فِيهِ".
٩٩٦ - " بَاب لا يَتَنَاجى اثنانِ دُونَ الثالِث "
١١٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ " إِذَا كانُوا ثَلاَثةً فلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ ".
ــ
الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه" أي لا يحل له أن يقيمه من المكان الذي سبق إليه ليجلس فيه، فهو خبر بمعنى النهي.
فقه الحديث: أن من آداب السلوك في الإِسلام النهي عن إقامة الشخص عن مكانه في المجالس العامة كالمساجد ومجالس الحكام وغيرها، قال النووي: هذا النهي للتحريم، فمن سبق إلى موضع مباح من المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره فهو أحقّ به، ويحرم على غيره إقامته إلاّ أن أصحابنا يعني الشافعية استثنوا من ذلك إذا ألف موضعاً من المسجد يفتي به، أو يقرأ قرآناً أو غيره من العلوم الشرعية فهو أحق به. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.
٩٩٦ - " باب لا يتناجى اثنان بينهما ثالث "
١١٤٥ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " إذا كانوا ثلاثة " أي إذا كان الجالسون في المجلس ثلاثة أشخاص " فلا يتناجى اثنان دون الثالث " قال القرطبي: الرواية المشهورة بألف مقصورة ثابتة في الخط، ساقطة في اللفظ، والتناجي التحادث سراً. والمعنى: أنه إذا اجتمع ثلاثة في مجلس واحد، فإن من آداب الإِسلام، ومحاسن السلوك التي يدعو إليها ديننا الحنيف أن لا يتحادث اثنان سراً فيما بينهما دون أن يشركا الثالث معهما.
стр. 1857
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه تكره المحادثة سراً بين اثنين معهما ثالث فقط، لأن ذلك يؤذى الشخص الثالث، ويضايقه كما جاء في رواية أخرى عن ابن مسعود أيضاً عن النبي أيضاً " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه " (١) أخرجه مسلم، أي لأنه إذا بقي منفرداً وتناجى من عداه أحزنه ذلك إما لظنه احتقارهم إياه، وإما لأنه قد يقع في نفسه أنّهم يتحدثون في مضرته. اهـ. كما أفاده القسطلاني. أما إذا زاد العدد عن ثلاث فلا بأس أن يتناجى اثنان. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وأحمد. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.
...
стр. 1858
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الدعوات
الدعوات جمع دعوة، هي الدعاء. والدعاء لغة: هو مصدر دعا يدعو، ثم جعل اسماً مستعملاً في لغة العرب لمعان مختلفة منها: التوحيد كقوله تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) ومنها الاستعانة كقوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ومنها السؤال والطلب. أما الدعاء شرعاً: فمعناه سؤال الباري ورفع الحاجات إليه، وطلب قضائها منه قال النووي: أجمع أهل الفتوى على استحباب الدعاء، وذهبت طائفة من الزهاد الى أن تركه أفضل استسلاماً ودلائل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة كيف لا، وفي الدعاء تضرع إلى الله والتجاء إليه، ومناجاة له، واتصال روحي بالعلى الأعلى قال الخطابي: وحقيقة الدعاء إظهار الافتقار إليه، والبراءة من الحول والقوة إلا له، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجة والبخاري في " الأدب المفرد " وصححه ابن حبان والحاكم. وعن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال، " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) أي صاغرين، أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الآية المذكورة وعيد شديد لمن ترك الدعاء إعراضاً واستكباراً. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم يسأل الله يغضب عليه " أخرجه الترمذي فالدعاء يزيد العبد من ربه قرباً واعترافاً بحقه، ولذا حث ﷺ -
стр. 1859
على الدعاء، وعلّم الله عباده دعاءه بقوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وأخبرنا بدعوات رسله وتضرعهم حيث قال: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) إلى آخر ما ذكر من دعوات الأنبياء ودعواته ﷺ في الصباح والمساء والصلوات وغيرها معروفة. اهـ. وحسبك في فضل الدعاء أنه لا بد أن يعود على صاحبه بفائدة في الدنيا أو الآخرة، أو فيهما معاً، كما يدل عليه حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما على الأرض مسلم يدعو الله دعوة إلاّ آتاه إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يعجل " أخرجه الترمذي وأحمد والبيهقي والطبراني في الكبير وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد أمر النبي ﷺ به، وبيّن أنه من أجلِّ العبادات التي يحبها الله، فقال ﷺ : " سلوا الله من فضله، فإنه تعالى يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج " رمز السيوطي إلى صحته، وحسنه الحافظ ابن حجر، وعن ابن مسعود ﵁: من نزلت به فاقة، فأنزلها بغير الله لم تسد فاقته، ومن نزلت فاقة فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل. رواه أبو داود والترمذي والحاكم، وصححه. وعن ابن عمر مرفوعاً: " من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الإجابة " أخرجه الترمذي وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح الإسناد كما أفاده الشوكاني في " تحفة الذاكرين ". ومن الأسباب المؤدية إلى استجابة الدعاء عند الضراء، الإكثار منه في السراء، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء " أخرجه الترمذي وقال فيه: حسن غريب، كما أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي. ومن آداب الدعاء أن يترصد الأوقات المباركة التي يستجاب فيها الدعاء، كيوم عرفة، ورمضان، والجمعة، وعند نزول الغيث، وإقامة الصلاة، وبين الأذان والإقامة، والسحر وحال السجود. وأن يدعو مستقبلاً الكعبة رافعاً يديه لقوله ﷺ : "إن ربكم حيي كريم يستحي
стр. 1860
٩٩٧ - بَابُ " لِكُلِّ نبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ "
١١٤٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وأرِيدُ أن أخْتَبِىءَ
ــ
من عباده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردهما صفراً" أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجة والحاكم. وأن يخفض صوته، ولا يتكلف السجع في الدعاء، وأن يكون في حال خشوع وتضرع ورغبة ورهبة، كما قال تعالى: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). وأن يجزم بالدعاء، ويوقن بالإِجابة، ويصدق في الرجاء واليقين لقوله ﷺ : " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة " وأن يلح في الدعاء، ويكرره ثلاثاً لقول ابن مسعود: " كان ﷺ إذا دعا دعا ثلاثاً " رواه مسلم، ولا يستبطىء الإِجابة، وأن يستفتح بذكر الله ، والصلاة على النبي ﷺ . قال أبو سليمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ فإن الله يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما. ومن أهم آداب الدعوة وأسباب قبولها التوبة والاستغفار، ورد المظالم إلى أهلها. لما روي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً " أنه ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، ثم قال: فأنّى يستجاب لذلك " رواه مسلم. وقد قال ﷺ لسعد: " يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك ".
٩٩٧ - " باب لكل نبي دعوة مستجابة "
١١٤٦ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " لكل نبي دعوة " أي أن الله أعطى كل نبي من الأنبياء دعوة واحدة مقطوعاً لها بالإجابة فإجابتها ثابتة محققة
стр. 1861
دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأمَّتِي في الآخِرَةِ".
٩٩٨ - " بَابُ أفضلِ الاسْتِغفَارِ "
١١٤٧ - عَنْ شَدَّاد بْنِ أوْسٍ ﵁:
ــ
لا بد منها، لأن الله وعده بإجابتها، وهو لا يخلف الميعاد، أما بقية دعوات الأنبياء فإنها على رجاء الإِجابة (١) " يدعو بها " أي له أن يدعو بها متى شاء فتستجاب له ويعطى سؤله " وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة " أي وأريد أن أدّخر دعوتي المستجابة وأحتفظ بها إلى الآخرة حتى أجعلها شفاعة لأمتي هناك حين يذهب الناس إلى الأنبياء يسألونهم الشفاعة فيقول كل نبي: نفسي نفسي، لأنّه قد استنفذ دعوته، ودعا بها في الدنيا، فلم يبق له منها شيء. ثم يأتونه ﷺ يسألونه الشفاعة. فيقول: أنا لها، أمتي أمتي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الله جعل لكل نبي دعوة مستجابة فدعا بها في الدنيا (٢)، أما نبينا ﷺ فقد أخر دعوته لتكون شفاعة لأمته في الآخرة. ثانياًً: قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة. قال ابن الجوزي: وهذا من حسن تصرفه إذ جعل الدعوة فيما ينبغي. وقال النووي: فيه كمال شفقته على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم، فجعل دعوته في أهم أوقات حاجاتهم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.
٩٩٨ - " باب أفضل الاستغفار "
стр. 1862
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " سَيِّد الاسْتِغْفَارِ أن تَقُولَ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنا عَبْدُكَ، وَأنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بِكَ منْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأبوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنْتَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنَاً بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ، فَهُو مِنْ أهلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ مُوقِناً بها، فَمَاتَ قَبْلَ أن يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أهلِ الْجَنَّةِ ".
ــ
١١٤٧ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " سيد الاستغفار أن تقول: " أي إذا اقترفت أيها العبد خطيئة وأردت الاستغفار فإن لك أن تستغفر بأي لفظ. شئت، فلو قلت: " اللهم اغفر لي " أو " أستغفر الله " مع التوبة الخالصة، كان ذلك حسناً مقبولاً إن شاء الله، ولكن كما قال ﷺ : " سيد الاستغفار " أي أن أفضل أدعية الاستغفار وأكثرها نفعاً " أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت " أي لا معبود لي سواك، ولا ملجأ لي إلا إليك " خلقتني وأنا عبدك " أي أنت المستحق للعبادة لأنك أنت وحدك خالقي " وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت " أي وأنا ملتزم بالوفاء بعهدك الذي أخذته على بنى آدم حين أخرجتهم من ظهور آبائهم (١)، وقلت لهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) وبالوعد الذي جاء على لسان نبيك ﷺ : " أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " " ما استطعت " أي على قدر استطاعتي، وفي حدود طاقتي البشرية، واشتراط الاستطاعة معناه الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى، أي وأنا لا أقدر أن أعبدك حق عبادتك، ولكن أجتهد بقدر
стр. 1863
طاقتي. اهـ. كما أفاده القاري " أعوذ بك من شر ما صنعت " أي ألجأ إليك أن تجيرني من عقوبة ما اقترفته من الذنوب والآثام. " أبوء لك بنعمتك عليَّ " أي أعترف لك بنعمتك العظمى " وأبوء بذنبي " أي أعترف بذنبي العظيم " فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت " أي فإن ذنوبي لا يملك العفو عنها سواك فأنت غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذو الطول. ثم قال ﷺ : " من قالها من النهار موقناً بها، فمات قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة " أي من قال هذه الكلمات مخلصاً من قلبه، مصدقاً بثوابها، مؤمناً بمضمونها إجمالاً وتفصيلاً فمات قبل المساء، فهو من أهل الجنة قال القاري: أي يموت مؤمناً، فيدخل الجنة لا محالة أو مع السابقين، وفي رواية " وجبت له الجنة " وكذلك من قالها من الليل كما في آخر الحديث.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان فضل هذا الدعاء المذكور الذي سمّاه ﷺ " سيد الاستغفار " وفي حديث جابر " تعلموا سيد الاستغفار " قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعاً لمعافي التوبة كلها استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج فالمراد بسيادة هذا الاستغفار أفضليته على غيره وكونه أكثر نفعاً من سواه، ولهذا ترجم له البخاري بقوله: " باب أفضل الاستغفار " أي أكثر أدعية الاستغفار نفعاً. ثانياً: قال الحافظ في قوله: " فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت " يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه غفر له، وهذه قضية ثابتة تضافرت عليها الأدلة من الكتاب والسنة، وحسبنا في ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (١). ثالثاً: دل هذا الحديث على أن الاستغفار يكون بصيغة " اغفر لي " أو " اللهم اغفر لي " ولكنه لا ينحصر
стр. 1864
٩٩٩ - " بَابُ استِغفَارِ النبيِّ ﷺ في اليَوْمَ واللَّيْلَةِ "
١١٤٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " وَاللهِ إِنِّي لأسْتَغْفِرُ اللهُ وَأتُوبُ إِلَيْهِ في اليَوْمَ أكثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ".
ــ
في هذه الصيغة، بل يجوز أيضاً بلفظ " أستغفر الله " لما جاء حديث ابن مسعود " من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم، وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف " أخرجه أبو داود، والترمذي، والحاكم، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. وفيه: رد لقول الربيع بن خثيم: لا تقل أستغفر الله وأتوب إليه، فيكون كذباً إن لم تفعل، بل قل: اللهم اغفر لي وتب عليَّ، قال النووي: هذا أحسن، وأما كراهية أستغفر الله وتسميته كذباً فلا (١) يوافق عليه، لأن معنى أستغفر الله أطلب مغفرته، وليس هذا كذباً، رابعاً: أن سيد الاستغفار هذا لا يؤدي بقائله إلى الجنة إلاّ إذا اقترن باليقين والإخلاص والإِيمان بمضمونه ومدلوله، لقوله ﷺ : " من قالها من النهار موقناً " فاليقين والإخلاص هو الذي يحقق الثمرة المرجوة من هذا الاستغفار. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي والترمذي. والمطابقة: في قوله: " سيد الاستغفار ".
٩٩٩ - "باب استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة "
١١٤٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إني لاستغفر الله وأتوب إليه " أي أطلب من الله التوبة والمغفرة في اليوم والليلة " أكثر من سبعين مرة " مع أنه معصوم من الذنب، مغفور له ما تقدم وما تأخر، وفي رواية أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني
стр. 1865
١٠٠٠ - " بَابُ التَّوْبَةِ "
١١٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود ﵁ أنَّهُ حَدَّثَ بِحَدِيثَيْنِ،
ــ
أتوب إليه في اليوم مائة مرة" أخرجه مسلم. أي فأنتم أولى بالرجوع إليه في الساعة الواحدة ألف مرّة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب الاستغفار لكل واحد من المؤمنين محسناً كان أو مسيئاً لأن رسول الله ﷺ وهو إمام المتقين كان يكثر من الاستغفار إلى هذا الحد فكيف بغيره. ثانياً: أن النبي ﷺ كان يكثر من الاستغفار مع أنه مغفور له تعليماً لأمته، ولرفع درجاته، وزيادة حسناته، وقضاء حاجاته لأن الاستغفار ذكر وعبادة وقربة إلى الله، ويستعمل لأغراض كثيرة، منها كشف الكربات، وتفرج الهموم، وتكثير الأرزاق، وفي الحديث " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب " أخرجه أبو داود وابن حبان والنسائي، قال الشوكاني: وفي (١) الحديث الذي ذكرناه أن الإكثار من الاستغفار، فيه المخرج من كل ضيق، والفرج من كل هم، وحصول الأرزاق من حيث لا يحتسب ولا يكتسب، فمن حصل له ذلك عالق في نعمة سالماً من كل نقمة.
الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " إنّي لأستغفر الله ".
١٠٠٠ - " باب التوبة "
١١٤٩ - معنى الحديث: أن ابن مسعود تحدث في حديثه هذا بحديثين: أولهما: حديث تحدث به من عنده، وليس من كلام النبي ﷺ وإنما
стр. 1866
أحدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى في ذُنُوبِهِ كأنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَل يَخَافُ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أنْفِهِ، فَقَال بِهِ هَكَذا، ثُمَّ قَالَ: " للهُ أفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِهِ منْ رَجُل نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهلكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلتهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلتهُ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالْعَطَشُ أوْ مَا شَاءَ اللهُ قَالَ: أرْجِعُ إلى مَكَاني، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَإذَا رَاحِلتُهُ عِنْدَهُ ".
ــ
هو من كلام ابن مسعود ﵁ وموقوف عليه قال فيه: " إن المؤمن يرى في ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه " أي إن المؤمن الكامل يستعظم ذنوبه، ويستكبرها، ويخاف منها خوفاً شديداً، ولو كانت من الصغائر، فإذا وقع في شيء منها تملكه الرعب، كأنه تحت جبل عظيم يوشك أن يقع عليه. " وإن الفاجر " أي الفاسق المستهتر " يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا " أي يستهين بالمعاصي مهما عظمت، حتى أنه يرى كبائر الذنوب سهلة يسيرة كأنها ذباب مرّ على أنفه فلا يعبأ به أو يكترث له. ثانيهما: حديث مرفوع رواه عن النبي ﷺ أنه " قال: لله أفرح بتوبة عبده " واللام للتوكيد، كأنه ﷺ يقول: أؤكد لكم أن الله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب إليه " من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة " أي نزل محطة في فلاة من الأرض، لا ماء فيها، ولا أحد يسكنها " ومعه راحلته " أي دابته التي يركب عليها، " عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه، فنام نومة " يسيرة قصيرة " فاستيقظ وقد ذهبت راحلته " أي ذهبت عنه دابته، وتركته في تلك المفازة المهلكة، والأرض القاحلة دون طعام ولا ماء، بمعنى أنه وجد نفسه عندما انتبه من النوم قد فقد دابته، وبقي فريداً وحيداً، منقطعاً لا زاد معه ولا ماء "حتى
стр. 1867
إذا اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله" من الخوف والقلق والهموم النفسية واستولى عليه اليأس فاستسلم للموت جوعاً وعطشاً وما كان منه إلا أن " قال: ارجع إلى مكاني فرجع فنام، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده " وعليها طعامه وشرابه، فلما فوجىء هذه المفاجأة السارة، وعاد إليه الأمن والاطمئنان، واستبشر بالسلامة والنجاة، قال كما في رواية أخرى: " اللهم أنت عبدي وأنا ربك " أخطأ من شدة الفرح، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قوة حساسية المؤمن، وشدة خوفه من الله، واستعظامه لما يتعرض له من صغائر الذنوب، حيث يراها كالجبال الضخمة التي توشك أن تقع عليه فتهلكه. وقسوة قلب الفاجر، وعدم إحساسه بالذنوب. ولو كانت كبائر، لأنه يراها كالذباب يمر على وجهه، فلا يلقي لها بالاً. ثانياًً: قبول التوبة الصادقة وفرح الله تعالى بها، ورضاه عن صاحبها، فالتوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها ولكن لها شروط ثلاثة: الأول: ترك المعصية والابتعاد عنها بالكلية، لأن الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين .. كما قال الفضيل بن عياض. وسمع أعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة يقول: اللهم إن إستغفاري مع إصراري للؤمٌ. وإن تركي استغفارك مع علمي بسعة عفوك لَعَجْز، فكم تتحبب إليّ بالنعم مع غناك عني، وكم أتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك إلخ. الثاني: الإِحساس بالذنب والندم عليه، وتألم النفس منه: الثالث: العزم على أن لا يعود إليه. قال ابن حجر: فإن كان عليه حق كقضاء صلاة فلا يسامح بصرف وقت في نفل وفرض كفاية لم يتعين عليه، أي بل يبدأ أولاً بقضاء الفرائض حتى إذا قضاها جميعاً التفت إلى النوافل، فإن كان عليه حق للآدميين فلا تقبل التوبة إلاّ بالتخلص منه، ورد المظلمة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة منه كما قال النووي. ثالثاً: دل الحديث على أن العبد لا يؤاخذ بالخطأ اللساني الذي يقوله في حال دهشته وذهوله، لأن هذا الرجل قال من شدة الفرح: " اللهم أنت عبدي وأنا ربك ". الحديث: أخرجه
стр. 1868
١٠٠١ - " بَابُ النَّوْمِ علَى الشِّقِّ الأيْمَنِ "
١١٥٠ - عَنَ البَرَاءِ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهَ ﷺ إِذَا أَوَى إلى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَاتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً ورَهْبةً إليْكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي
ــ
الشيخان. والمطابقة: في قوله: " لله أفرح بتوبة العبد ".
١٠٠١ - " باب النوم على الشق الأيمن "
١١٥٠ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁: " كان رسول الله ﷺ إذا أوى (١) إلى فراشه " أي إذا أَتى مضجعه وأراد أن ينام " نام على شقه الأيمن " أي نام على جانبه الأيمن " ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك " أي جعلتها خالصة لك، منقادة لحكمك " ووجهت وجهي إليك " أي جعلت عملي الصالح لك وحدك " وفوضت أمري إليك " أي توكلت عليك، ورددت أمري إليك " وألجأت ظهري إليك " أي واعتمدت عليك دون سواك " رغبة ورهبة إليك " أي إنما فعلت ذلك طمعاً في رحمتك، وخوفاً من عذابك، كما قال تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) " لا ملجأ (٢) ولا منجى منك إلا إليك " وهذه جملة تعليلية، أي وإنما كانت رغبتي ورهبتي إليك، لأنه لا مهرب، ولا مخلص ولا ملاذ (٣) من عقوبتك إلاّ إلى رحمتك "آمنت بكتابك
стр. 1869
أرْسَلْتَ" وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ".
ــ
الذي أنزلت" وهو القرآن الكريم " ونبيك الذي أرسلت " وهكذا ختم هذا الدعاء بالإِيمان بكتاب الله ورسالة محمد بن عبد الله ﷺ ، ويدخل في ذلك جميع شرائع الإِسلام وعقائد الإيمان " وقال رسول الله ﷺ : من قالهن " يعني هذه الكلمات " ثم مات تحت ليلته " أي في تلك الليلة " مات كل الفطرة " أي على الإيمان والتوحيد وفي رواية: " وإن أصبحت أصبت خيراً ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب النوم على الجانب الأيمن، ووضع اليد اليمنى تحت الخد الأيمن لما جاء في هذا الحديث من أنه ﷺ " كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن " والحكمة في استحباب النوم على الشق الأيمن أنه أسرع في الانتباه من النوم، لعدم استقرار القلب بخلاف النوم على الشق الأيسر، حيث يستريح القلب، فيستغرق العبد في النوم، ويبطىء في الاستيقاظ منه. كما أن الإكثار من النوم على الجنب الأيسر، وإن كان أهنأ وأمتع، إلاّ أنه يضر القلب لضغط بقية الأعضاء عليه. ثانياً: استحباب هذا الدعاء المبارك المذكور في الحديث عند النوم، لأنه يعود على صاحبه بفائدة عظيمة، وهي الموت على فطرة الإِسلام، والفوز بخيري الدنيا والآخرة إذا أصبح سليماً معافى، ويستحب له أن يتوضأ قبل هذا الدعاء، لما جاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال له: " إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: " اللهم إني أسلمت وجهي إليك " إلخ قال النووي: وفيه ثلاث سنن مهمة: الوضوء عند النوم، لأن المقصود النوم على طهارة، والنوم على اليمين، والختم بذكر الله. الحديث: أخرجه أيضاً مسلم وأصحاب السنن بألفاظ مختلفة. والمطابقة: في قوله "نام
стр. 1870
١٠٠٢ - (بَابُ التَعَوُّذِ والْقِرَاءَةِ عِنْدَ النَّوْمِ)
١١٥١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كاَنَ إِذَا أخذَ مَضْجَعَهُ، نَفَثَ في يَدَيْه، وقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ ".
ــ
على شقه الأيمن".
١٠٠٢ - " باب التعوذ والقراءة عند النوم "
١١٥١ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث " أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه " أي كان إذا أراد أن ينام " نفث في يديه " أي نفخ في كفّيه نفخاً خفيفاً مصحوباً بريقه " وقرأ بالمعوّذات " أى وقرأ سورة الإخلاص والفلق والناس " ومسح بهما جسده " أي ومسح بكلتا يديه جسده من أعلاه إلى أسفله، يمسح رأسه أولاً، ثم وجهه، ثم بقية جسمه، قال في " شرح المصابيح ": ظاهر الحديث يدل على أنه نفث في كفه أولاً، ثم قرأ المعوّذات، ولم يقل به أحد، والنفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة، ليوصل بركة القرآن إلى القارىء.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يسن للمسلم إذا أوى إلى فراشه أن يحصن نفسه بهذه التعويذة المباركة، فيقرأ على نفسه الإِخلاص والمعوذتين، وينفخ في كفّيه نفخاً خفيفاً مصحوباً بريقه، ثم يمسح رأسه، ثم وجهه، ثم بقية جسمه، ويفعل ذلك ثلاثاً كما جاء في الرواية الأخرى. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي. والمطابقة: في قولها: " وقرأ بالمعوذات ".
***
стр. 1871
١٠٠٣ - " بَابُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ "
١١٥٢ - عنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁:
أنهُ كَتَبَ إلى مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَقُولُ في دبُرِ كُلِّ صَلاةٍ إِذَا سَلَّمَ: " لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيْءٍ قَدِير، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا منك جَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ".
ــ
١٠٠٣ - " باب الدعاء بعد الصلاة "
١١٥٢ - معنى الحديث: أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية ﵁ كتاباً ذكر له فيها أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة: " أي كان النبي ﷺ دائماً يقول بعد انتهائه من أي صلاة من الصلوات الخمس: " إذا سلم " أي بعد سلامه، يقول: " لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " والجدُّ بفتح الجيم الغنى والثروة، وقال بعضهم: هو البخت والحظُّ، أي لا ينفع الإِنسان حظه من الدنيا إذا حرم من طاعة الله، وخسر في الآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من الأدعية المأثورة المسنونة هذا الذكر المقترن بهذا الدعاء المبارك، فيسن للمسلم أن يدعو به بعد كل صلاة مكتوبة معتقداً لمعناه، موقناً بمضمونه وفحواه، سائلاً ربه من خزائن جوده وكرمه، لأنه المعطي والمانع وحده لا شريك له، متضرعاً إليه أن يوفقه لطاعته، لأن من حُرِمَ ذلك لا يفيده حظه، ولا ينفعه حسبه ونسبه. والمطابقة: في
стр. 1872
١٠٠٤ - " بَاب يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يعْجَل "
١١٥٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: " يُسْتَجَابُ لأحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ".
ــ
قوله: " كان يقول في دبر كل صلاة " إلخ.
١٠٠٤ - " باب يستجاب للعبد ما لم يعجل "
١١٥٣ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " يستجاب لأحدكم " أي يجاب دعاؤه " ما لم يعجل " أي أن العبد لا يزال يجاب دعاؤه مدة عدم استعجاله في حصول الإِجابة، فإذا داوم على الدعاء دون استكثار أو ملل أو سآمة مع رجاء الإِجابة وحسن الظن بالله تعالى فإن دعوته مستجابة إن شاء الله، وإن تأخرت الإِجابة بعض الوقت، لأن الله تعالى قد جعل لكل شيء قدراً فلا يتقدم شيء عن إبانه، ولا يتأخر عن أوانه أما حين يتعجل العبد " ويقول: دعوت فلم يستجب لي " أي قد كثر سؤالي، وتكرر دعائي، فلم أنل شيئاً مما طلبت ويستبطىء حصول المطلوب، وييأس من الإجابة وينقطع عن الدعاء، عند ذلك يحرم بالفعل من الإِجابة، لأنها مشروطة بعدم الاستعجال. قال ابن بطال: ومعنى قوله: " دعوت فلم يستجب لي " أي أنه يسأم فيترك الدعاء، فيكون كالمانّ بدعائه، أو أنه أَتى من الدعاء ما يستحق به الإِجابة فيصير كالمتبخّل للرب الكريم، الذي لا تعجزه الإِجابة ولا ينقصه العطاء.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من شروط الدعاء وآدابه أن لا يستعجل الإِجابة، وأن يلح في الدعاء مرات ومرات دون يأس أو ملل، أو ضجر نفسي، قال الحافظ في هذا الحديث أدب من آداب الدعاء،
стр. 1873
١٠٠٥ - " بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الكَرْبِ "
١١٥٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: "لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَواتِ
ــ
وهو أن يلازم الطلب، ولا ييأس من الاجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام، وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أن أحرم الاجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: " من فتح له منكم باب من أبواب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة " أخرجه الترمذي والحاكم (١). ثانياً: دل هذا الحديث على أن الإلحاح في الدعاء مع قوة الرجاء سبب في الإجابة وتحقيق المطلوب لقول الصادق المصدوق: " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ". ثالثاً: قال الداودي: يخشى (٢) على من خالف وقال: دعوت فلم يستجب لي أن يحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادّخار والتكفير. رابعاً: أنه لا يليق بالمؤمن، ولا يصدق عليه أن يقول: " دعوت فلم يستجب لي " لأن دعوة المؤمن مجابة في عموم الأحوال إما أن تعجل له الإجابة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له في الآخرة خير مما سأل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
١٠٠٥ - " باب الدعاء عند الكرب "
١١٥٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ "أن
стр. 1874
وَرَبُّ الأرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمَ".
ــ
رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب" أي عندما يشعر باشتداد الغم عليه، واستيلائه على نفسه الشريفة: قال ابن علان: " الكرب " بفتح فسكون هو الأمر الذي يشق على الإنسان، ويملأ صدره غيظاً. وقال الواحدي: الكرب أشد الغمّ، فكان ﷺ يلجأ إلى هذا الدعاء المبارك قائلاً: " لا إله إلاّ الله " أي لا معبود بحق سوى الله " العظيم " أي العظيم القدر، الجليل الشأن في ذاته وصفاته وأفعاله " الحليم " أي الذي لا يعاجل العاصي بالعقوبة، بل يؤخرها، وقد يعفو عنه مع القدرة عليه، " لا إله إلاّ الله رب العرش العظيم " قال ابن علان (١) " العظيم " بالجر عند الجمهور، وقال الداودي: هو بالرفع صفة رب، قال القاري: أي فلا يطلب إلاّ منه، ولا يسأل إلاّ عنه، لأنه لا يكشف الكرب العظيم إلاّ الرَّبُّ العظيم (٢) " لا إله إلاّ الله رب السموات والأرض " أي خالق كل شيء فيهما، ومالكه، ومصلحه، والمتصرف فيه كيف شاء وكما شاء. " رب العرش الكريم " بالجر صفة للعرش، فقد وصفه بالكرم، أي بالحسن من جهة الكيفية، ووصفه بالعظمة من جهة الكمية.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قال الشوكاني في هذا (٣) الحديث مشروعية الدعاء بما اشتمل عليه لمن نزل به كرب، وبعد فراغه يدعو بأن يكشف الله عنه كربه، ويذهب عنه ما أصابه، ويدفع عنه ما نزل به، قال الطيبي: هذا ذكر يترتب عليه رفع البلاء والكرب (٤) فإن قيل: هذا
стр. 1875
١٠٠٦ - " بَاب فضلِ التهْلِيلِ "
١١٥٥ - عَنْ أبِي هرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَة لا شَرِيكَ
ــ
ذكر وثناء، وليس فيه أي طلب أو دعاء، فالجواب على ذلك من وجهين: أحدهما: أنه يبدأ ويستفتح بهذا الذكر، ثم يدعو بما شاء، ويذكر حاجته، ويسأل ما يريد، ويؤيده كما قال القاري: ما رواه أبو عوانة: " ثم يدعو بعد ذلك " ثانيهما: أن هذا الذكر والثناء يتضمن الدعاء عن طريق التعريض والإيماء، فإن الشاعر قد يستغني بالثناء على ممدوحه عن التصريح بحاجته وهو أبلغ، وفي هذا يقول أمية بن أبي الصلت:
إذَا أثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْماً ... كَفَاه عَنْ تعَرُّضِهِ الثناءُ
وفي الخبر: " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ".
ثانياًً: أن هذا الذكر دعاء عظيم اشتهر عند السلف بدعاء الكرب، قال الطبري: وكان يوصي بعضهم بعضاً بهذا الدعاء ويعلمونه لأولادهم وبناتهم، كما روي أن عبد الله بن جعفر، ﵁ لما زوج ابنته قال لها: إذا نزل بك أمرٌ فاستقبليه بأن تقولي: لا إله إلاّ الله الحليم الكريم الخ، وقد جرب الناس هذا الدعاء، فمن ذلك ما وقع للحسن البصري ﵀ قال: أرسل إليّ الحجاج، فقلت هذه الكلمات، فلما وصلت إليه قال: والله لقد أرسلت إليك أريد أن أقتلك، فلأنت اليوم أحب إلي من كذا وكذا، وزاد في لفظ أنه قال له: فسل حاجتك. الحديث: أخرجه الشيخان كما أخرجه الترمذي بلفظ آخر. والمطابقة: في قوله: " كان ﷺ يقول عند الكرب لا إله إلاّ الله " إلخ.
١٠٠٦ - " باب فضل التهليل "
١١٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة "أن رسول الله ﷺ -
стр. 1876
لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِير فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَت لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَة حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِي، وَلَمْ يَأتِ أحَدٌ بِأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أكثَرَ مِنْهُ".
ــ
قال: من قال لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له" أي من قال هذا الذكر الشريف بعد صلاة الفجر، كما في حديث أبي ذر ﵁ حيث قال: " من قال في دبر صلاة الفجر " " لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له " وهو تأكيد لمضمون الجملة السابقة، لأن معنى لا إله إلاّ الله: لا معبود بحق سواه، وهو معنى قوله: " وحده لا شريك له " إلاّ أن هذه أعمّ، لأن معناها لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وصفاته وأفعاله " له الملك " أي له الملك الدائم الباقي، وكل ملك لغيره إلى زوال " وله الحمد " لأنه المنفرد بالكمال المطلق، ولأنه هو المنعم الحقيقي فما من نعمة في الوجود إلاّ هو مصدرها، والمنعم بها (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) " وهو على كل شيء قدير " فلا يخرج شيء عن قدرته ومشيئته " مائة مرة، كان له عدل عشر رقاب " أي كان له من المثوبة والأجر ما يساوي عتق عشر رقاب " وكتبت له مائة حسنة " " ومحيت عنه مائة سيئة " والمعنى كتبت له في سجل حسناته مائة سمي حسنة، ومحيت من سجل سيئاته مائة سيئة " وكانت له حرزاً من الشيطان " أي حصناً حصيناً من أذى الشيطان " ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به " أي ولم يقل أحد شيئاً من الأذكار المأثورة أفضل مما قال.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل التهليل (١) وأثره في تكفير السيئات، واكتساب الحسنات، ورفع الدرجات، والحفظ من
стр. 1877
١٠٠٧ - " بَابُ فضلِ التَّسْبِيحِ "
١١٥٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ في يَوْم مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ".
ــ
الشيطان، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، لأنه يعدل عتق عشر رقاب، وقد قال ﷺ : " من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ منها عضواً منه من النار ". ثانياً: أن التهليل أفضل الأذكار لقوله ﷺ : " لم يأت أحد بأفضل مما جاء به " ولما فيه من كتابة مائة حسنة، ومحو مئة سيئة، وعتق عشر رقاب، وكونه حرزاً من الشيطان، وهذه المزايا كلها لا توجد في التسبيح وغيره. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة.
١٠٠٧ - " باب فضل التسبيح "
١١٥٦ - معنى الحديث: أن من سبح الله تعالى بهذه الصيغة المباركة " من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة " سواء كان ذلك ليلاً أو نهاراً، صباحاً أو مساءً " حطت عنه خطاياه " أي غفرت ذنوبه " وإن كانت مثل زبد البحر " وهي الرغوة التي تعلو وجه ماء البحر، وما أكثرها في بحور الدنيا، أي ولو كانت ذنوبه في كثرتها مثل زبد البحر الموجود في بحار الدنيا كلها. والباء في قوله: " سبحانه وبحمده " للمقارنة أي أنزه الله تعالى عن كل ما لا يليق به تنزيهاً مقترناً بالثناء عليه ووصفه بكل صفات الكمال والجمال والجلال التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيّه ﷺ (١).
стр. 1878
١٠٠٨ - "بَاب فضلِ ذِكْرِ اللهِ تعَالَى "
١١٥٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسول اللهِ ﷺ : "إنَّ للهِ مَلائِكَةً يَطوفونَ في الطُّرقِ، يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكرونَ الله تَنَادَوْا هَلمُّوا إلى حَاجَتِكمْ، قَالَ: فَيَحفُّونهُمْ بِأجْنِحَتِهِمْ إلى السَّمَاءِ الدُّنيا، قَالَ: فَيَسْألهُمْ رَبُّهُمْ ، وَهُوَ أعْلَمُ بِهِمْ: ما يَقُولُ عِبَاديِ؟ قَالَ: تَقُول: يُسَبَّحُونَكَ وَيكَبِّرونَكَ وَيحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ فَيَقُولُ: هَلْ
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل التسبيح عامة، وفضل هذا التسبيح خاصة، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: أن هذا التسبيح يمحو الذنوب مهما كثر عددها لقوله ﷺ : ولو كانت مثل زبد البحر. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن التسبيح يكفّر الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر.
١٠٠٨ - " باب فضل ذكر الله تعالى "
١١٥٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن لله ملائكة يطوفون في الطرق " بضمتين " يلتمسون أهل الذكر " أي أن الله كلف طائفة مخصوصة من الملائكة غير الحفظة للسياحة في الأرض، يدورون في طرق المسلمين ومساجدهم، ودورهم، يطلبون مجالس الذكر، يزورونها ويشهدونها ويستمعون إلى أهلها. قال الحافظ: والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح ونحوها " فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله " وفي رواية مسلم " فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر تنادوا " أي نادى بعضهم بعضاً " أن هلموا إلى حاجتكم " وفي رواية إلى بغيتكم، أي تعالوا إلى ما تبحثون عنه من مجالس
стр. 1879
رَأوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُون: لا وَاللهِ مَا رَأوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: فكَيْفَ لَوْ رَأوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَو رَأوْكَ كانُوا أشَدَّ لَكَْ عِبَادَةً، وأشَدَّ لَكَ تَمجِيداً، وأكْثَرَ تَسْبِيحاً، قال: فَيقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْألُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقْولُ: وَهَلْ رَأوْهَا، قَالَ: يَقولُونَ: لا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأوْهَا، قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لو أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً، وأشَدَّ لَهَا طَلَباً، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَاللهِ يا رَبِّ مَا رَأوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يَقولُونَ: لَو رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ مِنْهَا فِراراً، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيقُولُ: فأُشْهِدُكُمْ أني قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ
ــ
الذكر، والوصول إلى أهلها، لتزوروهم، وتستمعوا إلى ذكرهم، " قال فيحفونهم " أي يحيطون بهم إحاطة السوار بالمعصم " فيحفونهم بأجنحتهم " أي يطوفون حولهم بأجنحتهم " إلى السماء " أي حتى يصلوا إلى السماء " قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم " أي وهو أكثر علماً بأحوالهم، تنويهاً بشأنهم في الملأ الأعلى، ليباهى بهم الملائكة " ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك " أي فتقول الملائكة: إن هؤلاء الذاكرين يقولون: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، فالتمجيد هو قول لا إله إلاّ الله، لما فيه من تعظيم الله تعالى، بتوحيد الألوهية " لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً " لأنّ الاجتهاد في العبادة على قدر المعرفة " قال: فما يسألونني؟ " أي فماذا يطلبون مني " قالوا: يسألونك الجنة " أي يذكرونك، ويعبدونك طمعاً في جنتك
стр. 1880
مِن المَلاِئكَة: فِيهِمْ فُلان لَيْسَ مِنْهُم، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جلِيسُهُمْ".
ــ
" لو رأوها كانوا أشد عليها حرصاً " أي لكانوا أكثر سعياً إليها، لأنه ليس الخير كالمعاينة. " قال: فمم يتعوذون " أي فأي شيء يخافون منه؟ ويسألون ربهم أن يجيرهم منه " قال: يقولون: من النار " أي يذكرون ويعبدون ربهم خوفاً ً من النار، ويسألونه أن يجيرهم منها. " لو رأوها كانوا أشد منها فراراً " أي لكانوا أكثر اجتهاداً في الأعمال الصالحة التي هي سبب في النجاة من النار " قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم " أي قد غفرت لهم ذنوبهم " قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة " أي إنه يوجد من بين هؤلاء الذاكرين " فلان " وهو ليس منهم، ولكنه جاء لحاجة يقضيها فجلس معهم، فهل يغفر له " قال: هم الجلساء لا يشقى جم جليسهم " قال الطيبي: أي هم جلساء لا يخيَّب جليسهم فيشقى.
فقه الحديث: قال الحافظ: في الحديث فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله به عليهم إكراماً لهم. وقال ابن القيم في " الوابل الصيب ": ومجالس الذكر مجالس الملائكة ورياض الجنة، وجميع الأعمال إنما شرعت لِإقامة ذكر الله، وأفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه لله ذكراً. اهـ. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ".
***
стр. 1881
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الرفاق "
١٠٠٩ - "بَابُ مَا جَاءَ الصِّحَّةِ والفَراغ وَلا عَيْشَ إلَّا عَيشُ الآخِرَةِ "
١١٥٨ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " نِعْمَتَانِ مَغْبُون فِيْهِمَا كَثِير مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، والفَراغُ ".
ــ
" كتاب الرقاق "
قال السيوطى: الرقاق هي الكلمات التي تَرِقُّ بها القلوب إذا سُمِعَتْ، وتَرْغب عن الدنيا بسببها وتزهد فيها.
١٠٠٩ - " باب ما جاء في الصحة والفراغ ولا عيش إلاّ عيش الآخرة "
١١٥٨ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " نعمتان " عظيمتان جليلتان " مغبون فيهما كثير من الناس " أي لا يعرف قدرهما ولا ينتفع بهما كثير من الناس في حياته الدنيوية والأخروية، وهما: " الصحة " أي صحة البدن والنفس وقوتهما " والفراغ " أي خلو الإنسان من مشاغل العيش وهموم الحياة وتوفر الأمن والاطمئنان النفسي، فهما نعمتان عظيمتان، لا يقدرهما كثير من الناس حق قدرهما، ولا ينتهزون فرصة وجودهما في الأعمال النافعة، بل يدعونها تمر دون فائدة، حتى إذا مرت وفاتت الفرصة، وتبدلت الصحة مرضاً، والقوة
стр. 1882
ضعفاً، والفراغ شغلاً، تنبهوا من غفلتهم، وشعروا بالندم، وأدركوا أنهم قد خسروا نعمة صحتهم وفراغهم، فغُبنوا، وحزنوا أشد الحزن على ما فرطوا فيه فكان مثلهم في ذلك كمثل التاجر الذي يبيع سلعته بخسارة، حتى إذا شعر بأنه قد نقص رأس ماله حزن وندم على ما وقع له بسبب غفلته. وتفريطه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في انتهاز الفرص المواتية من صحة وفراغ، ومال، ومركز، وجاه، والاستفادة منها فيما يرضي الله (١) تعالى لأن الفرصة قلما تعود إلى صاحبها مرة أخرى، فالعاقل من ينتهزها، ويغتنمها في طاعة الله، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " لم يتحسر أهل الجنة إلاّ على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها ". ثانياً: قال السيوطي: في (٢) معنى قوله ﷺ : " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس " معناه أن الإنسان لا يتفرغ للطاعة إلاّ إذا كان مكفياً صحيح البدن، فقد يكون مستغنياً، ولا يكون صحيحاً، وقد يكون صحيحاً ولا يكون مستغنياً، فلا يكون متفرغاً للعلم والعمل لشغله بالكسب، فمن حصل له الأمران: " الصحة والفراغ " وكسل عن الطاعات فهو المغبون الخاسر. في تجارته. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أهمية الصحة والفراغ وهو ما ترجم له البخاري.
...
стр. 1883
١٠١٠ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : كُنْ في الدُّنْيا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ "
١١٥٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
أخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنكِبِي فَقَالَ: " كُنْ في الدُّنيا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابرُ سَبِيل "، وَكَان ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.
ــ
١٠١٠ - " باب قول النبي ﷺ : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل "
١١٥٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " أخذ رسول الله بمنكبي " أي أمسك النبي ﷺ بمنكبي، وذلك لتنبيهه إلى التوجه إليه والاستماع إلى حديثه، والمنكب مجمع العضد والكتف " فقال: كن في الدنيا كأنك غريب " أي لا تركن إلى الدنيا، وكن فيها مثل الغريب الذي لا يعلق قلبه إلاّ بوطنه، واعلم أن وطنك الحقيقي هو الدار الآخرة. فلا تغتر بالدنيا، لأنها ليست دار خلود وبقاء، وإنما هي دار زوال وفناء. " أو عابر سبيل " وهو المسافر فما أنت في دنياك إلاّ مسافر إلى وطنك الحقيقي وهو الدار الآخرة، وما هذه الأيام والسنون والأعوام إلاّ مراحل العمر التي تنتهي بك إلى أجلك المحتوم الذي لا تدرى متى يأتي. " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح " أي لا تؤخر عملاً من الطاعات إلى الصباح، فلعلك تكون من أهل القبور " وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء " أي فلا تؤخر عمل الخير إلى المساء فقد تعاجلك المنون "وخذ
стр. 1884
من صحتك لمرضك" قال ابن رجب (١): معناه اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السقم " ومن حياتك لموتك " أي واغتنم في حياتك الدنيا ما ينفعك بعد موتك، كما قال تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة: ٤٨].
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه ينبغي للعاقل أن لا يغتر بالدنيا ويجعلها أكبر همه، بل يفكر في مصيره ورحيله عنها إلى دار القرار، فما هو إلاّ عابر سبيل، وقد قال الشاعر:
سَبيْلُكَ في الدُّنْيا سَبيلُ مسافِر ... وَلَا بُدَّ مِنْ زَادٍ لكلِّ مُسَافِرِ
وقال آخر (٢):
وَمَا هَذ الأيَّامُ إلَّا مراحِلٌ ... تَمُر وَتُطْوَى والمُسَافِرُ قَاعِدُ
وإنما أمرنا النبي ﷺ بالتفكير في الموت، والانتقال إلى عالم آخر، يجازى فيه ْالمرء على أعماله، خيراً أو ضراً، لأن مجرد التفكير في ذلك المصير المحتوم، وفي ْذلك الموقف العظيم، يؤدي بالعبد إلى الاستقامة وحسن السلوك، والمواظبة على صالح الأعمال، فإن الغرور بالدنيا، والاستغراق في حبّها، والتكالب عليها هو سبب كل الشرور التي تعانيها الإنسانية اليوم، من ظلم، واستبداد، وقلق، وعدوان، وهو مصداق الخبر: " حب الدنيا (٣) رأس كل خطيئة " (٤) أخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " بإسناده إلى الحسن البصري رفعه مرسلاً وقيل: هو من قول عيسى ﵇، قيل: من قول مالك بن دينار وقال شيخ الإسلام
стр. 1885
ابن تيمية: هو من قول جندب بن عبد الله البجلي. ثانياً: أنه ينبغي للعاقل مسابقة الزمن، والمبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل فوات الأوان كما قال ابن عمر ﵄: " إذا أصبحت فلا تنتظر المساء " فإنه يحذرنا ﵁ في وصيته من تأخير الأعمال الصالحة عن وقتها خشية أن تحول المنيّة بيننا وبينها. وقد كان محمد بن واسع إذا أراد النوم قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلي لا أقوم من نومتي هذه. قال ابن رجب: فالواجب على المؤمن المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل أن يحال بينها وبينه بمرض أو موت أو غيره، وهو مصداق قوله ﷺ : كما في حديث ابن عباس ﵄: " اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " أخرجه الحاكم في المستدرك، ولهذا قال سعيد بن جبير: كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة. وقال المزني (١): ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلّا ويقول: يا ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلاّ تنادي: ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي. وقال بعضهم:
لا تُرجِ فِعْلَ الخيْرِ يوماً إلى غدٍ ... لَعَلَّ غَداً يصيْرُ إلى زَوَالِ
ثالثاً: أن في هذا الحديث تحريض على الإكثار من ذكر هادم اللذات وقد قال بعض أهل العلم: من أكثر ذكر الموت (٢) أكرم بثلاثةٍ: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، والنشاط في العبادة. ومن نسيه عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة وعدم الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي وأحمد وابن ماجه. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.
...
стр. 1886
١٠١١ - " بَابُ مَنْ بَلَغ سِتِّينَ سَنَةً فَقَد أعْذَرَ اللهُ إليْهِ "
١١٦٠ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أعْذَرَ اللهُ تَعَالَى إلى امْرِىءٍ أخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً".
ــ
١٠١١ - " باب كل من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه "
١١٦٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " أعذر الله إلى امرىء " أي قطع عذره في ارتكاب المعاصي " أخَرَ أَجَله " أي إذا أطال عمره " حتى بلغه ستين سنة " وهو على قيد الحياة. والمعنى: أن من طال عمره حتى بلغ ستين عاماً لم يبق له عذر في اقتراف الخطايا، لأنه يجب عليه أن يستعد للقاء الله تعالى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الشيخوخة نذير الموت والرحيل عن الدنيا ولهذا ينبغي لمن بلغ الستين الاستعداد للقاء الله، فقد قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة: سن الطفولة، وسن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة، فإذا بلغ الستين وهو آخر الأسنان، فقد ظهر فيه ضعف القوة وتبين فيه النقص والانحطاط، وجاء نذير الموت، فهو وقت الإِنابة إلى الله. ثانياً: قال الحافظ: في الحديث إشارة إلى أن استكمال الستين مظنة انقضاء الأجل، وأصرح من ذلك ما أخرجه الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة رفعه " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك " قال القاري: وأكثر ما اطلعنا في هذه الأمة من المعمرين من الصحابة والأئمة سن أنس بن مالك، فإنه مات وله من العمر مائة وثلاث سنين. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
стр. 1887
١٠١٢ - " بَابُ مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ خيْرٌ لَهُ "
١١٦١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ : " أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أْحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا مِنَّا أحَدٌ إلَّا مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: " فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ ".
ــ
١٠١٢ - " باب ما قدم من ماله فهو خير له "
١١٦١ - معنى الحديث: يسأل النبي ﷺ أصحابه قائلاً " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله " يعني أي واحد منكم يحب مال وارثه الذي يتملكه من بعده أكثر مما يحب ماله الذي يملكه في حياته " قالوا: ما منا أحد إلاّ ماله أحب إليه " أي ليس هناك إنسان إلاّ ويجد نفسه يحب ماله الذي يملكه أكثر مما يحب مال غيره، لأن ما يملكه هو الوسيلة إلى تحقيق رغباته " قال: فإن ماله ما قدم " أي هو ذلك المال الذي يصرفه في حياته على نفسه، وصالح أعماله من حج، وزكاة، ووقف، وبناء مدرسة، وعمارة فسجد، ومستشفى، أو ينفقه على نفسه وعياله، لأنه هو الذي ينفعه في الدنيا والآخرة. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله: " فإن ماله ما قدم ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على الترغيب في إنفاق المال في طرقه المشروعة من النفس والأهل والولد، وبذله في المشاريع الخيرية، فإن مال الإِنسان ما ينفقه في حياته، لا ما يتركه بعد مماته، وفي الحديث: " يقول ابن آدم: مالي مالي، وليس لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ".
стр. 1888
١٠١٣ - " بَابُ "كيْفَ كَانَ عَيْشُ النبِيِّ ﷺ وأصْحَابِهِ وَتخلِّيهِمْ عَنِ الدُّنيَا "
١١٦٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" مَا شَبعَ آل مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامٍ بُرٍّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعاً حتَّى قبِضَ ".
ــ
١٠١٣ - " باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا "
١١٦٢ - معنى الحديث: أن السيدة عائشة ﵂ أرادت أن تصف لنا معيشة رسول الله ﷺ ، وتقدم لنا صورة واضحة عنها، فقالت: " ما شبع آل محمد ﷺ من طعام بر " أي من طعام قمح " ثلاث ليال تباعاً " أي ثلاث ليال متوالية متتابعة وإنما كان أغلب قوته وقوت أهل بيته الشعير أو التمر " حتى قبض " أي هكذا كانت معيشة سيد الأولين والآخرين، ومعيشة آل بيته الكرام، حتى توفاه الله إليه، كما جاء في رواية أخرى عن عائشة ﵂ قالت: " ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم إلاّ إحداهما تمر "، وفي الحديث الصحيح عن قتادة قال: " كنا نأتي أنس بن مالك وخَبَّازه قائم وقال: كلوا فما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطاً -أي مشوية- بعينه قط " يعني ما رأى شاة مشوية مدة حياته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: كيف كان يعيش النبي ﷺ وآل بيته حياة التقشف والزهد ايثاراً للحياة الباقية على الدار الفانية، كما قال ﷺ لعمر ﵁: " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة "
стр. 1889
١٠١٤ - " بَابُ حِفْظِ اللِّسَانَ "
١١٦٣ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: " إنَّ العَبْدَ ليتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لا يُلْقِي لهَا بالاً يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإنَّ الَعبدَ ليتكَلمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله لا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهنم ".
ــ
ثانياًً: فضيلة الزهد والاكتفاء بالقليل من العيش، وكونه من أخلاق النبيين، وسيرة سيد المرسلين ولا شك أنه ﷺ إنما زهد في الدنيا اختياراً فقد كان في إمكانه ﷺ أن ينعم بالدنيا وزهرتها، وأن تصير له الجبال ذهباً وهذا يدل على أن الزهد سلوك إسلامي فاضل مشروع، ولا سبيل لإنكاره، وقد أمر به ﷺ في قوله: " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " فدل ذلك على استحبابه، لأن أقل مقتضيات الأمر الاستحباب والندب. والمطابقة: في قولها: " ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بر " من حيث أن فيه بيان عيش آل النبي ﷺ على الوجه المذكور.
١٠١٤ - " باب حفظ اللسان "
١١٦٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله " أي من كلمات الخير التي ترضي الله من نصيحة أو تعليم، أو أمر بمعروف، أو إصلاح بين الناس، أو نهي عن منكر، أو دفع مظلمة " لا يلقي لها بالاً " أي لا يعيرها اهتماماً، ولا يقيم لها وزناً " يرفع الله بها درجات " أي يرفع الله بها ذلك المتكلم درجات عالية في الجنة " وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله " أي من الكلمات التي تسخط الله كالغيبة والنميمة والكذب مثلاً " لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم " أي يسقط بسببها
стр. 1890
١٠١٥ - " بَابُ ليَنْظُرْ إلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْهُ، ولا يَنْظُرْ إلى مَنْ فَوْقَهُ "
١١٦٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا نَظَرَ أحَدُكُمْ إلى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ والخَلْقِ فَلْيَنْظر إلى مَنْ فُي أسْفَلَ مِنْهُ ".
ــ
في جهنم يوم القيامة، وفي رواية: " يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير من عثرات اللسان ومخاطرها، لأن كلمة الشر كالقذيفة المدمرة التي تعود على صاحبها فتحرقه بنارها في جهنم، قيل لبكر بن عبد الله المزني: إنك تطيل الصمت فقال: إن لساني سبع إن تركته أكلني. وكان المأمون يقول: السخافة كثرة الكلام، وصحبة الأنذال. ثانياًً: الترغيب في الكلمة الطيبة، وكونها سبباً في رفعة الإِنسان في الدنيا والآخرة، فهي كنز من كنوز الخير، وقد قال ﷺ : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ مختلفة. والمطابقة: في كون الحديث يرغب في حفظ اللسان، وهو ما ترجم له البخاري.
١٠١٥ - " باب النظر إلى من هو أسفل منه ولا ينظر إلى من فوقه "
١١٦٤ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق " أي إذا امتدت عين المسلم عفواً وعن غير قصد إلى من يفوقه مالاً أو جسماً أو صورة، وتأثر بذلك نفسياً " فلينظر إلى من هو أسفل منه " يعني فليوجه بصره قصداً إلى من هو أقل منه مالاً، وأدنى جسماً
стр. 1891
١٠١٦ - " بَابُ مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ أوْ بِسَيِّئَةٍ "
١١٦٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيمَا يَرْوِي عَنْ ربِّهِ جَلَّ وَعَلا قَالَ: قَالَ "إِنَّ اللهَ ﵎ كَتَبَ الحَسَنَاتِ والسيئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا،
ــ
وصورة من فقراء الناس وضعفائهم، حتى يشعر بالنعمة التي هو فيها، ويشكر الله عليها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إرشاد المسلم إلى أفضل الوسائل التي تؤدي به إلى السعادة النفسية، وتشعره بالرضا بما قسم له، وهو أن ينظر في أمور الدنيا إلى من هو أقل منه مستوى، فإنه إذا فعل ذلك شعر بالارتياح النفسي حتماً، وفاض قلبه بالشكر والامتنان لله تعالى، فكان من الصابرين الشاكرين. ثانياًً: أن في العمل بهذا الحديث وقاية للإنسان من كثير من الأمراض النفسية كالحسد والحقد والشر، وغيرها. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
١٠١٦ - " باب من هم بحسنة أو بسيئة "
١١٦٥ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " فيما يروي عن ربه " أي في الحديث القدسي الذي يرويه عن الباري " إن الله ﵎ كتب الحسنات والسيئات " أي أمر الحفظة بكتابة الحسنات والسيئات للعبد ليجازيه بهما في الدار الآخرة " ثم بين ذلك " أي ثم بين الله للملكين كيف يكتبانها " فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة " أي فمن نوى حسنة وأراد أن يفعلها، ولكنه لم يفعلها لمانع، أو لغير مانع، كتبها الله عنده حسنة كاملة
стр. 1892
كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حسَنَاتٍ إلى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعَافٍ كَثِيرةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَم يَعْمَلْها كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً".
ــ
غير منقوصة، والعندية هنا لك شريف والتكريم. " فإذا هو هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة " فقد يضاعف ثوابها إلى سبعمائة وإلى أضعاف ذلك بحسب زيادة الإِخلاص. " ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة " أي لا ينقص من ثوابها شيء " فإن هم بها فعملها كتبها الله عليه سيئة واحدة " دون زيادة أو مضاعفة كما في الحسنات.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من همّ بالحسنة، ولم يفعلها لعذر أو لغير عذر تكتب له حسنة كاملة، والظاهر أنه لا يشترط أن يكون قد عزم عليها، بل يكفي مجرد الميل إليها، أو حديث النفس بها، لما جاء في رواية الأعرج: " إذا أراد "، وفي رواية أبي هريرة: " إذا تحدث " وهو محمول على حديث النفس. فإذا حدثته نفسه بالحسنة، أو مال إليها، أو أرادها ولم يفعلها كتبت له حسنة، ولا يشترط العزم، بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة، سواء كان الترك لمانع، أم لا. اهـ. كما أفاده الحافظ. ثانياًً: ظاهر الحديث أن من هم بالسيئة ولم يفعلها يثاب على تركها مطلقاً، واختلفوا في معنى ذلك، فذهب بعضهم إلى أن المراد به كلُّ هم ولو عزم على فعلها، ووطن نفسه عليها ولم يفعلها، فإنه يعفى عنه لما في حديث أبي هريرة " فأنا أغفرها له ما لم يعملها " أخرجه مسلم، ويثاب على تركها لقوله في حديث الباب: " ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة " وحكاه الماوردي عن كثير من الفقهاء والمحدثين ونُقِل ذلك عن الشافعي. وقال الباقلاني وغيره: من عزم على المعصية بقلبه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو على الخاطر، وحديث
стр. 1893
١٠١٧ - " بَابُ الرِّيَاءِ والسُمْعَةِ "
١١٦٦ - عن جُنْدُبَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ".
ــ
النفس، والميل إلى المعصية دون تصميم عليها، وذكر القاضي عياض أن عامة السلف على ما قاله الباقلاني لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، والظاهر أنه لا تكتب السيئة حسنة إلاّ إذا تركها خوفاً من الله (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: كما قال العيني في قوله: " فمن همّ بحسنة " وقوله ﷺ : " ومن هم بسيئة ".
١٠١٧ - " باب الرياء والسمعة "
١١٦٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من سمَّع سمَّع الله به "
أي من عمل عملاً من الأعمال الصالحة يَقْصِدُ به أن يسمع به الناس، فيشتهر عندهم بالدين والخير والصلاح، جازاه الله تعالى على عدم إخلاصه بالفضيحة بين الناس، وأظهر لهم منه ما كان يبطنه (٢) فأصبحوا ينظرون إليه باستهانة واحتقار، " ومن يرائي يرائي الله وبه " أي وكذلك من يحاول أن يطّلع الناس على أعماله الصالحة لكي ينال عندهم حظاً من المدح والثناء، أو منزلة وجاهاً، فإنَّ الله يُطْلِعُهُمْ على أنه لم يفعل ذلك لوجه الله.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على التحذير الشديد من الرياء والسمعة لأنّهما يعودان على صاحبهما بالفضيحة في الدنيا، وفساد العمل وبطلانه في
стр. 1894
١٠١٨ - " بَابُ قَوْل اللهِ تعَالَى (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) "
١١٦٧ - عَنْ أبي هُريْرةَ ﵁:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعاً، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ ".
ــ
الآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: تؤخذ من لفظ الحديث ومعناه.
١٠١٨ - " باب قول الله تعالى: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) "
١١٦٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " يعرق الناس يوم القيامة " أي يجمع الله الخلائق في ذلك المحشر العظيم فيشتد الكرب، وتدنو " الشمس من الرؤوس فتشتد الحرارة، وترشح الأجسام بالعرق الغزير، " حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى ييلغ آذانهم " أي يغمر العرق أجسامهم حتى يصل إلى آذانهم وهو كما قال العيني: مأخوذ من ألجمه الماء إذا بلغ فاه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: اشتداد الكرب على الناس في المحشر وتكاثر العرق، فيه بسبب حرارة الشمس، وشدة الزحام، وفي حديث مسلم، " تدنو الشمس يوم القيامة حتى تكون منهم كمقدار ميل " الخ ويبلغ الكرب بالناس مبلغاً عظيماً حتى يتمنّى أحدهم أن يذهبوا به ولو إلى النار، كما في الحديث " إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار " أخرجه الطبراني بسند جيد. ثانياً: أن الناس لا يتساوون في المحشر،
стр. 1895
١٠١٩ - "بَابُ صِفَةِ الجَنَّةِ والنَّارِ "
١١٦٨ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله ﵎ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيكَ رَبَّنا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى؟ وَقَدْ أعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أحَداً مِنْ خَلْقِكَ،
ــ
ولا يتساوون في العرق أيضاً، بل يعانون منه بحسب أعمالهم، كما روي عن ابن عمر، بسند لا بأس به، قال: " يشتد الكرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق " قيل له: فأين المؤمن قال: " على كرسي من ذهب يظلل عليه الغمام " وفي رواية: " فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً " وأشار رسول الله ﷺ إلى فيه " أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على شدة ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين. قال العيني: فإنه يتضمن بعض ما فيه (١)، والمناسبة بهذا القدر كافية.
١٠١٩ - " باب صفة الجنة والنار "
١١٦٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة " أي إن الله تعالى ينادي أهل الجنة بنسبتهم إليها تذكيراً لهم بهذه النعمة العظيمة التي أنعم بها عليهم " فيقولون: لبيك ربنا وسعديك " أي إجابة بعد إجابة، وإسعاداً بعد إسعاد " فيقول: هل رضيتم؟ " أي هل رضيتم بما أعطاكم ربكم من الجنة ونعميها؟ أو هل رضيتم