فربّما ضيّع الحقوق، وصرّف الأشياء في غير مصارفها.
السّادس: أن يكون ذا رأي وبصارة بتدبير الأمور ،
لأنّ المغفّل لا يقوم بأمر الملك.
السّابع: أن يكون شجاعا ،
لأنّ الجبان لا قوّة له على الذّبّ عن حوزة الدّين، وحريم المسلمين لجرأة العدوّ عليه.
الثّامن: أن يكون قرشيّا ؛
لقوله ﷺ : «الأئمّة من قريش» «١» مع عمل الصّحابة ﵃ به، وإجماعهم عليه، وأمّا قوله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد حبشيّ» «٢» فمحمول على السّمع والطّاعة لأمراء الجيوش ونحوهم من ولاة الإمام «٣» .
التّاسع: أن يكون/ عالما مجتهدا في أصول الدّين وفروعه ،
ولغة العرب وأعرابها، مشتغلا بالفتوى في الحوادث، لأنّ الجاهل أو القاصر عن رتبة الاجتهاد لا يتمكّن من حفظ العقائد، وحلّ الشّبه، وإقامة الحجج والبراهين، ولا من فصل الخصومات عند النّزاع «٤» .
стр. 387
العاشر: أن تعقد الإمامة طوعا ،
إمّا بأن يبايعه أهل الحلّ والعقد «١» كأبي بكر، أو يستخلفه إمام سابق جامع لشروط الإمامة كعمر بن الخطّاب ﵁.
[الشّروط في عاقدي البيعة للإمام وشرط صحّة البيعة]
وشرط العاقدين: أن يكونوا عدولا، ذوي رأي ومعرفة بالمصالح، ولا يشترط في صحّة البيعة إجماع الحاضرين منهم ببلدها، من أهل الحلّ والعقد، فضلا عن إجماع أهل الأقطار، لأنّ الصّحابة لم يفتقروا في عقدها لأبي بكر إلى حضور عليّ وعبّاس وسائر بني هاشم ﵃ أجمعين، بل يكتفى ببيعة واحد منهم في ثبوت الإمامة لمن عقدها له، ووجوب اتّباع المعقود له على سائر أهل الإسلام، لاكتفاء الصّحابة مع صلابتهم في الدّين بعقد عمر لأبي بكر كما سبق، وعقد عبد الرّحمن بن عوف لعثمان كما سيأتي.
[انعقاد الإمامة للإمام الّذي تمّ السّبق لأهل الحلّ والرّبط في عقدها له]
ثمّ إذا انعقدت الإمامة لشخص لم يجز عقدها لآخر لأدائه إلى ثوران الفتنة، فإن اتّفق التّعدّد فالإمامة للسّابق، وغيره باغ إن أصرّ، فيجب أن يقاتل حتّى يفيء إلى أمر الله، فإن جهل السّابق بطل في الجميع، واستؤنف العقد لمن وقع عليه الاختيار.
[جواز خلع الإمام وعزله]
ثمّ إذا وجد من الإمام ما يقتضي اختلال أمور الدّين، وانتقاض مصالح المسلمين؛ جاز لأهل الحلّ والعقد خلعه وعزله، كما كان لهم نصبه ابتداء، إلّا إذا كان المضرّة في خلعه أعظم من المضرّة في تقريره، فيحتمل أدنى المضرّتين.
стр. 388
[عدم الجواز لأهل الحلّ والعقد تقليد الإمامة لمن فقد بعض شروطها بوجود الكامل المستوفي جميع شروطها]
ولا يجوز لأهل الحلّ والعقد أن ينصّبوا فاقدا لبعض الشّرائط مع وجود الكامل.
نعم لهم نصب المفضول مع وجود الأفضل، إذا كان المفضول أصلح، إذ المعتبر في ولاية كلّ أمر والقيام/ به معرفة مصالحه ومفاسده، والقوّة على القيام بلوازمه ومقاصده، وربّ مفضول في علمه وعمله هو بالرّئاسة أعلم، وبشرائطها أقوم.
وكذا يجوز لأهل الحلّ والعقد عند فقد الكامل نصب فاقد لبعض الشّرائط السّابقة، دفعا للمفاسد الّتي لا تندفع إلّا بنصب الأئمّة- وبعض الشّرّ أهون من بعض- والله يعلم المفسد من المصلح.
стр. 389
فصل في الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ
أجمع أهل السّنّة سلفا وخلفا على أنّ الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ. على ترتيبهم في الخلافة ﵃.
وأجمع معظم الأمّة على أنّ النّبيّ ﷺ لم ينصّ على خلافة رجل معيّن، بل أشار إلى ما سيكون بعده من غير وصيّة بذلك، كقوله:
«مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» «١» [وقوله] : «ويأبى الله والمسلمون إلّا أبا بكر» «٢» .
[أمر النّبيّ ص بتقديم أبي بكر للصّلاة في مرضه وبحضور عليّ]
وثبت أنّ عليّا ﵁ كان يقول: قدّم رسول الله ﷺ أبا بكر، فصلّى بالنّاس وأنا حاضر غير غائب، وصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدّمني قدّمني، أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا؟ «٣» .
قال العلماء: وهل بقي من أمر الخلافة بعد الإمامة في الصّلوات إلّا جباية الزّكوات؟ وكيف يحسن لي أو لغيري أن يعزل أبو بكر عن الإمامة في الصّلوات، أو يكون غيره خليفة مأموما به في الصّلوات الّتي هي أعظم شعائر الدّين؟
стр. 390
قلت: وسبق أنّه ﷺ لمّا أعطى عثمان وشيبة مفتاح (الكعبة) قال: «خذاها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» » .
فالإمامة أولى.
قال الشّيخ الرّبّانيّ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى- في «شرح صحيح مسلم» : (وخلافة أبي بكر ﵁ لم تكن بنصّ صريح، بل بإجماع الصّحابة ﵃ على عقدها له، فقدّموه لشهرة فضله عندهم، ولو كان هناك نصّ صريح عليه، أو على غيره؛ لم تقع المنازعة أوّلا من/ الأنصار- أي: بقولهم: (منّا أمير ومنكم أمير) - ولذكر حافظ النّصّ ما معه، ولرجعوا إليه- أي:
كما احتجّ أبو بكر على الأنصار بقوله ﷺ : «الأئمّة من قريش» ورجعوا إليه- قال: لكن تنازعوا أوّلا، ثمّ اتّفقوا على أبي بكر ﵁ «٢» .
[تفنيد آراء الشّيعة في استخلاف الرّسول ﷺ عليا]
قال: (وأمّا ما تدّعيه الشّيعة من النّصّ على عليّ ﵁ فباطل، لا أصل له باتّفاق المسلمين. وأوّل من كذّبهم عليّ ﵁، ولو كان عنده نصّ لذكره، ولم ينقل أنّه ذكره في يوم من الأيّام) «٣» انتهى.
قال العلماء: ولو كان ثمّ نصّ لتواتر، ولم يمكن ستره عادة، إذ ذلك ممّا تتوفّر الدّواعي على نقله. وإذا لم يكن نصّ فالبيعة لم توجد لغير أبي بكر إجماعا، فوجب أن يكون هو الإمام الحقّ، ثمّ منصوبه عمر، ثمّ عثمان المجمع على عقد الخلافة له، ثمّ عليّ ﵃.
стр. 391
قال العلماء: وأمّا ما تدّعيه الشّيعة أنّ عليّا ﵁ قد أظهر النّصّ فلم يقبل منه، فمن أكاذيبهم الشّنيعة الّتي ظاهرها الرّفض، وباطنها الكفر المحض، لإزرائهم «١» بذلك على الصّحابة، الّذين نقلوا هذا الدّين وحملوه، إذ لو أجمعوا على نبذ وصيّة نبيّهم بعد موته وقبل دفنه، لردّت روايتهم وبطلت عدالتهم، وبطل حينئذ هذا الدّين من أصله، الّذي وعد الله أن يظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون.
[مبايعة عليّ أبا بكر وعمر وعثمان ﵃]
وقد اجتمعت الأمّة على أنّ عليّا ﵁ لم ينازع أبا بكر ولا عمر، وبايع أبا بكر وترضّى عنه وعن عمر، وأثنى عليهما بعد موتهما، وأنّه عقد الخلافة لعثمان بعد أن خلا دست الخلافة «٢» وشغر، فلو كان عنده نصّ، أو كان ﵁ يرى أنّه يتعيّن للخلافة، لنازعهم كما نازع الفئة الباغية في أيّام معاوية.
وما يزعمه المبطلون من مداهنته ﵁ في دين الله، يتحاشى عنه منصب عليّ العليّ ﵁، كيف وهو الّذي تضرب بشجاعته الأمثال، وتبطل عنده الأبطال؟ مع ما هو فيه من عزّة العشيرة نخبة بني/ هاشم، وبين الصّحابة الّذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، يشهد لهم القرآن بهجرهم في سبيل الله الأهل والأوطان.
وإذا كان أبو طالب قاوم قريشا كلّها، كما سبق عنه من قوله، [من الكامل] «٣» :
стр. 392
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا
فكيف يجوز لمن يدّعي الإسلام أن ينسب إلى أخي الرّسول، وبعل البتول، الأسد المواثب، ليث بني غالب؛ أنّه نبذ وصيّة رسول الله ﷺ ؟ أو داهن في دين الله؟
ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [سورة النّور ٢٤/ ١٦] .
قال العلماء: وما يتمسّك به الشّيعة من الظّواهر الّتي توهم كون عليّ ﵁ متعيّنا للإمامة، معارض بنصوص كثيرة، تشير إلى تعيّن الصّدّيق تلويحا، بل تصريحا، يجب تقريرها، وتأويل ما عارضها، لانعقاد الإجماع على مقتضاها.
وقد قام الدّليل المتواتر القطعيّ على عصمة الصّحابة، فمن بعدهم من القرون؛ من أن يجتمعوا على الضّلال، وقد سمّاهم الله: خير أمّة، فلو تعاونوا على الإثم والعدوان- كما يزعم أهل الباطل والبهتان- لكانوا شرّ أمّة، كيف وقد وعد الله من اتّبع غير سبيلهم؟ فقال تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [سورة النّساء ٤/ ١١٥] .
стр. 393
فصل في فضل الخلفاء الأربعة ﵃ أجمعين
[الأئمّة من قريش]
قال ﷺ : «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» «١» .
قال العلماء: هو خبر بمعنى الأمر- أي: لا تزيلوا الخلافة من قريش-
وقال ﷺ : «إنّ هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدّين» . متفق عليهما «٢» .
وقال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً الآية [سورة النّور ٢٤/ ٥٥] .
وثبت عنه ﷺ أنّه قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تكون ملكا عضوضا» «٣» /.
стр. 394
فدلّت الآية الكريمة بوعد الله الحقّ من أنّ هذه الأمّة لا بدّ أن يقيم الله لها خلفاء بعد نبيّها، يمكّن لهم الدّين الّذي ارتضى لهم ويبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وذلك إن كان في حقّ من بعد الخلفاء الأربعة الأئمّة فباطل اتّفاقا، وإن كان فيهم فهم الّذين صدق وعد الله فيهم، وتعيّن حينئذ صحّة خلافتهم، وصحّة ترتيبهم، لأنّ الطّرفين من الأربعة، وهما: أبو بكر وعليّ دون الوسط في تحقيق التّمكين الموعود في الدّين؛ إذ الصّدّيق ﵁ إنّما قاتل أهل الرّدّة ليعودوا إلى ما كانوا عليه من الإسلام، وعلي ﵁ إنّما قاتل الفئة الباغية لتفيء إلى أمر الله.
وحقيقة التّمكين في الدّين إنّما حصل في مدّة عمر وعثمان ﵄، وإذا صدق الوعد الحقّ في الوسط، وجب صدقه في الطّرف الأوّل قطعا، وفي الآخر إجماعا.
وأمّا الحديث الشّريف: ففيه حكم منه ﷺ بأنّ مدّة القائمين بالخلافة بعده- أي: على ما كان هو عليه ﷺ ثلاثون سنة، وذلك هو قدر مدّة الخلفاء الأربعة مع أيّام خلافة سيّدنا الحسن بن عليّ ﵄.
لأنّ الصّدّيق ﵁ بويع له بالخلافة في اليوم الّذي مات فيه رسول ﷺ ، في سقيفة (بني ساعدة) ، ثمّ بويع له البيعة العامّة من غد ذلك اليوم كما سبق.
[وفاة أبي بكر الصّدّيق ﵁]
وتوفّي ﵁ لثمان ليال بقين من شهر جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فمدّة خلافته سنتان وشهران ونصف شهر، وسنّه ﵁ يوم مات ثلاث وستّون سنة كسنّ رسول الله ﷺ ، ودفن معه في حجرته.
стр. 395
[عهد الصّدّيق بالخلافة إلى عمر ﵄]
وعهد بالخلافة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، وقال: ولّيت عليهم خيرهم. وتوفّي عمر شهيدا في صلاة الصّبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، فمدّة خلافته/ عشر سنين وستّة أشهر.
[انتخاب عثمان ﵁ وخلافته]
وأوصى بالخلافة شورى بين ستّة من العشرة. وهم: عثمان، وعليّ، وعبد الرّحمن بن عوف، وطلحة، والزّبير، وسعد، فأجمع رأيهم بعد شدّة البحث على عثمان ﵁، فبايعوه بالخلافة يوم السّبت، غرّة المحرّم، أوّل سنة أربع وعشرين من الهجرة.
[مقتل عثمان ﵁]
وقتل ب (المدينة) شهيدا يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة، سنة خمس وثلاثين من الهجرة، فمدّة خلافته اثنتا عشرة سنة، وقد قارب ثمانين سنة، ودفن ب (البقيع) .
[مبايعة عليّ ﵁ بالخلافة ومقتله بالكوفة]
وبويع لعليّ ﵁ في ذلك اليوم، في دار من دور الأنصار، ثمّ بويع له البيعة العامّة من الغد في (المسجد النّبويّ) ، وقتل ب (الكوفة) شهيدا صبح الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان المعظّم، سنة أربعين من الهجرة، ومدّة خلافته أربع سنين وتسعة أشهر- بتقديم التّاء- ﵁ وعنهم أجمعين.
стр. 396
فصل في ذكر شيء من فضائل الصّحابة ﵃ أجمعين
أجمع أهل السّنّة على أنّ خير الصّحابة وأفضلهم على ما رتّبوه هم ﵃، فمن قدّموه فهو المقدّم، ومن أخّروه فهو المؤخّر، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله ، وذلك غيب لا يطّلع عليه إلّا رسول الله ﷺ .
وقد ورد من ثنائه ﷺ على أصحابه عموما وخصوصا نصوص لا يدرك دقائقها، ويعرف حقائقها إلّا الصّحابة الّذين سمعوها وحملوها، وعرفوا أسبابها، وقرائن أحوالها، وشاهدوا ما كان النّبيّ ﷺ يعامل به أصحابه، ويخصّ به بعضهم دون بعض من التّقديم والتّعظيم، فوجب الرّجوع في ذلك إلى الصّحابة الّذين شاهدوا الوحي والتّنزيل، وعلموا بقرائن الأحوال مراتب التّفضيل.
وقد أجمعوا ﵃ من غير توقّف ولا تردّد في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته- على أنّ أفضلهم أبو بكر ثمّ عمر.
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، / كنّا نفاضل بين الصّحابة في زمان رسول الله ﷺ فنقول: أفضلهم أبو بكر، ثمّ عمر، فلا ينكر علينا «١» .
وفي رواية: ثمّ نترك أصحاب رسول الله فلا نفاضل بينهم «٢» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن محمّد بن عليّ بن أبي طالب
стр. 397
رضي الله عنهما- وهو ابن الحنفيّة- قال: قلت لأبي: أيّ النّاس خير بعد النّبيّ ﷺ ؟، فقال: أبو بكر، قلت: ثمّ من؟، قال: عمر «١» .
واتّفقت الأمّة على أنّ خير الصّحابة: الخلفاء الأربعة.
قال أهل السّنّة: ثمّ تمام العشرة المشهود لهم بالجنّة، ثمّ بقيّة أهل (بدر) ، ثمّ أهل (أحد) ، ثمّ أهل بيعة الرّضوان.
قال الشّيخ محيي الدّين النّووي- رحمه الله تعالى-: (وأجمع أهل السّنّة على أن أفضلهم على الإطلاق: أبو بكر، ثمّ عمر، وقدّم جمهورهم عثمان على عليّ، وهو الصّحيح، ولهذا اختارته الصّحابة للخلافة وقدّموه، وهم أعلم بالتّرتيب) «٢» . انتهى.
قلت: ولهذا عقد الصّحابة الخلافة للصّدّيق من غير تردّد، وعقدها أبو بكر لعمر من غير تردّد، وتوقّف عمر فيمن يعقدها له.
وقال الإمام الجليل الحافظ أبو عمر يوسف بن محمّد بن عبد البرّ المالكي- رحمه الله تعالى- في «شرح موطّأ الإمام مالك» - رحمه الله تعالى-: (أجمع أهل السّنّة على أنّ أفضل الأمّة بعد نبيّها: أبو بكر، ثمّ عمر، ووقف بعض السّلف في عثمان وعليّ. وأمّا اليوم فلا يختلف الخلف في أنّ التّرتيب: عثمان ثمّ عليّ. قال: وعليه عامّة أهل الحديث من لدن أحمد ابن حنبل وهلمّ جرّا) . انتهى.
قال العلماء: ولولا فهم الصّحابة ﵃ ذلك عن رسول الله ﷺ لما رتّبوا الأمر كذلك، إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عن الحقّ صارف.
стр. 398
فصل في أدلّة فضل الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم
ومن الأدلّة الشّاهدة على فضل الخلفاء الأربعة ﵃، الموجبة لهم زيادة المزيّة على غيرهم:
[فضائل الصّدّيق ﵁]
قوله ﷺ : «لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا» ، متّفق/ عليه «١» .
زاد في رواية: «ولكن أخوّة الإسلام أفضل» «٢» .
وفي أخرى: «ولكنّه أخي وصاحبي» «٣» . أي: أنّ تسميتي له بما سمّاه الله به من الأخوّة والصّحبة في الغار أفضل من وصفي له بالخلّة.
[وفي رواية] : إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر» ، متّفق عليه «٤» .
[وقوله] : «إنّ الله بعثني فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر:
صدقت، وواساني بنفسه وماله» ، متّفق عليه «٥» .
стр. 399
[وقوله] : «فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي- ثلاث مرّات-» ، متّفق عليه «١» .
[وقوله] : «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» ، متّفق عليه «٢» .
[وقوله] : «إنّي أخشى أن يتمنّى متمنّ، أو يقول قائل: أنا أولى بالأمر، ويأبى الله ذلك والمؤمنون إلّا أبا بكر» ، متّفق عليه «٣» .
وقوله ﷺ لمّا رجف به (أحد) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان:
«اثبت أو اسكن أحد، فما عليك إلّا نبيّ وصدّيق وشهيدان» ، متّفق عليه «٤» .
والخطاب عند المحقّقين محمول على الحقيقة، إقامة له مقام من يفعل، لتحرّكه، مع قوله ﷺ : «ما من شيء إلّا ويعلم أنّي رسول الله» «٥» .
وقالوا: سبحان الله أبقرة تتكلّم وذئب يتكلّم؟ فقال النّبيّ ﷺ :
«فإنّي أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر» «٦» ، متّفق عليه.
стр. 400
وقيل له: من أحبّ النّاس إليك؟ قال: «عائشة» ، قيل:
ومن الرّجال؟ قال: «أبوها» ، قيل: ثمّ من؟ قال: «عمر» ، متّفق عليه «١» .
[فضائل عمر ﵁]
[وقوله ﷺ ] : «إيه يا ابن الخطّاب، والله ما سلكت فجّا إلّا سلك الشّيطان فجّا غير فجّك» متّفق عليه «٢» . أي: أنّ الحقّ يدور معه أينما دار، فهو من الّذين قال الله فيهم: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [سورة الحجر ١٥/ ٤٢] .
وشهادته ﷺ بأنّ عمر من المحدّثين- بفتح المهملتين، أي:
من أهل الإلهام الموافق للصّواب-
وأنّه ﷺ رآى عليه قميصا ضافيا يجرّه، وأوّله بوفور الدّين في أيّامه. متّفق عليه «٣» .
وأنّه [ ﷺ ] سقى فضلة من اللّبن عمر، وأوّله بالعلم، متّفق عليه «٤» .
وأنّ عمر سقى النّاس حتّى أرواهم، متّفق عليه «٥» . وأوّله العلماء بكثرة الخيرات والفتوحات في أيّامه.
стр. 401
[فضائل عثمان ﵁]
وقوله ﷺ : «بشّره بالجنّة، على بلوى تصيبه» - يعني:
عثمان- متّفق عليه «١» .
[فضائل عليّ ﵁]
وقوله/ ﷺ : «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله» ، فأعطاها عليّا. متّفق عليه «٢» .
مع قوله [ ﷺ ] : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى» ، متّفق عليه «٣» .
[مناقب الصّديق ﵁ فضائل عليّ ﵁]
هذا مع ما اشتهر للصّديق ﵁ من سبقه إلى التّصديق من غير تردّد، وكثرة التّصدّق غير مرّة بجميع ماله في سبيل الله، وما كان يعرفه البرّ والفاجر والمؤمن والكافر من شدّة اختصاصه في الجاهليّة والإسلام بالنّبيّ عليه أفضل الصّلاة والسّلام، وقربه منه، ومجاورته له حيّا وميّتا، ثمّ ما أيّده الله به من الثّبات عند موت النّبيّ ﷺ ، ووعظه المسلمين، ثمّ إطفاء نار الفتنة عند تنازع الصّحابة، وجهاد أهل الرّدّة، حتّى استقام الدّين، ومن تقواه المعروف، وصنائعه للمعروف، وكمال النّفس، ورسوخ القدم في التّوحيد، ووقر اليقين في الصّدر.
[مناقب عمر ﵁]
ومع ما عرف للفاروق ﵁ من عزّة الإسلام بإسلامه ابتداء وانتهاء، ومن الشّدّة في الدّين، والجمع في السّياسة بين
стр. 402
العنف واللّين، وكثرة الفتوحات، وموافقة رأيه للوحي في غير مرّة، وعدله، وإحسانه، وحسن سيرته المشهورة، حتّى قال أهل السّير: لو أنّ هذه الأمّة فاخرت جميع الأمم بسيرة عمر لفخرتها، إذ لم يعلم أنّ ملكا من المتقدّمين والمتأخّرين سار سيرته.
[مناقب عثمان ﵁]
ومع شهادة الرّسول ﷺ لعثمان الشّهيد باستحياء الملائكة الكرام منه إجلالا واحتراما، وضربه له بسهمه وأجره يوم (بدر) ، وضربه بيده اليمنى على اليسرى عنه في بيعة الرّضوان، وتزويجه له بابنتيه ﵄، ثمّ قال: «لو كان عندي ثالثة لزوّجتكها» »
، مع ما اشتهر من جمعه لمصاحف القرآن، ومواظبته على تلاوته، وكثرة الصّيام والقيام، وشفقته على الأمّة بوضع السّلاح تورّعا منه عن سفك الدّماء، وصدقاته المشهورة؛ كتجهيز جيش/ العسرة وحفر بئر (رومة) الموعود عليها بالجنّة.
[مناقب عليّ ﵁]
ومع شهادته ﷺ للمرتضى عليّ بن أبي طالب بأنّه أقضاهم، وأنّه قائد الفئة النّاجية، وتقتل عمّارا الفئة الباغية، وتزويجه له بابنته فاطمة الزّهراء- سيّدة نساء أهل الجنّة، وأمّ الحسن والحسين، سبطي المصطفى ﷺ مع ما اشتهر من قدم إسلامه، ورسوخ علمه، وزهده، وشجاعته في نصرة دين الله، وشرف القرابة القربى من رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم أجمعين.
ومن نظر بعين البصيرة في مناقب الخلفاء الأربعة الواردة في «الصّحيحين» ، أو في أحدهما- كما أوردناه، ولم تمل به الأهواء- ظهر له إصابة الصّحابة في ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة.
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [سورة الحديد ٥٧/ ١٠] .
стр. 403
فصل في أدلّة فضل الصّحابة ﵃ أجمعين
الّذي عليه جمهور المحدّثين أنّ كلّ مسلم اجتمع بالنّبيّ ﷺ ولو لحظة فهو من الصّحابة.
وقد ورد في فضلهم ﵃ من الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة ما لا يحصى.
فروى البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» ، أنّه ﷺ قال:
«خيركم- وفي رواية- خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم- أي:
التّابعون- ثمّ الّذين يلونهم- أي: تابعو التّابعين-» «١» .
قال الشّيخ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى-: (ورواية «خير النّاس» على عمومها، والمراد منه جملة القرون السّابقة واللّاحقة، ولا يلزم منه تفضيل أهل قرنه على الأنبياء ﵈، إذ المراد جملة القرون، بالنّسبة إلى كلّ قرن بجملته.
قال: والمراد بالقرن: الصّحابة، ثمّ الّذين يلونهم: التّابعون، ثمّ الّذين يلونهم: تابعو التّابعين) «٢» . انتهى.
стр. 404
قلت: وأوّل قرن الصّحبة من مبعثه ﷺ إلى موت آخرهم موتا؛ وهو أبو الطّفيل على رأس عشر بعد المئة من الهجرة، لمئة/ من الوفاة، وهو أيضا آخر قرن التّبعيّة لتعذّرها حينئذ، وأوّله من الوفاة لتعذّر الصّحبة حينئذ. والله أعلم.
قال العلماء: وإنّما كانوا خير القرون بشهادة الله تعالى ورسوله ﷺ لهم بكلّ فضيلة؛ من الإخلاص والصّدق والتّقوى، والشّدّة في الدّين، والرّحمة على المؤمنين، ونصرة الله ورسوله، والجهاد في سبيله، وبذل النّفوس والأموال وبيعها من الله تعالى، وإيثارهم على أنفسهم، وكونهم خير أمّة أخرجت للنّاس، وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، والحائزين على الفوز والفلاح والبشارة بأعلى الجنان وجوار الرّحمن، إلى غير ذلك.
ومدح الله لا يتبدّل، ووعده لا يخلف ولا يتحوّل، إذ هو سبحانه المطّلع على عواقب الأمور، والعالم بخائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فلا يمدح جلّ وعلا إلّا من سبقت له منه الحسنى، وكان ممدوحا في الآخرة والأولى.
قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [سورة التّوبة ٩/ ١٠٠] .
وقال سبحانه: لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
[سورة التّوبة ٩/ ٨٨- ٨٩] .
وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
الحديث: لو أنفق أحدكم في سبيل الله مثل (أحد) ذهبا ما بلغ ثوابه ثواب نفقة أحدهم مدّا من طعام ولا نصيفه. قال: وسبب ذلك كون نفقتهم ﵃ في وقت الضّرورة وضيق الحال، وفي نصرته ﷺ ، وحماية دينه وإعزازه، وكذلك كان جهادهم وسائر طاعاتهم، وذلك معدوم فيمن بعدهم، مع أنّ فضيلة الصّحبة ولو بلحظة لا توازيها فضيلة، ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) «١» انتهى.
والمخاطب بقوله: «لا تسبّوا أصحابي» الأمّة، أو أنّه نزّل السّابّ منزلة من ليس من أصحابه، أو خصّ بالصّحبة السّابقين منهم، كما ورد في سبب الحديث أنّ خالد بن الوليد سبّ عبد الرّحمن بن عوف.
قال العلماء: وإذا ثبت ثناء الله ورسوله عليهم ﵃ بكلّ فضيلة، والشّهادة لهم بالمناقب الجليلة، فأيّ دين/ يبقى لمن نبذ كتاب الله وراء ظهره، فنسبهم إلى باطل، أيقول هذا الجاهل بأنّ الله- تعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا- لمّا وصفهم وأثنى عليهم كان جاهلا بما يؤول إليه حالهم، فتبدّل قوله الحقّ باطلا، والصّدق كذبا، أم كان عالما بذلك، ولكنّه خان رسوله بالثّناء على من ليس أهلا للثّناء، ورضي لرسوله المجتبى عنده بصحبة الفاسقين، ومصافاة المنافقين.
كلّا، والله لقد كانوا أحقّ بتلك الفضائل وأهلها. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [سورة الأحزاب ٣٣/ ٤٠] .
стр. 407
وكانوا كما وصفهم الله: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٣] .
اللهمّ إنّا نشهد أنّهم كما وصفتهم من أنّهم خير أمّة، ونثني عليهم بما أثنيت عليهم من الفضائل الجمّة، ونعتقد أنّهم قد قلّدوا رقاب الخاصّة والعامّة المنّة؛ لأنّهم الّذين جاهدوا في الله حقّ جهاده، حتّى قرّروا هذا الدّين، ثمّ حملوه إلى النّاس كما نقلوه، باذلين في ذلك غاية الجهد والنّصح، ونعتقد وجوب تعظيمهم واحترامهم ومحبّتهم، والكفّ عمّا شجر بينهم، وحسن الظّنّ بهم، والإعراض عمّا يورده الإخباريّون عنهم، ممّا لا يسلم من مثله بشر، إلّا من عصمه الله، وهم غير معصومين، وحمل ما صحّ عنهم من الهفوات الّتي هي قطرة كدرة في بحر صاف من محاسنهم على أحسن المحامل، وتأويله بما يليق بجلالة قدرهم، ولا يحرم ذلك إلّا من حرم التّوفيق.
اللهمّ فانفعنا بحبّهم، واعصمنا عن سبّهم، وأحينا على سنّتهم، وتوفّنا على ملّتهم، واحشرنا في زمرتهم، يا أرحم الرّاحمين.
وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيهم، [من البسيط] «١» :
ما زال يلقاهم في كلّ معترك ... حتّى حكوا بالقنا لحما على وضم «٢»
стр. 408
كأنّما الدّين ضيف حلّ ساحتهم ... بكلّ قرم إلى لحم العدا قرم «١»
يجرّ بحر خميس فوق سابحة ... يرمي بموج من الأبطال ملتطم «٢»
من كلّ منتدب لله محتسب ... يسطو بمستأصل للكفر مصطلم «٣»
/ حتّى غدت ملّة الإسلام وهي بهم ... من بعد غربتها موصولة الرّحم
مكفولة أبدا منهم بخير أب ... وخير بعل فلم تيتم ولم تئم «٤»
стр. 409
الخاتمة
في ذكر شيء من سيرته ﷺ في أحواله النفسيّة وأقواله القدسيّة
стр. 410
الباب الأوّل في أحواله النّفسيّة وفيه فصول سبعة:
في حسن خلقته ﷺ ، وحسن خلقه، ووفور عقله، وحسن عشرته، وسماحته، وشجاعته، وزهده.
стр. 411
فصل في حسن خلقته ﷺ
إعلم أنّ من نظر إلى خصال الكمال وجد نبيّنا ﷺ حائزا لجميعها، محيطا بشتاتها.
أمّا حسن خلقته ﷺ : فقد كان كما في الحديث الصّحيح أحسن النّاس وجها، وأكملهم صورة. وأحسنهم خلقا، حتّى كأنّ الشّمس تجري في وجهه، إذا ضحك تلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أجمل النّاس من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب.
يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
وكان له شعر يبلغ شحمة أذنيه، فإذا جاوزها قصّه.
وكان ﷺ نظيف الجسم، طيّب الطّيب والعرق طبعا، لا يشمّ عنبر ولا مسك أطيب من ريحه، يصافح المصافح فيظلّ يومه يجد ريح يده، سواء مسّها بطيب أم لا، ويضع يده على رأس الصّبيّ فيعرف من بين الصّبيان بريحه، ولا يمرّ في طريق فيتبعه أحد إلّا عرف أنّه سلكه من طيبه، لم يكن منه شيء يكره ﷺ .
فائدة [: في أشبه النّاس صورة بالنّبيّ ﷺ ]
أشبه النّاس صورة بالنّبيّ ﷺ من أولاده: فاطمة، وابناها الحسن والحسين ﵃، ومن أهل بيته أربعة: وهم: بنو أعمامه الثّلاثة: جعفر بن أبي طالب، وقثم بن العبّاس، وأبو سفيان المغيرة بن الحارث، والسّائب بن يزيد جدّ الإمام
стр. 412
الشّافعيّ ﵃.
وقد نظم- هؤلاء الأربعة مع الحسن بن عليّ- بعض الفضلاء فقال/، [من البسيط] :
بخمسة شبّه «١» المختار من مضر ... يا حسن ما خوّلوا من وجهه الحسن
كجعفر وابن عمّ المصطفى قثم ... وسائب وأبي سفيان والحسن «٢»
стр. 413
فصل في حسن خلقه ﷺ
وأمّا حسن خلقه ﷺ : فقد كانت فيه الأخلاق الحميدة، والآداب المجيدة، جميعها على الانتهاء في كمالها، والاعتدال في غايتها، حتّى أثنى الله عليه بذلك، فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [سورة القلم ٦٨/ ٤] .
وفي «الصّحيحين» : كان خلقه القرآن «١» - أي: مطبوعا على ما احتوى عليه من العدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، آخذا للعفو، آمرا بالعرف، معرضا عن الجاهلين- إلى غير ذلك.
وقال ﷺ : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» «٢» .
وكان ﷺ مجبولا عليها في أصل خلقته، مطبوعا عليها في أوّل فطرته؛ بالجود الإلهيّ، والتّخصيص الرّحمانيّ، ثمّ ازداد كمالا بترادف نفحات الكرم، وإشراق أنوار المعارف والحكم، وطلوع شمس النّبوّة والرّسالة، واتّساق بدر الخلّة والمحبّة، إلى ما لا يحيط به الوصف، ولا يدركه الوهم، ولا يعلمه إلّا مانحه ومسديه، ومعيد الفضل ومبديه.
стр. 414
فصل في وفور عقله ﷺ
وأمّا وفور عقله وذكاء لبّه ﷺ : فمن تأمّل حسن تدبيره ﷺ لأمور بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسته للخاصّة والعامّة، مع عجيب شمائله، وغريب سيره، فضلا عمّا نشره من العلم، وقرّره من الشّرع، وما علّمه الله من ملكوت سماواته وأرضه، وآيات قدرته، وأطلعه عليه ممّا كان وممّا سيكون، ومع ما خصّه الله به من جوامع كلمه، وبدائع حكمه، ومع التّأييد الإلهيّ والعصمة بالوحي السّماويّ، فإنّه يقتضي العجب، ويذهب به الفكر، ويعلم يقينا مصداق قوله تعالى تشريفا له وتكريما وتعظيما: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
[سورة النّساء ٤/ ١١٣] .
وعن وهب بن منبّه- رحمه الله تعالى- قال: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت فيها أنّ الله تعالى لم يعط جميع الأوّلين/ والآخرين من العقل في جنب عقل نبيّه محمّد ﷺ إلّا كحبّة رمل من رمال الدّنيا.
ولا شكّ أنّ العقل عنصر الأخلاق الشّريفة، ومنه ينبعث العلم والمعرفة، فبحسب عقله ﷺ كانت علومه ومعارفه، وهو ﵊ أحسن النّاس خلقا وعلما ومعرفة وعقلا، وذلك سجيّة فيه وطبعا
[وصف ما امتاز به النّبيّ ﷺ في خلقه وخلقه]
وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيها، [من البسيط] «١» :
стр. 415
فاق النّبيّين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلّهم من رسول الله ملتمس ... غرفا من البحر أو رشفا من الدّيم «١»
وواقفون لديه عند حدّهم ... من نقطة العلم أو من شكلة الحكم
فهو الّذي تمّ معناه وصورته ... ثمّ اصطفاه حبيبا بارئ النّسم «٢»
منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
стр. 416
فصل في حسن عشرته ﷺ
وأمّا حسن عشرته ﷺ ووفور شفقته ورحمته: فقد قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٢٨] .
وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ كان أوسع النّاس صدرا، وأكرمهم عشرة، وألينهم عريكة- أي: خبرة- «١»
قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحقّ سواء «٢» .
يؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ويتعهّد أصحابه، ويعطي كلّ جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، ومن جالسه صابره حتّى ينصرف، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها، أو بميسور من القول «٣» .
وما أخذ أحد بيده فأرسلها حتّى يرسلها الآخذ «٤» .
стр. 417
وكان يجيب من دعاه من حرّ أو عبد، أو غنيّ أو فقير، وما دعاه أحد إلّا قال: «لبّيك» «١» .
ويعود المرضى، ويقبل عذر المعتذر، ويقبل الهديّة ويكافئ عليها، ويمازح أصحابه. ولكن لا يقول إلّا حقّا، ويخالطهم ويحادثهم، ويضع أطفالهم في حجره/، ويداعب صبيانهم، ويدعوهم بأحبّ أسمائهم «٢» .
ويبدأ من لقيه بالسّلام والمصافحة، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى ينتهي «٣» .
وكان مجلسه مجلس حلم وحياء، وصدق وأمانة، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير.
стр. 418
فصل في سماحته وجوده ﷺ
وأمّا سماحته وجوده ﷺ : فمن المعلوم أنّه كان بالمحلّ الأكمل.
وفي «الصّحيح» ، أنّه ﷺ كان أجود النّاس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان «١» .
وأنّه كان إذا لقيه جبريل ﵇ أجود بالخير من الرّيح المرسلة «٢» .
وما سئل عن شيء قطّ فقال: «لا» «٣» .
وسبق أنّه أعطى رجلا من غير سؤال غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة «٤» .
وأنّه ﷺ قال: «لو كان عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا» «٥» .
стр. 419
وفي «الصّحيحين» ، أنّه ﷺ قال: «ما أحبّ أن يكون لي مثل (أحد) ذهبا، تمسي عليّ ثالثة وعندي منه شيء إلّا أن أقول به في عباد الله، هكذا وهكذا وهكذا» وحثا بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله «١» .
وأنّه ﷺ جاءه مال من (البحرين) - أي: نحو مئة ألف- فأمر بطرحه على نطع في المسجد، فصلّى العصر، ثم انصرف إليه، فما قام من مجلسه حتّى فرّقه عطاء «٢» .
стр. 420
فصل في شجاعته ﷺ
وأمّا شجاعته ﷺ : فقد كان في ذلك بالمكان الّذي لا يجهل «١» .
بذلك وصفه من عرفه، فقد حضر المواقف الصّعبة، وفرّ الكماة منه غير مرّة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يتزحزح، كما سبق في يوم (أحد) ، ويوم (حنين) «٢» .
وثبت عن عليّ ﵁ أنّه قال- وهو البطل المقدام واللّيث الضّرغام-: كنّا إذا حمي الوطيس، واشتدّ البأس، واحمرّت الحدق؛ اتقينا برسول الله ﷺ /، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، وكان أشجعنا من كان أقرب إليه «٣» .
وسبق قول العّباس ﵁ في يوم (حنين) : وأنا آخذ بلجام بغلته ﷺ ، أكفّها إرادة أن لا تسرع «٤» .
وقول البراء بن عازب ﵄: لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ، ولقد رأيته على بغلته البيضاء، وابن عمّه أبو سفيان آخذ بلجامها يكفّها وهو يقول:
«أنا النّبيّ لا كذب، ... أنا ابن عبد المطّلب»
فما رئي [من النّاس] يومئذ أشد منه ﷺ «٥» .
стр. 421
فصل في زهده ﷺ
وأمّا زهده ﷺ في الدّنيا، وإيثاره للعقبى: فحسبك ما اشتهر عنه من تقلّله منها، وإعراضه عن زهرتها، امتثالا لقول ربّه : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [سورة طه ٢٠/ ١٣١] .
وكان ﷺ كما اتّفق عليه نقلة الأخبار عنه- مقتصرا في نفقته وملبسه ومسكنه على قدر الضّرورة منها، ولقد عرضت عليه أن تجعل له بطحاء (مكّة) ذهبا، أو أن تكون الجبال ذهبا لا حساب عليه فيها، فاختار أن يكون نبيّا، عبدا، يجوع يوما، ويشبع يوما، ثمّ جيئت إليه الأموال من الغنائم والخمس والزّكوات والجزية والهديّة فصرفها في مصارفها، وقوّى المسلمين بها، وسدّ به فاقتهم، وأغنى به عيلتهم «١» ، ولم يستأثر منها بشيء دونهم.
وفي «الصّحيحين» : ما شبع نبيّ الله ﷺ وأهله من خبز برّ ثلاثة أيّام تباعا حتّى فارق الدّنيا. «٢» .
وإنّا كنّا لننظر إلى الهلال، ثمّ الهلال، ثمّ الهلال، ثلاثة أهلّة في شهرين، وما أوقد في أبيات النّبيّ ﷺ نار، [قال: يا خالة،
стр. 422
فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان] ما هو إلّا التّمر والماء «١» .
وأنّه ﷺ كان كثيرا ما يرى عاصبا بطنه من الجوع «٢» .
وأنّه ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهوديّ بثلاثين صاعا من شعير «٣» .
[وصف زهد النّبيّ ﷺ ]
وما أحسن قول/ صاحب البردة فيها، [من البسيط] «٤» :
ظلمت سنّة من أحيا الظّلام إلى ... أن اشتكت قدماه الضّرّ من ورم
وشدّ من سغب أحشاءه وطوى ... تحت الحجارة كشحا مترف الأدم «٥»
وراودته الجبال الشّمّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيّما شمم «٦»
وأكّدت زهده فيها ضرورته ... إنّ الضّرورة لا تعدو على العصم «٧»
وكيف تدعو إلى الدّنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدّنيا من العدم
стр. 423
الباب الثّاني في أقواله القدسيّة وفيه فصول عشرة:
في ذكره لربّه في سوابق الصّلاة، وفي الصّلاة، وفي لواحق الصّلاة، وفي المرض وتوابعه، وفي الصّيام، وفي السّفر، وفي الحجّ، وفي الجهاد، وفي المعاش، وفي المعاشرة.
стр. 424
فصل في سوابق الصّلاة
أمّا سوابق الصّلاة: ففي أذكاره ﷺ إذا استيقظ من نومه، وإذا لبس ثوبه، وإذا خرج من بيته، وفي قضاء الحاجة، وفي الطّهارة، وفي التّوجّه إلى المسجد، وعند سماع الأذان.
[دعاؤه ﷺ إذا أمسى وإذا أصبح]
فثبت عنه ﷺ أنّه كان إذا أوى إلى فراشه قال: «باسمك اللهمّ أحيا وأموت» . وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» ، رواه البخاريّ «١» .
وروى ابن السّنّيّ أنّه ﷺ قال: «ما من عبد يقول.. حين ردّ الله إليه روحه: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير؛ إلّا غفر الله ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر» «٢» .
وفي «سنن أبي داود» ، أنّه ﷺ كان إذا استيقظ من النّوم قال:
«لا إله إلّا أنت، سبحانك اللهمّ أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، ربّ زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة، إنّك أنت الوهّاب» «٣» .
стр. 425
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» ، أنّه ﷺ كان إذا قام من نومه نظر إلى السّماء، وقرأ الآيات العشر الخواتم/ من سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر السّورة «١» .
[دعاؤه ﷺ إذا لبس ثوبا جديدا]
وثبت عنه ﷺ أنّه قال: «من لبس ثوبا جديدا، فقال: الحمد لله الّذي كساني هذا الثّوب، ورزقنيه من غير حول منّي ولا قوّة، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه» ، رواه ابن السّنّيّ «٢» .
وأنّه ﷺ قال: «من لبس ثوبا جديدا، فقال: الحمد لله الّذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمّل به في حياتي، ثمّ عمد إلى الثّوب الّذي أخلق فتصدّق به، كان في حفظ الله، وفي كنف الله، وفي ستر الله حيّا وميّتا» ، رواه التّرمذيّ والحاكم، وقال: صحيح الإسناد «٣» .
وأنّه ﷺ رأى على عمر ﵁ ثوبا جديدا، فقال:
«البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا» ، رواه ابن ماجه وابن السّنّيّ «٤» .
[دعاؤه ﷺ إذا خرج من بيته]
وثبت عنه ﷺ أنّه كان إذا خرج من بيته، قال: «باسم الله،