ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: قتل تارك الصلاة لأن هذا الحديث كما قال الشوكاني دل دلالة صريحة على وجوب قتله، وأنه لا يكون معصوم الدم والمال، إلاّ إذا أقام الصلاة، وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقام الصلاة، فقال: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فلا يخلي سبيل من لم يُقِمْ الصلاة " اهـ. فإن تركها جاحداً قتل كافراً بإجماعٍ المسلمين إلاّ أن يكون حديث عهد بالإِسلام، وإن تركها كسلاً قتل حداً عند الجمهور وكفراً عند أحمد، وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي. " قال الشوكاني ": والجمهور على أنه يقتل لترك صلاة واحدة. واختلف أصحاب الشافعي: هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيامِ. الأصح الأول (١). ثانياًً: دل الحديث على أن من منع الزكاة إذا كان خارجاً عن قبضة الإِمام قاتله الإِمام حتى يأخذ منه الزكاة، لأن النبي ﷺ أمر بمقاتلة الناس حتى يؤدوا الزكاة.
أما من كان ببلاد الإِسلام ومنعها، فإن كان منكراً وجوبها فهو مرتد، تجري عليه أحكام المرتدين. يستتاب ثلاثاً، فإن تاب، وإلّا قتل كافراً، وإن منعها معتقداً وجوبها، وقدر الإمام على أخذها منه أخذها منه وعزره، ولم يأخذ منه زيادة عليها عند أكثرَ أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي كما أفاده ابن قدامة. ثالثاً: أن من نطق بالشهادتين وانقاد لأحكام الشريعة ظاهراً فهو في عصمة الإِسلام، يحرم دمه وماله، ولا يحل قتله إلاّ في قصاص أو حد من حدود الله، لقوله ﷺ " فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإِسلام. والمطابقة: في كون الحديث مطابق للآية الكريمة في معناها.
стр. 107
١٧ - " بَابُ مَنْ قَالَ إنَّ الإيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ "
٢٤ - عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أيُّ الْعَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: " إيمانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ " قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ " قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " حَجٌ مَبْرُورٌ ".
ــ
١٧ - باب من قال: إن الإِيمان هو العمل
٢٤ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.
معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أن رسول الله ﷺ سئل أي العمل أفضل "؟ أي سأله رجل وهو أبو ذر ﵁: أي الأعمال أعظم عند الله أجراً وثواباً " قال: إيمان بالله ورسوله " أي أن أفضل الأعمال على الإِطلاق، الإِيمان بالله ورسوله، والتصديق بما جاء به النبي ﷺ لأنه شرط في صحة جميع العبادات الشرعية، من صلاة، وزكاة وصوم وغيرها " قيل: ثم ماذا "؟ أي فقال أبو ذر: ثم ما هو أفضل الأعمال بعد الإِيمان؟
" قال: الجهاد في سبيل الله " وهو القتال لِإعلاء كلمة الله، لا لأي غرض من الأغراض الأخرى، فإن كان لغرض آخر، من وطنية أو قومية، أو عصبية، فإنه ليس جهاداً " قيل ثم ماذا "؟ أي ثم ما هو العمل الذي يأتي بعد الجهاد في الأفضلية " قال: حج مبرور " وهو الحج الخالص لوجه الله (١) تعالى، المقبول عنده، لخلوصه من الرياء والسمعة والمال الحرام، وقد قُدِّمَ الجهاد على الحج في هذه الرواية، كما قدم الحج في رواية أخرى، والتقديم والتأخير بحسب اختلاف الظروف والأحوال، فقدم الجهاد في أول الإِسلام
стр. 108
١٨ - " بَاب إذا لَمْ يَكُن الإِسْلَامُ علَى الْحَقِيقَةِ، وكَانَ عَلى الإسْتِسْلَامِ أو الْخوفِ مِنَ القَتْلِ "
٢٥ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاص ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أعطى رَهْطَاً وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ
ــ
لحاجتهم إليه، ثم قدم الحج بعد ذلك لأنه فرض عين، والجهاد فرض كفاية.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به البخاري على أن العمل ركن من أركان الإِيمان، كما أن القول باللسان والتصديق بالقلب ركنان منه لأن النبي ﷺ لما سئل في هذا الحديث عن أفضل الأعمال، أجاب بأن أفضل الأعمال، إيِمان بالله ورسوله، فدلّ ذلك على أن الإِيمان عمل، كما أنه تصديق وقول. " قال القسطلاني: وغرض البخاريِ وغيره من هذا الباب إثبات أن العمل من أجزاء الإِيمان رداً على من يقول إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان " اهـ والقول بأن العمل جزء من الإِيمان هو قول أكثر أهل العلم خلافاً لأَبي حنيفة ومن وافقه. ثانياًً: أهمية الجهاد، ومكانته في الإِسلام، حتى أنه يقدم أحياناً على الحج الذي هو أحد أركان الإِسلام الخمسة، وذلك عند الحاجة إليه كما تقدم في هذا الحديث؟ والمطابقة: في اطلاق العمل على الإيمان كما أفاده العيني.
١٨ - باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل
٢٥ - الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
ترجمة راوي الحديث: هو سعد بن أبي وقّاص بن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، يلتقي مع النبي ﷺ في كلاب، الأب الخامس له، أسلم
стр. 109
- ﷺ رَجُلاً هُوَ أعْجَبُهْم إليَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَان؟ فَوَاللهِ إنِّى لأرَاهُ مُؤْمِنَاً، فَقَالَ: " أوْ مُسْلِمَاً " فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي
ــ
قديماً وهو ابن أربع عشرة سنة، وقال ﵁: إني لثالث الإِسلام، هاجر إلى المدينة قبله ﷺ وشهد المشاهد كلها، وكان مجاب الدعوة لقوله ﷺ اللهم استجب لسعد إذا دعاك، فكان لا يدعو إلاّ استجيب له كما في حديث الترمذي، وهو فارس الإِسلام وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وكان رئيس القادة في فتح العراق، فتح المدائن وبني مدينة الكوفة، وصار والياً عليها في عهد عمر وعثمان وروى عن النبي ﷺ (٢٧٠) حديثاً اتفقا منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر. مات بقصره في العقيق سنة سبع وخمسين هـ وهو يومئذ والي المدينة ودفن (١) بالبقيع.
معنى الحديث: يحدثنا سعد بن أبي وقاص ﵁ " أن رسول الله ﷺ أعطى رهطاً " أي الجماعة من المؤلفة قلوبهم، والرهط من ثلاثة إلى عشرة " وسعد جالس فترك رجلاً هو أعجبهم إليّ " أي أفضلهم عندي إيماناً وصلاحاً، " فقلت: يا رسول الله: ما لك عن فلان "؟ أي أي شيء منعك عن إعطائه " فوالله إني لأراه مؤمناً " أي فإني أعتقد إيمانه، وأقطع به، وأقسم عليه " فقال: أوْ مسلماً " بسكون الواو، أي لا تسرع بالحكم عليه بالإِيمان، ولا تقطع له أو لغيره به، لأن الإِيمان أمر غيبي قلبي، ولا يلزم من إسلامه في الظاهر إيمانه في الباطن فقد يكون مسلماً على غير الحقيقة، ناطقاً بالشهادتين، منقاداً لشعائر الإِسلام خوفاً من سلطة المسلمين، وهو في الباطن كافر منكر لعقائد الإِسلام، فلا يكون مؤمناً، ولكنا نسميه مسلماً، ونحكم بإسلامه باعتبار ظاهره، وقد أُمِرْنا أن نحكم بالظاهر. فحسبك يا
стр. 110
ما أعْلَمُ مِنْهُ، فعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَك عَنْ فُلَان، فواللهِ إنِّي لأرَاهُ مُؤمِنَاً، فقالَ: " أوْ مُسْلِماً " فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: " يَا سَعْدُ إنِّي لأعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُه أحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أنْ يَكُبَّهُ اللهُ في النَّارِ ".
ــ
سعد أن تصفه بالإِسلام، لتكون صادقاً بارَّاً بقسمك في جميع الأحوال، فإن كان مؤمناً حقاً صدق عليه اسم الإِسلام، لأن كل مؤمن مسلم، وإن كان غير مؤمن حقاً صدق عليه اسم الإسلام، باعتبار أن الحكم على ظاهره، والله يتولى السرائر أما إذا وصفته بالإِيمان، وكان إسلامه على غير الحقيقة، أي بلسانه فقط فقد كذبت في وصفك، وحنثت في يمينك " فسكت قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه " من الإِيمان والصلاح " فعدت لمقالتي، فقلت: مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمناً فقال: أو مسلماً. فسكت قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله ﷺ " ومعناه أن سعداً أعاد سؤاله ثلاث مرات وكان ﷺ يجيبه في كل مرة بقوله: " أوْ مسلماً " أي لو قلت إني لأراه مسلماً لكان أفضل " ثم قال: يا سعد إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار " أي ثم خاف النبي ﷺ أن يكون سعد قد أساء الظن بهذا الرجل، وشك في إيمانه بسبب أن النبي ﷺ لم يُعْطِهِ، فقال له: لا تظن أنني لم أعطه لضعف إيمانه، لأنني قد أدع الرجل القوي الإِيمان، فلا أعطيه شيئاً ثقة بإيمانه ويقينه، وأعطي الرجل الضعيف الإِيمان تأليفاً له، لئلا يرتد فيقع في النار. والمطابقة: في قوله " أوْ مسلماً " حيث نهاه عن القطع بإيمانه، لأنه قد يكون إسلامه على غير الحقيقة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الإِسلام قد يكون على الحقيقة وذلك إذا كان باللسان والقلب معاً، والظاهر والباطن جميعاً فيكون إسلاماً وإيماناً.
стр. 111
١٩ - " بَابُ كُفْرَانِ العَشِير وَكُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ "
٢٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أرِيتُ النَّارَ، فإِذَا أكثَرُ أهلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ "
ــ
وقد يكون الإِسلام على غير الحقيقة، وذلك إذا كان ظاهرياً باللسان فقط، مع إنكار القلب. فلا يكون إيماناً، وإن كان يسمى إسلاماً، باعتبار الظاهر وهو ما ترجم له البخاري بقوله " باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة ".
ثانياً: أن من أدب الإِسلام أن لا نقطع لأحد بالإِيمان، أو نقسم على ذلك اعتماداً على ما يظهر لنا من إسلامه وانقياده الظاهري لأن الإِيمان أمر قلبي غيبي (١)، وإنما إذا أردنا أن نثني على أحدٍ بالدين، فإننا نصفه بما يظهر لنا من حاله. وهو الإِسلام، لأن هذا هو الذي نعلمه عنه، فنحكم له بأنه رجل مسلم، ولا نقطع بإيمانه، لأنه قد يكون مسلماً في الظاهر كافراً في الباطن. ثالثاً: قال عياض: هذا الحديث أصح دليل على الفرق بين الإِسلام والإِيمان، وأن الإِيمان باطن من عمل القلب، والإِسلام ظاهر من عمل الجوارح لكن لا يكون مؤمن إلاّ مسلماً وقد يكون مسلم غير مؤمن. رابعاً: مشروعية الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم كما شفع سعد لهذا الرجل. والمطابقة: في قوله " أوْ مسلماً " حيث نهاه عن القطع بإيمانه، لأنه قد يكون إسلامه على غير الحقيقة.
١٩ - باب كفران العشير وكفر دون كفر
٢٦ - الحديث: أخرجه الشيخان.
معنى الحديث: مر النبي ﷺ على النساء يوم العيد فأراد أن ينتهز فرصة
стр. 112
قيلَ أيَكْفُرْنَ باللهِ؟ قَالَ: " يَكْفُرْنَ الْعَشيْرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئاً قالَتْ: مَا رَأيْتُ مِنْك خَيْراً قَط ".
ــ
وجوده بينهن في نُصْحِهنَّ ووعظهن وتحذيرهن عن بعض المساوىء التي يغلب صدورها منهن، فكان أوّل ما بدأ حديثه أن " قال رسول الله ﷺ أريت النار " أي أطلعني الله تعالى على النار وكشف لي عنها، فرأيتها ببصري رأي العين " فإذا أكثر أهلها النساء " أي فلما نظرت إليها، وشاهدت من فيها من البشر، فوجئت بأن أكثر أهلها النساء، " يكفرن " أي فلما ذكر ﷺ أن أكثر أهل النار من النساء، قالت إحداهن: ولم يا رسول الله؟ فأجابها ﷺ بقوله " يكفرن " أي إنما كن أكثر أهل النار لأنّهن يكفرن، ولم يبين ﷺ يكفرن بماذا لتذهب أفكارهن كل مذهب، ويشتد خوفهن، وتتطلع نفوسهن لمعرفة هذا الكفر الذي وصفهن به النبي ﷺ وقد تم للنبي ﷺ ما أراد، فلم يكد ينطق بهذه الكلمة حتى " قيل أيكفرن بالله " أي قالت إحداهن أيكفرن بالله؟ " قال: يكفرن العشير " أي ينكرن نعمة الزوج وإحسانه إليهن " لو أحسنت إلى إحداهن الدهر " أي العمر كله " ثم رأت منك شيئاً " واحداً مما تكره " قالت: ما رأيت منك خيراً قط " أي ما وجدت منك شيئاً ينفعني أو يسرني طيلة حياتي كلها.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن نكران الجميل من الكبائر كما أفاده النووي، ولولا ذلك لما ترتب عليه هذا الوعيد الشديد، وقد جاء في الحديث " إذا قالت المرأة لزوجها ما رأيت منك خيراً قط فقد حبط عملها " أخرجه ابن عدي وابن عساكر ولكنه حديث ضعيف كما رمز له السيوطي، وذلك لأن في سنده يوسف التميمي، ولا يحل الاحتجاج به كما أفاده المناوي. ثانياً: أن هناك كفراً دون كفر، ومعناه أن الكفر نوعان، كفر يخرج عن الملة، وهو الكفر الاعتقادي، وكفر لا يخرج وهو العملي كجحود نعمة الزوج مثلاً.
стр. 113
٢٠ - " بَابُ الْمعَاصِي مِنْ أمرِ الْجَاهِلِيَّةِ، ولا يكْفُرُ صَاحِبُها بارْتِكَابِهَا "
٢٧ - عَنْ أبي ذَرٍ ﵁ قَالَ:
ــ
ثالثاً: ما جبل عليه أغلب النساء من كفران العشير وجحود نعمة الزوج، ومن أغرب ما روي في ذلك قصة المعتمد بن عباد مع زوجته (١) فقد روي أنّه لما تزوج اليرمكية قضى معها حيناً من الدهر في سرور وغبطة، وحدث أن رأت بعض النساء يمشين في الطين فاشتهت ذلك، فأمر المعتمد فسحقت الطيوب. أي فطحنت أنواع الطيب من العود ونحوه، وذرت في ساحة القصر وصب عليها ماء الورد حتى صارت كالطين، فخاضته معِ جواريها. ومرت الأيام فغاضبها المعتمد يوماً، فأقسمت أنّها لم تر منه خيراً قط، فقال لها: ولا يوم الطين فاستحيت واعتذرت (١). والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن الكفر أنواع منها الكفر بالله ومنها كفر العشير كما صرح بذلك الحديث.
٢٠ - باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر (٢) صاحبها بارتكابها
٢٧ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي.
ترجمة راوي الحديث: هو أبو ذر جندب " بضم الجيم والدال " ابن جنادة " بضم الجيم " الغفاري: " نسبة إلى غفار بكسر الغين قبيلة من كنانة أسلم قديماً وكان من رابع أربعة، وعاد إلى قبيلته، ثم هاجر إلى المدينة بعد الخندق، واشتهر بالزهد، حتى أنه كان يرى أنه يحرم على المسلم أن يدخر ما زاد عن
стр. 114
سَابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بأمِّهِ، فَقَالَ لي النَّبِيُّ ﷺ : " يَا أَبَا ذَرٍ أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ!! إِنَّكَ امْرؤ فِيْكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أْيدِيْكُمْ، فَمَنْ كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبْهُم فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأعينُوهُمْ ".
ــ
حاجته، وخالفه في ذلك جمهور الصحابة. روى عن النبي ﷺ (٢٨١) حديثاً اتفقا منها على اثني عشر وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر، توفي بالربذة سنة (٣١) هـ.
معنى الحديث: يقول أبو ذر ﵁ " ساببت رجلاً " أي تخاصمت مع رجل " وهو بلال ﵁، وشتمته " فعيرته بأمه " أي فعبت أمه ووصفتها بالسواد، حيث قلت له: يا ابن السوداء، وخالفت بذلك شريعة الإسلام، التي لا تفرق بين لون ولون، ولا تفضل إنساناً على آخر إلّا بالتقوى كما قال تعالى: (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) وكما قال ﷺ " لا فضل لعربي على عجمي إلاّ بالتقوى " " فقال لي النبي ﷺ : أعيرته بأمه " وهذا استفهام إنكاري (١) تعجبي، أي كيف تعيبه بسواد أمّه، وتستنقصه بذلك، وأنت تعلم أن الإِسلام لا يميز بين الناس بالألوان، وإنما يفاضل بينهم بالتقوى والعمل الصالح " إنك امرؤ فيك جاهلية " أي إن ما فعلته معه من تعيير بسواد أمّه نعرة جاهلية، وأثر من آثار التمييز العنصري الذي كان موجوداً قبل الإِسلام. " إخوانكم خولكم " (٢) أي إن هؤلاء الخدم ليسوا في الحقيقة سوى إخوانكم في الدين أو الإِنسانية سخرهم الله لكم
стр. 115
٢١ - " بَابُ (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) فَسَمَّاهُمْ الْمؤمِنين)
٢٨ - عَنْ أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا
ــ
حيث " جعلهم الله تحت أيديكم " أي تحت سلطتكم وطوع أمركم " فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس " أي وما داموا إخوة لكم، فإن عاطفة الأخوة تقتضي منكم حسن معاملتهم، والرفق بهم ومراعاة مشاعرهم، وتوفير العيش الكريم لهم، وإطعامهم من طعامكم وإلباسهم من لباسكم " ولا تكلفوهم ما يغلبهم " أي ولا تكلفوهم من الأعمال الشاقة ما لا يطيقونه، ولا يقدرون عليه، " فإن كلفتموهم فأعينوهم " أي فإن كلفتموهم من العمل ما يشق عليهم فيجب عليكم إعانتهم عليه ومساعدتهم ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن مرتكب المعصية لا يكفر، كما ترجم له البخاري، لأن تعيير المرء بأمّه معصية، ومع ذلك لم يسمه ﷺ كفراً، كما نبه عليه ابن بطال، والظاهر من كلامه وكلام العيني أن تعيير المرء بأمّه كبيرة. ثانياً: أن من محاسن الإِسلام إلغاء التمييز العنصري الذي كان في الجاهلية. والمطابقة: في كونه ﷺ لم يسم تعيير المرء بأمه كفراً، مع أنه كبيرة.
٢١ - باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فسماهم الؤمنين
٢٨ - الحديث: أخرجه الشيخان، وأبو داود والنسائي.
стр. 116
فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ فِي النَّارِ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هذَا الْقَاتِلُ، فَما بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصاً عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ".
ــ
ترجمة الراوي: هو أبو بكرة نُفَيْع - بالتصغير ابن مَسْروحٍ مولى الحارث بن كَلَدَةَ -بفتح اللام- يكنى بأبي بكرة، لأنه تدلى إلى النبي ﷺ من الطائف ببكرة، وكان مولى للنبي ﷺ فأعتقه، وهو من فضلاء الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة يوم صفين، وانقطع للعبادة بالبصرة حتى توفي بها سنة إحدى وخمسين من الهجرة، روى مائة وثلاثين حديثاً، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث ﵁ وأرضاه.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما " أي إذا تقابلا بسيفيهما في حرب أو معركة شخصية " فالقاتل والمقتول في النار " أي فكلاهما يستحقان دخول النار، إلاّ أنهما لا يتساويان في العقوبة، فإنَّ القاتل أشد عذاباً، وأكثر مكثاً في النار من المقتول " فقلت هذا القاتل " أي هذا القاتل عرفنا ذنبه الذي استحق به النار " فما بال المقتول " أي فما ذنب المقتول؟ " قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " أي إنه يعاقب بالنار لعزمه وتصميمه على قتل صاحبه.
ويستفاد ما يأتي: أولاً: أن قتال المسلم لأخيه بغير وجه شرعي كبيرة من الكبائر. ثانياًً: أن كلا المتقاتلين عاص مستحق للنار، إلاّ أن القاتل أشد معصية وأعظم عقوبة. ثالثاً: أن المسلم يحاسب على ما يستقر في نيته من العزم على المعصية، لقوله " فإنه كان حريصاً على قتل صاحبه ". رابعاً: أن صاحب الكبيرة لا يكفر بفعلها، لأن النبي ﷺ سمي المتقاتلين مسلمين.
والمطابقة: في قوله " إذا التقى المسلمان " حيث سماهما مسلمين مع ارتكابهما الكبيرة.
стр. 117
٢٢ - " بَابٌ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم "
٢٩ - عن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قَالَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أينَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنزَلَ اللهُ تعالى: (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْم عَظِيْمٌ).
ــ
٢٢ - باب ظلم دون ظلم
٢٩ - الحديث: أخرجه الشيخان.
ترجمة الراوي: هو عبد الله بن مسعود ﵁ أحد الستة السابقين إلى الإِسلام، شهد بدراً والمشاهد كلها، وهو أول من جهر بالقراءة في مكة، كان يشبه النبي ﷺ في هديه وسمته رُوي عنه أنه قال ما نزلت آية إلاّ وأنا أعلم أين نزلت، وفيم أنزلت. روى (٨٤٨) حديثاً اتفقا منها على أربعة وستين حديثاً، وتوفي بالمدينة سنة ٣٢ من الهجرة.
معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: " لما نزلت (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) " أي لم يخلطوا إيمانهم بظلم (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) " قال أصحاب رسول الله ﷺ أينا لم يظلم " أي شق على أصحاب النبي ﷺ كما جاء في رواية أخرى " وقالوا: أينا لم يظلم " أي لم يقترف معصية، لأنّهم فهموا أن المراد بالظلم اقتراف المعاصي، وأنه لا يسلم من الخلود في النار إلاّ من سلم منها، فخافوا على أنفسهم لأنه لا يسلم أحد من الخطايا " فأنزل الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) " فبين لهم أن المراد بالظلم الذي لا يسلم أحد من الخلود في النار إلاّ إذا سلم منه هو الشرك بالله تعالى.
ويستفاد ما يأتي: أولاً: أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار لأنّ
стр. 118
٢٣ - " بَابُ عَلامَاتِ النِّفَاقِ "
٣٠ - عن أبِي هريْرَةَ ﵁:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاث: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وِإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذَا ائْتُمِنَ خَانَ ".
ــ
الحديث دل على أن الظلم الذي يخلّد صاحبه في النار هو الشرك فقط. ثانياًً: أن الظلم نوعان: ظلم أكبر: يخلد صاحبه في النار وهو الشرك بالله تعالى، وظلم أصغر: لا يخلد صاحبه في النار وهو المعاصي وأن هناك ظلم دون ظلم كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن الظلم أنواع كما أفاده المعنى.
٢٣ - باب علامات النفاق
٣٠ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.
معنى الحديث: اعلم أولاً أن النفاق نوعان: نفاق اعتقادي يخرج صاحبه عن الإيمان وهو إظهار الإِسلام وإخفاء الكفر ونفاق عملي: وهو التشبه بالمنافقين في أخلاقهم، وهذا لا يخرج صاحبه عن الإيمان، إلاّ أنه كبيرة.
وقد تحدث النبي ﷺ في هذا الحديث عن النفاق العملي وبين لنا العلامات المميزة له فقال: " آية المنافق ثلاث " أي من علامات النفاق العملي التي تدل على أن صاحبها يشبه المنافقين في أعمالهم وأخلاقهم أن توجد في المرء هذه الخصال الثلاث أو بعضها: الخصلة الأولى: " إذا حدث كذب " أي أن يشتهر ذلك الإنسان بالكذب في الحديث عامداً متعمداً، فلا يخبرك بشيء إلا تعمد إخفاء الحقيقة والإِخبار بخلاف الواقع الذي يعتقده تضليلاً وتمويهاً وخداعاً. الخصلة الثانية: " إذا وعد أخلف " أي أن يشتهر بخلف الوعد عمداً، بحيث إذا وعد بشيء تعمد الخلف، وعزم عليه في نفسه مسبقاً،
стр. 119
٢٤ - " بَابُ صَوْمِ رَمَضَانَ احتِسَاباً مِنَ الإيمَانِ "
٣١ - عَنْ أبِي هريْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ
ــ
وصمم من أول الأمر على عدم الوفاء به. الخصلة الثالثة: " إذا ائتمنٍ خان " أي أن يشتهر بالخيانة بين الناس، فلا يثق به أحد، لأنه إذا أودع سراً أفشاه، وإذا أودع مالاً تصرف فيه خلاف الوجه الشرعي المطلوب منه، وإذا استشير لم ينصح في مشورته، وإذا عهد إليه بعمل لم يؤده.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الكذب نفاق عملي وخصله من خصال المنافقين، وكبيرة من الكبائر، وهو في الأصل الإِخبار بخلاف الواقع، إلا أنه لا يكون كبيرة إلا إذا خالف ما يعتقده صاحبه، أما إذا تحدث بما يعتقده ثم ظهر الواقع خلافه فلا إثم عليه لأنه لا تكليف إلا بعلم. ثانياً: أن خلف الوعد من النفاق، وكبيرة من الكبائر، بشرطين: الأول: أن يكون وعد خير، فإن كان وعد شر. فإن خُلْفَه واجب (١) أو مستحب، وليس من النفاق في شيء، بل هو برٌّ وطاعة. والثاني: أن يكون قد عزم على الخلف مسبقاً، أما إذا نوى الوفاء وحال دونه عذر شرعي فلا شيء عليه. ثالثاً: أن الخيانة من الكبائر ومن أخلاق المنافقين سواء كانت في سر أو وديعة أو وظيفة، وسواء كانت في حق من حقوق الله، أو من حقوق العباد. المطابقة: في قوله " آية المنافق ثلاث " إلخ.
٢٤ - باب صوم رمضان احتساباً من الإِيمان
٣١ - الحديث: أخرجه الشيخان، ومالك في " موطئه " وأحمد في
стр. 120
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
٢٥ - " بَابٌ إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ "
٣٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأبشِرُوا، وَاسْتَعِيْنُوا بِالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ".
ــ
" مسنده ".
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من صام رمضان إيماناً واحتساباً " أي من صام هذا الشهر معتقداً أنه من أعمال الإِيمان منتظراً المثوبة عليه " غفر له ما تقدم من ذنبه " وفي رواية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والمعنى، أن صيامه هذا يكفر جميع ذنوبه السابقة واللاحقة إذا كانت من الصغائر.
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: فضل رمضان، وفضل صيامه وكونه يكفر الذنوب المتقدمة والمتأخرة. ثانياًً: أن الصيام الذي هو عمل من أعمال الجوارح جزء من الإِيمان لقوله ﷺ من صام رمضان إيماناً. وإذا كان الصوم جزءاً من الإِيمان، فإن هذا يدل على أن جميع الأعمال الصالحة من الإِيمان أيضاً. وهو ما ترجم له البخاري، أو ما أراد من هذه الترجمة.
والمطابقة: في قوله " من صام رمضان إيماناً ".
٢٥ - " باب إنَّ الدين يسر "
٣٢ - الحديث: أخرجه الشيخان.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إن الدين يسر " أي أن هذا الدين الذي هو دين الإِسلام يمتاز على غيره من الأديان السماوية بسهولة أحكامه،
стр. 121
وعدم خروجها عن الطاقة البشرية، وملاءمتها للفطرة الإِنسانية، وتجردها وخلوها من التكاليف الشاقة، التي كانت في الشرائع السابقة فقد كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب ذنباً لا تقبل توبته إلا بقتله، وإذا أصابته النجاسة لا يطهر إلا بقطع ما أصابته من ثوب أو بدن، أما هذا الدين فقد تنزه عن كل ذلك كما قال تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ومن سماحة هذا الدين ويسره أن الاستطاعة شرط في جميع تكاليفه الشرعية حيث قال ﷺ " ما أمرتكم به فأدوا منه ما استطعتم " ومن ذلك أيضاً ما شرعه لهذه الأمة من رخص وأحكام استثنائية راعى فيها الظروف والأحوال كالقصر والإِفطار في السفر. " ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " بنصب الدين على المفعولية، قال النووي الأكثر في ضبط بلادنا النصب -أي لا يبالغ أحد في نوافل العبادات، ويتجاوز فيها حدود الشريعة والسنة الثابتة عن النبي ﷺ ويتعدى حدود الطاقة البشرية، بحيث لا يدع وقتاً للراحة وأداء حقوق النفس والجسد والزوجة والولد إلا أرهق نفسه، وانقطع في النهاية لسآمته وملله، وكانت النتيجة عكسية، فإن لكل فعل كما يقوٍل العلماء رد فعل، وردُّ الفعل الذي يترتب على التنطع في الدين سيء جداً، لأنه يؤدي حتماً إلى ترك العبادة وقد ذم الله أقواماً شددوا على أنفسهم، وحبسوها في الصوامع، رهبانية ابتدعوها، وذمهم النبي ﷺ ، ونهي أمته أن يشددوا على أنفسهم، ويصنعوا صنيعهم، فقال " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار- رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم " رواه أبو داود.
وأمر ﷺ في هذا الحديث بالاقتصاد والتوسط في العبادة حيث قال: " فسدّدوا وقاربوا "، وهو أمر بالسداد، أي بالتوسط والاعتدال في الأعمال دون إفراط ولا تفريط، كما قال الشاعر:
خَيْرُ الأمُورِ الوَسَطُ الوَسِيطُ ... وَشرُّهَا الإفْرَاطُ والتَّفْرِيطُ
стр. 122
ثم قال ﷺ " وقاربوا " أي إذا لم تستطيعوا الإِتيان بالأفضل من النوافل والطاعات والإتيان بها جميعاً، فأتوا بما يقارب الأفضل، لأن ما لا يدرك كله، لا يترك جله، فمن لم يستطع أن يصوم يوماً ويفطر يوماً - الذي هو أفضل الصيام، فليأت بما يقارب ذلك، كصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ومن لم يستطع ذلك فليصم يوم عاشوراء ويوم عرفة، وستة أيام من شوال.
" وأبشروا " أي ولا تظنوا أن القليل من العبادة لا ينفع بل أبشروا بحسن القبول متى حسن العمل وخلصت النية، فإن العبرة بالكيف لا بالكم.
" واستعينوا بالغدوة " بضم الغين المعجمة، وهي السير أول النهار إلى الزوال " والروحة " بفتح الراء، وهي السير بعد الزوال إلى الليل. " والدلجة " بضم الدال وإسكان اللام كذا جاءت الرواية ويجوز فتحها وهي السير آخر الليل (١) وقد استعار هذه الأوقات الثلاثة لأوقات النشاط أي واستعينوا على أداء هذه العبادات والصلوات بفعلها في أرقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، ولا تشغلوا بالعبادة كل أوقاتكم لئلا تسأموا فتنقطعوا عنها بالكلية، فينبغي للعبد إذا أراد المداومة على العمل، وأحَبُّ العمل إلى الله وإلى نبيه ﷺ أدْوَمُهُ، وإن قل- أن يختار للعبادة بعض الأوقات المناسبة كوقت الصباح وبعد الزوال وساعة من آخر الليل.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: يُسر هذا الدين، وسهولة أحكامه، وملاءمته للفطرة الإِنسانية. ثانياًً: أن قدرة الإِنسان وطاقته البدنية شرط في جميع التكاليف الشرعية. ثالثاً: أن رفع الحرج عن المكلفين أصل من أصول التشريع الإِسلامي لقوله ﷺ : " إن هذا الدين يسر " وقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله ﷺ : " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا ". رابعاً: الترغيب في الأخذ بالرخص كالقصر
стр. 123
٢٦ - " بَابُ الصَّلَاةِ مِنَ الإيمَانِ "
٣٣ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄:
أنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (وَما كانَ اللهُ ليُضِيعَ إِيمَانَكُمْ).
ــ
والإِفطار في السفر، لقوله ﷺ " ولن يشادّ هذا الدين أحد إلاّ غلبه ".
خامساً: الترغيب في الاقتصاد في عبادات التطوع دون إفراط ولا تفريط لهذا الحديث ولما جاء في حديث عائشة ﵂ حين ذكرت عنده الحولاء أنها لا تنام الليل كله، فكره ذلك، وقال: " مَه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا ". والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.
٢٦ - باب الصلاة من الإِيمان
٣٣ - الحديث: أخرجه أيضاً مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه.
ترجمة الراوي هو البراء بن عازب الأوْسي الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄ غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، ولم يشهد بدراً لصغر سنه، وفتح الري سنة (٢٤) هـ وشهد وقعة الجمل مع علي ﵁ وكذلك سائر مشاهده، ونزل الكوفة حتى مات بها سنة اثنتين وسبعين من الهجرة. روى ثلاثمائة وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة ﵁ وأرضاه.
معنى الحديث: يحدثنا البراء ﵁ " أنه مات على القبلة قبل أن تحول " أي مات على القبلة السابقة - وهي بيت المقدس - قبل أن تُنْسَخَ وتحول إلى الكعبة " رجال " أي عشرة رجال منهم- البراء بن معرور الأنصاري، " وقتلوا " أي وبعضهم استشهد في سبيل الله، " فلم ندر ما
стр. 124
٢٧ - " بَابُ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ "
٣٤ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁:
أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ
ــ
نقول فيهم" أي فلم نعلم حكم صلاتهم إلى بيت المقدس - سابقاً -، وهل هي مقبولة عند الله تعالى، أم لا. " فأنزل الله تعالى (وما كان الله ليضيع إيمانكم) " أي وما كان الله ليضيع ثواب صلاتكم إلى بيت المقدس، فمتى كنتم تصلون تلك الصلاة إيماناً واحتساباً لا رياء ولا سمعة، فصلاتكم مقبولة (١) لأنّها أثر الإِيمان الراسخِ في القلب المصلح للنفس.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الصلاة عمل من أعمال الإِيمان وجزء من أجزائه لأن الله تعالى قال: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمّى الصلاة إيماناً، وفي هذا دليل على أن الصلاة وغيرها من أعمال الجوارح جزء من الإِيمان خلافاً لمن أنكر ذلك من علماء الإِسلام.
ثانياً: أن صلاة المسلمين من الصحابة إلى بيت المقدس قبل النسخ مقبولة مثاب عليها. ثالثاً: قال الحافظ: وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم، والشفقة على إخوانهم، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر، كما صح من حديث البراء أيضاً، فنزل (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناحٌ فيما طعموا) إلى قوله (إن الله يحب المحسنين).
والمطابقة في قوله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) حيث سمّى الصلاة إيماناً، وهذا يدل على أن الصلاة من الإِيمان كما ترجم له البخاري.
٢٧ - باب حسن إسلام المرء
٣٤ - الحديث: أخرجه البخاري معلقاً، ووصله أبو داود.
стр. 125
يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَان بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمثَالِهَا إلى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، والسَّيِّئةُ بِمِثْلِهَا إلَّا أن يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا".
ــ
معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد رضي الله " أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها " أي إذا أسلم العبد إسلاماً حقيقياً بقلبه ولسانه، وباطنه وظاهره، فإنّ الله تعالى يمحو عنه كل معصية سبق له ارتكابها قبل إسلامه. " وكان بعد ذلك القصاص " أي ثم يعامل بعد إسلامه بمقابلة كل عمل من أعماله بمثله، خيراً كان أو شراً، فيجازى على الحسنة بالمثوبة، وعلى السيئة بالعقوبة، مع اختلاف مقدار العقوبة في السيئات عن مقدار المثوبة في الحسنات، وهو معنى قوله " الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف " أي فيثاب على الحسنة بعشر أضعافها (١) - وقد تتضاعف المثوبة إلى سبعمائة ضعف كما قال تعالى في ثواب الصدقة: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء) وقد يثاب على الحسنة بغير حساب كما في قوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنها " أي ولا يجازي على السيئة إلاّ بمثلها، وقد يعفو الله عنها بفضله وكرمه، ومنّه وإحسانه، فلا يعاقب عليها فاعِلَها.
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: أن الإِسلام الحقيقي يهدم ما قبله من المعاصي صغائر أو كبائر، لقوله ﷺ "إذا أسلم العبد فحسن اسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان قد زلفها" وهو مصداق قوله تعالى: (قل
стр. 126
٢٨ - " بَابٌ أحَبُّ الدِّينِ إلى اللهِ أَدْوَمُهُ "
٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وعِنْدَهَا امْرَأة فَقَالَ: " مَنْ هَذِه؟ " قَالَتْ: فُلَانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: "مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقونَ، فَوَاللهِ لا يَمَلُّ
ــ
للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : " الإِسلام يَهْدِم ما كان قبله ". ثانياً: أن كل كبيرة عدا الشرك قابلةٌ للعفو والغفران، لقوله ﷺ "والسيئة بمثلها إلاّ أن يتجاوز الله عنها" أي إلا أن يعفو الله عنها فلا يعاقب عليها. وهو مصداق قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فما من كبيرة بعد الشرك بالله مهما عظمت إلاّ وعفو الله أعظم منها وقد جاء في الحكم " لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله "، وذلك لقوله تعالى: (قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً، إنّه هو الغفور الرحيم) لكن العبد يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، لأنهما جناحا المؤمن. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٢٨ - " باب أحبُّ الدين إلى الله أدومه "
٣٥ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي ومالك.
معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أنَّ النبيَّ ﷺ ، دخل عليها وعندها امرأة " أي وعندها امرأة من بني أسد اسمها الحولاء بنت تويت بضم التاء وفتح الواو وبالتاء في آخره، " قال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها " أي فقالت هذه فلانة وسمتها باسمها حال كونها مادحة
стр. 127
اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا" وَكَانَ أحَبَّ الدِّينِ إليهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ".
ــ
لها، ذاكرة كثرة صلاتها وعبادتها، وأطنبت في مدحها، وبالغت في الثناء عليها، حتى قالت في رواية: " هذه فلانة أعبد أهل المدينة " وقالت في رواية أخرى: " هذه الحولاء لا تنام الليل فكره ذلك النبي ﷺ حتى عرفت الكراهية في وجهه " أخرجه مالك في الموطأ، فلما قالت عائشة فيها ما قالت، ووصفتها بما لا تستحقه، " قال النبي ﷺ : مه " (١) أي كفِّي عن إطرائك لهذه المرأة، ومبالغتك في مدحها والثناء عليْها، بما لا تستحقه من الثناء، لمخالفتها السنة الصحيحة، فإن الدين في متابعة النبي ﷺ ، والعمل بسننه، وليس من السنة إحياء الليل كله، ولا من الإِسلام التشديد على النفس وإرهاقها بالعبادة، ولكن " عليكم بما تطيقون " أَي افعلوا ما تقدرون عليه من الصيام والقيام، ولا تشقوا على أنفسكم فإنّ الدين يسر، ولن يشادّ هذا الدين أحدٌ إلَّا غَلَبهُ " فوالله لا يمل الله حتى تملوا " أي لا يقطع الله عنكم الثواب حتى تسأموا من العمل، فإذا فتر النشاط قلَّ الثواب، ومتى انقطع انقطع الثواب أيضاً. قالت عائشة ﵂ " وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه " أي وكان أحب العبادة إلى النبي ﷺ وأفضلها لديه العبادة المستمرة الدائمة، ولو كانت قليلة، لأن العبادة رياضة روحية، فكلما كانت أدوم كانت أجدى نفعاً وتهذيباً لنفس صاحبها، ومثل العبادة كما يقول الإِمام الغزالي مثل الماء إذا قطر على الحجارة قطرة قطرة ولم يزل كذلك فإنه يثقبها " أي يخرقها " بخلاف ما إذا صب صباً، فإنه لا يؤثر فيها، وهو مصداق قول الشاعر:
стр. 128
٢٩ - " بَابُ زِيَادَةِ الإيمَانِ وَئقْصَانِهِ "
٣٦ - عَنْ أنس ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وفي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَةٍ مِنْ خَيْرٍ ".
ــ
أمَا تَرَى الحَبْل لِتِكْرَارِهِ ... في الصَخْرَةِ الصَّمَاءِ قَد أثَّرَا
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل العمل الدائم ولو كان قليلاً، لقول عائشة ﵂ " وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه ". ثانياً: كراهية قيام الليل كله، وإليه ذهب مالك رحمه الله تعالى، وقال: في رسول الله أسوة حسنة، كما أفاده النووي. والمطابقة: في قوله " وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه ".
٢٩ - " باب زيادة الإِيمان ونقصانه "
٣٦ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " يخرج من النار من قال: لا إِله إلَّا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير " أي يخرج من النار بعد استيفاء عقوبته على ذنوبه من نطق بالشهادتين مع اعتقاد معناهما، ولو لم يأت من أعمال الإيمان - بعد التصديق القلبي إلَّا بمقدار وزن شعيرة فقط. وكذلك " يخرج من النار من قال: لا إِله إلَّا الله، وفي قلبه وزن بُرَّة " بضم الباء " من خير " أي مقدار وزن حبة واحدة من القمح. " ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرّة " أي نملة صغيرة.
стр. 129
٣٧ - عَنْ عُمَرَ ﵁:
أنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يا أميْرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ في كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيداً، قَالَ: أيُّ آيةٍ؟ قَالَ: (الْيَومَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وأتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي،
ــ
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الإِيمان يزيد وينقص، كما ترجم له البخاري، لأن منه ما يزن الشعيرة، ومنه ما يزن البرة، ومنه ما يزن الذرة، وهذه الأشياء متفاضلة، بعضها أكبر من بعض، وذلك يقتضي أن الإِيمان يزيد وينقص، وهو قول الجمهور خلافاً لأبي حنيفة. ثانياًً: أن العصاة لا يخلدون في النار ما داموا قد ماتوا على التوحيد والإِيمان. والمطابقة: في قوله " وفي قلبه وزن شعيرة، وفي قلبه وزن برة ... إلخ ".
٣٧ - الحديث: الحديث أخرجه الشيخان، والترمذي.
ترجمة راوي الحديث: هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب العدوي القرشي يجتمع مع النبي ﷺ في كعب بن لؤي الجد الثامن للنبي ﷺ ، أسلم ﵁ سنة ست من الهجرة، ولقب بالفاروق لقول جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، وبويع له بالخلافة بعد الصديق ﵁ حيث عهد له بها سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فقام يفتح البلدان الكثيرة، والإِصلاحات الكبيرة، واستشهد على يد أبي لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة في محراب النبي ﷺ بالمدينة سنة (٢٣) من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين عاماً على الأصحِ، وكانت مدة خلافته عشر سنوات ونصفاً روى عن النبي ﷺ (٥٣٧) حديثاً اتفقا على ستة وعشرين حديثاً، وكان نقش خاتمه " كفى بالموت واعظاً " ﵁ وأرضاه.
معنى الحديث: يحدثنا عمر ﵁ في حديثه هذا "أنَّ رجُلاً
стр. 130
ورَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينَاً) قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ".
ــ
من اليهود" وهو كعب الأحبار كما أفاده الطبري في تفسيره، والطبراني في الأوسط " قال له: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً " أي لجعلناه عيداً نحتفل به تقديراً وتكريماً لذلك اليوم، لأهميته الدينيَّة والتاريخية، وإشادةً بفضله، وتذكيراً للناس بمناسبته التاريخيّة العظيمة قال: أيُّ آية؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي) فهي آية عظيمة جديرة بأن يحتفل بيوم نزولها، لأن الله أتم بهذه الآية المباركة أحكام الدين وشرائع الإِسلام، بعد أن أتم نعمته على المسلمين بالهداية والتوفيق، وفتح البلد الحرام، والقضاء على النفوذ الوثني فيه، واختار لهذه الأمة دين الإِسلام الحنيف، وارتضاه لهم دون سواه، فقال: (إن الدين عند الله الإِسلام) وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً فَلن يقبل منه) " قال عمر قد عرفنا ذلك اليوم " الذي نزلت فيه الآية الكريمة " والمكان الذي نزلت فيه " أي وعرفنا المكان الذي نزلت فيه، فأنت لم تأت بجديد، ولم تنبهنا على شيءٍ كنا نجهلُهُ فهي قد نزلت " على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة " فأصبح ذلك اليوم عيداً لأنه يوم عرفة وعيداً أيضاً لأنه يوم جمعة، فاجتمع فيه عيدان، كما جاء مصرحاً بذلك في رواية الطبراني حيث قال " وهما لنا عيدان " وفي رواية إسحاق عن قبيصة أن عمر قال: نزلت يوم جمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد، وروى ابن عباس ﵁ أنّ يهوديّاً سأله عن ذلك، فقال: نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة أخرجه الترمذي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن آخر آية نزلت في التشريع الإِسلامي
стр. 131
٣٠ - " بَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الإِسْلَامِ "
٣٨ - عن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ﵁ يَقُولُ:
ــ
والأحكام الفقهية هي قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإِسلام ديناً) من سورة المائدة. ثانياًً: أن في هذه الآية إشارة إلى وفاته ﷺ -َ لأنّه ليس بعد التمام إلَّا النقصان كما قال الشاعر:
إذا تَمَّ شيء بدا نقصه ... فحاذر تماماً إذا قيل تمْ
ولذلك لما نزلت هذه الآية بكى عمر ﵁ فقال له النبي ﷺ : " ما يبكيك يا عمر " قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فإذا أكمل فإنه لا يكمل شيء إلَّا نقص، فقال ﵊: " صدقت يا عمر " فكانت هذه الآية، نعي رسول الله ﷺ ، فما لبث بعدها إلَّا واحداً وثمانين يوماً. ثالثاً: فضل يوم الجمعة وكونه عيداً أسبوعياً للمسلمين. رابعاً: فضل يوم عرفة ومكانته في الإِسلام. خامساً: استدل أهل السنة بهذا الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص لاشتماله على قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) حيث إن هذا الدين قد كمل بتمام أعماله، وكل شيء كمل بتمام أعماله فإنه ينقص بنقصانها، وفي هذا دليل واضح على زيادة الإِيمان، ونقصانه، كما ترجم له البخاري، وهو مذهب أكثر أهل السنة. والمطابقة: في قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) فإن كل ما يقبل الكمال يقبل النقصان.
٣٠ - " باب الزكاة من الإِسلام "
٣٨ - الحديث: أخرجه مسلم والنسائي في الإِيمان، وأبو داود في الصلاة، والبخاري في الشهادات والصوم وترك الحيل، كما أخرجه هنا في هذا الباب.
رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عليَّ غَيْرُها قَالَ: لَا إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ.
قال: فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: واللهِ لَا أزِيدُ علَى هَذَا ولَا أنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " افلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ ".
ــ
وهي من الأعمال البدنِية " فقال: هل علي غيرها " أي هل يجب علي من الصلاة غير هذه الصلوات الخمس " قال: لا " أي لا يجب عليك من الصلوات غيرها " إلَّا أن تطوع " الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن إذا أتيْتَ بما زاد على هذه الصلوات الخمس من النوافل فإنه تطوع مستحب تثاب عليه، وقال بعضهم: الاستثناء متصل، والمعنى لا يجب عليك أي صلاة أخرى إلَّا إذا شرعت في صلاة نافلة فيجب عليك إتمامها، وكذلك أي تطوع تشرع فيه من صيام أو غيره. ثم " قال رسول الله ﷺ : وصيام رمضان " أي والثاني من أعمال الإِسلام صيام رمضان " قال: هل عليَّ غيره، قال: لا، إلَّا أن تطوع " وقد تقدم شرحه. " وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة " أي وبين له ﷺ أن من أركان الإِسلام أيضاً الزكاة " قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع " أي لكن إن تصدقت بغيرها فهو تطوع تثاب عليه لا واجب تأثم بتركه " فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص " أي لا أزيد على هذه الفرائض بفعل شيء من النوافل، ولا أترك شيئاً منها " فقال رسول الله ﷺ : أفلح الرجل إن صدق " أي إذا صدق في قوله هذا، فأدَّى هذه الأركان، فقد فاز بالجنة، ونجا من النار، ولو لم يأت من النوافل شيئاً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن من أركان الإِسلام البدنية الصلاة والصوم، ومن أركانه المالية الزكاة، ولم يذكر الحج، ولعله لم يكن فرض بعد. ثانياًً: أن الزكاة من الإِسلام وقد ذكر البخاري عدة تراجم على هذا المنوال فقال في بعضها: " باب الصلاة من الإِيمان " وفي بعضها: "باب
стр. 134
٣١ - " بَابُ ائباعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ "
٣٩ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَن اتَبّع جَنَازَةَ مُسْلِم إِيمَاناً واحْتِساباً، وكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأجْرِ بِقِيرَاطَيْن، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أن تُدْفَنَ، فإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاط ".
ــ
اتباع الجنائز من الإيمان" إلى غير ذلك، وغرضه منها ومن الأحاديث المخرجة فيها إثبات قضية من القضايا الإسلامية الهامة، وهي أنَّ العمل جزء من الإيمان، فليس الإِيمان مجرد تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وإنما هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، كما عليه المحققون من أهل السنَّة. ثالثاً: أن صلاة الوتر ليست واجباً، لأن السائل لما سأل النبي ﷺ هل عليه غير الصلوات الخمس قال: لا. والمطابقة: في قوله: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة.
٣١ - " باب اتباع الجنائز من الإِيمان "
٣٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ "من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً" أي من شيع جنازة أخيه المسلم، وتبعها من بيت أهلها إلى المسجد معتقداً أن تشييع الجنازة من أعمال الإيمان، مصدقاً بما وعد الله المتبعين من الأجر والمثوبة: راجياً أن ينال ذلك، ورافقها إلى المسجد " حتى يصلى عليها " صلاة الجنازة " ويفرغ من دفنها " أي وخرج معها من المسجد، فشيعها ورافقها إلى مثواها الأخير، واستمر معها حتى دفنت " فإنه يرجع من الأجر قراطين، كل قيراط مثل أحد " أي فإنه يعود بمقدارين عظيمين من الأجر،
стр. 135
٣٢ - " بَابُ سُؤَالِ جِبْريلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإيْمَانِ وَالإِسْلَامِ والإِحْسَانِ "
٤٠ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ:
ــ
كل واحد منهما يكون يوم القيامة مثل جبل أحد حجماً ووزناً. قال ابن دقيق العيد (١): وقد مثلهما في الحديث بأن أصغرهما مثل أحد والأعمال تجسم -يوم القيامة- وتوزن ويكون لها جرم كما يدل على ذلك حديث عدي حيث قال فيه " أخفهما في ميزان يوم القيامة أثقل من أحد " وبقية الحديث ظاهر.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن اتباع الجنائز من الإِيمان كما ترجم له البخاري لقوله ﷺ : من اتبع جنازة مسلم إيماناً، وغرضه من هذا الباب وأمثاله إثبات أن العمل جزء من الإيمان، قال ابن بطال (٢): هذا مذهب جماعة أهل السنة، وإنما أراد البخاري الرد على المرجئة في قولهم إن الإِيمان قول بلا عمل. ثانياًً: أن مشيّع الجنازة لا يثاب بقيراطين إلَّا إذا اتبعها حتى تدفن. والمطابقة: في قوله " من اتبع جنازة مسلم إيماناً ". الحديث: أخرجه الستة.
٣٢ - " بَاب سؤال جبريل النبيَّ ﷺ عن الإِيمان والإِسلام والِإحسان "
٤٠ - الحديث: أخرجه مسلم في الإيمان، والترمذي في الإِيمان، وأبو داود، وابن ماجه في السنة، كما أخرجه الطبراني وأبو عوانة، وابن خزيمة، والبخاري في التفسير والزكاة وفي هذا الباب.
ترجمة راوي الحديث: تقدمت.
معنى الحديث: قال أبو هريرة ﵁: " كانَ النَّبِيُّ ﷺ يوماً
стр. 136
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَاً بَارِزاً للنَّاس، فَأتَاهُ رَجُلٌ، فقَالَ: ما الإِيمَانُ؟ قَالَ: أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وتؤمِنَ بالبَعْثِ، قَالَ:
ــ
بَارزاً" أي ظاهراً لأصحابه، غير محتجب، ولا ملتبس بغيره كما أفاد الحافظ.
وقد كان ﷺ في أول أمره يجلس بين أصحابه كواحد منهم لا يميزه شيء عنهم، فصار الغريب لا يعرفه، فبنوا له " دكاناً " أي دكة مرتفعة، ليعرفه السائل من بين أصحابه " فأتاه رجل " أي مَلَكٌ في صورة رجل، وهو جبريل ﵇، جاءه على صورة أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً، كما هو شأنُ الملائكة عند النزول بالوحي، كما تقدم توضيحه في باب كيف كان بدء الوحي " فقال: ما الإِيمان؟ " أي ما هي أركان الإِيمان وعقائده وقضاياه التي لا يصير الإنسان مؤمناً إلَّا إذا صدق بها؟ " قال: أن تؤمن بالله " أي الركن الأول أن تصدق تصديقاً جازماً لا شائبة فيه ولا شك بوجود الله وربوبيته وصفاته ووحدانيته وتعتقد ذلك اعتقاداً راسخاً، " وملائكته " والركن الثاني أن تصدق بوجود الملائكة وهم عالم من خلق الله يتميز بالعصمة الذاتية والطاعة الفطرية، خلقوا من أصل تكوينهم على الطاعة والخير والاستقامة، فلا يقترفون المعصية بطبيعتهم، كما قال تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) " وبلقائه " أي والركن الثالث من أركان الإِيمان أن تصدق بوجود حياة أخرى بعد الموت، وهي حياة روحية جسمية معاً، خلافاً للمسيحيين في زعمهم أنها روحية فقط، وأن نعيمها وعذابها للأرواح دون الأجسام. أما المؤمنون فيعتقدون أنهم يحيون حياة روحية جسميّة ليحاسبوا على أعمالهم، ويلقوا جزاءهم العادل حيث يثاب الطائع بالجنة، ويعاقب العاصي بالنار. " ورسله " أي والركن الرابع التصديق بجميع الرسل من آدم ﷺ إلى محمد ﷺ ، وأنهم أرسلوا من عند الله لهداية البشر وأوحي إليهم بدين حق، " وتؤمن بالبعث " أي بإعادة الحياة إلى أجساد الأموات وإخراجهم
стр. 137
ما الإِسْلَامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ أنْ تَعْبُدَ اللهَ ولا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: ما الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أن تَعْبُدَ اللهَ كَأنكَ تَرَاهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأمةُ رَبَّها، وِإذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمِ في الْبُنْيَانِ.
في خَمْس لَا يعْلَمُهُنَّ إلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ (إنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئاً، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاس دِينَهُمْ ".
ــ
من قبورهم للحشر والحساب، وما بعد ذلك من الميزان والصراط والجنة والنار، وهو تأكيد لقوله " وبلقائه ". " قال: ما الإِسلام؟ " أي ما أركان الإسلام؟ " قال أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان " وقد تقدم شرح هذه الأركان في حديث بني الإِسلام على خمس. " قال ما الإِحسان "؟ أي ثم سأل عن المرتبة الثالثة من مراتب هذا الدين فقال: ما الإِحسان؟ أي ما هي الصفة التي إذا تحلى بها المسلم يكون محسناً في عبادته متقناً لها، مؤدياً لها على الوجه الأتم الأكمل.
" قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أي للإِحسان مرتبتان، مرتبة عليا، وهي مشاهدة الحق بالقلب أثناء العبادة، كأنما يشاهده العبد ببصره ومرتبة أدنى من ذلك، ولكنها من الإِحسان أيضاً، وهي مراقبة الله تعالى أثناء العبادة واستحضار كونه مطلعاً عليك اهـ كما أفاده الحافظ.
" قال: متى الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " أي لست أنا بأعلم بها منك، بل نحن في الجهل بها سيان " وسأخبرك عن أشراطها " أي عن علاماتها الصغرى " إذا ولدت الأمة ربها " أي فمن علاماتها الصغرى
стр. 138
كثرة السراري فيتسرى الرجل جارية تلد له ولداً، فيصبح ذلك الولد سيدَ الأمةِ، وقيل هو كناية عن كثرة العقوق، حتى يعامل الولد أمه معاملة السيد لجاريته. " وإذا تطاول رعاة الإِبل البهم في البنيان " أي ومن علاماتها الصغرى أيضاً أن يتنافس رعاة الإِبل السود في تشييد القصور والمباني العالية. " في خمس لا يعلمهن إلاّ الله " أي وأما العلم بالساعة ووقت قيامها على وجه التحديد فذلك أمر غَيْبي يدخل ضمن الغيبيات الخمسة التي لا يعلمها أحد إلاّ الله " ثم تلا النبي ﷺ (إن الله عنده علم الساعة) " أي ثم قرأ النبي ﷺ هذه الآية الكريمة مستدلاً بها على أن الله وحده هو الذي عنده علم الساعة، كما نصت عليه الآية " ثم أدبر " أي ثم ذهب ذلك الرجل " فقال: ردوه، فلم يروا شيئاً " لأنه كان قد اختفى عن أبصارهم " قال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم " أي هذا السائل هو جبريل مَلَك الوحي، جاء ليعلم الناس أركان دينهم، وفي رواية أنّه ﷺ قال " والذي نفسي بيده ما جاءني قط إلّا وأنا أعرفه إلاّ هذه المرة " وهكذا سلك جبريل في تعليمه طريق السؤال والجواب لأنه أوقع في النفس اهـ.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الإِيمان هو التصديق بجميع القضايا الاعتقادية التي جاء بها النبي ﷺ من وجود الله وربوبيته ووحدانيته وصفاته، والتصديق بالملائكة، والبعث والرسل والكتب السماوية والقدر وجميع الشؤون الغيبية. ثانياً: أن أركان الإِسلام خمسة بعضها لساني قلبي كالشهادتين، وبعضها بدني كالصلاة، وبعضها مالي كالزكاة والحج. ثالثاً: أن الإِحسان وهو مقام المراقبة أغلى مقامات الدين، وهو منهاج النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. رابعاً: ظاهر الحديث أن الإِسلام والإِيمان حقيقتان متباينتان، وأن الإِسلام يطلق على الأعمال الظاهرة. والإِيمان على الأعمال الباطنة. قال الحافظ ابن حجر: "وعن الإِمام أحمد الجزم بتغايرهما، وعن
стр. 139
المزني (١) صاحب الشافعي أنهما عبارة عن معنى واحد" قال الحافظ: ولكل من القولين أدلة متعارضة، والذي عليه البخاري أن الإِسلام والإِيمان والدين عبارات مختلفة (٢) عن معنى واحد، والناظر في النصوص، يرى أنهما إذا اجتمعا افترقا كما في حديث جبريل هذا، وإذا افترقا اجتمعا فإذا ذكر الإِسلام وحده كان جامعاً لمعنى الإِسلام والإِيمان معاً، وإذا ذكر الإِيمان وحده كان جامعاً لمعنى الإِيمان والإِسلام معاً وهذا يدل على أنهما في الأصل اسمان لحقيقة واحدة كما ذهب إليه البخاري ويرى ابن حجر في ذلك رأياً وسطاً حيث يقول (٣): والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، لكن كل منهما مستلزم للآخر، بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلماً إلّا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمناً كاملاً إلاّ إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإِسلام، أو الإِسلام في موضع الإيمان، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معاً، فهو على سبيل المجاز ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معاً في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وكان لكل منهما معنى خاصاً، وإن لم يردا معاً أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز، بحسب ما يظهر من القرائن، قال: وقد حكي ذلك الإِسماعيلي عن أهل السنة والجماعة. خامساً: أن وقت قيام الساعة أمر غيْبي اختص الله بعلمه دون سواه، أما أمارات الساعة فإنها قسمان صغرى، وقد ذكر بعضها في هذا الحديث، وكبرى كالمهدي، والدجال، ونزول عيسى، وقد ذكرت في أحاديث أخرى. سادساً: من آداب العلماء أن لا يجيبَ العالم عما لا يعرفه، وأن يقول لا أدري، لأن العلم أمانة ومسؤولية، وليس التوقف عن الإِجابة نقيصة للعالم، بل هو فضيلة فيه اقتداءً بسيد المرسلين حيث قال: ما المسؤول عنها
стр. 140
٣٣ - " بَابُ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وَعِرْضِهِ "
٤١ - عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشير ﵄ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيّنٌ، وَبَيْنَهُمَا
ــ
بأعلم من السائل. سابعاً: الترغيب في السؤال عما ينفع في الدنيا والآخرة، وترك السؤال عما لا فائدة فيه. المطابقة: في قول جبريل " ما الإِيمان، ما الإِسلام، ما الإِحسان ".
٣٣ - " باب من استبرأ لدينه وعرضه "
٤١ - الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، والترمذي في البيوع وابن ماجه في الفتن، والبخاري في البيوع وفي هذا الباب.
ترجمة راوي الحديث: هو النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، ولد بعد أربعة عشر شهراً من الهجرة، وهو أول أنصاري ولد بعد الهجرة، صحابي ابن صحابي، روى عن النبي ﷺ مائة وأربعة عشر حديثاً، وله في البخاري ستة أحاديث، كان عاملاً على حمص لابن الزبير، فلما تمرد أهل حمص خرج هارباً فقتل في واسط بين دمشق وحمص (؟) سنة خمس وستين هجرية.
معنى الحديث: يقول النعمان بن بشير ﵄: " سمعت رسول الله ﷺ الحلال بين والحرام بين " يعني أن الحلال ظاهر واضح وهو كل شيء لا يوجد دليل على تحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، وذلك لأنّ الأصل في الأشياء الإِباحة كما يقول علماء التشريع الإِسلامي لقوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) وكذلك الحرام ظاهر واضح، وهو ما دل دليل على تحريمه، سواء كان هذا الدليل من الكتاب كالزنا فإنه حرام بنص القرآن حيث قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان
стр. 141
مُشَبَّهَاتٌ، لا يَعْلمها كَثِير مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ فقَدِ اسْتَبْرَأ لِدِينهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في المُشَبَّهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أن يُواقِعَه، ألا وِإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألا وِإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، ألا
ــ
فاحشة وساء سبيل) أو كان من السنة كأكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، فهو محرم بالسنة، أو كان دليل التحريم من الإِجماع كحفر الآبار في طريق المسلمين وإلقاء السم في الطعام إذا علم أو ظهر أنهم يأكلونه فإنه حرام بالإجماع. أو كان الدليل من القياس كتحريم كل (١) إساءة للأبوين قياساً على تحريم التأفف في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) وكتحريم التغوط في الماء الراكد والاغتسال فيه، قياساً على تحريم التبول. من قوله ﷺ " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه " وهذا القياس يسمى عند علماء الأصول بالقياس الأولوي. ثم قال ﷺ "وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس " أي وبين الحلال والحرام قسم ثالث وهو المشتبهات - أي الأمور التي تكون غير واضحة الحكم من حيث الحل والحرمة، فلا يعلم الكثيرون هل هي حلال أو حرام، ويدخل في ذلك جميع الأمور المشكوك فيها، مثل المال المشبوه أو المخلوط بالربا، أو غيره من الأموال المحرمة (٢) أما إنْ تأكد أن هذا من عين المال الربوي فإنه حرام صرف دون شك. وكذلك لو تأكد أنه من عين المال الحرام كالمغصوب مثلاً أو القمار فإنه حرام أيضاً، ولا يعد من المشتبهات. " فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " أي من اجتنبها فقد طلب البراءة لنفسه ديناً وعرضاً، فيسلم له دينه من النقص، وعرضه من القدح والذم والسمعة السيئة "ومن وقع في الشبهات: كراع
стр. 142
وِإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ".
ــ
يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه" أي ومن اجترأ على الشبهات فقد عرض نفسه للخطر، وأوشك على الوقوع في الحرام، مثله في ذلك مثل راع يرعى حول الأرض التي حماها الملك لنفسه، وجعلها خاصة له، فإن هذا الراعي قد تدخل ماشيته في الحمى، فيستحق عقوبة السلطان، كذلك من يتهاون بالشبهات، فإنه على خطر لأنّها ربما كانت حراماً فيقع فيه، وهناك معنى آخر، وهو أنه ربما تساهل في الشبهات فأدى به ذلك إلى الاستهتار واللامبالاة، فيقع في الحرام عمداً، فإن الشبهة تجر إلى الصغيرة. والصغيرة تجر إلى الكبيرة نسأل الله السلامة. " ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمي الله محارمه " أي وإن حمى الله هي المعاصي التي حرمها على عباده، فمن دخل حماه بارتكاب شيء من المعاصي هلك، ومن قاربه بفعل الشبهات كان على خطر، وقد قال الشاعر:
إنَّ السلامَةَ مِن لَيْلى وَجَارَتِهَا ... أن لَا تَمُرَّ بِنَا مِنْ حَوْلِ نَادِيْهَا
" ألا وإن في الجسد مضغة " أي قطعة لحم صغيرة بقدر ما يمضغ " إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "
فكما أن القلب من الناحية الجسمية هو العضو الرئيس في الجسد، ومصدر الحياة فيه لارتباط حركة الدم به، فكذلك هو في نظر الإِسلام مصدر صلاح الإنسان وفساده من الناحية الروحية والدينية، وهو الموجه لسلوك الإِنسان وَأعماله من الأقوال والأفعال فمتى كان القلب سليماً من العقائد الخبيثة كالكفر والنفاق. والإِلحاد، ومن الأمراض النفسية كالكبر والاستعلاء والحقد والحسد والكراهية وغيرها، عامراً بالإِيمان والخوف من الله والحب في الله، صلحت
стр. 143
أعمال الجوارح واستقام سلوك الإِنسان دينيا واجتماعياً، والعكس بالعكس، وهو معنى قوله: "إذا صلحت صلح الجسد كله" أي صلحت أعْمال الجسد وسلوكه الظاهري ولهذا جاء في الحديث "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه".
ويستفاد منه: ما يأتي: أولاً: أن أحكام الشريعة الإسلامية من حلال وحرام، وواجب ومندوب ومكروه، كلها واضحة جلية لا عذر لأحد في الجهل بها، لأنها ميسورة العلم سهلة المنال ومن جهل منها شيئاً فعليه أن يسأل أهل العلم فذلك واجب. ثانياً: الترغيب في الورع واتقاء الشبهات لكي يسلم للمؤمن دينه وعرضه، وقد قسم ابن المنذر الشبهات إلى ثلاثة أقسام: الأول: شيء يعلمه المرء حراماً، ثم يشك فيه هل هو باق على حرمته أم لا فلا يحل الإِقدام عليه إلاّ بيقين كشاتين ذبح إحداهما كافرٌ، وشككنا في تعيينها. الثاني: أن يكون الشيء حلالاً فيشك في تحريمه كالزوجة، يشك في طلاقها، فلا يعتبر ذلك، ولا أثر له. الثالث: شيء يشك في حرمته وحله على السواء فالأوْلى التنزه عنه، كما فعل رسول الله في التمرة الساقطة، حيث تركها خشية أن تكون من تمور الصدقة اهـ واتقاء هذا النوع الأخير مستحب على أرجح الأقوال، وفعله مكروه، وقد قال سفيان: لا يصيب عبد حقيقة الإِيمان حتى يدع الإِثم وما تشابه منه. ثالثاً: أن من أتى شيئاً يظنه الناس شبهة ويخشى طعن الناس عليه بسببه، وهو يعلم أنه حلال، فإنه يحسن له تركه، لسلامة عرضه، وأن من وقع في أمرٍ يدعو الناس إلى الوقيعة فيه، أن يتخذ ما يصونه عن سوء الظن به، كمن أحدث في صلاته مثلاً، فإنه يستحب له أن يأخذ بأنفه موهماً أنه رعف. رابعاً: أنه يجب على الإنسان أن لا يعرِّض نفسه لمواقف التهم، محافظة على سلامة عرضه، لقوله ﷺ " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " ولهذا قال بعض السلف: من عرّض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به، وقد قال الشاعر:
стр. 144
٣٤ - " بَابُ مَا جَاءَ أنَّ الأعْمَالَ بِالنيةِ والْحِسْبَةِ " (١)
٤٢ - عنْ عمرَ بْنِ الْخَطابِ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : "الأعْمَالُ بِالنيةِ، وَلِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ
ــ
وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوْهُ بِالحَقِّ وَبِالبَاطِلِ
خامساً: ينبغي للمسلم إذا خشي اشتباه الناس فيه وتوقع سوء الظن منهم أن يشرح لهم حقيقة أمره محافظة على سلامة عرضه، ففي الحديث أن النبي ﷺ لما خرج مع صفية من المسجد ووقف يتحدث معها مر رجلان فأسرعا فقال ﷺ " على رسلكما إنها صفية " فقالا: سبحان الله، يا رسول الله، أي هل نظن بك إلاّ خيراً، " فقال ﷺ : إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً، أو قال شيئاً "، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف موقف التهم، والله أعلم. مطابقة الحديث للترجمة: في كونها جزءاً منه.
٣٤ - باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة
٤٢ - الحديث: أخرجه الستة، وسائر كتب الحديث ما عدا الموطأ (٢).
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " الأعمال بالنية " أي لا تصح جميع العبادات الشرعية إلاّ بوجود النيَّة فيها، سواء كانت من المقاصد كالصلاة والصوم ونحوها، أو من الوسائل كالوضوء والغسل، فإذا وقعت العبادة بدون
стр. 145
هِجْرَته لِدُنيا يُصِيبها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجهَا فهِجْرَتة إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".
ــ
نية كانت باطلة. أما المعاملات والجنايات، وأعمال القلوب، والأعمال العادية فإنها لا تتوقف صحتها على النية، لأن الأعمال وإن كانت في الأصل تطلق على جميع الأقوال والأفعال الصادرة من الإِنسان عبادة أو معاملة أو غيرها، إلّا أن المراد بها في هذا الحديث العبادات خاصة. " ولكل امرىء ما نوى " أي وإنما يعود على المسلم من عمله ما قصده منه، والحكم في هذه العبارة عامٌّ في جميع الأعمال من العبادات والمعاملات والأعمال العادية فمن قصد بعمله منفعة دنيوية، لم ينل إلاّ تلك المنفعة، ولو كان عبادة، فلا ثواب له عليها. ومن قصد بعمله التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء مرضاته، نال من عمله المثوبة والأجر، ولو كان عملاً عادياً كالأكل والشرب والجماع، فإن عمل الدنيا يتحول بحسن النية إلى عبادة فنتائج الأعمال بنياتها إلاّ المحرمات فإن حسن النية لا يبرر اقتراف المعصية، فالحرام حرام، ولو حسنت نية فاعله.
ثم ختم النبي ﷺ حديثه هذا بضرب الأمثلة العملية لبيان تأثير النيات في الأعمال، واختلاف النتائج باختلافها حيث قال: " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " أي فمن قصد بهجرته امتثال أمر ربه، وابتغاء مرضاته، والفرار بدينه من الفتن، فهجرته هجرة شرعية مقبولة عند الله تعالى، مأجور عليها بأجر المهاجرين، ولو مات في طريقه قبل الوصول إلى مهجره كما قال : (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) " ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها " أي ومن قصد بهجرته منفعة دنيوية وغرضاً شخصياً من مال أو تجارة أو زوجة حسناء، أوْ وَجَاهَة وسمعة، أو مركز يحصل عليه " أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " أي فلا ينال من هجرته إلاّ تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثواب. لأنَّه لا هجرة له شرعاً، وإنما هي رحلة عادية.