← Сира

Сира · id 9795

حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار

بحرق اليمني

Полный текст (540 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فليفعل، ومن أحبّ أن يكون على حظّه حتّى نعطيه إيّاه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل» ، فقال النّاس: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله «١» . [عمرة الجعرانة واستخلاف النّبيّ ﷺ عتّابا على الحجّ] ثمّ انصرف رسول الله ﷺ من (الجعرانة) محرما بعمرة في ذي القعدة، فدخل (مكّة) فقضى نسكه، واستخلف على (مكّة) عتّاب- بتشديد الفوقيّة- ابن أسيد- بفتح الهمزة- فحجّ بالنّاس في تلك السّنة-[أي: الثّامنة]- ثمّ انصرف إلى (المدينة) فدخلها في آخر ذي القعدة. [خبر ولادة إبراهيم ابن النّبيّ ﷺ ووفاته] وولد له في ذي الحجّة ولده إبراهيم، فعاش نحو ثلاثة أشهر، وكسفت الشّمس يوم موته، في ربيع الأوّل من سنة تسع «٢» . وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّ النّبيّ ﷺ دخل عليه في مرضه فوجده يجود بنفسه، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرّحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟، فقال له: «يا ابن عوف، إنّها رحمة، جعلها الله في قلوب عباده» ، ثمّ أتبعها بأخرى، وقال: «إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» «٣» . وقال: «إنّ له مرضعا في الجنّة» «٤» .

стр. 352

وفيهما-[أي: صحيحي البخاريّ ومسلم]- أنّ النّاس قالوا: كسفت الشّمس لموت إبراهيم، فنهاهم النّبيّ ﷺ عن ذلك، وصلّى صلاة الكسوف، فأطال فيها حتّى انجلت، ثمّ خطب النّاس فحثّهم على الصّدقة والعتق، وقال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوّف الله بهما عباده، ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» «١» . [عام الوفود] وفي السّنة التّاسعة: دخل النّاس/ في دين الله أفواجا، كما أعلم الله رسوله ﷺ بذلك، وجعله علما لقرب أجله. وفي «الصّحيحين» ، عن ابن عبّاس ﵄، أنّ عمر ﵁ قال له: ما تقول في: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتّى ختم السّورة؟، فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له. قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ- فتح (مكّة) - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً- فذلك علامة أجلك- فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [سورة النّصر ١١٠/ ١- ٣] فقال عمر:

стр. 353

ما أعلم منها إلّا ما تعلمه «١» . [وفد بني حنيفة] ومن الوفود: وفد عليه ﷺ وفد بني حنيفة، عليهم مسيلمة الكذّاب. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: قدم مسيلمة الكذّاب في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاريّ، وفي يد رسول الله ﷺ قطعة من جريد، حتّى وقف على مسيلمة في أصحابه، فجعل مسيلمة يقول: إن جعل لي محمّد الأمر [من] بعده تبعته، فقال رسول الله ﷺ : «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنّك «٢» الله، وإنّي لأراك الّذي أريت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عنّي» . ثمّ انصرف عنه «٣» . قال ابن عبّاس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ : «إنّي لأراك الّذي أريت فيه ما أريت» ؟ فأخبرني أبو هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بينما أنا نائم رأيت في يديّ سوارين من ذهب، فأهمّني شأنهما، فأوحي إليّ في المنام أن انفخهما، فنفختهما، فطارا، فأوّلتهما كذّابين يخرجان بعدي، أحدهما الأسود العنسيّ والآخر/ مسيلمة الكذّاب» «٤» . وفي رواية: «فأوّلتهما الكذّابين اللّذين أنا بينهما: صاحب (صنعاء) وصاحب (اليمامة) » «٥» . وفي رواية أخرى: «العنسيّ- أي: الّذي قتله فيروز ب (اليمن) -

стр. 354

والآخر مسيلمة الكذّاب- أي: الّذي قتله وحشيّ بن حرب الحبشيّ، قاتل حمزة في قتال خالد بن الوليد لأهل الرّدّة «١» -. وكان كلّ من مسيلمة والأسود ادّعى النّبوّة بعد وفاة النّبيّ ﷺ . [وفد نجران] ومن الوفود: وفد (نجران) ، وفيهم نزلت آية الملاعنة، لمّا حاجّوا النّبيّ ﷺ في عيسى ابن مريم [﵊] ، فقالوا: إنّه ابن الله، وكانوا نصارى، فأنزل الله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [سورة آل عمران ٣/ ٦١] . فأخذ النّبيّ ﷺ بيد الحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعليّ يمشي خلفها، فلمّا رأوهم قال حبران منهما- السّيّد والعاقب- لأصحابهما: لا تفعلوا، فو الله لئن لاعنتم هذه الوجوه لا تفلحوا أبدا. ثمّ صالحوه على الجزية، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: جاء السّيّد والعاقب صاحبا (نجران) إلى النّبيّ ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فو الله لئن كان نبيّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، ثمّ قالا: إنّا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلّا أمينا، فقال: «لأبعثنّ معكم رجلا أمينا حقّ أمين» ، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجرّاح» ، فلمّا قام قال النّبيّ ﷺ : «هذا أمين هذه الأمّة» «٢» .

стр. 355

فائدتان الأولى: [في الحجّة على النّصارى في شبهتهم بولادة عيسى ﵊] وجه الحجّة على النّصارى، بقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [سورة آل عمران ٣/ ٥٩] : إنّ شبهتهم فيه كونه خلق من أمّ بلا أب، فاحتجّ الله عليهم بأنّ آدم خلق من غير أمّ ولا أب، وليس بابن الله اتّفاقا. قال العلماء: والقسمة تقتضي أربعة أقسام: قسم خلقه الله/ من غير أمّ ولا أب، وهو آدم ﵇. وقسم بعكسه، وهو سائر ذرّيّته. وقسم من أب بلا أمّ، وهي حوّاء. وبقي القسم الرّابع، فأبرزه الله في عيسى ﵇. الثّانية: [في شهادة النّبيّ ص بتفضيل صحابته بعضهم على بعض] قال العلماء: إذا شهد الرّسول ﷺ لبعض أصحابه بفضيلة عليهم وجب القطع بأنّه أفضل منهم في تلك الفضيلة، فيجب أن نقطع بأنّ أبا عبيدة أفضل من أبي بكر وعمر وغيرهما في فضيلة الأمانة. وأنّ أبا ذرّ حيث قال فيه: «أصدقكم لهجة أبو ذرّ» «١» فصار أفضل منهم جميعا في تحرّي الصّدق. وأنّ عليّا أقضاهم، حيث قال: «أقضاكم عليّ» «٢» . وأنّ معاذا أعلمهم بالحلال والحرام حيث وصفه بذلك «٣» . وأنّ زيدا أفرضهم حيث وصفه أيضا بذلك «٤» .

стр. 356

والأفضل المطلق بإجماع أهل السّنّة من جمع خصال الفضل كأبي بكر ﵁، حيث أشار إليه ﷺ بقوله: «من أصبح منكم اليوم صائما؟» ، فقال أبو بكر: أنا، فقال: «من عاد منكم اليوم مريضا؟» ، فقال أبو بكر: أنا، فقال: «من تبع منكم اليوم جنازة؟» ، فقال أبو بكر: أنا. الحديث «١» ﵃ أجمعين، والله أعلم. [وفد أهل اليمن] ومن الوفود: وفد أهل (اليمن) ، فبشّرهم ﷺ وأثنى عليهم خيرا، وبعث معهم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعريّ ﵄. وفي «الصّحيحين» ، جاءت بنو تميم، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ابشروا يا بني تميم» ، فقالوا: بشّرتنا فأعطنا، فتغيّر وجهه ﷺ ، فجاء ناس من (اليمن) ، فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل (اليمن) ، إذ لم يقبلها بنو تميم» ، فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله «٢» . فقال: «الإيمان ها هنا» ، وأشار بيده إلى (اليمن) «٣» . وفي رواية لهما-[أي: الصّحيحين] : «أتاكم أهل (اليمن) ، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوبا. الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانيّة» «٤» .

стр. 357

وفيهما-[أي: الصّحيحين] : «أنّه ﷺ بعث أبا موسى الأشعريّ، ومعاذ بن جبل إلى (اليمن) ، وبعث كلّ واحد منهما على مخلاف، قال: «و (اليمن) مخلافان» ، ثمّ قال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا» «١» . وأنّه [ ﷺ ] قال لمعاذ: «إنّك ستأتي قوما أهل/ كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم «٢» ، واتّق دعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب» «٣» . وممّا جاء في فضل أهل (اليمن) ، أنّ عمر ﵁ سأل النّاس: من أجود العرب؟، قالوا: حاتم، قال: فمن فارسها؟، قالوا: عمرو بن معدي كرب، قال: فمن شاعرها؟، قالوا: امرؤ القيس، قال: فأيّ سيوفها أقطع؟، قالوا: الصّمصامة، قال: كفى بهذا فضل (اليمن) . وأنّ ابن عبّاس ﵄ قال: لأهل (اليمن) ؛ من السّماء نجمها- أي: سهيل- ومن (الكعبة) ركنها.

стр. 358

[إسلام كعب بن زهير ﵁] وقدم أيضا على النّبيّ ﷺ كعب بن زهير بن أبي سلمى- بالضّمّ- المزنيّ فأسلم، واعتذر إلى النّبيّ ﷺ ممّا سبق منه، وكان النّبيّ ﷺ قد أهدر دمه لتعريضه بذمّه وذمّ الصّدّيق ﵁، في شعر له. وأنشد النّبيّ ﷺ حين وافاه قصيدته المشهورة: (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول) ، ومنها، [من البسيط] «١» : نبّئت أنّ رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الّذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيه مواعيظ وتفصيل لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل فعفا عنه، وكساه بردته. فاشتراها منه معاوية بن أبي سفيان في أيّام خلافته بمئة ألف درهم، وأوصى أن يكفّن فيها. [غزوة تبوك] وفي هذه السّنة- وهي التّاسعة- في رجب منها: غزا النّبيّ ﷺ غزوة (تبوك) . وهي آخر غزوة غزاها النّبيّ ﷺ وسمّاها الله تعالى ساعة العسرة، لوقوعها في شدّة/ الحرّ. وذلك أنّه ﷺ لمّا لم يبق له عدوّ من العرب، أمر أصحابه بالتهيّؤ لغزو الرّوم إلى (الشّام) ، وحثّ الموسرين منهم على إعانة المعسرين، فأنفق عثمان بن عفّان ﵁ فيها ألف دينار ذهبا، وحمل على تسع مئة وخمسين بعيرا، وخمسين فرسا في سبيل الله، فذلك ألف،

стр. 359

وبذلك سمّي ﵁ مجهّز جيش العسرة، حتّى قال النّبيّ ﷺ : «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض» «١» . وقال: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» «٢» . وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّ عثمان ﵁ حين حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم بالله ولا أنشد إلّا أصحاب رسول الله ﷺ ، ألستم تعلمون أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من جهّز جيش العسرة فله الجنّة» ، فجهّزتهم؟ ألستم تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حفر بئر رومة فله الجنّة» ، فحفرتها؟ فصدّقوه فيما قال «٣» . وأوعب المسلمون «٤» مع رسول الله ﷺ حتّى بلغوا سبعين ألفا، ولم يتخلّف عنها إلّا منافق أو معذور، سوى الثّلاثة الّذين خلّفوا، الآتي ذكرهم، وسوى عليّ ﵁. ففي «الصّحيحين» ، أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى (تبوك) واستخلف عليّا ﵁ على (المدينة) ، فقال: أتخلّفني في الصّبيان والنّساء؟، فقال: «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟» «٥» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ قال ب (تبوك) : «إن

стр. 360

بالمدينة أقواما حبسهم العذر، ما قطعنا واديا ولا شعبا إلّا وهم معنا فيه» «١» . [أمر المعذّرين من الأعراب] وأنزل الله أيضا في المعذّرين: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ٩١] . [أمر المنافقين] وأنزل في المنافقين قوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ/ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ- أي: النّساء- وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٣] . [أمر البكّائين] وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ الأشعريّين أرسلوا أبا موسى الأشعريّ إلى رسول الله ﷺ يسأله الحملان لهم في جيش العسرة، وهي غزوة (تبوك) ، فقال: «والله لا أحملكم على شيء» ، أي: لا أجد شيئا أحملكم عليه- كما في الرّواية الآخرى- فرجعوا يبكون، فأنزل الله فيهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٢] . ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ ابتاع ستّة أبعرة فأرسل بها إلى أبي موسى، فقال: «خذها فانطلق بها إلى أصحابك» . ومضى ﷺ بسبيله «٢» . [مرور النّبيّ ﷺ وأصحابه بالحجر] وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ لمّا مرّ بالحجر- ديار ثمود- قال لأصحابه: «لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلّا أن تكونوا باكين» ، ثمّ قنّع رأسه- أي: غطّاه-

стр. 361

وأسرع السّير حتّى أجاز الوادي «١» . [مصالحة النّبيّ ﷺ أهل أيلة وجرباء وأذرح] ولمّا انتهى ﷺ إلى (تبوك) ، وهي أدنى بلاد الرّوم، أقام بها بضع عشرة ليلة. وصالح جملة من أهل الناحية على الجزية، ثمّ رجع إلى (المدينة) ، ولم يلق عدوّا. [اعتذار المنافقين عن تخلّفهم] فلمّا قدم (المدينة) ، جاء المنافقون يعتذرون إليه عن تخلّفهم عنه، ويحلفون له، فقبل منهم معذرتهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى فيهم: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ الآيات، إلى قوله: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٤- ٩٦] . ونزلت فيهم سورة براءة، وسمّاها ابن عبّاس ﵄ الفاضحة- والعياذ بالله تعالى- وقال: لم يزل ينزل فيهم: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ حتّى ظنّوا أنّها لم تبق أحدا منهم إلّا ذكرته. [أمر كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الرّبيع] أمّا الثّلاثة الّذين خلّفوا، وهم: كعب بن مالك الخزرجيّ، وهلال بن أميّة الأوسيّ، ومرارة/ بن الرّبيع، فإنّهم لم يتخلّفوا لنفاق ولا لعذر، بل كسلا مع استطاعتهم، كمن ترك الصّلاة كسلا، فاستحقّوا العقاب، فعوقبوا، ثمّ تاب الله عليهم. وكان من خبرهم ما ذكره البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» ، عن كعب بن مالك ﵁ قال: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلّا في غزوة (تبوك) ، غير أنّي لم أشهد (بدرا) ، ولم

стр. 362

يعاتب [الله] أحدا تخلّف عنها، ولم أكن قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة، فتجهّز رسول الله ﷺ ، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو بيومين، فلم يزل يتباطأ بي الأمر حتّى تباعد الغزو، فكنت إذا خرجت في النّاس أحزنني أنّي لا أجد إلّا رجلا مغموصا عليه بالنّفاق- أي: معيّرا به- أو رجلا ممّن عذر الله من الضّعفاء، فلمّا بلغني أنّ رسول الله ﷺ قفل راجعا طفقت أتذكّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ ثمّ زاح عنّي الكذب، وعرفت أنّي لا أخرج عنه بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه. فلمّا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) جاءه المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فجئته، فسلّمت عليه فتبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: «ما خلّفك؟» ، فقلت: والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا «١» ، ولكنّي والله لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ أن يسخطك الله عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، فقال ﷺ : «أمّا هذا فقد صدق، فقم حتّى يقضي الله فيك» ، فقمت، فلامني رجال من بني سلمة- أي: بكسر اللّام- أن لا أكون اعتذرت كما اعتذر إليه المخلّفون، فقلت: هل لقي معي هذا أحد؟، قالوا: نعم؛ مرارة/ بن الرّبيع العمريّ، وهلال بن أميّة الواقفيّ، فذكروا لي رجلين صالحين،

стр. 363

قد شهدا (بدرا) فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة خاصّة «١» ، فاجتنبنا النّاس، وتغيّروا لنا، حتّى تنكّرت الأرض، فما هي بالأرض الّتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فلمّا صلّيت صلاة الفجر، وأنا على الحال الّتي ذكرها الله تعالى «٢» ، وقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وضاقت عليّ نفسي، سمعت وأنا جالس على ظهر بيتي صارخا، أوفى على (سلع) «٣» ، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت لله ساجدا، وقد آذن رسول الله ﷺ النّاس بتوبة الله علينا، فذهبوا يبشّروننا، فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته نزعت له ثوبيّ، فكسوته إيّاهما ببشراه. وو الله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فيتلقاني النّاس فوجا فوجا، فلمّا دخلت المسجد وسلّمت على النّبيّ ﷺ قال لي- ووجهه يبرق من السّرور-: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» . وأنزل الله على رسوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ

стр. 364

الرَّحِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ١١٧- ١١٩] . فو الله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطّ، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ ، وأن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الّذين كذبوا، فإنّ الله قال للّذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا/ انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٥- ٩٦] «١» . فائدة [: في قبول الله تعالى توبة كعب بن مالك] في قوله ﷺ لكعب: «أبشر بخير يوم مرّ عليك» دليل واضح أنّ توبة الله على عبده لا يتطرّق إليها نقص، إذ كعب أسلم وبايع ب (العقبة) وشهد غير (بدر وتبوك) من المشاهد، وكلّ هذه أيّام شريفة، لكنّ عاقبتها غير مأمونة، وبذلك يعلم أنّ ثناء الله على من أثنى عليه من عباده لا يتحوّل ذمّا، كثنائه على أصحاب نبيّه ﷺ ورضي عنهم. وسيأتي تقرير ذلك في فصل معقود لفضلهم. [وفاة النّجاشيّ] وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]- في رجب: نعى لهم النّبيّ ﷺ النّجاشيّ، وصلّى عليه في المصلّى جماعة. وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ نعى لهم النّجاشيّ صاحب

стр. 365

(الحبشة) في اليوم الّذي مات فيه، وقال: «استغفروا لأخيكم» «١» . وصفّ بهم في المصلّى، فصلّى عليه، وكبّر أربعا. [حجّ أبي بكر ﵁] وفي خاتمة هذه السّنة-[أي: السّنة التّاسعة]-: حجّ أبو بكر ﵁ بالنّاس، وكان النّبيّ ﷺ همّ أن يحجّ، فذكر ما اعتاده المشركون من الجهالات في حجّهم، مع ما بينه وبينهم من المعاهدة، فثناه ذلك عن الحجّ، وأمّر أبا بكر على الحجّ، وبعث معه بصدر سورة براءة. وروى «البخاريّ ومسلم» ، عن أبي هريرة ﵁ أنّ أبا بكر بعثه في الحجّة الّتي أمّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجّة الوداع في رهط يؤذّن في النّاس يوم النّحر: أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال: فنبذ أبو بكر إلى النّاس في ذلك العام عهودهم، فلم يحجّ في العام القابل الّذي حجّ فيه النّبيّ ﷺ حجّة الوداع مشرك، وأنزل الله تعالى في العام الّذي حجّ فيه أبو بكر ﵁: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [سورة التّوبة ٩/ ٢٨] . [بعث النّبيّ ﷺ عليّا ﵁ بصدر براءة] قال: ثمّ أردف النّبيّ ﷺ بعليّ بن أبي طالب ﵁ فأمره أن يؤذّن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذّن معنا ببراءة في أهل (منى) «٢» . وقال ابن إسحاق: بعث النّبيّ ﷺ أبا بكر أميرا، ثمّ بعث بعده

стр. 366

عليّا، وأمره أن يتولّى نبذ العهود، بأن يقرأ على النّاس صدر سورة براءة، لئلّا يبقى للمشركين عذر، إذ كان من عادتهم ألّا يتولّى نبذ العقود إلّا من تولّى عقدها، وهو صاحبها، أو رجل من أهل بيته «١» . قال ابن إسحاق: فلمّا أدرك عليّ أبا بكر، قال له أبو بكر: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور؟، ثمّ مضيا، فكان عليّ ينادي ب (منى) : أنّ من كان له أجل فله أربعة أشهر، ثمّ لا عهد له- أي: لقوله تعالى-: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [سورة التّوبة ٩/ ٢] «٢» .

стр. 367

وروى الطّبرانيّ أنّ جبريل أتاه فقال له: (إنّه لن يؤدّيها- أي: البراءة- إلّا أنت أو رجل منك) «١» . [حجّة الوداع] وفي السّنة العاشرة: حجّ النّبيّ ﷺ حجّة الوداع، وسمّيت حجّة الوداع لأنّه ﷺ ودّع النّاس فيها. وقال: «خذوا عنّي مناسككم، فإنّي لا أدري لعلّي لا أحج بعد عامي هذا» «٢» . وحجّ ﷺ بأزواجه كلّهنّ ﵅، وبخلق كثير من الصّحابة ﵃. فحضرها من الصّحابة أربعون ألفا، كلّهم يلتمس أن يأتمّ به ﷺ ، فعلّمهم المناسك، وأبطل شعائر الجاهليّة، وقال ﷺ في خطبته: «ألا إنّ كلّ شيء من أمر الجاهليّة موضوع تحت قدميّ هاتين، ودماء الجاهليّة موضوعة، وربا الجاهليّة موضوع، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن تمسّكتم به: كتاب الله، وأنّكم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال: «اللهمّ اشهد» ثلاث مرّات. ونزل علينا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ/ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [سورة المائدة ٥/ ٣] «٣» .

стр. 368

وكان نزولها يوم عرفة، بعد العصر، وهو ﷺ واقف ب (عرفات) ، وذلك يوم الجمعة. ولمّا سمعها عمر ﵁ بكى، فقال له النّبيّ ﷺ : «ما يبكيك؟» ، قال: إنّه لم يكمل شيء إلّا نقص. قال: «صدقت» «١» . فعاش بعدها ﷺ نحو ثلاثة أشهر، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا غيرهما من الأحكام. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن ابن عمر ﵄ قال: كنّا نتحدّث بحجّة الوداع، والنّبيّ ﷺ بين أظهرنا، فلا ندري ما حجّة الوداع؟، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ ذكر المسيح الدّجّال، فأطنب في ذكره، وقال «ما بعث الله نبيّا إلّا وقد أنذر أمّته، أنذره نوح والنّبيّون من بعده، وإنّه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أنّ ربّكم ليس بأعور، وإنّه أعور العين اليمنى، كأنّ عينه عنبة طافية «٢» ، ألا وإنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلّغت؟» ، قالوا: نعم، قال: «اللهمّ اشهد- ثلاثا- ويلكم، أو ويحكم، انظروا، لا ترجعوا بعدي كفّارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» «٣» . وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ أناسا من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتّخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال عمر بن الخطّاب ﵁: أيّة آية هي؟، فقالوا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

стр. 369

وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً، فقال عمر ﵁: والله، إنّي لأعلم أيّ مكان أنزلت، أنزلت ورسول الله ﷺ واقف ب (عرفة) «١» . ثمّ قفل ﷺ إلى (المدينة) ، فأقام بها بقيّة ذي الحجّة والمحرّم وصفر. [سريّة أسامة بن زيد ﵄] ثمّ أمر النّاس بالجهاز إلى (الشّام) ، وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة ﵃، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم (البلقاء) ، وأن يحرق القرية الّتي عند (مؤتة) ، حيث قتل أبوه زيد، وأراد بذلك أن يدرك ثأره/ من المشركين. فطعن ناس في إمارته لحداثة سنّه، ولكونه مولىّ، وقالوا: أمّر غلاما على جلّة المهاجرين والأنصار «٢» ؟. وابتدأ برسول الله ﷺ المرض، فلمّا بلغه ذلك، خرج فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وأمرهم بالجهاز، وبطاعة من أمّره عليهم. وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن ابن عمر ﵄ قال: بعث النّبيّ ﷺ بعثا، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض النّاس في إمارته، فقام رسول الله ﷺ فقال: «إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله، إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ النّاس إليّ بعده» «٣» .

стр. 370

فأخذ النّاس في جهازهم، فثقل ﷺ ، فأقاموا ينتظرون ما الله قاض في رسوله. [مرض النّبيّ ﷺ ] وكان وجعه ﷺ بالخاصرة والصّداع والحمّى، وكان يوعك وعكا شديدا، وكان يدار به على نسائه، ثمّ استأذنهنّ أن يمرّض في بيت عائشة، فأذنّ له. فلمّا عجز عن الخروج إلى الصّلاة، أمر أبا بكر أن يصلّي بالنّاس، فصلّى بهم. [اشتداد مرض النّبيّ ﷺ ] وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، عن ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على النّبيّ ﷺ في مرضه، وهو يوعك وعكا شديدا، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكا شديدا، قال: «أجل، إنّي لأوعك كما يوعك رجلان منكم» ، قلت: ذلك، بأنّ لك أجرين؟ قال: «أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلّا كفّر الله به سيّئاته، كما تحاتّ الشّجرة ورقها» «١» .

стр. 371

[أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر ﵁ أن يصلّي بالنّاس] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن عائشة ﵂ قالت: ثقل النّبيّ ﷺ فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب «١» » ، ففعلنا، فاغتسل، فأغمي عليه، ثمّ أفاق، والنّاس عكوف في المسجد بصلاة العشاء الآخرة، فقال: «أصلّى النّاس؟» ، قلنا: لا، هم ينتظرونك، فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ/ بالنّاس» «٢» . قالت: فراجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلّا أنّه لم يقع في قلبي: أن يحبّ النّاس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنّه لن يقوم مقامه أحد إلّا تشاءم النّاس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر «٣» . فأرسل [النّبيّ ﷺ ] إلى أبي بكر بأن يصلّي بالنّاس، فقال أبو بكر- وكان رجلا رقيقا-: يا عمر صلّ بالنّاس، فقال عمر: أنت أحقّ بذلك، وصلّى أبو بكر بالنّاس تلك الأيّام. ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ أي: بعد أيّام- وجد من نفسه خفّة، فخرج لصلاة الظّهر بين رجلين، وأبو بكر يصلّي بالناس، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه [النّبيّ ﷺ ] بأن لا يتأخّر، وقال: «أجلساني إلى جنبه» ، فأجلساه، فجعل أبو بكر يصلّي وهو يأتمّ بصلاة النّبيّ ﷺ ، والنّاس يأتمّون بصلاة أبي بكر- أي: كالمبلّغ لهم «٤» -.

стр. 372

فائدة [: في أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر أن يصلّي بالنّاس] وفي «الصّحيحين» ، أنّ عائشة ﵂ راجعته ثلاث مرّات، تقول له: إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء، فلم يسمع النّاس، فمر عمر فليصلّ بالنّاس، وهو يقول: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» ، فأمرت حفصة فراجعته أيضا، فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب يوسف» «١» . قال العلماء: وجه المشابهة: أنّ عائشة أضمرت ما سبق من قولها: (وما حملني على كثرة مراجعته) - إلى آخره- (وأظهرت أنّه رجل رقيق) - إلى آخره- فأشبهت امرأة العزيز، الّتي استدعت النّسوة، وأظهرت إكرامهنّ بالضّيافة، وأضمرت أن يعذرنها في شغفها بحبّ يوسف إذا رأينه، كما صرّحت بذلك في قولها: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [سورة يوسف ١٢/ ٣٢] . والله أعلم. [همّ النّبيّ ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا] وفي «الصّحيحين» عنها أيضا، أنّه ﷺ قال في مرضه: «لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، وأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنّى المتمنّون، ثمّ قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون» «٢» . [خطبته ﷺ في النّاس] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن أبي سعيد الخدريّ/ ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ خطب النّاس فقال: «إنّ الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله» ، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه- فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشّيخ؟ أن يكون الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله ، فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا به-.

стр. 373

فقال النّبيّ ﷺ : «يا أبا بكر لا تبك، إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ، إلّا باب أبي بكر» «١» . [نعي النّبيّ ص نفسه إلى فاطمة ﵂ وبشارته لها] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ دعا ابنته فاطمة، في شكواه الّتي قبض فيها، فسارّها بشيء فبكت، ثمّ دعاها فسارّها بشيء فضحكت. قالت عائشة: فسألتها بعد موته، فقالت: أخبرني أنّه يقبض في وجعه ذلك فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله يتبعه فضحكت «٢» . فماتت ﵂ بعده بستّة أشهر. [كثرة نزول الوحي على النّبيّ ﷺ في السّنة الّتي قبض فيها] وروى البخاريّ عن أنس ﵁ قال: إنّ الله تابع على رسوله ﷺ نزول الوحي حين توفّاه أكثر ما كان الوحي، ثمّ توفّي رسول الله ﷺ بعد «٣» . [تأثّر فاطمة ﵂ لما ألمّ بأبيها ﷺ ] قال العلماء: وذلك لكثرة الوفود وسؤالهم عن الأحكام. وفيه-[أي: الصّحيحين]- عنه أيضا قال: لمّا ثقل النّبيّ ﷺ جعل يتغشّاه الكرب، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» ، قال: فلمّا دفنّاه، قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على نبيّكم التّراب «٤» .

стр. 374

[تخيير النّبيّ ﷺ عند قبضه] وفي «الصّحيحين» ، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: «إنّه لن يقبض نبيّ قطّ حتّى يرى مقعده في الجنّة، ويخيّر بين الدّنيا والآخرة» ، فسمعته في مرضه الّذي مات فيه يقول، وقد أخذته بحّة: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [سورة النّساء ٤/ ٦٩] «١» . وفي رواية: ثمّ شخص بصره/ إلى السّماء، ثمّ قال: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» . فقلت: إذا لا يختارنا، وعرفت أنّه حديثه الّذي كان يحدّثنا وهو صحيح «٢» . وفي رواية أنّه قال: «اللهمّ اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرّفيق الأعلى» «٣» . [خروج النّبيّ ﷺ صبيحة يوم وفاته] وفي «الصّحيحين» ، عن أنس بن مالك ﵁ أنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلّي لهم، لم يفجأهم إلّا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصّلاة، فتبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ، وظنّ أنّ رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصّلاة، فقال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ﷺ ، فأشار إليهم بيده: «أن أتمّوا صلاتكم» ، ودخل الحجرة، وأرخى السّتر، ومات من يومه «٤» .

стр. 375

[معالجة النّبيّ ﷺ سكرات الموت] وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ رسول الله ﷺ كانت عنده ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه فيها، ويمسح بها وجهه، ويقول: «أشهد أن لا إله إلّا الله، إنّ للموت سكرات» ، ثمّ نصب يده، فجعل يقول: «في الرّفيق الأعلى» ، حتّى قبض ومالت يده ﷺ «١» . فائدة [: في حبّ الرّسول ﷺ لقاء الرّفيق الأعلى] قال العلماء: إنّما لم يزل يكرّرها لأنّ التّخيّير لم يزل يعاد عليه، وهي كلمة تتضمّن حبّ لقاء الله، الّذي هو لباب التّوحيد، وسرّ الذّكر باللّسان والقلب، ومنه يستفاد أنّه لا يشترط في نجاة المحتضر أن يتلفّظ ب (لا إله إلّا الله) ، إذا مات وقلبه مطمئن بالإيمان. والله أعلم. [عمر النّبيّ ﷺ يوم قبض] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، ومكث ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثمّ أمر بالهجرة، فهاجر إلى (المدينة) عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستّين سنة «٢» . [دهشة المسلمين لوفاة النّبيّ ﷺ ] ولمّا قبضه الله إليه، واختار له ما عنده؛ دهش أصحابه ﵃ دهشة عظيمة، وطاشت أحلامهم لعظم المصيبة، ولم يكن فيهم أثبت من العبّاس وأبي بكر ﵄. وروى التّرمذيّ/ في «الشّمائل النّبويّة» ، وابن ماجه في «السّنن» عن أنس ﵁ قال: لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه النّبيّ ﷺ (المدينة) أضاء منها كلّ شيء، ولمّا كان اليوم الّذي مات

стр. 376

فيه أظلم منها كلّ شيء «١» . وفي ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث، ابن عمّ رسول الله ﷺ ، [من الوافر] «٢» : أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيل قد قبض الرّسول وأضحت أرضنا ممّا عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتّنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحقّ ما سالت عليه ... نفوس النّاس أو كادت تسيل نبيّ كان يجلو الشّك عنّا ... بما يوحى إليه وما يقول ويهديناا فما نخشى ضلالا ... علينا والرّسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي ذاك السّبيل فقبر أبيك سيّد كلّ قبر ... وفيه سيّد النّاس الرّسول [موقف أبي بكر ﵁ من وفاة النّبيّ ﷺ ] وروى البخاريّ في «صحيحه» ، أنّ النّبيّ ﷺ مات وأبو بكر ﵁ ب (العالية) ، فقام عمر ﵁ يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنّه الله، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله ﷺ وقبّله، وقال: بأبي أنت وأمّي، طبت حيّا وميتا، والّذي نفسي بيده لا يذيقك الله موتتين، أمّا الموتة الّتي كتبت عليك فقد متّها. ثمّ خرج إلى النّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ألا من كان يعبد محمّدا ﷺ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ

стр. 377

لا يموت، ثمّ تلا قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [سورة الزّمر ٣٩/ ٣٠] وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ/ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٤٤] . قال: فنشج «١» النّاس بالبكاء حينئذ، وكأنّ النّاس لم يعلموا أنّ الله أنزل هذه الآية حتّى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه النّاس كلّهم يتلوها، قال عمر ﵁: والله ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت «٢» ، وعلمت أنّ النّبيّ ﷺ قد مات «٣» . [زمن وفاة النّبيّ ﷺ ] وكانت وفاته ﷺ ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر ربيع الأوّل، [دفن النّبيّ ﷺ ] ودفن يوم الثّلاثاء «٤» . وإنّما تأخّر دفنه لاختلافهم في موته، حتّى أزال الشّكّ عنهم أبو بكر.

стр. 378

ثمّ اختلفوا أيضا أين يدفن؟، فمنهم من قال: في مسجده. ومنهم من قال: في (البقيع) حيث دفن ابنه إبراهيم وأصحابه، ومنهم من قال: يحمل إلى (القدس) عند قبر أبيه إبراهيم ﵇. حتّى أزال الشّكّ الصّدّيق أيضا ﵁، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما دفن نبيّ إلّا حيث يموت» . أخرجه مالك في «الموطّأ» ، وابن ماجه في «السّنن» «١» . [أمر سقيفة بني ساعدة] ثمّ إنّ الأنصار أرادوا أن يتميّزوا عن المهاجرين، وأن يعقدوا الخلافة لسعد بن عبادة، فأطفأ الله نار الفتنة على يد أبي بكر الصّدّيق ﵁، بأنّ الأئمّة من قريش، ولهذا قال أبو هريرة ﵁: (لولا أبو بكر لهلكت هذه الأمّة) . [مبايعة أبي بكر ﵁] وفي «صحيح البخاريّ» ، عن ابن عبّاس ﵄، أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ خطب النّاس في خلافته- فذكر حديث بيعة أبي بكر- فقال: إنّه كان من خيرنا حين توفّى الله نبيّه ﷺ ، إلّا أنّ الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا حتّى أتيناهم، فقال قائلهم: نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام- أي الّتي اجتمع إليها آحاد النّاس- فمنّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: ما ذكرتم فيكم من خير/ فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين، فبايعوا أيّهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن

стр. 379

الجرّاح، وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، كان والله أن أقدّم فيضرب عنقي، لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، وكثر اللّغط «١» ، وارتفعت الأصوات، حتّى خفت من الاختلاف، ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقناهم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإمّا أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإمّا أن نخالفهم فيقع الفساد، فقلت لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثمّ بايعته الأنصار، ثمّ كانت بيعة العامّة من الغد «٢» . وأمّا سيّدنا عليّ ﵁ وسائر بني هاشم فكانوا في وقت البيعة مشغولين بغسل رسول الله ﷺ وتكفينه، فوقع في أنفسهم من استبداد أبي بكر وعمر وسائر المهاجرين والأنصار بالأمر عليهم. وسبق أنّها لم تقع عن رويّة، إنّما بادر إليها عمر خوفا من الوقوع في الفتنة، فلم يسأل أبو بكر منهم البيعة لانعقادها، ولم يبادروا هم إليها. [طلب فاطمة ﵂ ميراثها من النّبيّ ﷺ ] ثمّ إنّ فاطمة ﵂ سألت أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول الله ﷺ من (خيبر وفدك) ، وصدقات (المدينة) من أموال بني قينقاع والنّضير وقريظة، فأبى عليها أبو بكر ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نورث، ما تركناه صدقة» ، ولكنّي سأعول من كان النّبيّ ﷺ يعوله، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يفعله إلّا عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.

стр. 380

فوقع في نفسها من ذلك، فهجرت أبا بكر إلى أن ماتت ﵂. فلمّا ماتت أرسل عليّ ﵁ بعد أن جمع بني هاشم- إلى أبي بكر أن يأتيهم وحده، فأتاهم فاعتذر/ إليه عليّ من تخلّفه، وقال: إنّا قد عرفنا فضلك، ولم نحسدك على خير ساقه الله إليك، ولكنّك استبددت بالأمر علينا، ففاضت عينا أبي بكر، واعتذر إليهم بوقوع البيعة من غير رويّة، وقال: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ من أن أصل من قرابتي، فقال له عليّ: موعدك العشيّة للبيعة، ثمّ راح بمن معه من بني هاشم إلى المسجد، فبايعوه، ﵃ أجمعين، فسرّ بذلك المهاجرون والأنصار، وقالوا لعليّ ﵁: أصبت، أصبت. روى ذلك البخاريّ ومسلم «١» . ورويا أيضا-[أي: البخاريّ ومسلم]- أنّ عليّا والعبّاس سألا من أبي بكر ﵁ نصيبهما من الصّدقة السّابق ذكرها. سأل عليّ نصيب فاطمة، والعبّاس هو عصبة النّبيّ ﷺ ، فأبى عليهما. ثمّ سألاها عمر فأبى عليهما، واستشهد جماعة من الصّحابة منهم: عثمان وعبد الرّحمن على أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا نورث»

стр. 381

فشهدوا، واعترف بذلك أيضا عليّ والعبّاس ﵄، ثمّ دفع إليهما صدقات (المدينة) ، على أن يعملا فيها بما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، فأخذاها. ثمّ إنّ عليّا ﵁ تغلّب عليها، فلم يعط عمّه العبّاس منها شيئا، فاختصما إلى عمر ليقسمها بينهما نصفين، فأبى ذلك عليهما، وكره أن يجري عليها اسم القسم لئلّا تظنّ أنّها إرث، فلم يسع عليّ ﵁ مدّة خلافته أن يعمل فيها إلّا بما عمل فيها أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين «١» . وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ أزواج النّبيّ ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ، فقالت لهنّ عائشة: أليس قال رسول الله ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة؟» «٢» . [زوجاته ﷺ اللّواتي توفّي عنهنّ] وتوفّي ﷺ عن تسع زوجات، وهنّ: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر/، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة، وأمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأمويّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وسودة بنت زمعة العامريّة، وصفيّة بنت حييّ بن أخطب النّضريّة الإسرائيليّة الهارونيّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وأمّ سلمة هند بنت أبي أميّة المخزوميّة. ﵅، وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين.

стр. 382

تذييل فيه فصول في وجوب نصب الإمام، وشرائط الإمامة، وفي الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ وفي فضل الخلفاء الأربعة، ثمّ سائر الصّحابة ﵃ أجميعن

стр. 383

فصل في وجوب نصب الإمام اعلم أنّ مذهب أهل السّنّة أنّ نصب الإمام واجب على الأمّة، لإجماع الصّحابة ﵃ بعد وفاة رسول الله ﷺ على امتناع خلوّ الوقت عن خليفة له وإمام. وقد قال الصّدّيق ﵁ في خطبته في (سقيفة بني ساعدة) بين المهاجرين والأنصار: (ألا وإنّ محمّدا قد مات، وأنّه لا بدّ لهذا الدّين من إمام يقوم به) . فبادر الكلّ إلى قبول قوله، ولم يقل أحد لا حاجة لي إلى ذلك، بل اتّفقوا عليه، واجتمعوا له، وتركوا لشدّة اهتمامهم به أهمّ الأشياء عندهم؛ وهو تجهيز رسول الله ﷺ كما سبق، ثمّ لم يزل النّاس بعدهم على ذلك في جميع الأمصار والأعصار. وأيضا: فإنّ نصب الإمام يتضمّن دفع الضّرر، لأنّ النّاس إذا كان لهم رئيس قاهر انتظمت مصالح دينهم ودنياهم، لأنّ مقاصد الشّرع الشّريف فيما شرع الله ورسوله فيه من الأحكام والحدود، وإظهار شعائر الدّين، إنّما هي مصالح عائدة إلى الخلق، إمّا عاجلا وإمّا آجلا. ومعلوم أنّ ذلك لا يتمّ إلّا بإمام يرجعون إليه عند اختلافهم، وإلّا لأفضى ذلك إلى الهلاك. ويشهد لذلك ما يثور من الفتن عند موت الأئمّة، بحيث يقطع/ بأنّها لو تمادت لتعطّلت أمور المعاش والمعاد.

стр. 384

وقد سبق أنّ الشّيطان- لعنه الله- أطلع رأسه، ومدّ مطامعه، وأوقد نار الشّتات، ونصب راية الخلاف بعد موت رسول الله ﷺ ، حتّى أطفأها الله بالصّدّيق، مع أنّهم أفضل الأمّة ﵃، فما الظّنّ بغيرهم؟ قال الله : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [سورة البقرة ٢/ ٢٥١] . وما أحسن قول عبد الله بن المبارك- رحمه الله تعالى-[من البسيط] : الله يدفع بالسّلطان معضلة ... عن ديننا وبه إصلاح دنيانا لولا الأئمّة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

стр. 385

فصل في شروط الإمامة وحدّ الإمامة أنّها رئاسة عامّة في أمور الدّين والدّنيا لشخص بشروط؛ وهي عشرة: الأوّل: أن يكون ذكرا ، إذ النّساء ناقصات عقل ودين «١» . الثّاني: أن يكون بالغا ، لقصور عقل الصّبيّ. الثّالث: أن يكون عاقلا ، إذ لا يصلح المجنون لتصرّفات نفسه فضلا عن غيره «٢» . الرّابع: أن يكون حرّا ، إذ العبد مشغول بخدمة سيّده، ولأنّه مستحقر تستنكف النّفوس عن الانقياد له «٣» . الخامس: أن يكون عدلا «٤» ، لأنّ الفاسق غير مأمون شرعا،

стр. 386

فربّما ضيّع الحقوق، وصرّف الأشياء في غير مصارفها. السّادس: أن يكون ذا رأي وبصارة بتدبير الأمور ، لأنّ المغفّل لا يقوم بأمر الملك. السّابع: أن يكون شجاعا ، لأنّ الجبان لا قوّة له على الذّبّ عن حوزة الدّين، وحريم المسلمين لجرأة العدوّ عليه. الثّامن: أن يكون قرشيّا ؛ لقوله ﷺ : «الأئمّة من قريش» «١» مع عمل الصّحابة ﵃ به، وإجماعهم عليه، وأمّا قوله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد حبشيّ» «٢» فمحمول على السّمع والطّاعة لأمراء الجيوش ونحوهم من ولاة الإمام «٣» . التّاسع: أن يكون/ عالما مجتهدا في أصول الدّين وفروعه ، ولغة العرب وأعرابها، مشتغلا بالفتوى في الحوادث، لأنّ الجاهل أو القاصر عن رتبة الاجتهاد لا يتمكّن من حفظ العقائد، وحلّ الشّبه، وإقامة الحجج والبراهين، ولا من فصل الخصومات عند النّزاع «٤» .

стр. 387

العاشر: أن تعقد الإمامة طوعا ، إمّا بأن يبايعه أهل الحلّ والعقد «١» كأبي بكر، أو يستخلفه إمام سابق جامع لشروط الإمامة كعمر بن الخطّاب ﵁. [الشّروط في عاقدي البيعة للإمام وشرط صحّة البيعة] وشرط العاقدين: أن يكونوا عدولا، ذوي رأي ومعرفة بالمصالح، ولا يشترط في صحّة البيعة إجماع الحاضرين منهم ببلدها، من أهل الحلّ والعقد، فضلا عن إجماع أهل الأقطار، لأنّ الصّحابة لم يفتقروا في عقدها لأبي بكر إلى حضور عليّ وعبّاس وسائر بني هاشم ﵃ أجمعين، بل يكتفى ببيعة واحد منهم في ثبوت الإمامة لمن عقدها له، ووجوب اتّباع المعقود له على سائر أهل الإسلام، لاكتفاء الصّحابة مع صلابتهم في الدّين بعقد عمر لأبي بكر كما سبق، وعقد عبد الرّحمن بن عوف لعثمان كما سيأتي. [انعقاد الإمامة للإمام الّذي تمّ السّبق لأهل الحلّ والرّبط في عقدها له] ثمّ إذا انعقدت الإمامة لشخص لم يجز عقدها لآخر لأدائه إلى ثوران الفتنة، فإن اتّفق التّعدّد فالإمامة للسّابق، وغيره باغ إن أصرّ، فيجب أن يقاتل حتّى يفيء إلى أمر الله، فإن جهل السّابق بطل في الجميع، واستؤنف العقد لمن وقع عليه الاختيار. [جواز خلع الإمام وعزله] ثمّ إذا وجد من الإمام ما يقتضي اختلال أمور الدّين، وانتقاض مصالح المسلمين؛ جاز لأهل الحلّ والعقد خلعه وعزله، كما كان لهم نصبه ابتداء، إلّا إذا كان المضرّة في خلعه أعظم من المضرّة في تقريره، فيحتمل أدنى المضرّتين.

стр. 388

[عدم الجواز لأهل الحلّ والعقد تقليد الإمامة لمن فقد بعض شروطها بوجود الكامل المستوفي جميع شروطها] ولا يجوز لأهل الحلّ والعقد أن ينصّبوا فاقدا لبعض الشّرائط مع وجود الكامل. نعم لهم نصب المفضول مع وجود الأفضل، إذا كان المفضول أصلح، إذ المعتبر في ولاية كلّ أمر والقيام/ به معرفة مصالحه ومفاسده، والقوّة على القيام بلوازمه ومقاصده، وربّ مفضول في علمه وعمله هو بالرّئاسة أعلم، وبشرائطها أقوم. وكذا يجوز لأهل الحلّ والعقد عند فقد الكامل نصب فاقد لبعض الشّرائط السّابقة، دفعا للمفاسد الّتي لا تندفع إلّا بنصب الأئمّة- وبعض الشّرّ أهون من بعض- والله يعلم المفسد من المصلح.

стр. 389

فصل في الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ أجمع أهل السّنّة سلفا وخلفا على أنّ الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ. على ترتيبهم في الخلافة ﵃. وأجمع معظم الأمّة على أنّ النّبيّ ﷺ لم ينصّ على خلافة رجل معيّن، بل أشار إلى ما سيكون بعده من غير وصيّة بذلك، كقوله: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» «١» [وقوله] : «ويأبى الله والمسلمون إلّا أبا بكر» «٢» . [أمر النّبيّ ص بتقديم أبي بكر للصّلاة في مرضه وبحضور عليّ] وثبت أنّ عليّا ﵁ كان يقول: قدّم رسول الله ﷺ أبا بكر، فصلّى بالنّاس وأنا حاضر غير غائب، وصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدّمني قدّمني، أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا؟ «٣» . قال العلماء: وهل بقي من أمر الخلافة بعد الإمامة في الصّلوات إلّا جباية الزّكوات؟ وكيف يحسن لي أو لغيري أن يعزل أبو بكر عن الإمامة في الصّلوات، أو يكون غيره خليفة مأموما به في الصّلوات الّتي هي أعظم شعائر الدّين؟

стр. 390

قلت: وسبق أنّه ﷺ لمّا أعطى عثمان وشيبة مفتاح (الكعبة) قال: «خذاها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» » . فالإمامة أولى. قال الشّيخ الرّبّانيّ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى- في «شرح صحيح مسلم» : (وخلافة أبي بكر ﵁ لم تكن بنصّ صريح، بل بإجماع الصّحابة ﵃ على عقدها له، فقدّموه لشهرة فضله عندهم، ولو كان هناك نصّ صريح عليه، أو على غيره؛ لم تقع المنازعة أوّلا من/ الأنصار- أي: بقولهم: (منّا أمير ومنكم أمير) - ولذكر حافظ النّصّ ما معه، ولرجعوا إليه- أي: كما احتجّ أبو بكر على الأنصار بقوله ﷺ : «الأئمّة من قريش» ورجعوا إليه- قال: لكن تنازعوا أوّلا، ثمّ اتّفقوا على أبي بكر ﵁ «٢» . [تفنيد آراء الشّيعة في استخلاف الرّسول ﷺ عليا] قال: (وأمّا ما تدّعيه الشّيعة من النّصّ على عليّ ﵁ فباطل، لا أصل له باتّفاق المسلمين. وأوّل من كذّبهم عليّ ﵁، ولو كان عنده نصّ لذكره، ولم ينقل أنّه ذكره في يوم من الأيّام) «٣» انتهى. قال العلماء: ولو كان ثمّ نصّ لتواتر، ولم يمكن ستره عادة، إذ ذلك ممّا تتوفّر الدّواعي على نقله. وإذا لم يكن نصّ فالبيعة لم توجد لغير أبي بكر إجماعا، فوجب أن يكون هو الإمام الحقّ، ثمّ منصوبه عمر، ثمّ عثمان المجمع على عقد الخلافة له، ثمّ عليّ ﵃.
следующие страницы →