الإخاء أساس الحضارة الإسلامية
وحجر الأساس هذا هو الإخاء الإنساني، إخاء يجعل المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وحتى يصل به هذا الإخاء إلى غاية البر والرحمة من غير ضعف ولا استكانة. سأل رجل محمدا: أي الإسلام خير؟ فقال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» . وفي أول خطبة ألقاها بالمدينة قال: «من استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقة من تمر فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها» . وفي خطبته الثانية قال: «اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاه، وأصدقوا الله صالح ما تقولون، وتحابوا بروح الله بينكم: إن الله يغضب أن ينتكث عهده» . بهذا وبمثله كان يحدّث أصحابه وكان يخطب الناس في مسجده، مستندا إلى جذع من جذوع النخل التي يعتمد عليها سقفه، حتى أمر فصنع له منبر من ثلاث درجات، كان يقوم على درجته الأولى خطيبا. وكان يجلس في درجته الثانية.
إخاء محمد والمسلمين
ولم تكن أقواله وحدها دعامة الدعوة إلى هذا الإخاء الذي جعل منه حجر الزاوية في حضارة الإسلام، بل كانت أعماله وكان مثله هو هذا الإخاء في أسمى صور كماله. كان رسول الله؛ لكنه كان يأبى أن يظهر في أيّ من مظاهر السلطان أو الملك أو الرياسة الزمنية. كان يقول لأصحابه: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله» . وخرج على جماعة من أصحابه متوكئا على عصا فقاموا له، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا» . وكان إذا بلغ في مسيره أصحابه جلس منهم حيث انتهى به المجلس. وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ولا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد إلى صلاته وكان أطيب الناس نفسا وأكثرهم تبسّما ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب. وكان في بيته في مهنة أهله يطهر ثوبه ويرقعه ويحلب شاته، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعقل البعير، ويأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس والمسكين. وكان إذا رأى أحدا في حاجة آثره على نفسه وأهله ولو كان بهم خصاصة. وكان لذلك لا يدخر شيئا لغده، حتى لقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي في قوت عياله.
وكان جم التواضع، شديد الوفاء؛ حتى لقد وفد للنجاشي وفد فقام بخدمتهم؛ فقال له أصحابه: يكفيك.
فقال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافئهم. وبلغ من وفائه أنه ما ذكرت خديجة إلا ذكرها أطيب الذكر؛ حتى كانت عائشة تقول: ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة لما كنت أسمعه يذكرها.
ودخلت عليه امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها؛ فلما خرجت قال: إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وأن حسن العهد من الإيمان. وبلغ من طيبة نفسه ورقة قلبه أنه كان يدع بني بناته يداعبونه أثناء صلاته. بل لقد صلى بأمامة ابنة بنته زينب يحملها على عاتقه، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
رفق محمد بالحيوان
ولم يقف بالبرّ والرحمة اللذين جعلهما دعامة الإخاء الذي قامت الحضارة الجديدة على أساسه عند الإنسان، بل عدّاهما إلى الحيوان كذلك؛ كان يقوم بنفسه فيفتح بابه لهرّة تلتمس عنده ملجأ، وكان يقوم بنفسه على تمريض ديك مريض، وكان يمسح لجواده بكمّ قميصه. وركبت عائشة بعيرا فيه صعوبة فجعلت
стр. 142
تردّده؛ فقال لها: عليك بالرفق. وكذلك شملت رحمته كل ما اتصل بها، وأظلت كل من كان في حاجة إلى تفيّؤ ظلالها.
إخاء عدل ورحمة
وهي لم تكن رحمة ضعف ولا استكانة، ولم تشبها شائبة منّ ولا استعلاء إنما كانت إخاء في الله بين محمد والذين اتّصلوا به جميعا. ومن ثمّ يفترق أساس حضارة الإسلام عن كثير من سائر الحضارات. الإسلام يضع العدل إلى جانب الاخاء ويرى أن الإخاء لا يكون إخاء إلا به. (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) «١» . (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ) «٢» .
يجب أن يكون الدافع النفساني وحده والإرادة الحرة المطلقة وابتغاء وجه الله دون أي اعتبار آخر مصدر الإخاء وما يدعو إليه من بر ورحمة. ويجب أن يصدر ذلك عن نفس قوية لا تعرف لغير الله إسلاما ولا تضعف ولا تتهالك باسم الورع أو التقوى، ولا يتسرّب إليها خوف أو وهن إلا عن معصية ولا تكون قوية إذا خضعت لحكم أهوائها وشهواتها. وقد هاجر محمدا وأصحابه من مكة حتى لا يكونوا في حكم قريش ولا يوهن أذاها نفس أحد منهم. والنفس إنما تخضع لحكم الأهواء والشهوات إذا تحكم الجسد في الروح وغلبت الشهوة العقل، وأصبحنا نقيم للحياة الخارجة عنّا سلطانا على حياتنا نحن، على حين أنّا في غنى عنها وأنّا أصحاب السلطان عليها.
قوة محمد على الحياة
وكان محمد المثل الأعلى في القوّة على الحياة، قوّة جعلته لا يأبى أن يعطي غيره كل ما عنده؛ حتى قال أحدهم: إنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة. ولكي لا يكون لشيء مما في الحياة سلطان عليه، وليكون له هو كل السلطان عليها، كان شديد الزهد في مادّتها، على شدة رغبته في الإحاطة بها وفي معرفة أسرارها، وتوقه إلى غاية الحقيقة من أمرها. بلغ من زهده فيها أن كان في فراشه الذي ينام عليه أدما حشوه ليف، وأنه لم يشبع قط، ولم يطعم خبز الشعير يومين متواليين، وكان السويق طعام أكلته الكبرى، وكان التمر طعام سائر يومه. وكان الثريد مما لا يكثر له ولأهله تناوله. ولقد عانى الجوع غير مرة، حتى كان يشدّ على بطنه حجرا يكظم به على صيحات معدته. ذلك كان المعروف عنه في طعامه، وإن لم يمنعه ذلك من أن ينال في بعض الأحايين من أطايب الرزق، وأن يعرف عنه حبّه زند الخروف والقرع والعسل والحلوى.
وكان زهده في اللباس كزهده في الطعام. أعطته امرأة يوما ثوبا كان في حاجة إليه، فطلب إليه أحدهم ما يصلح كفنا لميت فأعطاه الثوب. وكان معروف ثيابه القميص والكساء، وكانا من صوف أو قطن أو تيل. على أنه في بعض الأحيان لم يكن يأبى أن يلبس من أنسجة اليمن لباسا فخما يناسب المقام إذا اقتضاه المقام ذلك. وكان يحتذي حذاء بسيطا، ولم يلبس خفّا إلا حين أهدى إليه النجاشي خفّين وسراويل.
لم يكن هذا الزهد، ولا هذه الرغبة عن الدنيا تقشفا للتقشف، ولا كانا من فرائض الدين؛ فقد جاء في القرآن: (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) «٣» وجاء: (وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) «٤» .
стр. 143
وفي الأثر: «احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا» . لكن محمدا أراد أن يضرب للناس المثل الأعلى في القوة على الحياة قوة لا يتطرق إليها ضعف؛ ولا يستعبد صاحبها متاع أو مال أو سلطان أو أيّ مما يجعل لغير الله عليه سيادة. والإخاء الذي يستند إلى هذه القوة ويكون له من المظهر ما ضرب محمد له المثل الأعلى فيما رأيت، إخاء محض بالغ غاية الإخلاص والسمو، إخاء لا تشوبه شائبة؛ لأن العدل يتضافر فيه مع الرحمة، ولأن صاحبه لا يرضى أن تحمله عليه إلا إرادته الحرة المطلقة. لكن الإسلام إذ يضع العدل إلى جانب الرحمة يضع العفو إلى جانب العدل، على أن يكون عفوا عن مقدرة؛ ليكون مظهر الرحمة صريحا صحيحا، وليكون القصد منه إلى الإصلاح صادقا.
سنّة محمد
هذا الأساس الذي وضعه محمد للحضارة الجديدة التي يقيمها يتلخص بصورة واضحة فيما روي عن عليّ بن أبي طالب أنه سأل رسول الله عن سنته فقال: «المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي؛ والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرّة عيني في الصلاة» .
بدء مخاوف اليهود
تركت تعاليم محمد هذه وترك مثله وقدوته في النفوس أعمق الأثر؛ حتى لقد أقبل كثيرون على الإسلام، وازداد المسلمون في المدينة شوكة وقوة. هنالك بدأ اليهود يفكرون من جديد في موقفهم من محمد وأصحابه.
لقد عقدوا معه عهدا، وكانوا يطمعون في أن يضموه إلى صفوفهم وفي أخ يزدادوا به على النصارى منعة وقوة.
وهذا هو أقوى من هؤلاء وأولئك جميعا، وهذه كلمته تزداد ثباتا. بل هاهو ذا يفكر في أمر قريش وإخراجها إياه وإخراجها المهاجرين من مكة، وفتنتها من استطاعت فتنته من المسلمين عن دينه، أترى اليهود يتركون دعوته تنتشر وسلطانه الروحي يمتد؛ مكتفين بالأمن في جواره أمنا يزيد تجارتهم سعة وثروتهم ربحا؟ لعلهم كانوا يقنعون بهذا لو أنهم أمنوا ألا تمتد دعوته إلى اليهود وألا تفشوا في عامتهم، على حين تقتضيهم تعاليم ألا يعترفوا بنبي من غير بني إسرائيل. لكن حبرا عالما من كبار أحبارهم وعلمائهم، هو عبد الله بن سلام، لم يلبث حين اتصل بالنبي أن أسلم، وأمر أهل بيته فأسلموا معه. وخشي عبد الله أن يقول اليهود فيه إذا علموا بإسلامه، غير ما اعتادوه. فطلب إلى النبي أن يسألهم عنه: ما شأنه؟ قبل أن يعرف أحد منهم إسلامه.
قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. فلما خرج عبد الله إليهم وتبينوا ما صنع ودعاهم هو إلى الإسلام، خافوا عاقبة أمره، فوقعوا فيه وأذاعوا عنه قالة السوء في أحياء اليهود كلها؛ وأجمعوا أمرهم على أن يكيدوا لمحمد وينكروا نبوته. وما كان أسرع أن اجتمع إليهم من بقي على الشرك من الأوس والخزرج ومن أسلم منهم نفاقا، جريا وراء مغنم أو إرضاء لذي عصبة وبأس.
حرب الجدل بين محمد واليهود
وهنا بدأت حرب جدل بين محمد واليهود أشدّ لددا وأكبر مكرا من حرب الجدل التي كانت بينه وبين قريش بمكة. وفي هذه الحرب اليثربية تعاونت الدسيسة والنفاق والعلم بأخبار السابقين من الأنبياء والمرسلين.
أقامتها اليهود جميعا صفوفا متراصة يهاجمون بها محمدا ورسالته وأصحابه المهاجرين والأنصار. دسّوا من أحبارهم من أظهر إسلامه ومن استطاع أن يجلس بين المسلمين يظهر غاية التقوى، ثم ما لبث الحين بعد الحين
стр. 144
أن يبدي من الشكوك والريب ويلقي على محمد من الأسئلة ما يحسبه يزعزع في أنفس المسلمين عقيدتهم به وبرسالة الحقّ التي يدعو اليها. وانضم إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج الذين أسلموا نفاقا أيضا ليسألوا وليوقعوا بين المسلمين. وبلغ من تعنتهم أن اليهود منهم كانوا ينكرون ما في التوراة، وأنهم جميعا، وكلهم يؤمنون بالله سواء منهم بنو إسرائيل والمشركون الذين يتخذون أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى، كانوا يسألون محمدا: إذا كان الله قد خلق الخلق فمن خلق الله؟! وكان محمد يجيبهم بقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) «١» .
وفطن المسلمون لأمر خصومهم وعرفوا غاية سعيهم. ورأوهم يوما في المسجد يتحدثون بينهم خافضين أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم محمد فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا. ولم يثنهم ذلك عن كيدهم وسعيهم في الوقيعة بين المسلمين. مرّ أحدهم (شاس بن قيس) على نفر من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم؛ فغاظه صلاح ذات بينهم وقال في نفسه: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد؛ وما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. وأمر فتى شابّا من اليهود كان معهم أن ينتهز فرصة يذكر فيها يوم بعاث وما كان من انتصار الأوس فيه على الخزرج. وتكلم الغلام، فذكر القوم ذلك اليوم وتنازعوا وتفاخروا واختصموا، وقال بعضهم لبعض: إن شئتم عدنا إلى مثلها. وبلغ محمدا الأمر، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه، فذكرهم بما ألّف الإسلام بين قلوبهم وجعلهم إخوانا متحابين. وما زال بهم حتى بكى القوم وعانق بعضهم بعضا واستغفروا الله جميعا.
بلغ الجدال بين محمد واليهود مبلغا من الشدة يشهد به ما نزل من القرآن فيه. فقد نزل صدر سورة البقرة إلى الآية الحادية والثمانين منها، ونزل قسم عظيم من سورة النساء، وكله يذكر هؤلاء الكتابيين وإنكارهم ما في كتابهم ويلعنهم لكفرهم وإنكارهم أشد اللعنة: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ. وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ) «٢» .
قصة فنحاص
وبلغ الجدال بين اليهود والمسلمين حدّا كان يصل أحيانا، مع ما كان بينهم من عهد، إلى الاعتداء بالأيدي. وحسبك، لتقدر هذا، أن تعلم أن أبا بكر، على ما كان عليه من دماثة الخلق وطول الأناة ولين الطبع، تحدث إلى يهودي يدعى فنحاص، يدعوه إلى الإسلام؛ فرد فنحاص بقوله: «والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا. وإنا عنه أغنياء وما هو عنا بغنى. ولو كان غنيّا عنّا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الرّبا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيّا ما أعطانا» وفنحاص يشير هنا إلى قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) «٣» .
لكن أبا بكر لم يطق على هذا الجواب صبرا، فغضب وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال:
والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك يا عدو الله! وشكا فنحاص أمره إلى النبي
стр. 145
وأنكر ما قاله لأبي بكر في الله: فنزل قوله تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) «١» .
لم يكتف اليهود بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج من هؤلاء، ولم يكفهم فتنة المسلمين عن دينهم ومحاولة ردهم إلى الشرك دون محاولة تهويدهم، بل زادوا على ذلك أن حاولوا فتنة محمد نفسه؛ ذلك أن أحبارهم وأشرافهم وسادتهم ذهبوا إليه وقالوا: «إنك قد عرفت أمرنا ومنزلتنا، وإنا إن اتبعناك اتبعك اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، فنحتكم إليك فتقضي لنا فنتبعك ونؤمن بك» . فنزل فيهم قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) «٢» .
صرف القبلة الى الكعبة
ضاق اليهود ذرعا بمحمد، ففكروا في أن يمكروا به، وأن يقنعوه بالجلاء عن المدينة كما أجلاه أذى قريش إياه وأصحابه عن مكة؛ فذكروا له أن من سبقه من الرسل ذهبوا جميعا إلى بيت المقدس وكان به مقامهم، وأنه إن يكن رسولا حقّا فجدير به أن يصنع صنيعهم، وأن يعتبر المدينة وسطا في هجرته بين مكة ومدينة المسجد الأقصى. لكن محمدا لم يحتج إلى طويل تفكير فيما عرضوا عليه ليعلم أنهم يمكرون به. وأوحى إليه الله يومئذ، على رأس سبعة عشر شهرا من مقامه بالمدينة، أن يجعل قبلته إلى المسجد الحرام بيت إبراهيم وإسماعيل، فنزلت الآية: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) «٣» .
وأنكر اليهود عليه ما فعل، وحاولوا فتنته مرة أخرى بقولهم إنهم يتبعونه إذا هو رجع إلى قبلته؛ فنزل قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)
«٤» .
وفد نصارى نجران
في هذا الوقت الذي اشتد فيه الجدال بين محمد واليهود وفد على المدينة وفد من نصارى نجران عدتهم ستون راكبا؛ من بينهم من شرف فيهم ودرس كتبهم وحسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات. ولعل هذا الوفد إنما جاء إلى مدينة النبيّ حين علم بما بينه وبين اليهود من خلاف، طمعا في أن يزيد هذا الخلاف شدّة حتى يبلغ به العداوة، فيريح النصرانية المتاخمة في الشام وفي اليمن من دسائس اليهود وعدوان العرب. واجتمعت الأديان الثلاثة الكتابيّة بمجيء هذا الوفد وبجداله النبيّ وبقيام ملحمة كلاميّة عنيفة بين اليهودية والمسيحية والإسلام.
فأمّا اليهود فكانوا ينكرون رسالة عيسى ومحمد إنكارا فيه من العنت ما رأيت، ويزعمون أن عزيرا ابن الله.
وأمّا النصارى فكانوا يقولون بالتثليث وألوهية عيسى. وأمّا محمد فكان يدعو إلى توحيد الله، وإلى الوحدة
стр. 146
الروحية تنتظم العالم من أزله إلى أبده. كان اليهود والنصارى يسألونه عمن يؤمن بهم من الرسل فيقول: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) «١» .
وكان ينكر عليهم أشدّ الإنكار كل ما يلقي أية شبهة على وحدة الله، ويذكر لهم أنهم حرّفوا الكلم مما في كتبهم عن مواضعه وأنهم يذهبون إلى غير ما ذهب إليه النبيون والرسل الذين يقرّون لهم بالنبوة، وأن ما جاء به عيسى وموسى ومن سبقهم لا يختلف في شيء عما جاء هو به؛ لأن ما جاؤا به إنما هو الحقيقة الأزليّة الخالدة التي تتكشّف في جلال وضوحها وعظمة بساطتها لكل من نزّه نفسه عن الخضوع لغير الله في عظمة وحدته، ونظر في الكون على أنه وحدة متصلة نظرة سامية فوق أهواء الساعة ومطامع العاجلة وشهوات المادة، مجرّدة من الخضوع الأعمى لأوهام العامة ولما وجد عليه آباءه وأجداده.
مؤتمر الأديان الثلاثة
أي مؤتمر أعظم من هذا المؤتمر الذي شهدت يثرب، تلتقي فيه الأديان الثلاثة التي تتجاذب حتى اليوم مصاير العالم، وتلتقي فيه لأسمى فكرة وأجل غاية! لم يكن مؤتمرا اقتصاديّا، ولا كان مرماه أي غرض من هذه الأغراض المادية التي ينطح عالمنا اليوم عبثا صخرتها؛ إنما كان مرماه غاية روحية تقف من ورائها في أمر النصرانية واليهودية مطامع السياسة ومارب أرباب المال وذوي الملك والسلطان، ويقف فيه محمد لغاية روحية إنسانية بحتة يملي عليه الله في سبيلها الصيغة التي يلقى بها إلى اليهود والنصارى وإلى الناس كافة، يقول لهم فيها: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) «٢» .
تراجع وفد النصارى ورجوعهم
ماذا يستطيع اليهود أو يستطيع النصارى أو يستطيع غيرهم أن يقولوا في هذه الدعوة: ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله! فأما الروح المخلصة الصادقة، فأما النفس الإنسانية التي كرّمت بالعقل والعاطفة فلا تستطيع إلا أن تؤمن بهذا دون غيره. لكن في الحياة الإنسانية إلى الجانب النفساني جانبها المادي. فيها هذا الضعف الذي يجعلنا نقبل لغيرنا علينا سلطانا بثمن يشتري به أنفسنا وأرواحنا وقلوبنا. فيها هذا الغرور القتّال للكرامة وللعاطفة ولنور النفس العاقلة. هذا الجانب المادي المصور في المال وفي الجاه وفي كاذب الألقاب والرتب، وهو الذي جعل أبا حارثة أكثر نصارى نجران علما ومعرفة يدلي إلى رفيق له باقتناعه بما يقول محمد، فلما سأله رفيقه: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا كان جوابه: يمنعني ما صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى.
دعا محمد اليهود والنصارى إلى هذه الدعوة أو بلاعن النصارى؛ فأما اليهود فكان بينه وبينهم عهد الموادعة. إذ ذاك تشاور النصارى ثم أعلنوا إليه أنهم رأوا ألّا يلاعنوه وأن يتركوه على دينه ويرجعوا على دينهم.
ولكنهم رأوا حرص محمد على العدل حرصا احتذى أصحابه فيه مثاله، فطلبوا إليه أن يبعث معهم رجلا يحكم بينهم في أشياء اختلفوا عليها من أقوالهم. وبعث محمد معهم أبا عبيدة بن الجراح ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه.
стр. 147
التفكير في أمر قريش ومكة
وجعل محمد يمكّن للحضارة التي وضع حجر الأساس فيها بتعاليمه ومثله؛ وجعل يفكر هو وأصحابه من المهاجرين فيما لم يفتهم التفكير لحظة فيه منذ هجرتهم من مكة: فيما يجب أن يكون موقفهم من قريش وأمرهم معهم. ولقد كان يدفعهم إلى هذا التفكير دوافع عدة؛ ففي مكة كانت الكعبة ببيت إبراهيم ومكان حجهم وحج العرب جميعا. أفتراهم ينقطعون عن هذا الواجب المقدس الذي كانوا يقومون به إلى يوم أخرجوا من مكة! وفيها ما يزال لهم أهل تهوي إليهم نفوسهم وتشفق من بقائهم على الشرك أفئدتهم وقلوبهم.
وفيها بقيت أموالهم ومتاعهم وتجارتهم مما منعتهم قريش منه حين هجرتهم. ثم إنهم إذ حضروا المدينة كانت موبوءة بالحمّى فأصابهم منها عنت شديد، وبلغت منهم حتى جهدوا مرضا وكانوا يصلون قعودا، فزاد ذلك في تحنانهم إلى مكة. وهم قد أخرجوا من مكة كارهين، فكأنهم خرجوا مغلوبين على أمرهم. وليس في طبع هؤلاء القرشيين أن يصبروا على الضيم أو أن يذعنوا للغلب دون تفكير في الثأر لأنفسهم منه. وإلى جانب هذه الدوافع جميعا كان يحركهم الدافع الطبيعي دافع الحنين إلى الوطن، إلى هذا المكان الذي منه نبتنا وفيه نشأنا ولأرضه وسهله وجبله ومائه كان أول حديثنا وأوّل صداقتنا وأوّل ودّنا. هذه البقعة من الأرض نمّتنا صغارا فإليها مثوانا كبارا، بها تتعلق قلوبنا وعواطفنا، وعنها نذود بقوتنا وبمالنا، ونضحي بمجهودنا وبحياتنا، وفيها نود أن ندفع بعد موتنا لنعود إلى ترابها الذي خرجنا منه. هذا الدافع الطبيعي أذكى في أنفس المهاجرين سائر الدوافع، وجعلهم لا ينفكون يفكرون في قريش وفيما يجب أن يكون موقفهم منها. لن يكون هذا الموقف موقف استسلام أو استخذاء وقد صبروا فيها على الأذى ثلاثة عشر عاما سويّا. والدين الذي احتملوا فيه هذا الأذى والذي هاجروا في سبيله لا يقرّ الضعف ولا اليأس ولا الاستكانة. وإذا كان يمقت الاعتداء وينكره، ويقرّر الإخاء ويدعو إليه، فإنه يفرض الدفاع عن النفس وعن الكرامة وعن حريّة العقيدة وعن الوطن. ولهذا الدفاع أتم محمد مع أهل يثرب بيعة العقبة الكبرى. فكيف يؤدي المهاجرون هذا الفرض عليهم لله ولبيته الحرام ولوطنهم مكة المحبّب إلى قلوبهم؟! هذا ما ستّتجه إليه سياسة محمد والمسلمين معه، حتى يتم له فتح مكة، وحتى يعلو دين الله وتعلو كلمة الحق فيها.
стр. 148
الفصل الثاني عشر السرايا «١» والمناوشات الأولى
تفكير محمد في أمر قريش- إيفاد السرايا لتخويف قوافلهم- غزوة عبد الله بن جحش في الشهر الحرام- الإسلام والقتال.
سياسة المسلمين بالمدينة
استقرّ للمسلمين المقام بالمدينة بعد أشهر من الهجرة، فبدأ تحنان المهاجرين إلى مكة يؤداد، وبدؤا يفكرون فيمن تركوا وما تركوا بها، وما أنزلت قريش بهم من الأذى. فماذا عساهم يصنعون؟ تذهب الكثرة من المؤرخين إلى أنهم فكروا وفكر محمد على رأسهم في الانتقام من قريش لأنفسهم، وفي مبادأتهم بالعداوة والحرب. بل إن بعضهم ليذهب إلى أنهم فكروا في هذه الحرب منذ مقدمهم إلى المدينة، وإنما منعهم من إشعال نارها أنهم كانوا في شغل بإعداد مساكنهم وتنظيم وسائل معاشهم. ويستدل هذا البعض بأن محمدا إنّما عقد بيعة العقبة الكبرى لحرب الأحمر والأسود من الناس. وطبيعيّ أن تكون قريش أوّل من يتجه إليها نظره ونظر أصحابه، ممّا فطنت له قريش بكرة العقبة، فخرجت في فزع تسأل الأوس والخزرج عنه.
ويؤيد هذا البعض قوله بما وقع بعد ثمانية أشهر من مقام الرسول والمهاجرين بالمدينة؛ إذ بعث محمد عمه حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا من المهاجرين دون الأنصار إلى شاطئ البحر من ناحية العيص حيث لقى أبا جهل بن هشام في ثلثمائة راكب من أهل مكة؛ وبأن حمزة كان على أهبة مقاتلة قريش إلا أن حجز بينهم مجديّ بن عمرو الجهنيّ، وكان موادعا الفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض دون قتال؛ وإذ بعث محمد عبيدة بن الحارث في ستين راكبا من المهاجرين دون الأنصار، فساروا إلى ماء بالحجاز بوادي رابغ، فلقيهم به جمع من قريش يزيد على مائتين على رأسهم أبو سفيان، فانسحبوا من غير قتال، إلا ما روي من أن سعد بن أبي وقّاص رمى يومئذ بسهم «فكان أوّل سهم رمي به في الإسلام» ؛ وإذ بعث سعد بن أبي وقّاص في ثمانية من المهاجرين على رواية، وفي عشرين منهم على رواية أخرى، فخرجوا إلى أرض الحجاز ثم عادوا بعد أن لم يصيبوا ما أرسلوا فيه.
стр. 149
خروج النبي بنفسه
ويزيد هذا البعض دليله تأييدا بأن النبيّ خرج بنفسه على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه إلى المدينة، واستعمل عليها سعد بن عبادة، وسار إلى الأبواء حتى بلغ ودّان يريد قريشا وبني ضمرة؛ فلم يلق قريشا وحالفته بنو ضمرة، وأنه بعد شهر من ذلك خرج على رأس مائتين من المهاجرين والأنصار إلى بواط يريد قافلة يقودها أمية بن خلف عدتها ألفان وخمسمائة بعير يحميها مائة محارب فلم يدركها، أن اتخذت طريقا غير طريق القوافل المعبّد. وأنه بعد شهرين أو ثلاثة من عودته من بواط من ناحية رضوي استعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد وخرج في أكثر من مائتين من المسلمين حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جمادي الأولى وليالي من جمادي الآخرة من السنة الثانية للهجرة (أكتوبر سنة ٦٢٣ م) ينتظر مرور قافلة من قريش على رأسها أبو سفيان ففاتته. وكسب من رحلته هذه أن وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، وأنه ما كان يرجع إلى المدينة ليقيم بها عشر ليال حتى أغار كرز بن جابر الفهري، من المتصلين بمكة وبقريش، على إبل المدينة وأغنامها، فخرج النبي في طلبه، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وتابع مسيره حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز فلم يدركه. وهذه هي التي يطلق عليها كتّاب السيرة اسم غزوة بدر الأولى.
رأي المؤرخين في الغزوات الأولى
أفلا يقوم هذا كله دليلا على أن المهاجرين فكروا وفكر محمد على رأسهم في الانتقام من قريش لأنفسهم وفي مبادأتهم بالعداوة والحرب؟ وهو على أقل تقدير- في رأي هؤلاء المؤرخين- يشهد بأنهم قصدوا من إرسال سراياهم وغزواتهم المبدئية هذه إلى غايتين؛ الأولى: الوقوع على قوافل قريش في ذهابها إلى الشام أو عودتها منها حين رحلة الصيف، واحتمال ما يمكن احتماله من الأموال التي تذهب هذه القوافل وتعود بالتجارة فيها.
والثانية: أخذ الطرق على قوافل قريش في رحلتها إلى الشام بعقد الموادعات والأحلاف مع القبائل المتّصلة ما بين المدينة وشاطئ البحر الأحمر، بما يسهّل على المهاجرين مهاجمة هذه القوافل دون أن تلقى في جوار هاته القبائل ما يحميها من محمد وأصحابه، حماية تمنع أخذ المسلمين رجالها ومالها أخذ عزيز مقتدر. وهذه السّرايا التي عقد النبي ﵇ ألويتها لحمزة ولعبيدة بن الحارث ولسعد بن أبي وقاص وهذه المخالفات التي عقدها بنو ضمرة وبنو مدلج وغيرهم، تؤيد الغاية الثانية وتشهد بأن أخذ طريق الشام على أهل مكة كان بعض ما قصد إليه المسلمون.
رأينا في الغرض من السرايا
أما أنهم بهذه السرايا، التي بدأت بعد ستة أشهر من مقامهم بالمدينة والتي اشترك فيها المهاجرون وحدهم، كانوا يقصدون حرب قريش وغزو قوافلها، فذلك ما يقف الإنسان منه موقف التردد والتفكير. فلم تكن سرية حمزة لتزيد على ثلاثين رجلا من المهاجرين، ولم تزد سرية عبيدة على ستين، وكانت سرية سعد لا تتجاوز ثمانية نفر على قول، وعشرين على قول آخر. وكان الموكلون بحماية قوافل قريش عادة أضعاف هذه الأعداد، وقد زادتهم قريش عددا وعدة منذ أقام محمد بالمدينة وبدأ يحالف القبائل التي بها والقريبة منها. ومهما يكن من بأس حمزة. وعبيدة وسعد ممن كانوا يرأسون سرايا المهاجرين، فإن عدة من معهم لم تكن لتشجعهم على الحرب، مما جعلهم يكتفون منها جميعا بتهديد قريش دون قتالها إلا ما قيل عن السهم الذي رمى به سعد.
تعرض تجارة قريش للخطر
ثم إن قوافل قريش كان يحميها من أهل مكة من تصلهم بالكثيرين من المهاجرين أواصر القربى وصلات
стр. 150
الدم؛ فلم يكن من اليسير عليهم أن يقتل بعضهم بعضا وأن يتعرض هؤلاء وأولئك لطلب الثأر، وأن يعرّضوا مكة والمدينة جميعا لحرب أهلية استطاع المسلمون والوثنيون اتقاءها بمكة ثلاث عشرة سنة متتابعة من يوم بعث محمد إلى يوم هجرته. والمسلمون كانوا يعلمون أن بيعة العقبة كانت بيعة دفاعيّة تعهد فيها الأوس والخزرج بحماية محمد، ولم يعاهدوه ولا عاهدوا أحدا ممن معه على العدوان. فليس من اليسير مع هذا كله التسليم مع المؤرخين، الذين لم يبدؤا بكتابة تاريخ النبي إلا بعد قرابة قرنين من وفاته، بأن هذه السرايا والرحلات الأولى كان يقصد بها القتال بالفعل. فلا بد لها إذا من تأويل أقرب إلى العقل وأكثر اتفاقا مع سياسة المسلمين في هذه الفترة الأولى من مقامهم بالمدينة، وأدق تمشيا مع سياسة الرسول التي كانت قائمة يومئذ على قواعد التفاهم والاتفاق مع مختلف القبائل، لكفالة حرية الدعوة الدينية من ناحية، وكفالة حسن المعاملة والجوار من ناحية أخرى.
والراجح عندي أن هذه السرايا الأولى إنما قصد بها إلى إفهام قريش أن مصلحتهم تقتضيهم التفاهم مع المسلمين من أهلهم الذين اضطّروا إلى الجلاء عن مكة بسبب ما عانوا من الاضطهاد تفاهما يقي الطرفين شرور العداوة والبغضاء ويكفل للمسلمين حرية الدعوة إلى الدين، ولأهل مكة سلامة تجارتهم في طريقها إلى الشام.
وقد كانت هذه التجارة التي تبعث بها مكة والطائف جميعا، والتي كانت تجيء إلى مكة من بلاد الجنوب، تجارة واسعة النطاق، حتى لقد كانت بعض القوافل تسير في ألفي بعير، حمولتها تزيد على خمسين ألف دينار. كانت صادرات مكة السنوية، على ما قدّرها المستشرق «سبرنجر» توازي مائتين وخمسين ألفا من الدنانير، أي نحو مائة وستين ألف جنيه ذهبا. فإذا أيقنت قريش تعرّض هذه التجارة للخطر آتيا من أبنائها من الذين هاجروا إلى المدينة دعاها ذلك إلى التفكير في التفاهم معهم تفاهما طمع المسلمون في أن يكفل لهم ما كانوا يطمحون إليه من حرية الدعوة إلى دينهم، ومن حرية الدخول إلى مكة والطواف ببيتها العتيق. ولم يكن مثل هذا التفاهم ممكنا ما لم تقدر قريش قوة المهاجرين من أبنائها على الإيقاع بها وإيصاد طريق التجارة في وجهها. وهذا هو ما يفسر عندي رجوع حمزة ومن معه من المهاجرين الذين لقوا أبا جهل بن هشام عند ساحل الجزيرة لأول ما حجز مجديّ بن عمرو الجهني بينهما، كما يفسر كثرة اتجاه المسلمين بسراياهم إلى طريق تجارة مكة في عدد لا يسهل معه تصوّرهم مقدمين على الحرب. وهذا كذلك هو الذي يفسر حرص النبيّ، بعد ما بدا من صلف قريش وعدم اعتدادها بقوة المهاجرين، على موادعة القبائل المقيمة على طريق هذه التجارة، والتحالف معها تحالفا نمى خبره إلى قريش لعلها ترعوي وتعود إلى التفكير في التفاهم والاتفاق.
الأنصار والغزو الهجومي
يدعم هذا الرأي بأقوى سند أن النبي ﵇ لمّا خرج إلى بواط وإلى العشيرة كان من بين الذين صحبوه عدد غير قليل من الأنصار أهل المدينة. والأنصار إنما بايعوه ليدفعوا عنه لا ليهاجموا معه. وسنرى ذلك صريحا حين غزوة بدر الكبرى؛ إذ يتردد محمد دون القتال حتى يوافق أهل المدينة عليه. وإذا كان الأنصار لا يرون مخالفة لبيعتهم في أن يعاهد محمد غيرهم من الناس، فليس معنى هذا أن يخرجوا معه لحرب أهل مكة وليس بين الفريقين من أسباب الحرب ما تجيزه أخلاق العرب، أو يجيزه نظام صلاتهم بعضهم ببعض. ومهما يكن في هذه الموادعات التي يعقدها محمد من تقوية المدينة ومن توهين ما تطمع تجارة قريش فيه من أسباب الحماية؛ فشتان ما بين ذلك وبين إعلان الحرب أو السعي إليها. فالقول إذا بأن حمزة أو عبيدة بن الحارث أو سعد بن أبي وقاص إنما خرجوا لحرب قريش. وتسمية سرياتهم غزوات مرجوح عندنا فلا نكاد نسيغه. والقول كذلك بأن محمدا إنما خرج إلى الأبواء وبواط والعشيرة غازيا، فيه تجوّز كبير وترد عليه الاعتراضات التي قدمنا.
стр. 151
ولا يفسّر أخذ مؤرخي محمد به إلا أنهم لم يترجموا لمحمد إلا في أواخر القرن الثاني للهجرة، وأنهم كانوا متأثرين بالمغازي التي حدثت بعد ذلك منذ بدر الكبرى، فاعتبروا ما سبقها من مناوشات يقصد بها إلى غير الحرب مغازي تضاف إلى حروب المسلمين أيّام النبي.
والظاهر أن كثيرين من المستشرقين قد فطنوا لهذا الاعتراض وإن لم يشيروا في كتبهم إليه. وإنما يدعونا إلى الظن بفطنتهم له أنهم، مع مجاراتهم مؤرخي المسلمين في قصد المهاجرين ومحمد على رأسهم إلى حرب أهل مكة منذ الساعة الأولى من مقامهم بالمدينة، قد أشاروا إلى أن هذه السرايا الأولى إنما كان يقصد بها إلى نهب تجارة القوافل، فإن النهب كان بعض طباع أهل البادية، وإن أهل المدينة إنما أغرتهم الغنيمة والسّلب باتباع محمد على خلاف عهدهم في العقبة، وهذا كلام مردود، لأن أهل المدينة كأهل مكة لم يكونوا أهل بادية يعيشون على السلب والنهب، وأنهم فوق ذلك كان في طبعهم ما في طبع من يعيشون على الزراعة من حب الاستقرار مما يجعلهم لا يتحركون إلى قتال إلا لدافع قويّ. أمّا المهاجرون فكان من حقهم أن يستخلصوا من أيدي قريش ما أخذت من أموالهم؛ لكنهم لم يستعجلوا ذلك قبل بدر، فلم يكن هو الدافع لإرسال السرايا والغزوات الأولى. ثم إن القتال لم يشرع في الإسلام ولم يقم به محمد وأصحابه لهذه الغاية البدوية التي يتوهم المستشرقون، وإنما شرع وقام به محمد وأصحابه حتى لا يفتنهم عن دينهم أحد، وحتى يكون لهم من حرية الدعوة ما يشاؤن. وسنرى من بعد تفصيل هذا والدليل عليه. وعندئذ يزداد أمامنا وضوحا أن محمدا إنما كان يرمي من المعاهدات التي عقد إلى تعزيز المدينة، حتى لا يتطرق إلى قريش فيها مطمع، فلا يحاولوا إعنات المسلمين فيها كما حاولوا من قبل إعادتهم من بلاد الحبشة؛ وأنه كان لا يأبى في الوقت نفسه أن يعاهد قريشا على أن تترك حرية الدعوة لدين الله طليقة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.
إرهاب اليهود
ولعل محمدا رمى من وراء هذه السرايا والرحلات المسلحة إلى غرض آخر. لعله رمى إلى إرهاب اليهود المقيمين في المدينة وعلى مقربة منها. فقد رأيت أن هؤلاء اليهود بعد أن طمعوا أوّل وصول محمد إلى المدينة في ضمه إليهم، وبعد أن وادعوه وعاهدوه على حريّة الدعوة للدين، وعلى إقامة شعائره وفرائضه. لم يلبثوا، حين رأوا أمر محمد يستقر ولواء الإسلام يسمو ويرتفع، أن بدؤا يقبلون للنبيّ ظهر المجنّ ويعملون للوقيعة به.
ولئن قعدوا عن مصارحته بالعداوة خشية أن تتعرض مصالحهم التجارية للارتباك إذا نشبت بين أهل المدينة حرب أهلية، أو محافظة على عهد موادعتهم، لقد لجأوا إلى كل وسيلة للدس بين المسلمين ولإثارة البغضاء بين المهاجرين والأنصار، ولإيقاظ الأحقاد الماضية بين الأوس والخزرج بذكر يوم بعاث ورواية ما قيل من الشعر فيه.
دسائس اليهود
وقد فطن المسلمون لدسّهم ولمبالغتهم فيه، وبلغوا من ذلك أن حشروهم في زمرة المنافقين، بل اعتبروهم شرّا منهم، فأخرجوهم من المسجد إخراجا عنيفا، وأبوا عليهم أن يجلسوا إليهم أو أن يتحدّثوا معهم؛ وانتهى النبيّ ﵇ إلى الإعراض عنهم بعد إذ حاول إقناعهم بالحجة والدليل، وطبيعيّ لو ترك حبل يهود المدينة هؤلاء على غاربهم، أن يستفحل أمرهم ويثيروا الفتنة التي يسعون لإثارتها. وليس يكفي في عرف الدقّة السياسية التحذير منهم والتنبيه إلى كيدهم، بل لا بد من إشعارهم أن للمسلمين من القوة ما يمكنهم من إخماد أية فتنة تقوم، ومن القضاء على أسبابها واجتثاث أصولها. وخير وسيلة لهذا الإشعار إرسال السرايا والقيام بالمناوشات الحربية في مختلف الأنحاء على ألا تتعرّض قوّات المسلمين لهزيمة تطمع اليهود كما
стр. 152
تطمع قريشا فيهم. وهذه المداورة هي ما وقع؛ ووقع من رجال كحمزة سريعين إلى الغضب لا تكفي لصدّهم عن القتال وساطة موادع يدعو إلى السلم ما لم تكن المناوشة الحربية ثم الامساك عن القتال في عزّة وكرامة، سياسة مرسومة، وخطة مبيتة يقصد بها إلى درك غايات معينة، هي ما ذكرنا من تخويف اليهود من ناحية، والسعي من ناحية أخرى للاتفاق مع قريش على ترك الدعوة للدين وإقامة شعائره حرة مطلقة من غير حاجة إلى حرب أو قتال.
الإسلام والقتال
وليس معنى هذا أن الإسلام كان يومئذ ينكر القتال دفاعا عن النفس ودفاعا عن العقيدة، دفعا لمن يريد فتنة صاحبها عنها. كلا! بل إن الإسلام ليفرض هذا الدفاع. وإنما معناه أن الإسلام. كان يومئذ، كما هو اليوم وكما كان دائما، ينكر حرب الاعتداء: (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) «١» . وإذا كان لدى المهاجرين يومئذ ما يبيح لهم اقتضاء ما حجزت قريش من أموالهم عند هجرتهم فإن دفع فتنة المؤمنين عن دينهم كان أكبر عند الله ورسوله، وكان الغاية الأولى التي شرع من أجلها القتال.
سرية عبد الله بن جحش
والحجة على ذلك ما نزل من الآيات في سريّة عبد الله بن جحش الأسديّ، فقد بعثه رسول الله في رجب من تلك السنة الثانية للهجرة ومعه جماعة من المهاجرين، ودفع إليه كتابا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره، فيمضي لما أمره ولا يستكره من أصحابه أحدا. وفتح عبد الله الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة (بين مكة والطائف) فترصّد بها قريشا وتعلّم لنا من أخبارهم» .
وعلم أصحابه بالأمر وبأنه لا يستكره أحدا منهم، فمضوا معه جميعا خلا سعد بن أبي وقّاص الزّهريّ وعتبة بن غزوان اللّذين هبا يطلبان بعيرا لهما ضل فأسرتهما قريش. وسار عبد الله ومن معه حتى نزلوا نخلة. هناك مرت بهم عير لقريش تحمل تجارة عليها عمرو بن الحضرمي؛ وكان يومئذ آخر شهر رجب. وذكر عبد الله بن جحش ومن معه من المهاجرين ما صنعت قريش بهم وما حجزت من أموالهم، وتشاوروا وقال بعضهم لبعض: «والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به. ولئن قتلتموهم لتقتلّنهم في الشهر الحرام» .
وترددوا وهابوا الإقدام، ثم شجعوا أنفسهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم. ورمى أحدهم عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله وأسر المسلمون رجلين من قريش.
الفتنة أكبر من القتل
وأقبل عبد الله بن جحش بالعير والأسيرين حتى قدموا المدينة على الرسول وحجز القوم لمحمد من مغنمهم الخمس. فلما رآهم قال لهم: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام؛ ووقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا. وأسقط في يد عبد الله بن جحش وأصحابه، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين بما صنعوا.
وانتهزت قريش الفرصة فأثارت ثائرة الدعاية ونادت في كل مكان: إن محمدا وأصحابه استحلّوا الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدّم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا الرجال. وأجاب المسلمون الذين كانوا بمكة أن إخوانهم في الدين من المهاجرين إلى المدينة إنما أصابوا في شعبان. ودخلت اليهود تريد إشعال نار الفتنة، إذ ذاك
стр. 153
نزل قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا) «١» .
وسرّي عن المسلمين بنزول القرآن بهذا الأمر، وقبض النبيّ العير والأسيرين فافتدتهما منه قريش؛ فقال: لا نفديكموهما «٢» حتى يقدم صاحبانا- يعني سعد بن أبي وقّاص وعتبة بن غزوان- فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. وقدم سعد وعتبة وأفداهما النبيّ من الأسيرين. فأما أحدهما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام بالمدينة. وأما الآخر فرجع إلى مكة وظل بها حتى مات على دينه ودين آبائه.
جدير بنا أن نقف عند سرية عبد الله بن جحش هذه والآية الكريمة التي نزلت فيها؛ فهي في رأينا مفترق طرق في سياسة الإسلام. هي حادث جديد في نوعه يدل على روح قويّ في سمّوه، إنسانيّ في قوّته، ينتظم نواحي الحياة المادية والمعنوية والروحية كأشد ما يكون النظام قوّة ورفعة وتوجها إلى الكمال. فالقرآن يجيب المشركين عن سؤالهم عن القتال في الشهر الحرام أهو من الكبائر، ويقرّهم على أنه كذلك أمر كبير. لكن هناك ما هو أكبر من هذا الأمر. فالصّدّ عن سبيل الله والكفر به أكبر من القتال في الشهر الحرام، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر من القتال في الشهر الحرام والقتل فيه. وفتنة الرجل عن دينه بالوعد والوعيد والإغراء والتعذيب أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي غير الشهر الحرام. وقريش والمشركون الذين ينعون على المسلمين ما قتلوا في الشهر الحرام لن يزالوا يقاتلون المسلمين حتى يردّوهم عن دينهم إن استطاعوا. فإذا كانت قريش وكان المشركون يرتكبون هذه الكبائر جميعا، فيصدّون عن سبيل الله ويكفرون به ويخرجون أهل المسجد الحرام منه ويفتنونهم عن دينهم، فلا جناح على من تقع عليه أوزارهم وكبائرهم هذه إن هو قاتلهم في الشهر الحرام، وإنما الكبيرة أن يقاتل في الشهر الحرام من لا يجترح من هذه الأوزار وزرا.
القرآن والقتال
الفتنة أكبر من القتل. وحقّ بل واجب على من يرى غيره يحاول فتنته عن دينه أو يصدّ عن سبيل الله أن يقاتل في سبيل الله حتى لا يفتن وحتى ينصر دين الله. هنا يرفع المستشرقون والمبشرون عقائرهم صائحين:
أرأيتم! هذا محمد يدعو دينه إلى الحرب وإلى الجهاد في سبيل الله ، أي إكراه الناس بالسيف على الدخول في الإسلام. أليس هذا هو التعصب بعينه! وهذا في حين تنكر المسيحية القتال وتمقت الحرب وتدعو إلى السلام، وتنادي بالتسامح وتربط بين الناس برابطة الإخاء في الله وفي السّيد المسيح. ولست أؤيد لكي أناقش هؤلاء، أن أذكر كلمة الإنجيل: «ما جئت لألقي على الأرض سلاما بل سيفا ... إلخ» . وما تنطوي عليه هذه الكلمة من المعاني؛ فالمسلمون يقرّون دين عيسى كما نزل به القرآن. وإنما أريد بادئ الرأي أن أردّ قولهم: إن محمدا دعا دينه إلى القتال لإكراه الناس بالسيف على الدخول في الإسلام. فهذه فرية ينكرها القرآن في قوله تعالى: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) «٣» ، وفي قوله تعالى: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) «٤» . وفي كثير غير هاتين الآيتين الكريمتين.
الجهاد في سبيل الله
والجهاد في سبيل الله معناه الصريح، على نحو ما ورد في الآيات التي ذكرناها والتي نزلت في سرية
стр. 154
عبد الله بن جحش، قتال الذين يفتنون المسلم عن دينه ويصدّون عن سبيل الله، وهذا هو القتال في سبيل حرية الدعوة إلى الله وإلى دينه. وبعبارة تتمشى مع أسلوب عصرنا الحاضر: الدفاع عن الرأي بالوسائل التي يقاتل بها أصحاب الرأي. فإذا أراد أحد أن يفتن رجلا عن رأيه بالدعاية وبالمنطق دون أن يحمله على ترك هذا الرأي بالقوّة وبغير القوّة من وسائل الرشوة والتعذيب، لم يكن لأحد أن يدفع هذا الرجل إلا بإدحاض حجته وتفنيد منطقه، لكنه إذا حاول بالقوة المسلحة أن يصد صاحب رأي عن رأيه، وجب دفع القوّة المسلحة بالقوّة المسلحة متى استطاع الإنسان إليها سبيلا. ذلك بأن كرامة الانسان تتلخّص في كلمة واحدة: عقيدته.
فالعقيدة أثمن، عند من يقدر معنى الإنسانية، من المال ومن الجاه ومن السلطان ومن الحياة نفسها، من هذه الحياة الماديّة التي يشترك الإنسان والحيوان فيها، يأكلون ويشربون، وتنمو أجسامهم وتقوى عضلاتهم.
والعقيدة هي هذه الصلة المعنوية بين الإنسان والإنسان، والصلة الروحية بين المرء وربه. وهي هذا الحظ الذي يمتاز به الإنسان على سائر الحيوان مما في الحياة، والذي يجعله يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويؤثر البائس والفقير والمسكين على أهله ولو كان به وبهم خصاصة، ويتّصل بالكون كله ليعمل دائبا كي يبلغ الكون ما قدّر الله له من كمال.
إذا ملكت هذه العقيدة إنسانا فحاول غيره فتنته عنها ولم يستطع دفاعا عن نفسه، فعل ما فعل المسلمون قبل هجرتهم إلى المدينة، فاحتمل المساءة والأذى وصبر على الهون والضيم، ولم يصدّه جوع ولا حرمان أيّا كان نوعه عن التمسك بعقيدته. وهذا الذي فعل المسلمون الأوّلون هو الذي فعل المسيحيون الأولون. لكن الصابرين لعقيدتهم ليسوا هم سواد الناس ولا جماعتهم، وإنما هم الصفوة والمختارون ومن حباهم الله من قوّة الإيمان ما يصغر معه كل أذى وكل ضيم؛ وما يدكّ الرّواسي، وما تقول معه للجبل انتقل من مكانك ينتقل، على حدّ تعبير الإنجيل. لكنك إذا استطعت أن تدفع الفتنة بسلاح من يحاول الفتنة، وأن تقف في وجه من يصدّ عن سبيل الله بوسائله، وجب عليك أن تفعل، وإلا كنت مزعزع العقيدة ضعيف الإيمان. وهذا ما فعل محمد وأصحابه بعد أن استقرّ لهم الأمر بالمدينة؛ وهذا ما فعل المسيحيون بعد أن استقرّ لهم السلطان في رومية في بزنطية وبعد أن لان قلب بعض عواهل الروم لدين المسيح.
المسيحية والقتال
ويقول المبشرون: لكن روح المسيحية تنكر القتال على إطلاقه. ولست أقف لأبحث عن صحة هذا القول. لكن تاريخ المسيحية أمامنا شاهد عدل، وتاريخ الإسلام أمامنا شاهد عدل. فمنذ فجر المسيحية إلى يومنا هذا خضّبت أقطار الأرض جميعا بالدماء باسم السيد المسيح؛ خضبها الروم وخضبتها أمم أوربا كلها.
والحروب الصليبية إنما أذكى لهيبها المسيحيون لا المسلمون. ولقد ظلّت الجيوش باسم الصليب تنحدر من أوربا خلال السنين قاصدة أقطار الشرق الإسلامية، تقاتل وتحارب وتريق الدماء، وفي كل مرة كان البابوات خلفاء المسيح يباركون هذه الجيوش الزاحفة للإستيلاء على بيت المقدس وعلى الأماكن النصرانية المقدّسة. أفكان هؤلاء البابوات جميعا هراطقة وكانت مسيحيتهم زائفة؟ أم كانوا أدعياء جهالا لا يعرفون أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه؟ أم يقولون: تلك كانت العصور الوسطى عصور الظلام فلا يحتج على المسيحية بها؟ إن يكن ذلك بعض ما قد يقولون، فإن هذا القرن المتم للعشرين الذي نعيش فيه والذي يسمونه عصر الحضارة الإنسانية العليا، قد رأى ما رأت تلك العصور الوسطى المظلمة. فقد وقف اللورد اللنبي ممثل الحلفاء:
إنكلترا وفرنسا وإيطاليا ورومانيا وأمريكا، يقول في بيت المقدس في سنة ١٩١٨ حين استيلائه عليه في أخريات الحرب العالمية الأولى: «اليوم انتهت الحروب الصليبية» .
стр. 155
القديسون في الإسلام والمسيحية
إذا كان من بين المسيحيين قدّيسون أنكروا القتال في مختلف العصور وسموا بذواتهم إلى الذروة من معنى الإخاء الإنساني، بل من معنى الإخاء بين عناصر الكون كله، فمن بين المسلمين كذلك قدّيسون سمت نفوسهم هذا السموّ واتصلوا بكل الوجود اتصال إخاء ومحبة وإشراق ملأ منهم النفوس بوحدة الوجود. لكن هؤلاء القدّيسين، من النصارى والمسلمين، وإن صوّروا المثل الأعلى، لا يمثلون حياة الإنسانية أثناء تطوّرها الدائم وفي دأب جهادها إلى الكمال، إلى هذا الكمال الذي نحاول تصوّره ثم يقعد بنا العقل ويقعد بنا الخيال دون شيء من الدقّة وفي إدراكه، وإن نحن جازفنا بتصويره تمهيدا لما نحاول من جهود في سبيله. وهذه سبع وخمسون وثلثمائة وألف سنة قد انقضت منذ هجرة النبي العربي من مكة إلى يثرب والناس في مختلف العصور يزدادون في القتال افتنانا وفي صنع آلاته الجهنمية المدمرّة دقة وإتقانا. وما تزال كلمات نبذ الحرب وإلغاء التسلح والتحكيم لا تزيد على أنها كلمات تقال في أعقاب كل حرب تنهك الأمم، أو على أنها دعايات تلقى في جوّ الحياة من أناس لم يستطيعوا حتى اليوم- ومن يدري! فلعلهم لا يستطيعون يوما- أن يحقّقوا منها شيئا، وأن يحلوا السلام الصحيح؛ سلام الإخاء والعدل، محلّ السلام المسلح نذير الحرب وطليعة ويلاتها.
الإسلام دين الفطرة
والإسلام ليس دين وهم وخيال، ولا هو دين يقف عند دعوة الفرد وحده إلى الكمال؛ إنما الإسلام دين الفطرة التي فطر الناس جميعا عليها أفرادا وجماعات، وهو دين الحق والحرية والنظام. وما دامت الحرب في فطرة الناس، فتهذيب فكرتها في النفوس وحصرها في أدقّ الحدود الإنسانية هو غاية ما تحتمل فطرة البشر، وما يحقق للإنسانية اتصال تطورها في سبيل الخير والكمال. وخير تهذيب لفكرة الحرب ألا تكون إلا للدفاع عن النفس وعن العقيدة وعن حرية الرأي والدعوة إليه، وأن ترعى فيها الحرمات الإنسانية تمام الرعاية. وهذا ما قرر الإسلام على ما رأينا وما سنرى من بعد. وهذا ما نزل به القرآن، وضعناه وسنضعه تحت نظر القارئ في الأحوال والمناسبات التي نزل فيها.
стр. 156
الفصل الثالث عشر غزوة بدر الكبرى
خروج أبي سفيان إلى الشام- محاولة المسلمين قطع الطريق عليه- نجاته في الذهاب! انتظارهم إياه في أوبته- علم قريش بتجهيز المسلمين- خروجهم إلى بدر- نجاة أبي سفيان بتجارته- تردد قريش والمسلمين في القتال- زوال التردد- موقف الفريقين في بدر- حماسة المسلمين وانتصارهم.
كانت سريّة عبد الله بن جحش مفترق طرق في سياسة الإسلام، فيها رمى واقد بن عبد الله التميميّ عمرو بن الخضرميّ بسهم فقتله، فكان أوّل دم أراق المسلمون. وفيها نزلت الآية التي قدّمنا؛، وعلى أثرها شرع قتال الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ويصدّون عن سبيل الله. وكانت هذه السرّية مفترق طرق كذلك في سياسة المسلمين إزاء قريش، أن جعلت الفريقين يتناظران بأسا وقوّة. فقد جعل المسلمون يفكرون من بعدها تفكيرا جدّيا في استخلاص أموالهم من قريش بغزوهم وقتالهم. ذلك بأن قريشا حاولت إثارة شبه الجزيرة كلها على محمد وأصحابه أن قتلوا في الشهر الحرام؛ حتى لقد أيقن محمد أن لم يبق في مصانعتهم أو في اتفاق معهم رجاء. وقد خرج أبو سفيان في أوائل الخريف من السنة الثانية للهجرة في تجارة كبيرة يقصد الشام، وهي التجارة التي أراد المسلمون اعتراضها حين خرج النبي ﵊ إلى العشيرة. لكنهم إذ بلغوها كانت قافلة أبي سفيان قد مرّت بها ليومين من قبل وصولهم إليها؛ إذ ذاك اعتزم المسلمون انتظارها في عودتها. ولما تحيّن محمد انصرافها من الشام بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ينتظران خبرها، فسارا حتى نزلا على كشد الجهنيّ بالحوراء وأقاما عنده في خباء حتى مرّت العير، فأسرعا إلى محمد ليفضيا إليه بأمرها وما رأيا منها.
على أن محمدا لم ينتظر رسوليه إلى الحوراء وما يأتيان به من خبر العير؛ فقد ترامى إليه أنها عير عظيمة، وأن أهل مكة جميعا اشتركوا فيها، لم يبق أحد منهم من الرجال والنساء استطاع أن يساهم فيها بحظ إلا فعل، حتى قوّم ما فيها بخمسين ألفا من الدنانير. ولقد خشي إن هو انتظرها أن تفوته العير في عودتها إلى مكة كما فاتته في ذهابها إلى الشام. لذلك ندب المسلمين وقال لهم: هذه عير قريش؛ فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها.
وخفّ بعض الناس وثقل بعض، وأراد جماعة لم يسلموا أن ينضموا طمعا في الغنيمة، فأبى محمد عليهم الانضمام أو يؤمنوا بالله ورسوله.
стр. 157
رسول أبي سفيان إلى قريش
أمّا أبو سفيان فكان قد اتصل به خروج محمد لإعتراض قافلته حين رحلتها إلى الشام، فخاف أن يعترضه المسلمون حين أوبته بعد أن ربحت تجارته، وجعل ينتظر أخبارهم. وكان الجهنيّ الذي نزل عليه رسولا محمد بالحوراء بعض من سأل. ومع أن الجهنيّ لم يصدقه الخبر فقد بلغه من أمر محمد والمهاجرين والأنصار معه مثل ما ترامى إلى محمد من خيره؛ فخاف عاقبة أمره أن لم يكن من قريش في حراسة العير إلا ثلاثون أو أربعون رجلا. عند ذلك استأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ فبعثه مسرعا إلى مكة ليستنفر قريشا إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه. ووصل ضمضم من مكة إلى بطن الوادي فقطع أذني بعيره وجدع أنفه وحوّل رحله ووقف هو عليه وقد شق قميصه من قبل ومن دبر وجعل يصيح. يا معشر قريش! اللطيمة «١» اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها.
الغوث الغوث! وما لبث أبو جهل حين سمعه أن صاح بالناس من عند الكعبة يستنفرهم. وكان أبو جهل رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النّظر. ولم تكن قريش في حاجة إلى من يستنفرها، وقد كان لكل منهم في هذه العير نصيب.
على أن طائفة من أهل مكة كانت تشعر بما ظلمت قريش المسلمين من أهلها حتى أكرهتهم على الهجرة إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة، فكانت تتردد بين النفير للذود عن أموالها والقعود رجاء ألا يصيب العير مكروه. وهؤلاء كانوا يذكرون أن قريشا وكنانة بينهما ثأر في دماء تبادل الفريقان إراقتها. فإذا هي خفت إلى لقاء محمد لمنع عيرها منه خافت بني بكر (من كنانة) أن تهاجمها من خلفها. وكادت هذه الحجة ترجح وتؤيد رأي القائلين بالقعود لولا أن جاء مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. إذ ذاك رجحت كفة أبي جهل وعامر بن الحضرمي والدّعاة إلى الخروج لدفع محمد والذين معه، ولم يبق لكل قادر على القتال عذر في التخلف أو يرسل مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان لطّ «٢» له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها. وكان أمية بن خلف قد أجمع على القعود، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا. فأتاه بالمسيجد عقبة بن أبي معيط وأبو جهل، ومع عقبة مجمرة فيها بخور ومع أبي جهل مكحلة ومرود فوضع عقبة المجمرة بين يديه وقال: يا أبا علي استجمر فإنما أنت من النساء. وقال أبو جهل: اكتحل أبا علي فإنما أنت امرأة. فقال أمية: ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي، وخرج معهم؛ فلم يبق بمكة متخلف قادر على القتال.
مسيرة جيش المسلمين
أما النبي ﵇ فقد خرج في أصحابه من المدينة، لثمان خلون من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وجعل عمرو بن أم مكتوم فيها على الصلاة بالناس، ورد أبا لبابة من الرّوحاء واستعمله على المدينة. وكانت أمام المسلمين في مسيرتهم رايتان سوداوان، وكانت إبلهم سبعين بعيرا جعلوا يعتقبونها «٣» ، كل اثنين منهم وكل ثلاثة وكل أربعة يعتقبون بعيرا، وكان حظ محمد في هذا كحظ سائر أصحابه، فكان هو وعليّ بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا. وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون
стр. 158
بعيرا وكانت عدّة من خرج مع محمد إلى هذه الغزوة خمسة وثلثمائة رجل، منهم ثلاثة وثمانون من المهاجرين وواحد وستون من الأوس والباقون من الخزرج. وانطلق القوم مسرعين من خوف أن يفلت أبو سفيان منهم، وهم يحاولون حيثما مرّوا أن يقفوا على أخباره. فلما كانوا بعرق الظبية لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن القوم فلم يجدوا عنده خبرا. وانطلقوا حتى أتوا واديا يقال له ذفران نزلوا فيه، وهناك جاءهم الخبر بأن قريشا قد خرجوا من مكة ليمنعوا عيرهم. إذ ذاك تغيّر وجه الأمر. لم يبق هؤلاء المسلمون مهاجروهم والأنصار أمام أبي سفيان وعيره والثلاثين أو الأربعين رجلا معه، لا يملكون مقاومة محمد وأصحابه؛ بل هذه مكة خرجت كلها وعلى رأسها أشرافها للدفاع عن تجارتها. فهب المسلمين أدركوا أبا سفيان وتغلبوا على رجاله وأسروا منهم من أسروا واقتادوا إبله وما عليها، فلن تلبث قريش أن تدركهم، يحفزها حرص على مالها والدفاع عنه وتؤازرها كثرة عديدها وعددها، وأن توقع بهم وأن تستردّ الغنيمة منهم أو تموت دونها. ولكن إذا عاد محمد من حيث أتى طمعت قريش وطمعت يهود المدينة فيه، واضطر إلى موقف المصانعة، واضطر أصحابه إلى أن يحتملوا من أذى يهود المدينة مثل ما احتملوا من أذى قريش بمكة. وهيهات إن هو وقف هذا الموقف أن تعلو كلمة الحق وأن ينصر الله دينه.
مقالة الأنصار
استشار الناس وأخبرهم بما بلغه من أمر قريش؛ فأدلى أبو بكر وعمر برأيهما، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: «يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون» ، وسكت الناس.
فقال الرسول: أشيروا عليّ أيها الناس. وكان يريد بكلمته هذه الأنصار الذين بايعوه يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم ولم يبايعوه على اعتداء خارج مدينتهم. فلما أحس الأنصار أنه يريدهم، وكان سعد بن معاذ صاحب رايتهم التفت إلى محمد وقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال سعد:
«لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا. على السمع والطاعة؛ فامض لما أردت فنحن معك. فو الذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا. إنا لصبر في الحرب صدق في اللّقاء- لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله» . ولم يكد سعد يتم كلامه حتى أشرق وجه محمد بالمسرة وبدا عليه كل النشاط وقال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم. وارتحلوا جميعا، حتى إذا كانوا على مقربة من بدر انطلق محمد على بعيره حتى وقف على شيخ من العرب وسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، ومنه عرف أن عير قريش منه قريب.
إذ ذاك عاد إلى قومه، فبعث عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام وسعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يتلمّسون له الخبر عليه. وعادت هذه الطليعة ومعها غلامان عرف محمد منهما أن قريشا وراء الكثيب بالعدوة القصوى. ولما أن أجابا أنهما لا يعرفان عدّة قريش، سألهما محمد كم ينحرون كل يوم؟
فأجابا: يوما تسعا ويوما عشرا. فاستنبط النبي من ذلك أنهم بين التسعمائة والألف. وعرف من الغلامين كذلك أن أشراف قريش جميعا خرجوا لمنعه؛ فقال لقومه: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» إذا فلابدّ له ولهم أمام قوم يزيدون عليهم في العدد ثلاثة أضعاف أن يشحذوا عزائمهم، وأن يوطّنوا على الشدة أفئدتهم ونفوسهم، وأن ينتظروا موقعة حامية الوطيس لا يكون النصر فيها إلا لمن ملأ الإيمان بالنصر قلبه.
وكما عاد عليّ ومن معه بالغلامين وبخبر قريش معهما ذهب اثنان من المسلمين حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى
стр. 159
تلّ قريب من الماء وأخذا وعاء لهما يستقيان فيه. وإنهما لعلى الماء إذ سمعا جارية تطالب صاحبتها بدين عليها والثانية تحبيبها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيه لك. وعاد الرجلان فأخبرا محمدا بما سمعا. فأما أبو سفيان فسبق الغير يتنطّس الأخبار حذر أن يكون محمد قد سبقه إلى الطريق. فلما ورد الماء وجد عليه مجديّ بن عمرو، فسأله: هل قد رأى أحدا؟ وأجاب مجديّ بأنه لم ير إلا راكبين أناخا إلى هذا التلّ، وأشار إلى حيث أناخ الرجلان من المسلمين. فأتى أبو سفيان مناخهما فوجد في روث بعيريهما نوى عرفه من علائف يثرب، فأسرع عائدا إلى أصحابه وعدل بالسير عن الطريق مساحلا البحر مسرعا في مسيره، حتى بعد ما بينه وبين محمد، ونجا.
وأصبح الغد والمسلمون في انتظار مروره بهم، فإذا الأخبار تصلهم أنه فاتهم وأن مقاتلة قريش هم الذين ما يزالون على مقربة منهم؛ فيذوي في نفوس جماعة منهم ما كان يملؤها من أمل الغنيمة، ويجادل بعضهم النبيّ كي يعودوا إلى المدينة ولا يلقوا القوم الذين جاؤا من مكة لقتالهم. وفي ذلك نزل قوله تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ) «١» .
وقريش هم أيضا، ما حاجتهم إلى القتال وقد نجت تجارتهم؟ أليس خيرا لهم أن يعودوا من حيث أتوا، وأن يتركوا المسلمين يرجعون من رحلتهم بخفّى حنين؟ كذلك فكر أبو سفيان وبذلك أرسل إلى قريش يقول لهم: إنكم قد خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله فارجعوا، ورأى من قريش رأيه عدد غير قليل. لكن أبا جهل ما لبث حين سمع هذا الكلام أن صاح: والله لا نرجع حتى نرد بدر فنقيم عليه ثلاثا ننحر الجزر، ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها. ذلك أن بدرا كانت موسما من مواسم العرب، فانصراف قريش عنها بعد أن نجت تجارتهم قد تفسره العرب، فيما رأى أبو جهل، بخوفهم من محمد وأصحابه، مما يزيد محمدا شوكة ويزيد دعوته انتشارا وقوة وخاصة بعد الذي كان من سريّة عبد الله بن جحش وقتل ابن الحضرميّ وأخذ الأسرى والغنائم من قريش.
نزول المسلمين بدرا
وتردّد القوم بين اتباع أبي جهل مخافة أن يتّهموا بالجبن، وبين الرجوع بعد أن نجت عيرهم، فلم يرجع إلا بنو زهرة الذين اتبعوا مشورة الأخنس بن شريف، وكان فيهم مطاعا. واتبعت سائر قريش أبا جهل حتى ينزلوا منزلا يتهيئون فيه للحرب ثم يتشاورون بعد ذلك. ونزلوا بالعدوة القصوى خلف كثيب من الرمل يحتمون به. أمّا المسلمون الذين فاتتهم الغنيمة فقد أجمعوا أن يثبتوا للعدو إذا أجمع على محاربتهم، لذلك بادروا إلى ماء بدر، ويسّر لهم مطر أرسلته السماء مسيرتهم إليها. فلما جاؤا أدنى ماء منها نزل محمد به. وكان الحباب بن المنذر بن الجموح عليما بالمكان؛ فلما رأى حيث نزل النبيّ قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال محمد: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزل ثم نغوّر ما وراءه من القلب «٢» ، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. ولم
стр. 160
يلبث محمد حين رأى صواب ما أشار به الحباب أن قام ومن معه واتّبع رأي صاحبه، معلنا إلى قومه أنه بشر مثلهم وأن الرأي شورى بينهم وأنه لا يقطع برأي دونهم، وأنه في حاجة إلى حسن مشورة صاحب المشورة الحسنة منهم.
بناء العريش للنبي
ولما بنوا الحوض أشار سعد بن معاذ قائلا: «نبي الله، تبني لك عريشا تكون فيه وتعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدوّنا؛ فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الآخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا؛ فقد تخلّف عنك أقوام يا نبيّ الله ما نحن بأشد لك حبّا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك» . وأثنى محمد على سعد ودعا له بخير، وبني العريش للنبي، حتى إذا لم يكن النصر في جانبه وجانب أصحابه لم يقع في يد عدوّه واستطاع اللّحاق بأصحابه في يثرب.
هنا موضع لوقفة إعجاب بصدق وفاء المسلمين وعظيم محبّتهم لمحمد وإيمانهم برسالته. فهاءهم أولاء يعلمون أن قريشا تفوقهم في العدد وأنها ثلاثة أمثالهم، ومع ذلك اعتزموا الوقوف في وجهها وقتالها. وهاهم أولاء يرون الغنيمة فاتتهم فلم يصبح الكسب المادي هو الذي يحفزهم للقتال، ومع ذلك قاموا إلى جانب النبيّ يؤيدونه ويعزّزونه. وهاهم أولاء تتردّد نفوسهم بين الطمع في النصر وخوف الهزيمة. ومع ذلك فكروا في حماية النبيّ وتوقيته أن يظفر به عدوّه، ومهدوا له سبيل الاتصال بمن ترك بالمدينة. فأيّ موقف أدعى للإعجاب من هذا الموقف؟ وأيّ إيمان يكفل النصر كهذا الإيمان!
حمزة يقتل ابن عبد الأسد
ونزلت قريش منازل القتال، ثم بعثوا من يقصّ لهم خبر المسلمين فجاءهم بأنهم ثلثمائة أو يزيدون قليلا أو ينقصون، ولا كمين لهم ولا مورد؛ ولكنهم قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، فلا يموت منهم رجل قبل أن يقتل رجلا مثله. ولمّا كانت صفوة قريش قد خرجوا في هذا الجيش، خشي بعض ذوي الحكمة منهم أن يقتل المسلمون كثرتهم فلا تبقى لمكة مكانة. لكنهم خافوا حدّة أبي جهل ورمية إياهم بالجبن والخوف، وإن لم يمنع ذلك عتبة بن ربيعة من أن يقف بينهم قائلا: «يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا. والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته. فارجعوا وخلوا بن محمد وسائر العرب؛ فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك لم نتعرّض منه لما تكرهون» . فلمّا بلغت أبا جهل مقالة عتبة استشاط غيظا وبعث إلى عامر بن الحضرميّ يقول له: «هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد مقتل أخيك» . وقام عامر فصرخ: واعمراه! فلم يبق بعد ذلك من الحرب مفرّ. وأعجل القتال أن اندفع الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ من بين صفوف قريش إلى صفوف المسلمين يريد أن يهدم الحوض الذي بنوا؛ فعاجله حمزة بن عبد المطّلب بضربة أطاحت بساقه فسقط إني ظهره تشخب رجله دما، ثم أتبعها حمزة بضربة أخرى قضت عليه دون الحوض. ولا شيء أرهف لظبا السيوف من منظر الدم: ولا شيء أشدّ إثارة لعواطف القتال والحرب في الإنسان من مرأى رجل مات بيد العدوّ وقومه وقوف ينظرون.
وما إن سقط الأسود حتى خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة ودعا إلى المبارزة.
وخرج إليه فتية من أبناء المدينة. فلما عرفهم قال لهم: ما لنا بكم من حاجة إنما نريد قومنا. ونادى مناديهم:
стр. 161
يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. وخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث. ولم يمهل حمزة شيبة ولا أمهل عليّ الوليد أن قتلاهما، ثم أعانا عبيدة وقد ثبت له عتبة. فلما رأت قريش من ذلك ما رأت، تزاحف الناس، والتقى الجمعان صبيحة الجمعة لسبع عشر خلت من شهر رمضان.
دعاء محمد وابتهاله
وقام محمد على رأس المسلمين يعدل صفوفهم. فلما رأى كثرة قريش وقلّة رجاله وضعف عدتهم إلى جانب عدة المشركين عاد إلى العريش ومعه أبو بكر، وهو أشد ما يكون خوفا من مصير ذلك اليوم، وأشد ما يكون إشفاقا مما يصير إليه أمر الإسلام إذا لم يتم للمسلمين النصر. واستقبل محمد القبلة واتجه بكل نفسه إلى ربه، وجعل ينشده ما وعده ويهتف به أن يتم له النصر. وبالغ في التوبة والدعاء والابتهال وجعل يقول:
«اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» . وما زال يهتف بربه مادّا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه؛ وجعل أبو بكر من ورائه يرد على منكبيه رداءه ويهيب به: يا نبيّ الله، بعض مناشدتك ربّك؛ فإن الله منجز لك ما وعدك.
ولكن محمدا ظلّ فيما هو فيه أشدّ ما يكون توجها وأشد ما يكون تضرّعا وخشية واستعانة بربه على هذا الموقف الذي لم يتوقعه المسلمون ولم يتخذوا له عدته، حتى خفق خفقة من نعاس رأى خلالها نصر الله، وانتبه بعدها مستبشرا، وخرج إلى الناس يحرضهم ويقول لهم: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» .
وسرت من نفسه القوية، أمدها الله من لدنه بما سما بها فوق كل قوّة، إلى نفوس هؤلاء المؤمنين برسالته قوّة ضاعفت عزمهم، وجعلت كلّ رجل منهم يعدل رجلين بل يعدل عشرة رجال. ويسير عليك أن تقدر هذا إذا ذكرت ما لازدياد القوّة المعنوية من أثر في النفس متى توافرت أسباب ازدياد هذه القوّة المعنويّة فيها. فدافع الوطنية يزيدها. وهذا الجندي الذي يقف مدافعا عن وطنه المهدد بالخطر ممتلئ النفس بالعاطفة الوطنية، تتضاعف قوّته المعنوية بمقدار حبه لوطنه وإيمانه به، وبمقدار تخوّفه من الخطر الذي يتهدد العدوّ الوطن به.
ولهذا تغرس الأمم في نفوس أبنائها منذ نعومة أظفارهم حبّ الوطن والاستهانة بالتضحية في سبيله: والإيمان بالحق وبالعدل وبالحرية وبالمعاني الإنسانية السامية يزيد القوّة المعنوية في النفس بما يضاعف القوّة المادية فيها.
والذين يذكرون ما قام به الحلفاء في الحرب الكبرى من دعوة واسعة النطاق ضد الألمان، أساسها أنهم يدافعون عن قضية الحرية والحق ويحاربون في ألمانيا الجندية المسلحة ويمهدون لعهد سلام ونور، يدركون ما كانت تضاعف هذه الدعوة من قوّة في نفوس جنود الحلفاء بمقدار ما كانت تحيطهم به من عطف في أكثر أمم العالم.
وما الوطنية وما قضية السلام إلى جانب ما كان محمد يدعو إليه! إلى إتصال الإنسان بالوجود كله اتصالا يندمج به فيه ويصبح قوّة من قوى الكون الموجه له إلى سبيل الخير والنعمة والكمال! نعم ما الوطنية وما قضيّة السلام إلى جانب الوقوف في جانب الله ودفع الذين يفتنون المؤمنين عنه، والذين يصدّون عن سبيله. والذين ينزلون بالإنسان إلى درك الوثنية والإشراك. إذا كانت النفس يزيدها حب الوطن قوّة بمقدار ما في الوطن كله من قوّة، ويزيدها حب السلام للإنسانية كلها قوّة بمقدار ما في الإنسانية من قوّة، فما أكثر ما يزيدها الإيمان بالوجود كله وبخالق الوجود كله من قوّة!! إنه ليجعلها قديرة أن تسيّر الجبال، وتحرّك العوالم، وتهيمن بسلطانها المعنوي على كل من كان أقلّ منها في هذا الأمر إيمانا. وهذا السلطان المعنوي يزيد قوتها أضعافا مضاعفة، فإذا لم يصل هذا السلطان المعنوي إلى غاية كماله بسبب ما كان بين المسلمين من خلاف قبل الموقعة، لم تبلغ القوّة المادية كل
стр. 162
ما تطمح إلى بلوغه، وإن هي زادت بفعل هذا الإيمان الذي ازداد قوّة بتحريض محمد أصحابه فعوّضهم بذلك عن قلّة عددهم وعدّتهم. وفي حال النبي وأصحابه هذه نزلت الآيتان: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) «١» .
بلال يقتل أمية بن خلف
ازداد المسلمون قوة بتحريض محمد إيّاهام ووقوفه بينهم ودفعهم لمقاتلة العدوّ والصيحة بهم أن الجنّة لمن أحسن البلاء منهم ومن غمس يده في العدوّ حاسرا. ووجّه المسلمون أكبر همهم إلى سادات قريش وزعمائها يريدون استئصالهم جزاء وفاقا لما عذّبوهم بمكة، ولما صدّوهم عن المسجد الحرام وعن سبيل الله. رأى بلال أميّة بن خلف وابنه، ورأى بعض المسلمين الذين عرفوه بمكة حوله. وكان أميّة هو الذي عذّب بلالا إذ كان يخرجه إلى رمضاء مكة فيضجعه على ظهره ويأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ليفتنه عن الإسلام، فيقول بلال: أحد أحد- رأى بلال أمية فصاح به: أميّة رأس الكفر لا نجوت إن نجا! وحاول بعض المسلمين من حول أميّة أن يحولوا دون قتله وأن يأخذوه أسيرا. فصرخ بلال بأعلى صوته في الناس: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف! لا نجوت إن نجا. واجتمع الناس ولم ينصرف بلال حتى قتل أمية. وقتل معاذ بن عمرو بن الجموح أبا جهل بن هشام. وخاض حمزة وعليّ وأبطال المسلمين وطيس المعركة وقد نسي كل منهم نفسه ونسي قلة أصحابه وكثرة عدوّه، فثار النقع وامتلأ الجو بالغبار، وجعلت هام قريش تطير عن أجسادها والمسلمون يزدادون بإيمانهم قوّة ويصيحون مهللين: أحد أحد، وقد كشفت أمامهم حجب الزمان والمكان وأمدّهم الله بالملائكة يبشّرونهم ويزيدونهم تثبيتا وإيمانا، حتى لكأن الواحد منهم إذ يرفع سيفه ويهوي على عنق عدوّه إنما تحرك قوة الله يده. ووقف محمد وسط هذا الوطيس يتمشّى خلاله ملك الموت يقطّ رق الكفر، فأخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا وقال: شاهت الوجوه! ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال شدّوا. وشدّ المسلمون وما يزالون أقل من قريش عددا، لكن كل واحد منهم امتلأت بنفحة من أمر نفسه، فلم يكن هو الذي يقتل العدوّ، ولا كان هو الذي يأسر من يأسر، لولا هذه النفخة التي ضاعفت المعنويّة بما ضعفت قوّته المادية. وفي ذلك نزل قوله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) «٢» ، وقوله تعالى:
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) «٣» .
لما آنس الرسول أن الله أنجزه وعده وأتمّ على المسلمين النصر عاد إلى العريش. وفرّت قريش فطاردهم المسلمون يأسرون منهم من لم يقتل ولم يساعفه حسن فراره بالنجاة.
المسلمون لا يقتلون من أحسنوا إلى المسلمين
هذه غزوة بدر التي استقرّ بها الأمر للمسلمين من بعد في بلاد العرب جميعا، والتي كانت مقدمة وحد شبه الجزيرة في ظلال الإسلام، ومقدمة الإمبراطورية الإسلامية المترامية الأطراف، والتي أقرت في معالم حضارة لا تزال ولن تزال ذات أثر عميق في حياته. ولقد تعجب إذ تعلم أن محمدا، على ما كان من تحريضه
стр. 163
أصحابه وما كان يرجو من استئصال عدو الله وعدوه، قد طلب إلى المسلمين منذ اللحظة الأولى من المعركة ألا يقتلوا بني هاشم وألا يقتلوا بني هاشم وألا يقتلوا بعض رجال من سادات قريش، مع أنهم اشتركوا في قتال المسلمين، ومع أنهم كانوا سيقتلون من المسلمين من يستطيعون قتله. ولا تحسب أنه في ذلك أراد أن يحابي أهله أو أحدا ممن يمتون إليه باصرة القربى، فنفس محمد أسمى من أن تتأثر بمثل هذا، وإنما ذكر لبني هاشم منعهم إياه مدى ثلاثة عشر عاما من يوم بعثه إلى يوم هجرته، حتى كان عمه العباس معه ليلة بيعة العقبة.
وذكر لغير بني هاشم من قريش جميل من قاموا وهم على الكفر يطالبون بنقض الصحيفة، التي اضطرتّه بها قريش أن يلزم هو وأصحابه الشعب، بعد أن قطعت قريش بهم كل صلة وكل علاقة. فهذا المعروف الذي تقدّم به هؤلاء وأولئك قد اعتبره محمد حسنة يجزى من قدّمها بمثلها، بل يجزى بعشر أمثالها، لذلك كان شفيعا لهؤلاء عند المسلمين ساعة القتال، وإن أبى بعض هؤلاء القرشيين أن يستظلوا بهذا العفو على نحو ما فعل أبو البختري أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة، فقد أبى وقتل.
ولّى أهل مكة الأدبار كاسفا بالهم، خاشعة من الذل أبصارهم، لا يكاد أحدهم يلتقي نظره بنظر صاحبه حتى يواري وجهه خجلا من سوء ما حلّ بهم جميعا. أمّا المسلمون فأقاموا ببدر إلى آخر النهار، ثم جمعوا الذين قتلوا من قريش فحفروا لهم قليبا فدفنوهم فيه. وقضى محمد وأصحابه تلك الليلة في الميدان في شغل بجمع الغنيمة والسهر على الأسرى. وإذا جنّ الليل جعل محمد يفكر في نصر الله المسلمين على قلّة عددهم، وخذلانه المشركين الذي لم يكن لهم من قوة الإيمان عضد تعتزّ به كثرتهم. جعل يفكر في هذا، حتى سمعه أصحابه جوف الليل وهو يقول: «يا أهل القليب! يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة! ويا أميّة بن خلف! ويا أبا جهل بن هشام! - واستمر يذكر من في القليب واحدا بعد واحد- يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقّا» . قال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوما جيّفوا «١» ! قال ﵇: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني» . ونظر رسول الله في وجه أبي حذيفة بن عتبة فألفاه كئيبا قد تغيّر لونه. فقال: «لعلك يا أبا حذيفة قد دخلك من شأن أبيك شيء؟
قال أبو حذيفة: لا والله يا رسول الله! ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام. فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما كان عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني أمره» فقال له رسول الله خيرا ودعا له بخير.
اختلاف المسلمين على الفيء
ولما أصبح الصبح وآن للمسلمين أن يرتحلوا قافلين إلى المدينة، بدؤا يتساءلون في الغنيمة لمن تكون، قال الذين جمعوها: نحن جمعناها فهي لنا. وقال الذين كانوا يطاردون العدو حتى ساعة هزيمته: نحن والله أحقّ بها، فلو لانا لما أصبتموها. وقال الذين يحرسون محمدا مخافة أن يرتدّ إليه العدوّ: ما أنتم ولا هم أحق بها منا، وكان لنا أن نقتل العدوّ ونأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنّا خفنا على رسول الله كرّة العدو فقمنا دونه. فأمر محمد الناس أن يردّوا كل ما في أيديهم من الغنائم، وأمر بها أن تحمل حتى يرى فيها رأيه أو يقضي الله فيها بقضائه.
قسمته بينهم على السواء
وبعث محمد إلى المدينة عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وبشير بن يلقيان إلى أهلها بما فتح الله على
стр. 164
المسلمين من النصر. وقام هو وأصحابه قافلين إلى المدينة ومعه الأسرى وما أصاب من المشركين من غنيمة جعل عليها عبد الله بن كعب. وسار القوم، حتى إذا تخطّوا مضيق الصّفراء نزل محمد على كثيب فقسم هناك النّفل الذي أفاء الله على المسلمين، بين المسلمين على سواء. يقول بعض المؤرخين إنه قسمة بينهم بعد أن أخذ منه الخمس، لقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) «١» .
ويذهب الأكثرون من كتّاب السيرة، والمتقدمون منهم خاصة، أن هذه الآية نزلت بعد بدر وبعد قسم فيئها، وأن محمدا جعل القسمة بين المسلمين على سواء، وأنه جعل للفرس مثل ما للفارس، وجعل للورثة حصة من استشهد ببدر، وجعل حصّة لمن تخلف بالمدينة فلم يشهد بدرا ما كان قائما فيها بعمل المسلمين، ومن حرّضه حين الخروج إلى بدر وتخلّف لعذر قبله الرسول. وكذلك قسم الفيء بالقسط. فلم يشرك المقاتل وحده في الحرب والنصر، بل اشترك في الحرب والنصر كل من كان لعمله في الفوز حظ أيّا كان هذا العمل، وفي ميدان القتال كان أو بعيدا عنه.
وبينما المسلمون في طريقهم إلى مكة قتل من الأسرى رجلان: أحدهما النّضر بن الحارث، والآخر عقبة بن أبي معيط. ولم يكن محمد ولا كان أصحابه إلى هذه اللحظة قد وضعوا للأسرى نظاما يكون على مقتضاه قتلهم أو فداؤهم أو استرقاقهم. لكن النضر وعقبة كانا من المسلمين أيام مقامهم بمكة شرّا مستطيرا، وكانا لا ينفكان يوصلان لهم من الأذى كل ما يستطيعان. قتل النّضر حين عرض الأسرى على النبي ﵇ عند بلوغهم الأثيل، فقد نظر إلى النضر نظرة ارتعد لها الأسير وقال لرجل إلى جنبه: محمد والله قاتلي! لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت. قال الذي إلى جنبه: ما هذا والله منك إلا رعب. وقال النضر لمصعب بن عمير؛ وكان أقرب من هناك به رحما: كلّم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابه، فهو والله قاتلي إن لم تفعل. فكان جواب مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله وفي نبيه كذا وكذا، وكنت تعذّب أصحابه. قال النضر: لو أسرتك قريش ما قتلتك أبدا وأنا حيّ. قال مصعب: والله إني لا أراك صادقا، ثم إني لست مثلك، فقد قطع الإسلام العهود. وكان النضر أسير المقداد، وكان يطمح أن ينال افتداء أهله إياه مالا كثيرا. فلما رأى الحديث حول قتله صاح: النضر أسيري. قال النبي ﵇: اضرب عنقه، واللهمّ أغن المقداد من فضلك. فقتله عليّ بن أبي طالب ضربا بالسيف.
ولمّا كانوا في طريقهم بعرق الظبية أمر النبيّ بقتل عقبة بن أبي معيط فصاح عقبة: فمن للصبية يا محمد؟! قال: النار. وقتله عليّ بن أبي طالب أو قتله عاصم بن ثابت، على اختلاف في الرواية.
وقبل أن يصل النبي والمسلمون المدينة بيوم وصلها رسولاه زيد بن حارثة وعبد الله بن رواح، ودخل كل واحد من ناحية منها؛ فجعل عبد الله ينادي على راحلته يبشر الأنصار بنصر رسول الله وأصحابه، ويذكر لهم من قتل من المشركين. وجعل زيد بن حارثة يصنع صنيعة وهو ممتط القصواء ناقة النبي. وسرّ المسلمون واجتمعوا وخرج من كان منهم في داره وانطلقوا يهللون لهذا النصر العظيم. أما الذين بقوا على الشرك، و؟؟؟
اليهود، فقد كبتوا لهذا النبأ، وحاولوا أن يقنعوا أنفسهم وأن يقنعوا الذين أقاموا في المدينة من المسلمين بعدم صحته، فصاحوا؛ إن محمدا قتل وأصحابه هزموا، وهذه ناقته نعرفها جميعا لو أنه انتصر لبقيت عنده، وإنما
стр. 165
يقول زيد ما يقول هذيانا من الفزع والرعب. لكن المسلمين ما لبثوا حين تثبتوا من الرسولين واطمأنوا إلى صحة الخبر أن زاد بهم السرور لولا حادث طرأ خفف من سرورهم. ذلك الحادث هو موت رقية بنت النبي، وكان قد تركها عند ذهابه إلى بدر مريضة، وترك معها زوجها عثمان بن عفان يمّرضها. ولما أيقن المشركون والمنافقون بنصر محمد أسقط في أيديهم، ورأوا موقفهم من المسلمين قد أصبح موقف هوان ومذلة، حتى قال أحد زعماء اليهود: بطن الأرض اليوم خير من ظهرها بعد أن أصيب أشراف الناس وسادتهم وملوك العرب وأهل الحرم والأمن.
ودخل المسلمون المدينة قبل أن يدخلها الأسارى بيوم، فلما جيء بهم ورجعت سودة بنت زمعة زوج النبيّ من مناحة ابني عفراء وكانت بها، رأت أبا يزيد سهيل بن عمرو أحد الأسرى مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلم تملك نفسها أن توجّه إليه الكلام قائلة: أي أبا يزيد! أسلمتم أنفسكم وأعطيتم بأيديكم، ألا متم كراما! فناداها محمد من البيت: يا سودة! أعلى الله وعلى رسوله تحرّضين! فأجابت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت.
وفرّق محمد الأسارى بين أصحابه وقال لهم: استوصوا بهم خيرا. وطفق من بعد ذلك يفكر فيما يصنع بهم:
أفيقتلهم أم يأخذ منهم الفداء؟ إن منهم لأشدّاء في الحرب أقوياء في النضال، ومن امتلأت بالحقد والضغينة نفوسهم بعد الذي كان من هزيمتهم ببدر وما لحقهم من عار الأسر؛ فإن هو قبل الفداء كانوا عليه حربا وألبا، وإن هو قتلهم أثار في نفوس أهليهم من قريش ما ربما هدأ لو أنهم افتدوهم.
مقالتا أبي بكر وعمر في الأسرى
وعرض الأمر على المسلمين يستشيرهم ويترك لهم الخيار. وكان المسلمون قد آنسوا من الأسرى طمعا في الحياة واستعدادا لفدية عظيمة. فقال هؤلاء: لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا وأكثرهم رحمة وعطفا، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه. وبعثوا إلى أبي بكر فقالوا له: أبا بكر، إن فينا الآباء والإخوان والعمومة وبني العم وأبعدنا قريب. كلّم صاحبك يمنّ علينا أو يفادنا. فوعدهم خيرا، وخافوا أن يفسد ابن الخطاب عليهم أمرهم، فأرسلوا إليه فجاءهم فقالوا له مثل قولهم لأبي بكر، فنظر اليهم شزرا. وذهب وزيرا محمد إليه فجعل أبو بكر يلينه ويفثؤه «١» ويقول يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! قومك فيهم الآباء والأبناء والعمومة وبنو العم والإخوان وأبعدهم منك قريب. فامنن عليهم منّ الله عليك، أو فادهم يستنقذهم الله بك من النار، فتأخذ منهم ما أخذت قوة للمسلمين، فلعلّ الله أن يقبل بقلوبهم. وسكت محمد فلم يجبه، فقام فتنحّى. وجاء عمر فجلس مجلسه وقال: يا رسول الله، هم أعداء الله، كذّبوك، وقاتلوك وأخرجوك، اضرب رقابهم؛ هم رؤس الكفر وأئمّة الضلالة يوطئ الله بهم الإسلام ويذلّ بهم أهل الشرك. ولم يجب محمد. فعاد أبو بكر إلى مقعده الأوّل وجعل يتلطف ويستعطف، ويذكر القرابة والرّحم، ويرجو لهؤلاء الأسرى الهدى إن هم أبقى على حياتهم؛ وعاد عمر مثال العدل الصارم لا تأخذه فيه هوادة ولا رحمة. ولما فرغ أبو بكر وعمر من كلامهما، قام محمد فدخل قبّته فمكث فيها ساعة ثم خرج والناس يخوضون في شأنهم، يقف بعضهم في صفّ أبي بكر، ويقف آخرون في صف عمر. فشاورهم فيما يصنع، وضرب لهم في أبي بكر وفي عمر مثلا. فأمّا أبو بكر في الملائكة كمثل ميكال ينزل برضا الله وعفوه عن عباده، ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم، كان ألين على قومه من العسل. قدّمه قومه إلى النار وطرحوه فيها فما زاد على أن قال: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما
стр. 166
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) «١» وأن قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) «٢» ، ومثله في الأنبياء كمثل عيسى إذ يقول: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) «٣» .
ومثل عمر في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من الله والنقمة على أعداء الله. ومثله في الأنبياء كمثل نوح إذ يقول: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) «٤» وكمثل موسى إذ يقول: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) «٥» . ثم قال: وإن بكم عيلة؛ فلا يفوتنّكم رجل من هؤلاء إلا بفداء أو ضربة عنق. وتشاور القوم فيما بينهم وكان من بين الأسرى شاعر، هو أبو عزّة عمرو بن عبد الله بن عمير الجمحيّ، رأى خلاف القوم واستعجل النّجاة فقال: لي خمس بنات ليس لهنّ شيء فتصدّق بي عليهنّ يا محمد، وإني لمعطيك موثقا لا أقاتلك ولا أكثر عليك أبدا. فأمّنه النبيّ وأرسله من غير فداء، وكان هو وحده الأسير الذي ظفر بهذا الأمان. على أنه ما لبث أن نكث عهده، وأن عاد فقاتل بعد عام في أحد.
فأسر وقتل. وظلّ المسلمون في تشاورهم زمنا انتهوا بعده إلى قبول الفداء. وفي قبولهم نزلت هذه الآية الكريمة: (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) «٦» .
جدال المستشرقين
يقف غير واحد من المستشرقين عند أسرى بدر هؤلاء وعند مقتل النّضر وعقبة ويتساءلون: أليس في ذلك ما يدل على ظمأ هذا الدين الجديد إلى الدم ظمأ لولاه لما قتل الرجلان، ولكان أكرم للمسلمين بعد أن كسبوا الموقعة أن يردّوا الأسرى وأن يكتفوا بالفيء الذي غنموا؟ وذلك تساؤل الذي يريد أن يثير في النفوس عوامل إشفاق لم يكن له يومئذ موضع، ليكون له بعد ألف سنة من هذه الغزوة وما تلاها من غزوات وسيلة للنّيل من الدين ومن صاحب الدين. على أن هذا التساؤل ما يلبث أن ينهار ويتداعي إذا نحن وازنا بين مقتل النضر وعقبة، وما يجري اليوم وما سيجري دائما ما دامت الحضارة الغربية، التي تتّشح بوشاح المسيحية، متحكمة في الأرض. فهل تراه يوازي شيئا إلى جنب ما يقع باسم قمع الثورات في بلاد يحكمها الاستعمار على كره من أهلها! وهل تراه يوازي شيئا إلى جانب ما وقع من مجازر الحرب الكبرى؟! ثم هل هو يوازي شيئا مما حدث أثناء الثورة الفرنسية الكبرى، وأثناء الثورات المختلفة التي وقعت وتقع في أمم أوربا المختلفة؟!
الثورة على الوثنية
وليس ريب في أن الأمر بين محمد وأصحابه كان ثورة قوية من محمد بعثه الله ليقوم بها في وجه الوثنية والمشركين من عبّادها. ثورة قامت أول أمرها بمكة، واحتمل محمد وأصحابه من أجلها ألوان العذاب ثلاثة عشر عاما سويّا. ثم انتقل المسلمون إلى المدينة وحشدوا جموعهم وقواتهم بها، وما تزال مبادئ الثورة قائمة على أشدّها في نفوسهم وفي نفوس قريش جميعا. وانتقال المسلمين إلى المدينة، وموادعتهم اليهود من أهلها؛ وما قاموا به من مناوشات سبقت بدرة؛ وغزوة بدر هذه- ذلك كله كان سياسة الثورة ولم يكن مبادئها. كان السياسة التي قرر القائم بهذه الثورة وأصحابه أن يتّبعوا لإقرار أسمى المبادئ- التي جاء الرسول بها. وسياسة الثورة شيء ومبادئها شيء آخر. والخطّة التي تتّبع قد تختلف تمام الاختلاف عن الغاية المقصودة من هذه
стр. 167
الخطة. أما وقد جعل الإسلام الأخوّة أساس الحضارة الإسلامية، فيجب أن يسلك للنجاح سبله وإن اقتضى ذلك من العنف والشدّة ما لا مفرّ منه.
مجزرة سان باتلمي
وهذا الذي صنع المسلمون بأسرى بدر آية في الرحمة وفي الحسنى إلى جانب ما يقع في الثورات التي يتغنّى أهلها بمعاني العدل والرحمة. وهو لا شيء إلى جانب المجازر الكثيرة التي قامت باسم المسيحية من مثل مجزرة سان بارتلمي، هذه المجزرة التي تعتبر سبّة في تاريخ المسيحيّة لا شيء من مثلها قطّ في تاريخ الإسلام. هذه المجزرة التي دبّرت بليل، وقام فيها الكاثوليك يذبحون البروتستنتيين في باريس وفي فرنسا غدرا وغيلة في أحط صور الغدر وأبشع صور الغيلة. فإذا قتل المسلمون اثنين من أسرى بدر الخمسين لأنهم كانوا قساة على المسلمين، مدى الأعوام الثلاثة عشر التي احتمل المسلمون فيها صنوف الأذى بمكة، فقد كان في ذلك من مزيد الرحمة ومن اعتبار الفائدة العاجلة ما نزلت معه الآية: (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) «١» .
النذير إلى مكة وموت أبي لهب
بينما كان المسلمون في فرحهم بنصر الله وما أفاء عليهم من المغانم كان الحيسمان بن عبد الله الخزاعيّ يحثّ الطريق إلى مكة، حتى كان أول من دخلها وأخبر أهلها بهزيمة قريش ومصابها في كبرائها وأشرافها وسادتها. وقد ذهلت مكة أول الأمر فلم تصدّق الخبر. وكيف لا تذهل وهي تسمع أخبار هزيمتها ومقتل السادة الأشراف منها! لكن الحيسمان لم يكن يهذي وكان يؤكد ما يقول وهو أشد من قريش جزعا لما أصابهم.
فلما استوثقوا من روايته خرّوا صعقين، حتى لقد حم أبو لهب ومات بعد سبعة أيام. وتشاورت قريش ما تصنع فأجمعت على ألا تنوح على قتلاها مخافة أن يبلغ محمد وأصحابه فيشمتوا بهم، وألّا تبعث في أسراها حتى لا يأرب «٢» عليها محمد وأصحابه ويغلوا في الفداء. وانقضى زمن وقريش صابرة على محنتها، حتى سنحت فرصة افتدائها أسراها. إذ ذاك قدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو. وكأنما عز على عمر بن الخطاب أن يفتدى وينجو من غير أن يصيبه مكروه، فقال: يا رسول الله، دعني أنزع ثنيّتي سهيل بن عمرو فيدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا. فكان جواب النبي هذا الجواب البالغ غاية السمو: لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيّا.
افتداء أبي العاص بن الربيع وإسلامه
وبعثت زينب ابنة النبي تفتدي زوجها أبا العاص بن الربيع، وكان فيما بعثت قلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها. فلما رآها النبي رق لها رقة شديدة، فقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا. ثم إنه اتفق فيما بينه وبين أبي العاص على أن يفارق زينب وقد فرّق الإسلام بينه وبينها. وبعث محمد زيد بن حارثة وصاحبا معه فجاء بها إلى المدينة. على أن أبا العاص ما لبث بعد مدة إساره أن خرج إلى الشام في مال قريش؛ حتى إذا كان على مقربة من المدينة لقيته سرية لمحمد فأصابوا ما معه.
فانحدر تحت الليل إلى أن دخل على زينب واستجارها فأجارته، ورد المسلمون على الرجل ماله فانطلق به آمنا إلى مكة فلما رده لأصحابه من قريش قال: يا معشر قريش! هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا:
стр. 168
لا! جزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيّا كريما. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا مخافة أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. وعاد إلى المدينة ورد عليه النبي زينب. واستمرت قريش تفتدي أسراها. وكان الفداء يومئذ أربعة آلاف درهم للرجل إلى ألف، إلا من لا شيء عنده فقد منّ عليه محمد بحريته.
بكاء قريش قتلاها هند وأبو سفيان
لم يهوّن ذلك على قريش مصابها، ولا هو دعاها إلى أن تهادن محمدا أو أن تنسى هزيمتها؛ بل ناحت نساء قريش من بعد ذلك على قتلاها شهرا كاملا، فجززن شعر رؤسهن، وكان يؤتى براحلة الرجل أو بفرسه فينحن حولها؛ ولم يخالف في هذا إلا هند بنت عتبة زوج أبي سفيان. ولقد مشى نساء منهن يوما إليها فقلن:
ألا تبكين على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك؟! فقالت: أنا أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا ويشمت بنا نساء الخزرج، لا والله حتى أثأر من محمد وأصحابه! والدّهن عليّ حرام حتى نغزو محمدا! والله لو أعلم أن الحزن يذهب من قلبي لبكيت، ولكن لا يذهب إلا أن أرى ثأري بعيني من قتلة الأحبة. ومكثت لا تقرب الدهن ولا تقرب فراش أبي سفيان وتحرض الناس حتى كانت وقعة أحد. أما أبو سفيان فنذر بعد بدر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا.
стр. 169
الفصل الرّابع عشر بين بدر وأحد
المسلمون واليهود- غزوة بني قينقاع- جلاء اليهود عن المدينة- قريش تتحرك- غزوة السويق- القبائل تتحرك.
فتفر- هزيمة صفوان بن أمية.
أثر بدر بالمدينة (يناير سنة ٦٢٤ م)
تركت بدر بمكة من عميق الأثر ما رأيت. تركت الحرص على الثأر من محمد والمسلمين يوم تتهيأ فرصة الثأر. لكن أثرها بالمدينة كان أوضح وأكثر اتصالا بحياة محمد والمسلمين معه. فقد شعر اليهود والمشركون والمنافقون بعد بدر بمزيد قوّة المسلمين؛ ورأوا هذا الرجل الأجنبيّ الذي وفد عليهم منذ أقلّ من عامين فارّا مهاجرا من مكة، يزداد سلطانا وبأسا، ويكاد يكون صاحب الكلمة في أهل المدينة جميعا لا في أصحابه وحدهم. وكان اليهود، على ما رأيت، قد بدأ تذمرهم من قبل بدر وبدأت مناوشاتهم المسلمين، حتى لكأن ما بين الفريقين من عهد الموادعة هو الذي حال في أكثر من حادث دون الانفجار. لذلك ما كاد المسلمون يعودون من بدر معتزين بالنصر حتى جعلت طوائف المدينة الآخرى تتغامز وتأتمر، وحتى بدأت تغري بهم وترسل الأشعار في التحريض عليهم. بذلك انتقل ميدان الثورة من مكة إلى المدينة، وانتقل من الدين إلى السياسة. فلم تبق دعوة محمد إلى الله هي وحدها التي تحارب، بل كان كذلك سلطانه ونفوذ أمره موضع الرهبة والخوف، وكان لذلك سبب الائتمار به والتفكير في اغتياله، ولم يكن محمد لتخفي عليه من ذلك كله خافية؛ بل كان يقع على أخباره جميعا ويتصل بعلمه كل ما يدبّر ضدّه، وجعلت النفوس من جانبي المسلمين واليهود تمتلئ بالغلّ والضغينة شيئا فشيئا، رويدا رويدا، وجعل كل فريق يتربص بصاحبه الدوائر.
قتل المسلمين أبا عفك وعصماء
وكان المسلمون إلى حين نصرهم الله ببدر يخشون مواطنيهم من أهل المدينة، فلا تبلغ منهم الجرأة إلى الاعتداء على من يعتدي على مسلم منهم. فلما عادوا منتصرين أخذ سالم بن عمير نفسه بالقضاء على أبي عفك (أحد بني عمرو بن عوف) ؛ لأنه كان يرسل الأشعار يطعن بها على محمد وعلى المسلمين، ويحرّض بها قومه على الخروج عليهم؛ وظل كذلك بعد بدر يغري بهم الناس. فذهب إليه سالم في ليلة صائفة كان أبو عفك نائما فيها بفناء داره، فوضع سالم السيف على كبده حتى خشّ في الفراش. وكانت عصماء بنت مروان (من بني أميّة بن زيد) تعيب الإسلام وتؤذي النبي وتحرض عليه، وظلت كذلك إلى ما بعد بدر فجاءها يوما عمير بن عوف
стр. 170
في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام ومنهم من ترضعه؛ وكان عمير ضعيف البصر، فجسّها بيده فوجده الصبي ترضعه فنحّاه عنها، ثم وضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها. ورجع عمير من عند النبي بعد أن أخبره الخبر، فوجد بنيها في جماعة يدفنونها، فأقبلوا عليه فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟
قال: «نعم! فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. فو الذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي حتى أموت أو أقتلكم» . وقد كان من أثر جرأة عمير هذه أن ظهر الإسلام في بني خطمة، وكانت عصماء زوج رجل منهم، فأظهر منهم من كان يخفي إسلامه وانضم إلى صف المسلمين وسار معهم.
مقتل كعب بن الأشرف
ويكفي أن نضيف إلى هذين المثلين مصرع كعب بن الأشرف، وهو الذي قال حين علم بمقتل سادات مكة: «هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس. والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها» وهو الذي ذهب إلى مكة لما تيقن الخبر يحرّض على محمد وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب؛ وهو الذي رجع بعد ذلك إلى المدينة فجعل يشبّب بنساء المسلمين. وأنت تعرف طبائع العرب وأخلاقها، وتعرف مبلغ تقديرهم للعرض وثورتهم من أجله. وقد بلغ غيظ المسلمين أنهم أجمعوا على قتل كعب، واجتمع في ذلك عدة منهم؛ وذهب إليه أحدهم يستدرجه بالطعن على محمد إذ يقول له: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمونا على قوس واحدة، وقطعت. عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس. ولمّا أنس إلى كعب وأنس إليه كعب طلب إليه مالا لنفسه ولجماعة من أصحابه على أن يرهنوه دروعهم؛ ورضي كعب على أن يجيئوه من بعد. وإنه لفي داره على بعد من المدينة إذ ناداه صدر الليل أبو نائلة (أحد المؤتمرين به) فنزل إليه على رغم تحذير عروسه إيّاه النزول في مثل هذه الساعة من الليل. وسار الرجلان حتى التقيا بأصحاب أبي نائلة وكعب آمن لا يخافهم. وخرج القوم يتماشون حتى مشوا ساعة بعدوا بها عن دار كعب وهم يتجاذبون أطراف الحديث، ويذكرون من حالهم وما وصلوا إليه من شدّة ما يزيد في طمأنينة كعب.
وفيما هم يسيرون كان أبو نائلة يضع يده في رأس كعب ويشمّها ويقول: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قطّ. ولما لم تبق لدى كعب شبهة فيهم، عاد أبو نائلة فوضع يده على شعر كعب ثم أخذ بفوديه وقال: اضربوا عدوّ الله فضربوه بأسيافهم حتى مات.
مخاوف اليهود وعدوانهم
زاد هذا الحادث في مخاوف اليهود، فلم يبق منهم إلا من يخاف على نفسه. مع ذلك لم يسكتوا عن محمد ولا عن المسلمين حتى فاضت النفوس أيّ فيض. قدمت امرأة من العرب إلى سوق اليهود من بني قينقاع ومعها حلية جلست إلى صائغ منهم بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها وهي تأبى، فجاء يهودي من خلفها في سرّ منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت؛ فوثب رجل من المسلمين على الصائغ، وكان يهوديّا، فقتله وشدّدت اليهود على المسلم فقتلوه. فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. وطلب محمد إلى هؤلاء أن يكفوا عن أذى المسلمين وأن يحافظوا عهد الموادعة أو ينزل بهم ما نزل بقريش. فاستخفّوا بوعيده وأجابوه: «لا يغرّنّك يا محمد أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس» . لم يبق بعد ذلك إلّا مقاتلتهم أو يتعرّض المسلمون ويتعرّض سلطانهم بالمدينة للتداعي، ثم يصبحوا أحدوثة قريش وقد جعلوا قريشا بالأمس أحدوثة العرب.
стр. 171
حصار بني قينقاع
وخرج المسلمون فحاصروا بني قينقاع في دورهم خمسة عشر يوما متتابعة لا يخرج منهم أحد ولا يدخل عليهم بطعام أحد، حتى لم يبق لهم إلا النزول على حكم محمد والتسليم بقضائه. وسلموا، فقرّر محمد، بعد مشورة كبار المسلمين، قتلهم جميعا فقام إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكان لليهود كما كان للمسلمين حليفا، قال: يا محمد أحسن في مواليّ.
فأبطأ عليه النبيّ فكرّر الطلب، فأعرض النبيّ عنه فأدخل يده في جيب درع محمد، فتغيّر محمد وقال له: أرسلني؛ وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم أعاد وأثر الغضب في نبرات صوته: «أرسلني ويحك!» .
قال ابن أبي: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ! أربعمائة حاسر وثلثمائة دراع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة! إني والله امرؤ أخشى الدوائر. وكان عبد الله لا يزال ذا سلطان في المشركين من الأوس والخزرج، وإن كان هذا السلطان ضعف بقوة المسلمين. فرأى النبيّ في إلحاحه ما جعله يعود إلى سكينته، وخاصّة بعد إذ جاء عبادة بن الصّامت يحدّثه بحديث ابن أبيّ؛ إذ ذاك رأى أن يسدي هذه اليد إلى عبد الله وإلى المشركين موالي يهود جميعا حتى يصبحوا مدينين لإحسانه ورحمته؛ على أن يجلو بنو قينقاع عن المدينة جزاء لهم على صنيعهم. وقد حاول ابن أبي أن يتحدّث مرة أخرى إلى محمد في بقائهم ومقامهم. ولكن أحد المسلمين حال دون ابن أبيّ ولقاء محمد واشتجرا حتى شجّ عبد الله. فقالت بنو قينقاع: والله لا نقيم ببلد نشجّ فيه يابن أبي ولا نستطيع عنك دفاعا. وعلى ذلك سار بهم عبادة بعد الذي كان من تسليمهم وإذعانهم تاركين المدينة، تاركين وراءهم السلاح وأدوات الذهب الذي كانوا يصوغون، حتى بلغوا وادي القرى. هناك أقاموا زمنا، ومن هناك احتملوا ما معهم، وساروا صوب الشمال حتى بلغوا أذرعات على حدود الشام، وبها أقاموا. ولعلهم إنما استهوتهم إلى الشمال أرض المعاد التي كانت وما تزال تهوي إليها أفئدة اليهود.
الوحدة السياسية في المدينة
ضعفت بالمدينة شوكة اليهود بعد جلاء بني قينقاع عنها. فقد كان أكثر اليهود المنتسبين إلى المدينة يقيمون بعيدا عنها بخيبر وبأمّ القرى. ولهذه النتيجة كان يقصد محمد من إجلائهم. وهذا تصرف سياسيّ آية في الدلالة على الحكمة وبعد النظر. وهو مقدّمة لم يكن منها بدّ للآثار السياسية التي ترتّبت بعد ذلك على خطة محمد؛ فليس شيء أضرّ على وحدة مدينة من المدن من تنازع الطوائف فيها. وإذا كان نضال هذه الطوائف لا بدّ منه فهو لا بدّ منته. إلى تغلب طائفة على سائرها غلبة تنتهي إلى سيادتها. وقد تحدّث بعض المؤرخين منتقدا تصرّف المسلمين إزاء اليهود، زاعما أن حكاية المسلمة التي ذهبت إلى الصائغ كان من اليسير إنهاؤها ما دام قد قتل من المسلمين رجل ومن اليهود رجل، وقد نستطيع دفع هذا القول بأن مقتل اليهوديّ والمسلم لم يمح ما لحق من إهانة في شخص المرأة التي عبث اليهوديّ بها، وأن مثل هذه المسألة عند العرب، أكثر منها عند غيرهم من الأمم، جديرة أن تثور لها الثائرات، وأن يقوم من أجلها القتال بين قبيلتين أو طائفتين سنوات متتابعة. وفي تاريخ العرب من ذلك أمثال يعرفها المطلعون على هذا التاريخ، ولكنّ هنالك إلى جانب هذا الاعتبار اعتبارا آخر أقوى منه. فحادث المرأة كان من حصار بني قينقاع وإجلائهم عن المدينة ما كان مقتل وليّ عهد النمسا بسيراجيفو سنة ١٩١٤ من الحرب الكبرى التي اشتركت فيها أوربا جميعا. هو إنما كان الشرارة التي ألهبت ما تؤجّج به نفوس المسلمين واليهود جميعا لهبا أدّى إلى انفجارها وإلى كل ما يحدث الانفجار من آثار. والحقّ أن وجود اليهود والمشركين والمنافقين إلى جانب المسلمين بالمدينة وما أذكى ذلك من أسباب الفرقة، قد جعل
стр. 172
المدينة، من الناحية السياسية، على بركان لا مفرّ له من أن ينفجر؛ وقد كان حصار بني قينقاع وإجلاؤهم عن المدينة أول مظاهر هذا الانفجار.
غزوة السويق
كان طبيعيّا أن ينكمش غير المسلمين من أهل المدينة بعد إجلاء بني قينقاع عنها، وأن تبدو من الهدوء والسكينة في المظهر الذي يعقب كل عاصفة وكل إعصار. وعلى هذا الهدوء ظلّ الناس شهرا كاملا كان جديرا أن تتلوه أشهر لولا أن أبا سفيان لم يطق البقاء بمكة، قابعا تحت خزي هزيمة بدر، دون أن يعيد إلى أذهان العرب بشبه الجزيرة أن قريشا ما تزال لها قوّتها وعصبيّتها ومقدرتها على الغزو والقتال. لذلك جمع مائتين، وقيل أربعين، من رجال مكة وخرج فيهم مستخفين؛ حتى إذا كانوا على مقربة من المدينة خرجوا سحرا فأتوا ناحية يقال لها العريض، فوجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما، وحرّقوا بيتين بالعريض ونخيلا. ثم رأى أبو سفيان أنّ يمينه بغزو محمد برت، فانكفأ هاربا خائفا أن يطلبه النبيّ وأصحابه. وندب محمد أصحابه فخرجوا في إثره وهو على رأسهم حتى بلغوا قرقرة الكدر، وأبو سفيان ومن معه جادّون في الفرار يتزايد خوفهم فيلقون ما يحملون من زادهم من السّويق، فإذا مر المسلمون به أخذوه. ولمّا رأى محمد أن القوم أمعنوا في الفرار عاد وأصحابه إلى المدينة. وقد انقلب فرار أبي سفيان عليه بعد أن كان يحسب الغزوة ترفع رأس قريش من مصاب بدر. وبسبب السّويق الذي ألفت قريش سميت هذه الغزوة من غزوات محمد غزوة السّويق.
تهديد طريق الشاطئ إلى الشام
استفاضت أنباء محمد هذه بين العرب جميعا. أمّا القبائل البعيدة عنه فظلت في مأمنها لا تغنى إلا قليلا بأمر هؤلاء المسلمين الذين كانوا إلى يوم بدر- أي إلى أشهر قليلة خلت- أذلّة يلتمسون بالمدينة ملجأ، والذين أصبحوا اليوم يقفون في وجه قريش، ويجلون بني قينقاع، ويرسلون الرعب إلى روع عبد الله بن أبيّ، ويطاردون أبا سفيان، ويظهرون مظهرا لم يكن من قبل مألوفا. فأمّا القبائل القريبة من المدينة فقد بدأت ترى ما يتهدّد مصيرها من قوّة محمد وأصحابه، ومن تعادل هذه القوة وقوّة قريش بمكة تعادلا تخشى نتائجه. ذلك بأن طريق الشاطئ إلى الشام هي الطريق المعبّدة المعروفة. وتجارة مكة في مرورها بها تفيد هذه القبائل فائدة اقتصادية تذكر. وقد عاهد محمد كثير من القبائل التي تتاخم الشاطئ، فهدد هذا الطريق وعرّض رحلة الصيف لمخاطر قد تضطر معها قريش إلى العدول عن متاخمة الشاطئ. فما عسى أن يصيب هذه القبائل إذا انقطعت تجارة قريش؟ وكيف تراهم يحتملون شظف الحياة في هذه البقاع الشديدة الشظف بطبعها؟ فمن حقها إذا أن تفكر في مصيرها وفيما عسى أن يصيبها من أثر هذا الموقف الجديد الذي لم يعرف قبل هجرة محمد وأصحابه إلى يثرب، والذي لم يصل إلى ما وصل إليه من تهديد حياة هذه القبائل قبل بدر وانتصار المسلمين فيها.
فزع العرب من المسلمين
لكن بدرا أدخلت الرعب في قلوب هذه القبائل. أفتراها تغير على المدينة وتحارب المسلمين، أم ماذا تراها تصنع؟ بلغ محمدا أن جمعا من غطفان وسليم اعتزم الاعتداء على المسلمين؛ فخرج إلى قرقرة الكدر ليأخذ عليهم الطريق. فلما وصل إلى ذلك المكان رأى آثار النّعم ولم يجد في المجال أحدا؛ فأرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي وانتظر هو في بطنه. فلقي غلاما اسمه يسار، فسأله فعلم منه أن الجمع ارتفع إلى الماء؛ فجمع المسلمون ما وجدوا من نعم فاقتسموه بعد أن أخذ محمد الخمس، كنص القرآن. قيل: وكان ما
стр. 173
غنموا خمسمائة بعير أخرج النبي خمسها وقسم الباقي فأصاب كلّ رجل بعيران. وبلغ محمدا أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمرّ قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطرافه. فخرج ﵇ في أربعمائة وخمسين من المسلمين، فلقي رجلا من ثعلبة فسأله عن القوم، فدلّه الرجل على مكانهم وقال له: إنهم يا محمد إن سمعوا بمسيرك هربوا في رؤس الجبال، وأنا سائر معك ودالّك على عورتهم. فما لبث المغيرون حين سمعوا باقتراب محمد منهم أن فرّوا فوق الجبال. وبلغه أن جمعا كبيرا من بني سليم ببحران تهيئوا لقتاله؛ فخرج في ثلثمائة رجل فأغذّوا السير، حتى إذا كانوا دون بحران بليلة لقيهم رجل من بني سليم؛ فسأله محمد عنهم فأخبره أنهم تفرّقوا وعادوا أدراجهم. وكذلك كان هؤلاء الأعراب في فزع من محمد وفي قلق على مصيرهم. ما يكادون يفكرون في الكيد لمحمد وفي السير لملاقاته حتى تخلع قلوبهم لمجرد سماعهم بسيره لملاقاتهم.
فزع اليهود
وفي هذه الأثناء وقع مقتل كعب بن الأشرف على نحو ما قدّمنا، فأصاب اليهود كذلك من الفزع ما جعلهم يلزمون دورهم لا يخرج أحد منهم مخافة أن يصيبه ما أصاب كعبا. وزاد في فزعهم أن أهدر محمد دماءهم بعد الذي كان من أمر بني قينقاع مما أدّى إلى حصارهم. فجاؤا إلى محمد يشكون إليه أمرهم ويذكرون له مقتل كعب غيلة بلا جرم ولا حدث علموه. فكان جوابه لهم: إنه آذانا وهجانا بالشعر ولو قرّ كما قرّ غيره ممن هو على مثل رأيه ما أصابه شرّ. وبعد حديث طال بينهم دعاهم إلى أن يكتب معهم كتابا يحترمونه. وخافت اليهود وذلّت وإن بقي في نفسها من محمد ما بدا من بعد أثره.
قريش تسلك طريق العراق إلى الشام
ماذا تصنع قريش بتجارتها إلى الشام وقد أخذ محمد عليها طريقها؟ إن مكة تعيش من التجارة، فإذا لم تجد الوسيلة إليها تعرّضت لشرّ ما تتعرّض له مدينة مثلها. وهذا محمد أراد حصارها والقضاء في نفس العرب على مكانتها. وقف صفوان بن أميّة يوما في قريش وقال لهم: «إن محمدا وأصحابه قد عوّروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل وأهل الساحل قد وادعوهم ودخل عامّتهم معه فما ندري أين نسكن. وإن قمنا في دارنا هذه أكلنا رؤس أموالنا فلم يكن لها من بقاء. وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء» . قال له الأسود بن عبد المطلب: تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق. ودلّه على فرات بن حيّان من بني بكر بن وائل يدلهم على الطريق. وقال لهم فرات: طريق العراق ليس يطؤها أحد من أصحاب محمد، فإنما هي أرض نجد وفياف. لم يخف صفوان الفيافي أن كان الفصل شتاء وحاجتهم إلى الماء قليلة، وتجهزّ صفوان من الفضة والبضائع بما قيمته مائة ألف درهم. وكان بمكة حين تدبير قريش خروج تجارتها يثربيّ (هو نعيم بن مسعود الأشجعيّ) عاد إلى المدينة وجرى على لسانه ذكر حديث قريش وما صنعت لأحد المسلمين. فأسرع هذا فنقل الخبر إلى محمد. وما لبث النبيّ أن بعث زيد بن حارثة في مائة راكب اعترضوا التجارة عند القردة (ماء من مياه نجد) ففرّ الرجال وأصاب المسلمون العير؛ فكانت أوّل غنيمة ذات قيمة غنمها المسلمون، وعاد زيد ومن معه؛ فخمّسها محمد وقسم ما بقي على رجاله. وجيء بفرات بن حيّان فعرض عليه أن يسلم لينجو، فأسلم ونجا.
زواج النبي من حفصة بنت عمر
هل اطمأن محمد بعد هذا كله إلى أن الأمر قد استقر له؟ هل خدعه يومه عن غده؟ وهل خيّل له فزع القبائل منه وما غنم من قريش أن كلمة الله وكلمة رسوله قد إطمأنت ولم يبق للخوف عليها محلّ؟ وهل جعله
стр. 174
إيمانه بنصر الله إيّاه يلقي حبال الأمور على غواربها علما منه بأن الأمر كله لله؟ كلا؟ فالأمر كله حقّا لله؛ لكنك لن تجد لسنة الله تبديلا. وما ركّب الله في النفوس من سلائق لا سبيل إلى إنكاره وقريش لها سيادة العرب، وهي لا يمكن أن تني عن الأخذ بثأرها. وما أصاب قافلة صفوان بن أميّة لن يزيدها على الثأر إلا حرصا، وفي التهيؤ للأخذ به إلا شدة. وما كان شيء من هذا ليغيب عن محمد وبعد نظره وسلامة سياسته فلا بدّ له إذا من أن يزيد المسلمين به تعلقا وارتباطا، ومهما يكن الإسلام قد شدّ من عزائمهم وجعلهم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا، فإن حسن رعايتهم تزيد عزائمهم شدّة وتضامنهم قوّة. ومن حسن رعايتهم أن يزيد محمد رابطته بهم. لهذا تزوّج من حفصة بنت عمر بن الخطاب، كما تزوّج من عائشة بنت أبي بكر من قبل. وكانت حفصة من قبله زوج خنيس أحد السابقين إلى الإسلام، وقد مات عنها قبل زواج محمد بسبعة أشهر. وكما تزوج من حفصة فزاد عمر بن الخطاب به تعلقا، زوّج ابنته فاطمة من ابن عمه عليّ أشد الناس محبة للنبيّ وإخلاصا له منذ طفولته. ولمّا كانت رقيّة إبنته قد اختارها الله إلى جواره، فقد زوج عثمان بن عفّان بعدها ابنته أم كلثوم.
وكذلك جمع حوله برابطة المصاهرة أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا، وجمع بذلك أربعة من أقوى المسلمين الذي كانوا معه، بل أقواهم إن شئت. بهذا كفل للمسلمين مزيدا من القوّة، كما كفل لهم بما غنموا في مغازيهم إقداما على الحرب يجمع فيها الرجل بين الجهاد في سبيل الله والغنم من المشركين. وهو في هذه الأثناء يتتبع بدقّة كل الدقة أخبار قريش وما تعدّ. فقد كانت قريش تعدّ للثأر ولتفتح لنفسها طريق التجارة إلى الشام، حتى لا تهوى مكانة مكة التجارية ومكانتها الدينية إلى حيث لا تقوم لها من بعد ذلك قائمة.
стр. 175
الفصل الخامس عشر غزوة أحد
استعداد قريش بمكة- خروجها للغزو- كيف علم به محمد- تشاور المسلمين في التحصن بالمدينة أو الخروج لملاقاة العدو- انتصار المسلمين ثم هزيمتهم- خروج النبي من المدينة غداة أحد ليلحق بالمنتصرين فيغزوهم- عودة أبي سفيان وقريش إلى مكة.
تحين قريش للثأر من بدر
لم يهدأ منذ بدر لقريش بال، ولم تغنها غزوة السويق شيئا، وزادتها سرية زيد بن حارثة التي أخذت تجارتهم حين سلوكها سبيل العراق إلى الشام حرصا على الثأر واذّكارا لقتلى بدر. وكيف لقريش نسيانهم وهم أشراف مكة وساداتها وذوو النخوة والكرامة من كبارها! وكيف لها نسيانهم وما تزال نساء مكة تذكر كلّ منهن في القتلى لها ابنا أو أخا أو أبا أو زوجا أو حميما، فهي له تتوجّع وعليه تبكي وتولول! هذا، وكانت قريش- منذ قدم أبو سفيان بن حرب بالعير التي كانت سبب بدر من الشام وعاد الذين شهدوا بدرا وسلموا من القتل فيها- قد وقفت العير بدار الندوة، واتّفق كبراؤها: جبير بن مطعم وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وحويطب بن عبد العزّى وغيرهم، على أن تباع العير وأن تعزل أرباحها وأن يجهّز بها جيش لقتال محمد، جرّار في عدده وعدّته، وأن تستنفر بها القبائل ليشاركوا قريشا في أخذهم بالثأر من المسلمين. وقد استنفروا معهم أبا عزّة الشاعر الذي عفا عنه النبيّ من أسرى بدر، كما استنفروا معهم من اتّبعهم من الأحابيش. وأصرّت النسوة من قريش على أن يسرن مع الغزاة. فتشاور القوم؛ فمن قائل بخروجهن، «فإنه أقمن أن يحفظكم «١» ويذكركم قتلى بدر، ونحن قوم مستميتون لا نريد أن نرجع إلى دارنا حتى ندرك ثأرنا أو نموت دونه» . ومن قائل: «يا معشر قريش! هذا ليس برأي أن تعرضوا حرمكم لعدوّكم، ولا آمن أن تكون الدّبرة «٢» عليكم فتفضحوا في نسائكم» . وبينما هم يتشاورون صاحت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بمن يعترض خروج النساء: «إنك والله سلمت يوم بدر فرجعت إلى نسائك. نعم تخرج فنشهد القتال، ولا يردّنا أحدكما ردّت الفتيات في سفرهم إلى بدر حين بلغوا الجحفة «٣» فقتلت الأحبّة يومئذ أن لم يكن معهم من يحرّضهم» . وخرجت قريش ومعها نساؤها وعلى رأسهن هند وهي أشدهن على الثأر حرقة، أن قتل يوم بدر
стр. 176
أبوها وأخوها وأعمّ الناس عليها- خرجت قريش تقصد المدينة في ثلاثة ألوية عقدت في دار النّدوة، وعلى اللواء الأكبر منها طلحة بن أبي طلحة، وهم ثلاثة آلاف، ليس بينهم غير مائة رجل من ثقيف، وسائرهم من مكة سادتها ومواليها وأحابيشها. وقد أخذوا معهم من العدّة والسلاح الشيء الكثير، وقادوا مائتي فرس وثلاثة آلاف بعير، ومن بينهم سبعمائة دراع.
تهيأ القوم للمسير بعد أن أجمعوا عليه والعبّاس بن عبد المطلب عم النبيّ بينهم واقف على أمرهم مطّلع على كل دقيق وجليل من شأنهم. وكان العباس على حرصه على دين آبائه ودين قومه يحسّ لمحمد شعور العصبيّة وشعور الإعجاب، ويذكر له حسن معاملته إياه يوم بدر. ولعل الإعجاب والعصبية اللذين جعلاه يشهد مع محمد بيعة العقبة الكبرى ويخاطب الأوس والخزرج بأنهم إن لم يكونوا مانعي ابن أخيه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم فليدعوه إلى أهله يذودون عنه ذيادهم من قبل، هما اللذان دفعاه حين أجمعت قريش المسير في هذا العدد العظيم إلى أن يكتب كتابا يصف فيه صنيعهم وجمعهم وعدّتهم وعديدهم، ويدفع به إلى رجل غفاريّ يسير به إلى النبيّ حتى يبلغ المدينة في ثلاثة أيام فيدفعه إليه. فأمّا قريش فسارت حتى بلغت الأبواء، ومرّت بقبر آمنة بنت وهب، فدفعت الحميّة بعض الطائشين منها إلى التفكير في نبشه. ولكن زعماءها أبوا عليهم هذه الفعلة، حتى لا تكون سنة عند العرب، وقالوا لا تذكروا من هذا شيئا؛ فلو فعلنا نبشت بنو بكر وبنو خزاعة موتانا. وتابعت قريش مسيرها حتى بلغت العقيق، ثم نزلت عند السفوح من جبل أحد على خمسة أميال من المدينة.
رسول العباس إلى النبي
وبلغ الغفاري الذي بعثه العبّاس بن عبد المطلب بكتابه المدينة، فوجد محمدا بقباء، فذهب إليه فألفاه على باب المسجد هناك يركب حماره، فدفع إليه الكتاب، فقرأه عليه أبي بن كعب، فاستكتمه محمد ما فيه وعاد إلى المدينة فقصد إلى سعد بن الرّبيع في داره فقصّ عليه ما بعث العباس به إليه واستكتمه أيضا إيّاه. على أن زوج سعد كانت بالمنزل وكانت تسمع ما دار فلم يبق سرّا. وبعث محمد ابني فضالة أنسا ومضنسا يتنطسان خبر قريش، فألفياها قاربت المدينة وأطلقت خيلها وإبلها ترعى زروع يثرب المحيطة بها. وبعث محمد من بعدهما الحباب بن المنذر بن الجموح. فلمّا جاءه من خبرهم بالذي أخبره العباس أخذته ﵇ الحيرة.
وخرج سلمة بن سلامة، فإذا طليعة خيل قريش تقارب المدينة وتكاد تدخلها، فعاد فخبّر قومه بما رأى.
فخشي الأوس والخزرج وأهل المدينة جميعا عاقبة هذه الغزوة التي أعدّت لها قريش خير ما أعدت في تاريخ حروبها، حتى لقد بات وجوه المسلمين من أهل المدينة وعليهم السلاح بالمسجد خوفا على النبيّ، وحرست المدينة كلها طيلة الليل. فلما أصبحوا جمع النبيّ أهل الرأي من المسلمين ومن المتظاهرين بالإسلام- أو المنافقين على ما كانوا يدعون يومئذ وما نعتوا في القرآن وجعلوا يتشاورون؛ كيف يلقون عدوّهم.
القائلون بالتحصن بالمدينة
رأى النبيّ ﵇ أن يتحصّنوا بالمدينة وأن يدعوا قريشا خارجها، فإذا حاولوا اقتحامها كانوا أهلها فكانوا أقدر على دفعهم والتغلّب عليهم. ورأى عبد الله بن أبيّ بن سلول رأى النبيّ وقال: «لقد كنّا يا رسول الله نقاتل فيها ونجعل النساء والأطفال في هذه الصّياصي ونجعل معهم الحجارة، ونشبك المدينة بالبنيان، فتكون كالحصن من كل ناحية، فإذا أقبل العدوّ رمته النسوة والأطفال بالحجارة وقابلناه بأسيافنا في
стр. 177
السكك. إن مدينتنا يا رسول الله عذراء ما فضّت علينا قطّ، وما دخل علينا عدوّ فيها إلا أصبناه، وما خرجنا إلى عدوّ قطّ منها إلا أصاب منا، فدعهم يا رسول الله وأطعني في هذا الأمر؛ فإني ورثت هذا الرأي عن أكابر قومي وأهل الرأي منهم» .
والقائلون بالخروج للقاء العدو
وكان كلام ابن أبيّ هذا هو رأي الأكابر من أصحاب الرسول من المهاجرين ومن الأنصار، كما كان رأي الرسول ﵇. لكن فتيانا ذوي حميّة لم يشهدوا بدرا، ورجالا شهدوها وأمتعهم الله بالنصر فيها وملأ الإيمان قلوبهم أن ليس لقوّة أن تغالبهم أو تتغلّب عليهم، أحبّوا الخروج إلى العدوّ وملاقاته حيث نزل، مخافة أن يظن أنهم كرهوا الخروج وتحصّنوا بالمدينة جبنا عن لقائه. ثم إنهم إلى جانب المدينة وعلى مقربة منها أقوى منهم يوم كانوا ببدر لا يعرف أهلوهم من أمرهم شيئا. قال قائل منهم: «إني لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها فتكون هذه مجرّئة لقريش. وها هم هؤلاء قد وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن عرضنا «١» لم يزرع، وإن قريشا قد مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب من بواديها ومن تبعها من أحابيشها، ثم جاؤنا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا أفيحبسوننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا! لئن فعلنا لازدادوا جرأة، ولشنوا الغارات علينا وأصابوا من أطرافنا، ووضعوا العيون والأرصاد على مدينتنا، ثم لقطعوا الطريق علينا» . وتعاقب الدّعاة إلى الخروج يتحدّث كلّ حديثه، ويذكرون جميعا أنهم إذا أظفرهم الله بعدوهم فذلك الذي أرادوا، وذلك الذي وعد الله ورسوله بالحق، وإن هم انهزموا واستشهدوا كانت لهم الجنة.
وهز حديث الشجاعة وحديث الاستشهاد القلوب، واستنفر روح الجماعة الأنفس لتجري كلها في هذا التيار، ولتتحدث كلها على هذه النغمة، فلم يبق تلك اللحظة أمام الجمع الماثل في حضرة محمد الممتلئ القلب بالإيمان بالله ورسوله وكتابه وحسابه، إلا صورة الظفر بهذا العدوّ المعتدي تفرّقه سيوفهم أيدي سبا، ويبعثه بأسهم بددا شذر مذر، وتستولي أيديهم على مغانمه ومحارمه، وصورة الجنة أعدّت للذين قتلوا في سبيل الله، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين يلقون فيها أحبتهم الذين شهدوا بدرا واستشهدوا فيها، (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً) «٢» .
قال خيثمة أبو سعد بن خيثمة: «عسى الله أن يظفرنا بهم أو تكون الآخرى فهي الشهادة. لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت عليها حريصا، حتى بلغ من حرصي عليها أن ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه فرزق الشهادة. وقد رأيت ابني البارحة في النوم وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنّة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقّا. وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنّة؛ وقد كبرت سنّي ورقّ عظمي وأحببت لقاء ربي» فلمّا ظهرت الكثرة واضحة في جانب الذين يقولون بالخروج إلى العدوّ وملاقاته قال لهم محمد: إني أخاف عليكم الهزيمة؛ فأبوا مع ذلك إلا الخروج. فلم يكن له إلا أن ينزل على رأيهم. وقد كانت الشورى أساس نظامه لهذه الحياة، فلم يكن يتفرد بأمر إلا ما أوحي إليه من عند الله.
وكان اليوم يوم جمعة، فصلّى النبيّ بالناس، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدّوهم. ودخل محمد بيته بعد صلاة العصر ودخل معه أبو بكر وعمر فعمماه وألبساه درعه وتقلّد سيفه،
стр. 178
والناس أثناء غيبته هذه في جدل يتحاورون. قال أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وكانا ممن أشاروا بالتحصّن بالمدينة، للذين رأوا الخروج منها: «لقد رأيتم رسول الله يرى التحصن بالمدينة، فقلتم ما قلتم واستكرهتموه على الخروج وهو له كاره، فردّوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم له فيه هوى أو رأيا فأطيعوه» . ولان الداعون للخروج لما سمعوا، وحسبوا أنهم خالفوا الرسول إلى شيء قد يكون لله فيه آية. فلما خرج النبي إليهم لابسا درعه متقلدا سيفه أقبل عليه الذين كانوا يرون الخروج فقالوا: «ما كان لنا يا رسول الله أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك، وما كان لنا أن نستكرهك؛ والأمر إلى الله ثم إليك» . قال محمد: «قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم. وما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه.
انظروا ما آمركم به فاتّبعوه، والنصر لكم ما صبرتم» . وكذلك وضع محمد إلى جانب مبدأ الشورى أساس النظام. فإذا تمّ للكثرة رأي بعد بحث، لم يكن لها أن تنقضه لهوى أو لغاية، بل يجب أن ينفذ الأمر على أن يحسن من يتولى تنفيذه ويوجهه إلى حيث يتحقق نجاحه.
وتقدّم محمد بالمسلمين متّجها إلى أحد، حتى نزل الشيخين «١» . وهناك بصر بكتيبة لا يعرف أهلها، فسأل عنها فقيل: هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود قال ﵇: لا يستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك ما لم يسلموا فانصرف اليهود عائدين إلى المدينة. إذ ذاك جعل حلفاء ابن أبى يقولون له: لقد نصحته وأشرت عليه برأي من مضى من آبائك فكان رأيه مع رأيك، ثم أبى أن يقبله وأطاع الغلمان الذين معه. وصادف حديثهم هوى من نفس ابن أبيّ، فلما أصبحوا انخذل مع كتيبة من أصحابه. وبقي النبيّ ومعه المؤمنون حقّا وعدّتهم، سبعمائة، ليقاتلوا ثلاثة آلاف قرشي من أهل مكة كلهم موتور من يوم بدر، وكلهم على ثأره حريص.
تنظيم النبي للصفوف
وسار المسلمون مع الصبح حتى بلغوا أحدا، فاجتازوا مسالكه وجعلوه إلى ظهورهم. وجعل محمد يصفّ أصحابه، وقد وضع منهم خمسين من الرماة على شعب في الجبل وقال لهم: «احموا لنا ظهورنا فإنا نخاف أن يجيئونا من ورائنا. والزموا مكانكم لا تبرحوا منه. وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم. وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدافعوا عنا. وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنّبل؛ فإن الخيل لا تقدم على النبل» ؛ ثم نهى غير الرماة أن يقاتل أحد حتى يأمر هو بالقتال.
قريش ونساؤها
فأمّا قريش فصفّت صفوفها، وجعلت على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعت اللواء إلى عبد العزّى طلحة بن أبي طلحة. وجعلت نساء قريش يمشين خلال صفوفها يضربن بالدفوف والطبول، فيكنّ تارة في مقدمة الصفوف وتارة في مؤخّرتها، وعلى رأسهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهنّ يقلن:
ويها بني عبد الدّار ... ويها حماة الأدبار
ضربا بكل بتّار
стр. 179
ويقلن:
إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النّمارق
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق
واستعدّ الفريقان للقتال وكلّ يحرّض رجاله. فأما قريش فتذكر بدرا وقتلاها. وأما المسلمون فيذكرون الله ونصره. ومحمد يخطب ويحض على القتال، ويعد رجاله النصر ما صبروا. مدّ يده بسيف فقال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ فقال: أن تضرب به في العدوّ حتى ينحني. وكان أبو دجانة رجلا شجاعا له عصابة حمراء، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل وأنه أخرج عصابة الموت. فأخذ السيف وأخرج عصابته وعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفّين على عادته إذ يختال عند الحرب. فلمّا رآه محمد يتبختر قال:
«إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن» .
وكان أوّل من أنشب الحرب بين الفريقين أبو عامر عبد عمرو بن صيفيّ الأوسيّ، وكان قد انتقل من المدينة إلى مكة يحرّض قريشا على قتال محمد، ولم يكن شهد بدرا، فخرج في أحد في خمسة عشر رجلا من الأوس، وفي عبيد أهل مكة؛ وكان يزعم أنه إذا نادى أهله المسلمين من الأوس الذي يحاربون في صفّ محمد، استجابوا له وانحازوا معه ونصروا قريشا: فخرج فنادى: يا معشر الأوس: أنا أبو عامر. فأجابه الأوس المسلمون: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق! ثم نشب القتال بينهم. وحاول عبيد قريش وحاول عكرمة بن أبي جهل، وكان على الميسرة، أن يأخذوا المسلمين من جناحهم، ولكن المسلمين رشقوهم بالحجارة حتى ولّى أبو عامر ومن معه مدبرين. هنالك صاح حمزة بن عبد المطلب صيحة القتال يوم أحد: «أمت، أمت» واندفع إلى قلب جيش قريش. وصاح طلحة بن أبي طلحة حامل لواء أهل مكة: من يبارز! فبرز له عليّ بن أبي طالب والتقيا بين الصفّين، فبادره عليّ بضربة فلقت هامته. واغتبط النبيّ وكبّر المسلمون وشدّوا واندفع أبو دجانة وفي يده سيف النبيّ وعلى رأسه عصابة الموت، فجعل لا يلقي أحدا إلا قتله حتى شقّ صفوف المشركين، فرأى إنسانا يخمش «١» الناس خمشا شديدا، فحمل عليه بالسيف فولول، إذا هند بنت عتبة فارتدّ عنها مكرما سيف الرسول أن يضرب به امرأة.
مقتل حمزة سيد الشهداء
واندفعت قريش إلى القتال يثور في عروقها طلب الثأر لمن مات من أشرافها وسادتها منذ عام ببدر.
ووقفت بذلك قوّتان غير متكافئتين في العدد ولا في العدّة، يحرّك الكثرة العظيمة ثأر لا يهدأ منذ بدر في النفوس ثائره، ويحرك الفئة القليلة عاملان: الدفاع عن العقيدة وعن الإيمان وعن دين الله، والدفاع عن الوطن وعما يشتمل عليه هذا الوطن من مصالح. فأمّا المطالبون بالثأر فكانوا أعزّ نفرا وأكثر جندا، وكان من ورائهم الظّعن يحرّكنهم، وقد أعدّت غير واحدة منهن مولى وعدته الخير الوفير لينتقم لها ممن فجعها ببدر في أب أو أخ أو زوج أو عزيز. كان حمزة بن عبد المطلب، من أعظم أبطال العرب وشجعانهم، وكان قد قتل يوم بدر عتبة أبا هند، كما قتل أخاها ونكّل بكثير من الأعزّة عليها. وكان يوم أحد كما كان يوم بدر أسد الله وسيفه البتار. قتل أرطأة بن عبد شرحبيل. وقتل سباع بن عبد العزّى الغبشاني. وجعل يهذّ «٢» كل من لقي بسيفه فتسيل من
стр. 180
جسده روحه. وكانت هند بنت عتبة قد وعدت وحشيا الحبشيّ مولى جبير خيرا كثيرا إن هو قتل حمزة، كما قال له جبير بن مطعم مولاه وكان عمه قد قتل ببدر: إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق. روى وحشيّ قال:
«فخرجت مع الناس، وكنت رجلا حبشيّا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلّما أخطئ بها شيئا. فلمّا التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق «١» يهذّ الناس سيفه هذّا، فهززت حربتي، حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه فوقعت في ثنته «٢» حتى خرجت من بين رجليه، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ورجعت إلى المعسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة. إنما قتلته لأعتق.
فلمّا قدمت مكة أعتقت» .
أما المدافعون عن الوطن فكان لهم مثل في قزمان أحد المنافقين الذين أظهروا الإسلام. تخلّف عن الخروج يوم خرج المسلمون لأحد. فلما أصبح عيّره نساء بني ظفر فقلن: يا قزمان، ألا تستحي لما صنعت! ما أنت إلا امرأة، خرج قومك فبقيت في الدار. فدخل قزمان بيته مغيظا محنقا فأخرج فرسه وجعبته وسيفه، وكان يعرف بالشجاعة، فخرج يعدو حتى كان عند الجيش والنبي يسوّي صفوف المسلمين، فتخطاها حتى كان في الصفّ الأوّل منها، وكان أول من رمى بنفسه من المسلمين، وجعل يرسل نبلا كأنها الرماح، فلمّا كان آخر النهار فضل الموت على الفرار وقتل نفسه بعد أن أصاب من قريش سبعة رجال في سويعة غير من قتل منهم بدء المعركة. ومرّ به أبو الغيداق وهو يسلم الروح، فقال له: «هنيئا لك الشهادة يا قزمان!» . قال قزمان:
«إنني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين. ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير قريش إلينا فتقتحم حرمنا وتطأ سعفنا، ووالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت» .
أمّا المؤمنون حقّا، وكان عددهم لا يزيد على سبعمائة يقاتلون ثلاثة آلاف فقد رأيت من فعال حمزة وأبي دجانة ما يصور لك صورة من قوتهم المعنوية؛ قوة انثنت أمامها صفوف قريش وكأنها الخيزران، وتراجع أمامها أبطال قريش وكانوا بين العرب مضرب المثل في الإقدام والشجاعة. وكان لواؤهم لا يسقط من يد حامله حتى يأخذه خلفه. حمل عثمان بن أبي طلحة اللواء بعد أن قتل عليّ طلحة بن أبي طلحة، فلقي مصرعه على يد حمزة. وحمله أبو سعد بن أبي طلحة وصاح: أتزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار! والله إنكم لتكذبون. ولو كنتم تؤمنون حقّا فليقدم منكم من يقاتلني. وضربه عليّ أو سعد بن أبي وقّاص بسيفه ضربة فلقت هامته. وتعاقب حملة اللواء من بني عبد الدار حتى قتل منهم تسعة، كان آخرهم صؤاب الحبشيّ غلام بني عبد الدار، وقد ضربه قزمان على يده اليمنى، فتناول اللواء باليسرى، فقطعها قزمان بسيفه، فضم صؤاب اللواء بذراعيه إلى صدره ثم حنى عليه ظهره وهو يقول: يا بني عبد الدار، هل أعذرت؟ وقتله قزمان أو قتله سعد بن أبي وقاص، على خلاف في الرواية. فلمّا قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء حتى أحيط بنسائهم، وحتى وقع الصنم الذي احتملوا يتيامنون به من فوق الجمل الذي كان يحمله ومن خلال الهودج الذي كان يحتويه.
ظفر المسلمين صبيحة أحد
والحقّ أن ظفر المسلمين في صبيحة يوم أحد كان معجزة من معجزات الحرب، قد يفسّرها بعضهم بمها محمد في وضعه الرّماة في شعب الجبل يصدّون الفرسان بالنبل فلا يتقدّمون ولا يأتون المسلمين من خلفهم.
وهذا حقّ. ولكنه من الحق أيضا أنّ ستّ المائة من المسلمين الذين هاجموا عددا يوازي خمسة أمثالهم، وعدّة في