هذا الخبر فمعناه " أنه سيبقى من دولة الروم بقية، فإن زال سلطانها من الشرق بفتح القسطنطينية، فإنه ستبقى منها بقية في أوروبة، ولا زالت هذه البقية من الروم موجودة حتى الآن في إيطالية وليست " روما " عاصمة إيطالية اليوم سوى مدينة " رومية " المذكورة في حديث الباب: هي المعنية والمقصودة بقوله: ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وقد ذكر ياقوت هذه المدينة في معجم البلدان (١) باسمها القديم " رومية "، وأطال الحديث عنها، فراجعه إن شئت.
مطابقة الحديث للترجمة: في اشتماله على صفات من يوحى إليه من الأنبياء ودلالته على إثبات الوحي المحمدي، ورسالة النبي ﷺ ..
...
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال البخاري ﵀: " كتاب الإِيمان "
أقول وبالله التوفيق: لما فرغ البخاري من باب بدء الوحي. شرع في المقاصد الشرعية، وأهمها الإيمان، لأنه أساس الأعمال، والشرط الأول في صحتها، كما يدل عليه قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وغيره من الآيات القرآنية. أما معنى الإيمان:
فالإِيمان لغة: مشتق من الأمن بمعنى الاطمئنان إلى الشيء والوثوق به، ثم أطلق على التصديق، تقول العرب: آمَنَهُ إذا صدَّقَه، لأن مَنْ صدق شخصاً أمِنَه من الكذب والخيانة. أما الإيمان شرعاً: فهو عند أكثر أهل السنة مركب من ثلاثة أركان لا بد منها، فقد ذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق وسائر أهل الحديث إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، هذا هو الإيمان عند السلف، كما في " شرح الطحاوية " فهو يتكون من ثلاثة أركان أو ثلاثة عناصر أو أجزاء. الأول التصديق بالجنان: أي القلب، ومعناه: التصديق القلبي الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكذلك التصديق بكل ما أخبر عنه النبي ﷺ وبكل ما عُلِمَ من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام الخمسة مثلاً، وهذا التصديق لا بد منه في صحة الإيمان، ولا يتحقق الإيمان إلا بوجوده، كاملاً، فمن أنكر شيئاً من ذلك فهو غير مؤمن أصلاً، بل هو كافر مخلد في النار، لأنّ التصديق لا يقبل التجزئة أو التفرقة بين الأشياء التي يجب الإيمان بها فإذا صدق بالبعض، وكفر بالبعض كان كافراً ولو كان هذا البعض قضية واحدة
стр. 73
من قضايا الإِيمان، وأقر بلسانه وأتى بجميع شعائر الإسلام، ولم يصدقه بقلبه، لا ينفعه ذلك، لأن التصديق القلبي هو الركن الأول من أركان الإيمان، ولا يكفي في الإِيمان مجرد الإِقرار باللسان، لأن المنافقين على عهد النبي ﷺ كانوا يقرّون بألسنتهم، لكنهم لما لم يصدقوا بقلوبهم، نفى الله عنهم اسم الايمان في قوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ). الثاني الإقرار باللسان: أي النطق بالشهادتين مع الاعتراف بأن كل ما أخبر به نبينا ﷺ أو جاء به حق وصدق عن الله تعالى، فمن لم يقر بذلك ويعترف به بلسانه لغير عذر شرعي من خرس أو إكراه فهو جاحد كافر عند الله والناس ولو صدَّق بقلبه، فإن التصديق وحده دون إقرار ممن هو قادر عليه لا يكفي خلافاً لما زعمه الجهم بن صفوان، من أنّ من عرف الله بقلبه وجحد بلسانه ومات قبل أن يقر فهو مؤمن كامل الإِيمان كما أفاده الرازي، وهذا قولٌ باطلٌ، لأن فرعون كان مصدقاً بقلبه، فلم ينفعه ذلك حين أنكر التوحيد بلسانه، فسجَّل الله عليه وعلى قومه الكفر والجحود في محكم قرآنه، ووصفهم بقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ). الثالث العمل بالجوارح: وهو أن يؤدي المؤمن كل أركان الإسلام، ويلتزم بفعل الواجبات، وترك المحرمات، فالعمل جزء من الإيمان، وقد أنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكاراً شديداً، وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار (١)، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وقال الأوزاعي: كان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان، والدليل من القرآن على أن العمل جزء من الإِيمان قوله تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ
стр. 74
هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) فجعل الأعمال المذكورة التي هي الهجرة والجهاد والنصرة جزءاً من الإيمان الحق، الذي يستحق صاحبه النجاة من النار، والفوز بالجنة ابتداء مع الَأولين الأبرار، أما الدليل من السنة على أن العمل جزءٌ من الإِيمان فهو قوله ﷺ لوفد عبد القيس: " هل تدرون ما الإِيمان بالله؟ شهادةَ أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا الخمس من المغنم " فإن النبي ﷺ عرّف الإِيمان بالشهادة والصلاة والزكاة والصوم، فجعل هذه الأعمال المذكورة جزءاً من الإيمان، قال ابن القيم: فيه أن الإِيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول والعمل كما علم ذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل (١) من الكتاب والسنة اهـ. وهو مذهب السلف الصالح، قال ابن تيمية: " ومن أصول أهل السنة أن الدين والإِيمان قول وعمل (٢)، قول القلب (٣) واللسان (٤) وعمل القلب (٥) واللسان والجوارح (٦). اهـ. فالعمل جزء من الإِيمان ولكن لا ينتفي الإيمان بانتفائه ولا يبطل باقتراف كبيرة، أو ارتكاب معصية، فأهل السنة لا ينفون عن العاصي الإيمان بالكلية، ولا يخرجونه من الدين، ولا يحكمون عليه بالكفر والخلود في النار، وهم كما قال ابن تيمية: " لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج بل الأخوة الإِيمانية ثابتة مع المعاصي، وقال أيضاً: " ولا يسلبون الفاسق الإِيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة " فالعاصي، ومرتكب الكبيرة لا يسلب من الإِيمان
стр. 75
بالكلية، ولا يدخل في الإِيمان المطلق الكامل الذي يستحق به الجنة ابتداء، وإنما هو مؤمن فاسق. قال ابن تيميّة " هو مؤمن ناقص الإيمان أو هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الإِيمان " (١) ومعنى ذلك أننا لا ننفي عن العاصي اسم الإِيمان، ونقول إنه كافر خارج عن الملة، ولا نطلق عليه الإيمان دون أن نقيده بالفسق. والدليل على أن العاصي لا ينتفى عنه الإِيمان أَن الله أثبت للقاتل والباغي إخوة الإِيمان، فقال في القاتل: (فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) وقال في البغاة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) والدليل على أن العاصى لا يدخل في الإِيمان المطلق الكامل قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" لأن الله نفى عن هؤلاء العصاة الإِيمان المطلق الكامل الذي يستحقون به النجاة من النار، والفوز بالجنة، ابتداء مع الأوَّلين الأبرار خلافاً للمرجئة والجهمية فإنهم قالوا، لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة وقالوا: إيمان أفسق الناس كإيمان أبي بكر وعمر (٢).
فالخوارج والمعتزلة غلوا والمرجئة جفوا، أولئك تعلّقوا بأحاديث الوعيد وهؤلاء تعلّقوا بأحاديث الوعد فقط، وهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط الذي تدل عليه أدلة الكتاب والسنة فقالوا: إن الفاسق لا يخرج من الإيمان بمجرد فسقه، ولا يخلد في النار في الآخرة، بل هو تحت مشيئة الله إن عفا عنه دخل الجنة من أول وهلة، وإن لم يعف عنه عذب بقدر ذنوبه، ثم دخل الجنة، فلا بد له من دخول الجنة، فالعاصي معرّض لعقوبة الله وعذابه، وقابل لعفو الله وغفرانه، حيث قال : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فهذه الآية صريحة في أن من مات غير
стр. 76
مشرك فهو تحت مشيئة الله، وفيها الرد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وعلى المرجئة القائلين بأن الذنوب لا تضر، وأن الناس في الإِيمان سواء لا تفاضل بينهم. والحاصل أن المرجئة قالوا: العمل ليس من الإِيمان، أما أهل السنة فإنهم قالوا: الأعمال داخلة في الإِيمان، وكذلك قال المعتزلة والخوارج: العمل جزء من الإِيمان، ولكن الفرق بين أهل السنة من جهة وبين المعتزلة والخوارج من جهة أخرى -كما في " شرح العقيدة الواسطية " (١) أن أهل السنة يقولون: إن الأصل في الإِيمان التصديق، والعمل ليس جزءاً أصلياً في الإِيمان وأما الخوارج فإنهم جعلوا العمل جزءاً أصلياً في الإِيمان، مساوياً للتصديق، فإذا انتفى انتفى الإِيمان فيكون كافراً ويخلد في النار. ومن أوضح الأدلة وأصرحها على بطلان قولهم هذا، ما جاء منصوصاً عليه في السنة الصريحة أنّ من أصول الإيمان .. " أن لا يكفر أحدٌ بذنب " ففى الحديث " عن أنس ﵁: " " ثلاث من أصل الإِيمان: الكف عَمَّن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإِسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتى الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإِيمان بالأقدار " أخرجه أبو داود، فهل بقي بعد كلام النبي ﷺ كلام لمتكلم وهل بعد قوله هذا قول لقائل)) ومن الأدلة الصريحة على أن مرتكب الكبيرة لا يخلَّد في النار.
حديث أبي ذر قال: قال النبي ﷺ "قال لي جبريل: من مات من أمتك
لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، أو قال: لم يدخل النّار، قال: وإن زنى، وإن سرق؛ قال: وإن " أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. قال الخطابي: والمعنى أن من مات على التوحيد فإن مصيره إلى الجنة، وإن ناله قبل ذلك من العقوبة ما ناله، وأما قوله " لم يدخل النار " فمعناه لم يدخل دخول تخليد، ويجب التأويل بمثله جمعاً بين الآيات والأحاديث والله أعلم. أمّا الإِسلام فإنّه
стр. 77
لغة الانقياد بالقلب أو باللسان والجوارح، وشرعاً النطق بالشهادتين. مع الإقرار لله بالوحدانية، ولمحمد ﷺ بالرسالة، والالتزام بأحكام الشريعة، وَأداء أركانها، فمن فعل ذلك حكمنا بإسلامه، وعاملناه معاملة المسلمين في جميع الأحوال، الشخصية من ميراث ونكاح وطلاق، والصلاة عليه بعد موته، ودفنه في مقابر المسلمين، وعصمة نفسه وماله، في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلاّ بحق الإِسلام، وحسابهم على الله " أخرجه الشيخان ومعنى قوله: " وحسابهم على الله " كما قال القاري: " أننا نحكم عليهم بظاهر حالهم، فنرفع عنهم ما على الكفار ونؤاخذهم بحقوق الإِسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، والله يتولى حسابهم -يعني على ما في قلوبهم- فيثيب المخلص، ويعاقب المنافق " اهـ. وإنما يختلف معنى الإِسلام عن معنى الإِيمان إذا اجتمعا في نص واحد، أما إذا افترقا فإن معناهما يكون واحداً ولهذا قال أهل العلم: إذا اجتمعا افترقا، كما في حديث جبريل، حيث دل الإِسلام على الانقياد للأعمال الظاهرة، ودل الإِيمان على الأعمال الباطنة، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا انفرد الإِسلام وحده تضمن معنى الإِيمان. كما في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) وإذا انفرد الإِيمان تضمن معنى الإِسلام، كما في قوله ﷺ " الإِيمان بضعٌ وسبعون شعبة ".
***
стр. 78
٢ - " بَابُ الإيمَانِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خمْس "
٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بُنِي الإسْلَامُ عَلَى خَمس، شَهَادَةِ أنْ لَا
ــ
٢ - باب الإِيمان، وقول النبي ﷺ " بني الِاسلام على خمس "
٧ - الحديث: أخرجه الشيخان.
ترجمة راوي الحديث: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، أسلم قديماً قبل البلوغ، وهاجر مع النبي ﷺ وعرض عليه ببدر وأحد فاستصغره، ولم يأذن له، وأجازه في الخندق، وهو أحد الستة المكثرين في الحديث، روى عن النبي ﷺ ألفاً وستمائة وثلاثين حديثاً، اتفقا على سبعين ومائة، وانفرد البخاري بواحد وثمانين حديثاً، وكان كثير الاتباع لآثار النبي ﷺ شديد الاحتياط والتوقي لدينه، توفى ﵁ سنة ٧٣ هـ، وهو آخر صحابي توفي بمكة.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " بني الإِسلام على خمس " أي أن الإِسلام لا يقوم ولا يتحقق كاملاً إلاّ بهذه الأعمال الخمسة، كما لا يقوم البيت من الشعر إلاّ على خمس دعائم، الدَّعامة الوسطى، وبقية الدعائم الأربعة في أطرافه " شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله " روي بالجر والرفع، ومعناه أن أحدها شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، أي أن العمل الأول من أعمال الإِسلام الشهادتان، وهما العنصر الأساسي الذي لا يتحقق إسلام العبد إلاّ بوجوده، فمن لم يأت بالشهادتين لا يكون مسلماً أصلاً، فكما يَسْقُطُ البيت إذا سقطت دعامته الوسطى، كذلك يبطل إسلام المرء إذا لم يأت بالشهادتين. أما إذا أَتى بهما، وقصَّرَ في بقية الأعمال الأربعة، فإنه لا يبطل إيمانه، ولا يكفر وإنما يكون مؤمناً فاسقاً. ومعنى
стр. 79
إِلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الَزّكَاةِ، والْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".
ــ
الشهادتين: أن ينطق العبد بشهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، معترفاً بوحدانية الله، ورسالة محمد بن عبد الله، مصدقاً بقلبه بهما، معتقداً لمعناهما، عاملاً بمقتضاهما، هذه هي الشهادة التي تنفع صاحبها في الدار الآخرة، فيفوز بالجنة، وينجو من النار. أما مجرد النطق بالشهادتين، والانقياد لشرائع الإِسلام ظاهراً مع عدم اعتقادها باطناً، فإن ذلك لا ينفع صاحبه في الدار الآخرة، ولا ينجيه من النار (١). لأنَّ الشهادة التي نطق بها لسانه دون موافقة القلب عليها لا ينطبق عليها معنى الشهادة الذي هو الإِخبار عن أمر متيقن قطعاً، ولا تتوفر فيها شروط الشهادة التي هي العلم واليقين والاعتقاد والصدق والإخلاص، فلا بد في الشهادة من اعتقاد القلب بها، وإيمانه بمعناها، ويؤكد ذلك ما جاء في رواية أخرى للبخاري " بني الإِسلام على خمس، إيمان بالله ورسوله " وفي رواية مسلم " على أن يعبد الله ويكفر بما دونه ".
" وإقام الصلاة " أي والثاني من أركان الإِسلام " إقام الصلاة " يعني المحافظة على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها بشروطها وأركانها الخ، " وإيتاء الزكاة " أي وثالث أركانه إيتاء الزكاة أي إخراج الزكاة المفروضة، وصرفها لمستحقيها، " والحج " أي ورابع أركان الإِسلام الحج إلى بيت الله الحرام مرة واحدة في العمر على من استطاع إليه سبيلاً " وخامسها " وهو آخر الأركان " صوم رمضان " وسيأتي مفصلاً شرح هذه الأركان.
стр. 80
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: أن أركان الإِسلام تنقسم إلى أربعة أقسام " منها " ما هو عمل لساني قلبي، وهو الشهادتان، إذ لا بد فيهما من نطق اللسان وتصديق الجنان. " ومنها " ما هو عمل بدني، وهو الصلاة والصوم " ومنها " ما هو مالي محض، وهو الزكاة. " ومنها " ما هو عمل بدني مالي، وهو الحج. ثانياً: قال العيني: يدل ظاهر الحديث على أن الشخص لا يكون مسلماً عند ترك شيء من هذه الأركان، لكن الإجماع منعقد على أن العبد لا يكفر بترك شيء غير الشهادتين اتفاقاً، وغير الصلاة عند أحمد، وبعض المالكية اللهم إلاّ إذا تركه جاحداً. والأدلة على كفر تارك الصلاة كثيرة، منها قوله ﷺ " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " أو قال، وهي عامة في كل من ترك الصلاة ولو كسلاً، ومما يؤكد ذلك قوله ﷺ : " رأس الأمر الإِسلام، وعموده الصلاة " فإنه يدل على عظم شأن الصلاة، وأن مكانها من الدين مكان العمود من الفسطاط - أي الخيمة - فكما أن عمود الفسطاط إذا سقط سقط الفسطاط، فكذلك إذا فقدت. الصلاة سقط دين تاركها (١)، فلم يبق له دين، لأن مجرد ترك الصلاة كفر، يخرج من الملة (٢). وهذا دليل على ما ذهب إليه الإِمام أحمد وغيره من أنه إذا تركها كسلاً فهو كافر، فإن قوله عمودها الصلاة يدل على أن المراد فعل الصلاة، وليس المراد الإِقرار بها، فإن المبتدأ والخبر معرفتان يقتضيان الحصر وأنها وحدها عمود الدين. وأما من جحد وجوبها فقد كفر إجماعاً وإن فعلها، أن جحد شيء مجمع عليه ومعلوم من الدين بالضرورة كفر عند أئمة الإِسلام. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
стр. 81
٣ - " بَابُ أمُورِ الإيمَانَ "
٨ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيَ ﷺ قال: " الإِيمَانُ بضع وَسِتُّوْنَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِن الإيمَانَ ".
ــ
٣ - باب أمُور الإِيمان
باب الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
ترجمة راوي الحديث: هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي ﷺ وأسلمت أمه ميمونة بدعاء النبي ﷺ نشأ أبو هريرة يتيماً، وهاجر مسكيناً، وعمل أجيراً ليسرة بنت غزوان، فزوجه الله إيّاها، وقد كان عريف أهل الصُفة. أما مكانته في رواية الحديث. فقد كان ﵁ أكثر الصحابة روايةً لحديث رسول الله ﷺ ، كما أجمع عليه كافة أهل العلم، وسائر المحدثين، وروى من الأحاديث ما لم يروه غيره من أصحاب النبي ﷺ ، فقد بلغ عدد أحاديثه خمسة آلاف وثلثمائة حديث، وأربعة وسبعين حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثلثمائة وخمسة وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين حديثاً ومسلم بمائة وتسعين حديثاً.
رُوي عنه أنه لمّا مرض مرض موته دخل عليه مروان فقال: شفاك الله، فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي، فما بلغ مروان وسط الدار حتى مات. وكان ذلك بالمدينة سنة تسع وخمسين من الهجرة ﵁ وأرضاه.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " الإِيمان بضع " بكسر الباء وفتحها وهو في الأصل القطعة من الشيء، ثم استعمل في العدد، وأطلق على ما بين الثلاثة إلى العشرة. وخصه الخليل بسبعة " أي أنه بمنزلة السبعة ومعناها،
стр. 82
فيعامل معاملتها في التذكير والتأنيث، فيذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر، فيقال: " بضعة رجال وبضع نسوة " أي سبعة رجال وسبع نسوة " بضع وستون شعبة " بضم الشين وسكون العين وهي في الأصل غصْن الشجرة، تقول: أمسكت بشُعْبةِ الشجرة، أي بغصنها، والمراد بها هنا الخصلة الواحدة من خصال (١) الخير. وقد اختلفت الأحاديث في عدد شعب الإيمان، ففي رواية البخاري " بضع وستون "، وفي رواية مسلم وأصحاب السنن ما عدا ابن ماجه " بضع وسبعون " وهو الراجح، كما قال القاضي عياض وغيره ولهذا قالوا ليس المقصود " تحديد العدد " وإنما المراد به التكثير. والمعنى: كما قال العيني: " إن الإِيمان ذو خصال متعددة، ويتكون من أعمال كثيرة، منها أعمال القلوب كالتوحيد، والتوكل، والرجاء، والخوف، ويدخل في ذلك عواطف الخير من رحمة ومحبة وغيرها " ومنها " أعمال اللسان من ذكر ودعاء، وتلاوة قرآن وغيرها " ومنها " أعمال الجوارح كالصلاة والصوم، وإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم ". ومعرفة هذه الشعب على وجه التفصيل ليس بواجب، وإنما الواجب الإِيمان بها إجمالاً لأنّ الشارع لم يوقفنا عليها حداً وعداً، كما رجحه الخطابي والقاضي عياض، ويمكننا التعرف عليها من الكتاب والسنة، كما أفاده في فيض الباري ثم قال ﷺ " والحياء شعبة من الإِيمان "، أي والحياء خصلة من خصال الإِيمان، وهو في الأصل انفعال نفسي يحدث للنفس عند نفورها من القبيح، وشعورها بقبحه، وإحساسها بالخجل منه، تظهر آثاره على الوجه حمرة أو صفرة، ولهذا عرفه بعضهم بأنه رقة تعتري وجه الإِنسان عند فعل القبيح، أو إرادة النفس له. والحياء نوعان: فطري وشرعي. والمراد في هذا الحديث " الحياء الشرعي " الذي هو في الحقيقة حياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك، وهو بهذا المعنى أقوى باعث
стр. 83
على الخير، ورادع عن الشر، ولذلك كان من الإِيمان، بل من كمال الإيمان.
قال العيني: " الحيي يخاف فضيحة الدنيا وفضيحة الآخرة. فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات، ولهذا أفرد النبي ﷺ الحياء بالذكر دون سائر الأخلاق الأخرى، فقال: " الحياء من الإيمان ".
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: أن الأعمال جزء من الإيمان كما يقول جمهور أهل السنة لقوله ﷺ : " الإيمان بضع وستون شعبة " ومن هذه الشعب أعمال اللسان والجوارح. ثانياً: أن الإِسلام دين أخلاقي، أهم عناصر الأخلاق فيه الحياء، ولهذا قال في فيض الباري (١): " وإنما نبه الرسول ﷺ على كون الحياء شعبة من الإيمان لكونه أمراً خلقياً يذهل الذهن عن كونه من الإِيمان، فدل على أن الأخلاق الحسنة منه. ثالثاً: أن الحياء من الله، كما قال الحليمي، هو طريق إلى فعل كل طاعة وترك كل معصية، فيفوز صاحبه بكمال الإِيمان في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة، كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الحياء من الإيمان، والإِيمان في الجنة -أي يوصل إليها- والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار " أخرجه الترمذي. رابعاً: أن الحياء كما أفاده الماوردي (٢) على ثلاثة أوجه، أحدها الحياء من الله تعالى، بامتثال أوامره، والكف عن زواجره - وهو إنما ينشأ عن قوة الدين وصحة اليقين. والثاني: الحياء من الناس، وترك المجاهرة بالقبيح، واجتناب كل ما يدعو إلى إساءة الظن بفاعله ولو كان بريئاً. فقد روي عن حذيفة أنه أتى الجمعة، فوجد الناس قد انصرفوا، فتنكب الطريق عن الناس، وقال: لا خير فيمن لا يستحي من الناس، وذلك لأن الناس لا يعلمون عذره أمّا ربه فإنه مطلع عليه. والثالث: حياء المرء من نفسه بالعفة والصيانة في الخلوة. وذلك ينشأ عن معرفة المرء قدر نفسه، أو تكريمه
стр. 84
٤ - " باب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ "
٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عمرو بْنِ الْعَاص ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،
ــ
لها، ولهذا قال بعضهم من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قَدْر. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله " الإِيمان بضع وستون شعبة " حيث دلَّ ذلك على أنّ الإيمان أمور كثيرة، ومنها أعمال الجوارح.
٤ - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
٩ - الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.
ترجمة الراوي: هو عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، الصحابي ابن الصحابي: العابد الزاهد، أسلم رضي الله. عنه قبل أبيه، وهو أصغر من أبيه باثني عشر عاماً فقط، أعطى العبادة كل وقته، وعكف أولاً على القرآن، فكان كلما نزلت آية حفظها وفهمها، ثم عكف على رواية السنة المطهرة، حتى أصبح أحد الستة المكثرين من رواية الحديث، وتوفي سنة خمس وستين من الهجرة ﵁ وأرضاه.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " أي أن المسلم الكامل (١) في إيمانه ودينه هو من حسنت معاملته للناس ابتغاء مرضاة اللهِ، فحافظ على حقوق خلقه، وكف أذاه وشره عن عباده، وآمن يقيناً أن الدين المعاملة، فعامل الناس بالحسنى، ولم يتعد على أحد منهم بلسانه أو يده، ولم يؤذ إنساناً بقوله أو فعله. والمراد من الحديث أن المسلم
стр. 85
والْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ".
ــ
الكامل هو من سلم المسلمون من إيذائه لهمٍ، وعدوانه عليهم بأي عضو من أعضائه، سواء كان لساناً أو يداً أو رجلا أو غيرهما، ونجوا من شروره.
وإنّما خُصَّ اللسان واليد لكثرة أخطائهما وأضرارهما، فإنّ معظم الشرور تصدر عنهما، فاللسان يكذب ويغتاب، ويسب ويشتم، ويأتي بالنميمة، وشهادة الزور، واليدُ تضرب وتقتل، وتسرق، إلى غير ذلك، قال القاري: (١) وقدم اللسان لأنّ الإِيذاء به أكثر وأسهل، وأشد نكاية، ويعم الأحياء والأموات جميعاً. وإنما اهتم الإِسلام بكفِّ الأذى عن الناس لتوثيق الروابط الاجتماعية بينهم، وصيانة المجتمع عن كل ما يؤدي إلى التفكك والتقاطع والتدابر. " والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه " أي أن المهاجر الكامل الصادق في هجرته هو من ترك كل ما نهي الله عنه من المعاصي، سواء كانت من الأقوال الكريهة، أو الأفعال الذميمة، لأن هذا هو الهدف الأسمى المقصود من الهجرة، ولهذا قال الحافظ (٢): كأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه.
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: اهتمام الإِسلام البالغ بكف الأذى عن الناس وحسن معاملتهم، حتى أنه حصر الإِسلام الكامل فيه، وحثّ المسلمين عليه، " لأن الدين المعاملة " فالمسلم لا يؤذي أحداً ولو كان كافراً، لقوله ﷺ في رواية النسائي وابن حبان " المسلم من سلم الناس من لسانه ويده " وقد أجمعت كل الأديان السماوية على حفظ حقوق الإِنسان وصيانتها، حتى قال ﷺ " من قتل ذميَّاً لم يرح رائحة الجنة " وإنّما خص اللسان بالذكر لما يصدر عنه من الأفعال التي قد يتساهل المرء بها مع شدة خطورتها، ومن
стр. 86
٥ - " بَاب أيُّ الإِسْلامِ أفضلُ "
١٠ - عَنْ أبي مُوسَى ﵁ قَالَ:
قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ! أيُّ الإِسْلَامِ أفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ
ــ
أشدها ضرراً الغيبة والنميمة، وقد قال المأمون النميمة لا تقرب مودة إلاّ أفسدتها ولا عداوة إلاّ جددتها، ولا جماعة إلا بددتها، وقال الشاعر:
مَن نَمَّ فِي النَّاسِ لَمْ تُؤمَن عَقَارِبُه ... عَلى الصَديقِ ولَمْ تُؤمَن أفاعِيْهِ
وقد ينطق الإنسان، بالكلمة يظنها يسيرة وهي كبيرة من الكبائر، فقد روى أن عائشة ﵂ قالت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا -تريد أنها قصيرة- فقال لها النبي ﷺ : " لقد قلتِ كلمةً لو مزجت بماء البحر لمزجته " أخرجه أبو داود. ثانياً: أن الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لأنّه لما كمل بحسن المعاملة، فإنه ينقص بسوء المعاملة حتماً. ثالثاً: أن الهجرة إنما تتحقق بترك المعاصي لا بمجرد الانتقال من بلد لآخر لقوله ﷺ " المهاجر من هجر ما نهي الله عنه ". رابعاً: أن ترك المحظورات مقدَّم على فعل المأمورات وأن الدين المعاملة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٥ - باب أي الإِسلام أفضل
١٠ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.
ترجمة راوى الحديث: هو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري اليمني الصحابي الجليل؛ هاجر إلى الحبشة، واستعمله رسول الله ﷺ على زبيد وعدن وساحل اليمن، وولاه عمر ﵁ الكوفة والبصرة، وكان من أهل الفتوى، قال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة: عمر وعلي وأبو موسى
стр. 87
المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ".
٦ - " بَابُ إطْعَامِ الطّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ "
١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرَو ﵄:
أنَّ رَجُلاً سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أيُّ الإِسْلامِ خَيرٌ؟ فَقَالَ: "تُطْعِمُ
ــ
وزيد بن ثابت ﵃. وكان جيد التلاوة، حسن الصوت بالقرآن، حتى قال له النبي ﷺ " لقد أُوتيت مزماراً من مزامير آل داود " روى (٣٦٠) حديثاً اتفقا منها على خمسين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر، توفي بالكوفة سنة خمس وأربعين عن ثلاث وستين سنة ﵁.
معنى الحديث: إن النبي ﷺ سئل " أي الإسِلام أفضل " يعني أي أصحاب الإِسلام أفضل من غيرهم، وأكثر ثواباً من سواهم. " قال: من سلم السلمون من لسانه ويده " وفيه مبتدأ محذوف للعلم به تقديره هو من سلم المسلمون، ومعناه خبر المسلمين - وأفضلهم إيماناً، وأكثرهم مثوبة وأجراً من سلم الناس من أذى يده ولسانه (١).
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: الترغيب في حسن المعاملة للناس، وأن الدين المعاملة. ثانياًً: بيان أفضل المسلمين، وأنه هو من حَسُنت معاملته، وطابت عشرته، وكف عن الناس شره، وهو ما ترجم له البخاري. المطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة.
٦ - باب إطعام الطعام من الإِسلام
١١ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وأبو داود، وابن ماجه.
معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن عمرو بن العاص في حديثه هذا "أن
стр. 88
الطَّعَامَ، وَتَقْرأ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
ــ
رجلاً سأل رسول الله ﷺ أي الإِسلام خير؟ " يعني أي أعمال الإِسلام خيرٌ من غيرها، وأفضل من سواها بعد الإِيمان وأداء الأركان " فقال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام " أي أفضل الأعمال بعد الإيمان وأداء الأركان أمران: الأول: الإكثار من إطعام الطعام للضيوف والفقراء ابتغاء وجه الله تعالى، فيدخل في ذلك الضيافة والوليمة والصدقة وغيرها. الثاني: إقراء السلام على كل من لقيْنا، سواء كان عن معرفة أو غير معرفة، قريباً أو بعيداً، وإشاعته على المسلمين جميعاً، لأن السلام لله فينبغي بذله وإفشاؤه لكل مسلم ابتغاء وجه الله دون تمييز بين شخص وآخر ولأنّه تحية الإِسلام لعموم المسلمين.
فينبغي أن لا تؤثر فيه العواطف والمجاملات.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل إطعام الطعام الإِسلام، وكونه من أفضل الأعمال شريطة أن يكون لوجه الله تعالى، لا رياءً وسمعة قال السنوسي (١): " أما ما كان لفائدة غير شرعية كالمباهاة والانتفاع والثناء ونحو ذلك، فليس بمقصود، بل ربما كان بعضه محرماً، كالاطعام لبعض اللئام من الظلمة والفساق يستعين بهم على فساده ". ثانياً: أن إفشاء السلام من سنّة خير الأنام، ومن أفضل شرائع الإسلام. لما فيه من التواضع للمسلمين، وخفض الجناح للمؤمنين، وتوثيق الروابط معهم، واكتساب محبتهم ومودتهم فقد قال ﷺ : " أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم ". ثالثاً: أن السلام لا يكون سنة وقربة إلى الله إلَّا إذا كان على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين، دون تخصيص بعضهم به. قال الحافظ (٢): "ولا يَخصُّ به أحداً تكبراً أو تصنعاً غير أنه لا يسلم على كافر
стр. 89
٧ - " بَابٌ مِنَ الإيمَانِ أنْ يُحبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ "
١٢ - عَنْ أنَسِ ﵁:
عَنَ النَبِيِّ ﷺ قَالَ: " لا يُؤْمِنُ أحَدُكْم حتَى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ".
ــ
ابتداءً لقوله ﷺ " لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام ". والمطابقة: في قوله " إن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أي الإِسلام خير قال تطعم الطعام ".
٧ - " باب من الإِيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه "
١٢ - الحديث: أخرجه الستة.
ترجمة راوي الحديث: هو أنس بن مالك بن النضر النجاري الأنصاري خادم رسول الله ﷺ ورضي عنه، قدم على النبي ﷺ وعمره عشر سنين وشهد بدراً، وجاءت والدته أم سُلَيْم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله خويدمك أنس، ادعُ الله له، فقال ﷺ " اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه " أخرجه الطبراني، وفي رواية " وأطل عمره " فكان ﵁ أكثر الصحابة ولداً، وله بستان يحمل في السنة مرتين، وطال عمره حتى قال: لقد بقيت حتى سئمت من الحياة، وأنا أرجو الرابعة وهي غفران ذنبه.
وكان ﵁ من المكثرين في الرواية روى (٢٢٨٦) حديثاً اتفقا على (١٦٨) حديثاً وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بواحد وتسعين. مات بالبصرة (٩٠) هـ، وهو آخر من مات بها من الصحابة.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " لا يؤمن أحدم " أي لا يتحقق الإيمان الكامل لأحد من المسلمين " حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " أي حتى يحب لأخيه الإنسان من الخير والمنفعة ما يحبه ويريده لنفسه، قال ابن الصلاح:
стр. 90
(أي حتى يحب لأخيه أن يساويه في الخير) ولا يصعب ذلك على القلب السليم. وقال ابن العماد: الأولى أن يحمل قوله " حتى يحب لأخيه " على عموم الأخوة، حتى يشمل الكافر والمسلم فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من الدخول في الإسلام، ولذلك ندب الدعاء له بالهداية (١) وقد كان النبي ﷺ يدعو لكفار قريش بالخير، ويحبه لهم، ويقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " ومما يؤكد أن المراد محبة الخير للناس جميعاً، لا فرق بين مسلم وكافر قوله ﷺ أفضل الإيمان أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك " أخرجه أحمد في " مسنده " ولكن هذا إذا لم يكن في الخير الذي يصيبهم مَضَرَّة للمسلمين وإلّا دخل ذلك في موالاة أعداء الله.
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: أن عاطفة المحبة للناس وحب الخير لهم جميعاً من كمال الإيمان، ولا يتحقق ذلك إلاّ إذا تجرد الإنسان من الأنانية والحقد (٢) والكراهية والحسد، وأحب لغيره من المباحات ما يحبه لنفسه من السلامة، والأمن، ورغد العيش والهداية والتوفيق. أما المعاصي فليس من الإِيمان أن يحبها لغيره، لأنها شرٌّ لا خير فيها، أما محبة المسلم لأخيه المسلم فإنها آكد وأقوى، ولا يكفى فيها مجرد العواطف النفسية، بل لا بد أن تظهر آثار هذه العواطف في معاملته. ثانياً: التحذير من الحقد والحسد وغير ذلك من المشاعر الكريهة التي تنافي المحبة. المطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
...
стр. 91
٨ - بَابُ حُبِّ الرَّسولِ ﷺ مِنَ الْإيمَانِ
١٣ - عَنْ أبى هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكم حَتَّى أكوُنَ أحَبَّ إليْهِ مِنَ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ ".
١٤ - وَعَنْ أنس ﵁ قَالَ:
ْقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إليْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَاس أجْمَعِين ".
ــ
باب حب الرسول ﷺ من الإيمان
١٣ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده " الواو: واو القسم، و " الذي " صفة لمحذوف تقديره والله الذي نفسي بيده -خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً " لا يؤمن أحدكم " أي لا يؤمن أحد من المسلمين الإِيمان الكامل " حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده " أي حتى يكون حبه لي أقوى من حبه لأعز الأشياء لديه فيحبني أكثر من والده الذي هو سبب وجوده وولده الذي هو امتداد لحياته من بعده. والمطابقة: في كونه ﷺ علق وجود الإيمان الكامل على محبته ﷺ .
١٤ - الحديث: أخرجه الشيخان.
معنى الحديث: هذا الحديث معناه كالحديث السابق لأنه مثله غير أنه زاد فيه قوله " والناس أجمعين " ليؤكد أن حب المؤمن لنبيه ﷺ لا يصل إليه أي إنسان في هذا الوجود مهما عزت مكانته عنده.
ويستفاد من الحديثين: أولاً: أن من كمال الإيمان أن يتغلب حب المسلم
стр. 92
٩ - " بَابُ حَلَاوَةِ الْإيمَانِ "
١٥ - عن أنس ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ،
ــ
لنبيه ﷺ على حبه لأي شيء في هذا الوجود، مهما يكن عزيزاً لديه، ولا غرابة لأن العاطفة الدينية إذا قويت تغلبت على الغريزة النفسية، وسادت عليها، فيحب المؤمن نبيه الذي هو سبب هدايته أقوى مما يحب والده وولده، بل أقوى مما يحب نفسه، وهُوَ ما يعرف عند علماء النفس بالعاطفة السائدة، وإذا كان هذا الحب صادقاًْ فإنّه لا بد أن يحمل صاحبه على متابعة النبي ﷺ ، والعمل بسنته، لأنّ من البدهيات المعروفة نفسياً، أن كل إنسان يتبع من يحبه، ويطيعه في كل شيء. فالحب الصادق. لا بد أن يؤدى بصاحبه إلى المتابعة كما قال الشاعر:
تَعْصِي الإِلهَ وَأنتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هذا لَعَمْرِي في القِيَاسِ بَدِيْعُ
لَوْ كان حُبُّكَ صَادِقاً لأطَعْته ... إنّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ
ولهذا كان أصحاب رسول الله ﷺ يجمعون بين الحب والعمل معاً.
ثانياً: أن من علامات الحب الصادق للنبي ﷺ التمسك بسنته، وكمال متابعته، لأنه لن يكون النبي ﷺ أحب إليه من كل شيء إلاّ إذا قدم أمره ونهيه على كل شيء ولهذا قال ﷺ في حديث آخر " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به ". مطابقة الحديثين للترجمة: في كونه علق الإيمان الكامل على محبته ﷺ .
٩ - باب حلاوة الإِيمان
١٥ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي أيضاً.
الراوي: هو أنس بن مالك تقدمت ترجمته.
стр. 93
أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُحبَّ الْمَرءَ لا يُحِبُّهُ
ــ
معنى الحديث: أن للإِيمان حلاوة روحية، ولذة قلبية، لا تعدلها لذة أخرى في هذا الوجود، ولكن لا يتذوق هذه الحلاوة إلاّ من وجدت فيه ثلاث صفات كما قال ﷺ " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ". الصفة الأولى: " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " أي أن يتغلب الحب الإِلهي على نفسه، ويسيطر على كل عواطفه ومشاعره، فيكون حبه لله ورسوله أقوى من حبه لوالده وولده وماله وجاهه، بل أقوى من حبه لنفسه ومن كل شهواته النفسية، وهذه هي حقيقة الإِيمان التي إذا بلغها العبد كان هواه تبعاً لما جاء به ﷺ كما جاء في الحديث، ومن علامات ذلك كمال الطاعة، وتمام المتابعة، ولهذا قال ابن قدامة (١) رحمه الله تعالى: " من أحب الله لا يعصيه " ومراده أن الحب الإلهي الكامل يحول دون المعصية، لأن حلاوة الإِيمان وحب الله تمنع عن كل ما يغضب الله. والصفة الثانية " وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله " أي أن يحب أخاه المسلم محبة خالصة ابتغاء مرضاة الله لمزية دينية موجودة فيه، أو فائدة شرعية يستفيدها منه، من علم نافع أو سلوك حسن، أو صلاح أو عبادة. والصفة الثالثة " أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار " أي أن تخالط قلبه بشاشة الإِيمان، فيكره الرجوع إلى الكفر - بعد أن هداه الله إلى الإِسلام، كما يكره أن يلقى في النار لعلمه يقيناً أن الكفر سبب للخلود فيها. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الإِيمان الكامل يربي في النفس أسمى العواطف الدينية، وهي ثلاث عواطف. عاطفة الحب الإِلهي: وقد أشار إليها
стр. 94
إلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ إِلَى الْكفْرِ كمَا يَكْرَة أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ".
١٠ - " بَابٌ عَلَامَةُ الإيمَانِ حُبُّ الْأنصَارِ "
١٦ - عن أنس ﵁:
عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأنصَارِ، وآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ
ــ
النبي ﷺ بقوله: " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ". وعاطفة الحب في الله والبغض في الله، وقد أشار إليهما ﷺ بقوله: " وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله ". وعاطفة البغض لكل ما حرّم الله، وقد أشار إليها ﷺ بقوله: " وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار ". وكذلك يبغض سائر المعاصي، لأنها تؤدي إليها، فإذا خطرت بباله تصور النار وهي تحرق جسمه، فتنفر نفسه منها حرصاً على سلامته. ثانياًً: قال ابن أبي جمرة: " ظاهر الحديث يدل على أنّ الإِيمان على قسمين: بحلاوة، وبغير حلاوة، ومنه قوله ﷺ " الإِيمان إيمانان، إيمان لا يدخل صاحبه في النار، وإيمان لا يخلد صاحبه في النار "، فالأول ما كان بالحلاوة، والثاني ما كان بغير حلاوة ". وهذا يؤكد أنَّ الإِيمان الكامل له حلاوة روحيّة تفوق كل حلاوة في هذا الوجود، ولهذا قال بعضهم: " إن القلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يجد في طعم الإيمان حلاوة العسل. ثالثاً: أن اختيار الأصدقاء هو من كمال الإِيمان، لقوله ﷺ " وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله " وقد قال عمر ﵁ " لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره " واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى.
١٠ - باب علامة الإِيمان حب الأنصار
١٦ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
стр. 95
الأنْصَارِ".
١١ - " بَابٌ "
١٧ - عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁:
ــ
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " آية الِايمان حب الأنصار " أي علامته الظاهرة الواضحة محبة الأنصار من أجل محبتهم للرسول ﷺ ومناصرتهم وتأييدهم له ﷺ ، فمن أحبهم لهذا الغرض كان ذلك علامة واضحة، ودليلاً قاطعاً على كمال إيمانه، لأنه قد أحبهم في الله، ومن أحب في الله وأبغض في الله فقد استكمل الإيمان. " وآية النفاق بغض الأنصار " أي وعلامة النفاق بغض الأنصار من أجَل مناصرتهم للنبي ﷺ ، فمن أبغضهم لهذا السبب فهو منافق ولا شك، قال الأبي: فمن أبغضهم من هذه الحيثية فهو منافق، فلا يتناول الحديث من أبغضهم لذواتهم، أو لأسباب أخرى (فإنه لا يكون منافقاً) نعم هو في بغضهم عاصٍ فليجتهد في رد ذلك.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: الترغيب في حب أولياء الرحمن، والاعتراف بفضلهم، والتحذير من بغضهم ومعاداتهم، وقد جاء ما يؤكد ذلك في الأحاديث الصحيحة، حيث قال ﷺ : " من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب ". ثانياً: أن عواطف الحب والبغض لها أهميتها في نظر الإِسلام، وأنه يحاسب على البغض كما يثاب على الحب، لكنه لا يحاسب على البغض أو يكون مسيئاً إلاّ إذا استجاب لتلك العاطفة أما إذا قاومها واستعاذ بالله منها، وقصد بمقاومتها وجه الله، فإنه يكون محسناً ويثاب على ذلك.
والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
١١ - " باب "
١٧ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
стр. 96
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَة مِنْ أصْحَابِهِ: " بَايِعُوني على أنْ لَا تُشْرِكُوا باللهِ شَيْئاً ولَا تَسرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، ولَا تَقْتُلُوا أوْلَادَكُمْ وَلا تَأتُوا بِبُهْتَان تَفْتَرُونَهُ بين أيدِيكُمْ وأرْجُلِكُمْ، ولا تَعْصَوا في مَعْرُوفٍ،
ــ
ترجمة الراوي: هو عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري، شهد العقبتين كما شهد بدراً والمشاهد كلها، وكان طويلاً جسيماً جميلاً، وجهه عمر ﵁ إلى الشام قاضياً ومعلماً، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها سنة (٣٤) هـ روى (١٨١) حديثاً، اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين، ﵁ وأرضاه.
معنى الحديث: يحدثنا عبادة ﵁ " أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه " أي أن النبي ﷺ قال في بيعة العقبة الأولى التي تمت بينه وبين نقباء الأنصار وفي السنة الثانية عشرة من البعثة وحوله " عصابة من أصحابه " أي جماعة من الأنصار (١)، وكانوا اثني عشر رجلاً "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً" أي عاهدوني على التوحيد والخلوص من الشرك، وإفراد الله بالعبادة، مقابل أن تكون لكم الجنة. وأصل المبايعة: المعاهدة بين طرفين على الالتزام بشروط معينة. أما المبايعة على الإِسلام فهي عقد إلهي له طرفان وسلعة وثمن، فالطرفان هما: الله تعالى من جهة، والمؤمنون من جهة أخرى، والثمن هو الأعمال الشرعية المطلوبة، والسلعة هي الجنة.
" ولا تسرقوا " أي ولا ترتكبوا جريمة السرقة، لأن الإِسلام جاء لحماية الأموال " ولا تزنوا " لأن الإِسلام يحمي أعراض الناس وأنسابهم. " ولا تقتلوا أولادكم " وإنما خص الأولاد لأنهم كانوا في الغالب يقتلون أولادهم خشية الإملاق. " ولا تأتوا يهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم " أي ولا
стр. 97
فمنْ وفَّى مِنْكُمْ فأجْرُهُ على اللهِ، ومَنْ أصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ بِهِ في الدُّنيا فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ، ومَنْ أصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إلَى اللهِ، إن شَاءَ عَفَا عَنْهُ وإن شَاءَ عَاقَبَهُ"، فَبَايَعْنَاهُ علَى ذَلِكَ.
ــ
تختلقوا الإشاعات الكاذبة، والتهم الباطلة، التي لا أساس لها من الصحة، مثل القذف بالزنا كذباً وزوراً، أو ترويج بعض الإشاعات التي تمس الناس في أعراضهم، من الخيانة، والرشوة، والظلم، فإنّ الأولى أن يحمل هذا النهي على عموم الكذب على الناس، وعلى كل تهمة تنقص من قدرهم، وتخدش من كرامتهم. " ولا تعصوا في معروف " أي ولا تخالفوا رسول الله ﷺ في أي عمل يأمركم به أو ينهاكم عنه. أو لا تعصوا ولاة الأمور في أوامرهم ونواهيهم، ما دامت لا تتعارض مع الشريعة الغراء، فإنْ أمروا بمنكر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. " فمن وفّى منكم فأجره على الله " أي فمن وفّى منكم بهذه المعاهدة، وحافظ عليها، ولم يرتكب معصية، من هذه المعاصي التي نهيتكم عنها، فثوابه محقق وسيجده يوم القيامة عند ربه لا محالة، لأنه لا يخلف الميعاد. " ومن أصاب من ذلك شيئاً " أي ومن ارتكب معصية من المعاصي التي تستوجب الحد الشرعي كالزنا والسرقة " فعوقب وبه في الدنيا " أي فنال جزاءه في هذه الحياة، وأقيم عليه الحد في الدنيا " فهو كفارة له " أي فإنّ ذلك الحد يمحو عنه " تلك المعصية " ويسقط عنه عقوبتها في الآخرة، لأن الله أكرم وأرحم من أن يجمع على عبده عقوبتين. " وَمَنْ أصَابَ مِنْ ذلِك شيئاً، ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه " أي من ستره الله في الدنيا، ولم يعاقَبْ على تلك الجريمة، فهو تحت مشيئة الله، وأمره مفوّض إليه، إن شاء غفر له، فأدخله الجنة مع الأولين، وإن شاء عاقبه بالنار على قدر جنايته ثم أدخله الجنة.
стр. 98
١٢ - " بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ "
١٨ - عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
ــ
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنَّ التوحيد أساس الإِيمان وشرط لقبول جميع الأعمال، وهو كذلك في سائر الأديان السماويّة، ولذلك بدأ به في المبايعة فقال: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ". ثانياً: أن هذه البيعة كانت أول ميثاق إسلامي، بل أول ميثاق عالمي لحماية حقوق الإِنسان في دينه وماله ونفسه وعرضه، فهي ميثاق عظيم لحماية جميع الحقوق الإِنسانية.
ثالثاً: أن دين الإِسلام ليس دين عبادة فقط، وإنما هو دين عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وغير ذلك من المبادىء والقيم، وهذه المبايعة الإسلامية الخالدة ضَمَّتْ كل هذا. رابعاً: مدى قبح الكذب وخطورته على المجتمع، ولذلك خصه بالذكر دون سائر الأخلاق الذميمة، لأنه يفسد أكثر المعاملات، ولأنه أساس كل رذيلة وخطيئة، وأم الخبائث الأخلاقية: من خيانة وغدر ونفاق، وتدليس وشهادة زور وقذف ونحوها. خامساً: أن الحد الشرعي كفارة للمحدود لقوله ﷺ : " ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له " وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة حيثُ يرى أنه لا يسقط عنه عقوبة الآخرة. سادساً: أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار لقوله ﷺ : " ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه " أي عاقبه ثم أدخله الجنة. سابعاً: مشروعية المبايعة لولي الأمر إذا توفرت فيه شروط الإمامة، وهي الإِسلام والذكورة والبلوغ والعقل والأهلية للقيام بمصالح المسلمين.
١٢ - " باب من الدين الفرار من الفتن "
١٨ - الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي ومالك في الموطأ.
стр. 99
قَالَ رسول الله ﷺ : " يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْر مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَماً يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ، وَمَوَاضِعَ الْقَطرِ، يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الفتَنِ ".
ــ
ترجمة راوي الحديث: هو أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان، الذي ينتهي نسبه إلى خِدرة بن عوف الخزرجي الأنصاري كان من شبان الصحابة ومشاهيرهم، غزا اثنتي عشرة غزوة عدا بدر، وروى ألفاً ومائة وسبعين حديثاً، اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين حديثاً، توفي سنة أربع وستين من الهجرة ﵁.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بما شعف الجبال " بفتح الشين والعين، والمعنى: سيأتي عن قريب زمان تسوء فيه الأحوال، وتفسد الدنيا، وتكثر المعاصي ويألفها الناس، ويزول الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويضعف الدين حتى تصبح خير حياة يحياها المسلم حياة العزلة، وخير مال يعيش عليه أن يكون له غنم يرعاها على ذرى الجبال، ويتبع بها مواضع الأمطار " يفر بدينه من ﷺ " أي من أجل أن يهرب من الفتن.
ويستفاد منه: كما قال العيني: " فضل العزلة في أيام الفتن إلاّ لمن كان له قدرة على إزالتها، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها وجوباً عينياً، أو كفائياً أما في غير الفتنة فقد قال النووي: ذهب الشافعي والأكثرون إلى تفضيل المخالطة لما فيها من شهود شعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين. والمطابقة: في قوله: يفر بدينه من الفتن.
***
стр. 100
١٣ - " بَابُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ أنا أعْلَمُكُمْ باللهِ، وأنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ "
١٩ - عنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أمَرَهُمْ أمَرَهُمْ مِنَ الأعْمَال بِمَا يُطيقُونَ، قَالُوا: إنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ إنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأخَّرَ، فَغَضِبَ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ في وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: " إِنَّ أتْقَاكُمْ وَأعْلَمَكُمْ بِاللهِ أنَا ".
ــ
١٣ - باب قول النبي ﷺ أنا أعلمَكُم بالله وأن المعرفة فعل القلب
١٩ - الحديث: أخرجه البخاري، وهو من أفراده.
معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ " كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون " أي أنه ﷺ كان رؤوفاً بأمته، ميسِّرا عليها، لا يكلف المسلمين إلاّ بما يستطيعون المداومة عليه، لأنه ﷺ كان حريصاً على المداومة على الأعمال لا على الإكثار منها، لما تؤدي إليه المداومة على العمل من التفاعل به نفسياً، والتأثر به أخلاقياً، وذلك مقصدٌ أسمى من مقاصد الإسلام. " قالوا: يا رسول الله، إنا لسنا كهيئتك، إنّ الله قد غفر لك " أي أنه ينبغي لنا أن نكثر من العبادات أكثر منك، لتكون سبباً لمغفرة ذنوبنا، أما أنت فقد غُفر لك " فغضب (١) ﷺ حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا " أي ليس الأمر كما تظنون، فلو كان في الاسراف في العبادة وتكليف النفس ما لا يطاق منها طاعة لله لسبقتكم إلى ذلك، لأنني أكثركم علماً بما يرضي الله، وكلما كان
стр. 101
١٤ - " بَابُ تفَاضُلِ أهْلِ الإيمَانِ "
٢٠ - عَنْ أبي سَعِيد الْخُدْرِي:
عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ أهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى أخرِجُوا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَل مِنْ إيمَان،
ــ
العبد أكثر علماً كان أكثر طاعة وعبادة وتقوى.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن أعلم الناس بالله تعالى هو نبينا ﷺ وبقية الأنبياء. ثانياًً: أن من السنة الاقتصاد في النوافل على قدر الطاقة لأن إرهاق النفس بالعبادة يؤدي إلى كرهها والانقطاع عنها. والمطابقة: في قوله: " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا ".
١٤ - باب تفاضل أهل الإِيمان
٢٠ - الحديث: أخرجه الشيخان.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " يدخل أهل الجنة الجنة " أي. يدخل المؤمنون من أهل الجنة الجنة، بفضل الله ورحمته ثم بسبب أعمالهم الصالحة، " وأهل النار النار " أي ويدخل المؤمنون من أهل النار النار لمجازاتهم على سيئاتهم " ثم يقول " الله : " أخرجوا " من النار " من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان " أي أخرجوا من النار كل من عمل مقدار حبة خردل من أعمال الإيمان بعد التوحيد والتصديق بما جاء به نبينا ﷺ أمَّا من نقص شيئاً من التوحيد، أو أنكر شيئاً مما جاء به النبي ﷺ ، فإنه لا يدخل في ذلك، ولا يخرج من النار، بل يخلد فيها، لأن التوحيد والتصديق القلبي لا يقبل التجزئة، فمن نقض منه شيئاً فهو كافر مخلد في النار، وقد نبه على ذلك العيني حيث قال: " واعلم أن المراد بالخردلة ما زاد عن أصل التوحيد، وقد جاء في الصحيح بيان ذلك، ففي رواية البخاري "أخرجوا
стр. 102
فَيَخْرُجُون منها قدِ اسْوَدَّوا، فيُلْقَوْنَ في نهر الحَيَاةِ فينبتون كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِى جَانِبْ السَّيْلِ، ألمْ تَرَ أنَهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً".
ــ
من قال لا إله إلاّ الله وعمل من الخير" ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيراً " فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياة " الذي من غمس فيه حَيي إلى الأبد " فينبتون كما تنبت الحبة " بكسر الحاء، أي كما تنبت البذرة المزروعة " ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية " أي ألا ترى كيف تخرج من الأرض عند بدايتها صفراء اللون جميلة المنظر منعطفة الأوراق، ثم تتمدد وتتفتح أوراقها بعد ذلك، وهذا مما يزيد الرياحين حسناً " كما أفاده القسطلاني.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: تفاضل أهل الإيمان في درجات إيمانهم، وذلك بسبب تفاضل أعمالهم، كما ترجم له البخاري، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو مذهب أهل السنة والحديث، حجة ظاهرة لهم لأنه دل على أن من المؤمنين من يقل عمله حتى يكون كالخردلة، فينقص إيمانه تبعاً لذلك، وكل شيء قابل للنقص قابل للزيادة. ثانياً: أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار، ولا بخرج من الملة خلافاً للخوارج، لقوله ﷺ " أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ". ثالثاً: أن مرتكب المعاصي معرض للعقوبة في الدار الآخرة، ودخول النار، إلاّ أن يعفو الله عنه، لقوله ﷺ " فيخرجون منها وقد اسودوا " خلافاً للمرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإِيمان ذنب، حيث صرح في هذا الحديث أنّ العصاة يدخلون النار حتى تسوّد وجوههم. المطابقة: في كونه يدل على أنّ الإِيمان يتفاوت في القلة والكثرة وهو عين التفاضل كما أفاده العيني.
***
стр. 103
٢١ - عَنْ أبي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَينَا أنا نَائِمٌ رَأيت النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَليَّ وَعَلَيْهِمْ خُمُصٌ، مِنْها ما يَبْلُغُ الثَّدْيَ، ومنها مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَليَّ عُمَرُ ابْنُ الخَطَّابِ وعليْهِ قَمِيص يَجُرُّهُ " قَالُوا: فَما أوَّلْتَ ذلِكَ؟ قَالَ: " الدِّينَ ".
ــ
٢١ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص "، أي بينما كنت نائماً رأيت الناس أثناء نومي وهم يمرون من أمامي وعليهم أقمصة مختلفة الأطوال " منها ما يبلغ الثدي " بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء أي من الناس من تصل قمصهم إلى ثُدِيّهم " ومنها ما دون ذلك " أي ومن هذه القمص ما هو أقصر من ذلك " وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره " أي وعليه قميص طويل يسحبه " قالوا فما أوّلت ذلك " أي بماذا فسّرت ذلك " قال الدين " بالنصب على المفعولية أى فسّرت القميص بالدين، لأنه يستر المؤمن، ويصونه من النار كما يستر القميص البدن. والمطابقة: في قوله " فما أولت ذلك قال الدين ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: تفاضل أهل الإيمان في إيمانهم كتفاضل أصحاب القمص (١) في قمصهم فكما أن تلك القمص التي رآها ﷺ في منامه تزيد وتنقص، ومنها الأطول والأقصر، فكذلك الإيمان يزيد وينقص. ثانياًً: أن رؤيا الأنبياء كلها حق، ولذلك استدل النبي ﷺ برؤياه على زيادة إيمان عمر ﵁.
стр. 104
١٥ - " بَابُ الْحَيَاءِ مِنَ الإِيمَانِ "
٢٢ - عن ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أخَاهُ في الْحَيَاءِ،
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " دَعْهُ فإنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ ".
١٦ - " بَاب "
(فإنْ تابُوا وأقَامُوا الصَّلَاةَ وآتوُا الزَّكَاةَ فَخلّوا سَبِيلَهُمْ) "
ــ
١٥ - باب الحياء من الإِيمان
٢٢ - الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ مرّ على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء " أي ينصحه أن يخفف من حيائه، وفي رواية يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضرّ بك، وذلك أن الرجل كان كثير الحياء " وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك: " فقال رسول الله ﷺ دعه " أي اتركه على هذا الخلق الحسن " فإن الحياء من الإِيمان " لأنه يمنع صاحبه عما نهي الله عنه.
ويستفاد منه: أن ديننا الإسلامي دين أخلاق، كما أنه دين عقائد وأحكام، ولهذا كان الحياء جزءاً منه، لأنه سبب لجميع الأخلاق الفاضلة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
١٦ - باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)
٢٣ - الحديث: أخرجه الشيخان.
стр. 105
٢٣ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فإِذَا فَعَلُوا ذَلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأموَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ".
ــ
معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله " أي أمرني الله تعالى بقتال الكفار جميعاً حتى يقروا بالشهادتين، ويعترفوا لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة " ويقيموا الصلاة " المكتوبة " ويؤتوا الزكاة " المفروضة " فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم " أي فإذا نطقوا بالشهادتين، وأدوا شعائر الإِسلام وأركانه العملية، من صلاة وغيرها، فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم. لأنّها أصبحت معصومة بعصمة الإِسلام " إلا بحق الإسلام " وهذا استثناء من العصمة، أي فإن الإِسلام يعصم دماءهم وأموالهم، فلا يحل قتلهم إلا إذا ارتكبوا جريمة أو جناية يستحقون عليها القتل بموجب أحكام الإِسلام، فإنه ينفذ فيهم الحكم الشرعي، فيقتل القاتل قصاصاً، ويقتل المرتد والزاني المحصن حداً كما قال ﷺ " لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة " " وحسابهم على الله " أي وما علينا إلاّ أن نعاملهم بمقتضى الظاهر من أقوالهم وأفعالهم، ونفوض سريرتهم إلى الله تعالى، ولا نتدخل في أحوالهم الأخروية من الجنة والنار، فإن ذلك لله وحده، قال القاري: " نحكم بظاهر حالهم فنرفع عنهم ما على الكفار، ونؤاخذهم بحقوق الإِسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، والله يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب المنافق ".
стр. 106
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: قتل تارك الصلاة لأن هذا الحديث كما قال الشوكاني دل دلالة صريحة على وجوب قتله، وأنه لا يكون معصوم الدم والمال، إلاّ إذا أقام الصلاة، وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقام الصلاة، فقال: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فلا يخلي سبيل من لم يُقِمْ الصلاة " اهـ. فإن تركها جاحداً قتل كافراً بإجماعٍ المسلمين إلاّ أن يكون حديث عهد بالإِسلام، وإن تركها كسلاً قتل حداً عند الجمهور وكفراً عند أحمد، وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي. " قال الشوكاني ": والجمهور على أنه يقتل لترك صلاة واحدة. واختلف أصحاب الشافعي: هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيامِ. الأصح الأول (١). ثانياًً: دل الحديث على أن من منع الزكاة إذا كان خارجاً عن قبضة الإِمام قاتله الإِمام حتى يأخذ منه الزكاة، لأن النبي ﷺ أمر بمقاتلة الناس حتى يؤدوا الزكاة.
أما من كان ببلاد الإِسلام ومنعها، فإن كان منكراً وجوبها فهو مرتد، تجري عليه أحكام المرتدين. يستتاب ثلاثاً، فإن تاب، وإلّا قتل كافراً، وإن منعها معتقداً وجوبها، وقدر الإمام على أخذها منه أخذها منه وعزره، ولم يأخذ منه زيادة عليها عند أكثرَ أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي كما أفاده ابن قدامة. ثالثاً: أن من نطق بالشهادتين وانقاد لأحكام الشريعة ظاهراً فهو في عصمة الإِسلام، يحرم دمه وماله، ولا يحل قتله إلاّ في قصاص أو حد من حدود الله، لقوله ﷺ " فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإِسلام. والمطابقة: في كون الحديث مطابق للآية الكريمة في معناها.
стр. 107
١٧ - " بَابُ مَنْ قَالَ إنَّ الإيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ "
٢٤ - عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أيُّ الْعَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: " إيمانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ " قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ " قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " حَجٌ مَبْرُورٌ ".
ــ
١٧ - باب من قال: إن الإِيمان هو العمل
٢٤ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.
معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أن رسول الله ﷺ سئل أي العمل أفضل "؟ أي سأله رجل وهو أبو ذر ﵁: أي الأعمال أعظم عند الله أجراً وثواباً " قال: إيمان بالله ورسوله " أي أن أفضل الأعمال على الإِطلاق، الإِيمان بالله ورسوله، والتصديق بما جاء به النبي ﷺ لأنه شرط في صحة جميع العبادات الشرعية، من صلاة، وزكاة وصوم وغيرها " قيل: ثم ماذا "؟ أي فقال أبو ذر: ثم ما هو أفضل الأعمال بعد الإِيمان؟
" قال: الجهاد في سبيل الله " وهو القتال لِإعلاء كلمة الله، لا لأي غرض من الأغراض الأخرى، فإن كان لغرض آخر، من وطنية أو قومية، أو عصبية، فإنه ليس جهاداً " قيل ثم ماذا "؟ أي ثم ما هو العمل الذي يأتي بعد الجهاد في الأفضلية " قال: حج مبرور " وهو الحج الخالص لوجه الله (١) تعالى، المقبول عنده، لخلوصه من الرياء والسمعة والمال الحرام، وقد قُدِّمَ الجهاد على الحج في هذه الرواية، كما قدم الحج في رواية أخرى، والتقديم والتأخير بحسب اختلاف الظروف والأحوال، فقدم الجهاد في أول الإِسلام
стр. 108
١٨ - " بَاب إذا لَمْ يَكُن الإِسْلَامُ علَى الْحَقِيقَةِ، وكَانَ عَلى الإسْتِسْلَامِ أو الْخوفِ مِنَ القَتْلِ "
٢٥ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاص ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أعطى رَهْطَاً وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ
ــ
لحاجتهم إليه، ثم قدم الحج بعد ذلك لأنه فرض عين، والجهاد فرض كفاية.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به البخاري على أن العمل ركن من أركان الإِيمان، كما أن القول باللسان والتصديق بالقلب ركنان منه لأن النبي ﷺ لما سئل في هذا الحديث عن أفضل الأعمال، أجاب بأن أفضل الأعمال، إيِمان بالله ورسوله، فدلّ ذلك على أن الإِيمان عمل، كما أنه تصديق وقول. " قال القسطلاني: وغرض البخاريِ وغيره من هذا الباب إثبات أن العمل من أجزاء الإِيمان رداً على من يقول إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان " اهـ والقول بأن العمل جزء من الإِيمان هو قول أكثر أهل العلم خلافاً لأَبي حنيفة ومن وافقه. ثانياًً: أهمية الجهاد، ومكانته في الإِسلام، حتى أنه يقدم أحياناً على الحج الذي هو أحد أركان الإِسلام الخمسة، وذلك عند الحاجة إليه كما تقدم في هذا الحديث؟ والمطابقة: في اطلاق العمل على الإيمان كما أفاده العيني.
١٨ - باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل
٢٥ - الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
ترجمة راوي الحديث: هو سعد بن أبي وقّاص بن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، يلتقي مع النبي ﷺ في كلاب، الأب الخامس له، أسلم
стр. 109
- ﷺ رَجُلاً هُوَ أعْجَبُهْم إليَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَان؟ فَوَاللهِ إنِّى لأرَاهُ مُؤْمِنَاً، فَقَالَ: " أوْ مُسْلِمَاً " فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي
ــ
قديماً وهو ابن أربع عشرة سنة، وقال ﵁: إني لثالث الإِسلام، هاجر إلى المدينة قبله ﷺ وشهد المشاهد كلها، وكان مجاب الدعوة لقوله ﷺ اللهم استجب لسعد إذا دعاك، فكان لا يدعو إلاّ استجيب له كما في حديث الترمذي، وهو فارس الإِسلام وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وكان رئيس القادة في فتح العراق، فتح المدائن وبني مدينة الكوفة، وصار والياً عليها في عهد عمر وعثمان وروى عن النبي ﷺ (٢٧٠) حديثاً اتفقا منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر. مات بقصره في العقيق سنة سبع وخمسين هـ وهو يومئذ والي المدينة ودفن (١) بالبقيع.
معنى الحديث: يحدثنا سعد بن أبي وقاص ﵁ " أن رسول الله ﷺ أعطى رهطاً " أي الجماعة من المؤلفة قلوبهم، والرهط من ثلاثة إلى عشرة " وسعد جالس فترك رجلاً هو أعجبهم إليّ " أي أفضلهم عندي إيماناً وصلاحاً، " فقلت: يا رسول الله: ما لك عن فلان "؟ أي أي شيء منعك عن إعطائه " فوالله إني لأراه مؤمناً " أي فإني أعتقد إيمانه، وأقطع به، وأقسم عليه " فقال: أوْ مسلماً " بسكون الواو، أي لا تسرع بالحكم عليه بالإِيمان، ولا تقطع له أو لغيره به، لأن الإِيمان أمر غيبي قلبي، ولا يلزم من إسلامه في الظاهر إيمانه في الباطن فقد يكون مسلماً على غير الحقيقة، ناطقاً بالشهادتين، منقاداً لشعائر الإِسلام خوفاً من سلطة المسلمين، وهو في الباطن كافر منكر لعقائد الإِسلام، فلا يكون مؤمناً، ولكنا نسميه مسلماً، ونحكم بإسلامه باعتبار ظاهره، وقد أُمِرْنا أن نحكم بالظاهر. فحسبك يا
стр. 110
ما أعْلَمُ مِنْهُ، فعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَك عَنْ فُلَان، فواللهِ إنِّي لأرَاهُ مُؤمِنَاً، فقالَ: " أوْ مُسْلِماً " فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: " يَا سَعْدُ إنِّي لأعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُه أحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أنْ يَكُبَّهُ اللهُ في النَّارِ ".
ــ
سعد أن تصفه بالإِسلام، لتكون صادقاً بارَّاً بقسمك في جميع الأحوال، فإن كان مؤمناً حقاً صدق عليه اسم الإِسلام، لأن كل مؤمن مسلم، وإن كان غير مؤمن حقاً صدق عليه اسم الإسلام، باعتبار أن الحكم على ظاهره، والله يتولى السرائر أما إذا وصفته بالإِيمان، وكان إسلامه على غير الحقيقة، أي بلسانه فقط فقد كذبت في وصفك، وحنثت في يمينك " فسكت قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه " من الإِيمان والصلاح " فعدت لمقالتي، فقلت: مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمناً فقال: أو مسلماً. فسكت قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله ﷺ " ومعناه أن سعداً أعاد سؤاله ثلاث مرات وكان ﷺ يجيبه في كل مرة بقوله: " أوْ مسلماً " أي لو قلت إني لأراه مسلماً لكان أفضل " ثم قال: يا سعد إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار " أي ثم خاف النبي ﷺ أن يكون سعد قد أساء الظن بهذا الرجل، وشك في إيمانه بسبب أن النبي ﷺ لم يُعْطِهِ، فقال له: لا تظن أنني لم أعطه لضعف إيمانه، لأنني قد أدع الرجل القوي الإِيمان، فلا أعطيه شيئاً ثقة بإيمانه ويقينه، وأعطي الرجل الضعيف الإِيمان تأليفاً له، لئلا يرتد فيقع في النار. والمطابقة: في قوله " أوْ مسلماً " حيث نهاه عن القطع بإيمانه، لأنه قد يكون إسلامه على غير الحقيقة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الإِسلام قد يكون على الحقيقة وذلك إذا كان باللسان والقلب معاً، والظاهر والباطن جميعاً فيكون إسلاماً وإيماناً.