أتى بها الحجاب الّذي يلي عرش الرّحمن جلّ وعلا، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال النّبيّ ﷺ : «من هذا يا جبريل؟» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ إنّي لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته قطّ منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، قال: فقيل له من وراء الحجاب:
صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر، ثمّ قال الملك: أشهد أن لا إله إلّا الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا لا إله إلّا أنا، وذكر مثل هذا في بقيّة الأذان إلى آخر الحديث «١» .
فائدة [: في قول القرطبيّ والغزاليّ في الأذان]
قال القرطبيّ: الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة.
وقال الغزاليّ: إذا سمعت النّداء فأحضر في قلبك النّداء يوم القيامة، واعلم أنّك إن وجدت قلبك عند هذا النّداء مملوآ بالفرح والاستبشار، مشحونا بالرّغبة إلى المسارعة والابتدار، فاعلم أنّه سيأتيك النّداء بالبشرى، والفوز يوم القضاء «٢» .
стр. 247
[حمّى المدينة]
قال أهل السّير: وكانت (المدينة) كثيرة الوباء، فتضرّر بذلك أصحابه المهاجرون، وشقّ ذلك عليه ﷺ ، وخاف أن يكرهوها، فدعا الله أن يرفع الوباء عنها، فرفعه.
وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة ﵂ قالت: قدمنا (المدينة) وهي أوبأ أرض الله، فوعك أبو بكر، ووعك بلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول، [من الرّجز] :
كلّ امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع عقيرته- أي: صوته- يقول/، [من الطّويل] «١» :
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل «٢»
وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل «٣»
وهما جبلان ب (مكّة) -[أي: شامة وطفيل] .
قالت: فأخبرت النّبيّ ﷺ فقال: «اللهمّ حبّب إلينا (المدينة) ، كحبّنا (مكّة) ، أو أشدّ، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها فاجعلها ب (الجحفة) ، وبارك لنا في صاعنا ومدّنا» «٤» .
стр. 248
فبعد دعوته ﷺ طاب لهم المقام، وانصرفت عنهم الأسقام، عند قوم كرام.
وفي ذلك يقول أبو قيس صرمة بن أبي أنس، أحد بني النّجّار ﵁، [من الطّويل] «١» :
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة ... يذكّر لو يلقى صديقا مواتيا «٢»
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلمّا أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفى صديقا واطمأنّت به النّوى ... وكنّا له عونا من الله باديا
يقصّ لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى من النّاس واحدا ... قريبا ولا يخشى من النّاس نائيا «٣»
بذلنا له الأموال من كلّ مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتّاسيا «٤»
стр. 249
نعادي الّذي عادى من النّاس كلّهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
[الإذن بالقتال وفرض الجهاد]
وفي أوّل السّنة الثّانية من الهجرة: أذن الله في الجهاد، بقوله تعالى في حقّ المهاجرين: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [سورة الحج ٢٢/ ٣٩- ٤٠] .
وبقوله تعالى في حقّ الأنصار: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إلى آخر السّورة.
[سورة الصّف ٦١/ ١٠- ١١] .
ثمّ أوجب الله/ ذلك على نبيّه ﷺ بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الآية «١» [سورة التّوبة ٩/ ٧٣] .
стр. 250
فائدة [: في أي وقت يكون الجهاد فرض عين أو فرض كفاية]
قال العلماء: كان الجهاد في زمنه ﷺ فرضا على الكفاية، إلّا أنّ التّخلّف عنه مشروط بإذنه ﷺ ، وقيل: فرض عين.
وأمّا بعده فغزونا الكفّار إلى بلادهم فرض كفاية، ودفعنا لمن دخل بلادنا منهم فرض عين، وقد أمر الله به وأوعد على تركه بقوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا الآية [سورة التّوبة ٩/ ٤١] ، وبقوله:
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً الآية [سورة التّوبة ٩/ ٣٩] .
وعذر أولي الضّرر بقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية [سورة النّور ٢٤/ ٦١] ، وبقوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية [سورة النّساء ٤/ ٩٥] .
فائدة اخرى [: في المكّيّ والمدنيّ من سور القرآن العظيم]
قال العلماء: سورة الحج وسورة الصّف من أوائل السّور المدنيّات، ومعظم القرآن مكيّ، نزل قبل الهجرة، والمدنيّ الّذي نزل بعدها، وهو نحو ثلاثين سورة؛ وهي: البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والحجّ، والنّور، والأحزاب، وسورة محمّد، والفتح، والحجرات، والحديد إلى الملك، وهي عشر متواليات، والمطفّفين- قيل: وهي أوّل سورة مدنيّة- ولم يكن، والنّصر، والمعوذتان.
فهذه سبع وعشرون. واختلف العلماء في الرّعد، وهل أتى على الإنسان، والكوثر. والرّاجح أنّها مكيّة. والله أعلم.
[الإخاء بين المهاجرين والأنصار]
قال علماء السّير: فعند ذلك جمع النّبيّ ﷺ الأنصار وأسقط
стр. 251
الإحن «١» الّتي كانت بينهم، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار «٢» ، ثمّ وادع اليهود «٣» .
[تجهيزه ﷺ السّرايا والبعوث]
ثمّ شمّر عن ساق الجدّ والاجتهاد، وجاهد في الله حقّ الجهاد، فعقد الألوية، وأمّر الأمراء، وجهّز السّرايا والبعوث والجيوش، وشنّ الغارات على أعداء الدّين، بما سيأتي ذكر بعضه والإشارة إلى غيره مع التّرغيب في الجهاد والحثّ عليه بقوله وفعله، وقد سبق في صدر هذا القسم ما فيه كفاية من الآيات والأحاديث المرغّبة فيه «٤» .
[عدد غزواته ﷺ ]
وفي/ «صحيح البخاريّ» ، عن البراء بن عازب ﵄ قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، غزوت معه سبع عشرة غزوة «٥» .
[صرف القبلة]
وفي رجب من السّنة الثانية: حوّلت القبلة على رأس ستّة عشر شهرا من الهجرة.
стр. 252
وكان ﷺ من قبل يصلّي إلى (بيت المقدس) ، ويقول: «وددت لو حوّلني ربّي إلى (الكعبة) ، فإنّها قبلة أبي إبراهيم ﵇» .
وكان يتوقّع نزول الوحي عليه في ذلك، فيقلّب وجهه في السّماء، فاختار الله له ما يختاره، فنزل قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- أي: جهته وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٤٤] .
وفي «الصّحيحين» عن البراء بن عازب ﵄ قال:
كان رسول الله ﷺ صلّى نحو (بيت المقدس) ستّة عشر شهرا، وكان يحبّ أن يوجّه إلى (الكعبة) ، فأنزل الله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، فتوجّه نحو (الكعبة) ، فقال السّفهاء من النّاس- وهم اليهود-: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، فقال الله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [سورة البقرة ٢/ ١٤٢] ، فصلّى مع النّبيّ ﷺ رجل ثمّ خرج بعدما صلّى، فمرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلّون نحو (بيت المقدس) ، فقال: هو يشهد أنّه صلّى مع رسول الله ﷺ وأنّه توجّه نحو (الكعبة) ، فتوجّه القوم نحو (الكعبة) «١» .
стр. 253
فائدة [: في أنّ القبلة أوّل منسوخ في الإسلام]
قال العلماء: كانت القبلة أوّل منسوخ في شريعتنا «١» .
[النّاسخ والمنسوخ]
ومعنى النّسخ عند الأصوليين: رفع الحكم الشّرعي السّابق بخطاب لاحق.
ويجوز النّسخ إلى بدل؛ كنسخ استقبال (بيت المقدس) إلى استقبال (الكعبة) .
وإلى غير بدل؛ كنسخ وجوب تقديم صدقة بين يدي النّجوى في قوله تعالى: إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً بقوله: أَأَشْفَقْتُمْ/ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ الآية [سورة المجادلة ٥٨/ ١٢- ١٣] .
وإلى بدل أخفّ؛ كنسخ العدّة عاما في قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [سورة البقرة ٢/ ٢٤٠، ٢٣٤] .
وإلى أغلظ كنسخ التّخيير بين رمضان والفدية في قوله:
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ بتعيّن الصّيام في قوله:
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [سورة البقرة ٢/ ١٨٤- ١٨٥] .
стр. 254
وأنكرت اليهود جواز نسخ حكم الله السّابق بحكم لاحق، ليتوصّلوا بذلك إلى تأييد شرع موسى.
واحتجّ عليهم بعض العلماء: بأنّ آدم ﵇ إن كان زوّج بنيه ببناته، فقد اعترفتم إمّا بالنّسخ وإمّا بجواز ذلك في شريعة موسى ﵇، وإن كان زوّج بنيه ببنات إبليس وبناته بأبناء إبليس؛ فأنتم من ذرية إبليس. عليه وعليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.
[ما فعله اليهود عند صرف القبلة]
قال العلماء: ولمّا نسخ التّوجّه إلى (بيت المقدس) بالتّوجّه إلى (الكعبة) أكثر اليهود في ذلك: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ- أي:
اليهود- ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً- أي:
خيارا- لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ- أي: يوم القيامة بتبليغ الرّسل- وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً- أي: مزكّيا- وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ- أي: لننظر- مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ- أي: قصّة التّحويل- لَكَبِيرَةً- أي: ثقيلة- إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ- أي: صلاتكم إلى (بيت المقدس) - إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة البقرة ٢/ ١٤٢- ١٤٣] .
[فرض الصّيام]
وفي شعبان من هذه السّنة-[أي: السّنة الثّانية]-: فرض صوم رمضان، ونسخ صوم عاشوراء/، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٨٣] .
وفي «الصّحيحين» عن ابن عمر ﵄ قال: صام النّبيّ ﷺ عاشوراء، وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك «١» .
стр. 255
[فرض صدقة الفطر]
وفيها-[أي: السّنة الثانية]- في رمضان: فرضت صدقة الفطر.
ففي «الصّحيحين» ، عن ابن عمر ﵄ قال:
فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كلّ حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين «١» .
[غزوة بدر الكبرى]
وفيها-[أي: السّنة الثانية]- في رمضان: غزا رسول الله ﷺ غزوة (بدر) الكبرى، وكانت الوقعة يوم الجمعة، السّابع عشر من رمضان المعظّم، وهو يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وأشار إليها في القرآن قبل وقوعها بقوله: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً [سورة الفرقان ٢٥/ ٧٧] ، وبقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [سورة الدّخان ٤٤/ ١٦] .
وفضلها أشهر من أن يذكر.
[عدّة من خرج من المسلمين إلى بدر]
وفي «صحيح البخاريّ» ، عن البراء بن عازب ﵄: إنّ عدّة أصحاب (بدر) على عدّة أصحاب طالوت الّذين جاوزوا معه النّهر، ولم يجاوز معه إلّا مؤمن.
وهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، معهم فارس واحد، وهو المقداد بن الأسود ﵃ أجمعين «٢» .
وعدّة المشركين نحو الألف، منهم ثمانون فارسا.
واستشهد من المسلمين أربعة عشر، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون.
стр. 256
[إمداد الله المسلمين بالملائكة وفضلهم]
وشهدها جبريل الأمين في ألف من الملائكة مردفين، وصار لهم فضل عند أهل السّماء كفضل أهل (بدر) عند أهل الأرض.
وفي «صحيح البخاريّ» ، أنّ جبريل ﵇ قال للنّبيّ ﷺ : ما تعدّون أهل (بدر) فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين» ، قال: وكذلك من شهد (بدرا) من الملائكة «١» . والله أعلم.
فائدة [: في المزايا الّتي منحها الله لأهل بدر]
وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لعلّ الله اطّلع على أهل (بدر) فقال: / اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «٢» .
أي: علم الله أنّهم من أهل الجنّة، لما سبق أنّه لم يشهدها إلّا مؤمن، كما أنّه لم يجاوز النّهر مع طالوت إلّا مؤمن، ومن سبقت له العناية لم تضرّه الجناية، ولم يمت أحد منهم بحمد الله إلّا على أعمال أهل الجنّة، ولا ينافي ذلك معاقبتهم على هفواتهم بعد ذلك؛ كحاطب وسعد وأبي لبابة ومسطح ومرارة وهلال «٣» .
والمراد أنّ الله علم أنّ ذنوبهم مغفورة بما ينالهم من البلاء والأذى في الدّنيا، وإذا كان كذلك فلم يغفر حينئذ على القطع لأحد ما تأخّر من ذنبه، إلّا لمحمّد ﷺ .
стр. 257
وما ورد في بعض الأخبار- كما ورد في حديث الشّفاعة- من قوله: «غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» ، محمول على غفران أوّل ذنبه وآخره، لقوله: «ما قدّمت وما أخّرت، وأوّله وآخره» .
والله أعلم.
[سبب غزوة بدر]
قال اهل السّير: وسببها أنّ النّبيّ ﷺ سمع بأبي سفيان بن حرب في عير لقريش أقبلت من (الشّام) ، فجعل العيون عليها «١» ، فلمّا جاءه عينه خرج بمن خفّ معه من المسلمين، ولم يكن يظنّ أنّه يلقى عدوّا، وكان أبو سفيان يتحسّس الأخبار خوفا من النّبيّ ﷺ ، فجاءه الخبر بمخرجه، فبعث إلى قريش يستنفرهم، فأوعبت «٢» قريش في الخروج، وخرجت سائر بطونها.
[استشارة النّبيّ ﷺ أصحابه بعد نجاة العير]
فلمّا كان النّبيّ ﷺ ببعض الطّريق، بلغه نفر قريش، فاستشار أصحابه في طلب العير أو قتال النّفير، وقال: «إنّ الله وعدني إحدى الطّائفتين» «٣» .
وكانت العير أحبّ إليهم، كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ- أي:
السّلاح، وهي العير- تَكُونُ لَكُمْ [سورة الأنفال ٨/ ٧] .
فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، فتكلّم عمر فأعرض عنه، وهو في كلّ ذلك يقول: «أشيروا عليّ» ، فعلموا أنّه إنّما يريد/ الأنصار لأنّه لم يكن بايعهم على القتال، إنّما بايعهم على أن يمنعوه ممّا
стр. 258
يمنعون منه أنفسهم، ممّن دهمه «١» إلى (المدينة) ، ولكن كان الإيمان قد تمكّن في قلوبهم، واعتقدوا وجوب طاعته ونصرته ﷺ ، حتّى لو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لا متثلوا أمره.
فقام سعد بن عبادة ﵁ فقال: إيّانا تريد يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، قال: والّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) «٢» - أي: بالمعجمة- لفعلنا، ولو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها.
فسرّ بذلك رسول الله ﷺ فقال: «سيروا على بركة الله، والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» «٣» .
[مبادرة النّبيّ ﷺ قريشا إلى الماء وبناء العريش له]
فساروا حتّى نزل النّبيّ ﷺ على أدنى ماء من مياه (بدر) إلى عسكره، فأشير عليه أن ينزل على أدنى ماء إلى العدوّ، ويترك المياه كلّها خلفه، ففعل. وبني له عريش يستظلّ فيه.
[دعاء النّبيّ ﷺ على قريش]
ولمّا أقبلت قريش قال النّبيّ ﷺ : «اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادّك وتكذّب رسولك، اللهمّ أحنهم- أي:
أحضر حينهم وهو هلاكهم- الغداة، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة- يعني: المسلمين- لا تعبد في الأرض» «٤» .
وما زال يهتف بربّه- أي: يدعوه- حتّى سقط رداؤه، فأخذ
стр. 259
أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك- أي: بالغت في سؤاله- فخرج ﷺ وعليه الدّرع وهو يقول:
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [سورة القمر ٥٤/ ٤٥- ٤٦] .
قلت: ينبغي نصب السّاعة الأولى في الحديث على الظّرفيّة لكنّا رويناه بالرّفع كلفظ التّلاوة.
[تسوية النّبيّ ﷺ الصّفوف]
ثمّ أخذ ﷺ يعدّل صفوفهم، وأمرهم أن لا يحملوا حتّى يأمرهم.
[مناشدة النّبيّ ﷺ ربّه النّصر]
ثمّ رجع إلى العريش ومعه أبو بكر ﵁، فخفق «١» / خفقة، ثمّ انتبه، فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه» .
ثمّ خرج إلى صفّ أصحابه، فلمّا تزاحف النّاس أخذ حفنة من الحصباء ورمى بها في وجوه المشركين، وقال لأصحابه: «شدّوا باسم الله» ، فكانت الهزيمة فيهم بإذن الله تعالى، ونصر الله عبده، وأعزّ جنده، وأنزل الله تعالى في قسمة غنائم (بدر) سورة الأنفال، وفيها أيضا ليعلموا أنّه النّاصر لهم: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [سورة الأنفال ٨/ ١٧] .
[طرح بعض المشركين في القليب، ومخاطبة النّبيّ ﷺ لهم]
وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ أمر بقتلى المشركين فألقوا في قليب، ثمّ قام على القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم: «هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا» ، ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» «٢» .
стр. 260
[عودة النّبيّ ﷺ إلى المدينة وتهنئته بالنّصر]
ثمّ قفل ﷺ راجعا إلى (المدينة) ، ولقيه المسلمون إلى (الرّوحاء) «١» يهنّئونه بالنّصر والظّفر: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الأنعام ٦/ ٤٥] .
فائدة [: في سبب إلحاح النّبيّ ﷺ على ربّه بالنّصر في بدر]
قوله: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك.
قال العلماء: لا يجوز أن يتوهّم أحد أنّ أبا بكر ﵁ كان أوثق بربّه من النّبي ﷺ في تلك الحالة وغيرها، بل الحامل له على ذلك تقوية قلوب أصحابه، لأنّهم كانوا يعلمون أنّه شفيع مشفّع، مستجاب الدّعوة، وكان ذلك اليوم أوّل مشهد شهدوه، فبالغ في الدّعاء لتسكن نفوسهم، فلمّا قال أبو بكر ما قال، علم أنّه قد اعتقد إجابة الدّعاء، ووقوع النّصر، فخرج النّبيّ ﷺ . والله أعلم.
[بناؤه ﷺ بعائشة ﵂]
وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- في شوّال: بعد (بدر) دخل النّبيّ ﷺ بعائشة بنت أبي بكر ﵄، وهي بنت تسع سنين «٢»
стр. 261
[قتل كعب بن الأشرف وأبي رافع]
وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- بعد (بدر) : كان قتل كعب بن الأشرف وأبي رافع.
[سبب قتل كعب بن الأشرف]
أمّا «١» كعب بن الأشرف فإنّ النّبيّ ﷺ لمّا انتصر ب (بدر) اشتدّ حزن عدوّ الله/ كعب بن الأشرف الطّائيّ اليهوديّ، وأمّه من بني النّضير، فرثى قتلى المشركين بقصائد، وقدم (مكّة) وحرّض قريشا على الأخذ بالثّأر، ثمّ رجع إلى (يثرب) ، وكان له حصن منيع، فأظهر العداوة والبغضاء للنّبيّ ﷺ وأصحابه، وجعل يشبّب في شعره بنساء المسلمين ويؤذيهم «٢» ، فقال النّبيّ ﷺ : «من لكعب بن الأشرف؟ فإنّه قد آذى الله ورسوله» ، فانتدب له خمسة من الأنصار ثمّ من الأوس، فقتلوه.
[سبب قتل سلّام بن أبي الحقيق]
وانتدب «٣» أيضا لقتل أبي رافع بن أبي الحقيق تاجر أهل (الحجاز) - وكان له حصن ب (خيبر) ، وكان يؤذي رسول الله ﷺ ، ويعين عليه- سبعة من الخزرج، فقتلوه.
стр. 262
[تحريض النّبيّ ﷺ على قتل كعب بن الأشرف]
وفي «الصّحيحين» ، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لكعب بن الأشرف؟ فإنّه قد آذى الله ورسوله» . فقال محمّد بن مسلمة: أتحبّ أن أقتله يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، قال: ائذن لي فلأقل، قال: «قل» ، قال فأتاه فقال له: إنّ هذا الرّجل قد أراد الصّدقة منّا، وقد عنّانا- أي:
أتعبنا- فقال كعب: وأيضا والله لتملّنّه، قال: إنّا قد اتّبعناه، ونكره أن ندعه حتّى ننظر إلى أيّ شيء يصير أمره، وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد؟ قال: ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له:
ترهنوني أولادكم؟ قال: يسبّ ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر «١» ، ولكن نرهنك الّلأمة- يعني السّلاح- قال: فنعم.
فواعده أن يأتيه بالحارث بن أوس، وأبي نائلة، وأبي عبس بن جبر، وعبّاد بن بشر، قال: فجاؤوا، فدعوه ليلا، فقالت له امرأته: والله إنّي لأسمع صوتا فيه الموت، قال: إنّما هذا محمّد بن مسلمة، ورضيعه أبو نائلة، إنّ الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب، فقال محمّد بن مسلمة لأصحابه: إنّي إذا جاء/ فسوف أمدّ يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، فنزل وهو متوشّح بالسّيف، فقالوا له: إنّا نجد منك ريح الطّيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال محمّد بن مسلمة: أفتأذن لي أن أشمّ منه؟ قال: نعم، فشمّ، فتناول فشمّ، ثمّ قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: نعم، وتمكّن منه، ثمّ قال: دونكم، فقتلوه. ثمّ
стр. 263
أتوا النّبيّ ﷺ فأخبروه «١» .
[بعث النّبيّ ﷺ عبد الله بن عتيك لقتل سلّام بن أبي الحقيق]
وفي «صحيح البخاريّ» ، عن البراء بن عازب ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ رجالا من الأنصار، وأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي النّبيّ ﷺ ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض (الحجاز) ، فلمّا دنوا منه، وقد غربت الشّمس، وراح النّاس بسرحهم «٢» ، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: اجلسوا مكانكم- أي: خارج السّور- فإنّي منطلق، ومتلطّف للبوّاب، لعلّي أن أدخل، ثمّ أقبل حتّى دنا من الباب، ثمّ تقنّع بثوبه- أي: غطّى به رأسه- كأنّه يقضي الحاجة، وقد دخل النّاس، فهتف به البوّاب: يا هذا، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، قال: فدخلت فكمنت- أي:
اختفيت- فلمّا دخل النّاس أغلق البوّاب الباب، ثمّ علّق المفاتيح على وتد، قال: فقمت إلى الأغاليق فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر مع أصحابه في علّيّة «٣» له، فلمّا ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه، فجعلت كلّما فتحت بابا أغلقت عليّ من داخل، وقلت: إن يدر بي القوم لم يخلص إليّ أحد منهم حتّى أقتله- أي: وإن قتلوني بعده-، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو، فقلت: يا أبا رافع، فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصّوت، فضربته بالسّيف وأنا دهش، فما
стр. 264
أغنيت شيئا «١» ، وصاح، فخرجت من البيت، فمكثت غير بعيد، ثمّ دخلت إليه، فقلت: ما هذا/ الصّوت يا أبا رافع؟ وغيّرت صوتي كأنّي أغيثه، فقال: إنّ رجلا في البيت ضربني بالسّيف، قال: فضربته ضربة فأثخنته، ثمّ وضعت ظبّة السّيف «٢» في بطنه، واعتمدت عليه حتّى خرج من ظهره، فعرفت أنّي قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتّى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي، وأنا أظنّ أنّي قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت، فانكسرت ساقي فعصبتها، ثمّ جلست على الباب، وقلت: والله لا أخرج اللّيلة حتّى أعلم أنّي قتلته، فمكثت إلى أن صاح الدّيك، فقام النّاعي على السّور، وقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل (الحجاز) ، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النّجاء «٣» ، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهينا إلى النّبيّ ﷺ فحدّثته، فقال: «ابسط رجلك» ، فبسطتها فمسحها بيده، فكأنّي لم أشكها قطّ «٤» .
[غزوة بني قينقاع]
وفي هذه السّنة أيضا-[أي: السّنة الثّانية]-: نقضت بنو قينقاع يهود (المدينة) العهد، فحاصرهم النّبيّ ﷺ حتّى نزلوا على حكمه فيهم، فوهبهم لعبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكانوا حلفاءه، وأخذ أموالهم.
[غزوة أحد]
وفي السّنة الثّالثة: كانت غزوة (أحد) ، وكانت وقعتها يوم السّبت للنّصف من شوّال.
стр. 265
[خروج قريش]
وكان من حديث (أحد) أنّ قريشا تحاشدوا بعد (بدر) ، واجتهدوا في طلب الثّأر، وخرجوا بظعنهم ومن أطاعهم من الأحابيش- أي: جموع العرب- حتّى نزلوا ب (أحد) ، وكانوا ثلاثة آلاف، منهم مئتا فارس.
[مشاورة النّبيّ ﷺ أصحابه في الخروج]
فلمّا علم بهم رسول الله ﷺ استشار أصحابه في الخروج إليهم أو الإقامة، وقال لهم: «إنّي رأيت في منامي كأنّ في سيفي ثلمة، وأنّ بقرا تذبح، وتأوّلتها أنّ نفرا من أصحابي يقتلون، وأنّ رجلا من أهل بيتي يصاب، فإن رأيتم أن تقيموا ب (المدينة) وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، وإن دخلوها قاتلناهم فيها» «١» .
فاختلفت آراؤهم في ذلك، حتّى غلب رأي من أحبّ الخروج.
وكان من لم يشهد/ (بدرا) حصل معهم من الأسف على ما فاتهم من الفضيلة.
[تهيّؤ النّبيّ ﷺ للخروج]
فدخل ﷺ فلبس لأمته «٢» ، وخرج عليهم فوجدهم قد رجّحوا رأي القعود، فقال: «لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل» «٣» . فسار بهم، وكانوا نحو الألف، ليس فيهم فرس «٤» .
[انخذال عبد الله بن أبي بالمنافقين]
فانخذل عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكان مطاعا بثلث النّاس.
[تعبئة النّبيّ ﷺ المسلمين للقتال]
فبقي نحو سبع مئة رجل، فنزل ﷺ وجعل ظهره إلى (أحد) ، ورتّب أصحابه كما قال الله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ
стр. 266
- وكان غدا من منزل عائشة- تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٢١] ، وأقعد الرّماة، وهم خمسون على جبل (عنين) - مصغّرا بمهملة ونون مكرّرة- وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم إن غلبنا أو غلبنا» .
[انتصار المسلمين ودور الرّماة فيه]
وظاهر ﷺ يومئذ بين درعين «١» ، وحمل هو وأصحابه على المشركين فهزمهم الله تعالى، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٢] .
وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا.
[الابتلاء بعد النّصر]
فقالت الرّماة: الغنيمة يا قوم، فقد ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فأبى بعضهم فثبت مكانه لقول رسول الله ﷺ :
«لا تبرحوا مكانكم» ، وخالف الآخرون، فأقبلوا على الغنيمة، كما قال الله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا- أي: الغنيمة- وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، لكن عفا عنهم بقوله: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٢] .
فلمّا رأت خيل قريش ظهور المسلمين خالية عن الرّماة، حملوا عليهم، فقتلوا من بقي من الرّماة، وأتوا المسلمين من خلفهم.
[إشاعة مقتل النّبيّ ﷺ وما لقيه من الأذى]
وصرخ إبليس- لعنه الله تعالى-: ألا إنّ محمّدا قد قتل، فانفضّت صفوف المسلمين، وتراجعت قريش بعد هزيمتها، وخلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ فرموه بالحجارة، حتّى وقع لشقّه، وكسرت رباعيته اليمنى السّفلى، وجرحت شفته/ السّفلى،
стр. 267
وضربه ابن قمئة اللّيثي على وجهه، فدخلت حلقتان من حلق المغفر «١» في وجنته، وضربه آخر على رأسه حتّى هشم البيضة «٢» ، وكانوا أحرص شيء على قتله، فعصمه الله منهم، وهو ﷺ ثابت ينادي أصحابه، فلم يلو عليه أحد، إذ لم يعرفوه، وظنّوا أنّه قد قتل، وهو في الحديد؛ الدّرع والمغفر، كما قال الله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ- أي: جزاكم- غَمًّا بِغَمٍّ- أي: بعد غمّ-[سورة آل عمران ٣/ ١٥٣] .
[أوّل من عرف النّبيّ ﷺ بعد إشاعة مقتله]
ثمّ إنّ كعب بن مالك الأنصاريّ ﵁ عرف النّبيّ ﷺ فصاح: يا معشر المسلمين، أبشروا، فهذا رسول الله ﷺ فعطف عليه نفر من المسلمين، ونهضوا إلى الشّعب.
[أبيّ بن خلف يبحث عن النّبيّ ﷺ ليقتله]
فأدركهم أبيّ بن خلف فارسا، وهو يقول: أين محمّد؟
لا نجوت إن نجا، وشدّ عليه، فاعترضه رجال من المسلمين دون النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ بيده هكذا- أي: خلّوا طريقه- وتناول الحربة فهزّها حتّى تطايروا من حوله لشدّة بأسه، ثمّ استقبله فدقّه في عنقه بطعنة، تدأدأ «٣» لها عن فرسه مرارا، ونفذت من الدّرع، فرجع إلى أصحابه فمات، فهمّ المشركون أن يكرّوا على النّبيّ ﷺ وأصحابه في الشّعب، فحماهم الله منهم.
[تغشية النّعاس المؤمنين]
ثمّ إنّهم لمّا ترادفت عليهم الغموم ممّا أصابهم، ومن خوف كرّة العدوّ عليهم، ألقى الله عليهم النّعاس، أمنة منه لهم، إلّا المنافقين
стр. 268
فلم يغش النّعاس أحدا منهم لظنّهم السوء، كما قال الله تعالى:
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٥٤] .
[شماتة أبي سفيان بعد المعركة]
ثمّ إنّ أبا سفيان أشرف فقال: أفي القوم محمّد؟ فقال النّبيّ ﷺ : «لا تجيبوه» ، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟
قال: «لا تجيبوه» ، قال: أفي القوم ابن الخطّاب؟ قال:
/ «لا تجيبوه» ، فقال: إنّ هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر ﵁ نفسه، فقال: كذبت يا عدوّ الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك، فقال أبو سفيان: أعل هبل، فقال النّبيّ ﷺ : «أجيبوه» ، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجلّ» ، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النّبيّ ﷺ : «أجيبوه» ، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» ، قال أبو سفيان: يوم بيوم (بدر) ، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. رواه البخاريّ عن البراء بن عازب «١» .
فائدة [: فيمن أكرمه الله بالشّهادة يوم أحد]
قال العلماء: وكان يوم (أحد) يوم بلاء وتمحيص «٢» وإكرام، أكرم الله فيه من أكرم بالشّهادة، فقتل حمزة في سبعين شهيدا من المسلمين ﵃، ومثّلث بهم نساء قريش، فبقروا بطن
стр. 269
الحمزة، وقطعوا كبده، فلمّا نظر إليه ﷺ كذلك ترحّم عليه وأثنى عليه، ثمّ قال: «والله، لئن أظفرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك» «١» ، ثمّ ذكر قول الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [سورة النّحل ١٦/ ١٢٦- ١٢٧] .
فاختار الصّبر كما أمره الله تعالى، وكان ينهى عن المثلة.
[دفن الشّهداء]
ثمّ إنّه ﷺ أمر بدفن الشّهداء بدمائهم، ولم يغسّلهم، ولم يصلّ عليهم، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» - أي: لهم- وكان يجمع بين الرّجلين في ثوب واحد، ثمّ يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» ، فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللّحد «٢» .
[ما نزل من القرآن في يوم أحد]
وأنزل الله فيهم: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٦٩- ١٧٠] .
وأنزل الله تسلية للمؤمنين وتقوية لعزائمهم: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ- أي: يوم (بدر) - وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [سورة آل عمران ٣/ ١٣٩- ١٤٠] .
ودلّهم على وجه الحكمة فيما قضاه وقدّره/ عليهم بقوله تعالى:
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- أي: يظهر إيمانهم ويميّزهم
стр. 270
عن المنافقين؛ كعبد الله بن أبيّ وذويه- وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ- كحمزة وأصحابه- وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- أي: يخلّص إيمانهم- وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٤٠- ١٤١] .
[غزوة حمراء الأسد]
[قال تعالى] : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٢] .
وذلك أنّ قريشا لمّا بلغت (الرّوحاء) همّوا أيضا بالرّجوع لاستئصال من بقي من المسلمين بزعمهم، فلمّا علم بهم النّبيّ ﷺ ندب أصحابه للخروج للقائهم، وقال: «لا يخرج معنا إلّا من حضر يومنا بالأمس» «١» ، فسار بهم حتّى بلغ (حمراء الأسد) «٢» ، فمرّ بهم معبد الخزاعيّ، وهم نزول، فأسرع إلى قريش فأخبرهم بمخرج رسول الله ﷺ وأصحابه إليهم، فثنى ذلك قريشا عن لقائهم، وألقى الله في قلوبهم الرّعب، فأدبروا إلى (مكّة) ، فمرّ عليهم ركب، فجعلوا لهم جعلا على أن يخبروا محمّدا وأصحابه أنّهم يريدون الكرّة عليهم، ولا يخبروهم بانصرافهم إلى (مكّة) ، فلمّا مرّ الرّكب على المسلمين وأخبروهم بذلك، قالوا:
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٣] .
وأقاموا ثلاثا ينتظرون لقاء العدوّ، فبلغهم مسيرهم فرجعوا، فأنزل الله سبحانه: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
стр. 271
- أي: الرّكب- إِنَّ النَّاسَ- أي: قريشا- قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٢- ١٧٤] .
[موقف أنس بن النّضر ﵁]
وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁ قال: إنّ عمّي أنس بن النّضر غاب عن (بدر) ، فقال: غبت عن أوّل قتال للنّبيّ ﷺ ، لئن أشهدني الله قتالا مع النّبيّ ﷺ ليرينّ الله ما أصنع، فلمّا انهزم المسلمون يوم (أحد) /، قال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء- يعني: المسلمين- وأبرأ إليك ممّا جاء به المشركون، فتقدّم بسيفه فلقيه سعد بن معاذ، قال: يا سعد إنّي أجد ريح الجنّة دون (أحد) ، فقتل، ووجد به بضع وثمانون، من طعنة وضربة «١» ورمية بسهم ﵁ «٢» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن أنس ﵁ قال:
كنّا نرى أنّ هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٣] ، نزلت في أنس بن النّضر وأشباهه من قتلى (أحد) «٣» .
[حضور الملائكة ودفاعها عن النّبيّ ﷺ ]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: رأيت النّبيّ ﷺ يقاتل يوم (أحد) ومعه رجلان يقاتلان، عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد «٤» .
стр. 272
[قتال سعد بن أبي وقّاص ﵁]
وقال: نثل النّبيّ ﷺ لي كنانته يوم (أحد) ، وقال: «ارم فداك أبي وأمّي» «١» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: ما سمعت النّبيّ ﷺ جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك «٢» ، فإنّي سمعته يقول له يوم (أحد) : «ارم فداك أبي وأمّي» «٣» .
[تأثّر النّبيّ ﷺ بما لقيه]
وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ الله، واشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيّ الله «٤» .
[بشارة النّبيّ ﷺ جابرا ﵁]
وفي «الصّحيحين» ، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لمّا قتل أبي يوم (أحد) ، جعلت أبكي، وأكشف الثّوب عن وجهه، فقال النّبيّ ﷺ : «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفع» «٥» .
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
[الرّجيع وبئر معونة]
وفي هذه السّنة أيضا-[أي: السّنة الثّالثة]- بعد (أحد) :
أصيب عاصم وأصحابه ب (الرّجيع) ، والقرّاء السّبعون أصحاب (بئر معونة) ، ليمتحن الله الأنصار بالصّبر، ويضاعف لهم عظيم الأجر، وقصّة الفريقين مشهورة في «الصّحيحين» .
стр. 273
[بعث الرّجيع]
أمّا «١» أصحاب الرّجيع: فإنّ النّبيّ ﷺ بعث عاصم بن ثابت الأنصاريّ في عشرة من أصحابه عينا، فلمّا/ كانوا ب (الرّجيع) - وهو: ماء لهذيل، بين (عسفان ومرّ الظّهران) ، وعسفان على مرحلتين من (مكّة) - ذكروا لبني لحيان- وهم بطن من هذيل- فتبعهم منهم نحو مئة رام، فالتجأ عاصم وأصحابه إلى أكمة، فأحاط بهم القوم، ولم يقدروا على الوصول إليهم، فأمّنوهم وأعطوهم العهد أنّهم إن استسلموا لا يقتلونهم، فقال عاصم: أمّا أنا فلا أنزل في ذمّة كافر بالله أبدا، اللهمّ أخبر عنّا رسولك، فقاتلوهم حتّى قتل عاصم في ثمانية من أصحابه.
[أسر زيد وخبيب]
ونزل إليهم خبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنّة بالأمان، فغدروا بهما، فانطلقوا بهما إلى (مكّة) ، فباعوهما.
فأمّا زيد: فاشتراه صفوان بن أميّة بن خلف، فقتله بأبيه، وكان قتل أباه يوم (بدر) .
وأمّا خبيب: فاشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل، فقتلوه بأبيهم، وكان قتل أباهم يوم (بدر) أيضا «٢» .
[مقتل زيد ﵁]
فلمّا خرجوا بزيد من (الحرم) إلى أدنى (الحلّ) ، وقرّبوه
стр. 274
للقتل، قال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحبّ أنّ محمّدا مكانك تضرب عنقه، وأنت في أهلك؟ قال: والله ما أحبّ أنّ محمّدا تصيبه الآن في مكانه شوكة تؤذيه، وأنا جالس في أهلي، فقتلوه، ثمّ أرادوا أخذ رأسه، فحمتهم عنه الدّبر- أي: الزّنابير- فتركوه إلى اللّيل ليأخذوه، فجاءه سيل فاحتمله، وكان قد أعطى الله عهدا أن لا يمسّ مشركا، ولا يمسّه مشرك، فأتمّ الله له ذلك بعد وفاته، كما وفّى به هو في حياته «١» .
[مقتل خبيب ﵁]
ولمّا خرجوا بخبيب ليقتلوه دعا بماء فتوضّأ، وصلّى ركعتين، وأوجز فيهما، وقال: لولا أن تظنّوا أنّ بي جزعا لزدت. فهو أوّل من سنّ هاتين الرّكعتين عند التّقديم للقتل، ثمّ أنشد رحمه الله تعالى، [من الطّويل] «٢» :
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع «٣»
/ فقتلوه، ثمّ صلبوه، فلمّا بلغ النّبيّ ﷺ أنّه مصلوب، قال ﷺ : «أيّكم يحمل خبيبا عن خشبته وله الجنّة؟» .
стр. 275
فانتدب له الزّبير بن العوّام، والمقداد بن الأسود فارسين، فسارا إلى (مكّة) ، فحمله الزّبير على فرسه، فأغاز عليهما أهل (مكّة) ، فلمّا أرهقوهما ألقاه الزّبير، فابتلعته الأرض، فسمّي:
بليع الأرض.
[وقعة بئر معونة]
وأمّا «١» أصحاب بئر معونة- بالنّون-: فإنّ أبا البراء عامر بن مالك العامريّ ملاعب الأسنّة قدم على النّبيّ ﷺ ، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فلم يسلم، ولم يبعد «٢» ، وقال:
يا محمّد، ابعث معي رجالا من أصحابك إلى أهل (نجد) يدعونهم إلى أمرك، وأنا لهم جار، فبعث معه رسول الله ﷺ سبعين رجلا من خيار المسلمين.
قال أنس: كنّا نسمّيهم القرّاء، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو الأنصاريّ الخزرجيّ السّاعديّ، أحد النّقباء الاثني عشر.
[غدر عامر بن الطّفيل بالمسلمين]
فلمّا نزلوا ب (بئر معونة) ، انطلق حرام بن ملحان إلى عامر بن الطّفيل رئيس المكان ليبلّغه رسالة من رسول الله ﷺ ، فأمّنه عامر ثمّ غدر به، فأومأ إلى رجل خلفه فطعنه بالرّمح حتّى أنفذ الطّعنة، فقال حرام: الله أكبر فزت وربّ الكعبة، فقتلوه، ثمّ استصرخوا على أصحابه بقبائل سليم: (رعل وذكوان وعصيّة) ، فقتلوهم عن آخرهم، ما خلا رجلين، وأخفروا «٣» ذمّة أبي البراء عامر بن مالك.
стр. 276
والرّجلان هما: عمرو بن أميّة الضّمريّ وأنصاريّ «١» ، كانا في إبل أصحابهم، فلمّا راحا بهما وجدا أصحابهما صرعى، والخيل واقفة، فقتلوا الأنصاريّ أيضا، وتركوا عمرا حين أخبرهم أنّه من ضمرة.
فرجع عمرو إلى (المدينة) فوجد رجلين من بني عامر فقتلهما، وكان معهما جوار من النّبيّ ﷺ لم يعلم به، فلمّا قدم (المدينة) / أخبر النّبيّ ﷺ الخبر، فقال: «لقد قتلت رجلين لأدينّهما» «٢» .
[دعاء النّبيّ ﷺ على قتلة أصحاب بئر معونة وحزنه عليهم]
وحزن ﷺ على أصحاب (بئر معونة) حزنا شديدا، وقنت في الصّلوات الخمس، على قبائل سليم: (رعل وذكوان وعصيّة) ، الّذين عصوا الله ورسوله وبني لحيان أيضا شهرا، إلى أن نزل عليه قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ١٢٨] فترك القنوت «٣» .
[أمر عامر بن فهيرة ﵁]
وممّن قتل ب (بئر معونة) عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵄.
стр. 277
وروى البخاريّ في «صحيحه» ، عن عمرو بن أميّة الضّمريّ أنّ عامر بن الطّفيل قال له: من هذا؟ - وأشار له إلى عامر بن فهيرة- فقال له عمرو: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته رفع بعد ما قتل إلى السّماء، حتّى إنّي أنظر إلى السّماء بينه وبين الأرض «١» .
[غزوة بني النّضير]
وفي هذه السّنة أو في الرّابعة «٢» : كانت غزوة بني النّضير.
وسببها: ما رواه البخاريّ أنّ رسول الله ﷺ خرج إليهم يستعينهم في دية الرّجلين اللّذين قتلهما عمرو بن أميّة الضّمريّ خطأ «٣» - فهي على الصّواب كما قال ابن إسحاق: بعد (أحد) وبعد (بئر معونة) - فاستند إلى جدار حصن لهم من حصونهم، فأمروا رجلا بطرح حجر على رأسه من الحصن، فأخبره جبريل ﵇ بذلك، فقام موهما لهم وترك أصحابه ورجع إلى (المدينة) .
فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [سورة المائدة ٥/ ١١] وقيل: إنّها نزلت في قصّة غورث بن الحارث الّذي همّ بقتل النّبيّ ﷺ «٤» .
[حصار بني النّضير]
ثمّ أصبح غازيا عليهم، فحصرهم وقطع نخيلهم وحرّقها،
стр. 278
فدسّ إليهم المنافقون ما حكى الله عنهم من قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ/ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ الآيات [سورة الحشر ٥٩/ ١١] .
فلمّا اشتدّ الحصار على أعداء الله، وأيسوا من نصرة المنافقين، قذف الله في قلوبهم الرّعب، فطلبوا الصّلح، فصالحهم النّبيّ ﷺ على الجلاء- أي: الإخراج من أرض إلى أرض- وأنّ لهم ما أقلّت الإبل إلّا السّلاح، فجلوا إلى (الشّام) إلّا آل حييّ بن أخطب وآل أبي الحقيق، فإنّهم جلوا إلى (خيبر) .
وأنزل الله فيهم سورة الحشر، وكانت أموالهم ممّا أفاء الله على رسوله، خالصة لرسول الله ﷺ ، فقسمها بين المهاجرين خاصّة لشدّة حاجتهم، ولم يعط الأنصار منها شيئا، إلّا لثلاثة نفر بهم حاجة «١» ، وطابت بذلك نفوس الأنصار، كما أثنى الله عليهم بقوله: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] .
وفي «صحيح البخاريّ» ، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبّاس ﵄: سورة الحشر، قال: قل سورة النّضير «٢» .
وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- عن ابن عمر ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ حرّق نخل بني النّضير وقطّع، وهي البويرة،
стр. 279
فعاب ذلك المشركون عليه، فأنزل الله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [سورة الحشر ٥٩/ ٥] «١» .
قال ابن عمر: ولها يقول حسّان بن ثابت، [من الوافر] «٢» :
وهان على سراة بني لؤيّ ... حريق بالبويرة مستطير «٣»
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، [من الوافر] :
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرّق في نواحيها السّعير
ستعلم أيّنا منها بنزه ... وتعلم أيّ أرضينا تضير «٤»
[مآل أموال بني النّضير]
وفي «الصّحيحين» ، عن عمر ﵁ أنّه قال: كانت أموال بني النّضير ممّا أفاء الله على رسوله، ممّا لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابا، وكانت لرسول الله ﷺ خاصّة/ ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثمّ يجعل ما بقي في السّلاح والكراع عدّة في سبيل الله «٥» .
[غزوة ذات الرّقاع، أو غزوة نجد]
وفي هذه السّنة أيضا- وهي: الرّابعة- غزا النّبيّ ﷺ غزوة ذات
стр. 280
الرّقاع إلى (نجد) يريد غطفان «١» - سمّيت بذلك لأنّ أقدامهم نقبت «٢» من الحفاء، وكان يلفّون عليها الخرق- فانتهى ﷺ إلى (نجد) ، فلقي جمعا من غطفان، فتقاربوا ولم يكن قتال، فلمّا صلّى الظّهر بأصحابه ندم المشركون أن لا يكونوا حملوا عليهم في الصّلاة، ثمّ قالوا: دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم- يعنون: صلاة العصر- فإذا قاموا إليها فشدّوا عليهم، فنزل جبريل ﵇ بصلاة الخوف، وهي قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
стр. 281
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الآية [سورة النّساء ٤/ ١٠٢] «١» .
وفي «صحيح البخاريّ» ، خرج النّبيّ ﷺ إلى ذات الرّقاع من بطن (نخل) ، فلقي جمعا من غطفان، فصلّى بهم ركعتي الخوف «٢» .
وقول البخاريّ وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة: صوابه وثعلبة- بواو العطف «٣» -.
[خبر غورث بن الحارث]
ولمّا قفل ﷺ من هذه الغزوة نزلوا وقت القيلولة منزلا وتفرّقوا، ونزل ﷺ تحت شجرة وعلّق بها سيفه ونام، فجاء أعرابيّ يسمّى غورث بن الحارث، فأخذ السّيف فاخترطه «٤» ، فاستيقظ النّبيّ ﷺ ، فقال له الأعرابيّ: من يمنعك منّي؟ قال: «الله» ، فسقط السّيف من يده، فأخذه النّبيّ ﷺ وقال: «من يمنعك منّي؟» ، فقال: كن خير آخذ، فتركه ولم يعاقبه، فذهب إلى قومه «٥» .
[غزوة بني المصطلق]
وفي هذه السّنة- وهي الرّابعة-: غزا النّبيّ ﷺ غزوة بني المصطلق/ من خزاعة ب (المريسيع) - مصغّرا بمهملات-.
[سببها]
وذلك أنّه بلغه أنّ بني المصطلق من خزاعة أجمعوا لحربه.
стр. 282
[التقاء الفريقين وهزيمتهم]
فخرج إليهم فلقيهم ب (المريسيع) - وهو ماء لهم من ناحية (قديد) - مصغّرا- أيضا. وهو- أي: قديد- مكان بين (خليص ورابغ) ، بين (مكّة والمدينة) . وخليص على ثلاث مراحل من (مكّة) ، فهزمهم الله، وقتل من قتل منهم، وسبى أولادهم ونساءهم، وغنم أموالهم، واصطفى من سبيهم لنفسه جويرية بنت الحارث المصطلقيّة، أمّ المؤمنين ﵂.
ولمّا قفل ﷺ اتّفق في قفوله [حدثان] . أحدهما: نزول سورة المنافقين، وثانيهما: حديث الإفك.
[سبب نزول سورة المنافقين]
أمّا نزول سورة المنافقين: فذلك أنّه ازدحم مهاجريّ وأنصاريّ «١» على الماء، فتداعى الفريقان، فتكاثر المهاجرون على
стр. 283
الأنصار، فغلبوهم.
[مقالة عبد الله بن أبيّ بن سلول]
فجعل عبد الله بن أبيّ ابن سلول يؤنّب أصحابه- أي: يوبّخهم- ويقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا عنه- أي: لو تركتم الإنفاق على من عنده من المهاجرين لانفضّوا عنه، وتركوه وحيدا محتاجا إليكم- ولكن والله لئن رجعنا إلى (المدينة) ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، إمّا تركوها لنا وإمّا تركناها لهم، في كلام كثير.
[زيد بن أرقم ﵁ يخبر النّبيّ ﷺ بما سمع، وتصديق الوحي له]
وكان زيد بن أرقم ﵁ حاضرا عنده، فشقّ عليه ذلك، فحمل كلامه إلى النّبيّ ﷺ ، فشكاه النّبيّ ﷺ إلى قومه، فعاتبوه على ذلك، فأنكره وكذّب زيد بن أرقم، وجاء إلى النّبيّ ﷺ فحلف بالله إنّه ما قال شيئا من ذلك، وإنّه يشهد أنّك لرسول الله حقّا، فقبل منه علانيته ووكل سريرته إلى الله تعالى؛ فحزن لذلك زيد بن أرقم حزنا شديدا، وقال له قومه: ما أردت إلّا/ أن كذّبك رسول الله ﷺ ، وكذّبك النّاس.
فلمّا ارتحل ﷺ من ذلك المنزل أردف زيد بن أرقم خلفه، وكان يومئذ فتى، فنزل جبريل الأمين بسورة (المنافقون) فقال
стр. 284
النّبيّ ﷺ لزيد بن أرقم: «أبشر، فقد صدّقك الله» «١» .
وتلاها النّبيّ ﷺ على النّاس: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً- أي: وقاية في الظّاهر بين كفرهم الباطن وبين النّاس- الآيات [سورة المنافقون ٦٣/ ١- ٢] .
[صور من مواقف عبد الله بن أبيّ بن سلول]
وكان عبد الله بن أبيّ يقوم في كلّ جمعة إذا قام النّبيّ ﷺ يخطب يقول: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه، فلمّا انصرف يوم (أحد) بثلث النّاس وخذل المؤمنين، فقتل منهم من قتل، أراد أن يقوم مقامه ذلك، فأقعده النّاس، وقالوا: أسكت يا عدوّ الله، فانصرف من المسجد في حال الخطبة مغاضبا، فقيل له: ارجع يستغفر لك رسول الله، فلوى رأسه وقال: لا حاجة بي إلى استغفاره، فعدّد الله في هذه السّورة قبائحه بقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [سورة المنافقون ٦٣/ ٥- ٨] .
[موقف ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول ﵁، من أبيه]
وكان لعبد الله بن أبيّ ابن/ يسمّى عبد الله أيضا ابن عبد الله بن أبيّ، وكان مؤمنا صادقا، حسن الإيمان، فلمّا أراد أبوه أن يدخل (المدينة) ، وكان قد تخلّف قليلا عن النّاس، ردّه، وقال: والله
стр. 285
يا عدوّ الله، لا تدخلها إلّا بإذن من رسول الله ﷺ ، حتّى تعلم أنّه الأعزّ وأنت الأذلّ، ولئن أمرني رسول الله لأضربنّ عنقك.
فأرسل إليه النّبيّ ﷺ أن خلّ عنه، فخلّى عنه، وأتى النّبيّ ﷺ وقال: يا رسول الله إن شئت أن آتيك برأسه فمرني بذلك؟ فقال:
«بل نعاشره معاشرة حسنة حتى يموت أو نموت، لئلا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» «١» .
فعامله ﷺ بالإحسان مدّة حياته، وكفّنه في قميصه بعد وفاته، واستغفر له قبل أن ينهى عنه، وقام على قبره وأراد أن يصلّي عليه، فنهي بنزول قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٨٤] .
[حديث الإفك]
وأمّا حديث الإفك فروى البخاريّ ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة، فأنا أحمل في هودجي، فلمّا دنونا من (المدينة) ، آذن رسول الله ﷺ ليلة بالرّحيل، فقمت لأقضي حاجتي، فأبطأت، فأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلوني «٢» ، فاحتملوا الهودج، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أنّي فيه، فجئت المنزل فإذا ليس فيه أحد، فجلست مكاني، وكان صفوان بن المعطّل قد تخلّف عن الرّكب، فأصبح بالمنزل، فلمّا رآى سوادي عرفني، فاسترجع «٣» ، فو الله ما كلّمني كلمة، ثمّ أناخ راحلته لي، فركبتها، وأخذ بزمامها يقود بي حتّى