[سجود الغنم له ﷺ ]
ومن ذلك: حديث الغنم، عن أنس ﵁، قال:
دخل النّبيّ ﷺ حائطا لبعض الأنصار، ومعه أبو بكر وعمر، وفي الحائط غنم، فسجدت له ﷺ ، فقال أبو بكر: نحن أحقّ بالسّجود لك منها، فقال: «إنّه لا ينبغي السّجود إلّا لله تعالى» «١» .
[خضوع الجمل له ﷺ ]
ومن ذلك: حديث البعير، عن جماعة من الصّحابة ﵃، قالوا: دخل النّبيّ ﷺ حائطا وكان فيه جمل لا يدع أحدا يدخل الحائط إلّا صال عليه، فلمّا دخل النّبيّ ﷺ دعاه فجاءه، ووضع مشفره في الأرض، وبرك بين يديه، فخطمه، وقال للحاضرين: «والّذي نفسي بيده، ما من شيء بين السّماء والأرض إلّا يعلم أنّي رسول الله، ما خلا عصاة الإنس والجنّ» «٢» . فسألهم عن شأن الجمل؟ فأخبروه أنّهم أرادوا ذبحه.
وفي رواية: أنّه ﷺ قال لهم: «إنّه شكا/ كثرة العمل، وقلّة العلف، وأنّكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في العمل الشّاقّ من صغره» فقالوا: نعم يا رسول الله «٣» .
[قصّة الظّبية]
ومن ذلك: حديث الظّبية، عن أمّ سلمة أمّ المؤمنين ﵂، قالت: كان النّبيّ ﷺ في الصّحراء، فنادته ظبية: يا رسول الله، قال: «ما حاجتك؟» قالت: صادني هذا الأعرابيّ، ولي خشفان في
стр. 142
ذلك الجبل، وكان الأعرابيّ نائما، فأطلقها النّبيّ ﷺ ، فذهبت ورجعت، فانتبه الأعرابيّ، فقال للنّبيّ ﷺ : ألك حاجة؟ قال: «نعم، تطلق هذه الظّبية» ، فأطلقها، فذهبت تعدو في الصّحراء، وتقول:
أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك محمّد رسول الله «١» .
[ذراع الشّاة المسمومة]
ومن ذلك: حديث الذّراع المشهور في «الصّحيحين» ، عن جماعة من الصّحابة ﵃: أنّ يهوديّة «٢» أيّام فتح (خيبر) أهدت للنّبيّ ﷺ شاة مصليّة- أي: مشويّة- سمّتها، فأكل منها النّبيّ ﷺ ، ثمّ قال للقوم: «ارفعوا أيديكم، فإنّها أخبرتني أنّها مسمومة» «٣» .
وفي رواية جابر: «أخبرتني هذه الذّراع» ، وقال لليهوديّة:
«ما حملك على ما صنعت؟» ، فقالت: إن كنت نبيّا لم تضرّك، وإن كنت ملكا أرحت النّاس منك، فعفا عنها. فمات بشر بن البراء من السّمّ، فقتلها به قصاصا «٤» .
وفي رواية أنس: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ «٥» .
وفي حديث أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال في وجعه الّذي مات فيه: «ما زالت أكلة (خيبر) تعادني- أي: تعاودني-
стр. 143
فالآن قطعت أبهري- أي: عرق الظّهر المتعلّق بالقلب-» «١» .
وفي حديث أبي سعيد ﵁، أنّه ﷺ قال: «كلوا باسم الله» ، فأكلنا «٢» .
وعند ابن إسحاق: إن كان المؤمنون ليرون أنّ النّبيّ ﷺ مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من/ النّبوّة «٣» .
[الأسد يدلّ رسول النّبيّ ﷺ على الطّريق]
ومن ذلك: حديث الأسد، مع سفينة مولى النّبيّ ﷺ ، وكان أرسله النّبيّ ﷺ برسالة إلى معاذ بن جبل إلى (اليمن) ، فضلّ الطّريق، فاعترضه الأسد فقال له سفينة: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله، ومعي كتابه، فهمهم وتنحّى عن طريقه، وجعل يغمزه بمنكبيه حتّى أدلّه الطّريق «٤» .
وأمّا النّوع السّادس: [إبراء المرضى وذوي العاهات]
وهو شفاء العلل بريقه وكفّه المباركة ﷺ .
[ردّ عين بعد قلعها]
فمن ذلك: ما رواه ابن إسحاق، أنّ قتادة بن النّعمان أصيبت عينه يوم (أحد) حتّى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله ﷺ ، فكانت أحسن عينيه. وفي ذلك يقول ابنه، [من الطّويل] «٥» :
أنا ابن الّذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ
стр. 144
[شفاء عيني عليّ]
وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ تفل في عيني عليّ بن أبي طالب ﵁ يوم (خيبر) وكان رمدا، فبرأ حتّى كأن لم يكن به وجع «١» .
[ردّه يدا بعد ما قطعت]
وروى ابن وهب: أنّ أبا جهل قطع يد معوّذ بن عفراء يوم (بدر) ، فجاء يحمل يده، فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها، فلصقت «٢» .
وأتته امرأة من خثعم بصبيّ لا يتكلّم، فتمضمض بماء وأعطاه إيّاها، فسقته إيّاه، فنطق وعقل عقلا يفضل عقول الرّجال «٣» .
[حياء في الجارية من أثر لقمته ﷺ ]
وسألته جارية وهو يأكل طعاما- وكانت قليلة الحياء- أن يطعمها من الّذي في فيه، فناولها الّذي في فيه- ولم يكن يمنع شيئا يسأله- فلمّا استقرّ في جوفها، ألقى الله عليها الحياء، حتّى لم يكن ب (المدينة) أشدّ حياء منها «٤» .
وأمّا النّوع السّابع: وهو إجابة دعائه ﷺ لمن دعا له .
فمنه: ما رواه حذيفة بن اليمان ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لرجل، أدركت الدّعوة ولده وولد ولده «٥» .
[دعاؤه ﷺ للمدينة]
وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ / قدم (المدينة) وهي أوبأ أرض الله، فقال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة، كحبّنا مكّة، أو أشدّ، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها إلى الجحفة» «٦» .
стр. 145
[دعاؤه ﷺ لأنس بن مالك]
وروى البخاريّ في «صحيحه» ، عن أنس ﵁، قال: قالت أمّي: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له، فقال:
«اللهمّ أكثر ما له وولده، وبارك له فيما أعطيته» «١» .
قال أنس: (فو الله إنّ مالي لكثير، وما أعلم أنّ أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت، وإنّ ولدي وولد ولدي ليتعادّون اليوم على نحو المئة، ولقد دفنت إلى اليوم مئة من ولدي، لا أقول سقطا، ولا ولد ولد) «٢» .
[البركة في مال عبد الرّحمن بن عوف]
ودعا ﷺ لعبد الرّحمن بن عوف [﵁] بالبركة، فقال عبد الرّحمن: فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا.
ولا يخفى كثرة أمواله وصدقاته الجزيلة، حتّى إنّه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، وتصدّق مرّة بعير «٣» قدمت من (الشّام) تحمل كلّ شيء، وكان النّاس في مجاعة، فارتجّت (المدينة) لقدومها، فتصدّق بها وبما عليها، حتّى بأقتابها «٤» وأحلاسها «٥» ، وكانت سبع مئة جمل، عليها سبع مئة حمل، ولمّا مات أخذت كلّ زوجة ثمانين ألفا، وكنّ أربعا، بعد أن أوصى بخمسين ألفا «٦» .
стр. 146
[دعاؤه ﷺ بالسّقيا]
وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁، أنّ أعرابيّا دخل المسجد يوم الجمعة، والنّبيّ ﷺ يخطب، فشكا إليه القحط، فدعا الله، فسقوا، ولم يروا الشّمس إلى الجمعة الآخرى، حتّى دخل عليه وهو يخطب، فشكا كثرة المطر، فدعا الله تعالى فانكشف السّحاب «١» .
[دعاؤه ﷺ لابن عبّاس ﵄]
وفيهما-[أي: الصّحيحين] ، أنّه دعا ﷺ لابن عبّاس ﵄، حين حنّكه، وهو مولود: أن يفقّهه الله في الدّين، ويعلّمه التّأويل «٢» ، فكان يسمّى الحبر «٣» والبحر لسعة علمه.
[دعاؤه ﷺ لعليّ ﵁]
ودعا [ ﷺ ] لعليّ بن أبي طالب ﵁، أن يكفيه الله الحرّ والقرّ. فكان في الشّتاء يلبس ثياب الصّيف، وفي الصّيف يلبس ثياب الشّتاء، ولا يصيبه حرّ ولا برد «٤» .
[دعاؤه ﷺ لفاطمة ﵂]
ودعا [ ﷺ ] لفاطمة الزّهراء ابنته ﵂، أن لا يجيعها الله، فما وجدت بعد ذلك للجوع ألما «٥» /.
[دعاؤه ﷺ للنّابغة]
وأنشده النّابغة أبياتا، فقال له [ ﷺ ] : «لا يفضض الله فاك» فما سقطت له سنّ، وكان من أحسن النّاس ثغرا، وعاش مئة
стр. 147
وعشرين سنة، وقيل: كان إذا سقطت له سنّ نبتت في مكانها سنّ أخرى «١» .
[دعاؤه ﷺ على كسرى]
وأمّا دعاؤه ﷺ على الأعداء، فمنه: ما في «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ دعا على كسرى حين مزّق كتابه: «أن يمزّق الله ملكه كلّ ممزّق» «٢» . فتمزّقوا حتّى لم يبق لهم باقية، ولا بقيت للفرس رئاسة في جميع أقطار الدّنيا.
[دعاؤه ﷺ على عتبة بن أبي لهب]
ودعا ﷺ على عتبة بن أبي لهب، أن يسلّط الله عليه كلبا من كلابه، فجاءه الأسد، وأخذه من وسط أصحابه «٣» .
[دعاؤه ﷺ على محلم بن جثّامة]
[ودعا] ﷺ على رجل آخر فأصبح ميّتا، فدفنوه، فلفظته الأرض، فدفنوه مرارا، فلفظته الأرض، فتركوه «٤» .
وهذا الباب أكثر من أن يحصر.
[دعاؤه على بشر بن راعي العير]
وقال لرجل آخر يأكل بشماله: «كل بيمينك» ، قال:
لا أستطيع، قال: «لا استطعت» ما منعه إلّا الكبر، فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم «٥» .
وأمّا النّوع الثّامن: [كراماته وبركاته فيما لمسه وباشره ﷺ ]
وهو صلاح ما كان فاسدا بلمسه ﷺ .
[فرس أبي طلحة ﵁]
فمنه: ما روى البخاريّ في «صحيحه» ، أنّ أهل (المدينة) فزعوا مرّة، فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة، بطيء السّير، فلمّا
стр. 148
رجع، قال: وجدناه بحرا، فكان بعد ذلك لا يجاريه فرس «١» .
[نشاط جمل جابر ﵁]
وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ نخس جملا لجابر، قد أعيا، فنشط حتّى كان ما يملك زمامه «٢» .
[بئر دار أنس ﵁]
وكانت في دار أنس ﵁ بئر ملحة، [فبزق] ﷺ فيها، فلم يكن في (المدينة) أعذب منها «٣» .
[بئر رائحته المسك]
ومجّ في دلو من بئر، ثمّ أعاده إليها، فكانت أبدا يفوح منها رائحة المسك «٤» .
[غرس النّخيل لسلمان ﵁]
وكاتب سلمان الفارسيّ مواليه على ثلاث مئة وديّة- أي: ولد من أولاد النّخل- يغرسها لهم كلّها حتّى تعلق وتثمر، وعلى أربعين أوقية من ذهب، كلّ أوقية أربعون درهما، فقام ﷺ وغرسها له بيده، فعلقت كلّها، وأثمرات لعامها. وأعطاه/ مثل بيضة الدّجاجة من ذهب بعد أن أدارها على لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أوقيّة، وبقي له مثل ما أعطاهم «٥» .
فائدة [: في وزن القطعة الّتي أعطاها النّبيّ ﷺ لسلمان]
الأوقية: أربعون درهما، والدّرهم: قفلة، وقدر بيضة
стр. 149
الدّجاجة لا يكاد يبلغ ثمانين درهما، وقد وزن منها أربعين أوقيّة، وهي مثلها عن ثمانين أوقيّة، كلّ أوقيّة أربعون قفلة، فذلك عن مئتي قفلة وثلاثة آلاف قفلة «١» .
[سيف عكّاشة ﵁]
وانكسر سيف عكّاشة بن محصن يوم (بدر) ، فأعطاه النّبيّ ﷺ عودا من حطب، فعاد في يده سيفا صارما، يشهد به المواقف، وكان هذا السّيف يسمّى: العون «٢» .
[ماء يتحوّل إلى لبن وزبدة]
وبعث [ ﷺ ] سريّة من أصحابه، فلم يجدوا لهم زادا، فأعطاهم سقاء من ماء أوكاه بيده، فلمّا فتحوه وجدوه لبنا خالصا، وزبدة في فم السّقاء «٣» .
[غرّة عائذ بن عمرو ﵁]
وسلت [ ﷺ ] الدّم عن وجه بعض أصحابه، فكانت له غرّة في وجهه كغرّة الفرس، فكان يدعى الأغرّ «٤» .
[بريق وجه قتادة بن ملحان ﵁]
ومسح [ ﷺ ] وجه آخر، فما زال على وجهه نور، حتّى كان ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة الصّقيلة «٥» .
[ساق عبد الله بن عتيك ﵁]
ومسح ﷺ على ساق عبد الله بن عتيك لمّا انكسرت عند قتل أبي رافع فقام وما به قلبة «٦» .
стр. 150
[أمر الكدية]
وأخذ [ ﷺ ] المعول فضرب به الكدية الّتي اعترضت لهم في حفر الخندق، وقال: «باسم الله» ، فانهالت «١» .
ومسح ﷺ على غير واحد من المرضى والمجانين، فشفاهم الله تعالى.
[يوم حنين]
وأخذ يوم (بدر) ويوم (حنين) قبضة من تراب، ورمى بها في وجوه الكفّار، فما بقي منهم أحد إلّا ودخل في عينه منها القذى، وانهزموا «٢» .
[خالد وشعرة النّبيّ ﷺ ]
وكانت شعرات من شعره ﷺ في قلنسوة خالد بن الوليد ﵁، فلم يشهد بها قتالا إلّا رزق النّصر، فسقطت منه في بعض المعارك، فشدّ عليها شدّة وقع بسببها مقتلة عظيمة من الفريقين، فعوتب في ذلك، فقال/: خفت أن يفوتني النّصر، وأن تقع في أيدي الكفّار، وفيها جزء من أجزاء رسول الله ﷺ «٣» .
ولا يخفى أنّ هذا النّوع أكثر من أن يحصر.
وأمّا النّوع التّاسع: [ما اطّلع عليه ﷺ من الغيوب وما سيكون]
وهو ما أخبر به ﷺ من المغيّبات، ممّا كان، وممّا هو آت، فمن ذلك ما هو في كتاب الله تعالى، أو سنّته ﷺ .
أمّا ما أخبر به من المغيّبات في كتاب الله تعالى، وهو من جملة وجوه الإعجاز.
стр. 151
[فمن] ذلك: إخباره بعجز الإنس والجنّ عن: يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء ١٧/ ٨٨] ، ثمّ إخبارهم بأنّهم لن يفعلوا، بقوله [تعالى] : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [سورة البقرة ٢/ ٢٤] .
وإخباره: أنّه محفوظ من التّبديل والتّحريف، بقوله [تعالى] :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر ١٥/ ٩] ، مع كثرة الملاحدة وأعداء الدّين، فلم يقدر أحد على تشكيك المسلمين بحمد الله تعالى في حرف واحد من حروفه، بخلاف التّوراة والإنجيل وغيرهما، لأنّ الله تعالى تولّى حفظ القرآن بنفسه، ووكل حفظ غيره من كتبه إلى أهلها، بقوله [تعالى] :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [سورة المائدة ٥/ ٤٤] ، بل:
كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة ٢/ ٧٥] .
ومن ذلك: وقوع ما وعده الله فيه؛ من قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [سورة المائدة ٥/ ٦٧] .
وقوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [سورة الأنفال ٨/ ٧] .
وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [سورة التوبة ٩/ ٣٣] .
وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [سورة النّور ٢٤/ ٥٥] .
стр. 152
وقوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ [سورة الفتح ٤٨/ ٢٧] .
وقوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر ٥٤/ ٤٥] .
وقوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ/ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [سورة النّصر ١١٠/ ١- ٢] .
فوقع جميع ذلك، ونصر الله عبده، وصدق وعده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده.
هذا مع ما كشف فيه من أسرار المنافقين وإضمار المعاندين؛ كقوله تعالى: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٤] .
وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [سورة المجادلة ٥٨/ ٨] .
وقوله تعالى: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ [سورة التّوبة ٩/ ٩٤] .
وأمّا ما أخبر به ﷺ من المغيّبات في سنّته:
فمن ذلك: ما هو في «الصّحيحين» ، أو في أحدهما، أو في غيرهما، صحيحا وحسنا.
[جمع الأرض له ﷺ ]
[فمنها] قوله ﷺ : «زويت لي الأرض- أي: جمعت في زاوية- فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها» «١» .
[لا يدخل المدينة من أرادها بسوء]
وإخباره ﷺ أنّ الطّاعون لا يدخل (المدينة) ، ولا يدخلها رعب
стр. 153
الدّجال، وأنّها لا يريدها أحد بسوء إلّا أذابه الله ذوب الملح في الماء «١» .
[ظهور الأمن والفتوح]
وإخباره ﷺ بفتح (بيت المقدس والشّام والعراق) ، وظهور الأمن، حتّى تظعن المرأة من (الحيرة «٢» إلى مكّة) لا تخاف إلّا الله «٣» .
[ذهاب دولة الفرس والرّوم]
وإخباره ﷺ بذهاب فارس حتّى لا فارس بعده، وذهاب قيصر حتّى لا قيصر بعده، وإنّ الرّوم ذات قرون إلى آخر الدّهر «٤» .
[فتح الله على الأمّة]
وإخباره ﷺ بما يفتحه الله على أمّته من الدّنيا وزهرتها، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، حتّى يروح أحدهم في حلّة ويغدو في حلّة أخرى، ويوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى «٥» .
[اختلاف الأمّة من بعده وافتراقهم]
وإخباره ﷺ بما يحدث بينهم من الاختلاف والفتن، وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة، وسلوك سبيل من قبلهم من أهل الكتاب «٦» .
[استحلال الزّنا والرّبا وشرب الخمر]
وإخباره ﷺ أنّ أمّته إذا فشا فيهم الزّنا والرّبا وشرب الخمر ردّ الله بأسهم بينهم/، وسلّط عليهم أعداءهم «٧» .
стр. 154
[الفتن في آخر الزّمان]
وإخباره ﷺ بظهور الفتن في آخر الزّمان، وكثرة الهرج- وهو القتل- وقبض العلم، وظهور الجهل، وموت الأمثال فالأمثل، وأنّه لا يأتي زمان إلّا والّذي بعده شرّ منه، وأنّه سيكون في أمّته دجّالون، كلّهم يكذبون على الله ورسوله، آخرهم المسيح الدّجّال.
وإخباره ﷺ بأنّه لا تزال طائفة من أمّته ظاهرين على الحقّ، قاهرين لعدوّهم، حتّى يأتي أمر الله «١» .
وبخروج المهديّ، ونزول عيسى ابن مريم ﵇.
إلى ما لا يحصى ولا يستقصى.
حتّى قال حذيفة بن اليمان ﵁: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فما ترك شيئا يكون إلى قيام السّاعة إلّا حدّثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وإنّه يكون منه الشّيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرّجل وجه الرّجل إذا غاب عنه، ثمّ إذا رآه عرفه.
متّفق عليه «٢» .
وفي حديث آخر عنه، قال: والله، ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدّنيا، إلّا قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته «٣» .
وقال أبو ذرّ ﵁: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما
стр. 155
يحرّك طائر جناحيه في السّماء إلّا ذكّرنا منه علما. قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [سورة فصّلت ٤١/ ٥٣] .
[نزول عيسى ابن مريم ﵊]
وفي «الصّحيحين» ، عن أبي هريرة ﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده، ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية- أي: فلا يقبل من أهلها إلّا الإسلام-، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحد، وحتّى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدّنيا وما فيها» «١» .
ثمّ يقول أبو هريرة: إقرؤوا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [سورة النّساء ٤/ ١٥٩] .
وفي «مسند/ الإمام أحمد» ، عن عائشة ﵂، عن النّبيّ ﷺ قال: «يخرج الدّجّال، فينزل عيسى فيقتله، ثمّ يمكث عيسى أربعين سنة إماما عادلا وحكما مقسطا» «٢» .
وورد من طرق كثيرة أنّ المهديّ يخرج قبل الدّجّال بسبع سنين، ويخرج الدّجّال على رأس مئة سنة- أي: رأس قرن-
لكنّ التّحقيق: أنّ قرون هذه الأمّة ابتداؤها من مولد نبيّها كألف نوح، وبين مولده وهجرته ثلاث وخمسون سنة، فيكون تمام الألف لسبع وأربعين سنة بعد تسع مئة من هجرته ﷺ ، وعند ذلك يتوقّع
стр. 156
خروج الدّجّال إن كان. والله أعلم «١» .
وأمّا النّوع العاشر منه: [في إعجاز القرآن العظيم]
وهو المعجزة العظمى، والآية الكبرى، معجزة القرآن العظيم، المستمرّة إلى آخر الدّهر، المشتملة على وجوه من الإعجاز.
فمنها: البلاغة الّتي أعجز بها الجنّ والإنس، قال الله تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [سورة الإسراء ١٧/ ٨٨] .
قال القاضي عياض- رحمه الله تعالى-: (ووجه إعجازه بحسن نظمه، وفصاحة كلمه الخارقة عادة العرب العرباء، وهم القوم اللّدّ الفصحاء، لأنّهم كانوا أرباب هذا الشّأن، وفرسان هذا الميدان، جعل الله البلاغة لهم طبعا وخلقة، وركّبها فيهم جبلّة وقوّة، يأتون من ذلك على البديهة بالعجب، ويرتجلون في المحافل القصائد والخطب، ويرتجزون به في الحرب، بين الطّعن والضّرب، فيرفعون من مدحوه، ويضعون من قدحوه، ويجعلون النّاقص كاملا، والنّبيه خاملا، ويتغزّلون فيأتون بالسّحر الحلال، ويتمثّلون بما يزري على عقد اللآل «٢» ، ويخدعون الألباب إن سألوا، ويذلّلون الصّعاب إن شفعوا، لهم في فنون البلاغة الحجّة البالغة، والقوّة الدّامغة، لا يشكّون أنّ الكلام طوع مرادهم/، وأنّ البلاغة ملك قيادهم، قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا فيها من كلّ باب، وتمسّكوا فيها بأوثق الأسباب، فما راعهم إلّا رسول كريم، قد جاءهم بكتاب حكيم: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
стр. 157
وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [سورة فصّلت ٤١/ ٤٢] ، قد أحكمت آياته، وفصّلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كلّ مقول، صارخا بهم في كلّ حين، ومقرّعا لهم على مرّ السّنين، قائلا لهم: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [سورة البقرة ٢/ ٢٣] .
ولم يزل يقرّعهم به أشدّ التّقريع، ويوبّخهم به غاية التّوبيخ، ويسفّه أحلامهم، ويحطّ أعلامهم، وهم في كلّ ذلك ناكصون عن معارضته، معترفون بالعجز عن مماثلته، حتّى أعرضوا عن المعارضة بالحروف، إلى المقارعة بالسّيوف، وقالوا على سبيل المباهتة «١» والرّضى بالدّنيّة: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [سورة فصّلت ٤١/ ٥] ، و: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [سورة فصّلت ٤١/ ٢٦] .
ولمّا سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة النّحل ١٦/ ٩٠] ، قال:
والله، إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة «٢» ، وإنّ أسفله لمغدق «٣» ، وإنّ أعلاه لمورق، وما يقول هذا بشر) «٤» .
стр. 158
فاعترف بعجز البشر عن معارضته، وقصورهم عن مماثلته، وأصرّ مع ذلك على العناد، وأضلّه الله سبيل الرّشاد، وكان يقول لقريش إذا قالوا للنّبيّ ﷺ إنّه كاهن، أو شاعر، أو ساحر: والله، ما أنتم بعاقلين من هذا شيئا. إلّا وأنا أعلم أنّه لباطل، ولقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله، ولا يقوله بشر.
[إخبار القرآن عن القرون السّالفة]
ومن وجوه إعجازه ما أنبأ به من أخبار القرون السّالفة، والأمم الخالية، ممّا كان لا يعلم منه/ القصّة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب، وقد علموا أنّه ﷺ أمّيّ، لا يقرأ ولا يكتب، حتّى كان علماء أهل الكتاب يسألونه عن كثير ممّا يختلفون فيه، فيورده لهم على وجهه، ويأتي به على نصّه، فيعترف العالم منهم بذلك له بصدقه.
قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [سورة النّمل ٢٧/ ٧٦] .
[إعجاز النّظم والأسلوب]
ويقطع الموافق والمخالف أنّه لم ينل ذلك بتعليم، وإنّما هو بإعلام العزيز العليم، حتّى لم يقدر أحد من أحبار اليهود مع شدة عداوتهم له على تكذيبه فيما سألوه عنه من قصّة يوسف وإخوته، وذي القرنين، وموسى والخضر، ولقمان وابنه، وأصحاب الكهف، مع أنّ أقرب قصّة كانت بينه وبين عيسى ﵇؛ قصّة أصحاب الكهف، وكان أهل الكتاب فيها، كما قال الله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، فقال الله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، وقال:
وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [سورة الكهف ١٨/ ٢٢] .
стр. 159
فاعترفوا له بالصّدق، وأقرّوا له بالحقّ، فإذا كان هذا شأنهم في أقرب القصص إلى عصرهم، فما ظنّك بقصّة آدم وإبليس، وابني آدم، وإدريس، ونوح وأصحاب السّفينة، وعاد وثمود، وإبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب. وغيرهم ممّن لا يعلمهم إلّا الله؟
وكانوا إذا نازعوه في شيء ممّا أخبرهم به- كحكم الرّجم، وما حرّم إسرائيل على نفسه- احتجّ عليهم بأنّهم يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل، وقال: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٩٣- ٩٤] ، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة ٢/ ٨٩] .
وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى-[من البسيط] «١» :
دعني ووصفي آيات له ظهرت ... ظهور نار القرى ليلا على علم «٢»
فالدّرّ يزداد حسنا وهو منتظم ... وليس ينقص قدرا غير منتظم «٣»
فما تطاول آمال المديح إلى ... ما فيه من كرم الأخلاق والشّيم «٤»
стр. 160
آيات حقّ من الرّحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم «١»
لم تقترن بزمان وهي تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن إرم «٢»
دامت لدينا ففاقت كلّ معجزة ... من النّبيّين إذ جاءت ولم تدم «٣»
محكّمات فما تبقين من شبه ... لذي شقاق وما تبغين من حكم «٤»
ما حوربت قطّ إلّا عاد من حرب ... أعدى الأعادي إليها ملقي السّلم
ردّت بلاغتها دعوى معارضها ... ردّ الغيور يد الجاني عن الحرم «٥»
لها معان كموج البحر في مدد ... وفوق جوهره في الحسن والقيم
стр. 161
فما تعدّ ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسّأم «١»
قرّت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى ... أطفأت حرّ لظى من وردها الشّبم «٢»
كأنّها الحوض تبيضّ الوجوه به ... من العصاة وقد جاؤوه كالحمم
وكالصّراط وكالميزان معدلة ... فالقسط من غيرها في النّاس لم يقم
لا تعجبن لحسود راح ينكرها ... تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم «٣»
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم «٤»
стр. 162
الباب السّابع في بعض سيرته ﷺ ، مما لاقاه من حين بعثه الله إلى أن هاجر إلى الله تعالى
[الفترة بين عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام]
روى البخاريّ في «صحيحه» ، عن سلمان الفارسيّ ﵁، قال: فترة بين عيسى ومحمّد ﵉ ستّ مئة سنة «١» .
[زمن الرّسالة]
قال علماء السّير: وكانت رسالته ﷺ على رأس الأربعين من مولده.
[قصّة بدء الوحي]
ففي «صحيح البخاريّ ومسلم» ، عن محمّد بن شهاب الزّهريّ، عن عروة بن الزّبير/، عن عائشة ﵂، قالت: أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي: الرّؤيا الصّالحة في النّوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار (حراء) ، فيتحنّث فيه- (أي: بحاء مهملة ثمّ نون ثمّ مثلّثة، قال الزّهريّ: وهو التّعبّد) - اللّيالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة ﵂ فيتزوّد لمثلها، حتّى جاءه الحقّ وهو في غار (حراء) ، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارىء» .
قال: «فأخذني فغطّني- أي: حبس نفسي- حتّى بلغ منّي الجهد- أي: المشقّة- ثمّ أرسلني» ، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا
стр. 163
بقارىء، فأخذني وغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني» ، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىء، فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني» ، فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [سورة العلق ٩٦/ ١- ٣] ، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده «١» ، فدخل على خديجة، فقال: «زمّلوني زمّلوني» - أي: غطّوني- فزمّلوه حتّى ذهب منه الرّوع- أي: الفزع- فقال لخديجة وأخبرها الخبر- أي: خديجة-: «لقد خشيت على نفسي» «٢» ، فقالت خديجة: كلّا والله ما يخزيك الله أبدا- أي: لا يهينك بل يكرمك-، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ- أي: المنقطع-، وتكسب المعدوم- أي: تعطي الشّيء مع قلّته وفقده-، وتقري الضّيف- أي: تطعمه الطّعام-، وتعين على نوائب الحقّ- أي:
الحوادث المحمودة- «٣» .
[تحقّق خديجة ﵂ من الوحي]
فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، ابن عمّ خديجة، وكان امرأ- أي: رجلا- قد تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب [العربي] ، فيكتب من الإنجيل
стр. 164
[بالعربيّة] ما شاء الله أن يكتب، وكان/ شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النّبيّ ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا هو النّاموس الأكبر الّذي نزّل الله تعالى على موسى «١» ، يا ليتني فيها جذعا «٢» ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا- أي: معانا-.
ثمّ لم ينشب ورقة- أي: لم يلبث- أن توفّي، وفتر الوحي «٣» .
(حتّى حزن النّبيّ ﷺ [فيما بلغنا] حزنا شديدا، غدا منه يتردّى من رؤوس الجبال، فكلّما أراد أن يلقي نفسه تبدّى له جبريل، وقال: يا محمّد، إنّك رسول الله حقّا) «٤» .
стр. 165
[فترة الوحي وما نزل من القرآن بعد ذلك]
قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف، أنّ جابر بن عبد الله- ﵄ أخبره أنّه سمع النّبيّ ﷺ يحدّث عن فترة الوحي، قال: «ثمّ فتر الوحي عنّي فترة، فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السّماء، فرفعت بصري قبل السّماء- أي: في جهتها- فإذا الملك الّذي جاءني ب (حراء) قاعد على كرسيّ بين السّماء والأرض، فرعبت منه- أي: فزعت- حتّى هويت إلى الأرض- أي: سقطت- فجئت أهلي، فقلت:
دثّروني دثّروني، - أي: غطّوني- فدثّروني، فأنزل الله :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ- أي:
النّجس- فَاهْجُرْ- أي: فاترك- «١» [سورة المدّثّر ٧٤/ ١- ٥] » .
[شكوى النّبيّ ﷺ ونزول الضّحى]
وفي رواية: أنّه لمّا فتر الوحي عنه، قالت قريش: قلاه ربّه.
стр. 166
فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى إلى آخر السّورة «١» .
[حجب الشّياطين عن استراق السّمع عند مبعثه ﷺ ]
وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس ﵄، قال انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء، وأرسلت عليهم الشّهب/، فرجعت الشّياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء، وأرسلت علينا الشّهب، فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السّماء إلّا أمر حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانطلق الّذين توجّهوا منهم نحو (تهامة) ، فإذا رسول الله ﷺ ب (نخلة) «٢» ، يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن عجبوا له، وقالوا: هذا الّذي حال بينكم وبين خبر السّماء، ورجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [سورة الجنّ ٧٢/ ١- ٢] فأنزل الله تعالى على نبيّه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [سورة الجنّ ٧٢/ ١] «٣» .
[دعوة النّبيّ ﷺ قومه إلى الإسلام سرّا]
ولمّا بعث ﷺ أخفى أمره، وجعل يدعو أهل (مكّة) ، ومن أتى إليها سرّا، فامن به ناس من ضعفاء الرّجال والنّساء والموالي، وهم أتباع الرّسل؛ كما في حديث أبي سفيان عن هرقل، فلقوا من المشركين في ذات الله تعالى أنواع الأذى، فما ارتدّ أحد منهم عن دينه، ولا التوى، ولذلك أشار ﷺ بقوله: «إنّ هذا الدّين
стр. 167
بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء» «١» .
نعوذ بالله من الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن.
[الجهر بالدّعوة]
وفي السّنة الرّابعة من مبعثه ﷺ : نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [سورة الحجر ١٥/ ٩٤- ٩٥] .
فامتثل ﷺ أمر ربّه، وأظهر الدّعوة إلى الله تعالى، فدخل النّاس في الإسلام أرسالا، حتّى فشا ذكر الإسلام ب (مكّة) ، ولكن كان المسلمون إذا أرادوا الصّلاة ذهبوا إلى الشّعاب، واستخفوا من قومهم بصلاتهم.
[موقف المشركين من النّبيّ ﷺ إثر جهره بالدّعوة]
ولمّا أظهر ﷺ دعوة الخلق إلى الحقّ لم يتفاحش إنكار قومه عليه، حتّى ذكر آلهتهم وسبّها، وضلّل آباءهم، وسفّه أحلامهم، فحينئذ اشتدّ ذلك عليهم، وأجمعوا له الشّرّ، فحدب «٢» عليه عمّه أبو طالب، وعرّض نفسه للشّرّ دونه، مع/ بقائه على دينه.
فلمّا رأت ذلك قريش، اجتمع أشرافهم ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا له: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه.
[أبو طالب بين نصرته للرّسول ﷺ وتخلّيه عنه]
فعظم على أبي طالب فراق قومه، ولم تطب نفسه بخذلان ابن أخيه، فكلّم النّبيّ ﷺ ، فظنّ النّبيّ ﷺ أنّ عمّه قد بدا له تركه، والعجز عن نصرته، فقال: «يا عمّ! والله لو وضعوا الشّمس في
стр. 168
يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتّى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» ثمّ استعبر ﷺ باكيا «١» ، فقال له:
يا ابن أخي، قل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا «٢» .
وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الكامل] «٣» :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقرّ بذاك منك عيونا «٤»
ودعوتني وعرفت أنّك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنّه ... من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لو جدتني سمحا بذاك مبينا
стр. 169
[اشتداد قريش على الرّسول ﷺ وأصحابه]
فعند ذلك نابذتة قريش وتزامروا للحرب، ووثبت كلّ قبيلة على من أسلم منهم يعذّبونهم.
[حشد أبي طالب مؤيديه من بني هاشم]
وأخذ أبو طالب يحشد بطون بني عبد مناف، وهم أربعة: بنو هاشم، وبنو المطّلب، وبنو عبد شمس، وبنو نوفل، فأجابه:
بنو هاشم، وبنو المطّلب، وخذله: بنو عبد شمس، وبنو نوفل، وانسلخ أيضا من بني هاشم: أبو لهب.
[قصيدة أبي طالب اللّاميّة]
وفي بني عبد شمس وبني نوفل وحميّته على النّبيّ ﷺ ، ومدحه له، يقول أبو طالب في قصيدته الطّويلة، [من الطّويل] / «١» :
جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شرّ عاجلا غير آجل
كذبتم وبيت الله نبزى محمّدا ... ولمّا نطاعن دونه ونناضل «٢»
ونسلمه حتّى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل «٣»
وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الرّوايا تحت ذات الصّلاصل «٤»
بكفّي فتى مثل الشّهاب سميدع ... أخي ثقة حامي [الحقيقة] باسل «٥»
стр. 170
وما ترك قوم، لا أبا لك سيّدا ... يحوط الذّمار غير ذرب مواكل «١»
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل «٢»
يلوذ به الهلّاف من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل «٣»
لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمد ... وإخوته دأب المحبّ المواصل «٤»
حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذّرا والكلاكل «٥»
فمن مثله في النّاس أيّ مؤمّل ... إذا قاسه الحكّام عند التّفاضل؟!
حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل
فو الله لولا أن أجيء بسبّة ... تجرّ على أشياخنا في المحافل
стр. 171
لكنّا اتّبعناه على كلّ حالة ... من الدّهر جدّا غير قول التّهازل
لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقاصر عنها سورة المتطاول «١»
فائدة [: في تشريف بني المطّلب بتسميتهم أهل البيت]
قال العلماء: ولأجل نصرة بني المطّلب لبني هاشم وموالاتهم لهم، شاركوهم في التّشريف بتسميتهم أهل البيت، وفضل الكفاءة على سائر قريش، واستحقاق سهم ذوي القربى، وتحريم الزّكاة دون البطنين الآخرين، إذ لم يفترقوا في جاهليّة ولا إسلام.
وروى البخاريّ في «صحيحه» ، عن سعيد بن المسيّب، عن جبير بن مطعم بن عديّ بن الحارث بن نوفل بن عبد مناف، قال:
مشيت أنا وعثمان بن عفّان- أي: ابن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف- إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله أعطيت/ بني المطّلب- أي: ابن عبد مناف- وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال: «إنّما بنو المطّلب وبنو هاشم شيء واحد» .
وفي رواية: أعطيت بني المطّلب من خمس خيبر. وفي أخرى: ولم يقسم النّبيّ ﷺ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا.
قال البخاريّ: وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم
стр. 172
والمطّلب إخوة لأب وأمّ، وأمّهم: عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. انتهى «١» .
[دعوة النّبيّ ﷺ النّاس بالحكمة والموعظة الحسنة]
قال العلماء: وجعل النّبيّ ﷺ يدعو إلى سبيل ربّه مرّة بالتّرغيب، ومرّة بالتّرهيب، ومرّة بالقول اللّيّن، ومرّة بالخشن، كما أمره ربّه بقوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سورة النّحل ١٦/ ١٢٥] .
[تعذيب المسلمين]
وامتنع جماعة ممّن أسلم بعشائرهم من أذى المشركين، وبقي قوم مستضعفون في أيدي المشركين، يعذّبونهم بأنواع العذاب؛ كعمّار بن ياسر، وأبيه، وأمّه، وأخته، وبلال بن حمامة، وخبّاب بن الأرتّ، وغيرهم ﵃.
[تعذيب آل ياسر ﵃]
فكانوا يأخذون عمّارا وأباه وأمّه وأخته فيقلّبونهم ظهرا لبطن، فيمرّبهم رسول الله ﷺ فيقول: «صبرا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة» «٢» .
[أوّل شهيد في الإسلام]
وماتت سميّة أمّ عمّار بذلك. فكانت أوّل قتيل في الإسلام في ذات الله «٣» . ثمّ مات ياسر وابنته بعدها أيضا.
[تعذيب بلال ﵁]
وأمّا بلال فكان أميّة بن خلف يخرج به فيضع الصّخور على صدره، ويتركها كذلك حتّى يكاد يموت، فيرفعها، وبلال يقول:
أحد، أحد. فمّر به أبو بكر ﵁، فقال لأميّة: ألا تتّقي الله في هذا العبد؟ فقال: أنت الّذي أفسدته عليّ، فقال: بعنيه، فباعه منه، فأعتقه» .
стр. 173
[عتقاء أبي بكر ﵁]
وكان عمر ﵁، يقول: أبو بكر سيّدنا، وأعتق سيّدنا بلالا «١» . واشترى أيضا عامر بن فهيرة في ستّ رقاب أخر على مثل ذلك «٢» .
قال المفسّرون: وفي حقّه ﵁/ نزلت: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى. وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى. إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى. وَلَسَوْفَ يَرْضى [سورة اللّيل ٩٢/ ١٧- ٢١] «٣» .
فائدة [: في أنّ الأتقى هو الأفضل عند الله]
ولا يخفى دلالة الآية الكريمة أنّ الأتقى هو الأفضل عند الله، لقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [سورة الحجرات ٤٩/ ١٣] .
[شكوى المسلمين إلى رسول الله ﷺ من التّعذيب]
وأمّا خبّاب بن الأرتّ: ففي «صحيح البخاريّ» عنه، قال:
. تيت النّبيّ ﷺ وهو متوسّد بردة، وهو في ظلّ الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدّة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمّنّ الله هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ، ما يخاف إلّا الله أو الذّئب على غنمه» «٤» .
стр. 174
فائدة [: في فضل من ثبت على إيمانه]
قال العلماء: وهذا الحديث من أحسن الأحاديث النّبويّة الدّالّة على التّأسّي مع قوله : الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [سورة العنكبوت ٢٩/ ١- ٣] وقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة ٢/ ٢١٤] وقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [سورة آل عمران ٣/ ١٨٦] .
فأعلمهم الله أنّ مبنى الدّين على الصّبر، وأنّ من تجرّد لإظهار دين الله استقبلته المحن في نفسه وماله وعرضه وأهله.
وإنّما أعلم المؤمنين بذلك أوّلا لتتوطّن نفوسهم عليه، وأعلمهم أنّ هذه سنّة الّذين خلوا من قبلهم/، ثمّ كانت لهم العاقبة، تعبوا قليلا ثمّ استراحوا طويلا، وبذلوا حقيرا فنالوا خطيرا: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [سورة البقرة ٢/ ١٥٧] .
ومع شدّة حرصهم على أذاه، فقد كانت عين الله ترعاه.
وفي «الصّحيحين» ، أنّ أبا جهل، قال: لئن رأيت محمّدا يصلّي لأطأنّ [على] عنقه، فبلغ النّبيّ ﷺ ، فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عضوا عضوا» «١» .
стр. 175
زاد مسلم والنّسائيّ: أنّه لمّا همّ بذلك رأى بينه وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة، فنكص على عقبيه، وهو يتّقي بيديه، وأخبرهم بما رأى، فأنزل الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْداً إِذا صَلَّى إلى قوله: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى، ثمّ توعّده بقوله تعالى:
كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى قوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ، ثمّ أمر رسوله بالسّجود غير مكترث به، فقال: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [سورة العلق ٩٦/ ٩- ١٩] «١» .
[الهجرة الأولى إلى الحبشة]
وفي السّنة الخامسة من مبعثه ﷺ : رأى شدّة ما بأصحابه من البلاء، وما نالهم في دين الله من الأذى، فأمرهم بالمهاجرة إلى (الحبشة) ، وقال لهم: «إنّ بها معاشا وسعة، وملكا عادلا لا يسلم جاره» «٢» .
فهاجر إليها عثمان بن عفّان، ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ، والزّبير بن العوّام، وعبد الرّحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وجماعة من الصّحابة ﵃ «٣» .
стр. 176
[الهجرة الثّانية إلى الحبشة]
ثمّ تبعهم جعفر بن أبي طالب في جماعة ﵃، حتّى بلغوا اثنين وثمانين رجلا، سوى النّساء والصّبيان، فلمّا وصلوا إلى (الحبشة) أكرمهم النّجاشيّ، وأحسن جوارهم، وسمع القرآن من جعفر ﵁، فامن به وصدّق، وأمر قومه بذلك فأبوا، فكتم إيمانه عنهم.
[وفد قريش إلى الحبشة لاسترداد المهاجرين إليها]
فلمّا شاعت بذلك الأخبار، وجّهت قريش إلى النّجاشيّ عمرو بن العاص في جماعة، ووجّهوا معهم بهدايا للنّجاشيّ ولخواصّه، فقدموا على النّجاشيّ وقدّموا ما عندهم من الهدايا، وكلّموه في شأنهم، ليمكّنهم/ منهم، فغضب، وردّ هداياهم عليهم، فانقلبوا خائبين.
[عودة بعض مهاجري الحبشة]
ثمّ إنّ مهاجرة (الحبشة) بلغهم أنّ أهل (مكّة) أسلموا، فاستخفّ ذلك الخبر جماعة منهم، نحو ثلاثين رجلا، فأقبلوا راجعين، حتّى إذا كانوا بقرب (مكّة) بان لهم فساد الخبر، فلم يدخل أحد منهم (مكّة) إلّا مستخفيا أو بجوار، وأقام بقيّة المهاجرين ب (الحبشة) إلى سنة [سبع] من الهجرة، فمدّة إقامتهم نحو عشر سنين «١» .
стр. 177
[قدوم جعفر ﵁ من الحبشة]
فكتب النّبيّ ﷺ إلى النّجاشيّ ليجهّزهم إليه، فجهّزهم، فقدموا يوم فتح (خيبر) ، فأسهم لهم، وقال ﷺ : «لا أدري بأيّهما أسرّ بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر» «١» .
فائدة [: في حكم الهجرة]
قال العلماء: وهذه الهجرة أوّل هجرة في الإسلام، وبعدها الهجرة الكبرى إلى (المدينة) ، وقد حازها أيضا مهاجرو (الحبشة) كجعفر وعثمان والزّبير وعبد الرّحمن، فسمّوا أهل الهجرتين.
وحكم الهجرة باق إلى يوم القيامة إذا وجد معناها؛ وهو الفرار بالدّين عند خوف الافتتان فيه، أو عند العجز عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أو عن ردّ البدع المنكرة.
أمّا عند خوف الافتتان: فمن بقي في دار الحرب عاجزا عن إظهار دين الإسلام عصى معصية عظيمة، بل اختلف في صحّة
стр. 178
إسلامه، لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ- لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً الآيات، [سورة النّساء ٤/ ٩٧] .
وكذلك يعصي من أقام ببلد البدع والمنكر، الّذي لا يقدر على تغييره فيها، أو بأرض غلب عليها الحرام، فإنّ طلب الحلال فرض على كلّ مسلم.
[إسلام حمزة وعمر بن الخطّاب ﵄]
وفي السّنة السّادسة: أسلم سيّدنا حمزة بن عبد المطّلب، عمّ رسول الله ﷺ ، ثمّ أسلم بعده سيّدنا عمر بن الخطّاب ﵄. فعزّ بإسلامهما الإسلام والمسلمون.
وفي «صحيح البخاريّ» ، عن/ عبد الله بن عمر ﵄، قال: لمّا أسلم عمر اجتمع النّاس عند داره، وقالوا: صبأ عمر، وأنا غلام فوق ظهر البيت، فجاء العاص بن وائل، وقال:
أنا له جار. فتفرّقوا «١» .
[المقاطعة وحصر قريش لبني هاشم]
وفي أوّل ليلة من المحرّم من السّنة السّابعة: اجتمعت قريش بخيف بني كنانة؛ وهو: (المحصّب) «٢» ، فتقاسموا «٣» على الكفر، كما في «صحيحي البخاريّ ومسلم» وذلك أنّهم تعاهدوا
стр. 179
على قطيعة بني هاشم وبني المطّلب، ومقاطعتهم في البيع والشّراء والنّكاح وغير ذلك، حتّى يهلكوا عن آخرهم، أو يسلموا إليهم محمّدا ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلّقوها في سقف (الكعبة) تأكيدا لأمرها.
[مدّة الحصار وشدّته]
فانحاز البطنان «١» إلى أبي طالب في الشّعب، وبقوا هنالك محصورين مدّة ثلاث سنين، وتضوّروا بذلك جوعا وعطشا وعريا، ولحقتهم مشقّة عظيمة بسبب النّبيّ ﷺ .
وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الطّويل] «٢» :
ألا أبلغا عنّي على ذات بيننا ... لؤيّا وخصّا من لؤيّ بني كعب
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّدا ... نبيّا كموسى خطّ في أوّل الكتب
وأنّ الّذي التفّقتم من كتابكم ... لكم كائن نحسا كراغية السّقب «٣»
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثّرى ... ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذّنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا ... أو اصرنا بعد المودّة والقرب «٤»
стр. 180
فلسنا وربّ البيت نسلم أحمدا ... لعزّاء من عضّ الزّمان ولا كرب «١»
ولمّا تبن منّا ومنكم سوالف ... وأيد أترّت بالقساسية الشّهب «٢»
أليس أبونا هاشم شدّ أزره ... وأوصى بنيه بالطّعان وبالضّرب
ولسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا ... ولا نشتكي ما قد ينوب من النّكب
ولكنّنا أهل الحفائظ والنّهى ... إذا طار أرواح الكماة من الرّعب «٣»
[نقض الصّحيفة]
فلمّا أراد الله تعالى حلّ ما عقدوه، وإبطال ما أكّدوه، اجتمع في أواخر السّنة التّاسعة ستّة من سادات قريش ليلا بأعلى (مكّة) /، فتعاقدوا على نقض الصّحيفة، منهم: المطعم بن عديّ النّوفليّ، وزمعة بن الأسود بن أسد الأسديّ، فلمّا أصبحوا قال قائلهم:
أنأكل الطّعام، ونلبس الثّياب وبنو هاشم هلكى، والله لا أقعد حتّى تشقّ هذه الصّحيفة الظّالمة، فقال أبو جهل: كذبت والله [لا تشقّ] ، فقال [زمعة] : أنت والله الكاذب، ووثبوا، فقال أبو جهل:
هذا أمر قد برم بليل، ثمّ قاموا إلى الصّحيفة ليشقّوها، فأخبرهم النّبيّ ﷺ أنّ الأرضة «٤» قد أكلت جميعها، إلّا ما فيه اسم الله،