[الهجرة الثّانية إلى الحبشة]
ثمّ تبعهم جعفر بن أبي طالب في جماعة ﵃، حتّى بلغوا اثنين وثمانين رجلا، سوى النّساء والصّبيان، فلمّا وصلوا إلى (الحبشة) أكرمهم النّجاشيّ، وأحسن جوارهم، وسمع القرآن من جعفر ﵁، فامن به وصدّق، وأمر قومه بذلك فأبوا، فكتم إيمانه عنهم.
[وفد قريش إلى الحبشة لاسترداد المهاجرين إليها]
فلمّا شاعت بذلك الأخبار، وجّهت قريش إلى النّجاشيّ عمرو بن العاص في جماعة، ووجّهوا معهم بهدايا للنّجاشيّ ولخواصّه، فقدموا على النّجاشيّ وقدّموا ما عندهم من الهدايا، وكلّموه في شأنهم، ليمكّنهم/ منهم، فغضب، وردّ هداياهم عليهم، فانقلبوا خائبين.
[عودة بعض مهاجري الحبشة]
ثمّ إنّ مهاجرة (الحبشة) بلغهم أنّ أهل (مكّة) أسلموا، فاستخفّ ذلك الخبر جماعة منهم، نحو ثلاثين رجلا، فأقبلوا راجعين، حتّى إذا كانوا بقرب (مكّة) بان لهم فساد الخبر، فلم يدخل أحد منهم (مكّة) إلّا مستخفيا أو بجوار، وأقام بقيّة المهاجرين ب (الحبشة) إلى سنة [سبع] من الهجرة، فمدّة إقامتهم نحو عشر سنين «١» .
стр. 177
[قدوم جعفر ﵁ من الحبشة]
فكتب النّبيّ ﷺ إلى النّجاشيّ ليجهّزهم إليه، فجهّزهم، فقدموا يوم فتح (خيبر) ، فأسهم لهم، وقال ﷺ : «لا أدري بأيّهما أسرّ بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر» «١» .
فائدة [: في حكم الهجرة]
قال العلماء: وهذه الهجرة أوّل هجرة في الإسلام، وبعدها الهجرة الكبرى إلى (المدينة) ، وقد حازها أيضا مهاجرو (الحبشة) كجعفر وعثمان والزّبير وعبد الرّحمن، فسمّوا أهل الهجرتين.
وحكم الهجرة باق إلى يوم القيامة إذا وجد معناها؛ وهو الفرار بالدّين عند خوف الافتتان فيه، أو عند العجز عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أو عن ردّ البدع المنكرة.
أمّا عند خوف الافتتان: فمن بقي في دار الحرب عاجزا عن إظهار دين الإسلام عصى معصية عظيمة، بل اختلف في صحّة
стр. 178
إسلامه، لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ- لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً الآيات، [سورة النّساء ٤/ ٩٧] .
وكذلك يعصي من أقام ببلد البدع والمنكر، الّذي لا يقدر على تغييره فيها، أو بأرض غلب عليها الحرام، فإنّ طلب الحلال فرض على كلّ مسلم.
[إسلام حمزة وعمر بن الخطّاب ﵄]
وفي السّنة السّادسة: أسلم سيّدنا حمزة بن عبد المطّلب، عمّ رسول الله ﷺ ، ثمّ أسلم بعده سيّدنا عمر بن الخطّاب ﵄. فعزّ بإسلامهما الإسلام والمسلمون.
وفي «صحيح البخاريّ» ، عن/ عبد الله بن عمر ﵄، قال: لمّا أسلم عمر اجتمع النّاس عند داره، وقالوا: صبأ عمر، وأنا غلام فوق ظهر البيت، فجاء العاص بن وائل، وقال:
أنا له جار. فتفرّقوا «١» .
[المقاطعة وحصر قريش لبني هاشم]
وفي أوّل ليلة من المحرّم من السّنة السّابعة: اجتمعت قريش بخيف بني كنانة؛ وهو: (المحصّب) «٢» ، فتقاسموا «٣» على الكفر، كما في «صحيحي البخاريّ ومسلم» وذلك أنّهم تعاهدوا
стр. 179
على قطيعة بني هاشم وبني المطّلب، ومقاطعتهم في البيع والشّراء والنّكاح وغير ذلك، حتّى يهلكوا عن آخرهم، أو يسلموا إليهم محمّدا ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلّقوها في سقف (الكعبة) تأكيدا لأمرها.
[مدّة الحصار وشدّته]
فانحاز البطنان «١» إلى أبي طالب في الشّعب، وبقوا هنالك محصورين مدّة ثلاث سنين، وتضوّروا بذلك جوعا وعطشا وعريا، ولحقتهم مشقّة عظيمة بسبب النّبيّ ﷺ .
وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الطّويل] «٢» :
ألا أبلغا عنّي على ذات بيننا ... لؤيّا وخصّا من لؤيّ بني كعب
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّدا ... نبيّا كموسى خطّ في أوّل الكتب
وأنّ الّذي التفّقتم من كتابكم ... لكم كائن نحسا كراغية السّقب «٣»
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثّرى ... ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذّنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا ... أو اصرنا بعد المودّة والقرب «٤»
стр. 180
فلسنا وربّ البيت نسلم أحمدا ... لعزّاء من عضّ الزّمان ولا كرب «١»
ولمّا تبن منّا ومنكم سوالف ... وأيد أترّت بالقساسية الشّهب «٢»
أليس أبونا هاشم شدّ أزره ... وأوصى بنيه بالطّعان وبالضّرب
ولسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا ... ولا نشتكي ما قد ينوب من النّكب
ولكنّنا أهل الحفائظ والنّهى ... إذا طار أرواح الكماة من الرّعب «٣»
[نقض الصّحيفة]
فلمّا أراد الله تعالى حلّ ما عقدوه، وإبطال ما أكّدوه، اجتمع في أواخر السّنة التّاسعة ستّة من سادات قريش ليلا بأعلى (مكّة) /، فتعاقدوا على نقض الصّحيفة، منهم: المطعم بن عديّ النّوفليّ، وزمعة بن الأسود بن أسد الأسديّ، فلمّا أصبحوا قال قائلهم:
أنأكل الطّعام، ونلبس الثّياب وبنو هاشم هلكى، والله لا أقعد حتّى تشقّ هذه الصّحيفة الظّالمة، فقال أبو جهل: كذبت والله [لا تشقّ] ، فقال [زمعة] : أنت والله الكاذب، ووثبوا، فقال أبو جهل:
هذا أمر قد برم بليل، ثمّ قاموا إلى الصّحيفة ليشقّوها، فأخبرهم النّبيّ ﷺ أنّ الأرضة «٤» قد أكلت جميعها، إلّا ما فيه اسم الله،
стр. 181
فوجدوه كما ذكر النّبيّ ﷺ .
وخرج النّبيّ ﷺ وبنو هاشم وبنو المطّلب من الشّعب؛ في أواخر السّنة التّاسعة.
[انشقاق القمر]
وفي «١» موسم السّنة التّاسعة سألت قريش النّبيّ ﷺ آية وهو ب (منى) ، فأراهم انشقاق القمر شقّتين. رواه البخاريّ ومسلم «٢» .
وفي رواية: حتّى رأوا حراء بينهما «٣» .
فائدة [: في أنّ معجزة انشقاق القمر لا تعدلها معجزة]
قال العلماء: وانشقاق القمر معجزة عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من معجزات الأنبياء ﵈، إذ لا يطمع أحد بحيلة إلى التّصرّف في العالم العلويّ، فصار البرهان بها أظهر، ولهذا نصّ عليها القرآن بقوله تعالى: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر ٥٤/ ١] .
[وفاة أبي طالب]
وفي السّنة العاشرة: مات أبو طالب، فاشتدّ حزن النّبيّ ﷺ .
[حرص النّبيّ ﷺ على إسلام عمّه]
وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النّبيّ ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل، فقال: «أي عمّ، قل لا إله إلّا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل [وعبد الله بن أبي أميّة] : أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ [فلم يزالا يكلّمانه] ، حتّى قال آخر شيء [كلّمهم] به هو: على ملّة
стр. 182
عبد المطّلب. فقال النّبيّ ﷺ : «لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه» ، فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ «١» [سورة التّوبة ٩/ ١١٣]- أي: فلم يزل يستغفر له حتّى نزلت-/.
[تخفيف العذاب عن أبي طالب]
وفي «صحيح البخاريّ» أيضا، أنّ العبّاس قال للنّبيّ ﷺ :
ما أغنيت عن عمّك؟ فإنّه كان يحوطك ويغضب لك، فقال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار» «٢» . أي: لأنّ كفره كفر إيثار للباطل على الحقّ، مع علمه بذلك وتيقّنه بذلك، وما شاء الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن.
[وفاة خديجة ﵂]
ثمّ ماتت خديجة ﵂، بعد موت أبي طالب بثلاثة أيّام. فتضاعف حزنه ﷺ ، ولكن كان الله له خلفا عن كلّ فائت.
[اشتداد إيذاء قريش للنّبيّ ﷺ بعد وفاة أبي طالب]
ولمّا مات أبو طالب نالت قريش من النّبيّ ﷺ من الأذى بعد وفاته ما لم تنله به في حياته.
وفي «صحيح البخاريّ» ، عن عروة بن الزّبير، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أشدّ شيء صنعه المشركون بالنّبيّ ﷺ ؟ فقال: بينما النّبيّ ﷺ يصلّي في (الحجر) ،
стр. 183
إذ أقبل عقبة بن أبي معيط- أي: مصغّرا بمهملتين- فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبوبكر- ﵁ فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن النّبيّ ﷺ ، وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ الآية، [سورة غافر ٤٠/ ٢٨] «١» .
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» عن ابن مسعود ﵁، قال: بينما النّبيّ ﷺ يصلّي عند (الكعبة) ، وقريش في مجالسهم في المسجد، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيّكم يقوم إلى جزور بني فلان، فيجيء بسلاها فيضعه بين كتفيه إذا سجد؟ فانبعث أشقاهم- وفي رواية: أنّه عقبة بن أبي معيط أيضا- ففعل ذلك، فضحكوا حتّى مال بعضهم على بعض من الضّحك، وثبت النّبيّ ﷺ ساجدا، فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂ وهي يومئذ جويرية- فأقبلت تسعى حتّى ألقته عنه، / ثمّ أقبلت عليهم تسبّهم، فلمّا قضى رسول الله ﷺ الصّلاة، قال: «اللهمّ عليك بقريش» ثلاثا، ثمّ سمّى رجالا «٢» . قال عبد الله: فو الله لقد رأيتهم صرعى يوم (بدر) ، ثمّ سحبوا إلى (القليب) - قليب بدر- «٣» .
[تحقيق حول مولد فاطمة وأخواتها]
قلت: وهذا يدلّ على أنّ مولد فاطمة ﵂ متقدّم
стр. 184
على ليلة الإسراء بمدّة عشر سنين وأكثر، وسبق أنّ أختها رقيّة ﵂ من مهاجرة (الحبشة) ، فلعلّ زينب وأمّ كلثوم كذلك، أو منعهنّ الحياء من الخروج. والله أعلم.
[إسلام أبي ذرّ الغفاريّ ﵁ وقومه]
وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ أبا ذرّ الغفاريّ ﵁، قال لأخيه أنيس: اركب إلى هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ، يأتيه الخبر من السّماء، واسمع من قوله، ثمّ ائتني، فانطلق الأخ حتّى قدم (مكّة) ، وسمع من قول النّبيّ ﷺ ، ثمّ رجع، فقال لأبي ذرّ:
رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشّعر، فقال:
ما شفيتني ممّا أردت، فتزوّد وحمل شنّة «١» له، فيها ماء حتّى قدم (مكّة) ، فأتى المسجد، فالتمس النّبيّ ﷺ وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، فلمّا أدركه اللّيل اضطجع في المسجد، فرآه عليّ فعرف أنّه غريب فأضافه، فتبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتّى أصبح، ثمّ احتمل زاده وقربته إلى المسجد، وظلّ ذلك اليوم ولم يره النّبيّ ﷺ حتّى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ عليه عليّ فقال: أما آن للرّجل أن يعرف منزله؟ فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتّى إذا كان يوم الثّالث [فعل] عليّ مثل ذلك، فأقامه عليّ معه، ثمّ قال له: ألا تحدّثني ما الّذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنّني فعلت، ففعل، فأخبره. قال عليّ: فإنّه حقّ، وإنّه رسول الله، فإذا أصبحت فاتّبعني، فإنّي إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنّي/ أريق الماء، وإن مضيت فاتّبعني حتّى تدخل مدخلي ففعل، فانطلق يقفوه حتّى دخل على النّبيّ ﷺ فدخل معه، وسمع من
стр. 185
قوله، وأسلم مكانه، فقال له النّبيّ ﷺ : «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتّى يأتيك أمري» .
وفي رواية مسلم: فقال النّبيّ ﷺ : «إنّي قد وجّهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلّا يثرب» .
فقال: والّذي بعثك بالحقّ، لأصرخنّ بها بين أظهرهم، فخرج حتّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله، فقام القوم فضربوه حتّى أضجعوه، فأتى العبّاس فأكبّ عليه، ثمّ قال: ويحكم: ألستم تعلمون أنّه من غفار، وأنّ طريق تجاركم عليهم، فأنقذه منهم، ثمّ عاد لمثلها من الغد، فبادروا إليه فضربوه، فأكبّ عليه العبّاس فأنقذه منهم. هذا لفظ البخاريّ «١» .
زاد مسلم في روايته عنه: قال: فأتيت أخي أنيسا فقال:
ما صنعت؟ قلت: إنّي قد أسلمت وصدّقت، فقال: ما بي رغبة عن دينك، فإنّي أيضا أسلمت وصدّقت. قال: فأتينا أمّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإنّي قد أسلمت وصدّقت، فأتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) قدمنا إليه فأسلمنا، فلمّا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) أسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنّا أسلمنا على ما أسلم عليه إخواننا، فقال رسول الله ﷺ : «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» «٢» .
стр. 186
[خروج النّبيّ ﷺ إلى الطّائف]
وفي هذه السّنة وهي العاشرة: خرج رسول الله ﷺ إلى (الطّائف) ، إلى ثقيف، وأقام فيهم شهرا يدعوهم إلى الله، وسألهم أن يمنعوه، فردّوا عليه قوله، واستهزؤوا به، فسألهم أن يكتموا عنه لئلّا تشمت به/ قريش، فلم يفعلوا.
فلمّا انصرف عنهم أغروا به سفهاءهم يصيحون خلفه ويسبّونه، حتّى اجتمعوا عليه، وألجؤوه إلى حائط «١» ، فاشتدّ كربه لذلك ﷺ ودعا حينئذ بدعاء الكرب: «لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات وربّ الأرض، ربّ العرش الكريم» ، ثمّ قال:
«اللهمّ إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس يا أرحم الرّاحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني «٢» ، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكنّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة [من] أن تنزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى «٣» حتّى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلّا بك» .
فنزل عليه جبريل ﵇، وقال: إنّ الله قد سمع قولك وسمع قولهم، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره فيهم بما شئت، فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم
стр. 187
من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «١» .
وروى البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» ، عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول ﷺ هل أتى عليك يوم أشدّ عليك من يوم (أحد) ؟ قال: «لقد لقيت من قومك [ما لقيت] «٢» ، وكان أشدّ ما لقيت منهم [يوم العقبة] ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل- أي: بتحتيّة مكرّرة- ابن عبد كلال- أي: بالضّم- فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا ب (قرن الثّعالب) «٣» ، فرفعت رأسي، وإذا سحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني وقال:
إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلّم عليّ، ثمّ قال: / يا محمّد، إنّ الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟» أي: جبلي
стр. 188
مكّة «١» فقال ﷺ : «فقلت: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا» «٢» .
قلت: وابن عبد كلال هذا هو وإخوته رؤساء أهل (الطّائف) .
فائدة [: في أنّ الاستهزاء والسّبّ أشدّ من الطّعن والضّرب]
قال العلماء: جعل ﷺ ما ناله من الاستهزاء وشماتة الأعداء أشدّ ممّا لاقاه يوم (أحد) ؛ من قتل حمزة في سبعين من أصحابه، مع ما ناله في نفسه من الجراحة، وما ذاك إلّا أنّ نفس الكريم تتأذّى بالأذى وبالقول والسّبّ أشدّ ممّا تتأذّى به من الطّعن والضّرب.
ولهذا عفا ﷺ عن كلّ من تعرّض لقتله، وأهدر دم كلّ من تعرّض لشتمه.
ومع ذلك فقد كان ﷺ صابرا على ما ناله من الأذى في نفسه أو عرضه أو أهله، لعلمه بأنّ الامتحان عنوان الإيمان الّذي يتبيّن به جواهر الرّجال، كما قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. وأنّ أشدّ النّاس بلاء الأنبياء ثمّ الأمثال فالأمثل، زيادة في حسناتهم ورفع درجاتهم.
[قال تعالى] : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ [سورة آل عمران ٣/ ١٦٣] .
[دخول النّبيّ ﷺ مكّة في جوار المطعم بن عديّ]
ولمّا بلغ ﷺ في مرجعه من (الطّائف) (حراء) ، بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره فاعتذر، وقال: (إنّما أنا حليف والحليف لا يجير) ، فبعث إلى سهيل بن عمرو فاعتذر، وقال:
стр. 189
(إنّ بني عامر- أي: ابن لؤيّ- لا تجير على بني كعب بن لؤيّ بن غالب) ، فبعث إلى المطعم بن عديّ النّوفليّ، فلبس سلاحه، هو وأهل بيته، وخرجوا إلى المسجد، وبعثوا إلى النّبيّ ﷺ أن ادخل، فدخل ﷺ في جوارهم، فطاف ب (الكعبة) وانصرف.
فلمّا كان يوم (بدر) قال النّبيّ ﷺ : «لو كان المطعم بن عديّ حيّا وكلّمني في/ هؤلاء [النّتنى]- يعني: الأسرى- لتركتهم له» «١» وكانوا سبعين أسيرا.
[عرض النّبيّ ﷺ نفسه على القبائل]
وفي «٢» السّنة الحادية عشرة، في الموسم منها: اجتهد النّبيّ ﷺ في عرض نفسه على القبائل في مجامعهم بالموسم ب (منى، وعرفات) أيّهم يمنعه ويؤويه.
واجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة ليأمرهم بما يرمون به النّبيّ ﷺ في الموسم، لتكون كلمتهم واحدة، وعرضوا عليه أن يقولوا ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون، فقال: (والله ما هو بشاعر ولا ساحر ولا كاهن ولا مجنون، ولقد سمعت قولا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنّ) ، قالوا: فكيف نقول فيه؟
ففكّر في نفسه، ثمّ قال: (إنّ أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وزوجه، وبين المرء وأخيه، فتفرّقوا على ذلك، وجعلوا يلقونه إلى من قدم إليهم من أهل الموسم.
стр. 190
وكان أبو لهب يقفو أثر النّبيّ ﷺ ، فكلّما أتى قوما ودعاهم إلى الله كذّبه عمّه وحذّرهم منه.
وفي الوليد بن المغيرة أنزل الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً. سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً. إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [سورة المدّثر ٧٤/ ١٦- ٢٦] «١» .
[ابتداء أمر الأنصار]
ولمّا أراد الله تعالى كرامة الأنصار، وإعزاز دينه بهم، لقي النّبيّ ﷺ في ذلك الموسم ستّة نفر منهم، فعرض عليهم ما عرض على غيرهم، فقالوا فيما بينهم: والله إنّه للنّبيّ الّذي تواعدنا به اليهود، فلا يسبقونا إليه «٢» .
وكان اليهود يقولون لهم: قد أظلّ «٣» زمان نبيّ سوف نتّبعه، ونقتلكم معه، قال الله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ- أي: يستنصرون- عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة ٢/ ٨٩] .
وكانوا قد وضعت عليهم تكاليف شاقّة، وحرّمت/ عليهم طيّبات أحلّت لهم من قبل، فوعدوا بوضع التّكاليف وحلّ الطّيّبات على لسان محمّد ﷺ ، وهو معنى قوله :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي
стр. 191
التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ- أي:
حملهم الثّقيل- وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [سورة الأعراف ٧/ ١٥٧] ؛ [وقوله تعالى] : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [سورة البقرة ٢/ ٢٨٦] .
[إسلام النّفر الّذين لقيهم النّبيّ ﷺ في الموسم]
فلمّا عرض نفسه «١» على السّتّة النّفر من الأنصار «٢» ، أتوه ليلا فامنوا به وصدّقوه، وقالوا: إنّ قومنا بينهم العداوة والبغضاء، فإن جمعنا الله بك فلا رجل أعزّ علينا منك.
فلمّا قدموا (المدينة) أخبروا قومهم، وفشا فيهم الإسلام، فلم تبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها ذكر رسول الله ﷺ .
وكان ذلك عقيب يوم (بعاث) «٣» - بموحّدة مضمومة، ثمّ مهملة ومثلّثة- وهو يوم وقعت فيه مقتلة عظيمة بين الأوس والخزرج في شوّال في هذه السّنة.
وفي «صحيح البخاريّ» ، كان يوم (بعاث) يوما قدّمه الله لرسوله، فقدم رسول الله وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرّحوا، فدخلوا في الإسلام «٤» .
стр. 192
[زواج النّبيّ ﷺ من عائشة ﵂]
وفي شوّال من السّنة الثّانية عشرة «١» : عقد نكاح عائشة ﵂.
وفي «صحيح البخاريّ» توفّيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، ونكح عائشة بعد موت خديجة بسنتين أو قريبا من ذلك، وهي بنت ستّ سنين، وبنى بها وهي بنت تسع- أي: بعد سنة ونصف من الهجرة، في شوّال أيضا «٢» -.
وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ قال لعائشة: «أريتك في المنام مرّتين، رأيت الملك يحملك في سرقة من حرير، فقال: هذه زوجتك، فأكشف، فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه» «٣» .
[بيعة العقبة الأولى]
وفي الموسم من السّنة الثّانية عشرة: وافاه اثنا عشر/ رجلا من الأنصار، فبايعوه عند (العقبة) بيعة النّساء «٤» : عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً، إلى آخر الآية، [سورة الممتحنة ٦٠/ ١٢] . ورجعوا.
[بعث مصعب ﵁ إلى المدينة وانتشار الإسلام فيها]
وبعث معهم النّبيّ ﷺ مصعب بن عمير ﵁، يقرئهم
стр. 193
القرآن، فأسلم على يديه السّعدان: سعد بن معاذ سيّد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، فأسلم لإسلامهما كثير من قومهما.
[بيعة العقبة الثّانية]
وفي الموسم من السّنة الثّالثة عشرة: خرج حجّاج الأنصار من المسلمين مع حجّاج قومهم من المشركين، فلمّا قدموا (مكّة) ، واعدوا رسول الله ﷺ في (العقبة) من أوسط ليالي التّشريق؛ فلمّا كان ليلة الميعاد باتوا مع قومهم، فلمّا مضى ثلث اللّيل خرجوا مستخفين، فلمّا اجتمعوا بالشّعب عند (العقبة) ، جاءهم رسول الله ﷺ ومعه عمّه العبّاس، وهو يومئذ باق على دينه، لكن أراد أن يتوثّق لابن أخيه، فتكلّم رسول الله ﷺ وقال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم؟» ، قالوا: نعم، فقال لهم: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم» ، فأخرجوهم.
وهم تسعة من الخزرج: أسعد بن زرارة- بضمّ الزّاي-، والبراء بن معرور- بمهملات-، ورافع بن مالك بن عجلان، وسعد بن الرّبيع، وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصّامت، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عمرو بن حرام- والد جابر- والمنذر بن عمرو.
وثلاثة من الأوس، وهم: أسيد بن حضير- مصغّرين، وبحاء مهملة وضاد معجمة- ورفاعة بن عبد المنذر، وسعد بن خيثمة- بمعجمة مفتوحة وتحتيّة ثمّ مثلّثة- ﵃ أجمعين.
فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريّين «١» لعيسى ابن مريم، وأنا الكفيل على قومي؟» ،
стр. 194
قالوا: نعم، فبايعوه، ووعدهم على الوفاء: الجنّة. وجملتهم:
ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان/.
وروي أنّ جبريل ﵇ كان إلى جنب النّبيّ ﷺ عند مبايعتهم، وهو يشير إليهم واحدا بعد واحد «١» .
[تحذير إبليس قريشا من البيعة]
ولمّا تمّت البيعة صاح إبليس- لعنه الله- صيحة منكرة، مشبّها صوته بصوت منبّه بن الحجّاج السّهميّ: يا أهل (منى) : هذا محمّد وأهل (يثرب) قد اجتمعوا لحربكم، فقال له رسول الله ﷺ : «أي عدوّ الله، أما والله لأفرغنّ لك» «٢» ، ثمّ تفرّقوا.
[استجلاء قريش الحقيقة]
فلمّا أصبحوا غدت عليهم رؤساء قريش، وقالوا: يا معشر الخزرج، بلغنا أنّكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنّه والله ما حيّ من العرب أبغض علينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فحلف مشركوا الأنصار ما كان من هذا شيء ولا علمناه، وصدقوا، فإنّهم لم يعلموا.
[تأكّد قريش من صحّة الخبر، وملاحقتها للمبايعين]
فلمّا تفرّق النّاس من (منى) فتّشت قريش عن الخبر فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم ففاتوهم، إلّا أنّهم أدركوا سعد بن عبادة، فرجعوا به أسيرا يضربونه، فاستنقذه منهم مطعم بن عديّ والحارث بن حرب بن أميّة؛ لصنائع كانت لسعد في رقابهما، وخوّفوا قريشا من تعرّض الأنصار لهم على طريق (الشّام) .
[إذن النّبيّ ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة]
ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ قال لأصحابه: «إنّ الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» «٣» .
стр. 195
وأمرهم بالهجرة إلى (المدينة) ، فهاجروا إليها، فلقوا عند الأنصار خير دار وخير جوار، آثروهم على أنفسهم، وقاسموهم في أموالهم.
وبذلك أثنى الله عليهم في محكم كتابه العزيز بقوله تعالى:
يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] ، ﵃.
[ثناء النّبيّ ﷺ على الأنصار]
وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ قال: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس واديا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم» «١» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ / قال قبيل موته: «أوصيكم بالأنصار خيرا، فإنّهم كرشي وعيبتي، قد قضوا الّذي عليهم، وبقي الّذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» «٢» .
[انتظار النّبيّ ﷺ الإذن بالهجرة]
وأقام ﷺ ب (مكّة) ينتظر الإذن في الهجرة، ولم يتخلّف منهم إلّا من حبسه المشركون، وإلّا أبو بكر وعليّ ﵄؛ فإنّهما حبسا أنفسهما على صحبة رسول الله ﷺ .
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّه ﷺ قال: «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنّها
стр. 196
اليمامة [أو هجر] ، فإذا هي المدينة يثرب» «١» .
قلت: هكذا سمّاها (يثرب) ، ثمّ سمّاها (طيبة) ، ونهى عن تسميتها (يثرب) «٢» .
[المهاجرون الأوائل]
[وفي «صحيح البخاريّ» ] ، عن البراء بن عازب ﵄، قال: أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أمّ مكتوم، وكانوا يقرئان النّاس، ثمّ قدم سعد- أي: ابن أبي وقّاص- وبلال، وعمّار بن ياسر، ثمّ قدم عمر بن الخطّاب في عشرين من أصحاب النّبيّ ﷺ ، ثمّ قدم النّبيّ ﷺ «٣» .
[خوف قريش من خروج النّبيّ ﷺ واجتماعهم بدار النّدوة]
فلمّا رأت قريش ما لقي أصحاب رسول الله من طيب الدّار، وحسن الجوار، خافوا خروج النّبيّ ﷺ ، فاجتمعوا في أوّل المحرّم من السّنة الرّابعة عشرة في (دار النّدوة) «٤» ، وتشاوروا في أمره، وتصوّر لهم إبليس-[لعنه الله]- في صورة شيخ نجديّ، مشاركا لهم في الرّأي.
стр. 197
فقال قائل منهم: أرى أن تربطوه في الحديد، وتغلقوا دونه الأبواب حتّى يموت، وقال آخر: أرى أن تخرجوه من بين أظهركم، فتستريحوا منه، وإن قتله غيركم كفاكم شرّه، وإن ظفر بالعرب فعزّه عن عزّكم، فقال أبو جهل: الرّأي عندي أن تخرجوا له من كلّ قبيلة رجلا، فيقتلوه دفعة واحدة، فيتفرّق دمه في القبائل، فيعجز قومه عن طلب الثّأر به. فقال الشّيخ النّجديّ: هذا والله هو الرّأي. فتفرّقوا على ذلك.
[الإذن بالهجرة]
فأخبر/ جبريل النّبيّ ﷺ بما قصدوا له، وأمره بالهجرة ليلة كذا، وهي اللّيلة الّتي علم الله سبحانه أنّهم يمكرون به فيها.
وفي ذلك يقول الله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ- أي: يحبسوك- أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ- أي: يحاربهم الله- وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[سورة الأنفال ٨/ ٣٠] «١» .
[الإسرار إلى أبي بكر ﵁ بالهجرة]
وكان أبو بكر ﵁ قد تجهّز للهجرة إلى (المدينة) ، فقال له رسول الله ﷺ : «على رسلك- أي: أمهل- فإنّي أرجو أن يؤذن لي فيها» . فعلف أبو بكر راحلتين كانتا عنده ورق التّمر «٢» .
стр. 198
قالت عائشة ﵂: فبينما نحن جلوس في نحر الظّهيرة- حين تبلغ الشّمس منتهاها من الارتفاع، كأنّها وصلت إلى النّحر، وهو أعلى الصّدر- إذ أقبل رسول الله ﷺ فقال أبو بكر:
فداه أبي وأمّي، ما جاءنا في هذه السّاعة الّتي لم يكن يأتينا فيها إلّا لأمر قد حدث، فلمّا دخل ﷺ قال له: «أخرج من عندك» ، قال: فإنّما هم أهلك. قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج»
وواعده وقت السّحر، وأمره بالتّجهيز.
قالت عائشة: فجهّزناهما أحثّ الجهاز- بالمثلّثة، أي:
أسرعه- واستأجرا رجلا دليلا ماهرا «١» ، قد دفعا إليه راحلتيهما، وواعداه (غار ثور) بعد ثلاث ليال.
[خروج النّبيّ ﷺ وأبي بكر إلى الغار]
ثمّ لحقا ب (الغار) ، فمكثا فيه ثلاثا يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو يومئذ غلام فطن، ويدّلج «٢» من عندهما بسحر، فيصبح ب (مكّة) مع قريش كبائت فيها، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه، وأتاهما بذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منائح من غنم «٣» ، فيريحها عليهما عشيا «٤» ،
стр. 199
وينعق بها من عندهم «١» .
[تطويق المشركين دار النّبيّ ﷺ ]
وكان المشركون قبل خروج النّبيّ ﷺ من داره قد قعدوا له على بابه تلك اللّيلة، فقال النّبيّ ﷺ لعليّ ﵁: «نم على فراشي، وتسجّ ببردي الحضرميّ الأخضر فنم فيه، فإنّه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» «٢» /.
وخرج عليهم رسول الله ﷺ وبيده حفنة من التّراب، وهو يتلو فيها صدر سورة (يس) إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [سورة يس ٣٦/ ٩] .
فأعمى الله أبصارهم عنه، وجعل ينثر على رؤوسهم التّراب، فأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّدا، قال: خيّبكم الله!! والله لقد خرج عليكم محمّد وما ترك رجلا منكم إلّا وقد وضع على رأسه ترابا، فتفقّدوا رؤوسهم فوجدوا التّراب عليها كما قال.
ثمّ نظروا إلى الفراش فوجدوا عليّا مسجّى بالبرد، فبقوا متحيّرين، وفتر حرصهم على النّبيّ ﷺ .
[جائزة قريش لمن يردّ النّبيّ ﷺ وصاحبه]
فلمّا علموا بخروجهم وقعوا في الأسف، فطلبوهم بأشدّ وجوه الطّلب، وأخذوا على الطّرقات بالرّصد، وجعلوا دية كلّ واحد منهما لمن أسره أو قتله «٣» .
[وصول المشركين إلى باب الغار]
ومرّوا على (غارهما) ، فأعمى الله أبصارهم عنهما، وألهم الله العنكبوت فنسجت على فم (الغار) ، وحمامتين فعشّشتا
стр. 200
على فمه، فلمّا رأوا ذلك قالوا: لو دخله أحد ما كان هكذا.
[لا تحزن إنّ الله معنا]
وفي «الصّحيحين» ، من حديث أنس بن مالك، عن أبي بكر الصّدّيق ﵁، قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه لأبصارنا تحت قدميه، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» «١» .
وفي ذلك يقول الله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [سورة التّوبة ٩/ ٤٠] .
وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيهما، [من البسيط] «٢» :
أقسمت بالقمر المنشقّ إنّ له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم «٣»
وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكلّ طرف من الكفّار عنه عمي
فالصّدق في الغار والصّدّيق لم يرما ... وهم يقولون ما بالغار من أرم «٤»
/ ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على ... خير البريّة لم تنسج ولم تحم
стр. 201
وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدّروع وعن عال من الأطم «١»
[مدّة إقامة النّبيّ ﷺ في الغار]
وبعد الثّلاث جاءهم الدّليل «٢» بالرّاحلتين فارتحلوا، وأردف النّبيّ ﷺ عامر بن فهيرة ليخدمهما، فأخذ بهم الدّليل طريق السّواحل.
[خروج النّبيّ ﷺ إلى المدينة]
وفي «الصّحيحين» ، من حديث البراء بن عازب ﵄، عن أبي بكر الصّدّيق ﵁، قال: فأسرينا ليلتنا كلّها، حتّى قام قائم الظّهيرة «٣» ، وخلا الطّريق فلا يمرّ فيه أحد، حتّى رفعت لنا صخرة «٤» طويلة لها ظلّ، لم تأت عليه الشّمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصّخرة وسوّيت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله ﷺ ، ثمّ بسطت عليه فروة، ثمّ قلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك «٥» ، فنام، وخرجت أنفض ما حوله- أي:
أستبرئه-، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصّخرة، يريد منها الّذي أردناه، فلقيته، فقلت، لمن أنت يا غلام؟، فقال: لرجل من أهل المدينة- يعني: (مكّة) ، فهو صفة لا علم- فقلت: أفي غنمك لبن؟، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟، قال: نعم،
стр. 202
فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضّرع من الشّعر والتّراب والقذى، فحلب لي في قعب معه- أي: قدح- كثبة «١» من لبن، قال: ومعي إداوة «٢» أرتوي فيها للنّبيّ ﷺ ، ليشرب منها ويتوضّأ، قال: فأتيت النّبيّ ﷺ وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتّى استيقظ. - وفي رواية: فوافقته حين استيقظ- فصببت على اللّبن من الماء حتّى برد أسفله، فقلت يا رسول الله: اشرب من هذا اللّبن، فشرب حتّى رضيت، ثمّ قال: «ألم يأن للرّحيل؟» ، قلت: بلى، قال:
فارتحلنا بعد ما زالت الشّمس، فاتّبعنا سراقة بن مالك، ونحن في جلد من الأرض/- أي: موضع صلب- فقلت: يا رسول الله أتينا، فقال: «لا تحزن إنّ الله معنا» ، فدعا عليه رسول الله ﷺ ، قال: فارتطمت فرسه إلى بطنها «٣» ، فقال: إنّي قد علمت أنّكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطّلب، فدعا له رسول الله ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلّا قال: قد كفيتكم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلّا ردّه، فوفّى لنا «٤» .
[وصول النّبيّ ﷺ إلى قباء]
فأقام ﷺ ب (قباء) ، ثمّ دخل (المدينة) يوم الاثنين أيضا «٥» .
[دخول النّبيّ ﷺ المدينة، ودعوة الأنصار له بالنّزول عندهم]
قال أبو بكر ﵁: فقدمنا (المدينة) ليلا، فتنازعوا على أيّهم ينزل عليه، فقال ﷺ : «أنزل على بني النّجار، أخوال
стр. 203
عبد المطّلب، أكرمهم بذلك» «١» .
فصعد الرّجال والنّساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان والخدم ينادون: جاء محمّد، جاء رسول الله «٢» .
[خبر إسلام سراقة]
وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ سراقة قال: فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب «٣» .
زاد ابن إسحاق عنه، قال: فلقيته ب (الجعرانة) فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: هذا كتابك لي، فقال: «نعم، هذا يوم وفاء وبرّ، ادن» «٤» فدنوت، فأسلمت.
قال علماء السّير: ولم تدر قريش أين توجّه رسول الله ﷺ ، حتّى سمعوا وقت الصّبح هاتفا من مؤمني الجنّ ينشد ب (مكّة) في الهواء، [من الطّويل] «٥» :
جزى الله ربّ [العرش] خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد «٦»
هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا ... فيا فوز من أمسى رفيق محمّد
فيال قصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يجارى وسؤدد
стр. 204
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شأنها وإنائها ... فإنّكم إن تسألوا الشّاة تشهد
أتته بشاة حائل فتحلّبت ... عليه بدرّ ضرّة الشّاة مزبد
[مرور النّبيّ ﷺ وأبي بكر بأمّ معبد بعد لحاق سراقة لهم]
/ وكانوا قد مرّوا على خيمة أمّ معبد الخزاعيّة الكعبيّة، فسألوها الزّاد، فلم يجدوا عندها إلّا شاة هزيلة، قد تخلّفت لضعفها عن الغنم، فمسح ﷺ بيده المباركة على ضرّتها- أي: ضرعها- فدرّت لهم بلبن غزير، شرب منه النّبيّ ﷺ وأصحابه حتّى ارتووا، وأفضلوا لأهل الخيمة ما يرويهم.
ثمّ أتى زوجها فأخبرته، فقال: والله إنّه لصاحب قريش، فحينئذ علمت قريش أنّ النّبيّ ﷺ توجّه إلى (المدينة) ، وأنّ الله ناصر عبده، ومظهر لا محالة دينه «١» .
стр. 205
الباب الثّامن في ذكر ما اشتمل عليه حديث الإسراء من العجائب واحتوى عليه من الأسرار والغرائب
[وذلك] من العروج به إلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى قاب قوسين أو أدنى، وما رأى من آيات ربّه الكبرى، والمناجاة، والرّؤية، وإمامة الأنبياء، ممّا أكرمه الله تعالى به ﷺ .
[زمن الإسراء]
قال القاضي عياض: وكان قبل الهجرة بسنة «١» - أي: في السّنة الثّانية عشرة-. ثمّ قال بعضهم: في رمضان منها. وقال النّوويّ في «روضته» : في رجب «٢» .
والأصل فيه من القرآن قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
стр. 206
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [سورة الإسراء ١٧/ ١] .
وقوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [سورة النّجم ٥٣/ ٨- ١١] ، إلى قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [سورة النّجم ٥٣/ ١٧- ١٨] .
[حديث الإسراء والمعراج]
ولا خلاف بين أئمة المسلمين وعلماء الدّين في صحّة الإسراء به ﷺ ، إذ هو نصّ القرآن العظيم. ورواه جماعة من الصّحابة، كما أخرجه الحفّاظ في أصول الإسلام المشهورة، ولكنّ أكملها ترتيبا ووضعا ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث ثابت البناني.
عن أنس بن مالك ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال:
«أتيت بالبراق- (وهو/ دابّة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه) - قال: فركبته حتّى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة الّتي تربط بها الأنبياء، ثمّ دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين، ثمّ خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللّبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة «١» .
стр. 207
ثمّ عرج بي إلى السّماء، فاستفتح «١» جبريل، فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟، قال: محمّد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بادم- ﵇ فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محّمد، قيل:
وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة «٢» : عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريّا- ﵉ فرحّبا بي ودعوا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّالثة- فذكر مثل الأوّل- ففتح لنا. فإذا أنا بيوسف- ﵇ وإذا هو قد أعطي شطر الحسن- أي:
نصفه، ومن النّاس من يعطى عشره أو دونه أو فوقه، وفيه إشارة إلى أنّ منهم من أكمل له الحسن، ويتعيّن أنّه محمّد ﷺ قال:
فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء الرّابعة- وذكر مثله- فإذا أنا بإدريس- ﵇ فرحّب بي ودعا لي بخير- قال الله تعالى:
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [سورة مريم ١٩/ ٥٧]-.
стр. 208
ثمّ عرج بنا إلى السّماء الخامسة- فذكر مثله- فإذا أنا بهارون- ﵇ فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّادسة- فذكر مثله- فإذا أنا بموسى- ﵇ فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّابعة- فذكر مثله- فإذا أنا بإبراهيم- ﵇ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثمّ ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها/ كاذان الفيلة «١» ، وإذا ثمرها كالقلال «٢» .
فلمّا غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت- أي: تلوّنت بألوان مختلفة- فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.
قال: فأوحى الله إليّ ما أوحى. ففرض عليّ خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى- ﵇، فقال: ما فرض ربّك على أمّتك؟، قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربّك واسأله التّخفيف، فإنّ أمّتك لا يطيقون ذلك، فإنّي قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربّي، فقلت: يا ربّ، خفّف على أمّتي. فحطّ عنّي خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حطّ عنّي خمسا، فقال: إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربّي وبين موسى، حتّى قال: يا محمّد، إنّهنّ خمس صلوات كلّ يوم
стр. 209
وليلة، لكلّ صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب شيئا- وفي رواية: كتبت حسنة- فإن عملها كتبت سيّئة واحدة، قال: فنزلت حتّى انتهيت إلى موسى- ﵇ فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، فقال رسول الله ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربّي حتّى استحييت منه» «١» .
قلت: هذا مع ما قد أفهمه ﷺ من الإلزام له بقوله: «إنّهنّ خمس» وفي رواية أيضا: «لا يبدّل القول لديّ» .
قال القاضي عياض- ﵀: (جوّد ثابت- ﵀ هذا الحديث عن أنس ما شاء، ولم يأت عنه أحد بأصوب من هذا.
وقد خلّط فيه غيره عن أنس تخليطا كثيرا، لا سيّما من رواية شريك بن أبي نمر) «٢» . انتهى.
قلت: وحديث شريك ممّا اتّفق عليه الشّيخان، وإنّما لم يورد البخاريّ حديث ثابت هذا لأنّ مسلما إنّما رواه من طريق حمّاد بن سلمة، وهو متروك عند البخاريّ، لم يرو له إلّا تعليقا.
واتّفق عليه الشّيخان أيضا من حديث أبي/ ذرّ وغيره.
فائدة [: في بعض دقائق الإسراء]
وفي قوله ﷺ : «بالحلقة الّتي تربط به الأنبياء» إشارة إلى أنّ ركوب البراق للإسراء غير مختصّ بمحمّد ﷺ ، ويشير إلى ذلك
стр. 210
قوله في الرّواية الآتية: «فما ركبك عبد أكرم على الله من محمّد» ، لكن في ظاهر قول أهل كلّ سماء: (وقد بعث إليه) ، إشكال لعدم علمهم ببعثه إلّا بعد مضيّ هذه المدّة، مع كثرة تردّد جبريل فيها، وانتشارها عند أهل الأرض، فضلا عن أهل السّماء. وأجاب بعضهم: بأنّه سؤال عن البعث إليه للعروج المتوقّع عندهم لقوله:
(إليه) ، وهو جواب حسن.
وإنّما لم يفتح له قبل مجيئه ليعلم أنّه إنّما فتح من أجله، كما في قوله ﷺ : «أنا أوّل من يقرع باب الجنّة» «١» .
والحكمة في الإسراء به إلى (بيت المقدس) ما ذكره كعب الأحبار: أنّ باب السّماء الّذي يسمّى (مصعد الملائكة) يقابله (بيت المقدس) ، كما أنّ (البيت المعمور) مقابل (الكعبة) .
وأيضا ليحوز ﷺ فضل شدّ الرّحال إلى المساجد الثّلاثة.
وقوله ﷺ : «يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه» يحتمل أيضا أنّهم لا يخرجون منه، فيكون في ذلك دلالة على سعته، وعلى كثرة جنود الله تعالى، والله أعلم بالصّواب.
وعندهما-[أي: البخاريّ ومسلم]- أنّ كلّ نبيّ قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح، إلّا آدم وإبراهيم- ﵉ فقالا له: والابن الصّالح «٢» .
стр. 211
فائدة [: في اجتماع النّبيّ ﷺ بالأنبياء]
الظّاهر أنّ أرواح الأنبياء تشكّلت له في العالم الأعلى. ويجوز نقل أجسادها تلك اللّيلة إكراما لهم أجمعين.
ويؤيّد الأوّل قوله في الحديث: «فصلّى بأهل السّماء، وفيهم أرواح الأنبياء» «١» .
والظّاهر أيضا: أنّ اختصاص من لقيه منهم في كلّ سماء، وهم: آدم، وعيسى، ويوسف، وإدريس، وهارون، وموسى، وإبراهيم، بحسب تفاوتهم في الدّرجات، فادم في السّماء الدّنيا، لأنّه أوّل الأنبياء. ثمّ عيسى في الثّانية، لأنّه أقرب الأنبياء عهدا بمحمّد. ويوسف في الثّالثة، لأنّ أمّة محمّد يدخلون الجنّة على صورته. وإدريس في الرّابعة/، لأنّها الوسطى، وقد رفعه الله مكانا عليّا. وهارون في الخامسة، لقربه من أخيه موسى. وموسى في السّادسة، لفضله بالتّكليم. وإبراهيم في السّابعة، لأنّه أفضل الأنبياء بعد محمّد. صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.
والظّاهر من اختصاص مراجعة موسى له كونه أشبه الرّسل به في كثرة الأتباع وشرف الكتاب. والله أعلم.
[رؤية النّبيّ ﷺ سدرة المنتهى]
وفي «٢» رواية: «فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثمّ أدخلت الجنّة» «٣» .
стр. 212
قال الله تعالى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [سورة النّجم ٥٣/ ١٤- ١٦] .
وفي أخرى: «إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها. وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها» «١» .
وفي ثالثة: هذه السّدرة المنتهى ينتهي إليها كلّ أحد من أمّتك، خلا على سبيلك، وهي السّدرة المنتهى «٢» .
وفي رابعة: «يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشّاربين، وأنهار من عسل مصفّى، وهي شجرة يسير الرّاكب في ظلّها سبعين عاما [لا يقطعها] ، وأنّ ورقة منها مظلّة الخلق، فغشيها نور [الخالق] ، وغشيتها الملائكة» «٣» .
وفي خامسة: «ثمّ عرج بي حتّى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» «٤» .
[ما خصّ به النّبيّ ﷺ وأمّته]
وفي سادسة: «أنّ جبريل لمّا جاء بالبراق فذهب ليركب، فاستعصت عليه، فقال لها جبريل: اسكني، فو الله ما ركبك عبد
стр. 213
أكرم على الله من محمّد ﷺ ، فركبها حتّى أتى بها الحجاب الّذي يلي عرش الرّحمن. فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال النّبيّ ﷺ : «من هذا يا جبريل؟» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا إنّي لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فأذّن الملك وأقام، وأخذ بيد محمّد ﷺ فقدّمه فصلّى بأهل السّماء، وفيهم أرواح الأنبياء- ﵈ ثمّ قال محمّد: «يا ربّ، إنّك اتّخذت إبراهيم خليلا. وكلّمت موسى تكليما. وآتيت داود الملك والحكمة، وألنت له الحديد، وسخّرت له الجبال يسبّحن معه والطّير. ووهبت سليمان/ ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وسخّرت له الرّيح تجري بأمره رخاء- أي: ليّنة- حيث أصاب- أي: قصد- والشّياطين كلّ بناء وغوّاص، وآخرين مقرّنين في الأصفاد- أي: القيود- وعلّمت عيسى التّوراة والإنجيل، وأعذته وأمّه من الشّيطان الرّجيم، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك» ، فقال الله تعالى:
يا محمّد؛ قد اتّخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التّوراة أنّ محمّدا حبيب الرّحمن، وأرسلتك إلى النّاس كافّة، وجعلت أمّتك هم الأوّلون وهم الآخرون بعثا، والسّابقون يوم القيامة، وجعلت أمّتك لا تجوز لهم خطبة حتّى يشهدوا أنّك عبدي ورسولي، وجعلتك فاتحا وخاتما، وأعطيتك السّبع المثاني- أي: الفاتحة- وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي، ولم أعط ذلك أحدا من خلقي» «١» .
стр. 214
فائدة [: في الحكمة من ركوب البراق]
الحكمة في ركوب البراق مع قدرة الله تعالى على طيّ المسافة له إكرامه بما جرت به العادة مع خرقها، إذ الملوك يبعثون لمن استدعوه بمركوب.
وجزم جماعة من المحقّقين بأنّه لم يجاوز سدرة المنتهى أحد إلّا محمّد ﷺ ، ويؤيّده قوله [ ﷺ ] : «إليها ينتهي ما يعرج [به] من الأرض» «١» .
[عرض الآنية على النّبيّ]
وقوله ﷺ : «فأتيت بإناء من لبن وإناء من خمر» «٢» . زاد في رواية في «الصّحيحين» : «وإناء من عسل» «٣» وفي رواية أخرى للبزّار: «وإناء من ماء» «٤» .
قلت: وبتمام الأربعة يعلم أنّه أتي من كلّ نهر بإناء من الأنهار الّتي تخرج من أصل سدرة المنتهى المذكورة في الحديث السّابق.
ثمّ في قوله تعالى فيها: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [سورة محمّد ٤٧/ ١٥] . والله أعلم.
وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «لمّا عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى دنا الجبّار ربّ العزّة، فتدلّى، حتّى كنت منه قاب قوسين- أي: قدر قوسين- أو أدنى،
стр. 215
فأوحى إليّ بما شاء» «١» .
وعن ابن عبّاس رضي الله/ عنهما، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «فارقني جبريل، فانقطعت عنّي الأصوات، فسمعت كلام ربّي جلّ وعلا يقول: ليهدأ روعك- أي: ليسكن خوفك- ادن يا محمّد، ادن» «٢» .
[رؤية النّبيّ ﷺ نهر الكوثر]
وفي البخاريّ، عن أنس ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال:
«لمّا عرج بي إلى السّماء بينما أنا أسير في الجنّة، إذا [أنا] بنهر حافّتاه قباب اللّؤلؤ المجوّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال:
هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك، فإذا طينه مسك أذفر» «٣» .
[رؤية النّبيّ ﷺ لبعض أهل النّار]
وفي «سنن أبي داود» ، عن أنس أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الّذين يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم» «٤» .
[وصيّة إبراهيم ﵊ لأمّة النّبيّ ﷺ ]
وروى التّرمذيّ في «جامعه» ، وقال: حديث حسن، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لقيت إبراهيم- ﵇ ليلة أسري بي، فقال: يا محمّد: أقرىء أمّتك عنّي السّلام- عليه وعلى نبيّنا السّلام-، وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة، عذبة الماء، وأنّها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر» «٥» .