السّريّة «١» . وقد صنّف العلماء- رحمهم الله تعالى- في سيرته ﷺ وفي عاداته وعباداته المختصر والمطوّل، وألّفوا فيها المجمل والمفصّل. فانتقيت من مجموع ما صنّفوه، واصطفيت من محصول ما ألّفوه؛ نبذة كافية شافية، لخّصتها ممّا صحّ من الأخبار، واشتهر بين علماء الحديث والآثار، ممّا أكثره في «الصّحيحين» ، أو في أحدهما، أو في غيرهما من الأصول المعتمدة- كالسّنن الأربعة، لأبي داود والتّرمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه، وكموطأ الإمام مالك، وكسيرة ابن هشام، وشفاء القاضي عياض- رحمة الله عليهم أجمعين.
فوقع بحمد الله تعالى كتابا عظيم الوقع، جمّ الفوائد، كثير النّفع، صغير الحجم، كثير العلم، مشتملا على ما يزيد في الإيمان من الكلم الطّيّب العذب، ويحيي القلب إحياء المطر الصّيّب «٢» للبلد الجدب «٣» .
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ/ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة هود ١١/ ١٢٠] .
مفتتحا بخطبتين، منقسما إلى قسمين، مشتملا على سيرتين، مشمولا إلى حضرتين.
فقسم في المبادىء والسّوابق، وقسم في المقاصد واللّواحق.
أمّا قسم المبادىء والسّوابق: فافتتحته بخطبة في التّعريف بمولده الشّريف، وقدره العليّ المنيف- وإن كان غنيّا عن التّعريف-
стр. 37
ينبغي أن يخطب بها في شهر مولده ﷺ في الجمع على المنابر، ويطرّز بقراءتها المحافل الشّريفة والمحاضر.
ثمّ أتبعتها بثمانية أبواب، كلّ باب منها باب من أبواب الجنّة، ووقاية من النّار لمن ألقى إليه السّمع وجنّة.
الباب الأوّل: في سرد مضمون الكتاب، ليتذكّر به أولوا الألباب، من لدن مولده ﷺ إلى وفاته.
الباب الثّاني: في شرف بلدي مولده ونشأته ووفاته وهجرته، وشرف قومه ونسبه، وماثر آبائه ﷺ وحسبه.
الباب الثّالث: في ذكر من بشّر به ﷺ قبل ظهوره، وما أسفر قبل بزوغ شمس نبوّته من صبح نوره ﷺ .
الباب الرّابع: في سيرته ﷺ من حين ولادته إلى بعثته، من تنقّله في أطواره- كرضاعه وشقّ صدره- وبعض أسفاره.
الباب الخامس: في نسخ دينه ﷺ لكلّ دين، وعموم رسالته إلى النّاس أجمعين، وتفضيله على جميع الأنبياء والمرسلين، صلّى الله وسلّم عليه وعليهم أجمعين.
الباب السّادس: في بعض ما اشتهر من معجزاته، وظهر من دلالات صدقه ﷺ وآياته.
الباب السّابع: في بعض سيرته ﷺ ؛ ممّا لاقاه من حين بعثه الله إلى أن هاجر إلى الله تعالى.
الباب الثّامن: في بعض ما اشتمل عليه حديث الإسراء من العجائب، وانطوى عليه من الأسرار والغرائب، ممّا أكرمه الله به ﷺ .
وأمّا قسم المقاصد واللّواحق: فافتتحته أيضا بخطبة في الحثّ
стр. 38
على الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال، وإيراد بعض الآيات والأحاديث الدّالّة على أنّه من أفضل/ الأعمال، ليخطب بها حيث تدعو الحاجة إليها، لتحريض المجاهدين، وتذكيرهم برفع درجاتهم يوم الدّين وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [سورة الذّاريات ٥١/ ٥٥] .
ثمّ أتبعتها بذكر ما اشتهر من سيرته ﷺ من هجرته إلى وفاته- ومن تشريع أحكام دينه وغزواته، وما في أثناء ذلك من علامات نبوّته ومعجزاته، وأسباب نزول سور من القرآن وآياته، مرتّبا لها على سنيّ هجرته ﷺ العشر، ناشرا لما انطوى من مسكها الطّيّب النّشر.
ثمّ ذيّلت ذلك بفصول في وجوب نصب الإمام، وأنّ الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ ﵃ أجمعين، ومدّة خلافة الخلفاء الأربعة، وذكر شيء من فضائل الصّحابة ﵃ أجمعين؛ الّذين جاهدوا في الله حقّ جهاده، وخلفائه الأربعة، الموضّحين سبل رشاده، مع ذكر ترتيبهم في الفضل، والرّدّ على من قدح في أحد منهم بالقول الفصل.
ثمّ ختمت الكتاب بشيء من سيرته ﷺ في أحواله النّفيسة النّفسيّة، وأقواله المقدّسة القدسيّة، إذ لا ينطق ﷺ عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [سورة النّجم ٥٣/ ٤] .
أمّا أحواله النّفسيّة: ففي حسن خلقه وخلقه، ووفور عقله، وحسن عشرته، وسماحته، وشجاعته، وزهده ﷺ .
وأمّا أقواله القدسيّة: ففي ذكره لربّه في سوابق صلاته، ولواحقها، وفيها، وفي صيامه، وحجّه، وجهاده، وسفره، ومعاشه، ومعاشرته، ومرضه، وعند موته ﷺ .
ناقلا ذلك عن كتب الحديث المعتمدة، ليكون كتابا جامعا
стр. 39
للحضرتين، شافعا للجامع بين السّيرتين، كالملك المظفّر واللّيث الغضنفر: السّلطان أحمد بن السّلطان محمود شاه «١» ، زاده الله ممّا آتاه من الملك والحكمة، وعلّمه ممّا يشاء، وأوزعه «٢» أن يشكر نعمته الّتي أنعم عليه، وعلى والديه، وأن يعمل صالحا يرضاه، وأصلح له في ذرّيّته، وأدخله برحمته في عباده الصّالحين، وإيّانا والمسلمين، إنّه جواد كريم/ [قال: من الطّويل] :
فأحمد أسمى من بنى اسما وكنية ... وفعلا ووصفا ملكه من أساسه
شهاب فخذ من علمه واقتباسه ... سنا النّور واخش النّار في وقت باسه
وعن بيضه أو سمره أو قياسه ... سل الخصم عن برهانه أو قياسه
فتلك رجوم، قد أعدّت لبأسه ... نجوم هدى في زيّه ولباسه «٣»
فلا زال محمودا حميدا مظفّرا ... شهابا على أعدائه كأناسه «٤»
ينكّس جالوت الصّليب صلابه ... بتأييد داود على أمّ راسه «٥»
стр. 40
ويحظى بما آتاه ملكا وحكمة ... بأجناده أم نفسه أم مراسه «١»
فوسمت باسمه هذا الكتاب الكريم، ورسمته برسمه، وو إنّه بسم الله الرّحمن الرّحيم، فسمّيته: (تبصرة الحضرة الأحمديّة الشّاهيّة بسيرة الحضرة الأحمديّة النّبويّة) ؛ متوسّلا إلى الله تعالى بصاحب الحضرة النّبويّة خير الأنام عليه أفضل الصّلاة والسّلام؛ أن يمهّد بصاحب الحضرة الشّاهيّة قواعد الإسلام، وأن يعمر ويغمر بوجوده وجوده البلاد والعباد، وأن يلحق الحضرة بالحضرة، ويحشر الزّمرة في الزّمرة، فالمرء مع من أحبّ «٢» ، ومن تشبّه بقوم فهو منهم «٣» ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [سورة المائدة ٥/ ٥٦] .
стр. 41
القسم الأوّل قسم المبادى والسّوابق
стр. 42
خطبة في التّعريف بمولده الشّريف، وقدره العليّ المنيف
الحمد لله بارئ أمشاج النّسم «١» ، وفاتق رتاج الكمم «٢» ، ومولج الأنوار في الظّلم، ومخرج الموجودات من العدم، خلق من صلصال «٣» كالفخّار آدم، ونجّى نوحا في السفينة من الغرق الّذي عمّ، وقال للنّار: كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [سورة الأنبياء ٢١/ ٦٩] وهي تضطرم، وسلّم موسى من سطوة فرعون ونجّاه من اليمّ، وأنطق عيسى في المهد ببراءة مريم، وختم الأنبياء بمحمّد صلّى الله عليه وعليهم أجمعين وسلّم، وجعله سيّد ولد آدم، وأمّته خير الأمم.
أحمده على ما رزق وأنعم، وأفوّض أمري إليه تعالى فيما قضى وأبرم.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة من آمن به وأسلم. وأشهد أنّ محمّدا عبده المصطفى المكرّم، ورسوله
стр. 43
المجتبى المعظّم؛ أرسله/ إلى كافّة العرب والعجم، واختصّه بأحسن الأخلاق والشّيم.
اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آله أهل الفضل والكرم، وأصحابه الموفّين بالعهود والذّمم.
أمّا بعد: فحقيق بيوم كان فيه وجود المصطفى ﷺ أن يتّخذ عيدا، وخليق بوقت أسفرت فيه غرّته أن يعقد طالعا سعيدا، فاتّقوا الله عباد الله، واحذروا عواقب الذّنوب، وتقرّبوا إلى الله تعالى بتعظيم شأن هذا النّبيّ المحبوب، واعرفوا حرمته عند علّام الغيوب، ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [سورة الحج ٢٢/ ٣٢] .
واعلموا أنّه ما أكرم أيّام مولده الشّريفة عند من عرف قدرها! وما أعظم بركتها عند من لاحظ سرّها!.
ففي شهر ربيع الأوّل انبثقت عن جوهرة الكون بيضة الشّرف.
وفي يوم الاثنين منه ظهرت الدّرّة المصونة من باطن الصّدف.
وفي ثاني عشره أبرز سابق السّعد من كمون «١» العدم، وب (مكّة) المشرّفة أنجز صادق الوعد بمضمون الكرم. حملت به أمّه في شهر رجب الأصمّ، ومات أبوه وحمله ما استتمّ، ثمّ أدّت ما حملته من الأمانة آمنة، وكانت ممّا تشكوه الحوامل آمنة.
فحينئذ أسفر «٢» صبح السّعادة وبدا، وبشّرت طلائعه بطلوع
стр. 44
شمس الهدى، وطوّق جيد الوجود بعقود الإفضال، ودارت أفلاك السّعود بقطب دائرة الكمال، فوضعته ﷺ واضعا يديه على الأرض، رافعا رأسه إلى السّماء، مقطوع السّرّة، مختونا، منزّها عن قذر النّفاس، مكرّما.
فأضاءت له قصور (بصرى) من أرض الشّام. وخمدت نار الفرس الّتي يعبدونها، ولم تخمد منذ ألف عام. وانشقّ لهيبته حين ولد إيوان كسرى. وتواصلت من الرّهبان والكهّان هواتف البشرى، وأشرقت مطالع الأنوار بميمون وفادته، وتعبّقت أرجاء الأقطار بطيب ولادته، وخرّت الأصنام على وجوهها إذعانا لسيادته.
فأرضعته ثويبة- مولاة عمّه- أيّاما، ثمّ تولّته حليمة السّعديّة رضاعا وفطاما، فشملتها/ البركات بحضانته، ولم تزل تتعرّف منه الخيرات في مدّته، فدرّ ثديها عليه بعد أن كان عاطلا، وجادت شارفها «١» باللّبن بعد أن كانت لا تروي ناهلا «٢» ، وأسرعت أتانها «٣» في السّير وقد كانت ثاقلا، وأخصبت بلادها وكانت قبل ذلك ماحلا.
ثمّ فصلته بعد أن تمّ له الحولان، وكان يشبّ شبابا «٤» لا يشبّه الغلمان، وظهرت لها في صغره مخائل «٥» نبوّته، وأخذه الملكان من بين الصّبيان، فشقّا من تحت صدره إلى سرّته، فاستخرجا منه علقة سوداء، وقالا: هذا حظّ الشّيطان، وغسلاه بماء الكوثر، ثمّ ختماه بالحكمة والإيمان.
стр. 45
قلت: المشهور في الأحاديث الصّحيحة أنّهما غسّلاه بماء زمزم. فلذلك جزم البلقينيّ وغيره من المتأخّرين أنّ ماء زمزم أفضل من الكوثر.
ثمّ ماتت لسنّ تمييزه أمّه، وكفله جدّه، ثمّ عمّه، ولم يزل ﷺ ينشأ وعين العناية ترعاه وتحفظه ممّا يحذره ويخشاه، ومنحه الله تعالى منذ نشأ كلّ خلق جميل، وأحلّه من القلوب بالمحلّ الجليل، وعرف من بين أقرانه بالعفّة والصّيانة، وتميّز عند أهل زمانه بالصّدق والأمانة.
ولمّا أخذت مطالع بعثته في أفق سموّها، وآن لشمس نبوّته أن تطلع من علوّها؛ حبّبت إليه الخلوة للأنس بربّه. فكان يخلو في (حراء) ويتنعّم بقربه، وكانت تظهر له الأضواء والأنوار، وتسلّم عليه بالرّسالة الأحجار والأشجار.
ثمّ كان وحيه مناما، وتعليمه إلهاما، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ولا ينوي أمرا إلّا ظفر بالفوز والنّجح.
فلمّا بلغ الأربعين؛ جاءه جبريل الأمين من ربّه ذي الجلالة، بمنشور «١» النّبوّة والرّسالة، فأقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [سورة العلق ٩٦/ ١- ٥] .
فمكث ﷺ ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة، يدعوهم إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، فامن به من سبقت له السّعادة في دار البقاء، وكذّب به من كتب عليه في الأزل الشّقاء.
стр. 46
ولعشر سنين من مبعثه الكريم؛ خصّه الله بالإسراء العظيم، فسار وجبريل مصاحب له إلى أعلى السّماوات العلى، وجاوز سدرة المنتهى، وشرف بالمناجاة في المقام/ الأسنى، ونال من القرب ما ترجم عنه: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [سورة النّجم ٥٣/ ٩] .
ثمّ هاجر إلى دار هجرته، ومأوى أنصاره وأسرته، فسلّ سيف الحقّ من غمده، وجاهد في سبيل الله غاية جهده، حتّى فتح الله له أقفال البلاد، ومكّنه من نواصي العباد «١» ، وأظهر دينه على الدّين كلّه.
ثمّ توفّاه عند حضور أجله، إلى ما أعدّ الله له في جنّات النّعيم، من الكرامة والفوز العظيم.
فسبحان من حباه بأنواع الإكرام، وأرسله رحمة لجميع الأنام، وجعله سيّد ولد آدم ومعوّلهم، وخاتم النّبيّين وأوّلهم، ونسخ بشرعه الشّرائع، وملأ بذكره المسامع، وشرّف برسالته المنائر «٢» والمنابر، وقرن ذكره بذكره في لسان كلّ ذاكر، وذلّل كلّ صعب لطلّابه، وأمدّه بملائكته الكرام تجاهد في ركابه.
نسأل الله تعالى الّذي أكرمنا بظهوره، وأخرجنا من ظلمات الكفر بنوره: أن يجعلنا وإيّاكم ممّن شملته برحمته العناية، ولا حظته في جميع أحواله عين الرّعاية. وأن يشرّفنا في هذه الدّنيا بطاعته، واتّباع سنّته، واغتنام زيارته، ويحشرنا يوم القيامة في شفاعته وزمرته.
стр. 47
اللهمّ إنّا نتوجّه إليك، ونتشفّع إليك بحقّه عليك، فهو أوجه الشّفعاء لديك، وأكرم الخلق عليك: أن لا تدع لنا ذنبا إلّا غفرته، ولا همّا إلّا فرّجته، ولا ضرّا إلّا كشفته، ولا عدوّا إلّا كفيته، ولا شرّا إلّا صرفته، ولا خيرا إلّا يسّرته، ولا واليا إلّا أصلحته، ولا مجاهدا في سبيلك إلّا نصرته، ولا طالبا للخير إلّا أعنته، ولا حاجة هي لك رضى إلّا قضيتها. يا أرحم الرّاحمين.
стр. 48
الباب الأوّل في سرد مضمون هذا الكتاب
ليتذكّر به أولوا الألباب من ذكر مولده ﷺ إلى وفاته، وما بينهما من معجزاته وغزواته، بحيث لو اقتصر عليه مقتصر لأغناه عمّا فصّلناه في سائر الكتاب وفرطناه.
قال علماء السّير: ولد نبيّنا محمّد ﷺ في ربيع الأوّل، / يوم الاثنين- بلا خلاف-، لثنتي عشرة ليلة خلت منه على الأشهر «١» ، وأرضعته حليمة السّعديّة، وفصلته لحولين كاملين، وقدمت به (مكّة) ، ثمّ رجعت به إلى بلد (بني سعد) لحرصها عليه، وشقّ صدره ﷺ في العام الخامس وهو عندهم.
ثمّ قدمت به بعده لمّا تخوّفت عليه، وكانت مدّة إقامته عندهم نحو خمسة أعوام.
وفي السّنة السّادسة من مولده ﷺ : خرجت به أمّه معها إلى (المدينة) ، فأقامت به شهرا، ثمّ رجعت به فماتت ب (الأبواء) «٢»
стр. 49
- بموحّدة- بين (مكّة والمدينة) .
وفي السّنة السّابعة: وفد جدّه عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن الحميريّ، فأخبره سيف والكهّان بنبوّة محمّد ﷺ .
وفي السّنة الثّامنة: توفّي جدّه عبد المطّلب، وكفله عمّه أبو طالب.
وفي الثّالثة عشرة: خرج به عمّه أبو طالب إلى (الشّام) ، فلمّا بلغوا (بصرى) ، رآه بحيرا الرّاهب- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- فتحقّق فيه صفات النّبوّة، فأمر عمّه بردّه، فرجع به.
وفي الرّابعة عشرة: كانت حرب الفجار- بكسر الفاء- بين قريش وهوازن، وكانت الدّائرة لهوازن على قريش، فشهدها النّبيّ ﷺ مع قومه يوما، فانقلبت الدّائرة لقريش على هوازن.
ثمّ عقدت قريش حلف الفضول لنصرة المظلوم، فشهده مع قومه.
وفي الخامسة والعشرين: خرج ﷺ مع ميسرة- غلام خديجة ﵂ في تجارة لها، فرآه نسطور- بفتح النّون- الرّاهب، فقال: (أشهد أنّ هذا نبيّ، وأنّه آخر الأنبياء) . فلمّا رجعا أخبرها ميسرة بذلك، وبما شاهد منه ﷺ ، فخطبته إلى نفسها، فنكحها.
وفي الخامسة والثّلاثين: بنت قريش الكعبة، ووضع ﷺ الحجر الأسود في مكانه.
وفي الثّامنة والثّلاثين: حبّب الله إليه الخلوة، فكان يخلو بغار (حراء) ، ثمّ كان يرى الأنوار، ويسمع الهواتف، ثمّ كان تسلّم عليه الأحجار/ والأشجار.
وقبل مبعثه ﷺ بستّة أشهر كان وحيه مناما، وكان لا يرى رؤيا
стр. 50
إلّا جاءت مثل فلق الصّبح- أي: الصّبح المفلوق «١» -.
ولمّا بلغ ﷺ أربعين سنة: جاءه جبريل ﵇ بالوحي من ربّه بسورة: اقرأ، ثمّ [القلم، ثمّ] المدّثّر، ثمّ المزّمّل، فكان في أوّل أمره يدعو النّاس إلى الله سرّا حتّى أنزل الله عليه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [سورة الحجر ١٥/ ٩٤]- أي: شقّ جموعهم بالتّوحيد- فأظهر الدّعوة.
وفي السّنة الخامسة من مبعثه ﷺ : هاجر جماعة من الصّحابة، منهم: عثمان والزّبير وعبد الرّحمن وجعفر ﵃ ومن معهم إلى (الحبشة) ، فأقاموا بها عشر سنين.
وفي السّنة السّادسة من مبعثه ﷺ : أسلم حمزة وعمر ﵄، فعزّ بإسلامهما الإسلام.
وفي السّنة السّابعة لمستهلّ المحرّم منها: تعاهدت قريش على قطيعة بني هاشم، إلّا أن يسلموا إليهم النّبيّ ﷺ ويبرؤوا منه، وكتبوا بذلك بينهم صحيفة، وعلّقوها في الكعبة.
فاعتزل بنو هاشم بن عبد مناف، وتبعهم إخوانهم بنو المطّلب بن عبد مناف مع أبي طالب إلى شعب أبي طالب، فأقاموا به نحو ثلاث سنين، إلى أن سعى المطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، وزمعة بن الأسود بن [المطّلب بن] أسد في نقض الصّحيفة، فخرج بنو هاشم وبنو المطّلب من الشّعب في أواخر السّنة التّاسعة.
وفي السّنة العاشرة: مات أبو طالب، ثمّ ماتت بعده خديجة ﵂ بثلاثة أيّام، فحزن ﷺ لموتهما حزنا شديدا، ونالت
стр. 51
قريش منه ﷺ ما لم تكن تناله في حياة عمّه أبي طالب.
فخرج النّبيّ ﷺ إلى (الطّائف) ، وأقام بها شهرا يدعو ثقيفا إلى الله تعالى، فردّوا عليه قوله، وأغروا «١» به عند انصرافه سفهاءهم، فرجع إلى (مكّة) فلم يدخلها إلّا بجوار المطعم بن عديّ.
وفي السّنة الحادية عشرة/: اجتهد ﷺ في عرض نفسه على القبائل في الموسم، فامن به ستّة من رؤساء الأنصار، ورجعوا إلى (المدينة) ، ففشا فيها الإسلام.
وفي السّنة الثّانية عشرة- في رجب منها أو رمضان-: أسرى به مولاه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثمّ إلى سدرة المنتهى. وفي تلك اللّيلة فرض الله عليه وعلى أمّته الخمس صلوات.
وفي آخر تلك السّنة في الموسم: وافاه اثنا عشر رجلا من الأنصار ب (العقبة) ليلا، فبايعوه بيعة النّساء المذكورة في قوله تعالى: عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ الآية [سورة الممتحنة ٦٠/ ١٢] ، وبعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن، فأسلم على يديه السّعدان: سعد بن معاذ سيّد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، فأسلم لإسلامهما كثير من قومهما.
وفي السّنة الثّالثة عشرة- في آخرها في الموسم-: وافاه سبعون رجلا من مسلمي الأنصار فبايعوه عند (العقبة) أيضا، على أن يمنعوه إن هاجر إليهم ممّا يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأخرجوا له اثني عشر نقيبا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، ثمّ رجعوا إلى (المدينة) .
فأمر النّبيّ ﷺ حينئذ أصحابه بالهجرة إلى (المدينة) ، فهاجروا
стр. 52
إليها، وأقام ﷺ ينتظر الإذن من ربّه تعالى في الهجرة، وحبس معه عليّا وأبا بكر ﵄.
فاجتمعت قريش في دار النّدوة للمشاورة في أمر النّبيّ ﷺ ، فأجمعوا على قتله، فنزل جبريل ﵊ بالوحي من عند الله تعالى، فأخبره بذلك، وأمره بالهجرة إلى (المدينة) ، فهاجر إليها. وذلك في أواخر صفر من السّنة المذكورة- الرّابعة عشرة- لتمام ثلاث عشرة من مبعثه ﷺ .
ودخل ﷺ من عوالي (المدينة) ، يوم الاثنين، الثّاني عشر من ربيع الأوّل، فلبث في (قباء) عند بني عمرو بن عوف أربع عشرة/ ليلة، وبنى فيها مسجد (قباء) ، ثمّ انتقل فنزل في بني النّجار، أخوال جدّه عبد المطّلب؛ في منزل أبي أيّوب الأنصاريّ شهرا، إلى أن بنى مسجده الشّريف ومساكنه.
وفي تلك السّنة، وهي الأولى من سنيّ الهجرة: شرع الأذان.
وفي أوّل السّنة الثّانية أو آخر الأولى؛ نزل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآيات [سورة الصّف ٦١/ ١٠- ١١] ؛ فأمر بالجهاد.
وفي السّنة الثّانية في رجب، نزل قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [سورة البقرة ٢/ ١٤٤] ؛ فحوّلت القبلة إلى الكعبة، بعد أن صلّى إلى بيت المقدس نحو ستّة عشر شهرا.
وفي شعبان منها-[أي: السّنة الثّانية]-: نزل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٨٣] ؛ ففرض صوم رمضان، وفرض فيه ﷺ صدقة الفطر.
стр. 53
وفيها أيضا-[أي: السّنة الثّانية]- في يوم الجمعة السّابع عشر من رمضان: كانت وقعة (بدر) الكبرى، وهي يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، ونزلت سورة الأنفال في قسمة غنائمها.
وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- بعد (بدر) : أمر النّبيّ ﷺ بقتل كعب ابن الأشرف الطّائيّ وأمّه من بني النّضير، وهو في حصن من (يثرب) ، فقتله خمسة من الأوس، عليهم محمّد بن مسلمة- بفتح الميم واللّام-.
ثمّ أمر [ ﷺ ] بقتل أبي رافع بن أبي الحقيق، وهو في حصن ب (خيبر) ، فقتله سبعة من الخزرج، عليهم عبد الله بن عتيك- بتقديم الفوقيّة على التّحتيّة، كعظيم-.
وفيها-[أي: السّنة الثّانية]-: نقضت يهود (المدينة) - بنو قينقاع رهط عبد الله بن سلام الحبر الإسرائيليّ- العهد، فحاصرهم النّبيّ ﷺ حتّى نزلوا على حكمه، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبيّ ابن سلول «١» ، وكانوا حلفاءه، فوهبهم له.
وفي السّنة الثّالثة، في شوّال، في اليوم الخامس عشر منه: كانت وقعة (أحد) ، فأكرم الله تعالى فيها من أكرم بالشّهادة؛ ومنهم: حمزة ﵁، ونزل قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ/ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ إلى آخر السّورة [سورة آل عمران ٣/ ١٢١] .
وفيها-[أي: السّنة الثّالثة]- بعد (أحد) : بعث النّبيّ ﷺ عاصم بن ثابت في عشرة عينا «٢» ، فلمّا كانوا في بعض الطّريق
стр. 54
ب (الرّجيع) وهو ماء لهذيل بين (عسفان ومرّ الظّهران) «١» ظفر بهم بنو لحيان بعد أن أعطوهم العهد بالأمان، فقتلوا منهم ستّة، وهرب اثنان، وأسروا اثنين، وهما: خبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنّة، فباعوهما ب (مكّة) لقريش، فاشتروهما وقتلوهما.
وفيها أيضا-[أي: السنة الثّالثة]- بعد (أحد) «٢» : بعث النّبيّ ﷺ مع عامر بن مالك العامريّ ملاعب الأسنّة «٣» سبعين رجلا، وهم القرّاء بجواره، فقتلهم قبائل سليم: عصيّة ورعل وذكوان، وأخفروا «٤» جوار عامر بن مالك، فقنت النّبيّ ﷺ يدعو
стр. 55
عليهم وعلى بني لحيان.
وكانوا أطلقوا عمرو بن أميّة الضّمريّ، فلمّا رجع وجد اثنين من بني عامر فقتلهما ومعهما جوار من النّبيّ ﷺ لم يعلم به، فوداهما «١» النّبيّ ﷺ .
وفيها أو في الرّابعة «٢» : قصد النّبيّ ﷺ بني النّضير ليستعينهم في دية الرّجلين اللّذين قتلهما عمرو بن أميّة الضّمريّ، فاستند إلى جدار حصن لهم، فهمّوا بطرح حجر عليه، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك، فقام موهما لهم أنّه غير ذاهب، ثمّ صبّحهم ﷺ بالجيش فجلاهم «٣» إلى (الشّام) .
وفيهم نزلت سورة الحشر: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [سورة الحشر ٥٩/ ٢] إلى آخرها، فجلوا إلى (الشّام) ، إلّا حييّ بن أخطب فلحق ب (خيبر) .
وفي السّنة الرّابعة: خرج النّبيّ ﷺ بأصحابه في شهر رمضان «٤» في موعد [مع] أبي سفيان له يوم (أحد) إلى (بدر) ، فلم يأته أبو سفيان وقومه، فرجع النّبيّ ﷺ .
وفيها-[أي: السّنة الرّابعة]-: كانت غزوة ذات الرّقاع، فخرج ﷺ إلى (نجد) يريد غطفان، فالتقى بهم ولم يكن قتال، فنزلت:
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآيات [سورة النّساء ٤/ ١٠٢] .
стр. 56
فصلّوا صلاة الخوف.
ولمّا قفل ﷺ منها- أي: رجع- نام تحت/ شجرة وقت القيلولة، وتفرّق عنه النّاس، وعلّق سيفه بالشّجرة، فهمّ غورث بن الحارث بقتله به، فعصمه الله منه، ونزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [سورة المائدة ٥/ ١١] ، في ذلك أو في قصّة بني النّضير «١» .
وفي السّنة الرّابعة «٢» : بلغه أنّ بني المصطلق من خزاعة أجمعوا لحربه، فخرج ﷺ إليهم حتّى لقيهم ب: (المريسيع) «٣» - مصغّرا بمهملات- وهو ماء لهم من ناحية (قديد) «٤» - مصغّرا بقاف ومهملة مكرّرة- وهو مكان بين (مكّة والمدينة) ، فهزمهم، وسبى أموالهم وذراريّهم، واصطفى منهم أمّ المؤمنين جويريّة بنت الحارث المصطلقيّة ﵂.
ولمّا قفل ﷺ منها ازدحم المهاجرون والأنصار على ماء.
وكان من أمر عبد الله بن أبيّ ابن سلول ما كان من قوله: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [سورة المنافقون ٦٣/ ٨] ،
стр. 57
فنجم نفاقه- أي: ظهر- ونزلت فيه سورة (المنافقون) .
ولمّا دنا ﷺ من (المدينة) تخلّفت عائشة ﵂ عن الجيش ليلا في قضاء حاجة لها، فرحلوا هودجها ولم يشعروا بها، فقال فيها أهل الإفك ما قالوا، ونزلت عشر الآيات من سورة النّور:
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [سورة النّور ٢٤/ ١١] .
وفيها-[أي: السّنة الخامسة]-: كانت وقعة الخندق- وهي الأحزاب أيضا- في شوّال سنة [خمس] «١» بعد غزوة (بدر) الصّغرى، وكان المشركون فيها أحد عشر ألفا، واشتدّ الحصار على أهل (المدينة) ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٠] كما حكى الله عنهم، وكانت مدّة الحصار نحو شهر، ثمّ كشف الله عنهم بما ذكره في قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [سورة الأحزاب ٣٣/ ٩] ، ونزلت سورة الأحزاب.
ووقع في أيّام (الخندق) ما وقع من معجزاته ﷺ الباهرة، كحديث الكدية «٢» - بضمّ الكاف- الّتي اعترضت، فهدّها النّبيّ ﷺ بالمعول.
وحديث جابر حيث دعا النّبيّ ﷺ خامس خمسة/ إلى عناق «٣» وصاع من شعير، فأشبع من ذلك جيش الخندق كلّه؛ وهم ألف فأكثر.
وحديث أبي طلحة حيث بعث أنسا بأقراص تحت إبطه فأشبع منها ﷺ ثمانين رجلا جياعا.
стр. 58
وكانت بنو قريظة معاهدين له ﷺ فنقضت العهد في مدّة الحصار، وأعانوا المشركين.
فلمّا هزم الله الأحزاب وانقضى الحصار، جاء جبريل ﵊ إلى النّبيّ ﷺ وقت القيلولة «١» ، فأمره بالخروج إليهم، فخرج ﷺ فحاصرهم.
فأرسلوا إلى أبي لبابة ﵁ يستشيرونه، فكان من أمره ﵁ ما كان، فلمّا اشتدّ بهم الحصار نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، وكانوا حلفاءه، وكان قد أصيب بسهم يوم (الخندق) ، فحكم فيهم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريّهم وقسمة أموالهم، فقال ﷺ : «لقد وافقت حكم الله تعالى» «٢» ثم مات ﵁، فاهتزّ العرش لموته ﵁ فرحا بقدوم روحه.
وفي السّنة الخامسة: زوّجه الله تعالى زينب بنت جحش أمّ المؤمنين ﵂، كما نطق به القرآن: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ الآيات [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] .
وفيها: -[أي: السّنة السّادسة]- خرج ﷺ معتمرا في ذي القعدة، فصدّته قريش عن البيت، فوقعت بيعة الرّضوان. ثمّ صلح الحديبية عشر سنين، وفيه:
أنّه لا يأتيه أحد مسلما إلّا ردّه إليهم.
стр. 59
وأنّ بني بكر في صلحهم، وخزاعة في صلحه ﷺ .
وألّا يدخل (مكّة) إلّا من عام قابل.
فنحر هديه وحلق ورجع ﷺ ، ونزلت سورة الفتح: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الآيات [سورة الفتح ٤٨/ ١٨] .
وفيها-[أي: السّنة السّادسة]-: انفلت أبو بصير- بموحّدة ومهملة، كعظيم- إلى (المدينة) مسلما، فردّه النّبيّ ﷺ فقتل واحدا من الرّجلين اللّذين رجعا به، وانفلت، فلحق بسيف البحر «١» ، فانفلت إليه أبو جندل- بجيم ونون- ابن سهيل بن عمرو ورجال من المسلمين/ المستضعفين ب (مكّة) ، فاجتمعت منهم عصابة، فقطعوا سبيل قريش إلى (الشّام) ، حتّى سألت قريش من النّبيّ ﷺ أن يضمّهم إليه، ومن جاءه فهو آمن، فضمّهم إليه.
وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- أسلم جماعة من رؤساء قريش منهم: عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄، بعد أن أسلم عمرو ب (الحبشة) على يد النّجاشيّ «٢» .
وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- أرسل النّبيّ ﷺ رسله بكتبه إلى ملوك الأقاليم.
стр. 60
ومنهم: عبد الله بن حذافة السّهميّ، بعثه بكتابه إلى كسرى فمزّقه، فدعا عليهم أن يمزّقوا كلّ ممزّق «١» .
ومنهم: دحية بن خليفة الكلبيّ ﵁، بعثه بكتابه إلى قيصر [ملك الرّوم] ، فوجد عنده أبا سفيان، فاستدعاه قيصر، فسأله عن صفات النّبيّ ﷺ وشرائع دينه، فأخبره أبو سفيان بها، فاعترف قيصر بنبوّته ﷺ ، ولم يوفّق للإسلام، لعدم مساعدة جنوده له مع شقاوته، فوقع الإسلام من يومئذ في قلب أبي سفيان.
وفي السّنة السّادسة «٢» في المحرّم منها: افتتح النّبيّ ﷺ (خيبر) بعد أن حاصرهم سبع عشرة ليلة، ثمّ قسم أموالهم نصفين، نصفا لنوائبه «٣» ونصفا بين المسلمين «٤» .
وقدم عليه جعفر فيمن بقي من مهاجرة (الحبشة) ﵃، فأسهم لهم.
وأهدت إليه اليهوديّة «٥» الشّاة المصليّة- أي: المشويّة- المسمومة، فأخبره الذّراع بذلك.
واصطفى ﷺ من سبايا (خيبر) أمّ المؤمنين صفيّة بنت حييّ
стр. 61
الإسرائيليّة الهارونيّة ﵂.
وفي ذي القعدة منها-[أي: السّنة السّابعة]-: اعتمر ﷺ عمرة القضاء، وأقام ب (مكّة) ثلاثا، ثمّ رجع فدخل ﷺ بميمونة بنت الحارث الهلاليّة، أمّ المؤمنين ﵂ خالة ابن عبّاس، وذلك ليلة منصرفه من (مكّة) ب (سرف) «١» - ككتف، بموحّدة وسين مهملة- وهو بين (التّنعيم «٢» ومرّ الظّهران) ، وبذلك المكان كان موتها وقبرها ﵂.
وفي السّنة السّابعة: اتّخذ له المنبر ﷺ ، / وكان من قبل يخطب إلى جذع نخلة، فحنّ إليه الجذع، حتّى مسح عليه وضمّه إليه.
وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- في رجب: قدم عليه وفد عبد القيس يسألونه عن الإسلام، ورئيسهم الأشجّ «٣» - بمعجمة وجيم- فأثنى عليه النّبيّ ﷺ وعليهم خيرا.
وفي السّنة الثّامنة في جمادى الأولى منها: كانت غزوة مؤتة- بفوقيّة مضمومة الميم مهموزة [الواو]- وهي قرية من قرى (البلقاء) من أرض (الشّام) ، فأكرم الله فيها جعفرا وزيدا وابن رواحة وجماعة ﵃ بالشّهادة، ثمّ أخذ الرّاية خالد بن الوليد ﵁، ففتح الله على يديه، وانحاز بالمسلمين، وكانوا ثلاثة آلاف، وكان هرقل ملك الرّوم في مئتي ألف.
стр. 62
وفيها-[أي: السّنة الثامنة]- في رمضان: كان فتح (مكّة) .
وسبب انتقاض الصّلح: أنّ قريشا أعانت حلفاءهم (بني بكر) على (خزاعة) حلفاء النّبيّ ﷺ ، فقدم أبو سفيان (المدينة) يطلب من النّبيّ ﷺ صلحا، فلم يجبه إليه، فرجع، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي الكعبيّ يستنصر النّبيّ ﷺ على قريش، فأجابه إلى ذلك، وتجهّز النّبيّ ﷺ إلى (مكّة) في عشرة آلاف، فلمّا بلغ (الجحفة) «١» - بجيم مضمومة ثمّ حاء مهملة ساكنة- على ثلاث مراحل من (المدينة) لقيه عمّه العبّاس ﵁ مهاجرا بأهله، فردّه معه، وكان قد أسلم بعد (بدر) ، واستأذن النّبيّ ﷺ في أن يقيم ب (مكّة) على سقاية الحاجّ، فأذن له. ولقيه أيضا ابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب قد أقبل مسلما، معتذرا ممّا كان جرى منه، فردّه معه. وأخذ الله العيون على قريش بدعوته ﷺ «٢» ، فلم يشعر أحد بخروجه ﷺ إليهم.
فلمّا بلغ (مرّ الظّهران) أدركت العبّاس الرّقّة على قومه، فركب بغلة النّبيّ ﷺ بإذنه ليخبرهم أن يأخذوا أمانا منه ﷺ ، فلقي أبا سفيان بن حرب في نفر من قريش/ خرجوا يتطلّعون، وذلك في اللّيل، فردّهم إلى (مكّة) ، وأتى بأبي سفيان إلى النّبيّ ﷺ فأسلم، ثمّ أصبح ﷺ فدخل (مكّة) ضحى من أعلاها، وذلك لعشر بقين من رمضان، وأقام بها ثمانية عشر يوما يقصر الصّلاة.
стр. 63
ثمّ بلغه أنّ (هوازن) اجتمعت لحربه في أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف النّصريّ «١» ، فخرج ﷺ إليهم لعشرين [من] شوّال، في عشرة آلاف جيش الفتح، وألفين ممّن أسلم يوم الفتح، فكانوا اثني عشر ألفا، فأعجبتهم كثرتهم، فقالوا: لن نغلب اليوم من قلّة، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، ووجدوا المشركين قد كمنوا لهم في شعاب (حنين) وهو واد بين (مكّة والطّائف) ، فلمّا توسّط المسلمون فيه شدّوا عليهم ورشقوهم بالنّبل، وكانوا رماة، فانهزم المسلمون، وثبت النّبيّ ﷺ في جماعة، فنزل عن بغلته وأخذ كفّا من الحصى فرمى به في وجوه المشركين فانهزموا، ونصر الله المسلمين، فغنموا ذراريّهم وأموالهم، وكانوا قد جعلوهم معهم ليقاتلوا دونهم، فانهزم منهم طائفة عليهم: دريد بن الصّمّة، وساقوا المال والذّراريّ، فأدركهم أبو عامر الأشعري في سريّة ب (أوطاس) فهزموهم بعد أن قتل أبو عامر ﵁ ولحق أكثرهم ب (الطّائف) ، فتوجّه النّبيّ ﷺ إلى (الطّائف) وقاتلهم قتالا شديدا، وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، فلم يظفر بهم، فدعا لهم بالهداية ورجع، فأتوه بعد رجوعه إلى (المدينة) مسلمين على يدي مالك بن عوف.
ولمّا قفل ﷺ من (الطّائف) قسم غنائم (حنين) ب (الجعرانة) «٢» - على مرحلتين من (مكّة) -.
ثمّ أحرم منها بعمرة، وذلك في ذي القعدة، فدخل (مكّة) فقضى نسكه.
стр. 64
ثمّ رجع إلى (المدينة) فدخلها في آخر ذي القعدة، فولد له ﷺ في ذي الحجّة إبراهيم، وعاش ثلاثة أشهر ثمّ مات، وانكسفت الشّمس يوم موته، وذلك وقت الضّحى في أوّل ربيع من سنة/ [تسع] «١» ، فقال النّاس: انكسفت الشّمس لموت إبراهيم، فجمع [ ﷺ ] النّاس وصلّى بهم صلاة الكسوف، ثمّ خطب بهم فقال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» «٢» .
وفي السّنة التّاسعة: دخل النّاس في دين الله أفواجا، كما أخبر الله تعالى بذلك، وجعله علما على وفاته ﷺ .
ووفدت عليه الوفود؛ فمنهم: وفد (بني حنيفة) ، في جمع كثير، عليهم: مسيلمة الكذّاب، وأبى أن يسلم إلّا أن يجعل له النّبيّ ﷺ الأمر من بعده، ورجع خائبا.
ومنهم: وفد (نجران) ، وكانوا نصارى، فحاجّوه في عيسى ﵊ أنّه ابن الله لكونه خلقه من غير أب، فنزلت:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [سورة آل عمران ٣/ ٥٩]- أي: من غير أمّ ولا أب-.
ونزلت آية المباهلة- أي: الملاعنة-: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ الآية [سورة آل عمران ٣/ ٦١] ، فقال لهم رئيساهم- السّيّد «٣» والعاقب «٤» -: لاتفعلوا،
стр. 65
ثمّ صالحوه على الجزية، وقالوا: ابعث معنا رجلا أمينا من أصحابك، فقال: «لأبعثنّ معكم [رجلا] أمينا حقّ أمين» ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح ﵁، وقال: «هذا أمين هذه الأمّة» «١» .
ومنهم: وفود (اليمن) ، فأسلموا، فقال: «أتاكم أهل (اليمن) ، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية» «٢» وبعث معهم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعريّ ﵄.
وقدم عليه: كعب بن زهير ﵁، وكان النّبيّ ﷺ قد أهدر دمه لشعر عرّض فيه بالنّبيّ ﷺ ، فأسلم واعتذر إليه ممّا كان منه، وأنشده في المسجد قصيدته المشهورة: (بانت سعاد) فقبل عذره وكساه بردته ﷺ .
وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]-: كانت غزوة (تبوك) إلى (الشام) لقتال الرّوم، فخرج ﷺ في سبعين ألفا من المسلمين، وخلّف على (المدينة) عليّا ﵁، فقال: أتخلّفني في الصّبيان والنّساء؟ فقال ﷺ : «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» «٣» /.
فلمّا بلغ (تبوك) وهي أدنى بلاد الرّوم، أقام بها بضع عشرة ليلة، ولم يلق عدوّا، وصالح جملة من أهل تلك النّاحية على الجزية.
ثمّ رجع إلى (المدينة) وجاءه المنافقون يعتذرون إليه لتخلّفهم
стр. 66
عنه، وقد سمّاه الله: جيش العسرة، وحلفوا له بالكذب، فقبل عذرهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، ففضحهم الله تعالى بما أنزله في سورة براءة، كقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٧٥- ٧٧] وغير ذلك، فسمّيت الفاضحة.
وأمّا الثّلاثة الّذين خلّفوا وصدقوه، واعترفوا بأنّهم لا عذر لهم فخلّف أمرهم إلى قضاء الله تعالى فيهم، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة- بالضّم- ابن الرّبيع، فتاب الله عليهم، فسمّيت سورة التّوبة.
وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]- في رجب: نعى لهم النّبيّ ﷺ النّجاشيّ «١» ، وصلّى عليه في المصلّى جماعة.
وفي خاتمة هذه السّنة: [أي: السّنة التّاسعة]- أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر ﵁ أن يحجّ بالنّاس، فسار بهم، ثمّ بعث بعده عليّا ﵁ ليبرأ من المشركين بصدر سورة براءة يوم الحجّ الأكبر، فنبذ إلى كلّ مشرك عهده.
وفي السّنة العاشرة: حجّ ﷺ حجّة الوداع، وحجّ بأزواجه كلّهنّ، وبخلق كثير، فحضرها من الصّحابة أربعون ألفا ﵃، فودّع [ ﷺ ] النّاس وحذّرهم وأنذرهم، وقال: «إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحرمة يومكم هذا، في
стр. 67
شهركم هذا، في بلدكم هذا» ثمّ قال: «ألا هل بلّغت» قالوا:
نعم. قال: «اللهمّ اشهد» «١» .
ثمّ قفل النّبيّ ﷺ إلى (المدينة) فدخلها في أواخر ذي الحجّة، فلبث بها المحرّم وصفر.
ثمّ أمر النّاس في أوّل ربيع بالجهاد إلى (الشّام) ، وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة ﵃، فأخذوا في جهازهم؟
فمرض النّبيّ ﷺ وثقل مرضه، فأقاموا ينتظرون أمره، فتوفّي ﷺ لتمام عشر سنين من هجرته، في السّنة الحادية عشرة، ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر من ربيع الأوّل، في الوقت واليوم والشّهر الّذي دخل فيه (المدينة) «٢» ، ودفن يوم الثّلاثاء بعد العصر/ صلّى الله وسلّم عليه، وزاده فضلا وشرفا لديه.
فهذا جملة ما اشتمل عليه كتابنا هذا ملخّصا من سيرته ﷺ ، من مولده إلى وفاته، وسيأتي ذلك مفصّلا في موضعه إن شاء الله تعالى، مع ذكر ما سبق ذكره ممّا اشتمل عليه الكتاب أيضا، كالخطبة البليغة السّابقة، وخطبة الجهاد اللّاحقة، والأحاديث الواردة في فضل الجهاد، وشرف (مكّة والمدينة) بلدي مولده ووفاته ﷺ ، وشرف نسبه، وماثر آبائه وحسبه، ومن بشّر به قبل ظهوره، إلى ما اشتمل عليه من قواعد الدّين الكلّيّة، كنسخ دينه ﷺ لكلّ دين، وتفضيله على جميع النّبيّين والمرسلين، وجملة من معجزاته الباهرة، وفضائل الصّحابة ﵃، ثمّ ذكر ما اشتمل عليه الكتاب أيضا من عباداته ﷺ لربّه، وشكره له بلسانه
стр. 68
وقلبه، ﷺ ، وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم.
ولي من قصيدة مسمّطة «١» هذه الأبيات، [من الوافر] :
ألا يا أيّها الحادي إذا ما ... أتيت قباب طيبة والخياما «٢»
فخيّم واقر ساكنها السّلاما ... وقبّل من منازله العتابا «٣»
هناك فهنّ نفسك بالوصول ... وقل يا نفس مأمولي وسولي
رسول الله يا لك من رسول ... قفي وردي مناهله العذابا «٤»
ومرّغ حول ذاك القبر خدّا ... وقدّ مرائر الأشواق قدّا «٥»
ونح ممّا اقترفت أسى ووجدا ... لما اجترحت جوار حك اكتسابا «٦»
стр. 69
وقل يا خير من ركب البراقا «١» ... وأكرم من علا السّبع الطّباقا
أتيتك كي تحلّ لي الوثاقا ... ذنوبا قد دهت قلبي المصابا
فأنت الشّافع المقبول حقّا ... وكم لك معجزات ليس ترقى
قد اتّضحت لنا غربا وشرقا ... وأعيت كلّ ذي فهم حسابا
أتتنا في ولادك كلّ بشرى ... غداة تساقط الأصنام قسرا «٢»
/ وزلزل هيبة إيوان كسرى ... وأضحى عرش دولته خرابا
وفي بضع السّنين شرحت صدرا ... وظلّلت الغمامة منك حرّا
وجاءت معجزات منك تترى ... رأى الرّهبان منهنّ العجابا
إلى أن أشرقت شمس اليقين ... تمام الأربعين من السّنين
وأزهر كوكب الحقّ المبين ... ونجم الشّرك والبهتان غابا «٣»
أتاك الحقّ من ربّ العباد ... فقمت مشمّرا ساق الجهاد
تبيّن للورى طرق الرّشاد ... وتتلو الوحي فيهم والكتابا
بحقّك سل إلهك أن يكونا ... لنا عونا على الأعدا معينا
ومن كلّ الأذى حصنا حصينا ... ويكفينا برحمته العذابا
стр. 70
الباب الثّاني في شرف مكّة والمدينة بلدي مولده ونشاته ووفاته، وهجرته ﷺ وشرف قومه ونسبه، وماثر آبائه وحسبه
أمّا شرف (مكّة والمدينة) اللّتين هما مهبط الوحي والتّنزيل:
فأعلم- طهّر الله قلبي وقلبك، ووفر في هذا النّبيّ الكريم حبّي وحبّك- أنّ الله قد أكرم هذا النّبيّ الكريم بأصناف الكرامة، ووفر من كلّ خير أقسامه، واختار له من كلّ شيء خياره، وأعلى على جميع الأوّلين والآخرين مناره، فجعله خير الأنبياء، وأمّته خير الأمم، ولغته خير اللّغات، وكتابه خير الكتب، وقبيلته خير القبائل، وبلاده أفضل بلاد الله وأكرمها عليه وعلى عباده.
[فضل مكة المكرمة]
أمّا (مكّة) البلد الحرام، فقال الله تعالى في فضلها: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً الآية [سورة آل عمران ٣/ ٩٦- ٩٧] .
ومن الآيات البيّنات فيه: (الحجر الأسود) ، و (الحطيم) «١» ، وانفجار ماء زمزم بعقب جبريل ﵇، وأنّ شربه شفاء للأسقام، وغذاء للأجسام، بحيث يغني عن الماء والطّعام.
ومن فضلها: ما ثبت في الحديث الصّحيح؛ أنّ الصّلاة
стр. 71
/ الواحدة فيها- بل في سائر الحرم- بمئة ألف صلاة في غيرها سوى (المدينة) «١» .
فائدة في فضل الصّلاة في مكّة على الصّلاة في غيرها
حسب العلماء ذلك فبلغت صلوات اليوم واللّيلة ب (مكّة) في مدّة ثلاثة أيّام، وهي خمس عشرة صلاة، بألف ألف صلاة، وخمسين ألف ألف صلاة في غيرها، وذلك كصلوات نحو ألف سنة، فمن أقام ب (مكّة) ثلاثة أيّام وهي أقلّ ما يقيمه الحاجّ، يعبد الله، فكأنّه عبد الله في غيرها ألف سنة، وكأنّه عمّر عمر نوح ﵇ في طاعة الله تعالى.
وهذه إحدى المنافع الّتي في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [سورة الحج ٢٢/ ٢٨] بصيغة الجمع، فما ظنّك بالوقوف والطّواف وغير ذلك، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة الحديد ٥٧/ ٢١] .
وقال ﷺ عند انصرافه من (مكّة) بعد فتحها: «والله إنّك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى [الله] ، ولولا أنّي أخرجت منك ما خرجت» ، رواه التّرمذيّ، وقال: حديث [حسن غريب] صحيح «٢» .
وكانت العرب في الجاهليّة تحترم (الحرم) بحيث يمشي القاتل
стр. 72
فيه مع وليّ المقتول، ويقف السّبع عن الظّبي ونحوه من الصّيد إذا دخل (الحرم) ، وذلك بدعاء إبراهيم ﵊، إذ قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [سورة البقرة ٢/ ١٢٦] .
ومن فضلها: أنّها مولد المصطفى ﷺ ، ومسقط رأسه، ومنشأه، وأقام بها ثلاثا وخمسين سنة قبل هجرته.
ومن فضلها: تحريمها المشار إليه بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [سورة العنكبوت ٢٩/ ٦٧] وقوله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [سورة القصص ٢٨/ ٥٧] . وقوله ﷺ : «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفّر صيده» الحديث، متّفق عليه «١» .
[فضل المدينة المنوّرة]
وأمّا (المدينة) الشّريفة: فهي دار الهجرة، وذات الرّوضة والحجرة.
وثبت أنّه ﷺ قال: «إنّ الإيمان ليأرز- أي: ينضمّ، بتقديم الرّاء على الزّاي- إلى (المدينة) ، كما تأرز الحيّة إلى جحرها» ، متّفق عليه «٢» /.
وأنّه ﷺ قال: « (المدينة) حرم من كذا إلى كذا- ولمسلم: «من عير إلى ثور» - لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث
стр. 73
فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين» متّفق عليه «١» .
وثور: جبل صغير خلف (أحد) من جهة الشّمال. «٢» .
ولأحمد: «ما بين عير إلى أحد» «٣» وعير مقابل لأحد.
وأنّه ﷺ قال: « (المدينة) تنفي النّاس كما تنفي الكير خبث الحديد» ، متّفق عليه «٤» .
стр. 74
وأنّه ﷺ قال: «لا يكيد أهل (المدينة) أحد إلّا انماع- أي:
انذاب- كما ينماع الملح في الماء» ، متّفق عليه «١» .
وأنّه ﷺ قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال» ، متّفق عليه «٢» .
وأنّه ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام» ، متّفق عليه «٣» .
وأنّه ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي» ، متّفق عليه «٤» .
[المفاضلة بين مكّة والمدينة]
ولا خلاف بين العلماء في أنّ هذين البلدين أفضل بلاد الله على الإطلاق، وإنّما اختلفوا في أيّهما أفضل. والجمهور على تفضيل (مكّة) على (المدينة) ، إلّا موضع قبره الشّريف، فأجمعوا أنّه أفضل تربة في الأرض، لما ورد أنّ كلّا يدفن في تربته الّتي خلق منها «٥» ، وهو ﷺ أفضل الخلق، فتربته أفضل تربة في الأرض.
стр. 75
وأفضل موضع في (مكّة) : (الكعبة) ، ثمّ (المسجد) ، ثمّ (دار خديجة) ﵂، لأنّه أقام فيها نحو ثمانية وعشرين عاما.
وما أحسن قول القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في وصف تلك الرّياض- أعني (مكّة والمدينة) -: (وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتّنزيل، وتردّد في عرصاتها «١» جبريل، وعرجت منها الملائكة والرّوح، وضجّت فيها بالتّقديس والتّسبيح، [وانتشر عنها من دين الله وسنّة رسوله ما انتشر] ، مدارس وآيات، ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدّين، ومواقف سيّد المرسلين، حيث انفجرت النّبوّة/ والرّسالة، وفاض عبابها «٢» ، وأوّل أرض مسّ جلد المصطفى ترابها؛ أن تعظّم عرصاتها، وتتنسّم «٣» نفحاتها، وتقبّل ربوعها وجدرانها) «٤» .
وقال القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في معنى ذلك شعرا، [من الكامل] «٥» :
يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخصّ بالآيات