وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الآية [سورة النّساء ٤/ ١٠٢] «١» .
وفي «صحيح البخاريّ» ، خرج النّبيّ ﷺ إلى ذات الرّقاع من بطن (نخل) ، فلقي جمعا من غطفان، فصلّى بهم ركعتي الخوف «٢» .
وقول البخاريّ وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة: صوابه وثعلبة- بواو العطف «٣» -.
[خبر غورث بن الحارث]
ولمّا قفل ﷺ من هذه الغزوة نزلوا وقت القيلولة منزلا وتفرّقوا، ونزل ﷺ تحت شجرة وعلّق بها سيفه ونام، فجاء أعرابيّ يسمّى غورث بن الحارث، فأخذ السّيف فاخترطه «٤» ، فاستيقظ النّبيّ ﷺ ، فقال له الأعرابيّ: من يمنعك منّي؟ قال: «الله» ، فسقط السّيف من يده، فأخذه النّبيّ ﷺ وقال: «من يمنعك منّي؟» ، فقال: كن خير آخذ، فتركه ولم يعاقبه، فذهب إلى قومه «٥» .
[غزوة بني المصطلق]
وفي هذه السّنة- وهي الرّابعة-: غزا النّبيّ ﷺ غزوة بني المصطلق/ من خزاعة ب (المريسيع) - مصغّرا بمهملات-.
[سببها]
وذلك أنّه بلغه أنّ بني المصطلق من خزاعة أجمعوا لحربه.
стр. 282
[التقاء الفريقين وهزيمتهم]
فخرج إليهم فلقيهم ب (المريسيع) - وهو ماء لهم من ناحية (قديد) - مصغّرا- أيضا. وهو- أي: قديد- مكان بين (خليص ورابغ) ، بين (مكّة والمدينة) . وخليص على ثلاث مراحل من (مكّة) ، فهزمهم الله، وقتل من قتل منهم، وسبى أولادهم ونساءهم، وغنم أموالهم، واصطفى من سبيهم لنفسه جويرية بنت الحارث المصطلقيّة، أمّ المؤمنين ﵂.
ولمّا قفل ﷺ اتّفق في قفوله [حدثان] . أحدهما: نزول سورة المنافقين، وثانيهما: حديث الإفك.
[سبب نزول سورة المنافقين]
أمّا نزول سورة المنافقين: فذلك أنّه ازدحم مهاجريّ وأنصاريّ «١» على الماء، فتداعى الفريقان، فتكاثر المهاجرون على
стр. 283
الأنصار، فغلبوهم.
[مقالة عبد الله بن أبيّ بن سلول]
فجعل عبد الله بن أبيّ ابن سلول يؤنّب أصحابه- أي: يوبّخهم- ويقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا عنه- أي: لو تركتم الإنفاق على من عنده من المهاجرين لانفضّوا عنه، وتركوه وحيدا محتاجا إليكم- ولكن والله لئن رجعنا إلى (المدينة) ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، إمّا تركوها لنا وإمّا تركناها لهم، في كلام كثير.
[زيد بن أرقم ﵁ يخبر النّبيّ ﷺ بما سمع، وتصديق الوحي له]
وكان زيد بن أرقم ﵁ حاضرا عنده، فشقّ عليه ذلك، فحمل كلامه إلى النّبيّ ﷺ ، فشكاه النّبيّ ﷺ إلى قومه، فعاتبوه على ذلك، فأنكره وكذّب زيد بن أرقم، وجاء إلى النّبيّ ﷺ فحلف بالله إنّه ما قال شيئا من ذلك، وإنّه يشهد أنّك لرسول الله حقّا، فقبل منه علانيته ووكل سريرته إلى الله تعالى؛ فحزن لذلك زيد بن أرقم حزنا شديدا، وقال له قومه: ما أردت إلّا/ أن كذّبك رسول الله ﷺ ، وكذّبك النّاس.
فلمّا ارتحل ﷺ من ذلك المنزل أردف زيد بن أرقم خلفه، وكان يومئذ فتى، فنزل جبريل الأمين بسورة (المنافقون) فقال
стр. 284
النّبيّ ﷺ لزيد بن أرقم: «أبشر، فقد صدّقك الله» «١» .
وتلاها النّبيّ ﷺ على النّاس: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً- أي: وقاية في الظّاهر بين كفرهم الباطن وبين النّاس- الآيات [سورة المنافقون ٦٣/ ١- ٢] .
[صور من مواقف عبد الله بن أبيّ بن سلول]
وكان عبد الله بن أبيّ يقوم في كلّ جمعة إذا قام النّبيّ ﷺ يخطب يقول: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه، فلمّا انصرف يوم (أحد) بثلث النّاس وخذل المؤمنين، فقتل منهم من قتل، أراد أن يقوم مقامه ذلك، فأقعده النّاس، وقالوا: أسكت يا عدوّ الله، فانصرف من المسجد في حال الخطبة مغاضبا، فقيل له: ارجع يستغفر لك رسول الله، فلوى رأسه وقال: لا حاجة بي إلى استغفاره، فعدّد الله في هذه السّورة قبائحه بقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [سورة المنافقون ٦٣/ ٥- ٨] .
[موقف ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول ﵁، من أبيه]
وكان لعبد الله بن أبيّ ابن/ يسمّى عبد الله أيضا ابن عبد الله بن أبيّ، وكان مؤمنا صادقا، حسن الإيمان، فلمّا أراد أبوه أن يدخل (المدينة) ، وكان قد تخلّف قليلا عن النّاس، ردّه، وقال: والله
стр. 285
يا عدوّ الله، لا تدخلها إلّا بإذن من رسول الله ﷺ ، حتّى تعلم أنّه الأعزّ وأنت الأذلّ، ولئن أمرني رسول الله لأضربنّ عنقك.
فأرسل إليه النّبيّ ﷺ أن خلّ عنه، فخلّى عنه، وأتى النّبيّ ﷺ وقال: يا رسول الله إن شئت أن آتيك برأسه فمرني بذلك؟ فقال:
«بل نعاشره معاشرة حسنة حتى يموت أو نموت، لئلا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» «١» .
فعامله ﷺ بالإحسان مدّة حياته، وكفّنه في قميصه بعد وفاته، واستغفر له قبل أن ينهى عنه، وقام على قبره وأراد أن يصلّي عليه، فنهي بنزول قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٨٤] .
[حديث الإفك]
وأمّا حديث الإفك فروى البخاريّ ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة، فأنا أحمل في هودجي، فلمّا دنونا من (المدينة) ، آذن رسول الله ﷺ ليلة بالرّحيل، فقمت لأقضي حاجتي، فأبطأت، فأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلوني «٢» ، فاحتملوا الهودج، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أنّي فيه، فجئت المنزل فإذا ليس فيه أحد، فجلست مكاني، وكان صفوان بن المعطّل قد تخلّف عن الرّكب، فأصبح بالمنزل، فلمّا رآى سوادي عرفني، فاسترجع «٣» ، فو الله ما كلّمني كلمة، ثمّ أناخ راحلته لي، فركبتها، وأخذ بزمامها يقود بي حتّى
стр. 286
أتى الجيش، فقال أهل الإفك ما قالوا، وكان الّذي تولّى كبر «١» ذلك عبد الله بن أبيّ.
[مرض عائشة ﵂ وإخبار أمّ مسطح لها بالأمر]
/ فقدمنا (المدينة) ، فاشتكيت بها شهرا، والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا علم لي بذلك حتّى نقهت- أي: شفيت- فخرجت ليلة أنا وأمّ مسطح للبراز- بفتح الموحّدة، أي: المكان البارز- وذلك قبل أن نتّخذ الكنف «٢» ، فعثرت أمّ مسطح في مرطها «٣» ، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت لرجل شهد (بدرا) ، قالت: ألم تسمعي ما قال؟ - وكان ممّن خاض في حديث الإفك- فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم- وقد رابني منه أنّي لا أرى منه اللّطف- أي: بالتّحريك- الّذي كنت أراه منه حين أشتكي، إنّما يدخل ويسلّم ويسأل عنّي، ثمّ ينصرف، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟، وأنا أريد أن أستيقن الخبر، فأذن لي.
[مواساة أمّ رومان لابنتها ﵄]
فأتيت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّاه، ماذا يتحدّث النّاس به؟
فقالت: يا بنيّة، هوّني على نفسك الأمر، فقلّما حظيت امرأة عند زوجها إلّا حسدت، فقلت: سبحان الله أو لقد تحدّث النّاس بهذا؟
فبكيت تلك اللّيلة، لا يرقأ «٤» لي دمع، ولا أكتحل بنوم.
[استشارة النّبيّ ﷺ أصحابه بشأن عائشة ﵂]
فلمّا أصبح النّبيّ ﷺ استشار عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد في فراقي.
стр. 287
فأمّا أسامة فقال: يا رسول الله، أهلك، والله ما نعلم إلّا خيرا.
وأمّا عليّ فقال: يا رسول الله، لن يضيّق الله عليك، والنّساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: «يا بريرة، هل رأيت في عائشة شيئا يريبك؟» ، قالت: لا، والّذي بعثك بالحقّ.
فائدة [: في حرص الصّحابة على إراحة خاطره ﷺ ]
قال العلماء: إنّما رأى عليّ ﵁ من النّبيّ ﷺ انزعاجا وقلقا، فأراد راحة خاطره.
قلت: وممّا يدلّ على أنّهم كانوا يرون انزعاج خاطره أشدّ عليهم من كلّ أمر: أنّ عمر لمّا قال للأنصاريّ: أجاء الغسانيّ؟
قال: بل أشدّ، اعتزل النّبيّ ﷺ نساءه «١» .
[خطبة النّبيّ ﷺ بشأن الإفك]
قالت عائشة/: فقام رسول الله ﷺ في النّاس واستعذر من عبد الله بن أبيّ «٢» ، فقال: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهل بيتي إلّا خيرا، ولقد ذكروا
стр. 288
رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا» .
فقام سعد بن معاذ سيّد الأوس، فقال: أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة- وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة- فقال لسعد بن معاذ: كذبت، والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فتثاور الحيّان «١» في المسجد حتّى همّوا أن يقتتلوا، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفّضهم حتّى سكتوا.
قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة.
قالت: وأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما «٢» ، حتّى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي.
قالت: فبينما هما عندي وأنا أبكي، إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلّم، ثمّ جلس عندي، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء «٣» ، فتشهّد رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: «أمّا بعد: يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت
стр. 289
بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب، تاب الله عليه» .
فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ ، فقال: والله ما أدري ما أقول له، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ ، فقالت:
والله ما أدري ما أقول له، فقلت: والله لئن قلت لكم: إنّي بريئة- والله يعلم ذلك- لا تصدّقوني بذلك، وقد استقرّ في أنفسكم ما تحدّث به النّاس، ولئن اعترفت بذنب والله يعلم أنّي منه لبريئة لتصدّقنّي، فو الله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف- والتمست اسم يعقوب فدهشت «١» - إذ قال/: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [سورة يوسف ١٢/ ١٨] .
قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أنّ الله سيبرّئني، وما كنت أظنّ أن ينزل الله في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من ذلك، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله ما قام من مجلسه حتّى أخذه ما كان يأخذه من البرحاء «٢» ، من ثقل الوحي، ثمّ سرّي عنه وهو يضحك، وقال: «أبشري يا عائشة، فقد برّأك الله» ، فقلت: لا أحمد إلّا الله الّذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه» .
قال العلماء: فبيّنت أنّهم لا حمد لهم بالنّسبة إلى براءتها لعلمهم بحسن سيرتها.
стр. 290
وفي رواية: وكنت أشدّ ما كنت غضبا «١» . فأظهرت وجه العذر.
قالت: وأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ- أي: في الآخرة-[سورة النّور ٢٤/ ١١] .
فائدة [في طرق روايات حديث الإفك]
روى البخاريّ ومسلم حديث الإفك من طريق الزّهريّ، عن عروة وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وانفرد البخاريّ بروايته له من طريق مسروق بن الأجدع، عن أمّ رومان أمّ عائشة، مصرّحا بسماعه منها، وهو يردّ ما زعمه أبو بكر الخطيب وجماعة من الحفّاظ من أنّ أمّ رومان ماتت في حياة النّبيّ ﷺ ، وصلّى عليها سنة ستّ؛ بل حديث نزول آية التّخيير وفيه: «لا تعجلي حتّى تستأمري أبويك» «٢» - أي: أبا بكر وأمّ رومان- كما صرّح به في رواية الإمام أحمد يردّ ما قالوه، لأنّ التّخيير سنة تسع. والله أعلم «٣» .
[موقف عائشة من حسّان ﵄]
قال عروة: لم يسمّ من أهل الإفك غيره إلّا حسّان بن ثابت، ومسطحا، وحمنة بنت جحش، غير أنّهم عصبة كما قال الله تعالى «٤» .
стр. 291
قال- أي: عروة- وكانت عائشة تكره أن يسبّ عندها حسّان، وتقول إنّه الّذي يقول، [من الوافر] «١» :
فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء
/ وكان حسّان أيضا يعتذر عن ذلك. ومن شعره فيه وفي مدح عائشة ﵂ قوله، [من الطّويل] «٢» :
حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «٣»
عقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل «٤»
مهذّبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كلّ سوء وباطل «٥»
فإن كنت قد قلت الّذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
وكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
له شرف عال على النّاس كلّهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول «٦»
стр. 292
قالت عائشة ﵂: فلمّا أنزل الله تعالى براءتي، قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه-: والله لا أنفق على مسطح أبدا بعد الّذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة النّور ٢٤/ ٢٢] .
فقال أبو بكر: بلى، والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الّذي يجرى عليه «١» .
فائدة [: في كفر من يعتقد أنّ عائشة ﵂ لم تكن بريئة]
لا يخفى أنّ بين حديث نزول سورة المنافقين وحديث الإفك مناسبة من وجوه:
منها: إنّهما وقعا في الرّجوع من غزوة واحدة.
ومنها: إنّ سورة المنافقين في براءة زيد بن أرقم عن الإفك، وهو الكذب المتّهم به، وحديث الإفك في براءة عائشة ﵂ عمّا قذفت به، فهي براءة قطعيّة بنصّ القرآن، حتّى إنّ من يشكّك في براءتها فهو كافر بالإجماع.
بل قال ابن عبّاس ﵄ في تفسير قوله تعالى:
فَخانَتاهُما [سورة التّحريم ٦٦/ ١٠]- أي: امرأة نوح نوحا، وامرأة لوط لوطا-: لم تزن امرأة نبيّ قطّ.
وفي «الصّحيحين» ، أنّ صفوان بن المعطّل قال: والله ما كشفت
стр. 293
عن كنف أنثى قطّ- أي: أنّه كان حصورا لا يأتي النّساء «١» -.
وسيأتي أنّ (الخندق) في شوّال، فيلزم أنّ حديث الإفك قبل شوّال، / لأنّ سعد بن معاذ أصيب ب (الخندق) وهو القائم بعذر النّبيّ ﷺ في الإفك، كما سبق.
[فضل عائشة ومنزلتها من العلم]
وسبق أنّ عائشة دخل بها النّبيّ ﷺ في شوّال بعد (بدر) «٢» ، وهي بنت تسع، فيكون سنّها يوم الإفك أقلّ من إحدى عشرة سنة، ومن تأمّل ثباتها فيه كقولها: (ولشأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله فيّ قرآنا يتلى) ، علم أنّ الله يزكّي من يشاء: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [سورة النّور ٢٤/ ٢١] .
وأمّا علوّ درجتها بعد ذلك في العلم فأشهر من أن يذكر:
كقولها لمّا قال مسروق: هل رأى محمّد ﷺ ربّه؟ [فقالت] :
لقد قفّ شعري «٣» .
وقولها لمّا قال لها عروة: وظنّوا أنّهم قد كذبوا- مخفّفة-[فقالت] : معاذ الله أن تكون الرّسل تظنّ ذلك بربّها «٤» .
стр. 294
وبمثل ذلك يعلم جلالة قدرها فيما يجب لله سبحانه من التنزيه، ولرسله من العصمة.
ومنها: إنّ الّذي تولّى كبر الحدثين معا عبد الله بن أبيّ، المنافق مرّة بعد أخرى، مع ما سبق من معاشرة النّبيّ ﷺ له معاشرة حسنة.
قال العلماء: وكان تقريره ﷺ له من باب ترجيح المصلحة العامّة، وهي تأليف القلوب وخشية التّنفير عن الإسلام المشار إليه بقوله: «لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» «١» .
مع ما سبق من غضب قومه له، وأنّ سعد بن عبادة حملته الحميّة، هذا ولو لم يكن لسعد بعد شهود (العقبة وبدر) إلّا قوله يوم (بدر) : (والّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) «٢» لفعلنا، أو نخيضها البحر لأخضناها معك) «٣» .
فترجّحت هذه المصلحة العامّة على المفسدة الخاصّة به ﷺ ، لأنّ الأذى راجع إليه وإلى أهله، فاحتمله لمصلحة المسلمين العامّة.
كما عفا عن غورث بن الحارث الّذي اخترط عليه السّيف.
وعن اليهوديّة الّتي أطعمته السّمّ، وغير ذلك. والله أعلم.
[غزوة الخندق أو الأحزاب]
وفي هذه السّنة- وهي الرّابعة «٤» -: كانت غزوة/ (الخندق) ، وتسمّى غزوة الأحزاب، في شوّال منها، لحول الحول من غزوة (أحد) «٥» ، ثمّ غزوة بني قريظة.
стр. 295
[سببها]
أمّا غزوة (الخندق) فسببها: أنّ رسول الله ﷺ لمّا أجلى بني النّضير، ولحق رئيسهم حييّ بن أخطب ب (خيبر) ، ذهب بعد ذلك إلى (مكّة) في رجال من قومه، ودعوا قريشا إلى حرب رسول الله ﷺ ، بعد أن سألوهم: أيّنا أهدى سبيلا نحن أم محمّد؟
فقالوا: بل أنتم أهدى سبيلا منه.
وفيهم أنزل الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ- والجبت: الأصنام، والطّاغوت: طغاة المشركين- وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [سورة النّساء ٤/ ٥١- ٥٢] .
[خروج المشركين]
فلمّا أجابتهم قريش إلى ذلك تقدّموا إلى قبائل قيس عيلان- بمهملة- من أهل (الطّائف) وغطفان وهوازن وغيرهم، فدعوهم إلى مثل ذلك، فأجابوهم.
[مشاورة النّبيّ ﷺ أصحابه]
فلمّا علم بهم النّبيّ ﷺ استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسيّ ﵁ بحفر الخندق، فشرع فيه، وقسّمه بين المهاجرين والأنصار، فاجتهدوا في حفره متنافسين في رضا الله ورسوله، بحيث لا ينصرف أحد منهم لحاجته حتّى يستأذن النّبيّ ﷺ .
стр. 296
[مشاركة النّبيّ ﷺ أصحابه العمل]
وكان ﷺ ينقل معهم التّراب على عاتقه، ويكابد معهم النّصب والجوع.
[ارتجاز النّبيّ ﷺ مع أصحابه]
ويرتجز معهم بأبيات عبد الله بن رواحة، [من الرّجز] «١» :
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
إنّ الّذين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
ويمدّ بها صوته: أبينا أبينا.
وكانوا يرتجزون، [من الرّجز] «٢» :
نحن الّذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
فيجيبهم [ ﷺ ] :
«اللهمّ لا عيش إلّا عيش/ الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره»
وأصله: «اللهمّ إنّ العيش عيش الآخره، فاغفر للأنصار- بالنّقل- والمهاجره» .
وفي «الصّحيحين» ، عن البراء بن عازب [﵄] : رأيت النّبيّ ﷺ ينقل من تراب الخندق حتّى وارى [عنّي] الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشّعر- أي شعر أعالي الصّدر- لأنّه ﷺ كان دقيق المسربة «٣» .
стр. 297
[حصار المسلمين]
ولمّا فرغوا من الخندق وأقبلت جموع الأحزاب في عشرة آلاف، وأحاطوا ب (المدينة) من جميع جهاتها، واشتدّ الحصار على المسلمين، كما قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٠- ١١] .
[ظهور النّفاق]
وعند ذلك ظهر نفاق المنافقين، واضطرب إيمان ضعفاء الإيمان، كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً الآيات [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٢] .
وكانوا يقولون: يعدنا محمّد أن نفتح (مكّة والشّام والعراق) ، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط. وامتدّ الحصار قريبا من شهر.
ثمّ زاد الأمر شدّة أنّ حييّ بن أخطب تقدّم إلى بني قريظة فلم يزل بهم حتّى نقضوا العهد.
[نقض بني قريظة العهد]
ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ لمّا رآى ما أصحابه فيه من الشّدّة، استشار الأنصار في أن يعطي عيينة بن حصن الفزاريّ، والحارث بن عوف المرّيّ- قائدي غطفان- ثلث ثمار (المدينة) ، على أن يفرّقا الجمع، فقال له سعد بن معاذ ﵁: أهذا أمر أمرك الله به لا بدّ منه، فالسّمع والطّاعة لله ولرسوله، أم هو أمر تصنعه لنا؟
قال: «لا، بل لأنّني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر شوكتهم» ، فقال له سعد: قد كنّا ونحن وهؤلاء على الشّرك، وهم لا يطمعون منّا بتمرة إلّا قرى أو بيعا، أفحين
стр. 298
أكرمنا الله بالإسلام وأعزّنا بك نعطيهم/ أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلّا السّيف «١» .
[دعاء النّبيّ ﷺ على الأحزاب]
فسرّ بذلك رسول الله ﷺ وقال: «اللهمّ منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزلزلهم» «٢» .
ولم يكن بين القوم قتال إلّا الرّمي بالنّبل والحصى، فأوقع الله بينهم التّخاذل.
[تأييد الله نبيّه ﷺ بالرّيح]
ثمّ أرسل الله عليهم في ظلمة شديدة من اللّيل ريح الصّبا الشّديدة، في برد شديد، فأسقطت خيامهم، وأطفأت نيرانهم وزلزلتهم، حتّى جالت خيولهم بعضها في بعض في تلك الظّلمة، فارتحلوا خائبين.
[بعث النّبيّ ﷺ حذيفة بن اليمان ليتحسّس أخبار المشركين]
وفي «٣» «الصّحيحين» ، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من يأتيني بخبر القوم؟» ، فقال الزّبير: أنا، ثمّ قال: «من يأتيني بخبر القوم؟» ، فقال الزّبير: أنا، فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ لكلّ نبيّ حواريّا وحواريّ الزّبير» «٤» .
زاد ابن إسحاق أنّ الزّبير قال: فذهبت، فدخلت بينهم، فنادى أبو سفيان: إن هذه الظّلمة ظلمة شديدة، فليسأل كلّ منكم
стр. 299
جليسه من هو؟ قال: فبدأت بجليسي، وقلت: من أنت؟
ومكثت إلى أن ارتحلوا.
ثمّ أتيت النّبيّ ﷺ بخبرهم. فحمد الله وأثنى عليه.
فأنزل الله مذكّرا لعباده ما منّ به عليهم قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها- أي: الملائكة- إلى قوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٩- ٢٥] .
[ما ظهر للنّبيّ ﷺ من الآيات في حفر الخندق]
ووقع في أيّام حفر (الخندق) معجزات باهرة من علامات نبوّته ﷺ .
[أمر الكدية]
كحديث الكدية: وهي قطعة من الجبل الّتي اعترضت لهم في حفر (الخندق) ، فلم يعمل فيها المعول، وأعيت فيها الحيل، فأخذ ﷺ المعول وسمّى الله فضربها، فانهالت كالكثيب «١» .
[تكثير طعام أنس ﵁]
وكحديث أبي طلحة: حيث بعث/ أنسا بأقراص من شعير تحت إبطه، ففتّها ﷺ وأطعم منها ثمانين «٢» .
[تكثير طعام جابر بن عبد الله ﵄]
وكحديث جابر: حيث دعا النّبيّ ﷺ خامس خمسة، على صاع من شعير وعناق ذبحها لهم، لمّا رأى النّبيّ ﷺ قد ربط حجرا على بطنه من شدّة الجوع، فبصق ﷺ في البرمة وفي العجين، ونادى في أهل (الخندق) وكانوا ألفا على ما بهم من الجوع، فأشبعهم جميعا خبزا وثريدا ولحما.
стр. 300
وقال جابر: فأقسم، بالله لقد انصرفوا وإنّ برمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو «١» .
[إخباره ﷺ بانتهاء غزو قريش لهم]
وكقوله ﷺ لمّا انصرفت الأحزاب: «لن تغزونا قريش بعدها أبدا، بل نغزوهم ولا يغزوننا» «٢» .
فكان كما قال، وكانت تلك الشّدّة خاتمة الشّدائد.
[غزوة بني قريظة]
وأمّا غزوة بني قريظة: فسببها ما سبق من نقضهم العهد.
[أمر الله تعالى نبيّه ﷺ بالمسير إلى بني قريظة]
وفي «الصّحيحين» ، أنّ النّبيّ ﷺ لمّا رجع من (الخندق) ، ووضع السّلاح، واغتسل، أتاه جبريل ﵇، فقال: قد وضعت السّلاح؟، والله ما وضعناه «٣» ، فاخرج إليهم، قال:
«فإلى أين؟» ، قال: ها هنا. وأشار بيده إلى بني قريظة، فخرج إليهم النّبيّ ﷺ «٤» .
[النّبيّ ﷺ يأمر أصحابه بالخروج]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ قال: «لا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة» ، فأدرك بعضهم العصر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نصلّي حتّى نأتيها- أي: ولو غربت الشّمس متمسّكا بظاهر اللّفظ- وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا ذلك- ففهم من النّصّ معنى خصّصه به- فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ ، فلم يعنّف واحدا منهم «٥» .
стр. 301
قلت: وفي ذلك فسحة للأئمة المجتهدين ﵃، وأنّ كلّ مجتهد مصيب- أي: في الفروع- إذ لم يخصّ النّبيّ ﷺ أحدا من الفريقين بصواب ما ذهب إليه.
[شأن أبي لبابة ﵁]
فلمّا نزل ﷺ بساحتهم، وحاصرهم/ واشتدّت عليهم وطأته، أرسلوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة- بموحّدة مكرّرة- الأنصاريّ الأوسيّ، وكانوا حلفاء الأوس، فأرسله إليهم، فلمّا أقبل عليهم تلقّاه النّساء والصّبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، فقالوا: أترى أن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه- يعني: أنّ حكمه الذّبح- ثمّ ندم في مقامه، وعلم أنّه قد خان الله ورسوله، فلم يرجع إلى النّبيّ ﷺ ، بل ذهب إلى (المدينة) ، وربط نفسه بسارية في المسجد، وقال: والله لا أذوق ذواقا حتّى يطلقني النّبيّ ﷺ بيده، فأقام على ذلك سبعة أيّام لا يذوق ذواقا حتّى خرّ مغشيّا عليه، فنزل فيه: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٠٢] .
فتاب الله عليه، وغفر له ورحمه، فأطلقه النّبيّ ﷺ بيده، ولم يطأ بلد بني قريظة حتّى مات، وكان يقول: والله لا أرى ببلد خنت الله ورسوله فيها، وكان له بها أموال فتركها ﵁.
[نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ ﵁]
ثمّ إنّ بني قريظة سألوا النّبيّ ﷺ أن يقبل منهم ما قبل من إخوانهم بني النّضير، بأن يجلو عن بلدهم، ولهم ما أقلّت الإبل، فأبى عليهم لما تولّد من حييّ بن أخطب من الشّرّ، فنزلوا على حكمه ﷺ ، فجاء حلفاؤهم من الأوس، وقالوا: هبهم لنا يا رسول الله كما وهبت بني قينقاع لحلفائهم الخزرج، فقال: «ألا
стр. 302
ترضون أن يحكم فيهم سيّدكم سعد بن معاذ» ؟ قالوا: بلى.
[توجّه سعد ﵁ إلى بني قريظة]
وكان سعد قد أصيب بسهم يوم (الخندق) ، فجعله النّبيّ ﷺ في خيمة في المسجد، ليعوده عن قرب، فأتاه قومه فاحتملوه على حمار، وأقبلوا به، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك- أي: حلفائك-/ فقال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعلموا أنّه قاتلهم.
فلمّا دنا من النّبيّ ﷺ قال لمن عنده: «قوموا إلى سيّدكم» ، فقاموا له. فالمهاجرون قالوا: إنّما أراد الأنصار، والأنصار قالوا: قد عمّ بها.
[حكم سعد ﵁ في بني قريظة]
فحكم فيهم بقتل الرّجال وسبي الذّراريّ والنّساء، وقسمة الأموال، فقال النّبيّ ﷺ : «لقد حكمت بحكم الله فيهم» «١» .
[تنفيذ الحكم في بني قريظة]
فخدّ لهم أخدود، وضرب أعناق رجالهم وألقاهم فيه، وكان عدد من قتل منهم نحو سبع مئة- بتقديم السّين- وقيل: نحو تسع مئة- بتقديم التّاء-.
وفيهم أنزل الله تعالى متفضّلا بقوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً ... وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ- أي: أعانوا
стр. 303
قريشا وأحزابها- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ- أي:
حصونهم، وأصلها قرون البقر- وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٥- ٢٧] .
[وفاة سعد بن معاذ ﵁]
وكان سعد ﵁ لمّا أصيب يوم (الخندق) دعا الله تعالى فقال: (اللهمّ فإن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإلّا فاجعله لي شهادة، ولا تمتني يا ربّ حتّى تقرّ عيني من بني قريظة) .
فلمّا انقضى شأنهم ورجع إلى خيمته بالمسجد، استجاب الله له دعوته، فانفجر جرحه، فمات فيها.
ولم يشعر أحد بموته حتّى نزل جبريل ﵇ فقال: من هذا الّذي فتحت لروحه أبواب السّماء، واهتزّ له عرش الرّحمن؟
- أي: طربا لقدومه- فقام النّبيّ ﷺ مسرعا، فإذا سعد قد مات ﵁.
[زواج الرّسول ﷺ من زينب بنت جحش ﵂]
وفي السّنة الخامسة: بنى النّبيّ ﷺ بأمّ المؤمنين زينب بنت جحش الأسديّة ﵂، وأمّها أميمة بنت عبد المطّلب؛ عمّة رسول الله ﷺ بعد أن زوّجه الله إيّاها/، وكان لزواجها شأن جليل.
وذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان خطبها أوّلا لمولاه زيد بن حارثة، فترفّعت عليه لشرف نسبها وجمالها، وساعدها أخوها عبد الله بن جحش، فأنزل الله فيهما: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٦] .
стр. 304
فلمّا سمعا ذلك رضيا طاعة لله ولرسوله، فأنكحها النّبيّ ﷺ زيدا، فمكثت عنده ما شاء الله.
ثمّ رآها النّبيّ ﷺ يوما متزيّنة فأعجبته، ورغب في نكاحها لو طلّقها زيد، فأوقع الله كراهيّتها في قلب زيد، فجاء إلى النّبيّ ﷺ يستأمره في فراقها، فقال له: «أمسك عليك زوجك واتّق الله» - أي: في طلاقها من غير سبب- فأبى إلّا طلاقها وطلّقها «١» .
وفي «صحيح مسلم» ، أنّها لمّا انقضت عدّتها بعثه النّبيّ ﷺ إليها ليخطبها له، قال زيد «٢» : فلمّا جئتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها إجلالا للنّبيّ ﷺ ، فولّيتها ظهري، وقلت: يا زينب، أرسلني رسول الله ﷺ إليك يذكرك، فقالت:
ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي «٣» ، فقامت إلى مسجدها- تصلّي الاستخارة «٤» - فنزل القرآن بقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ- أي: بالإسلام- وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ- أي: بالعتق- أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ- أي: مظهره، لأنّه سبق في علمه أنّها ستكون لك- وَتَخْشَى
стр. 305
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧]- أي: تستحي أنّ ذلك يظهر لئلّا يشنّع عليك المنافقون واليهود أنّك نكحت منكوحة ابنك.
[تحريم التّبني]
وكان من قبل قد تبنّى زيدا، ثمّ حرّم الله ذلك عليه وعلى الأمّة بقوله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ/، وقوله:
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ الآية [سورة الأحزاب ٣٣/ ٤٠، ٥] .
فأمره الله بنكاحها، بل أنكحه إيّاها لتقتدي به الأمّة، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] .
فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير استئذان، كما في «صحيح مسلم» «١» .
[افتخار زينب ﵂ بتزويج الله لها]
وفي «الصّحيحين» ، عن أنس بن مالك، قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النّبيّ ﷺ يقول له: «اتّق الله وأمسك عليك زوجك» ، قال أنس: وكانت زينب ﵂ تفتخر فتقول لأزواج النّبيّ ﷺ ورضي عنهنّ: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني ربّي من فوق سبع سماوات «٢» .
فائدة
كذا روى ابن إسحاق وغيره من حديث قتادة عن أنس ما تقدّم من أنّ النّبيّ ﷺ رأى زينب متزيّنة فأعجبته، فرغب في نكاحها لو
стр. 306
طلّقها زيد. روى ذلك جمع من المفسّرين بأسانيد قويّة «١» .
وفي «البخاريّ» من حديث ثابت البنانيّ عن أنس بن مالك أنّ هذه الآية: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ولم يزد. وسبق أنّ الّذي أخفاه هو ما أعلمه الله من أنّها ستكون زوجته. وقال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ استصحابا للحال إلى أن يبلغ الكتاب أجله.
وليس في استحسانه لها، ورغبته في نكاحها لو طلّقها زيد قدح في منصبه الجليل حتّى يوجب الطّعن في الرّوايات الثّابتة المنقولة في هذه القصّة، بل قد جعلها العلماء من أصحابنا أصلا، استدلّوا به
стр. 307
على أنّ من خصائصه ﷺ وجوب طلاق من رغب في نكاحها على زوجها، ووجوب إجابتها، فجوّزوا رغبته في نكاح منكوحة/ غيره.
وأنّ في هذه القصّة ما لا يخفى من التّنويه بقدر المصطفى ﷺ ، والإعلام بعظيم مكانته عند ربّه ، وأنّه سبحانه يحبّ ما يحبّه، ويكره ما يكرهه، وينوب عنه في إظهار ما استحيا من إظهاره، علما منه سبحانه بأنّه إنّما يفعل ذلك قمعا لشهوته، وردّا لنفسه عن هواها «١» ، كما قال سبحانه في الآية الآخرى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٥٣] .
فما نقله القاضي عياض عن ابن القشيريّ وقرّره: من أنّ ما سبق من تجويز رغبته في نكاحها لو طلّقها زيد إقدام عظيم من قائله، وقلّة
стр. 308
معرفة بحقّ النّبيّ ﷺ مردود بحثا ودليلا. والله أعلم «١» .
واعلم أنّ نظره إليها كان قبل نزول آية الحجاب، لأنّها نزلت في حال دخوله عليها، مع أنّ الرّاجح أيضا عند المحقّقين أنّ النّساء ما كنّ يحتجبن عنه ﷺ .
[وليمة النّبيّ ﷺ على زينب ﵂]
وفي «الصّحيحين» ، عن أنس ﵁ قال: أنا أعلم النّاس بشأن الحجاب، وكان في أوّل ما أنزل في مبتنى النّبيّ ﷺ بزينب، أصبح النّبيّ ﷺ بها عروسا، فأرسلت معي أمّ سليم بحيس من تمر وسمن وأقط «٢» إليه في برمة، فقال لي ضعها، ثمّ أمرني فقال: «ادع لي رجالا- سمّاهم- وادع من لقيت» ، ففعلت الّذي أمرني به، فرجعت، فإذا البيت غاصّ بأهله، ورأيت النّبيّ ﷺ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء الله، ثمّ جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منها، ويقول لهم: «اذكروا اسم الله، وليأكل كلّ رجل ممّا يليه» ، حتّى تفرّقوا كلّهم، وبقي نفر يتحدّثون، ثمّ خرج النّبيّ ﷺ نحو الحجرات، وخرجت في إثره، فقلت: إنّهم قد ذهبوا، فرجع ودخل البيت/ وأرخى السّتر، وإنّي لفي الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ- إلى قوله- وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ الآية [سورة الأحزاب ٣٣/ ٥٣] «٣» .
وفي «صحيح البخاريّ» عن أنس أيضا قال: أولم رسول الله ﷺ
стр. 309
حين بنى بزينب بنت جحش فأشبع النّاس خبزا ولحما «١» .
وفي رواية: فأرسلت داعيا على الطّعام، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتّى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبيّ الله، ما أجد أحدا أدعوه، فقال: «ارفعوا طعامكم» «٢» .
[صلح الحديبية]
وفي هذه السّنة- وهي الخامسة «٣» - أحرم النّبيّ ﷺ بعمرة، فصدّ عن البيت، فوقع صلح الحديبية بعد بيعة الرّضوان، وذلك أنّه ﷺ خرج في ذي القعدة معتمرا، فأحرم وقلّد الهدي، وأشعر البدن، فاجتمعت قريش على أن تصدّه عن البيت، فاجتمع رأيه على أن يدخلها عليهم قهرا.
وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت جوابا لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ابن عمّ النّبيّ ﷺ عن شعره الّذي هجا فيه، [من الوافر] «٤» :
هجوت محمّدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمّدا برّا تقيّا ... رسول الله شيمته الوفاء
أتهجوه ولست له بكفء؟ ... فشرّكما لخير كما الفداء «٥»
فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء
стр. 310
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النّقع موردها كداء «١»
ينازعن الأعنّة مصعدات ... على أكبادها الأسل الظّلماء «٢»
فإن أعرضتم عنّا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلّا فاصبروا لضراب يوم ... يعزّ الله فيه من يشاء
/ وقال الله: قد أرسلت عبدا ... يقول الحقّ ليس به خفاء
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء «٣»
[إرسال النّبيّ ﷺ عثمان بن عفّان لمفاوضة قريش]
ثمّ إنّ رسول الله ﷺ أرسل إليهم عثمان بن عفّان ﵁، فهمّ سفاؤهم أن يقتلوا عثمان، فأجاره ابن عمّه أبان بن سعيد بن العاص بن أميّة، فشاع أنّ قريشا قتلت عثمان، فقال النّبيّ ﷺ :
«لا خير في الحياة بعد عثمان، أما والله لئن قتلوه لأناجزنّهم» «٤» .
[بيعة الرّضوان]
ودعا النّاس إلى تجديد البيعة على الموت، فبايعوه، وكانوا ألفا وأربع مئة.
ثمّ تحقّق كذب الخبر، فضرب [ ﷺ ] بإحدى يديه على الآخرى، وقال: «هذه لعثمان» «٥» .
стр. 311
ولا يخفى ما في ذلك من الفضيلة لعثمان ﵁.
وأنزل الله : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [سورة الفتح ٤٨/ ١٨] .
وكانوا تحت شجرة سمرة.
ثمّ صالحهم عشر سنين على أن لا يدخل (مكّة) إلّا من العام القابل، وأنّ من أتاه منهم مسلما ردّه إليهم، ثمّ نحر وحلق، ورجع إلى (المدينة) ، وأنزل الله في منصرفه سورة الفتح.
[كيفيّة الصّلح]
وفي «صحيح البخاريّ» ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ﵃ يصدّق كلّ واحد منهما حديث الآخر- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن (الحديبية) ، حتّى إذا كان بالثّنيّة الّتي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فزجروها، فألحّت، فقالوا:
خلأت القصواء- أي: حرنت- فقال: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» ، ثمّ قال:
«والّذي نفسي بيده، لا يسألوني خطّة- أي: طريقا- يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» ، ثمّ زجرها، فوثبت، فعدل عنهم حتّى نزل بأقصى (الحديبية) ، على ماء قليل يتبرّضه «١» النّاس، فشكوا إليه العطش، فانتزع سهما من كنانته، وأمرهم/ أن يجعلوه فيه، فجاش لهم بالماء الغزير حتّى صدروا عنه «٢» .
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ، فقال: إنّي تركت قريشا وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول
стр. 312
الله ﷺ : «إنّا لم نجىء لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشا قد أضرّت بهم الحرب، فإن شاؤوا ماددتهم- أي: صالحتهم مدّة- على أن يخلّوا بيني وبين النّاس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا، وإلّا فقد جمّوا- أي:
استراحوا- من الحرب مدّة، وإن أبوا، فو الله لأقاتلنّهم على هذا الأمر حتّى تنفرد سالفتي- أي: صفحة عنقي- ولينفذنّ الله أمره» ، قال بديل: سأبلّغهم ما تقول، قال: فانطلق حتّى أتى قريشا، فحدّثهم بما قال النّبيّ ﷺ .
فقام عروة بن مسعود وقال: أي قوم، إنّ هذا قد عرض عليكم خطّة رشد، فاقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلّم النّبيّ ﷺ ، ويرمق أصحابه، فقال له النّبيّ ﷺ نحوا ممّا قاله لبديل، فرجع عروة إلى قريش، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنّجاشيّ، فما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا، والله ما تنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم أمرا ابتدروا أمره «١» ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النّظر إليه «٢» تعظيما له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها.
فأرسلوا إليه سهيل بن عمرو، فلمّا أقبل قال النّبيّ ﷺ : «قد سهل الأمر» ، فجاء سهيل فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا.
[كتابة عليّ ﵁ عقد الصّلح وبنوده]
فدعا النّبيّ ﷺ الكاتب، وهو عليّ بن أبي طالب رضي الله
стр. 313
عنه، فقال: «اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم» /، فقال سهيل: أمّا الرّحمن فو الله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهمّ كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله ما نكتبها إلّا بسم الله الرّحمن الرّحيم، فقال النّبيّ ﷺ : «اكتب باسمك اللهمّ» ، ثمّ قال: «هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله» ، فقال سهيل: والله، لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمّد بن عبد الله، فقال النّبيّ ﷺ : «والله، إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني، اكتب محمّد بن عبد الله» ، ثمّ قال: «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به» ، قال سهيل: والله، لا تتحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة- أي: قهرا- ولكن ذلك لك من العام القابل، فكتب، فقال سهيل:
وعلى أنّه لا يأتيك رجل منّا، وإن كان على دينك إلّا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما، فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف «١» في قيوده، وقد خرج من أسفل (مكّة) ، فرمى بنفسه بينهم، وكان قد عذّب في الله عذابا شديدا، وقال: أي معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون إلى ما قد لقيت؟ فقال سهيل: هذا يا محمّد أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، وإلّا فو الله لا أصالحك أبدا، فقال النّبيّ ﷺ : «إنّا لم نقض الكتاب بعد فأجزه لي» ، فقال:
ما أنا بمجيزه لك.
[موقف عمر بن الخطّاب ﵁ من شروط الصّلح]
قال عمر بن الخطّاب: فقلت: ألست نبيّ الله حقّا؟، قال:
«بلى» ، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟، قال:
«بلى» ، قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟، قال: «إنّي
стр. 314
رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري» ، قلت: أو ليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟، قال: «بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه هذا العام؟» ، قلت: لا، قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به» ، قال: فأتيت أبا بكر- وكان/ غائبا- فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيّ الله حقّا؟، قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟، قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟، قال: أيّها الرّجل، إنّه لرسول الله، وليس يعصي ربّه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه- أي: بركابه- فو الله إنّه على الحقّ، قلت:
أوليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطّوّف به؟ - أي: وها هو قد صالحهم عشر سنين- قال: بلى، أفأخبرك أنّك تأتيه هذا العام؟
قلت: لا، قال: فإنّك آتيه ومطوّف به «١» .
قال عمر ﵁: فعملت لذلك أعمالا- أي: من البرّ لتكفّر على جرأتي بالكلام على رسول الله ﷺ .
ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ لمّا رجع إلى (المدينة) لحقه رجال مسلمون من قريش فردّهم، فانقلبوا ولحقوا بسيف البحر حتّى اجتمعت منهم عصابة، فجعلوا لا تمرّ بهم عير لقريش إلّا اعترضوها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النّبيّ ﷺ تناشده الله والرّحم لمّا ضمّهم إليه، وأنّ من خرج إليه فهو آمن، فضمّهم.
فائدة [: في أنّ مقام الصّدّيقيّة فوق مقام أهل الإلهام]
قال العلماء: هذا من أوضح الأدلّة على أنّ أهل الإلهام يخطئون ويصيبون، فلا بدّ من عرض ما وقع في قلوبهم من ذلك على الكتاب
стр. 315
والسّنّة، كما يخطىء أهل الاجتهاد ويصيبون، وهذا سيّدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ أخطأ في أماكن كهذا الموطن.
وفي وفاة النّبيّ ﷺ ، وهو المشهود له بقوله ﷺ له في «الصّحيحين» : «إيها يا ابن الخطّاب، فو الله ما لقيك الشّيطان سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك» «١» .
وبقوله ﷺ فيهما-[أي: الصّحيحين]- أيضا: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدّثون- أي: ملهمون- فإن يك في أمّتي أحد فإنّه عمر» «٢» .
وفي رواية: «لقد كان فيمن كان/ قبلكم رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمّتي أحد منهم فعمر» «٣» . ولهذا كثيرا ما يوافق الوحي.
وفي رواية: أنّ عمر قال: فعجبت من مطابقة كلام أبي بكر لكلام النّبيّ ﷺ ، فأشار إلى أنّ مقام الصّدّيقيّة فوق مقام أهل الإلهام يردّونهم عند خطئهم إلى الحقّ.
قال العلماء: ولا يخفى ما في هذه القصّة من وجوب طاعته ﷺ ، والانقياد لأمره، وإن خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس، أو كرهته النّفوس، فيجب على كلّ مكلّف أن يعتقد أنّ الخير فيما أمر به، وأنّه عين الصّلاح، المتضمّن لسعادة الدّنيا والآخرة، وأنّه جار على
стр. 316
أتمّ الوجوه وأكملها، غير أنّ أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره.
[حزن الصّحابة ﵃ لصلح القوم]
وفي «الصّحيحين» ، أنّ سهل بن حنيف قال يوم صفّين:
يا أيّها النّاس، اتّهموا رأيكم على دينكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله لرددته «١» .
ولهذا قال الله تعالى في هذه القصّة بعينها بعد أن قال:
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ- أي:
بصدّهم عن البيت وإنكارهم لاسم الله الرّحمن الرّحيم- إلى قوله تعالى: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا- أي: من عاقبة الأمر- فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً- أي: صلح الحديبية-[سورة الفتح ٤٨/ ٢٦- ٢٧] .
فسمّاه فتحا كما في «الصّحيحين» ، عن البراء بن عازب:
تعدّون أنتم الفتح فتح (مكّة) ، وقد كان فتح (مكّة) فتحا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم (الحديبية) «٢» .
قال العلماء: فهي المراد بالفتح في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [سورة الفتح ٤٨/ ١] ؛ لأنّها نزلت عند انصرافهم منها، ثمّ قال فيها: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [سورة الفتح ٤٨/ ٢٧] .
والمراد به فتح (خيبر) ؛ لأنّهم افتتحوها بعد انصرافهم من (الحديبية) ، ثمّ وعدهم فتح (مكّة) بقوله: إِذا جاءَ/ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [سورة النّصر ١١٠/ ١] .
قال العلماء: ولم يكن فتح قبل الفتح أعظم من صلح (الحديبية) ،
стр. 317
وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين في تلك الهدنة، وسمعوا منهم أخلاق النّبيّ ﷺ ، ومحاسن شريعته، فأسلم منهم في تلك المدّة جماعة من رؤسائهم؛ كعمرو بن العاص وخالد بن الوليد، في خلق كثير، فظهر حسن اختيار الله لهم في ذلك الصّلح الّذي كرهوه، مع ما سبق في علمه بأنّ (مكّة) إنّما يحلّ القتال بها لنبيّه محمّد ﷺ ساعة من نهار، وهي يوم فتحها: وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [سورة الطّلاق ٦٥/ ٣] ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة ٢/ ٢١٦] .
[إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄]
وفي هذه السّنة «١» : أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄.
وذلك أنّ عمرا ذهب إلى النّجاشيّ، وكان صديقا له، فأكرمه، فقدم على النّجاشيّ عمرو بن أميّة الضّمريّ رسولا من النّبيّ ﷺ ، ليجهّز إليه من عنده من مهاجرة (الحبشة) ، فسأل عمرو بن العاص من النّجاشيّ قتل عمرو بن أميّة الضّمريّ، فغضب النّجاشيّ، وقال: أتسأل منّي أن أقتل رسول رجل يأتيه النّاموس الأكبر الّذي كان يأتي موسى؟، قال عمرو: فقلت: أهو كذلك؟، قال: نعم، فأطعني يا عمرو واتبعه، فإنّه على الحقّ، وليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، فأسلم عمرو حينئذ على يد النّجاشيّ.
ثمّ خرج من (الحبشة) عامدا إلى (المدينة) ، فلقي خالد بن الوليد مقبلا من (مكّة) إلى (المدينة) أيضا، فقال له: إلى أين
стр. 318
يا أبا سليمان؟ قال: لأسلم، والله فقد استبان لي الحقّ، وإنّ الرّجل لصادق، قال: وأنا والله ما جئت إلّا لأسلم، قال عمرو:
فلمّا قدمنا (المدينة) تقدّم خالد فأسلم، وبايع. ثمّ دنوت، فقلت:
يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذنبي/، فقال:
«يا عمرو إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإنّ الهجرة تجبّ ما كان قبلها» «١» ، قال: وكان ذلك بعد (الحديبية) وقبل (خيبر) .
[كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك]
وفي «٢» هذه السّنة-[أي: السّابعة]- أرسل النّبيّ ﷺ رسله بكتبه إلى ملوك الأقاليم.
ومنهم: عبد الله بن حذافة السّهميّ؛ بعثه بكتابه إلى كسرى، فمزّقه.
ودحية بن خليفة الكلبيّ؛ بعثه بكتابه إلى قيصر، فوجد عنده أبا سفيان بن حرب.
وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى، فأمره أن يدفعه إلى عظيم
стр. 319
البحرين «١» ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمّا قرأه مزّقه.
قال ابن المسيّب: فدعا عليهم النّبيّ ﷺ أن يمزّقوا كلّ ممزق «٢» .
[بعث دحية ﵁ إلى قيصر ملك الرّوم]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن ابن عبّاس أيضا ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبيّ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، وهو ب (إيلياء) «٣» ، فلمّا جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدا من قومه لأسألهم عنه.
قال ابن عبّاس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنّه كان ب (الشّام) في رجال من قريش قدموا تجارا في المدّة الّتي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفّار قريش، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض (الشّام) ، فانطلق بي وبأصحابي، حتّى قدمنا (إيلياء) ، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، وعليه التّاج، وإذا حوله عظاماء الرّوم.
فقال لترجمانه: سلهم: أيّهم أقرب نسبا إلى هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟
قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم إليه نسبا، وليس في الرّكب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري.
قال قيصر: أدنوه منّي، وأمر بأصحابي «٤» فجعلوا/ خلف ظهري.
стр. 320
ثمّ قال لترجمانه: قل لأصحابه: إنّي سائل هذا الرّجل حديثا، فإن كذب فكذّبوه في وجهه.
ثمّ قال لترجمانه: قل له كيف نسب هذا الرّجل فيكم؟، قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟، قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟، قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟، قلت: لا.
قال: فأشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟، قلت: بل ضعفاؤهم.
قال: فيزيدون أم ينقصون؟، قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟، قلت:
لا.
قال: فهل يغدر؟، قلت: لا، ونحن الآن في مدّة لا ندري ما يصنع. قال أبو سفيان: ولم يمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا أنتقصه به لا أخاف أن تؤثر عنّي غيرها.
قال: فهل قاتلتموه؟، قلت: نعم.
قال: فكيف كان حربه وحربكم؟. قلت: كان دولا وسجالا «١» ، يدال علينا مرّة وندال عليه أخرى.
قال: فماذا يأمركم؟، قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك