/ الواحدة فيها- بل في سائر الحرم- بمئة ألف صلاة في غيرها سوى (المدينة) «١» .
فائدة في فضل الصّلاة في مكّة على الصّلاة في غيرها
حسب العلماء ذلك فبلغت صلوات اليوم واللّيلة ب (مكّة) في مدّة ثلاثة أيّام، وهي خمس عشرة صلاة، بألف ألف صلاة، وخمسين ألف ألف صلاة في غيرها، وذلك كصلوات نحو ألف سنة، فمن أقام ب (مكّة) ثلاثة أيّام وهي أقلّ ما يقيمه الحاجّ، يعبد الله، فكأنّه عبد الله في غيرها ألف سنة، وكأنّه عمّر عمر نوح ﵇ في طاعة الله تعالى.
وهذه إحدى المنافع الّتي في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [سورة الحج ٢٢/ ٢٨] بصيغة الجمع، فما ظنّك بالوقوف والطّواف وغير ذلك، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة الحديد ٥٧/ ٢١] .
وقال ﷺ عند انصرافه من (مكّة) بعد فتحها: «والله إنّك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى [الله] ، ولولا أنّي أخرجت منك ما خرجت» ، رواه التّرمذيّ، وقال: حديث [حسن غريب] صحيح «٢» .
وكانت العرب في الجاهليّة تحترم (الحرم) بحيث يمشي القاتل
стр. 72
فيه مع وليّ المقتول، ويقف السّبع عن الظّبي ونحوه من الصّيد إذا دخل (الحرم) ، وذلك بدعاء إبراهيم ﵊، إذ قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [سورة البقرة ٢/ ١٢٦] .
ومن فضلها: أنّها مولد المصطفى ﷺ ، ومسقط رأسه، ومنشأه، وأقام بها ثلاثا وخمسين سنة قبل هجرته.
ومن فضلها: تحريمها المشار إليه بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [سورة العنكبوت ٢٩/ ٦٧] وقوله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [سورة القصص ٢٨/ ٥٧] . وقوله ﷺ : «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفّر صيده» الحديث، متّفق عليه «١» .
[فضل المدينة المنوّرة]
وأمّا (المدينة) الشّريفة: فهي دار الهجرة، وذات الرّوضة والحجرة.
وثبت أنّه ﷺ قال: «إنّ الإيمان ليأرز- أي: ينضمّ، بتقديم الرّاء على الزّاي- إلى (المدينة) ، كما تأرز الحيّة إلى جحرها» ، متّفق عليه «٢» /.
وأنّه ﷺ قال: « (المدينة) حرم من كذا إلى كذا- ولمسلم: «من عير إلى ثور» - لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث
стр. 73
فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين» متّفق عليه «١» .
وثور: جبل صغير خلف (أحد) من جهة الشّمال. «٢» .
ولأحمد: «ما بين عير إلى أحد» «٣» وعير مقابل لأحد.
وأنّه ﷺ قال: « (المدينة) تنفي النّاس كما تنفي الكير خبث الحديد» ، متّفق عليه «٤» .
стр. 74
وأنّه ﷺ قال: «لا يكيد أهل (المدينة) أحد إلّا انماع- أي:
انذاب- كما ينماع الملح في الماء» ، متّفق عليه «١» .
وأنّه ﷺ قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال» ، متّفق عليه «٢» .
وأنّه ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام» ، متّفق عليه «٣» .
وأنّه ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي» ، متّفق عليه «٤» .
[المفاضلة بين مكّة والمدينة]
ولا خلاف بين العلماء في أنّ هذين البلدين أفضل بلاد الله على الإطلاق، وإنّما اختلفوا في أيّهما أفضل. والجمهور على تفضيل (مكّة) على (المدينة) ، إلّا موضع قبره الشّريف، فأجمعوا أنّه أفضل تربة في الأرض، لما ورد أنّ كلّا يدفن في تربته الّتي خلق منها «٥» ، وهو ﷺ أفضل الخلق، فتربته أفضل تربة في الأرض.
стр. 75
وأفضل موضع في (مكّة) : (الكعبة) ، ثمّ (المسجد) ، ثمّ (دار خديجة) ﵂، لأنّه أقام فيها نحو ثمانية وعشرين عاما.
وما أحسن قول القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في وصف تلك الرّياض- أعني (مكّة والمدينة) -: (وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتّنزيل، وتردّد في عرصاتها «١» جبريل، وعرجت منها الملائكة والرّوح، وضجّت فيها بالتّقديس والتّسبيح، [وانتشر عنها من دين الله وسنّة رسوله ما انتشر] ، مدارس وآيات، ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدّين، ومواقف سيّد المرسلين، حيث انفجرت النّبوّة/ والرّسالة، وفاض عبابها «٢» ، وأوّل أرض مسّ جلد المصطفى ترابها؛ أن تعظّم عرصاتها، وتتنسّم «٣» نفحاتها، وتقبّل ربوعها وجدرانها) «٤» .
وقال القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في معنى ذلك شعرا، [من الكامل] «٥» :
يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخصّ بالآيات
стр. 76
عندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوّق متوقّد الجمرات «١»
وعليّ عهد إن ملأت محاجري ... من تلكم الجدران والعرصات «٢»
لأعفّرنّ مصون شيبي بالثّرى ... من كثرة التّقبيل والرّشفات «٣»
لكن سأهدي من حفيل تحيّتي ... لقطين تلك الدّار والحجرات «٤»
أذكى من المسك المعنبر نفحة ... تغشاه بالآصال والبكرات «٥»
وأمّا شرف قومه ونسبه، وماثر آبائه وحسبه ﷺ فهي دوحة شرف، أصلها ثابت وفرعها في السّماء، وعمود نبوّة يصدع بنوره حجاب الظّلماء.
وقد قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٢٨] . ومعنى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ- بضم الفاء- أي:
منكم، ومِنْ أَنْفُسِكُمْ- بفتحها- أي: من خياركم.
стр. 77
قال العلماء: لم تكن قبيلة من العرب إلّا ولها وصلة بالنّبيّ ﷺ ، إمّا ولادة أو قرابة.
وقال ﷺ : «بعثت من خير قرون بني آدم، قرنا فقرنا، حتّى كنت من القرن الّذي كنت فيه» ، رواه البخاريّ «١» .
وقال ﷺ : «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» ، رواه التّرمذيّ، وقال: حديث [حسن] صحيح «٢» .
[النسب الأكبر لنبينا ﷺ ]
قال البخاريّ: (وهو ﷺ أبو القاسم محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف- أي: بفتح الميم- بن قصيّ- أي: بضمّ القاف مصغّرا- ابن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ- أي: مصغّرا- ابن غالب بن فهر- أي: بكسر الفاء- ابن مالك بن النّضر- أي: بضاد معجمة- ابن كنانة بن خزيمة- أي: مصغّرا بالمعجمتين- ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان) «٣» /.
قلت: وهذا النّسب متّفق عليه بين العلماء، وفيما بعده- من عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم، ثمّ من إبراهيم إلى نوح، ثمّ من نوح إلى آدم ﵈ اختلاف وزيادة ونقصان.
стр. 78
وروى ابن سعد في «طبقاته» : أنّه ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معدّ بن عدنان بن أدد ثمّ يمسك ويقول: «كذب النّسّابون» ويقول: قال الله تعالى وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [سورة الفرقان ٢٥/ ٣٨] «١» .
قال العلماء: وبطون قريش هم ولد النّضر بن كنانة، وهم قومه الّذين شرّفهم الله به في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [سورة الزّخرف ٤٣/ ٤٤]- أي: ثناء وشرف- وهم عشيرته الأقربون في قوله:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشّعراء ٢٦/ ٢١٤] لما في «صحيحي البخاريّ ومسلم» أنّه ﷺ لمّا نزلت هذه صعد على الصّفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عديّ، يا بني عبد مناف- لبطون قريش-: اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا» الحديث «٢» .
واتّفق أهل الجاهليّة والإسلام على أنّ قريشا أفضل العرب، وأنّ بني عبد مناف أفضل قريش، وأنّ بني هاشم أفضل بني عبد مناف، وأنّه ﷺ أفضل بني هاشم، وفي ذلك يقول عمّه أبو طالب، [من الطّويل] «٣» :
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرّها وصميمها «٤»
стр. 79
وإن حصّلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإنّ محمّدا ... هو المصطفى من سرّها وكريمها
[صفة عبد الله بن عبد المطّلب والد رسول الله ص]
قال علماء السّير: وكان عبد الله بن عبد المطّلب والد النّبيّ ﷺ أنهد فتى في بني هاشم- أي: أرفعهم وأصبحهم- وجها، وأحسنهم خلقا وخلقا، وكان نور النّبيّ ﷺ يلوح في وجهه، وهو أوّل من فدي بمئة من الإبل كما سيأتي.
[صفة عبد المطّلب جد رسول الله ص]
وأمّا عبد المطّلب فاسمه: شيبة الحمد «١» ، وإنّما سمّي عبد المطّلب لأنّ عمّه المطّلب بن عبد مناف أخذه من أمّه سلمى الأنصاريّة النّجاريّة، فقدم به (مكّة) يردفه خلفه، وكان/ أسمر اللّون، فظنّ النّاس أنّه عبد اشتراه المطّلب، فقالوا: قدم المطّلب بعبد، فلزمه ذلك الاسم، وكان شريفا في قومه، مبجّلا عندهم، معظّما، يوضع له بساط في ظلّ (الكعبة) ، لا يجلس عليه غيره، وكانوا يسمّونه: الفيّاض؛ لسماحته وكرمه، وله منقبتان عظيمتان، وهما: حفر بئر زمزم، وإهلاك أصحاب الفيل.
[حفر بئر زمزم، ونذر عبد المطّلب بذبح ولده عبد الله]
أمّا بئر زمزم: فإنّها كانت قد دفنتها السّيول، واندرس أثرها، فرأى عبد المطّلب في نومه من نبّهه عليها، فلمّا أراد حفرها حسدته بطون قريش، وهمّوا أن يمنعوه، فكفاه الله شرّهم، فنذر لئن رزقه الله عشرة من الولد يمنعونه؛ أن يتقرّب إلى الله تعالى بذبح أحدهم، فلمّا تمّ العدد عشرة أعلمهم بنذره، فقالوا له: اقض فينا أمرك
стр. 80
وأوف بنذرك، فأسهم بينهم، فخرج السّهم على عبد الله، فلمّا أراد أن يذبحه منعته قريش، لئلّا يكون فيهم سنّة، فأفتاه كاهن أن يسهم عليه وعلى عشر من الإبل- وكانت العشر عندهم دية الرّجل- ففعل، فخرج السّهم على عبد الله، فقال له الكاهن: زد عشرا، فإنّ ربّك لم يرض، فزاد عشرا، فخرج السّهم على عبد الله، فقال: زد عشرا، فزاد عشرا، فلم يزل يخرج السّهم على عبد الله، حتّى بلغ العدد مئة، فخرج السّهم على الإبل، فقال له: أعد القرعة، فأعادها، فخرج السّهم على الإبل، ثمّ أعادها فخرج على الإبل، فقال له: قد رضي ربّك، فانحرها فداء عن ابنك، ففعل، فاستمرّت الدّية في قريش مئة من الإبل، ثمّ جاء الشّرع فقرّرها دية لكلّ مسلم من المسلمين.
[أصحاب الفيل وما جرى لهم]
وأمّا أصحاب الفيل: فإنّ الحبشة لمّا ملكت (اليمن) وعليهم أبرهة الأشرم، وكانوا بنوا كنيسة ب (صنعاء) كالكعبة، وصرفوا حجّاج (الكعبة) إليها، فدخلها ليلا رجال من قريش ولطّخوها بالعذرة «١» وهربوا، فلمّا علم بذلك أبرهة عزم على هدم (الكعبة) ، فتجهّز في جيش عظيم، فلمّا شارف (مكّة) أغار على سرحها «٢» ، فاستاق أموال قريش، ونزل ب (عرفة) ، فخرج إليه عبد المطّلب، فلمّا رآه أبرهة نزل له/ عن سرير ملكه إجلالا له، وسأله عن حاجته، فذكر أنّ له نحو مئة من الإبل فردّها عليه، فقيل لعبد المطّلب: هلّا كلمته في الانصراف عن (الكعبة) ؟ فقال: أنا ربّ إبلي، والكعبة لها ربّ يحميها.
стр. 81
وامتاز بقريش إلى رؤوس الجبال، وجعل يدعو الله ويقول، [من مجزوء الكامل] «١» :
لا همّ إنّ [المرء] يمن ... ع رحله فامنع حلالك «٢»
لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك «٣»
محالك، أي: مكرك، ومنه: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ [سورة الرّعد ١٣/ ١٣]-
ثمّ سار أبرهة إلى (مكّة) ، فلمّا كانوا ب (محسّر) «٤» - بمهملات، وهو واد بين (عرفة ومزدلفة) - نكص الفيل على عقبيه، فردّوه فأبى، فأدخلوا الحديد في أنفه حتّى خرموه، فلم يساعدهم على التّوجّه إلى (مكّة) .
فبينما هم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرا، يحمل كلّ طير منها ثلاثة أحجار صغار؛ حجرين بين رجليه، وحجرا في منقاره، إذا وقعت الحجارة على رأس أحدهم خرجت من دبره، فأهلكهم الله جميعا.
стр. 82
وفي ذلك أنزل الله على نبيّه ﷺ مذكّرا له بنعمته عليه وعلى قومه، لأنّه كان يومئذ حملا «١» ، وولد بعد الفيل بخمسين ليلة:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ- أي: إبطال- وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ- أي: عصبا عصبا- تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ- أي: من قعر جهنّم، وهو أيضا سجّين- فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ- أي: كزرع أكلته البهائم-[سورة الفيل] .
ومن يومئذ احترمت النّاس قريشا، وقالوا: هم جيران الله، يدافع عنهم.
[خبر هاشم:]
وأمّا هاشم: فاسمه عمرو، وإنّما سمّي هاشما لكثرة إطعامه الثّريد في المجاعة، وفيه يقول الشّاعر، [من الكامل] «٢» :
عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف «٣»
وبلغ في الكرم مبلغا عظيما حتّى إنّه كان يطعم الوحش والطّير، فينحر لها في رؤوس الجبال، وكان إذا وقع القحط جمع أهل (مكّة) وأمر الموسرين منهم/ بالإنفاق على فقرائهم، حتّى يأتي الله بالغيث.
ثمّ إنّه وفد (الشّام) على قيصر فأخذ منه كتابا بالأمان لقريش، وأرسل أخاه المطّلب إلى (اليمن) ، فأخذ من ملوكهم كتابا أيضا، ثمّ أمر تجّار قريش برحلتي الشّتاء والصّيف، فكانوا يرحلون في
стр. 83
الصّيف إلى (الشّام) لشدّة بردها، وفي الشّتاء إلى (اليمن) ، فاتّسعت من يومئذ معيشتهم بالتّجارة، وأنقذهم الله من الخوف والجوع ببركة هاشم.
وفي ذلك أيضا أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ- أي: لإنعام الله على قريش بإيلافهم- إِيلافِهِمْ- أي:
اعتيادهم- رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ- أي: الكعبة- الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [سورة قريش] .
[خبر عبد مناف:]
وأمّا عبد مناف: فكان يسمّى قمر البطحاء لصباحته، وهو الّذي قام مقام أبيه قصيّ بالسّيادة وسقاية الحاج، وقام أخوه عبد الدّار بسدانة البيت والرّفادة- أي: إطعام الحجيج في (دار النّدوة) الّتي بناها قصيّ- وأخوه عبد العزّى بالات الحرب من السّلاح والكراع «١» ، بوصيّة إليهم من أبيهم قصي.
[خبر قصيّ:]
وأمّا قصيّ: فكان يسمّى مجمّعا، لأنّه أوّل من جمع قريشا من البوادي إلى سكنى (مكّة) ، وأخرج خزاعة منها، وفيه يقول الشّاعر، [من الطّويل] «٢» :
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمّعا ... به جمع الله القبائل من فهر
وذلك أنّ سيّد خزاعة شرب ليلة مع جماعة فنفد شرابه، فقال:
من يشتري منّي سدانة البيت بزقّ خمر «٣» ، فاشتراها قصي وأشهد
стр. 84
عليه «١» ، وفي ذلك يقول الشّاعر، [من البسيط] :
باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت ... بزقّ خمر فبئست صفقة البادي
باعت سدانتها للبيت وانتقلت ... عن المقام وظلّ البيت والنّادي
[صفة آبائه ص]
وآباؤه ﷺ كلّهم سادات، ما منهم أحد إلّا وهو سيّد قومه في عصره، من أبيه عبد الله إلى آدم ﵇، كما قيل، [من الكامل] «٢» :
فأولئك السّادات لم تر مثلهم ... عين على متتابع الأحقاب
زهر الوجوه كريمة أحسابهم ... يعطون سائلهم بغير حساب
/ لم يعرفوا ردّ العفاة وطالما ... ردّوا أعاديهم على الأعقاب
حلموا إلى أن لا تكاد تراهم ... يوما على ذي هفوة بغضاب
وتكرّموا حتّى أبوا أن يجعلوا ... بين العفاة وبينهم من باب
كانت تعيش الطّير في أكنافهم ... والوحش حين يشحّ كلّ سحاب
وكفاهم أنّ النّبيّ محمّدا ... منهم فمدحهم بكلّ كتاب
стр. 85
الباب الثّالث في ذكر من بشّر به قبل ظهوره، وما أسفر قبل بزوغ شمس نبوّته من صبح نوره ﷺ
قال علماء السّير: وقد بشّر به ﷺ جميع النّبيين عليهم الصّلاة والسّلام عموما.
قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [سورة آل عمران ٣/ ٨١] .
روى علماء التّفسير في معناها، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، أنّه قال: (الرّسول هو محمّد ﷺ ، ما بعث الله نبيّا من لدن آدم إلّا أخذ له عليه الميثاق لئن بعث محمّد وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه) «١» ؛ إعلاما لهم بعلوّ قدره، مع علمه سبحانه أنّه أخرهم بعثا.
وذكر جماعة من علماء التّفسير في قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة ٢/ ٣٧] : أنّ آدم توسّل بمحمّد- عليهما الصّلاة والسّلام- إلى ربّه في غفران ذنبه، فغفر له «٢» .
стр. 86
[عيسى ﵊ يبشّر به ﷺ ]
وبشّر به عيسى ﵊ خصوصا، قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصّف ٦١/ ٦] «١» .
[كعب بن لؤيّ يبشر به]
وممّن بشّر به من غير النّبيّين جدّه كعب بن لؤيّ.
قال علماء السّير: كان كعب بن لؤيّ متمسّكا بدين إبراهيم ﵊، مصدّقا ببعثة محمّد ﷺ ، وهو الّذي سمّى يوم الجمعة جمعة، وكانت تسمّيه العرب: العروبة- بعين وراء مهملتين- لأنّه كان يجمّع النّاس في يومها بعد الزّوال، يخطبهم، ويعظهم، ويبشّرهم ببعثة محمّد ﷺ فيهم، ويقول: يا أيّها النّاس، الدّار والله أمامكم، والظّنّ خلاف ظنّكم، فزيّنوا حرمكم وعظّموه/، وتمسّكوا به ولا تفارقوه، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبيّ كريم، ثمّ ينشد، [من الطّويل] «٢» :
نهار وليل واختلاف حوادث ... سواء علينا حلوها ومريرها
على غفلة يأتي النّبيّ محمّد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها
[تبّع يبشّر به ﷺ ]
وممّن بشّر به ﷺ تبّع أسعد الكامل الملك الحميريّ.
стр. 87
قال اهل السّير: كان تبّع أسعد الكامل أراد أهل (المدينة النّبويّة) بسوء، مكيدة كاده بها بعض أعدائه ليهلكه، فأخبره الأحبار أنّها دار هجرة محمّد ﷺ المبعوث في آخر الزّمان، فانصرف عنهم، ثمّ قرأ التّوراة وتعرّف فيها صفة محمّد ﷺ ، فصدّق بمبعثه، وكان يقول، [من المتقارب] «١» :
شهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النّسم
فلو مدّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عمّ
[عبد المطّلب يبشّر به ﷺ ]
وممّن بشّر به ﷺ جدّه عبد المطّلب.
قال علماء السّير: إنّ عبد المطّلب كان قد اطّلع على عجائب من أمر محمّد ﷺ ، فرآى في المنام أنّ سلسلة من فضّة خرجت من ظهره، لها طرف في السّماء وطرف في الأرض، وطرف بالمشرق وطرف بالمغرب، فبينما هو متعجّب من الأمر المغرب «٢» ، إذ بها قد عادت كأنّها شجرة عظيمة مورقة، وعلى كلّ ورقة منها نور مشرق، وقد تعلّق بها أهل المغرب والمشرق، فأوّلت له بمولود يخرج من صلبه يحمده أهل السّماوات في كلّ صنيع، وينقاد له أهل الأرض انقياد مطيع.
وذكروا أنّ عبد المطّلب رآه مرّة حبر من الأحبار، فقال له: إنّ في أحد منخريك لملكا، وفي الآخر نبوّة «٣» .
[حجب الشّياطين عن استراق السّمع عند قرب مبعثه ﷺ ]
ومن المبشّرات به ﷺ ما اتّفق عليه علماء التّفسير: أنّ الشّياطين منعت قبيل مولده من استراق السّمع.
стр. 88
[ارتجاج إيوان كسرى ليلة ولادته ﷺ ]
وما ظهر ليلة مولده من ارتجاس «١» إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، وخمود نار فارس الّتي يعبدونها، وما خمدت منذ ألف عام.
ورؤيا الموبذان- بفتح الموحّدة وبذال معجمة- وهو عالم الفرس «٢» /: رأى إبلا صعابا «٣» تقود خيلا عرابا «٤» ، قد قطعت (دجلة) وانتشرت في بلادها، فخاف [كسرى] أن يكون ذلك لفساد دولته وخرابها.
فأرسل عبد المسيح إلى خاله سطيح الكاهن ب (الشّام) فوجده قد أشفى على الموت، فلمّا أحسّ به سطيح، قال: عبد المسيح، على جمل مشيح- أي: ضامر، بشين معجمة- أرسلك ملك بني ساسان، ليسأل عن ارتجاس الإيوان، وخمود النّيران، ورؤيا الموبذان؟ يا عبد المسيح: إذا كثرت التّلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، فليست (الشّام) لسطيح شاما، ولا مقام (العراق) لكسرى وقومه مقاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد السّاقط من الشّرفات، وكلّ ما هو آت آت.
ثمّ قضى سطيح مكانه، بعد ما أبان من أمر ظهور رسول الله ﷺ ما أبانه «٥» .
стр. 89
[عيصا يبشّر به ﷺ ]
وممّن بشّر به ما ذكره علماء السّير: أنّه كان حول (مكّة) راهب يقال له: عيصا- بمهملتين بينهما تحتيّة- وكان قد أحرز علما كثيرا، وأنّه كان يدخل (مكّة) كلّ موسم، فيقوم مبشّرا بظهور رسول الله ﷺ فيقول: (يا معشر قريش، إنّه سيظهر فيكم نبيّ تدين له العجم والعرب، وهذا وقت ظهوره قد اقترب) .
فلمّا كان في اللّيلة الّتي ولد فيها رسول الله ﷺ كان عبد المطّلب طائفا ب (الكعبة) ، فرأى إسافا ونائلة «١» - وهما صنمان عظيمان- قد سقطا، فأذهله ذلك الشّأن، وجعل يمسح عينيه، ويقول: أنائم أنا أم يقظان؟ فلمّا أخبر بالمولود علم أنّ ذلك من أجله، لما كان قد رأى من الدّلائل من قبله، فخرج من الغد، فوقف تحت صومعة عيصا وناداه، فلمّا رآه أكرمه وفدّاه «٢» ، وقال له: (كن أباه، كن أباه، قد طلع نجمه البارحة، وظهر سناه، وقد كنت أحبّ أن يكون منكم، وقد كان، وعلامة ذلك أنّه يشتكي من بطنه ثلاثة أيّام، ثمّ يعافى من كلّ الأسقام، فاحفظه من اليهود فإنّهم أعداؤه، وقد تحقّقت عندهم صفاته) «٣» .
[سيف بن ذي يزن يبشّر به ﷺ ]
وممّن بشّر به ﷺ بعد مولده: سيف بن ذي يزن، الملك الحميريّ، وذلك أنّ عبد المطّلب وفد عليه في السّنة الثّامنة من مولد/ النّبيّ ﷺ إلى (صنعاء) يهنّئه بظفره ب (الحبشة) لمّا أزالهم الله من (اليمن) ، فأكرمه وأجلسه على سرير ملكه، وأعطاه عطايا
стр. 90
جزيلة، وأخبره أنّه يجد في الكتب القديمة أنّ هذا أوان وجود النّبيّ الأمّيّ العربيّ القرشيّ الهاشميّ، وأنّ صفته كذا وكذا، فأخبره عبد المطّلب أنّ عنده غلاما بتلك الصّفة، فأوصاه به، وحذّره من كيد اليهود والنّصارى. فمات عبد المطّلب في تلك السّنة.
[الرّاهب بحيرا يبشّر به ﷺ ]
وممّن بشّر به ﷺ : بحيرا الرّاهب- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- وذلك أنّ عمّه أبا طالب خرج به إلى (الشّام) في السّنة الثّانية عشرة من ولادته ﷺ ، فلمّا بلغوا (بصرى) من أرض (الشّام) رآه الرّاهب المذكور معهم، فعرفه بصفاته المذكورة عنده في الإنجيل، فأمر أبا طالب أن يردّه، وناشده الله في ذلك خوفا عليه من كيد اليهود والنّصارى، فرجع به، وزوّده الرّاهب شيئا من الكعك والزّبيب.
[ثني بحيرا نفرا من النّصارى عن قتل الرّسول ﷺ ]
وروى التّرمذيّ في «جامعه» أنّ نفرا من النّصارى أتوا بحيرا الرّاهب بعد رجوع أبي طالب بالنّبيّ ﷺ وقالوا: إنّا خرجنا في طلب النّبيّ الأمّيّ، وإنّا وجدنا في كتبنا أنّه يمرّ بطريقك هذه في هذا الشّهر، وإنّا نريد قتله، فذكّرهم الله وقال: (أرأيتم أمرا يريد الله أن يقضيه أيقدر أحد أن يردّه؟ قالوا: لا، وانصرفوا عنه) «١» .
[الرّاهب نسطور يبشّر به ﷺ ]
ثمّ بشّر به ﷺ : نسطور الرّاهب- بمهملات مع فتح النّون- وذلك أنّه ﷺ خرج في سنة خمس وعشرين من مولده مع ميسرة غلام خديجة ﵂، في تجارة لها، فلمّا نزل الرّكب بقرب صومعة «٢» الرّاهب المذكور، نزل إليهم منها، وكان لا ينزل لأحد، وطاف فيهم حتّى رأى النّبيّ ﷺ ، فعرف فيه علامات
стр. 91
النّبوّة، فأكرمه، وأضافهم لأجله، وعرّفهم أنّه نبيّ هذه الأمّة، وأنّه خاتم النّبيّين، وقال له: احذر على نفسك من كيد اليهود والنّصارى، وأوصى ميسرة به، فقيل له: كيف عرفت أنّه فينا؟
قال: إنّكم لمّا أقبلتم لم يبق شجر ولا حجر إلّا وسجد إلى جهتكم/، وكان ميسرة يقول: (كان إذا اشتدّ الحرّ ظلّلته غمامة، تسير معه أينما سار) . فلمّا رجعا من (الشّام) أخبر ميسرة خديجة بما رآه من كرامته ﷺ ، وصدقه، وأمانته ﷺ ، وما أخبر به الرّاهب، وما رآه من تظليل الغمامة له، وغير ذلك، فرغبت خديجة في نكاحه، فخطبته إلى نفسها، وكان كلّ من أشراف قومها حريصا على ذلك، فتزوّج بها ﷺ «١» .
[قسّ بن ساعدة الإياديّ يبشّر به ﷺ ]
ثمّ بشّر به ﷺ : قسّ بن ساعدة.
وقد روى النّبيّ ﷺ قصّته؛ أنّه كان يقوم بسوق عكاظ خطيبا، فقام مرّة والنّبيّ ﷺ وأبو بكر حاضران، فقال: (يا أيّها النّاس، إنّ لله دينا هو خير من دينكم الّذي أنتم عليه، وإنّ لله نبيّا قد حان [حينه، وأظلّكم] «٢» أوانه، [فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه] «٢» ، فبادروا إليه.
فعمّا قليل، وقد ظهر النّور، وبطل الزّور، وبعث الله محمّدا بالحبور، صاحب النّجيب الأحمر «٣» ، والتّاج والمغفر «٤» ، والوجه الأزهر، [والحجاب الأنور، والطّرف الأحور] ، وصاحب
стр. 92
شهادة أن لا إله إلّا الله، فذلكم محمّد المبعوث إلى الأسود والأحمر «١» ؛ [أهل المدر والوبر] ) «١» .
[زيد بن عمرو بن نفيل يبشّر به ﷺ ]
ثمّ بشّر به ﷺ قبيل مبعثه: زيد بن عمرو بن نفيل، وكان خرج يلتمس دين إبراهيم- كما رواه البخاريّ في «صحيحه» - فأخبره آخر الأحبار إنّه لم يبق أحد عليه، وأنّه قد أظلّ زمان خروج النّبيّ الأمّيّ ب (مكّة) . فرجع واجتمع به النّبيّ ﷺ مرارا، وكان يقول:
(اللهمّ إنّي أعبدك وحدك، وأدين لك بدين إبراهيم، ولا أعرف كيف أعبدك؟!) .
وله أشعار في التّوحيد. ومات شهيدا رحمه الله تعالى «٢» .
وكان النّبيّ ﷺ يترحّم عليه، ويقول: «إنّه يبعث أمّة وحده» «٣» .
[سلمان الفارسيّ يبشّر به ﷺ ]
وممّن بشّر به ﷺ قبل مبعثه: سلمان الفارسيّ ﵁، وكان يتنقّل من حبر إلى حبر، حتّى قال له آخرهم عند موته: إنّه لم يبق أحد على دين الحقّ، ولكن قد آن خروج النّبيّ الأمّيّ ب (مكّة) ، وعرّفه بصفاته. فخرج مع ركب إليها، فأخذه قطّاع الطّريق، فباعوه إلى يهود (المدينة) ، فلم يزل بها إلى أن هاجر إليها النّبيّ ﷺ ، فعرف الصّفات الّتي فيه فامن/ ﵁ به، وصدّقه، إلى أن سعى النّبيّ ﷺ في مكاتبته بما سيأتي في معجزاته ﷺ «٤» .
[ورقة بن نوفل يبشّر به ﷺ ]
وممّن عرفه بصفاته: ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عمّ خديجة
стр. 93
رضي الله عنها، على ما في أوّل «صحيح البخاريّ» ، وكان قد تنصّر وقرأ الإنجيل، فلمّا نزل جبريل على محمّد ﷺ بالوحي، ذهبت به خديجة إلى ورقة، فتحقّق أنّه النّبيّ الأمّيّ الّذي بشّر به عيسى ﵇، فامن به وصدّقه، وأخبره أنّ قومه سيخرجونه من (مكّة) ، وتمنّى أن يكون حاضرا يومئذ لينصره نصرا مؤزّرا.
ومن شعره في ذلك، [من الوافر] «١» :
لججت وكنت في الذّكرى لجوجا ... لهمّ طالما بعث النّشيجا «٢»
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا
بأنّ محمّدا سيسود فينا ... ويخصم من يكون له حجيجا
فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا «٣»
فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... [شهدت] فكنت أوّلهم ولوجا
ولوجا في الّذي كرهت قريش ... ولو عجّت بمكّتها عجيجا «٤»
ثمّ إنّه لم يلبث أن مات- رحمه الله تعالى-.
стр. 94
الباب الرّابع في ذكر مولده الشّريف، ورضاعته ونشأته إلى حين أوان بعثته ﷺ
[مولده ﷺ وتاريخه ومكان ولادته]
قال علماء السّير: ولد النّبيّ ﷺ في ربيع الأوّل، يوم الاثنين بلا خلاف. ثمّ قال الأكثرون: ليلة الثّاني عشر منه. وقال بعضهم:
العاشر. وقال آخرون: الثّامن.
وذلك ب (مكّة) المشرّفة، في شعب أبي طالب «١» ، وهو المكان الّذي يجتمع فيه أهل (مكّة) ليلة المولد الشّريف، للذّكر والدّعاء والتّبرّك بمسقط رأسه ﷺ «٢» .
وأفتى جماعة من المتأخّرين بأنّ عمل المولد على هذا القصد حسن محمود.
[صفة مولده ﷺ ]
قال علماء السّير: ووضعته أمّه وهو مستقبل القبلة، واضعا يديه على الأرض، رافعا رأسه إلى السّماء، مختونا، مسرورا- أي:
стр. 95
مقطوع السّرّة-، ليس عليه شيء من قذر الولادة.
روى/ ابن إسحاق، عن الشّفّاء- بالتّشديد-: أمّ عبد الرّحمن بن عوف ﵄، وهي الّتي تولّت ولادته، أنّها قالت: لمّا سقط النّبيّ ﷺ على يديّ، سمعت قائلا يقول:
يرحمك الله، وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب، حتّى نظرت إلى قصور (الشّام) .
[الآيات الّتي وقعت ليلة مولده ﷺ ]
وليلة ولاده ﷺ خمدت نار فارس الّتي يعبدونها، وكان وقودها مستمرّا من عهد موسى ﵊، وارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة «١» ، وتنكّست جميع الأصنام في جميع الآفاق، وسقط عرش إبليس، ورميت الشّياطين بالشّهب، فمنعت من استراق السّمع.
فائدة التّحقيق: في رمي الشّياطين بالشّهب
التحقيق أنّ الشّياطين كانت ترمى بالشّهب لقوله تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [سورة الحجر ١٥/ ١٨] ؛ لكنّه رمي لا يكثر فيه إصابتهم بالرّجوم «٢» ، ولا يمنعهم عن مقاعدهم للسّمع. فلمّا ولد ﷺ كان الرّمي بالرّجوم أشدّ رجما، فلمّا بعث النّبيّ ﷺ استمرّ منعهم عن مقاعدهم، كما صرّح بذلك فيما حكاه الله تعالى عنهم:
стр. 96
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [سورة الجن ٧٢/ ٩] . وذلك لئلّا يلتبس الوحي بالكهانة «١» .
وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّهم قالوا: قد حيل بيننا وبين خبر السّماء «٢» . والله أعلم.
[رضاعته ﷺ ]
وأوّل من أرضعته ﷺ ثويبة- بمثلّثة، مصغّرة- مولاة عمّه أبي لهب، وأرضعت معه عمّه حمزة وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ بلبن ابنها مسروح- بمهملات-.
وفي «صحيح البخاريّ» أنّه ﷺ قال: «أرضعتني أنا وأبا سلمة ثويبة» قال عروة بن الزّبير: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النّبيّ ﷺ ، فلمّا مات أبو لهب أريه العبّاس في أسوء حالة، فقال له: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم خيرا، غير أنّي خفّف عنّي العذاب بعتاقي/ ثويبة «٣» .
قلت: فتخفيف العذاب عنه إنّما هو كرامة للنّبيّ ﷺ كما خفّف عن أبي طالب، لا لأجل مجرّد العتق لقوله تعالى:
وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة هود ١١/ ١٦] .
[رضاعته ﷺ من حليمة السّعديّة]
قال علماء السّير: ثمّ احتملته حليمة السّعديّة بنت أبي ذؤيب- مصغّر ذئب- من بني سعد بن بكر بن هوازن، ثمّ قيس بن عيلان- بمهملة- ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان؛ حين قدمت مع قومها يلتمسون الرّضعاء، لما يرجونه من المعروف من أهليهم.
стр. 97
وكان أهل (مكّة) يسترضعون أولادهم فيهم لفصاحتهم، ولصحّة هواء البادية، فأقام ﷺ فيهم نحو خمس سنين، وظهر لهم من يمنه وبركته في تلك المدّة أنواع من المعجزات وخوارق العادات.
روى ابن إسحاق عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ قال: قالت حليمة: خرجت في نسوة من بني سعد نلتمس الرّضعاء، على أتان لي قمراء «١» ، في سنة شهباء «٢» ، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزّى من بني سعد بن بكر، ومعنا شارف لنا- أي: ناقة مسنّة- ما تبضّ «٣» بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من بكاء صبيّنا، ما في ثدييّ ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغذّيه، فخرجت على أتاني تلك، ولقد أذمّت «٤» بالرّكب- أي: ولقد أزرت بهم «٥» - ضعفا وعجفا «٦» ، حتّى شقّ ذلك عليهم، حتّى قدمنا (مكّة) ، فو الله ما منّا امرأة إلّا عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها: إنّه يتيم، [وذلك أنّا إنّما كنّا نرجو المعروف من أبي الصّبيّ، فكنّا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمّه وجدّه؟، فكنّا نكرهه لذلك] ، فما بقيت امرأة ممّن قدمت معي إلّا أخذت رضيعا غيري، [فلمّا أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إنّي لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم
стр. 98
فلآخذنّه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت] : فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلّا أنّي لم أجد غيره.
قالت: فلمّا أخذته رجعت به إلى رحلي، فلمّا وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من اللّبن، فشرب حتّى روي، وشرب معه أخوه ضمرة حتّى رويا، ثمّ ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفي فإذا بها حافل «١» ، فحلب منها ما شرب، وشربت، حتّى انتهينا شبعا وريّا/ [فبتنا بخير ليلة] .
قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلّمي «٢» يا حليمة، والله إنّي لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري إلى ما بتنا فيه من الخير والبركة؟ فلم يزل الله يرينا خيرا.
قالت: ثمّ خرجنا وركبت أتاني تلك، وحملته عليها معي، فو الله لقد قطعت بالرّكب، [ما يقدر عليها شيء من حمرهم] . حتّى إنّ صواحبي ليقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب، ويحك!! إربعي علينا- أي: ارفقي- أليست هذه أتانك الّتي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهنّ: بلى، والله إنّها لهي هي!! فيقلن: والله إنّ لها لشأنا.
قالت: ثمّ قدمنا منازلنا [من بلاد بني سعد] ، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ [حين قدمنا به معنا] شباعا لبنا «٣» ، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان غيرنا منهم قطرة لبن، [ولا يجدها في ضرع] ، حتّى كان الحاضرون من قومنا
стр. 99
يقولون لرعاتهم: ويحكم!! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فيسرحون، فتروح أغنامهم جياعا هزلا ما تبضّ بقطرة لبن، وتروح غنمي شبعا لبنا، فلم نزل نتعرّف من الله الزّيادة والبركة حتّى مضت سنتاه، ففصلته عن الرّضاعة.
قالت: وكنت لا أدخل عليه باللّيل إلّا وجدت السّقف قد انفرج، وقد نزل عليه القمر يناغيه- أي: يحدّثه-.
وكان ﷺ يشبّ شبابا لا يشبّه الغلمان، [فلم يبلغ] سنتيه حتّى كان غلاما جفرا- أي: ممتلئ الجنبين- «١» .
قالت: فقدمنا به على أمّه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنّا نتعرّف من بركته، فقلت لأمّه: دعينا نرجع به، فإنّا نخشى عليه وباء (مكّة) ، ولم نزل بها حتّى ردّته معنا. انتهى كلام ابن إسحاق «٢» .
[حادثة شقّ صدره ﷺ ]
قال غيره: وبعد حولين من مرجعها به- أي: في العام الخامس من مولده ﷺ أتاه ملكان فشقّا صدره، واستخرجا قلبه فشقّاه، واستخرجا منه علقة سوداء، وقالا: هذا حظّ الشّيطان منك، ثمّ ملآه حكمة وإيمانا، ثمّ لأماه، فالتأم [الشّقّ] بإذن الله تعالى، ثمّ ختماه بخاتم النّبوّة بين كتفيه كالطّابع، ثمّ قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمّته، ففعل فوزنهم/، ثمّ قال: زنه بمئة [من أمّته] ، ففعل فوزنهم، ثمّ قال: زنه بألف [من أمّته] ، ففعل فوزنهم، حتّى قال: والله لو وزنته بأمّته كلّها لوزنهم، ثمّ قبّلا رأسه
стр. 100
وما بين عينيه، وقالا: يا حبيب، لم ترع، إنّك لو تدري ما يراد بك [من الخير] لقرّت عيناك.
وروي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «فما هو إلّا أن ولّيا عنّي، وكأنّما الأمر معاينة» «١» .
وفي «صحيح البخاريّ» عن السّائب بن يزيد قال: قمت خلف ظهره ﷺ فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه «٢» . ولمسلم: أنّ الخاتم كان إلى جهة كتفه اليسرى «٣» .
[خوف حليمة على النّبيّ ﷺ وردّه إلى أمّه]
قال ابن إسحاق: فتخوّفت عليه حليمة بعد ذلك، فردّته إلى
стр. 101
أمّه، فقالت لها: ما أقدمك به يا ظئر «١» وقد كنت حريصة عليه؟
فأخبرتها، قالت: أفتخوّفت عليه؟ والله ما للشيطان على ابني هذا من سبيل، وإنّ له لشأنا، ولقد رأيت حين حملت به أنّه خرج منّي نور أضاء لي قصور (بصرى) من أرض (الشّام) «٢» .
[وفاة آمنة]
وفي السّنة السّادسة من مولده ﷺ خرجت به أمّه إلى (المدينة) لتزيره أخوال جدّه عبد المطّلب، وهم بنو عديّ بن النّجّار من الخزرج، وأقامت به شهرا.
وروي عنه أنّه ﷺ قال: «أحسنت السّباحة في بئر بني عديّ بن النّجّار من يومئذ» «٣» .
وكان يهود (المدينة) يومئذ يختلفون إليه «٤» ، ويتعرّفون فيه علامات النّبوّة.
ثمّ رجعت به، فماتت ب (الأبواء) «٥» - بالموحّدة- وهو مكان بين (مكّة والمدينة) .
[أمّ أيمن تحتضن النّبيّ ﷺ ]
وبقي ب (الأبواء) حتّى انتهى الخبر إلى (مكّة) ، فجاءته حاضنته أمّ أيمن «٦» - مولاة أبيه عبد الله بن عبد المطّلب وأمّ أسامة بن زيد- فاحتملته.
стр. 102
والصّحيح أنّ أباه عبد الله مات وهو حمل «١» .
وأمّا أمّه: فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة [بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر] ، وكانت سيّدة قومها بني زهرة، وكان أبوها سيّدهم ولم يلدا- أعني أبويه- غيره ﷺ .
فائدة عظيمة ما يتعلّق بأبويه ﷺ
قال القرطبيّ في «تذكرته» «٢» : خرّج الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابه «السّابق واللّاحق» والحافظ أبو حفص/ عمر بن شاهين في كتابه «النّاسخ والمنسوخ» أنّه ﷺ قال في حجّة الوداع: «ذهبت لقبر أمّي، فسألت الله أن يحييها لي، فأحياها، فامنت بي» «٣» .
[في إحياء والدي النّبيّ ﷺ له]
وكذا ذكره السّهيلي في «الرّوض الأنف» : أنّ من خصائصه ﷺ أنّ الله تعالى أحيا له أبويه فامنا به [٤] .
стр. 103
قال القرطبيّ: فهذا ناسخ لما في صحيح مسلم أنّ النّبيّ ﷺ زار قبر أمّه وقال: «استأذنت ربّي أن أزور قبرها فأذن لي، فاستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي» «١» .
стр. 104
قال القرطبيّ: فإيمانهما به بعد الرّجعة ينفعهما كرامة له ﷺ ، كما وقعت صلاة سليمان ﵇ أداء، لمّا ردّ الله عليه الشّمس بعد غروبها كرامة له، والله يختصّ برحمته من يشاء، ويكرم بكرامته من يشاء «١» .
[تنبّؤ سيف بن ذي يزن والكهّان بمبعث النّبيّ ﷺ ]
وفي السّنة السّابعة: وفد جدّه عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن الحميريّ، لتهنئته بأخذه (صنعاء) وبظفره ب (الحبشة) ، فأكرمه وأخبره هو والكهّان الوافدون عليه بنبوّة محمّد ﷺ ، وأنّه أبوه، وأنّه سيكون له شأن عظيم.
[وفاة جدّه عبد المطّلب وكفالة أبي طالب للنّبيّ ﷺ ]
وفي السّنة الثّامنة: توفّي جدّه عبد المطّلب، فكفله عمّه أبو طالب، واسمه: عبد مناف؛ لأنّه شقيق عبد الله، فأحسن كفالته، وتعرّف منه اليمن والبركة، ودافع عنه بعد مبعثه بيده ولسانه، وكان إذا أكل هو وأولاده فأكل معهم النّبيّ ﷺ شبعوا، وإذا لم يأكل معهم لم يشبعوا.
[خروج النّبيّ ﷺ إلى الشّام مع عمّه أبي طالب وقصّة الرّاهب بحيرا]
وفي السّنة الثّالثة عشرة: خرج به عمّه أبو طالب في تجارة إلى (الشّام) ، فلمّا بلغوا (بصرى) ، رآه الرّاهب بحيرا- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- فتحقّق فيه صفات النّبوّة، فأمر أبا طالب أن يردّه إلى (مكّة) خوفا عليه من اليهود والنّصارى، فرجع به.
وروى التّرمذيّ في «جامعه» أنّ نفرا من الرّوم أرادوا به سوآ، فمنعهم بحيرا وذكّرهم الله، وقال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، أيقدر أحد من النّاس أن يردّه؟ فقالوا: لا، وانصرفوا «٢» .
стр. 105
[شهود النّبيّ ﷺ حرب الفجار]
وفي السّنة الرّابعة عشرة/: كانت حرب الفجار- بكسر الفاء وجيم- بين قريش وهوازن، وسمّيت بذلك لوقوعها في الشّهر الحرام، وتطاولت الحرب بينهم، وكانت الدّائرة لهوازن على قريش، حتّى شهدها ﷺ يوما مع قومه، فانقلبت الدّائرة لهم على هوازن.
[شهود النّبيّ ﷺ حلف الفضول]
ثمّ عقدت قريش حلف الفضول لنصرة المظلوم «١» ، فشهدهم ﷺ . وكان سببه أنّ رجلا قدم (مكّة) بمتاع، فابتاعه منه العاص بن وائل السّهميّ، وظلمه الثّمن، فشكاه، فلم ينصفه أحد، فأوفى على جبل أبي قبيس وأنشد بأعلى صوته، [من البسيط] «٢» :
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائي الدّار والنّفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرّجال وبين الحجر والحجر
فقال الزّبير بن عبد المطّلب بن هاشم: والله لا صبر لي على هذا الأمر، فجمع بني عبد مناف وبني زهرة وبني أسد وتيما في دار عبد الله ابن جدعان التّيميّ، وقد صنع لهم ابن جدعان طعاما، فتحالفوا ليكوننّ عونا للمظلوم على الظّالم، ثمّ أتوا العاص بن وائل فانتزعوا سلعة الرّجل منه قهرا.
وفي الحديث أنّ النّبيّ ﷺ قال: «شهدت مع عمومتي في دار ابن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت إليه اليوم لأجبت» «٣» .
[خروج النّبيّ ﷺ إلى الشّام في تجارة لخديجة ﵂]
وفي السّنة الخامسة والعشرين: خرج ﷺ مع ميسرة غلام
стр. 106
خديجة في تجارة لها بأجرة، فربحا أضعاف ما يربح النّاس، فلمّا رجعا أضعفت له خديجة الأجرة، وشاهد منه ميسرة في تلك السّفرة أنواعا من علامات النّبوّة، منها: أنّه كان إذا اشتدّ الحرّ ظلّلته غمامة، تسير بسيره، وتقف في وقوفه.
فائدة: [في تظليل النّبيّ ﷺ بالغمام]
الظّاهر أنّ تظليله بالغمام كان قبل البعثة، ففي حديث الهجرة أنّ أبا بكر ظلّله بثوب. وفي قصّة غورث كنّا إذا رأينا شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ .
[مرور النّبيّ ﷺ بالرّاهب نسطور]
ومنها-[أي: من علامات النّبوّة]-: أنّهم مرّوا براهب/ يقال له نسطور- بفتح النّون- فقال لميسرة: من هذا الفتى؟ فقال: هو من أهل (مكّة) ، من أهل الحرم، فقال: أشهد أنّه نبيّ، وأنّه آخر الأنبياء.
[خطبة خديجة لرسول الله ﷺ وزواجه منها]
ومنها: ما شاهده من صدقه وأمانته وخلقه العظيم، فأخبر ميسرة خديجة بما شاهده من معجزاته ﷺ وخلقه وبركته، فخطبته إلى نفسها.
وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ.
وكانت خديجة من أفضل نساء قريش حسبا ونسبا وجمالا ومالا، وقد كان كلّ من قومها حريصا على نكاحها، فأكرمها الله بأكرم الخلق على الله، لما سبق في الأزل من الكرامة، فنكحها، وبقيت معه خمسا وعشرين سنة، عشرا بعد المبعث وخمس عشرة قبله، وكانت له عونا على الحقّ، وهي أوّل من أسلم على يديه من النّساء، وهي أمّ أولاده كلّهم: القاسم وعبد الله الطّاهر، ورقيّة، وزينب وأمّ كلثوم، وفاطمة، إلّا إبراهيم فإنّ أمّه مارية القبطيّة.
стр. 107
وفي «الصّحيحين» أنّه ﷺ قال: «خير نسائها مريم [ابنة عمران] ، وخير نسائها خديجة» «١» - أي: مريم خير نساء زمانها، وخديجة خير نساء زمانها-.
وأنّه ﷺ قال: «أتاني جبريل فقال: هذه خديجة، فإذا أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب- أي: لؤلؤ مجوّف- لا نصب فيه- أي: تعب- ولا صخب- أي:
صراخ-» «٢» . زاد الطّبرانيّ أنّها قالت: هو السّلام، ومنه السّلام، وعلى جبريل السّلام.
فائدة: [في التّفاضل بين خديجة وعائشة ﵄]
احتجّ بعض الأئمّة بهذا الحديث على تفضيل خديجة على عائشة ﵄ من حيث إنّ جبريل أقرأ خديجة السّلام عن الله وعن نفسه، وإنّما أقرأ عائشة السّلام عن نفسه، وبقوله ﷺ لمّا قالت له عائشة: قد أبدلك الله خيرا منها-: «ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر النّاس» «٣» .
وأجيب عن الأوّل: بأنّ تسليم الله على خديجة لا يقتضي تفضيلها، / كما لا يقتضي تسليمه على إبراهيم وغيره من الأنبياء تفضيلهم على محمّد، الّذي أمر الله أمّته بالتّسليم عليه. وعن الثّاني: بأن مراد عائشة خيرا منها في السّنّ- كما في الحديث- فقابل
стр. 108
ذلك ﷺ بخيريّة خديجة في الدّين الّذي هو أفضل من حداثة السّنّ.
والله أعلم.
[بنيان الكعبة ومشاركة النّبيّ ﷺ ]
وفي السّنة الخامسة والثّلاثين: بنت قريش (الكعبة) وتقاسمتها أرباعا «١» ، فلمّا انتهوا إلى موضع الحجر الأسود، تنازعت القبائل أيّها يضعه موضعه، حتّى كادوا يقتتلون، ثمّ اتّفقوا على أن يحكّموا أوّل داخل عليهم من بني هاشم.
فكان ﷺ هو أوّل داخل، فقالوا: هذا محمّد، هذا الصّادق الأمين، رضينا به، فحكّموه، فبسط ﷺ رداءه ووضع الحجر فيه، وأمر أربعة من رؤساء القبائل الأربع، أن يأخذوا بأرباع الثّوب، فرفعوه إلى موضعه، فتناوله ﷺ بيده المباركة، فوضعه في موضعه.
وفي «الصّحيحين» : أنّه ﷺ حضرهم يوما في بناء الكعبة فذهب هو وعمّه العبّاس ينقلان الحجارة، فقال له العبّاس:
اجعل إزارك على عاتقك كما يفعلون، ففعل، فخرّ إلى الأرض مغشيّا عليه، وطمحت عيناه إلى السّماء، وقال: «أرني إزاري» ، فشدّه عليه «٢» .
[ترادف علامات النّبوّة عليه ﷺ ]
وفي الثّامنة والثّلاثين: ترادفت علامات نبوّته ﷺ ، وتحدّث بها الرّهبان والكهّان.
стр. 109
[حبّ النّبيّ ﷺ للخلوة]
وفي التّاسعة والثّلاثين: حبّبت إليه الخلوة، فكان يخلو بغار (حراء) أيّاما بعد أيّام، يتزوّد لها. وكان في تلك المدّة يرى أنوارا، ويسمع أصواتا.
[الرّؤيا الصّادقة]
وفي السّنة الأربعين قبل مبعثه بستّة أشهر: كان وحيه ﷺ مناما، وكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. أي: مثل الصّبح المفلوق، أي: المنشقّ. ومنه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [سورة الفلق ١١٣/ ١] .
[تسليم الحجر والشّجر عليه ﷺ ]
وكانت الأحجار والأشجار تسلّم عليه بالرّسالة.
وفي الحديث الصّحيح أنّه/ ﷺ قال: «إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «١» .
وفي «الصّحيحين» أنّه ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزآ من النبوّة» «٢» .
قال العلماء: لأنّ مدّة النّبوّة ثلاث وعشرون سنة، ونصف السّنة منها جزء من ستّة وأربعين جزآ.
وما أحسن قول صاحب البردة- ﵀ فيها، [من البسيط] «٣» :
أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدإ منه ومختتم
يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم ... قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم
стр. 110
وبات إيوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنّار خامدة الأنفاس من أسف ... عليه والنّهر ساهي العين من سدم «١»
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ... وردّ واردها بالغيظ حين ظمي «٢»
كأنّ بالنّار ما بالماء من بلل ... حزنا وبالماء ما بالنّار من ضرم «٣»
والجنّ تهتف والأنوار ساطعة ... والحقّ يظهر من معنى ومن كلم
عموا وصمّوا فإعلان البشائر لم ... تسمع وبارقة الإنذار لم تشم
من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم ... بأنّ دينهم المعوجّ لم يقم
وبعد ما عاينوا في الأفق من شهب ... منقضّة وفق ما في الأرض من صنم
حتّى غدا عن طريق الوحي منهزم ... من الشّياطين يقفو إثر منهزم
لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له ... قلبا متى نامت العينان لم ينم «٤»