد أصحاب الفرائض والله أعلم. ثالثاً: أن الولد يرث من أبيه وأمه تعصيباً لقوله ﷺ : " فما بقى فللأولى رجل ذكر " والولد أقرب الذكور إلى الميت. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فما بقي فلأولى رجل ذكر ".
١٠٢٧ - " باب ميراث ابنة ابن مع ابنة "
١١٧٧ - معنى الحديث: أن أبا موسى ﵁ سئل إذا اجتمع ثلاثة ورثة، ابنة وابنة ابن وأخت، كيف يكون الميراث بينهن؟ وماذا تستحق كل واحدة منهن، فأفتى أن للبنت النصف، وللأخت النصف، ولا شيء لبنت
стр. 1917
النبي ﷺ : لِلابْنَةِ النِّصْفُ، ولابنَةِ الابنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ، فَأتَيْنَا أبَا مُوسَى فَأخْبَرَنَاه بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لا تَسْألونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ".
ــ
الابن، وقال: سل ابن مسعود عن هذه المسألة، فلما سأله عنها، لم يوافق على حرمان بنت الابن من الميراث، وقال: لو أفتيت بذلك لكنت قد أخطأت، ولكنني أحكم في هذه المسألة أن للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وللأخت الباقي، وهو الثلث تعصيباً. فلما جمع أبو موسى بفتوى ابن مسعود ﵄ استحسنها، وأثنى عليه بخير، ووصفه بغزارة العلم، وسعة الاطلاع، وقال: " لا تسألوني ما دام هذا الحَبر " بفتح الحاء " بينكم " أي لا تسألوني ما دام هذا العالم الكثير العلم الغزير المعرفة بينكم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الأخت الشقيقة مع البنت أو مع بنت الابن أو معهما معاً تكون عصبة مع غيرها، فإذا اجتمعت معهما كان للبنت النصف فرضاً، ولبنت الابن السدس بقية الثلثين، وللأخت الثلث تعصيباً، وإذا اجتمعت مع البنت وحدها، كان للبنت النصف فرضاً وللأخت النصف تعصيباً، وإذا اجتمعت مع البنتين كان لهما الثلثان فرضاً، ولها الثلث تعصيباً، وإذا اجتمعت مع بنت الابن فحكمها معها كالبنت أو البنات تماماً والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضاً الأربعة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
***
стр. 1918
١٠٢٨ - " بَابُ مولى القوم من أنفسهم وابن أخت القوم منهم "
١١٧٨ - وَعَنْ أنسٍ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ، أوْ مِنْ أنْفُسِهِمْ ".
ــ
١٠٢٨ - " باب مولى القوم من أنفسهم وابن أخت القوم منهم "
١١٧٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ابن أخت القوم من أنفسهم " أي من أقرب أقربائهم تربطه بهم رابطة قوية متينة كرابطة النسب، فإذا كان النسب يقتضي التوارث بين أبناء العمومة مثلاً، فإن علاقة الخؤولة تقتضي أن يرث الخال ابن أخته أو بنت أخته، وكذلك الخالة والعمة عند عدم ذوي الفرائض والعصبة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على توريث ذوي الأرحام عند عدم وجود ْأصحاب الفرائض والعصبة، وهم كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، كأولاد البنات وأبناء الأخوة لأمّ، وأولاد الأخوات، والأخوال والخالات، وغيرهم، وقد اختلف أهل العلم في توريثهم على مذهبين: المذهب الأول: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وكافة علماء العراق وبعض علماء الشافعية أنهم يرثون إذا لم يوجد للميت صاحب فرض ولا عاصب، فإن ماله الباقي بعد تجهيزه وتسديد ديونه ووصاياه يعطى ميراثاً لذوي رحمه، وهو رأي الكثرة الغالبة من أصحاب النبي ﷺ . والمذهب الثاني: وهو قول مالك والشافعي وكثير من فقهاء الأمصار أن ذوي الأرحام لا يرثون أصلاً، ولو مات إنسان وليس له صاحب فرض ولا عاصب فإن ماله لبيت مال المسلمين ميراثاً قال في " الدرة البهية " (١): وقد رجع علماء الشافعية في أواخر القرن الرابع
стр. 1919
الهجري، وعلماء المالكية في أوائل القرن الثالث الهجري إلى القول بتوريث ذوي الأرحام (١) فصار القول بتوريث ذوي الأرحام قول الجمهور من أواخر القرن الرابع الهجري (٢) واستدل القائلون بتوريث ذوي الأرحام بقول الله تعالى (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) قال ابن قدامة: " أي أحق بالتوارث في حكم الله تعالى " وروى الإِمام أحمد بإسناده عن سهل بن حنيف: أن رجلاً رمى رجلاً بسهم فقتله، ولم يترك إلاّ خالاً، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الخال وارث من لا وارث له " قال الترمذي: هذا حديث حسن وقد سماه النبي ﷺ وارثاً، والأصل الحقيقة، وقد ورث النبي ﷺ ابن الأخت أيضاً كما في حديث محمد بن يحيى قال: توفي ثابت بن الدحداح ولم يدع وارثاً ولا عصبة، فرفع شأنه إلى النبي ﷺ ، فدفع النبي ﷺ ماله إلى ابن أخته أبي لبابة بن عبد المنذر. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.
...
стр. 1920
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الْحُدُودِ "
١٠٢٩ - " بَابُ الضَّرْبِ بالْجَرِيدِ والنِّعَالِ "
١١٧٩ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
أتِيَ النبي ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ ﷺ : " اضْرِبُوهُ " قَالَ أبُو
ــ
" كتاب الحدود "
والحدود لغة: جمع حد، وهو المنع ومنه حدود العقار، لأنها موانع تحول دون امتداد يد الغير إليه، ومشاركته فيه، وأحدّت المعتدة امتنعت عن الزينة وتطلق الحدود أيضاً على الأحكام الشرعية المقرّرة ومنه قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أما معنى الحد شرعاً: فهو العقوبة المقدرة حقاً لله تعالى (١) ومعنى كونها مقدرة أنها محدودة معينة لا يزاد فيها ولا ينقص منها، وليس لها حد أدنى وحد أعلى، وهي حق الله تعالى الذي لا يقبل الإِسقاط من الأفراد ولا من الجماعات، ولا يملك المجني عليه العفو عن المجرم فيها، فلو تنازل المسروق منه بعد بلوغ القضية إلى الحاكم الشرعي لا يؤثر تنازله وعفوه بشيء، ولا تسقط هذه العقوبة عن المجني عليه. لما رواه مالك في " الموطأ " عن سعيد بن المسيب قال: ما من شقي إلا يحب الله أن يعفي عنه ما لم يكن حداً. ولا تجوز الشفاعة في حد أصلاً لقول رسول الله ﷺ لأسامة ﵁ " أتشفع في حد من حدود الله؟ ".
١٠٢٩ - " باب الضرب بالجريد والنعال "
стр. 1921
هُرَيْرَةَ ﵁: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أخْزَاكَ اللهُ، قَالَ: " لا تَقُولُوا هَكَذَا، لا تُعِيْنُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ".
ــ
١١٧٩ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ " أتي النبي ﷺ برجل قد شرب " قيل هو " نُعيمان " بالتصغير الذي اشتهر بالفكاهة والمزاح، وقد امتلأت كتب الأدب " كَنهاية الأرب " وغيرها بفكاهاته ونوادره. وذكر ابن سعد أنه عاش إلى خلافة معاوية، وقصته مع الرجل الأعمى وعثمان ﵁ معروفة مشهورة تجدها في " الفكاهات والنوادر " من كتاب " نهاية الأرب " " فقال: اضربوه " أي فأمرهم بضربه دون تحديد عدد معين من الضرب " فمنا الضارب بيده " أي فبعض الصحابة ضربه بيده دون استعمال أداة أخرى من أدوات الضرب " ومنا الضارب بنعله " لإهانة ذلك الشارب والتنكيل به " ومنا الضارب بثوبه " ولم يستعملوا السوط الذي هو أداة الحد في الضرب " فلما انصرف " أي فلما فرغ الناس من ضربه " قال بعض القوم: أخزاك الله " أي دعا عليه بالخزي، وهو الذل والمهانة والفضيحة بين الناس قيل: إن الداعي هو عمر ﵁. " فقال " النبي ﷺ : " لا تقولوا " له هكذا لا تعينوا عليه الشيطان " لأنهم إذا دعوا عليه " بالخزي " ربما استجيب لهم، فبلغ الشيطان مأربه، ونال مقصده ومطلبه أو أن النبي ﷺ وهو طبيب النفوس خشي على الرجل أنه إذا امتهنت كرامته، وجرحت مشاعره، وأهدرت إنسانيته أدَّى ذلك إلى حدوث رد فعل سيىء في نفسه فيصر على الخطيئة، ويتمادى في الانحراف فيكونون بفعلهم هذا قد أسلموه إلى الشيطان، فيتمكن منه ويستولي عليه نتيجة تلك الانفعالات السيئة التي أوجدوها في نفسه. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود وأحمد.
стр. 1922
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه ليس لشارب الخمر حد شرعي، وإنما عقوبته عقوبة تعزير لا حد، لقول النبي ﷺ : " اضربوه " ولم يعين قدراً محدوداً من الضرب، ولا عدداً معيناً منه. ولقول علي ﵁: " ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت فأجد في نفسي إلاّ صاحب الخمر، فإنه لو مات لوديته " أي دفعت ديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه، أي لم يضع له حداً شرعياً. وكل جريمة لا حد لها فعقوبتها تعزير وهي موكولة إلى اجتهاد الإِمام وقد اختلف أهل العلم في عقوبة شارب الخمر هل هي حد أو تعزير على ثلاثة أقوال: الأول: أنها تعزير أي تأديب مفوّض إلى اجتهاد الإِمام، وبهذا قال بعض أهل العلم، منهم الطحاوي ورجح الشوكاني أنه لم يثبت عن النبي ﷺ مقدار معيّن من العقوبة، وأن عقوبة شارب الخمر ترجع إلى اجتهاد الإمام، ومؤدى كلامه هذا أن عقوبته تعزير لا حد. القول الثاني: أن شارب الخمر يعاقب حداً مقداره ثمانون جلدة، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة، فإنه روي أن عمر ﵁ استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين جلدة، فضربه عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام، وروي أن علياً قال في المشورة: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فَحدّه حد المفتري. الثالث: أنها حدٌّ مقداره أربعون جلدة، وهو اختيار الصديق ﵁، ومذهب الشافعي، لأن علياً جلد الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: " جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إليَّ " رواه مسلم. قال ابن قدامة: ولا ينعقد الإِجماع على ما خالف فعل النبي ﷺ وأبي بكر وعلي ﵄، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير، ويجوز فعلها إذا رآه الإِمام. ويتلخص مما ذكرنا أن في عقوبة الخمر ثلاثة مذاهب:
١ - أنّها تعزير محض، لأن النبي ﷺ لم يسن في ذلك حداً معيناً، ولإمام المسلمين أن يعاقب الشارب بما أدى إليه اجتهاده.
٢ - أنها حد شرعي مقدر
стр. 1923
١٠٣٠ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) وفي كَمْ تُقْطع ؟ "
١١٨٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " تُقْطعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدَاً ".
ــ
بثمانين جلدة، وهو مذهب جمهور أهل العلم.
٣ - أن الأربعين جلدة حدٌّ، وما زاد فهو تعزير، وهو مذهب الشافعى، ورواية عن أحمد اختارها ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم والشيخ عبد الرحمن السعدي. قال ابن تيمية في " الاختيارات " والصحيح في حد الخمر الرواية الموافقة لمذهب الشافعي وغيره أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإِطلاق، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإِمام كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب. ثانياًً: دل هذا الحديث على وجوب حد الشرب على كل من شرب مادة مسكرة مطلقاً من العنب أو غيره، سكر أو لم يسكر لقوله ﷺ : " أتي برجل قد شرب فقال: " اضربوه " حيث رتب الضرب على الشرب، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة، حيث فرّق بين ما كان من عصير العنب وغيره والحديث حجة للجمهور. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود. والمطابقة: في قوله: " فمنا الضارب بنعله ".
١٠٣٠ - " باب قول الله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) "
١١٨٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " تقطع اليد في ربع دينار " هذا خبر بمعنى الأمر، أي اقطعوا يد السارق بسبب سرقة ربع دينار " فصاعداً " أي فما زاد على ذلك، فإذا سرق السارق ربع دينار أو أكثر فإنها
стр. 1924
تقطع يده من مفصل الكف، والدينار مثقال من الذهب وهو درهم وثلاثة أسباع الدرهم والدرهم باق على حاله ومقداره لم يتغيِّر جاهلية ولا إسلاماً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجب إقامة حد السرقة على كل من ثبتت سرقته. والسرقة هي الأخذ خفية من مال في حرز مثله لا ملك له فيه، ولا شبهة ملك. ثانياًً: أن نصاب السرقة الذي تقطع فيه يد السارق هو ربع دينار، وهو مذهب مالك وأحمد ومن وافقهم من أهل العلم، ويعادله من الفضة ثلاثة دراهم، ومن العروض ما قيمته ثلاثة دراهم. أما دليل نصاب الذهب، فقوله ﷺ في حديث الباب: " تقطع اليد في ربع دينار " أما دليل نصاب الفضة والعروض، فهو حديث ابن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ قطع في مِجَنٍّ ثمنه ثلاث دراهم " وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق حيث قالوا: النصاب ربع الدينار أو ثلاثة دراهم، أو عَرَض قيمته أحدهما، وذهب الشافعي إلى أن النصاب ربع دينار ذهباً، أو ما قيمته ربع دينار من الفضة أو العروض، وبه قال كثير من العلماء منهم عائشة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة. واستدل أبو حنيفة بما أخرجه البيهقي والطحاوي من حديث ابن عباس ﵄ أن ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ كان عشرة دراهم. قال في " تيسير العلام " وهذه الرواية وإن خالفت ما في الصحيحين من أن قيمته ثلاثة دراهم، فالواجب الاحتياط فيما يستباح به قطع العضو المحرم، فيجب الأخذ به وهو أكثر وبما أخرجه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " لا قطع إلاّ في عشرة دراهم " وضعِّف العلماء هذا الحديث والله أعلم. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث جواباً لقوله في الترجمة: " وفي كم تقطع " حيث بيّن في الحديث أنها تقطع في ربع دينار والله أعلم.
стр. 1925
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب المحاربين "
١٠٣١ - " بَابُ لَمْ يُسقَ المرتدُّونَ الُمَحاربُون حَتَّى مَاتُوا "
١١٨١ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكَلِ فَأسلَمُوا، فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمرَهُمْ أن يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أبوَالِهَا وألْبَانِهَا، فَفَعَلُوا،
ــ
" كتاب المحاربين "
والمحاربون كل جماعة مسلحة تخرج في دار الإِسلام تهدد الأمن وتسفك الدماء وتسلب الأموال وتعتدي على الحريات العامة والحقوق الشخصية سواء كانت هذه الجماعة مسلمة أو ذميّة أو معاهدة ما دامت في دار الإِسلام ويدخل في المحاربين جميع العصابات الإِرهابية، كعصابات القتل وخطف الأطفال والسطو على البيوت والبنوك أو خطف العذارى أو غير ذلك، وكذلك كل فرد عدواني له قوة يهدد بها الأمن العام، فهو محارب وقاطع طريق. وتنفذ في حقه أحكام المحاربة.
١٠٣١ - " باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا "
١١٨١ - معنى الحديث: يقول أنسٍ ﵁: " قدم على النبي نفر من عكل " أي قدم عليه ﷺ سنة ست من الهجرة جماعة من قبيلة عكل (١) ما بين الثلاثة إلى العشرة " فأسلموا " أي دخلوا في الإِسلام " فاجتووا المدينة " قال القاري: أي استوخموها، ولم يوافقهم المقام بها،
стр. 1926
فَصَّحُّوا، فارْتَدُّوا، وقَتَلُوا رُعَاتِهَا، واسْتَاقُوا الإبِلَ، فَبَعَثَ في آثارِهِمْ، فأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أْيدِيَهُمْ وأرْجُلَهُمْ، وسَمَلَ أعيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَى مَاتُوا.
ــ
وأصابهم الجواء وهو المرض " فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة " أي أمرهم أن يخرجوا إلى المكان الذي فيه إبل الزكاة، ويقيموا هناك " فيشربوا من أبوالها " للتداوي بها، لأنها دواء نافع " وألبانها " للتغذي والتداوي بها أيضاً لأنها شفاء " ففعلوا فصحوا " أي فشربوا ذلك فقويت أجسامهم، وصحت أبدانهم " فارتدوا " وخرجوا عن الإِسلام وعادوا إلى كفرهم " وقتلوا رعاتها " أي قتلوا راعي النبي ﷺ وطمعوا في المال " واستاقوا الإِبل " وولوا بها هاربين " فبعث في آثارهم " أي فأرسل النبي ﷺ علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة وراءهم ليمسكوا بهم ويلقوا القبض عليهم " فأتي بهم " أي فجيء بهم إلى النبي ﷺ " فقطع أيديهم وأرجلهم " من خلاف كما في رواية الترمذي " وسمل أعينهم " بفتح السين والميم، أي فقأ أعينهم " ثم لم يحسمهم " بسكون الحاء وكسر السين " حتى ماتوا بل تركهم حتى ماتوا " أي تركهم ينزفون حتى الموت ولم يكوهم لينقطع الدم. قال ابن الملك: إنما فعل بهم ﷺ هذا مع نهيه عن المثلة، إما لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة، وإما لعظم جريمتهم. والله أعلم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المحارب وقاطع الطريق إذا قتل لا بد من قتله لأن النبي ﷺ قتل هؤلاء العرنيين المذكورين في الحديث أما إذا أخاف السبيل، أو سرق المال، ولم يقتل فإن الحديث لم يتعرض لهذا، واختلف الفقهاء في حكمه، هل يجوز للإِمام قتله إذا رأى المصلحة في ذلك؟ أم لا يجوز قتل المحارب إلا إذا قتل؟ وسبب هذا الخلاف اختلافهم في الأحكام الواردة في الآية الكريمة من القتل، والصلب، والقطع والنفي هل هي
стр. 1927
على الترتيب أو التخيير. فقال بعض الفقهاء: (أو) في قوله تعالى: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) للترتيب والتنويع وتدل على توزيع الأحكام على حسب الجنايات، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل فقط، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي من الأرض، وهذا هو مذهب الشافعية والصاحبين (١)، وهو مروي عن ابن عباس. وقال بعض الفقهاء: إن (أو) في الآية للتخيير فالإِمام مخيّر في الحكم على المحاربين بأي حكم من الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل أو الصلب أو القطع أو النفي لظاهر الآية الكريمة. وهذا قول مجاهد والضحاك والنخعي، وهو مذهب المالكية (٢). اهـ. إلاّ أن التخيير عندهم مقيد بحدود خاصة، وليس على إطلاقه، فقد قال مالك: " الإِمام بنص الآية مخيّر في تطبيق أي جزاء على المحارب حسب اجتهاده (٣)، وما يرى فيه المصلحة إلاّ القاتل فإن المحارب إذا قتل لا بد من قتله، وليس للإِمام تخيير في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه، وإذا أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه ويخير الإمام في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف، وأمّا إذا أخاف السبيل فقط، فالإمام مخير في قتله وصلبه وقطعه ونفيه، بمعنى أن للإِمام الحق في استعمال العقوبة الأشد لا في استعمال الأخف. وقال أبو حنيفة بالتخيير في محارب مخصوص وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، فالإِمام مخيّر في أمور أربعة: (أ) قطع يده ورجله من خلاف وقتله. (ب) قطع يده ورجله من خلاف وصلبه. (ج) صلبه فقط دون قطع يده ورجله. (د) قتله فقط (٤) واختلف الفقهاء في عقوبة النفي ما
стр. 1928
هي؟ فقال مالك والشافعي: معناها أن يخرج المحارب من بلد الجناية إلى بلدة أخرى، وزاد مالك: فيحبس فيها، وقال أبو حنيفة: هي أن يحبس في بلده، فالنفي هو السجن، لأن السجن خروج من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه نفي من الأرض، وقد قال بعض الشعراء:
خَرَجْنَا مِنَ الدُّنيا وَنَحْنُ مِنْ اهْلِهَا ... فَلَسْنَا مِنَ الأمْوَاتِ فِيهَا وَلاَ الأحيَا
إذَا جَاءَنَا السَّجَّانَ يَوْماً لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذا مِنَ الدُّنيا
ثانياًً: دل هذا الحديث على أن قاطع الطريق إذا قتل وأخذ المال، فإنه يجوز للإمام أن يقطع يده ورجله من خلاف، ويقتله (١) كما فعل النبي ﷺ بالعرنيين " حيث قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا " وبهذا قال بعض أهل العلم، وهو مذهب أبي حنيفة حيث قال فيمن قتل وأخذ المال: إن الإمام مخيّر بين أن يقطع يده ورجله من خلاف ويقتله، أو يقطعه ويصلبه أو يصلبه فقط دون قطع يده ورجله، أو يقتله فقط. ثالثاً: أن النبي ﷺ سمل أعين هؤلاء، مع نهيه عن المثلة فقيل: كان هذا (٢) قبل نزول آية الحدود، وآية المحاربة، والنهي عن المثلة فهو منسوخ، أو فعله قصاصاً. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث دل على عقوبة المحارب.
...
стр. 1929
١٠٣٢ - " بَابُ رَجْمَ الْمُحْصَنَ "
١١٨٢ - عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:
" أنَّ رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ أتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهد عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أحْصِنَ ".
ــ
١٠٣٣ - " باب رجم المحصن " (١)
١١٨٢ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ " أن رجلاً من أسلم " اسمه ماعز بن مالك الأسلمي " أتى رسول الله ﷺ " وهو في المسجد كما في الرواية الأخرى " فحدثه أنه قد زنى " أي فأخبره أنه قد ارتكب الفاحشة، واعترف على نفسه بالزنا " وشهد على نفسه أربع شهادات " أي أقر على نفسه بالزنا أربع مرات " فأمر به رسول الله ﷺ فرجم، وكان قد أحصن " أي فحكم عليه ﷺ بالرجم بموجب إقراره، لأنه محصن، والمحصن حكمه الرجم كما في الآية المنسوخة. تلاوة والباقي حكمها: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية رجم الزاني إذا كان محصناً أي متزوجاً قد دخل على زوجته وجامعها بنكاح صحيح، أما إذا عقد عليها، ولم يدخل بها، فإنه يكون غير محصن، ويجب عليه الحد لا الرَّجم. وفيه دليل على أنه يرجم فقط، ولا يجلد، لأن النبي ﷺ اكتفي برجمه، وهو مذهب الجمهور، خلافا لأحمد في رواية: أنه يجلد، ثم يرجم، لما في حديث علي ﵁ أنه جلد المرأة الهمدانية ورجمها، وقال: "رجمتها
стр. 1930
١٠٣٣ - " بَابُ البِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ "
١١٨٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِى قَالَ:
" سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأمُرُ فيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ
عَام ".
ــ
بسنة رسول الله ﷺ (١). ثانياً: أن جريمة الزنا تثبت بإقرار الزاني على نفسه كما في هذا الحديث، لأن المرء يؤخذ بإقراره، والإِقرار سيّد الأدلة، والحديث صريح في ذلك، حيث حكم النبي على الزاني بالرجم بموجب إقراره، قال في " تيسير العلام ": اختلف العلماء هل يشترط تكرار الإِقرار بالزنا أربع مرات، أو لا؟ فذهب الإمام أحمد وجمهور العلماء ومنهم الحكم وابن أبي ليلى والحنفية إلى أنه لا بد من الإقرار أربع مرات مستدلّين بهذا الحديث، فإنه ﷺ لم يقم على ماعز الحد إلا بعد أن شهد على نفسه أربع مرات وقياساً على الشهادة بالزنا فإنه لا يقبل إلاّ أربعة شهود، ولا يشترط أن تكون الإقرارات في مجالس، خلافاً للحنفية، وذهب مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر إلى أنه يكفي لإقامة الحد إقرار واحد، لحديث " اغد يا أُنيْسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها " وإنما اعترفت مرة واحدة، وأجابوا عن حديث ماعز بأن الروايات في عدد الإقرارات مضطربة، أربع مرات ومرتين وثلاثاً. الحديث: أخرجه الشيخان وَأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قول جابر ﵁: " فأمر به فرجم ".
١٠٣٣ - " باب البكران يجلدان وينفيان "
١١٨٣ - معنى الحديث: يقول زيد بن خالد ﵁: