← Сира

Сира · id 9797

حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

هيكل، محمد حسين

Полный текст (384 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أبوها وأخوها وأعمّ الناس عليها- خرجت قريش تقصد المدينة في ثلاثة ألوية عقدت في دار النّدوة، وعلى اللواء الأكبر منها طلحة بن أبي طلحة، وهم ثلاثة آلاف، ليس بينهم غير مائة رجل من ثقيف، وسائرهم من مكة سادتها ومواليها وأحابيشها. وقد أخذوا معهم من العدّة والسلاح الشيء الكثير، وقادوا مائتي فرس وثلاثة آلاف بعير، ومن بينهم سبعمائة دراع. تهيأ القوم للمسير بعد أن أجمعوا عليه والعبّاس بن عبد المطلب عم النبيّ بينهم واقف على أمرهم مطّلع على كل دقيق وجليل من شأنهم. وكان العباس على حرصه على دين آبائه ودين قومه يحسّ لمحمد شعور العصبيّة وشعور الإعجاب، ويذكر له حسن معاملته إياه يوم بدر. ولعل الإعجاب والعصبية اللذين جعلاه يشهد مع محمد بيعة العقبة الكبرى ويخاطب الأوس والخزرج بأنهم إن لم يكونوا مانعي ابن أخيه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم فليدعوه إلى أهله يذودون عنه ذيادهم من قبل، هما اللذان دفعاه حين أجمعت قريش المسير في هذا العدد العظيم إلى أن يكتب كتابا يصف فيه صنيعهم وجمعهم وعدّتهم وعديدهم، ويدفع به إلى رجل غفاريّ يسير به إلى النبيّ حتى يبلغ المدينة في ثلاثة أيام فيدفعه إليه. فأمّا قريش فسارت حتى بلغت الأبواء، ومرّت بقبر آمنة بنت وهب، فدفعت الحميّة بعض الطائشين منها إلى التفكير في نبشه. ولكن زعماءها أبوا عليهم هذه الفعلة، حتى لا تكون سنة عند العرب، وقالوا لا تذكروا من هذا شيئا؛ فلو فعلنا نبشت بنو بكر وبنو خزاعة موتانا. وتابعت قريش مسيرها حتى بلغت العقيق، ثم نزلت عند السفوح من جبل أحد على خمسة أميال من المدينة. رسول العباس إلى النبي وبلغ الغفاري الذي بعثه العبّاس بن عبد المطلب بكتابه المدينة، فوجد محمدا بقباء، فذهب إليه فألفاه على باب المسجد هناك يركب حماره، فدفع إليه الكتاب، فقرأه عليه أبي بن كعب، فاستكتمه محمد ما فيه وعاد إلى المدينة فقصد إلى سعد بن الرّبيع في داره فقصّ عليه ما بعث العباس به إليه واستكتمه أيضا إيّاه. على أن زوج سعد كانت بالمنزل وكانت تسمع ما دار فلم يبق سرّا. وبعث محمد ابني فضالة أنسا ومضنسا يتنطسان خبر قريش، فألفياها قاربت المدينة وأطلقت خيلها وإبلها ترعى زروع يثرب المحيطة بها. وبعث محمد من بعدهما الحباب بن المنذر بن الجموح. فلمّا جاءه من خبرهم بالذي أخبره العباس أخذته ﵇ الحيرة. وخرج سلمة بن سلامة، فإذا طليعة خيل قريش تقارب المدينة وتكاد تدخلها، فعاد فخبّر قومه بما رأى. فخشي الأوس والخزرج وأهل المدينة جميعا عاقبة هذه الغزوة التي أعدّت لها قريش خير ما أعدت في تاريخ حروبها، حتى لقد بات وجوه المسلمين من أهل المدينة وعليهم السلاح بالمسجد خوفا على النبيّ، وحرست المدينة كلها طيلة الليل. فلما أصبحوا جمع النبيّ أهل الرأي من المسلمين ومن المتظاهرين بالإسلام- أو المنافقين على ما كانوا يدعون يومئذ وما نعتوا في القرآن وجعلوا يتشاورون؛ كيف يلقون عدوّهم. القائلون بالتحصن بالمدينة رأى النبيّ ﵇ أن يتحصّنوا بالمدينة وأن يدعوا قريشا خارجها، فإذا حاولوا اقتحامها كانوا أهلها فكانوا أقدر على دفعهم والتغلّب عليهم. ورأى عبد الله بن أبيّ بن سلول رأى النبيّ وقال: «لقد كنّا يا رسول الله نقاتل فيها ونجعل النساء والأطفال في هذه الصّياصي ونجعل معهم الحجارة، ونشبك المدينة بالبنيان، فتكون كالحصن من كل ناحية، فإذا أقبل العدوّ رمته النسوة والأطفال بالحجارة وقابلناه بأسيافنا في

стр. 177

السكك. إن مدينتنا يا رسول الله عذراء ما فضّت علينا قطّ، وما دخل علينا عدوّ فيها إلا أصبناه، وما خرجنا إلى عدوّ قطّ منها إلا أصاب منا، فدعهم يا رسول الله وأطعني في هذا الأمر؛ فإني ورثت هذا الرأي عن أكابر قومي وأهل الرأي منهم» . والقائلون بالخروج للقاء العدو وكان كلام ابن أبيّ هذا هو رأي الأكابر من أصحاب الرسول من المهاجرين ومن الأنصار، كما كان رأي الرسول ﵇. لكن فتيانا ذوي حميّة لم يشهدوا بدرا، ورجالا شهدوها وأمتعهم الله بالنصر فيها وملأ الإيمان قلوبهم أن ليس لقوّة أن تغالبهم أو تتغلّب عليهم، أحبّوا الخروج إلى العدوّ وملاقاته حيث نزل، مخافة أن يظن أنهم كرهوا الخروج وتحصّنوا بالمدينة جبنا عن لقائه. ثم إنهم إلى جانب المدينة وعلى مقربة منها أقوى منهم يوم كانوا ببدر لا يعرف أهلوهم من أمرهم شيئا. قال قائل منهم: «إني لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها فتكون هذه مجرّئة لقريش. وها هم هؤلاء قد وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن عرضنا «١» لم يزرع، وإن قريشا قد مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب من بواديها ومن تبعها من أحابيشها، ثم جاؤنا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا أفيحبسوننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا! لئن فعلنا لازدادوا جرأة، ولشنوا الغارات علينا وأصابوا من أطرافنا، ووضعوا العيون والأرصاد على مدينتنا، ثم لقطعوا الطريق علينا» . وتعاقب الدّعاة إلى الخروج يتحدّث كلّ حديثه، ويذكرون جميعا أنهم إذا أظفرهم الله بعدوهم فذلك الذي أرادوا، وذلك الذي وعد الله ورسوله بالحق، وإن هم انهزموا واستشهدوا كانت لهم الجنة. وهز حديث الشجاعة وحديث الاستشهاد القلوب، واستنفر روح الجماعة الأنفس لتجري كلها في هذا التيار، ولتتحدث كلها على هذه النغمة، فلم يبق تلك اللحظة أمام الجمع الماثل في حضرة محمد الممتلئ القلب بالإيمان بالله ورسوله وكتابه وحسابه، إلا صورة الظفر بهذا العدوّ المعتدي تفرّقه سيوفهم أيدي سبا، ويبعثه بأسهم بددا شذر مذر، وتستولي أيديهم على مغانمه ومحارمه، وصورة الجنة أعدّت للذين قتلوا في سبيل الله، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين يلقون فيها أحبتهم الذين شهدوا بدرا واستشهدوا فيها، (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً) «٢» . قال خيثمة أبو سعد بن خيثمة: «عسى الله أن يظفرنا بهم أو تكون الآخرى فهي الشهادة. لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت عليها حريصا، حتى بلغ من حرصي عليها أن ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه فرزق الشهادة. وقد رأيت ابني البارحة في النوم وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنّة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقّا. وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنّة؛ وقد كبرت سنّي ورقّ عظمي وأحببت لقاء ربي» فلمّا ظهرت الكثرة واضحة في جانب الذين يقولون بالخروج إلى العدوّ وملاقاته قال لهم محمد: إني أخاف عليكم الهزيمة؛ فأبوا مع ذلك إلا الخروج. فلم يكن له إلا أن ينزل على رأيهم. وقد كانت الشورى أساس نظامه لهذه الحياة، فلم يكن يتفرد بأمر إلا ما أوحي إليه من عند الله. وكان اليوم يوم جمعة، فصلّى النبيّ بالناس، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدّوهم. ودخل محمد بيته بعد صلاة العصر ودخل معه أبو بكر وعمر فعمماه وألبساه درعه وتقلّد سيفه،

стр. 178

والناس أثناء غيبته هذه في جدل يتحاورون. قال أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وكانا ممن أشاروا بالتحصّن بالمدينة، للذين رأوا الخروج منها: «لقد رأيتم رسول الله يرى التحصن بالمدينة، فقلتم ما قلتم واستكرهتموه على الخروج وهو له كاره، فردّوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم له فيه هوى أو رأيا فأطيعوه» . ولان الداعون للخروج لما سمعوا، وحسبوا أنهم خالفوا الرسول إلى شيء قد يكون لله فيه آية. فلما خرج النبي إليهم لابسا درعه متقلدا سيفه أقبل عليه الذين كانوا يرون الخروج فقالوا: «ما كان لنا يا رسول الله أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك، وما كان لنا أن نستكرهك؛ والأمر إلى الله ثم إليك» . قال محمد: «قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم. وما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه. انظروا ما آمركم به فاتّبعوه، والنصر لكم ما صبرتم» . وكذلك وضع محمد إلى جانب مبدأ الشورى أساس النظام. فإذا تمّ للكثرة رأي بعد بحث، لم يكن لها أن تنقضه لهوى أو لغاية، بل يجب أن ينفذ الأمر على أن يحسن من يتولى تنفيذه ويوجهه إلى حيث يتحقق نجاحه. وتقدّم محمد بالمسلمين متّجها إلى أحد، حتى نزل الشيخين «١» . وهناك بصر بكتيبة لا يعرف أهلها، فسأل عنها فقيل: هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود قال ﵇: لا يستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك ما لم يسلموا فانصرف اليهود عائدين إلى المدينة. إذ ذاك جعل حلفاء ابن أبى يقولون له: لقد نصحته وأشرت عليه برأي من مضى من آبائك فكان رأيه مع رأيك، ثم أبى أن يقبله وأطاع الغلمان الذين معه. وصادف حديثهم هوى من نفس ابن أبيّ، فلما أصبحوا انخذل مع كتيبة من أصحابه. وبقي النبيّ ومعه المؤمنون حقّا وعدّتهم، سبعمائة، ليقاتلوا ثلاثة آلاف قرشي من أهل مكة كلهم موتور من يوم بدر، وكلهم على ثأره حريص. تنظيم النبي للصفوف وسار المسلمون مع الصبح حتى بلغوا أحدا، فاجتازوا مسالكه وجعلوه إلى ظهورهم. وجعل محمد يصفّ أصحابه، وقد وضع منهم خمسين من الرماة على شعب في الجبل وقال لهم: «احموا لنا ظهورنا فإنا نخاف أن يجيئونا من ورائنا. والزموا مكانكم لا تبرحوا منه. وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم. وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدافعوا عنا. وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنّبل؛ فإن الخيل لا تقدم على النبل» ؛ ثم نهى غير الرماة أن يقاتل أحد حتى يأمر هو بالقتال. قريش ونساؤها فأمّا قريش فصفّت صفوفها، وجعلت على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعت اللواء إلى عبد العزّى طلحة بن أبي طلحة. وجعلت نساء قريش يمشين خلال صفوفها يضربن بالدفوف والطبول، فيكنّ تارة في مقدمة الصفوف وتارة في مؤخّرتها، وعلى رأسهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهنّ يقلن: ويها بني عبد الدّار ... ويها حماة الأدبار ضربا بكل بتّار

стр. 179

ويقلن: إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النّمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق واستعدّ الفريقان للقتال وكلّ يحرّض رجاله. فأما قريش فتذكر بدرا وقتلاها. وأما المسلمون فيذكرون الله ونصره. ومحمد يخطب ويحض على القتال، ويعد رجاله النصر ما صبروا. مدّ يده بسيف فقال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ فقال: أن تضرب به في العدوّ حتى ينحني. وكان أبو دجانة رجلا شجاعا له عصابة حمراء، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل وأنه أخرج عصابة الموت. فأخذ السيف وأخرج عصابته وعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفّين على عادته إذ يختال عند الحرب. فلمّا رآه محمد يتبختر قال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن» . وكان أوّل من أنشب الحرب بين الفريقين أبو عامر عبد عمرو بن صيفيّ الأوسيّ، وكان قد انتقل من المدينة إلى مكة يحرّض قريشا على قتال محمد، ولم يكن شهد بدرا، فخرج في أحد في خمسة عشر رجلا من الأوس، وفي عبيد أهل مكة؛ وكان يزعم أنه إذا نادى أهله المسلمين من الأوس الذي يحاربون في صفّ محمد، استجابوا له وانحازوا معه ونصروا قريشا: فخرج فنادى: يا معشر الأوس: أنا أبو عامر. فأجابه الأوس المسلمون: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق! ثم نشب القتال بينهم. وحاول عبيد قريش وحاول عكرمة بن أبي جهل، وكان على الميسرة، أن يأخذوا المسلمين من جناحهم، ولكن المسلمين رشقوهم بالحجارة حتى ولّى أبو عامر ومن معه مدبرين. هنالك صاح حمزة بن عبد المطلب صيحة القتال يوم أحد: «أمت، أمت» واندفع إلى قلب جيش قريش. وصاح طلحة بن أبي طلحة حامل لواء أهل مكة: من يبارز! فبرز له عليّ بن أبي طالب والتقيا بين الصفّين، فبادره عليّ بضربة فلقت هامته. واغتبط النبيّ وكبّر المسلمون وشدّوا واندفع أبو دجانة وفي يده سيف النبيّ وعلى رأسه عصابة الموت، فجعل لا يلقي أحدا إلا قتله حتى شقّ صفوف المشركين، فرأى إنسانا يخمش «١» الناس خمشا شديدا، فحمل عليه بالسيف فولول، إذا هند بنت عتبة فارتدّ عنها مكرما سيف الرسول أن يضرب به امرأة. مقتل حمزة سيد الشهداء واندفعت قريش إلى القتال يثور في عروقها طلب الثأر لمن مات من أشرافها وسادتها منذ عام ببدر. ووقفت بذلك قوّتان غير متكافئتين في العدد ولا في العدّة، يحرّك الكثرة العظيمة ثأر لا يهدأ منذ بدر في النفوس ثائره، ويحرك الفئة القليلة عاملان: الدفاع عن العقيدة وعن الإيمان وعن دين الله، والدفاع عن الوطن وعما يشتمل عليه هذا الوطن من مصالح. فأمّا المطالبون بالثأر فكانوا أعزّ نفرا وأكثر جندا، وكان من ورائهم الظّعن يحرّكنهم، وقد أعدّت غير واحدة منهن مولى وعدته الخير الوفير لينتقم لها ممن فجعها ببدر في أب أو أخ أو زوج أو عزيز. كان حمزة بن عبد المطلب، من أعظم أبطال العرب وشجعانهم، وكان قد قتل يوم بدر عتبة أبا هند، كما قتل أخاها ونكّل بكثير من الأعزّة عليها. وكان يوم أحد كما كان يوم بدر أسد الله وسيفه البتار. قتل أرطأة بن عبد شرحبيل. وقتل سباع بن عبد العزّى الغبشاني. وجعل يهذّ «٢» كل من لقي بسيفه فتسيل من

стр. 180

جسده روحه. وكانت هند بنت عتبة قد وعدت وحشيا الحبشيّ مولى جبير خيرا كثيرا إن هو قتل حمزة، كما قال له جبير بن مطعم مولاه وكان عمه قد قتل ببدر: إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق. روى وحشيّ قال: «فخرجت مع الناس، وكنت رجلا حبشيّا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلّما أخطئ بها شيئا. فلمّا التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق «١» يهذّ الناس سيفه هذّا، فهززت حربتي، حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه فوقعت في ثنته «٢» حتى خرجت من بين رجليه، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ورجعت إلى المعسكر وقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة. إنما قتلته لأعتق. فلمّا قدمت مكة أعتقت» . أما المدافعون عن الوطن فكان لهم مثل في قزمان أحد المنافقين الذين أظهروا الإسلام. تخلّف عن الخروج يوم خرج المسلمون لأحد. فلما أصبح عيّره نساء بني ظفر فقلن: يا قزمان، ألا تستحي لما صنعت! ما أنت إلا امرأة، خرج قومك فبقيت في الدار. فدخل قزمان بيته مغيظا محنقا فأخرج فرسه وجعبته وسيفه، وكان يعرف بالشجاعة، فخرج يعدو حتى كان عند الجيش والنبي يسوّي صفوف المسلمين، فتخطاها حتى كان في الصفّ الأوّل منها، وكان أول من رمى بنفسه من المسلمين، وجعل يرسل نبلا كأنها الرماح، فلمّا كان آخر النهار فضل الموت على الفرار وقتل نفسه بعد أن أصاب من قريش سبعة رجال في سويعة غير من قتل منهم بدء المعركة. ومرّ به أبو الغيداق وهو يسلم الروح، فقال له: «هنيئا لك الشهادة يا قزمان!» . قال قزمان: «إنني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين. ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير قريش إلينا فتقتحم حرمنا وتطأ سعفنا، ووالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت» . أمّا المؤمنون حقّا، وكان عددهم لا يزيد على سبعمائة يقاتلون ثلاثة آلاف فقد رأيت من فعال حمزة وأبي دجانة ما يصور لك صورة من قوتهم المعنوية؛ قوة انثنت أمامها صفوف قريش وكأنها الخيزران، وتراجع أمامها أبطال قريش وكانوا بين العرب مضرب المثل في الإقدام والشجاعة. وكان لواؤهم لا يسقط من يد حامله حتى يأخذه خلفه. حمل عثمان بن أبي طلحة اللواء بعد أن قتل عليّ طلحة بن أبي طلحة، فلقي مصرعه على يد حمزة. وحمله أبو سعد بن أبي طلحة وصاح: أتزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار! والله إنكم لتكذبون. ولو كنتم تؤمنون حقّا فليقدم منكم من يقاتلني. وضربه عليّ أو سعد بن أبي وقّاص بسيفه ضربة فلقت هامته. وتعاقب حملة اللواء من بني عبد الدار حتى قتل منهم تسعة، كان آخرهم صؤاب الحبشيّ غلام بني عبد الدار، وقد ضربه قزمان على يده اليمنى، فتناول اللواء باليسرى، فقطعها قزمان بسيفه، فضم صؤاب اللواء بذراعيه إلى صدره ثم حنى عليه ظهره وهو يقول: يا بني عبد الدار، هل أعذرت؟ وقتله قزمان أو قتله سعد بن أبي وقاص، على خلاف في الرواية. فلمّا قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء حتى أحيط بنسائهم، وحتى وقع الصنم الذي احتملوا يتيامنون به من فوق الجمل الذي كان يحمله ومن خلال الهودج الذي كان يحتويه. ظفر المسلمين صبيحة أحد والحقّ أن ظفر المسلمين في صبيحة يوم أحد كان معجزة من معجزات الحرب، قد يفسّرها بعضهم بمها محمد في وضعه الرّماة في شعب الجبل يصدّون الفرسان بالنبل فلا يتقدّمون ولا يأتون المسلمين من خلفهم. وهذا حقّ. ولكنه من الحق أيضا أنّ ستّ المائة من المسلمين الذين هاجموا عددا يوازي خمسة أمثالهم، وعدّة في

стр. 181

مثل هذه النسبة، إنما دفعهم إلى معجزات البطولة التي أتوا شيء أعظم من مهارة القيادة: ذلك هو الإيمان، الإيمان الصادق بأنهم على الحق. ومن آمن بالحق لم تزعجه قوّة مادية مهما عظمت، ولم تضعضع من عزمته كل قوّات الباطل وإن اجتمعت. وهل رأيت مهارة القيادة وحدها كانت تغني والرّماة الذين وضعهم النبيّ في الشعب لم يكونوا إلا خمسين، فلو أن مائتين أو ثلثمائة رجل هاجموهم مستقتلين لما ثبتوا ولا صبروا أمامهم. لكن القوّة الكبرى، قوة الفكرة، قوّة العقيدة، قوّة الإيمان الصادق بالحق العلي الأعلى، هذه القوة لا غالب لها ما أراد صاحبها وجه الحق وحده. ولذلك تمزّقت قريش في ثلاثة آلاف من فرسانها أمام هجمات ستمائة مسلم، وأوشكت نسوتها أن يؤخذن أسرى ذليلات. وتبع المسلمون عدوهم يضعون السلاح فيه حيث شاؤا حتى بعد عن معسكره؛ فجعل المسلمون ينتهبون الغنيمة، وما أكثر ما كانت! وصرفهم ذلك عن اتباعه عدوهم ابتغاء عرض الدنيا. اشتغال المسلمين بالغنيمة ورآهم الرّماة الذين أمرهم الرسول ألّا يبرحوا الشعب ولو رأوه وأصحابه يقتلون فقال بعضهم لبعض وقد سال لمرأى الغنيمة لعابهم: «لم تقيمون ههنا في غير شيء وقد هزم الله عدوكم وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم، فأدخلوا فأغنموا مع الغانمين» قال قائل منهم: «ألم يقل لكم رسول الله لا تبرحوا مكانكم وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا؟!» قال الأولون! «لم يرد رسول الله أن نبقي بعد أن أذلّ الله المشركين» . واختلفوا فخطبهم أميرهم عبد الله بن جبير أن لا يخالفوا أمر الرسول، فعصاه أكثرهم وانطلقوا ولم يبق معه إلا نفر دون العشرة. واشترك المنطلقون في النهب وشغلوا كما شغل سائر المسلمين به. إذ ذاك اهتبل الفرصة خالد بن الوليد، وكان على فرسان مكة، فشد برجاله على مكان الرّماة فأجلاهم. ولم يفطن المسلمون لفعله لأنهم شغلوا عنه وعن كل شيء بهذه الغنائم يعبّون منها، حتى ولم يبق رجل منهم وقع في يده شيء إلا أخذه. وإنهم لكذلك إذ صاح ابن الوليد صيحة أدركت قريش معها أنه دار برجاله وراء جيش المسلمين. عند ذلك عاد منهم كل منهزم فأثخنوا في المسلمين ضربا وقتلا. وهناك دارت الدائرة؛ فألقى كل مسلم ما كان بيده مما انتهب وعاد إلى سيفه يسلّه ليقاتل به. ولكن هيهات هيهات! لقد تفرّقت الصفوف وتمزّقت الوحدة وابتلع البحر اللجي من رجال قريش هذه الصفوة من المسلمين كانت إلى ساعة تقاتل بأمر ربها تنضج عن إيمانها، وهي الساعة تقاتل لتنجو من براثن الموت ومخالب المذلّة. وكانت تقاتل متراصة متضامنة، وهي الآن تقاتل مبعثرة متناكرة. وكانت تقاتل تحت قيادة قوية حازمة حكيمة، وهي الآن تقاتل ولا قيادة لها. فلم يكن عجبا أن توى مسلما يضرب مسلما بسيفه وهو لا يكاد يعرفه. وصاح صائح بالناس: إن محمدا قد قتل، فازدادت الفوضى وعظمت البلبلة، واختلف المسلمون وصاروا يقتتلون ويضرب بعضهم بعضا وهم لا يشعرون لما هم فيه من العجلة والدهش. قتل المسلمون مواطنهم المسلم حسيل بن جابر أبا حذيفة وهم لا يعرفونه. وكان أكبرهم كل مسلم أن ينجو بنفسه إلا من عصم الله من أمثال عليّ بن أبي طالب. على أن قريشا ما لبثت حين سمعت بمقتل محمد أن تدافعت تدافع السيل إلى الناحية التي كان فيها، وكلّ يريد أن يكون له في قتله أو التمثيل به ما يفاخر الأجيال به. هنالك أحاط المسلمون القريبون بنبيهم يدافعون عنه ويحمونه، وقد عاد الإيمان فملأ نفوسهم وملك قلوبهم وحبب إليهم الموت وهون عليهم الحياة الدنيا. وزادهم إيمانا واستماتة أن رأوا الحجارة التي تقذفها قريش قد أصابت النبيّ فوقع لشقه فأصيبت رباعيته، وشجّ في وجهه، وكلمات شفته، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته. وكان رامي الحجر الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص. وتمالك الرسول وسار وأصحابه من حوله، فإذا به يقع في حفرة حفرها أبو عامر

стр. 182

ليقع فيها المسلمون. هنالك أسرع إليه عليّ بن أبي طالب فأخذ بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى وجعل يسير وأصحابه، متسلقين أحدا ناجين من العدوّ واتّباعه إيّاهم. استماتة المؤمنين في الدفاع عن الرسول وفي لحظة قاموا كان قد اجتمع حولهم من المسلمين من استماتوا في الدفاع عن رسول الله استماتة لا يقهر صاحبها أبدا. كانت أمّ عمارة الأنصارية قد خرجت أول النهار ومعها سقاء فيها ماء تدور به على المسلمين المجاهدين تسقي منهم من استسقى. فلما انهزم المسلمون ألقت سقاءها واستلّت سيفا وقامت تباشر القتال تذبّ عن محمد بالسيف وترمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إليها. وترّس أبو دجانة بنفسه دون رسول الله، فحنى ظهره والنبل يقع فيه. ووقف سعد بن أبي وقاص إلى جانب محمد يرمي بالنبل دونه ومحمد يناوله النبل ويقول له: ارم فداك أبي وأمي. وكان محمد قبل ذلك يرمي بنفسه عن قوسه حتى اندقت سيتها. هذا، فأمّا الذين ظنوا محمدا قد مات ومن بينهم أبو بكر وعمر فانتحوا الجبل وألقوا بأيديهم. فرآهم أنس بن النّضر فقال: ما يجلسكم قالوا: قتل رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعد! قوموا فموتوا على ما مات عليه؛ ثم استقبل القوم فقاتل قتالا شديدا وأبلى بلاء منقطع النظير، حتى إنه لم يقتل إلا بعد أن ضرب سبعين ضربة، وحتى إنه لم يعرفه أحد إلا أخته عرفته من بنانه. زعم قريش موت النبي وفرحت قريش بما اعتقدت من موت محمد، فراح أبو سفيان يفتقده في القتلى؛ ذلك بأن الذين كانوا ينضحون عنه ﵇ لم يكذّب أحد منهم خبر قتله إطاعة لأمره حتى لا تتكاثر عليهم قريش فتغلبهم دونه. على أن كعب بن مالك أقبل إلى ناحية أبي دجانة ومن معه فعرف محمدا حين رأى عينيه تزهران تحت المغفر فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا! هذا رسول الله؛ فأشار النبيّ إليه ليسكت. لكن المسلمين ما لبثوا حين عرفوا أن نهضوا بالنبيّ ونهض هو معهم نحو الشعب، ومن حوله أبو بكر وعمر وعليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام ورهط وغيرهم. وكان لصيحة كعب عند قريش كذلك أثرها. صحيح أن أكثرهم لم يصدّقها وحسبها صيحة أريد بها شدّ عزائم المسلمين. إلا أن بعضهم اندفع وراء محمد والذين ساروا معه. وقد أدركهم أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا!. فطعنه الرسول بحربة الحارث بن الصّمة طعنة جعلته يتقلب على فرسه ويعود أدراجه ليموت في الطريق. فلما انتهى المسلمون إلى فم الشعب خرج عليّ فملأ درقته ماء، فغسل محمد به الدم عن وجهه وصبّ منه على رأسه؛ ونزع أبو عبيدة بن الجراح حلقتي المغفر من وجه الرسول فسقطت ثنيتاه. وإنهم لكذلك إذ علا خالد بن الوليد على رأس فرسان معه الجبل، فقاتلهم عمر بن الخطاب ورهط من أصحاب الرسول فردّوهم. وازداد المسلمون في الجبل تصعيدا وقد نهكهم التعب وهدّهم الجهد، حتى صلى النبيّ الظهر قاعدا من الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا. التمثيل بقتلى المسلمين فأمّا قريش فطارت بنصرها سرورا، وحسبت نفسها انتقمت لبدر أشدّ الانتقام؛ حتى صاح أبو سفيان: «يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل» . وأمّا هند بنت عتبة زوجه فلم يكفها النصر، ولم يكفها قتل حمزة بن عبد المطلب، بل انطلقت هي والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجد عن الآذان والأنوف، وجعلت هند لنفسها منها قلائد وأقراطا، ثم إنها بقرت بطن حمزة وجذبت بين يديها كبده وجعلت تلوكها

стр. 183

بأسنانها فلا تستطيع أن تسيغها. وبلغ من شناعة ما فعلت وما فعلت النسوة ممن معها، بل ما فعل الرجال كذلك من الفظائع، أن تبرأ أبو سفيان من تبعتها، وأعلن أنه لم يأمر به وإن كان قد إشترك فيه، بل قال يخاطب أحد المسلمين: «إنه قد كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت وما نهيت وما أمرت» . حزن محمد على حمزة وانصرفت قريش بعد أن دفنت قتلاها؛ وعاد المسلمون إلى الميدان لدفن قتلاهم. وخرج محمد يلتمس عمّه حمزة. فلما رآه قد بقر بطنه ومثّل به حزن من أجله أشدّ الحزن وقال: «لن أصاب بمثلك أبدا. ما وقفت موقفا قطّ أغيظ إليّ من هذا» . ثم قال: «والله لئن أظهرنا الله عليهم يوما من الدهر لأمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب» . وفي هذا نزل قوله تعالى: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) «١» فعفا رسول الله وصبر ونهى عن المثلة، وسجّى حمزة ببرده وصلى عليه. وجاءت أخته صفية بنت عبد المطلب، فنظرت إليه وصلّت عليه واستغفرت له. ودفن حمزة، وأمر النبيّ بالقتلى فدفنوا حيث لقوا مصارعهم. وانصرف المسلمون إلى المدينة ومحمد على رأسهم، تاركين وراءهم سبعين من القتلى، يحزّ في نفوسهم الألم لما أصابهم من هزيمة من بعد نصر، ومن مذلة وهوان بعد ظفر لا ظفر مثله؛ وذلك كله لعصيان الرّماة أمر النبيّ واشتغال المسلمين عن العدو بغنائمه. ودخل النبيّ إلى بيته وجعل يفكر. ها هم أولاء أهل يثرب من اليهود والمنافقين والمشركين يظهرون السرور أشدّ السرور لما كان من هزيمته وهزيمة أصحابه. وهذا سلطان المسلمين بالمدينة كان قد استقرّ فلم يبق لأحد أن ينازع فيه، وها هو يوشك أن يضطرب ويتزعزع. وهذا عبد الله بن أبي بن سلول قد خرج على الجماعة وعاد من أحد ولم يشترك في القتال بدعوى أن محمدا لم يسمع رأيه، أو أن محمدا غضب على مواليه من اليهود. فلو أنّ هزيمة أحد بقيت الكلمة الأخيرة بين المسلمين وقريش لهان أمر محمد وأصحابه على العرب، ولتضعضع سلطانهم بيثرب، ولكانوا عرضة لاستخفاف قريش بهم وإرسالها دعاية السخر والاستهزاء منهم في أنحاء شبه الجزيرة جميعا. ولئن حدث هذا لجاء في أثره اجتراء المشركين وعبّاد الأوثان على دين الله فتكون الطامّة الكبرى. فلا بدّ إذا من ضربة جريئة تخفف من وقع هزيمة أحد وتردّ إلى المسلمين قوّتهم المعنوية، وتدخل إلى روع اليهود والمنافقين الرّهبة وتعيد إلى محمد وأصحابه سلطانهم بيثرب قويّا كما كان. الخروج في الغد إلى العدو فلمّا كان الغد من يوم أحد، وكان الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال، أذّن مؤذّن النبيّ في المسلمين بطلب العدوّ واستنفرهم لمطاردته، على ألّا يخرج إلا من حضر الغزوة. وخرج المسلمون، فوقع في روع أبي سفيان أن أعداءه جاؤا من المدينة بمدد جديد فخاف لقاءهم. وبلغ محمد حمراء الأسد «٢» ، وكان أبو سفيان وأصحابه بالرّوحاء فمرّ به معبد الخزاعيّ، وكان قد مرّ بمحمد ومن معه، فسأله عن شأنهم فأجابه معبد- وكان لا يزال على الشرك-: «إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قطّ، وقد اجتمع معه من كان قد تخلّف عنه، وكلهم أشدّ ما يكون عليكم حنقا ومنكم للثأر طلبا» . على أن أبا سفيان فكر فيما يكون لفراره من محمد ومن عدم مواجهته إياه بعد انتصاره عليه بأحد من الأثر. أفلا تقول العرب في قريش ما

стр. 184

كان يودّ هو أن تقوله في محمد وأصحابه؟ ولكن هبه رجع إلى محمد فهزمه المسلمون، إذا ليكون ذلك القضاء الأخير على قريش قضاء لا تقوم لها من بعده قائمة أبدا. فلجأ إلى الحيلة، فبعث مع ركب من عبد القيس يقصدون المدينة أن يبلغوا محمدا أنه قد أجمع السير إليه وإلى أصحابه ليستأصل بقيّتهم. فلمّا أبلغ الركب الرسالة إلى محمد بحمراء الأسد لم يتضعضع عزمه ولم تهن قوّته، بل ظلّ في مكانه يوقد النار طيلة الليل ثلاثة أيام متتابعة، ليدلّ قريشا على أنه على عزمه وأنه منتظر رجعتهم. وأخيرا تزعزعت «١» همّة أبي سفيان وقريش، وآثروا أن يبقوا على نصرهم بأحد وعادوا أدراجهم ميممين مكة. ورجع محمد إلى المدينة وقد استردّ كثيرا من مكانة تزعزعت على أثر أحد، وإن كان المنافقون قد بدؤا يرفعون رؤسهم ضاحكين من المسلمين يسألونهم: إذا كانت بدر آية من الله برسالة محمد فماذا عسى أن تكون آية أحد وماذا تكون دلالتها؟!

стр. 185

الفصل السادس عشر آثار أحد ائتمار القبائل المجاورة بالمسلمين- غزوة بني أسد- أمر الهذلي- مقتل خبيب وأصحابه بالرجيع- مقتل المسلمين ببئر معونة- إجلاء بني النضير عن المدينة- غزوة بدر الآخرة- غزوة دومة الجندل. سياسة محمد بعد أحد عاد أبو سفيان من أحد إلى مكة، وقد سبقته إليها أخبار النصر، ممتلئ النفس غبطة وسرورا بما زال عن قريش من عار بدر. ولم يلبث حين بلغها أن قصد الكعبة قبل أن يدخل إلى بيته، وبها رفع إلى كبير الهتهم هبل آي الثناء والحمد؛ ثم حلق لمّته ورجع إلى داره موفيا نذره ألا يقرب زوجه حتى ينتصر على محمد. أمّا المسلمون فألفوا المدينة وقد تنكّر لهم الكثير من أمرها، على رغم مطاردتهم عدوهم وثباتهم له ثلاثة أيام سويّا من غير أن يجترئ على الرجعة إليهم وهو المنتصر قبل أربع وعشرين ساعة عليهم. ألفوا المدينة وقد تنكّر لهم الكثير من أمرها وإن بقي سلطان محمد فيها السلطان الأعلى، وشعر ﵇ بدقة الموقف وحرج المركز، لا في المدينة وحدها، بل كذلك عند قبائل العرب ممن كان الرعب منه قد داخل نفوسها؛ فقد ردّت أحد إليها من السكينة ما سمح لها أن تفكر في معارضته ومناوأته. لذلك حرص على أن يقف من أخبار أهل المدينة ومن أخبار العرب جميعا، على ما يمكنه من استعادة مكانة المسلمين وسطوتهم وهيبتهم في النفوس. سرية أبي سلمة بن عبد الأسد وكان أول ما بلغه بعد شهرين من أحد أن طليحة وسلمة ابني خويلد، وكانا على رأس بني أسد، يحرّضان قومهما ومن أطاعهما يريدان مهاجمة المدينة والسير إلى محمّد في عقر داره ليصيبوا من أطرافه وليغنموا من نعم المسلمين التي ترعى الزروع المحيطة بمدينتهم. وإنما شجعهم على ذلك اعتقادهم أن محمدا وأصحابه لا يزالون مضعضعين من أثر أحد. فما لبث النبيّ حين اتصل به الخبر أن دعا إليه أبا سلمة بن عبد الأسد وعقد له لواء سريّة تبغ عدتها مائة وخمسين، منهم أبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص، وأسيد بن حضير، وأمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا وسلوك طريق غير مطروق حتى لا يطّلع أحد على خبرهم، فيفجئوا العدوّ بالإغارة عليه على غرّة منه. ونفّذ أبو سلمة ما أمر به حتى جاء القوم ولم يستعدوا لنضال، فأحاط بهم في عماية الصبح، وحضّ رجاله وحرّضهم على الجهاد؛ فلم يستطع المشركون أن يثبتوا لهم، فوجّه لواءين في طلبهم وطلب الغنيمة، وأقام هو ومن معه حتى عاد المطاردون بما غنموا، فنحّوا الخمس لله ورسوله وللمسكين وابن

стр. 186

السبيل، واقتسموا الباقي ورجعوا إلى المدينة ظافرين وقد أعادوا إلى النفوس من هيبة المسلمين شيئا مما ضيّعت أحد. على أن أبا سلمة لم يعش بعد السرية طويلا؛ فقد كان جرح بأحد ولم يكن التئام جرحه إلا ظاهرا. فلما جهد نفسه نغر الجرح «١» وظل به حتى قضي عليه. سرية عبد الله بن أنيس واتّصل بمحمد من بعد ذلك أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلّي مقيم بنخلة أو بعرنة، وأنه يجمع الناس ليغزوه؛ فدعا إليه عبد الله بن أنيس وبعثه يتجسّس حتى يقف على جليّة الخبر، وسار عبد الله حتى لقي خالدا وهو في ظعن يرتاد لهن منزلا. فلما انتهى إليه سأله خالد: من الرجل؟ فأجابه: أنا رجل من العرب سمع بك وبجمعك لمحمد فجاءك لذلك. فلم يخف خالد أنه يجمع الجمع ليغزو المدينة. ولمّا رآه عبد الله في عزلة من الرجال وليس معه إلا أولئك النسوة استدرجه للمسير معه، حتى إذا أمكنته منه الفرصة حمل عليه بالسيف فقتله، ثم ترك ظعائنة منكبّات عليه يبكينه، وعاد إلى المدينة فأخبر الرسول الخبر. وهدأت بنو لحيان من هذيل بعد موت زعيمها زمنا، ثم فكّرت تحتال لتثأر له. يوم الرجيع (سنة ٦٢٥ م) في هذا الحين وفد رهط من قبيلة تجاورهم إلى محمد يقولون له: إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يعلموننا شرائعه ويقرئوننا القرآن. وكان محمد يبعث من أصحابه كلما دعي إلى ذلك ليؤدّوا هذه المهنة الدينية السامية، وليدعوا الناس إلى الهدى ودين الحق، وليكونوا لمحمد وأصحابه عونا على خصومهم وأعدائهم، على نحو ما رأيت من ذلك كله فيمن بعثهم إلى المدينة على أثر العقبة الكبرى. لذلك بعث ستة من كبار أصحابه خرجوا مع الرهط وساروا معهم. فلمّا كانوا جميعا على ماء لهذيل بالحجاز بناحية تدعى الرّجيع، غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا. ولم يرع المسلمين الستة وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم؛ فأخذ المسلمون أسيافهم ليقاتلوا. لكن هذيلا قالت لهم: إنّا والله ما نريد قتلكم؛ ولكنا نريد أن نصيب لكم مكة، ولكم عهد الله وميثاقهن ألّا نقتلكم. ونظر المسلمون بعضهم إلى بعض وقد أدركوا أن الذهاب بهم إلى مكة فرادى إنما هو المذلّة والهوان وما هو شرّ من القتل، فأبوا ما وعدت هذيل، وانبروا لقتالها، وهم يعلمون أنهم في قلة عددهم لا يطيقونه. وقتلت هذيل ثلاثة منهم ولان الثلاثة الباقون، فأمسكت بتلابيبهم وأخذتهم أسرى، وخرجت بهم إلى مكة تبيعهم فيها. فلمّا كانوا في بعض الطريق انتزع عبد الله بن طارق أحد المسلمين الثلاثة يده من غلّ الأسر ثم أخذ سيفه؛ فاستأخر عنه القوم وطفقوا يرجمونه بالحجارة حتى قتلوه أمّا الأسيران الآخران فقدمت بهما هذيل مكة وباعتهما من أهلها. باعت زيد بن الدثنّة لصفوان بن أميّة الذي اشتراه ليقتله بأبيه أميّة بن خلف؛ فدفع به إلى مولاه نسطاس ليقتله. فلما قدّم سأله أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحبّ أن محمدا الآن عندنا في مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟ قال زيد. والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي! فعجب أبو سفيان وقال: ما رأيت من الناس أحدا يحبّه أصحابه ما يحب أصحاب محمد محمدا. وقتل نسطاس زيدا، فذهب شهيد أمانته لدينه ولنبيه، أمّا خبيب فحبس حتى خرجوا به ليصلبوه؛ فقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا؛ فأجازوه فركع ركعتين أتمّهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم وقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. ورفعوه إلى خشبة؛ فلمّا أوثقوه إليها نظر إليهم بعين

стр. 187

مغضبة وصاح: «اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا» ، فأخذت القوم الرجفة من صيحته، واستلقوا إلى جنوبهم حذر أن تصيبهم لعنته، ثم قتلوه. وكذلك استشهد خبيب كما استشهد زيد في سبيل بارئه وسبيل دينه ونبيه. وكذلك ارتفع إلى السماء هذان الروحان الطاهران وكان في استطاعة صاحبيهما أن يستنقذهما من القتل إن رضيا الردة عن دينهما لكنهما في يقينهما بالله وبالروح وبيوم البعث، يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت ولا تزر وازرة وزر أخرى، رأيا الموت، وهو غاية كل حيّ، خير ما يكون غاية للحياة في سبيل العقيدة وفي سبيل الإيمان بالحق؛ ولكنهما آمنا بأن دمهما الزكيّ الطهور الذي أريق على أرض مكة سيدعو إليها إخوانهم المسلمين يدخلونها فاتحين يحطمون أصنامها، ويطهرونها من رجس الوثنيّة والشرك، ويردون فيها إلى الكعبة بيت الله ما يجب لبيت الله من تقديس وتنزّه عن أن يذكر فيه اسم غير اسم الله. لا يقف المستشرقون من هذا الحادث وقوفهم عند أسيري بدر اللذين قتلهما المسلمون، ولا يحاولون أن يستنكروا هذا الغدر برجلين بريئين لم يؤخذا في حرب وإنما أخذا خداعا، وسار بأمر الرسول ليعلّما من غدروا بهما ومن أسلموهما إلى قريش بعد أن قتلوا زملاءهم غيلة وبغيا. وهم لا يستنكرون ما صنعت قريش بالرجلين الأعزلين، مع أن ما صنعته بهما شرّ مثل للجبن وللعدوان الدنيء. ولقد كانت أول مبادئ الإنصاف تقتضي المستشرقين، الذين أنكروا ما فعل المسلمون بأسيري بدر، أن يكونوا أشدّ استنكارا لغدر قريش وغدر الذين أسلموا إليها الرجلين لقتلهما، بعد أن قتلوا الأربعة الرجال الذين جاؤا وإياهم إجابة لطلبهم ليدلوهم على الحق ويفقهوهم في الدين. حزن المسلمون وحزن محمد لما أصاب أصحابهم الستة الذين استشهدوا في سبيل الله بغدر هذيل بهم، وأرسل حسّان بن ثابت أشعاره يرثي فيها خبيبا وزيدا أحرّ الرثاء. وازداد محمد تفكيرا في أمر المسلمين وخشي إن تكرّرت مثل هذه الأمور أن تستخف العرب بشأنهم. ولا شيء أقتل لهيبتك من استخفاف غيرك بشأنك. وإنه لفي تفكيره إذ قدم عليه أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة؛ فعرض محمد عليه أن يسلم فلم يقبل، ولكنه لم يظهر للإسلام عداوة، بل قال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فخاف محمد على أصحابه من أهل نجد وخشي أن يغدروا بهم كما غدرت هذيل بخبيب وأصحابه. ولم يقتنع ولم يجب طلب أبي براء، حتى قال: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا إلى أمرك. وكان أبو براء رجلا مسموع الكلمة في قومه لا يخاف من أجاره عادية أحد عليه. وبعث محمد المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في أربعين رجلا من خيار المسلمين. فساروا ونزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، ومن هناك بعثوا حرام بن ملجان إلى عامر بن الطفيل بكتاب محمد فلم ينظر عامر الكتاب بل قتل الرجل واستصرخ بني عامر كي يقتلوا المسلمين. فلما أبوا أن يخفروا ذمة أبي براء وجواره استصرخ عامر قبائل أخرى أجابته وخرجت معه حتى أحاطوا بالمسلمين في رحالهم فلما رآهم المسلمون أخذوا سيوفهم وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم. لم ينج منهم إلا كعب بن زيد؛ إذ تركه ابن الطفيل وبه رمق، فعاش ولحق بالمدينة، وإلا عمرو بن أميّة الذي أعتقه عامر بن الطفيل عن رقبة زعم أنها كانت على أمّه. ولقي عمرو رجلين في الطريق حين عودته بعد انطلاقه، فحسبهما من القوم الذين عدوا على أصحابه، فأمهلما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وتابع مسيره حتى بلغ المدينة، فأخبر الرسول ﵇ بما صنع فإذا الرجلان عامريّان من قوم أبي براء، وإذا معهما عقد جوار من رسول الله اقتضاه أن يؤدّي ديتهما. يهود المدينة ومنافقوها وجد محمد لقتلى بئر معونة أشدّ الوجد، وحزن من أجلهم أعمق الحزن، وقال: هذا عمل أبي براء،

стр. 188

لقد كنت كارها متخوّفا وشق على أبي براء إخفار عامر بن الطفيل إيّاه، حتى لقد ذهب ابنه ربيعة فطعن عامرا بالرمح انتقاما منه لأبيه. وبلغ من حزن محمد أنه ظلّ شهرا كاملا يدعو الله بعد أداء فريضة الفجر لينتقم لهم من قتلتهم. وتأثّر المسلمون جميعا لهذه الكارثة التي أصابت إخوانهم في الدين. وإن آمنوا بأنهم جميعا استشهدوا، وبأنهم جميعا لهم الجنة. ووجد أهل المدينة من المنافقين واليهود فيما أصاب المسلمين بالرّجيع وبئر معونة ما أعاد إلى ذاكرتهم انتصار قريش بأحد، وما أنساهم نصر المسلمين على بني أسد، وما أضعف في نفوسهم من هيبة محمد وأصحابه. وفكّر النبيّ ﵇ في هذه الحالة تفكير سياسيّ دقيق النظر بعيد مرامي الرأي. فليس شيء أشدّ على المسلمين يومئذ خطرا من أن تضعف في نفوس مساكنيهم بالمدينة هيبتهم، وليس شيء يطمع قبائل العرب فيهم مثل أن تشعر بهذا الانقسام الداخلي يوشك أن يثير حربا أهليّة إذا غزا المدينة غاز من جيرانها. ثم إنه رأى اليهود والمنافقين كأنهم يتربّصون به الدوائر، فقدّر أن لا شيء خير من أن يستدرجهم لتتّضح نيّاتهم. ولمّا كان اليهود من بني النّضير حلفاء لبني عامر، فقد ذهب إلى محلّتهم على مقربة من قباء، في عشرة من كبار المسلمين بينهم أبو بكر وعمر وعليّ، وطلب إليهم معاونتهم في دية القتيلين الذين قتل عمرو بن أميّة خطأ، ومن غير أن يعلم أن محمدا أجارهما. ائتمار اليهود بمحمد فلمّا ذكر لهم ما جاء فيه أظهروا الغبطة والبشر وحسن الاستعداد لإجابته. لكنه ما لبث أثناء تبسط بعضهم معه أن رأى سائرهم يتامرون، ويذهب أحدهم إلى ناحية، ويبدو عليهم كأنهم يذكرون مقتل كعب بن الأشرف، ويدخل أحدهم (عمرو بن جحاش بن كعب) البيت الذي كان محمد مستندا إلى جداره. إذ ذاك را به أمرهم، وزاده ريبة ما كان يبلغه من حديثهم عنه وائتمارهم به. لذلك ما لبث أن انسحب من مكانه تاركا أصحابه وراءه يظنون أنه قام لبعض أمره. أمّا اليهود فقد اختلط عليهم الأمر ولم يعودوا يعرفون ما يقولون لأصحاب محمد ولا ما يصنعون بهم. فإن هم غدروا بهم فمحمد لا ريب منتقم منهم شرّ انتقام. وإن هم تركوهم فلعل ائتمارهم بحياة محمد وأصحابه لا يكون قد افتضح فيظلّ ما بينهم وبين المسلمين من عهد قائما. وحاولوا أن يقنعوا ضيوفهم المسلمين بما يزيل ما قد يكون رابهم من غير أن يشيروا إلى شيء منه. لكن أصحاب محمد استبطئوه فقاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة عرفوا منه أن محمدا دخلها وأنه قصد توّا إلى المسجد فيها، فذهبوا إليه. فلمّا ذكر لهم ما رابه من أمر اليهود ومن اعتزامهم الغدر به وتنبهوا إلى ما كانوا رأوا، آمنوا بنفاذ بصيرة الرسول وما أوحي إليه. وبعث النبي يدعو إليه محمد بن مسلمة وقال له: «اذهب إلى يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي. لقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه» . وأبلست «١» بنو النّضير، فلم يجدوا لهذا الكلام دفعا ولم يحيروا عنه جوابا إلّا أن قالوا لابن مسلمة: «يا محمد، ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل من الأوس» . وذلك إشارة إلى تحالفهم وإياهم من قبل في حرب الخزرج، فكان كلّ ما أجاب به ابن مسلمة: «تغيّرت القلوب» . ابن أبي يحرض اليهود ومكث القوم على ذلك أيّاما يتجهزون وإنهم لكذلك إذ جاءهم رسولان من عند عبد الله بن أبيّ يقولان:

стр. 189

لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم؛ فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم. وتشاورت بنو النضير في مقالة ابن أبيّ وهم أشدّ ما يكونون حيرة؛ فمنهم من لم يكن له بابن أبيّ أية ثقة. ألم يعد بني قينقاع من قبل مثل ما يعد بني النّضير اليوم، فلمّا جدّ الجدّ تخلّى عنهم وولّى مدبرا؟ وهم يعلمون أن بني قريظة لا ينصرونهم لما بينهم وبين محمد من عهد. ثم إنهم إن جلوا عن ديارهم إلى خيبر أو إلى محلّة قريبة، استطاعوا أن يعودوا حين يثمر نخيلهم إلى يثرب، يجنون ثمره ويعودون أدراجهم فلا يكونون قد خسروا كثيرا. قال كبيرهم حييّ بن أخطب: كلا بل أنا مرسل إلى محمد: إنّا لا نخرج من ديارنا وأموالنا، فليصنع ما بدا له، وما علينا إلا أن نرمّ حصوننا ندخل إليها ما شئنا، وندرّب أزقتنا وننقل الحجارة إليها، وعندنا من الطعام ما يكفينا سنة، وماؤنا لا ينقطع، ولن يحصرنا محمد سنة كاملة. وانقضت الأيّام العشرة ولم يخرجوا من ديارهم. حصار بني النضير فأخذ المسلمون السلاح وساروا إليهم فقاتلوهم عشرين ليلة، وكانوا أثناءها إذا ظهروا على الدرب أو الديار تأخر اليهود إلى الديار التي من بعدها بعد تخريبهم إيّاها. ثم أمر محمد أصحابه أن يقطعوا نخل اليهود وأن يحرّقوه حتى لا تبقى اليهود في شدّة تعلقها بأموالها تتحمّس للقتال وتقدم عليه. وجزع اليهود ونادوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟! وفي ذلك قوله تعالى: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) «١» . جلاء اليهود عن المدينة وعبثا انتظر اليهود نصر ابن أبيّ أو تقدّم أحد من العرب لنجدتهم، حتى لم يبق لديهم ريبة في سوء مصيرهم إذا أصروا على متابعة القتال. فلمّا ملأ اليأس قلوبهم رعبا، سألوا محمدا أن يؤمّنهم على أموالهم ودمائهم وذراريهم حتى يخرجوا من المدينة. فصالحهم محمد على أن يخرجوا منها، ولكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاؤا من مال أو طعام أو شراب، وليس لهم غيره. واحتمل اليهود وعلى رأسهم حييّ بن أخطب، فنزل خيبر منهم من نزل وسار آخرون إلى أذرعات بالشام، وتركوا وراءهم للمسلمين مغانم كثيرة من غلال وسلاح بلغ خمسين درعا وثلثمائة وأربعين سيفا، ثم كان ما خلّت اليهود من الأرض التي كانوا يملكون خير ما غنم المسلمون. على أنّ هذه الأرض لم تعتبر أسلاب حرب، ولذلك لم نقسم بين المسلمين، بل كانت لرسول الله خاصّة يضعها حيث يشاء. وقد قسمها على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار بعد أن استبقى قسما خصصت غلّته للفقراء والمساكين. وبذلك أصبح المهاجرون في غنى عن معونة الأنصار، وأصبح لهم مثل ثروتهم. ولم يشترك في القسمة من الأنصار إلا أبو دجانة وسهل بن حنيف؛ فقد ذكرا فقرا فأعطاهما محمد كما أعطى المهاجرين. ولم يسلم من يهود بني النّضير غير رجلين أسلما على أموالهما فأحرزاها. ليس من العسير أن يقدّر الإنسان قيمة نصر المسلمين وإجلاء بني النّضير عن المدينة بعد الذي قدّمنا من تقدير الرسول ﵇ لما كان يخلقه بقاؤهم من تشجيع عوامل الفتنة، ومن دعوة المنافقين إلى أن يرفعوا رؤسهم كلما أصاب المسلمين شر، ومن التهديد بالحرب الأهلية إذا غزا المسلمين غاز من الأعداء. وفي جلاء بني النضير نزلت سورة الحشر، وفيها: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ

стр. 190

الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) «١» وتجري السورة بعد ذلك بذكر الإيمان وسلطانه؛ الإيمان بالله وحده لا تعرف النفس الإنسانية التي تعرف قيمتها وكرامتها لغيره سلطانا: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) «٢» . كان كاتب سرّ النبيّ، إلى حين إجلاء بني النّضير عن المدينة، من اليهود؛ ليتسنّى له أن يبعث من الرسائل بالعبرية والسريانيّة ما يريده. فلمّا جلا اليهود خاف النبيّ أن يستعمل في أسراره غير مسلم، فأمر فتعلّم زيد بن ثابت من شبّان المدينة المسلمين اللغتين المذكورتين، وأصبح كاتب سرّ النبيّ في كل شئونه. وزيد بن ثابت هذا هو الذي جمع القرآن في خلافة أبي بكر، وهو الذي عاد فراقب الجمع حين اختلفت القراآت في خلافة عثمان، فوضع مصحف عثمان وأحرقت سائر المصاحف. اطمأنّت المدينة بعد إجلاء بني النضير عنها، فلم يعد المسلمون يخشون المنافقين فيها واغتبط المهاجرون بما أصابوا من أرض اليهود؛ واغتبط الأنصار باستغناء المهاجرين عن معونتهم، وتنفسوا جميعا الصّعداء، وكانت فترة سكينة وهدوء وطمأنينة استراح إليها المهاجرون والأنصار جميعا. وظلوا كذلك، حتى إذا استدار العام منذ أحد ذكر محمد ﵇ قولة أبي سفيان: «يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل» ، ودعوته محمدا للقائه ببدر مرّة أخرى. وكان العام عام جدب. وكان أبو سفيان يودّ لو يؤجّل اللقاء إلى عام آخر، فبعث نعيما إلى المدينة يقول للمسلمين إن قريشا جمعت جيشا لا قبل لجيش في العرب بمواجهته لتحاربهم به حتى تقضي عليهم قضاء لا يعدّ ماتم بأحد إلى جانبه شيئا. وبدا للمسلمين أن يجتنبوا الخطر، فأظهر الكثيرون الرغبة عن النهوض والسير لبدر. لكن محمدا غضب لهذا الضعف والتراجع، وصاح بهم مقسما أنه ذاهب إلى بدر ولو ذهب وحده. بدر الآخرة لم يبق بعد هذه الغضبة العظيمة إلا أن يذوب كل تردّد ويزول كل خوف وأن يحمل المسلمون سلاحهم وأن يذهبوا إلى بدر. واستعمل النبي على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول، ونزل المسلمون بدرا ينتظرون قريشا مستعدّين لقتالها. وخرجت قريش مع أبي سفيان من مكة في أكثر من ألفي رجل. لكن أبا سفيان بدا له أن يرجع بعد مسيرة يومين، فنادى في الناس: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب، وإن عامكم هذا جدب وإني راجع فارجعوا. ورجع الناس. وأقام محمد في جيش المسلمين ينتظرهم ثمانية أيام متتابعة اتّجر المسلمون ببدر فيها فربحت تجارتهم، ثم عادوا إلى المدينة مستبشرين بفضل من الله ونعمة. وفي بدر الآخرة هذه نزل قوله تعالى: (الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ

стр. 191

يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) «١» وكذلك محت غزوة بدر الآخرة أثر أحد محوا تامّا، ولم يبق لقريش إلا أن تنتظر عاما آخر، رازحة تحت عار من جبنها لا يقلّ وطأة عن عار هزيمتها في بدر الأولى. غزوة ذات الرقاع وأقام محمد بالمدينة مستريحا إلى نصر الله إيّاه، مطمئنا إلى ما عاد للمسلمين من هيبتهم، حفرا دائما غدرة العدوّ، باثّا عيونه في كل النواحي، وإنه لكذلك إذ اتّصل به أن جماعة من غطفان بنجد يجمعون له يريدون حربه. وكانت خطّته أن يأخذ عدوّه على غرّة قبل أن يعدّ العدّة لدفعه. لذلك خرج في أربعمائة من رجاله حتى نزل ذات الرّقاع حيث اجتمع بنو محارب وبنو ثعلبة من غطفان. فلمّا رأوه طلع عليهم في عدة حربه مهاجما مساكنهم، تفرّقوا تاركين وراءهم نساءهم ومتاعهم. واحتمل المسلمون ما استطاعوا، وعادوا أدراجهم إلى المدينة. على أنهم خافوا رجعة العدو عليهم فتناوبوا الحراسة ليل نهار. وجعل محمد يصلّي بهم أثناء ذلك صلاة الخوف؛ فكان جماعة منهم يظلون مستقبلين العدو مخافة لحاقه بهم في حين يصلّي الآخرون مع محمد لله ركعتين. ولم يبد للعدو أثر وعاد النبي وأصحابه إلى المدينة بعد غيابهم خمسة عشر يوما عنها وهم بظفرهم جدّ فرحين. غزوة دومة الجندل وخرج النبي بعد قليل من ذلك إلى غزوة أخرى هي غزوة دومة الجندل. ودومة الجندل واحة على حدود ما بين الحجاز والشام، تقع في منتصف الطريق بين البحر الأحمر وخليج فارس. ولم يقابل محمد القبائل التي أراد مقاتلتها هناك والتي كانت تغير على القوافل؛ لأنها ما لبثت حين سمعت باسمه أن أخذها الفزع وولّت مدبرة، وتركت للمسلمين ما احتملوا من غنائم. وأنت ترى من هذا التحديد الجغرافي لدومة الجندل مبلغ ما اتسع نفوذ محمد وأصحابه، وما بلغ إليه سلطانهم وخوف شبه الجزيرة إيّاهم؛ كما ترى كيف كان المسلمون يحتملون المتاعب في غزواتهم، مستهينين بالقيظ والجدب وقلّة الماء، مستهينين بالموت نفسه، يحركهم إلى هذا النصر والظفر شيء واحد هو سبب قوّتهم المعنوية: الإيمان بالله وحده لا شريك له. آن لمحمد من بعد ذلك أن يطمئن بالمدينة عدة أشهر متتابعة، ينتظر فيها موعد قريش لعامه القادم- سنة خمس من الهجرة- ويقوم بأمر ربه، بإتمام التنظيم الاجتماعي للجماعة الإسلامية الناشئة تنظيما كان يتناول عدة ألوف يومئذ ليتناول الملايين ومئات الملايين من بعد ذلك، ويقوم بإتمام هذا التنظيم الاجتماعي في دقة وحسن سياسة، يوحي إليه ربه منه ما يوحي، ويقر هو ما يتفق مع أمر الوحي وتعاليمه، ويضع من تفاصيل ذلك ما كان موضع التقديس من أصحابه يومئذ، وما ظلّ من بعد ذلك قائما على الأجيال والدهور، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

стр. 192

الفصل السابع عشر أزواج النبي زينب بنت خزيمة وأم سلمة- قصة زينب بنت جحش وكلام المستشرقين فيها- وقائعها كما يرويها التاريخ الصحيح. صيحة المستشرقين في مسألة زينب بنت جحش في الفترة التي وقعت فيها حوادث الفصلين السابقين تزوّج محمد زينب بنت خزيمة، ثم تزوج أمّ سلمة بنت أبي أميّة بن المغيرة، ثم تزوج زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة، وزيد هذا هو الذي تبنّاه محمد وأعتقه منذ اشتراه يسار لخديجة. هاهنا يصيح المستشرقون ويصيح المبشرون: انظروا! لقد انقلب محمد الذي كان بمكة داعية قناعة ومهد وتوحيد ورغبة عن شهوات هذه الحياة الدنيا، رجل شهوة يسيل منظر المرأة لعابه، ولا يكفيه ثلاث نسوة في بيته، بل يتزوج أولئك الثلاث اللائي ذكرنا، ويتزوّج من بعدهن ثلاثا أخريات غير ريحانة. وهو لا يكفيه أن يتزوج ممن لا بعولة لهن؛ بل هو يشغف حبّا بزينب بنت جحش وهي تحت زيد بن حارثة مولاه؛ لغير شيء إلا أنه مرّ ببيت زيد وهو غائب فاستقبلته زينب، وكانت في ثياب تبدي محاسنها، فوقع منها في قلبه شيء لجمالها، فقال: سبحان مقلب القلوب! ثم كرّر هذه العبارة ساعة انصرافه، فسمعتها زينب ورأت في عينيه وهج الحب، فأعجبت بنفسها وأبلغت زيدا ما سمعت فذهب من فوره إلى النبي يذكر له استعداده لتسريحها؛ فقال له: أمسك عليك زوجك واتّق الله. لكن زينب لم تحسن من بعد عشرته فطلقها؛ وأمسك محمد عن زواجها وقلبه في شغل بها حتى نزل قوله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) «١» . إذ ذاك تزوّجها فأطفأ بزواجها لاذع حبه ومتوهج غرامه. فأيّ نبيّ هذا! وكيف يبيح لنفسه ما حرّمه على غيره! وكيف لا يخضع للقانون الذي يقول إن الله أنزله عليه! وكيف يخلق هذا «الحريم» الذي يثير في النفس ذكر الملوك المترفين بدل أن يثير فيها ذكر الأنبياء الصالحين المصلحين! ثم كيف يبلغ منه الخضوع لسلطان الحبّ في شأن زينب حتى يصل بمولاه زيد إلى تطليقها ثم يتزوجها من بعده. وكان ذلك محرّما في الجاهليّة، فأباحه نبيّ المسلمين إرضاء لهواه، واستجابة لداعي حبه.

стр. 193

بنت جحش كما يصورها المستشرقون ويطلق المبشرون والمستشرقون لخيالهم العنان حين يتحدّثون من تاريخ محمد في هذا الموضوع، حتى ليصوّر بعضهم زينب ساعة رآها النبيّ وهي نصف عارية أو تكاد، وقد انسدل ليل شعرها على ناعم جسمها الناطق بما يكنّه من كل معاني الهوى، وليذكر آخرون أنه حين فتح باب بيت زيد لعب الهواء بأستار غرفة زينب وكانت ممدّدة على فراشها في ثياب نومها، فعصف منظرها بقلب هذا الرجل الشديد الولع بالمرأة ومفاتنها، فكتم ما في نفسه وإن لم يطق الصبر على ذلك طويلا!! وأمثال هذه الصورة التي أبدعها الخيال كثير، تراه في موير وفي در منجم وفي واشنطن إرفنج وفي لامنس وغيرهم من المستشرقين والمبشرين. ومما يدعو إلى أشدّ الأسف أن هؤلاء جميعا اعتمدوا في روايتهم على ما ورد في بعض كتب السيرة والكثير من الحديث، ثم أقاموا على ما صوّروا قصورا من الخيال في شأن محمد وصلته بالمرأة، واستدلوا على ذلك بكثرة أزواجه حتى بلغن تسعا في القول الراجح، وحتى بلغن أكثر من ذلك في بعض الروايات. العظماء لا يخضعون لقانون كان في مقدورنا أن نجبه هذه الأقوال جميعا بقولنا: فلتكن صحيحة؛ فماذا فيها مما يطعن على عظمة محمد أو على نبوّته ورسالته؟! إنّ القوانين التي يجري على الناس لا سلطان لها على العظماء، فأولى ألّا يكون لها سلطان على المرسلين والأنبياء. ألم ير موسى ﵇ خلافا بين رجلين هذا من شيعته وهذا من عدوّه، فوكز الذي من عدوّه فقضى عليه، وهذا قتل محرّم في غير حرب ولا شبه حرب، وهذا مخالف للقانون. مع ذلك لم يخضع موسى للقانون ولم يطعن ذلك في نبوّته ولا في رسالته، ولم يطعن في عظمته. وشأن عيسى في مخالفة القانون أكبر من شأن موسى ومن شأن محمد ومن شأن الأنبياء والمرسلين جميعا. فليس يقف أمره عند بسطة في القوة أو الرغبة، بل خرج بمولده وبحياته على قوانين الطبيعة وسننها جميعا. تمثّل لأمّه مريم روح الرحمن بشرا سويّا، ليهب لها غلاما زكيّا، فعجبت وقالت: أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيّا! قال الرسول: إن الله يريد أن يجعله آية للناس، فلمّا جاءها المخاض قالت: يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا. فنادها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريّا. وأتت به قومها تحمله، فقالوا: لقد جئت شيئا فريّا. فحدثهم عيسى في مهده قال: إني عبد الله ... إلى آخر ما قال. ومهما يكن من إنكار اليهود لهذا كله، ومن نسبتهم عيسى إلى يوسف النّجار نسبة لا يزال بعض العلماء من أمثال رينان يأخذون اليوم بها. فقد كانت عظمة عيسى ونبوّته ورسالته دليل معجزة الله فيه وخرقه لنواميس الكون وسنن الطبيعة وقوانين الخلق من أجله. فمن عجب أن يدعو المسيحيون المبشرون إلى الإيمان بهذا الخروج على سنة الكون في أمر عيسى، وأن يأخذوا محمدا بما هو دونه، وما لا يزيد على أنه سمّو من الخضوع لقانون المجتمع يسمح به لكل عظيم، ويسمح به للملوك ورؤساء الدول الذين تقدّسهم الدساتير وتجعل ذواتهم مصونة لا تمّس. كان في مقدورنا أن نجبه هذه الأقوال جميعا بهذا الردّ. وكان فيه من غير شك ما يسقط حجة المبشرين ومن ينهجون نهجهم من المستشرقين. لكنا في هذا كنا نجني على التاريخ ونجني على عظمة محمد وجلال رسالته. فهو لم يكن، كما صوّر هؤلاء وأولئك، رجلا يأخذ بعقله الهوى، وهو لم يتزوج من تزوّج من نسائه بدافع من شهوة أو غرام. وإذا كان بعض الكتّاب المسلمين في بعض العصور قد أباحوا لأنفسهم أن يقولوا هذا القول، وأن يقدّموا لخصوم الإسلام عن حسن نية هذه الحجة، فذلك لأنهم انحدر بهم التقليد إلى المادية،

стр. 194

فأرادوا أن يصوّروا محمدا عظيما في كل شيء، عظيما حتى في شهوات الدنيا. وهذا تصوير خاطئ ينكره تاريخ محمد أشد إنكار، وتأبى حياته كلها أن تقرّه. إلى الخمسين لم يتزوج غير خديجة فهو قد تزوج خديجة وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وهو في شرخ الصّبا وريعان الفتوة ووسامة الطلعة وجمال القسمات وكمال الرجولية. مع ذلك ظلّت خديجة وحدها زوجة ثمانيا وعشرين سنة حتى تخطّى الخمسين، هذا على حين كان تعدد الزوجات أمرا شائعا بين العرب في ذلك العهد. وعلى حين كان لمحمد مندوحة في التزوّج على خديجة، أن لم يعش له منها ذكر، في وقت كانت توأد فيه البنات، وكان الذكور وحدهم هم الذين يعتبرون خلفا. وقد ظل محمد مع خديجة سبع عشرة سنة قبل بعثه وإحدى عشرة سنة بعده وهو لا يفكر قط في أن يشرك معها غيرها في فراشه. ولم يعرف عنه في حياة خديجة ولم يعرف عنه قبل زواجه منها أنه كان ممن تغريهم مفاتن النساء في وقت لم يكن فيه على النساء حجاب، بل كانت النساء يتبرّجن فيه ويبدين من زينتهنّ ما حرم الإسلام من بعد ... فمن غير الطبيعي أن تراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب الذي يجعله ما يكاد يرى بنت جحش، وعنده نساء خمس غيرها من بينهنّ عائشة التي أحب وظل يحب طوال حياته، حتى يفتن بها وحتى تستغرق تفكيره ليله ونهاره. وليس من الطبيعي أن تراه، وقد تخطّى الخمسين، يجمع في خمس سنوات أكثر من سبع زوجات، وفي سبع سنوات تسع زوجات، وذلك كله بدافع من الرغبة في النساء، رغبة صوّرها بعض كتاب المسلمين، وحذا الإفرنج حذوهم، تصويرا لا يليق في ضعته برجل مادّي بله عظيم استطاعت رسالته أن تنقل العالم وأن تغيّر مجرى التاريخ، وما تزال على استعداد لأن تنقل العالم مرّة أخرى وتغير مجرى التاريخ طورا جديدا. خديجة وحدها التي أعقبت وإذا كان هذا عجيبا وكان غير طبيعي، فمن العجيب كذلك أن نرى محمدا تلد له خديجة ما ولدت من بنيه وبناته إلى ما قبل الخمسين، وأن نرى ماريّة تلد له إبراهيم وهو في الستين، وإلّا تلد غير هاتين من نسائه، وكلهنّ بين شابّة في مقتبل العمر لا يمنع من ناحيتها ولا من ناحيته أن تحمل وأن تلد، وبين امرأة كملت لها أنوثتها فتخطّت الثلاثين أو تخطّت الأربعين وكان لها ولد من قبل. فكيف تفسّر هذه الظاهرة العجيبة من ظاهرات حياة النبيّ، هذه الظاهرة التي لا تخضع للقوانين الطبيعية في تسع نسوة جميعا؟! هذا وقد كانت نفس محمد، باعتبار أنه إنسان، تميل من غير ريب إلى أن يكون له ولد، وإن كان مقام النبوّة والرسالة قد جعله من الناحية الروحية أبا للمسلمين جميعا. زواج سودة بنت زمعة ثم إن التاريخ ومنطق حوادثه أصدق شاهد بكذب رواية المبشرين والمستشرقين في شأن تعدّد زواج النبي. فهو كما قدّمنا، لم يشرك مع خديجة أحدا مدى ثمان وعشرين سنة. فلما قبضها الله إليه تزوّج سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس. ولم يرو راو أن سودة كانت من الجمال أو من الثروة أو المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثرا في زواجه منها. إنما كانت سودة زوجا لرجل من السابقين إلى الإسلام الذين احتملوا في سبيله الأذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد أن أمرهم النبيّ بالهجرة وراء البحر إليها. وقد أسلمت سودة وهاجرت معه، وعانت من المشاقّ ما عانى، ولقيت من الأذى ما لقي. فإذا تزوّجها

стр. 195

محمد بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى أمومة المؤمنين، فذلك أمر يستحق من أجله أسمى التقدير وأجلّ الحمد. أمّا عائشة وحفصة فكانتا ابنتي وزيريه أبي بكر وعمر. وهذا الاعتبار هو الذي دعا محمدا أن يرتبط وإياهما برابطة المصاهرة بالتزوج من ابنتيهما، كما دعاه أن يرتبط بعثمان وبعلي برابطة المصاهرة بتزويجه ابنتيه منهما. وإذا صح القول في عائشة وفي حبه إيّاها، فإنما ذلك حبّ نشأ بعد الزواج لا حينه. فهو قد خطبها إلى أبيها وما تزال في التاسعة من عمرها، وقد بقيت سنتين قبل أن يا بني بها. فليس مما يرضاه المنطق أن يكون قد أحبّها وهي في هذه السنّ الصغيرة. يؤيد ذلك زواجه من حفصة بنت عمر في غير حبّ بشهادة أبيها نفسه. قال عمر: «والله إن كنا في الجاهليّة ما نعدّ للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم. قال: فبينما أنا في أمر آتمره إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا! فقلت لها: ومالك أنت ولما هاهنا وما تكلفك في أمر أريده! فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت وإنّ ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظلّ يومه غضبان! قال عمر: فاخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة، فقلت لها: يا بنية إنك لتراجعين رسول الله ﷺ حتى يظلّ يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنيّة لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها وحبّ رسول الله ﷺ إيّاها.... وقال: والله لقد علمت أن رسول الله لا يحبك ولولا أنا لطلقك» . أفرأيت إذا أنّ محمدا لم يتزوج من عائشة ولم يتزوج من حفصة لحب أو لرغبة، وإنما تزوج منهما ليمتّن أواصر هذه الجماعة الإسلامية الناشئة في شخصي وزيريه، كما تزوج من سودة ليعلم المجاهدين من المسلمين أنهم إذا استشهدوا في سبيل الله فلن يتركوا وراءهم نسوة وذرية ضعافا يخافون عليهم عيلة. يقطع في ذلك زواجه من زينب بنت خزيمة ومن أمّ سلمة. فقد كانت زينب زوجا لعبيدة بن الحارث بن المطلب الذي استشهد يوم بدر، ولم تكن ذات جمال، وإنما عرفت بطيبتها وإحسانها حتى لقبت أمّ المساكين؛ وكانت قد تخطّت الشباب، فلم يك إلا سنة أو سنتان ثم قبضها الله؛ فكانت بعد خديجة الوحيدة من أزواج النبيّ التي توفيت قبله. أمّا أمّ سلمة فكانت زوجا لأبي سلمة وكان لها منه أبناء عدّة، وقد سبق القول: إن أبا سلمة جرح في أحد ثم برأ جرحه، فعقد له النبي لحرب بني أسد فشتّتهم وعاد إلى المدينة بما غنم، ثم نغر عليه جرح أحد وما زال به حتى قضى عليه. وقد حضره النبي وهو على فراش موته، وظل إلى جانبه يدعو له بخير حتى مات فأسبل عينيه. وبعد أربعة أشهر من وفاته خطب محمد أمّ سلمة إلى نفسها؛ فاعتذرت بكثرة العيال وبأنها تخطّت الشباب، فما زال بها حتى تزوّج منها وحتى أخذ نفسه بالعناية بتنشئة أبنائها. أبعد ذلك يزعم المبشرون والمستشرقون أن أم سلمة كانت ذات جمال هو الذي دعا محمدا إلى التزوّج منها! إن يكن ذلك فقد كانت غيرها، من بنات المهاجرين والأنصار، من تفوقها جمالا وشبابا وثروة ونضرة ومن لا يبهظه عبء عيالها. لكنه إنما تزوّج منها لهذا الاعتبار السامي الذي دعاه ليتزوج زينب بنت خزيمة، والذي زاد المسلمين به تعلقا وجعلهم يرون فيه نبيّ الله ورسوله، ويرون فيه إلى جانب ذلك أبا لهم جميعا: أبا لكل مسكين ومحروم وضعيف وبائس وعاجز، أبا لكل من فقد أباه شهيدا في سبيل الله. التمحيص التاريخي وما يستنبطه ماذا يستنيط التمحيص التاريخي النزيه مما تقدم؟ يستنبط أن محمدا نصح بالزوجة الواحدة في الحياة العادية. هو قد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضربه في حياة خديجة، وبه نزل القرآن في قوله تعالى: (فَانْكِحُوا ما

стр. 196

طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) «١» (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ) «٢» . ولقد نزلت هذه الآية في أخريات السنة الثامنة للهجرة بعد أن كان قد بنى بأزواجه جميعا، ونزلت لتحدّد عدد الزوجات بأربع وقد كان إلى حين نزولها لا حدّ له، مما يسقط قول القائلين بأن محمدا أباح لنفسه ما حرّم على الناس. ثم نزلت لتشيد بفضل الزوجة الواحدة وتأمر بها لمجرد الخوف من عدم العدل، ومع التأكيد بأن العدل غير مستطاع. على أنه رأى في ظروف حياة الجماعة الاستثنائية إمكان الحاجة للتعدد إلى أربع على شرط العدل. وهو قد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضرب أيام غزوات المسلمين واستشهاد من استشهد منهم. ولعمرك هل تستطيع أن تقطع بأن الاقتصار على الزوجة الواحدة، حين تحصد الحروب أو الأوبئة أو الثورات ألوف الرجال وملايينها، خير من هذا التعدد الذي أبيح على طريق الاستثناء؟! وهل يستطيع أهل أوربا، في هذا العصر الذي عقب الحرب الكبرى، أن يقولوا بأن نظام الزوجة الواحدة نظام نافذ بالفعل إن استطاعوا أن يقولوا إنه نافذ بالقانون؟ أولا يعود سبب الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي الذي عقب الحرب إلى عدم التعاون المشروع بين الجنسين بالزواج تعاونا قد كان من شأنه أن يعيد إلى الحال الاقتصادية شيئا غير قليل من التوازن؟! إنني لا أريد أن أقطع بالحكم لكني أترك الأمر لتفكير المفكر وتدبير المدبر، مع القول دائما بأنه متى عادت الحياة العادية فخير ما يكفل سعادة الأسرة وسعادة الأمة اقتصار الرجل على زوجة واحدة. قصة زينب بنت جحش أمّا زينب بنت جحش، وما أضفى بعض الرواة وأضفى المستشرقون والمبشرون عليها من أستار الخيال حتى جعلوها قصة غرام ووله، فالتاريخ الصحيح يحكم بأنها من مفاخر محمد، وأنه، وهو المثل الكامل للإيمان، قد طبّق فيها حديثه الذي معناه: لا يكمل إيمان المرء حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه؛ وقد جعل نفسه أول من يضرب المثل لما يضع من تشريع يمحو به تقاليد الجاهليّة وعاداتها، ويقرّ به النظام الجديد الذي أنزل الله هدى ورحمة للعالمين. ويكفي لهدم كل القصة التي قرأت عنها من أساسها أن زينب بنت جحش هذه هي ابنة أميمة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله ﵇، وأنها ربيت بعينه وعنايته، وأنها كانت لذلك منه بمقام البنت أو الأخت الصغرى وأنه كان يعرفها ويعرف أهي ذات مفاتن أم ليست كذلك قبل أن تتزوج زيدا. وأنه شهدها في نموّها تحبو من الطفولة إلى الصّبا وإلى الشباب، وأنه هو الذي خطبها على زيد مولاه. إذا عرفت ذلك تداعت أمام نظرك كل تلك الخيالات والأقاصيص من أنه مرّ ببيت زيد ولم يكن فيه، فرأى زينب فبهره حسنها وقال: سبحان مقلب القلوب! أو أنه لمّا فتح باب زيد عبث الهواء بالستار الذي على غرفة زينب، فألفاها في قميصها ممددة وكأنها «مدام ركامييه!» فانقلب قلبه فجأة ونسي سودة وعائشة وحفصة وزينب بنت خزيمة وأم سلمة ونسي كذلك ذكر خديجة التي كانت عائشة تقول: إنها لم تجد في نفسها غيرة من أحد من نساء النبيّ ما وجدت من ذكر خديجة. ولو أن شيئا من حبها علق بقلبه لخطبها إلى أهلها على نفسه بدل أن يخطبها على زيد. وهذه الصّلة بين زينب ومحمد، وهذا التصوير الذي صوّرناها به، لا يدعان بعدهما لتلك القصة الخيالية التي يروون أيّ أساس من الحق أو أيّ حظّ في البقاء. وماذا يثبت التاريخ أيضا؟ يثبت أن محمدا خطب إبنة عمته زينب على مولاه زيد؛ فأبى أخوها عبد الله بن

стр. 197

جحش أن تكون أخته وهي قرشيّة هاشميّة وهي فوق ذلك ابنة عمة الرسول، تحت عبد رقّ اشترته خديجة ثم أعتقه محمد، ورأى في ذلك على زينب عارا كبيرا. وكان ذلك عارا حقّا عند العرب كبيرا. فلم تكن بنات الأشراف الشريفات ليتزوّجن من موال وإن أعتقوا. لكن محمدا يريد أن تزول مثل هذه الاعتبارات القائمة في النفوس على العصبيّة وحدها، وأن يدرك الناس جميعا أن لا فضل لعربيّ على أعجمي إلا بالتقوى. (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) «١» . وهو لا يرى أن يستكره لذلك امرأة من غير أهله. فلتكن زينب بنت جحش بنت عمته هي التي تحتمل هذا الخروج على تقاليد العرب، وهذا الهدم لعاداتها، معرضة في ذلك عما يقول الناس عنها مما تخشى سماعه. وليكن زيد مولاه الذي تبنّى، والذي أصبح بحكم عادات العرب وتقاليدها صاحب حق في أن يرثه كسائر أبنائه سواء، هو الذي يتزوّجها فيكون مستعدّا للتضحية التي أعدّ الشارع الحكيم للأدعياء الذين اتّخذوا أبناء. وليبد محمد إصراره على أن تقبل زينب ويقبل أخوها عبد الله بن جحش زيدا زوجا لها؛ ولينزل في ذلك قوله تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً) «٢» . لم يبق أمام عبد الله وأخته زينب بعد نزول هذه الآية إلا الإذعان؛ فقالا: رضينا يا رسول الله. وبنى زيد بزينب بعد أن ساق النبيّ إليها عنه مهرها. فلما سارت زينب إلى زوجها لم يسلس له قيادها ولا لان إباؤها، بل جعلت تؤذي زيدا وتفخر عليه بنسبها وبأنها لم يجر عليها رقّ، واشتكى زيد إلى النبيّ غير مرّة من سوء معاملتها إياه، واستأذنه غير مرّة في تطليقها، فكان النبي يجيبه: «أمسك عليك زوجك واتق الله» . لكنّ زيدا لم يطق معاشرة زينب وإباءها عليه طويلا فطلقها. وكأن الشارع الحكيم قد أراد أن يبطل ما كانت تدين به العرب من التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها، ومن إعطاء الدعيّ جمع حقوق الابن، ومن إجرائهم عليه أحكامه حتى في الميراث وحرمة النسب، ولا يجعل للمتبني واللصق إلا حقّ المولى والأخ في الدين. فنزله قوله تعالى: (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) «٣» . ومعنى هذا أنه يجوز للمدعي أن يتزوّج ممن كانت زوجا لمن ادّعاه، ويجوز للمتبنيّ أن يتزوّج ممن كانت زوجا لمتبنّاه. ولكن كيف السبيل إلى تنفيذ هذا؟ ومن من العرب يستطيعه وينقض به تقاليد الأجيال السالفة جميعا؟ إن محمدا نفسه، على قوّة عزيمته وعميق إدراكه لحكمة الله في أمره، قد وجد على نفسه الغضاضة في تنفيذ هذا الحكم بأن يتزوّج زينب بعد تطليق زيد إيّاها، نفوس العرب؛ وذلك ما يريده تعالى في قوله: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) «٤» . كيف تزوج محمد من زينب لكن محمدا كان القدوة في كل ما أمر الله به وما ألقي عليه أن يبلغه للناس؛ فلا يخشى ما يقول الناس في تزوجّه من زوج زيد مولاه، فخشية الناس ليست شيئا إلى جانب خشية الله بتنفيذ أمره، وليتزوج من زينب ليكون قدوة فيما أبطل الشارع الحكيم من الحقوق المقرّرة للتبني، والادّعاء. وفي ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) «٥» .

стр. 198

هذه رواية التاريخ الصحيح في أمر زينب بنت جحش وزواج محمد منها. فهي ابنة عمّته يراها ويعرف مبلغ جمالها قبل أن تتزوج زيدا، وهو الذي خطبها على زيد، وهو كان يراها بعد أن تزوّجت زيدا أن لم يكن الحجاب معروفا يومئذ. على أنه كان من شأنها، بحكم صلة القرابة من ناحية، وأنها زوج دعيّه زيد من ناحية أخرى، أن تتّصل به لمصالحها ولتكرار شكوى زيد منها. وقد نزلت هذه الأحكام جميعا، فأيدها ما حصل من زواج زيد لزينب وتطليقه إيّاها وزواج محمد منها بعد ذلك؛ هذه الأحكام التي ترفع المعتق إلى مكانة الحرّ الشريف، والتي تبطل حقوق الأدعياء وتقضي عليها بصورة عملية لا محل للبس ولا لتأويل بعدها. أفيبقى بعد ذلك أثر هذه الأقاصيص التي يكرّرها المستشرقون والمبشرون، ويردّدها موير وإرفنج وسبرنجر وفيل ودرمنجم ولا منس وغيرهم ممن تناولوا كتابة حياة محمد؟! ألا إنها شهوة التبشير المكشوف تارة والتبشير باسم العلم أخرى، والخصومة القديمة للإسلام خصومة تأصّلت في النفوس منذ الحروب الصّليبيّة، هي التي تملي على هؤلاء جميعا ما يكتبون وتجعلهم في أمر أزواج النبي، وفي أمر زواجه من زينب بنت جحش خاصة، يتجنون على التاريخ، ويتلمّسون أضعف الروايات فيه مما دسّ عليه ونسب إليه. سمو محمد بمكانة المرأة ولو أنّ ما ذكروا كان صحيحا، لكان في مقدورنا أن نجبهه بأن العظمة لا تخضع لقانون، وبأن موسى وعيسى ويونس من قبل، قد سموا فوق نواميس الطبيعة وسنن الاجتماع، بعضهم بمولده، وبعضهم في حياته، فلم يطعن ذلك في عظمتهم. لكن محمدا كان يضع سنن الاجتماع بوحي ربه، وكان ينفذّها بأمر ربه، وكان بذلك المثل الأسمى، والأسوة الحسنة، في تنفيذ ما أمر ربه. أفكان أولئك المبشرون يريدونه على أن يطلّق أزواجه فلا يزيد على الأربع كما شرع للمسلمين من بعد زواجه منهنّ جميعا؟ وهل كانوا يومئذ يعفونه من نقدهم؟! على أن معاملة محمد لأزواجه معاملة بلغت من السمو ما رأيت شيئا منه في حديث عمر بن الخطاب الذي سقنا، وسترى كثيرا منه خلال فصول هذا الكتاب، ستكون المثل الناطق على أنه لم يحترم المرأة أحد ما احترمها محمد، ولم يسم بها إلى المكان اللائق بها ما سما محمد.

стр. 199

الفصل الثامن عشر غزوتا الخندق وبني قريظة حيي بن أخطب وتأليبه العرب جميعا على المسلمين- عشرة آلاف مقاتل يقصدون المدينة- سلمان الفارسي يشير بحفر الخندق حولها- حصار قريش وغطفان إياها- نقض بني قريظة عهدهم مع المسلمين- ضياع الثقة بين العرب واليهود- انسحاب العرب عن المدينة- محاصرة بني قريظة القضاء عليهم بالقتل ... الغريزة العربية وحذر محمد آن للمسلمين بعد إجلائهم بني النّضير عن المدينة، وبعد بدر الآخرة، وبعد غزوتي غطفان ودومة الجندل، أن يركنوا إلى شيء من الطمانينة إلى الحياة بالمدينة. وذهبوا ينظّمون عيشهم، وكان من بعد أقلّ شظفا بما غنموا في غزواتهم هذه، وإن كانت قد صرفتهم في كثير عن الزرع والتجارة. وكان محمد على طمأنينته حذرا دائما غدرة العدوّ، باثّا دائما عيونه وأرصاده في أنحاء شبه الجزيرة ينقلبون إليه من أخبار العرب وما يأتمرون به ما يمهد له دائما فرصة الأهبة لدفاع المسلمين عن أنفسهم. ومن اليسير عليك أن تقدر ضرورة الحذر والحيطة بعد كل الذي رأيت من غدّرات قريش وغير قريش بالمسلمين، ومن أن بلاد العرب كلها كانت في ذلك الحين، وكانت من بعد ذلك في أكثر أطوار تاريخها، أشبه بمجموعة جمهوريات مستقلة كل واحدة منها عن سائرها، تتخذ كل واحدة منها نظاما هو أقرب ما يكون إلى نظام القبائل، وتضطر لذلك إلى الاحتماء بعادات وتقاليد لا يألفها تصورنا في الأمم المنظمة. وكان محمد أشدّ ما يكون حذرا أن كان عربيّا بقدر ما ركّب في الغريزة العربية من الحرص على الثأر. وقد كانت قريش وكان يهود بني قينقاع ويهود بني النضير وعرب غطفان وهذيل والقبائل المتاخمة للشام، تتربص كل واحدة منها بمحمد وأصحابه الدوائر، وتودّ كل واحدة منها لو تستطيع أن تجد الفرصة لإدراك ثارها من هذا الرجل الذي فرق العرب في دينها شيعا، والذي خرج من مكة مهاجرا لا حول له ولا قوّة إلا ما يملأ نفسه الكبيرة من الإيمان، وها هو ذا في خمس سنوات قد أصبح له من الحول ومن القوّة ما جعله مرهوب الجانب من أشدّ مدائن العرب ومن أشدّ قبائلها حولا وقوّة. شدّة خصومة اليهود ولقد كان اليهود أبصر خصوم محمد بتعاليمه وبمصير دعوته، وكانوا أكثرهم تقديرا لما يصيبهم بانتصاره. فهم كانوا في بلاد العرب دعاة التوحيد، وكانوا ينافسون المسيحيين في سلطانهم ويأملون مغالبتهم والتغلب عليهم. ولعلهم كانوا على حق أن كانت الساميّة أميل بطبعها إلى فكرة التوحيد، على حين كان التثليث

стр. 200

لمسيحيّ مما لا يسهل على هذه النفس الحاميّة مساغه. وهذا محمد من صميم العرب ومن صميم الساميين، يدعو إلى التوحيد بعبارات قويّة نفاذة تأخذ بمجامع الفؤاد، وتصل إلى أعماق القلب، وتسمو بالإنسان إلى ما فوق نفسه. وها هو ذا قد بلغ من القوّة حتى أخرج بني قينقاع من المدينة، وحتى أجلى بني النّضير عن ديارهم؟ فهل يتركونه وشأنه منصرفين إلى الشام وإلى وطنهم الأوّل بيت المقدس في أرض المعاد، أم تراهم يحاولون تأليب العرب عليه ليأخذوا بالثأر منه؟ رسل اليهود إلى قريش كانت فكرة تأليب العرب هي الفكرة التي اختمرت في نفوس أكابر بني النّضير. وتنفيذا لها خرج نفر منهم، ومن بينهم حييّ بن أخطب وسلّام بن ابي الحقيق وكنانة بن أبي الحقيق، ومعهم نفر من بني وائل هوذة بن قيس وأبو عمّار، حتى قدموا على قريش مكة. فسأل أهلها حييّا عن قومه، فقال: تركتهم بين خيبر والمدينة يتردّدون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. وسألوه عن قريظة، فقال: أقاموا بالمدينة مكرا بمحمد، حتى تأتوهم فيميلوا معكم. وتردّدت قريش أتقدم أم تحجم؛ فليس بينها وبين محمد خلاف إلا على الدعوة التي يدعو إلى الله. أليس من الممكن أن يكون على حقّ ما دامت كلمته تزداد كل يوم رفعة وسموّا؟! وقالت قريش لليهود: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأوّل وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟! قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) «١» . وفي موقف اليهود هذا من قريش وتفضيلهم وثنيّتهم على توحيد محمد يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه (تاريخ اليهود في بلاد العرب) : «كان من واجب هؤلاء ألّا يتورّطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وإلّا يصرّحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلاميّ ولو أدّى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطالبهم؛ لأن بني إسرائيل الذين كانوا مدّة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتّى من الأدوار التاريخية، كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين. هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبّاد الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام وبالوقوف منهم موقف الخصومة» . اليهود يؤلبون سائر العرب لم يكف حييّ بن أخطب واليهود الذين معه هذا الذي قالوا لقريش في تفضيل وثنيّتها على توحيد محمد حتى تنشط لمحاربته، وأن يأخذوا وإيّاهم لذلك بعد أشهر موعدا، بل خرج أولئك اليهود إلى غطفان من قيس عيلان، ومن بني مرّة، ومن بني فزارة، ومن أشجع، ومن سليم ومن بني سعد، ومن أسد، ومن كل من لهم عند المسلمين ثأر، وما زالوا بهم يحرّضونهم على الأخذ بثأرهم ويذكرون لهم متابعة قريش إياهم على حرب محمد ويحمدون لهم وثنيّتهم، ويعدونهم النصر لا محالة. وخرجت الأحزاب التي جمع اليهود لحرب محمد

стр. 201

وأصحابه: خرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان في أربعة آلاف مجند وثلثمائة جواد وخمسمائة وألف ممتط بعيره. وعقد اللواء في دار الندوة لعثمان بن طلحة الذي قتل أبوه وهو يحمل لواء قريش في أحد. وخرجت بنو فزارة وعلى رأسها عيينة بن حصن بن حذيفة في رجال كثيرين وألف بعير. أمّا أشجع ومرّة فجاء كلّ منهما في أربعمائة محارب، يتزعّم الحارث بن عوف مرّة، ويتزعّم مسعر ابن رخيلة أشجع. وجاءت سليم أصحاب بئر معونة في سبعمائة رجل. واجتمع هؤلاء وانحاز إليهم بنو سعد وأسد، فصاروا في عشرة آلاف رجل أو نحوها، وساروا جميعا تحت إمرة أبي سفيان قاصدين المدينة. فلمّا بلغوها تداول زعماء هذه القبائل الزعامة أثناء الحرب كلّ يوما على التوالي. فزع المسلمين وحفر الخندق حول المدينة واتّصل نبأ هذا السير بمحمد والمسلمين معه في المدينة ففزعوا. ها هي ذي العرب كلها قد أجمعت أمرها لتسحقنّهم ولتقضينّ عليهم ولتستأصلنّهم. وها هي ذي قد جاءت في عدة وعديد ما لها في حروب العرب جميعا من قبل مثل. وإذا كانت قريش قد انتصرت في أحد عليهم لما خرجوا من المدينة وكانت دون هذه الأحزاب بمراحل في العدد والعدة، فماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة الألوف المؤلّفة من رجال وخيل وإبل وأسلحة وذخيرة؟! لم يكن سبيل إلى غير التحصن بيثرب العذراء، على ما وصفها عبد الله بن أبيّ. ولكن أيكفي هذا التحصن أمام تلك القوّة الساحقة؟! وكان سلمان الفارسي يعرف من أساليب الحرب ما لم يكن معروفا في بلاد العرب، فأشار بحفر الخندق حول المدينة وتحصين داخلها. وسارع المسلمون إلى تنفيذ نصيحته، فحفر الخندق وعمل فيه النبيّ ﵇ بيديه، فكان يرفع التراب ويشجّع المسلمين بذلك أعظم التشجيع، ويدعوهم إلى مضاعفة الجهد. وأخذ المسلمون آلات الحفر، من مساح وكرازين ومكاتل «١» من قريظة: اليهود الذين بقوا على ولائهم. وبهذا الدأب والجهد المتّصل تمّ حفر الخندق في ستة أيام. وفي هذه الأثناء كذلك حصّنت جدران المنازل التي تواجه العدو والتي بينها وبين الخندق نحو فرسخين. وعند ذلك أخليت المساكن التي ظلت فيما وراء الخندق، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حصّنت ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة لتكون سلاحا يرمى به عند الحاجة إليه. وأقبلت قريش وأحزابها وهي ترجو أن تلقى محمدا بأحد، فلم تجد عنده أحدا. فجاوزته إلى المدينة حتى فاجأها الخندق، فعجبت أن لم تكن تتوقّع هذا النوع من الدفاع المجهول لها. وبلغ منها الغيظ حتى زعمت أن الاحتماء وراءه جبن لا عهد للعرب به. وعسكرت قريش ومن تابعها بمجتمع الأسيال من رومة، وعسكرت غطفان ومن اتبعها من أهل نجد بذنب نقمى. أمّا محمد فخرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فجعل ظهره إلى هضبة سلع، وجعل الخندق بينه وبين أعدائه، وهناك ضرب عسكره ونصبت له خيمته الحمراء. ورأت قريش والعرب معها أن لا سبيل إلى اجتياز الخندق فاكتفت بتبادل الترامي بالنبال عدّة أيام متتابعة. وأيقن أبو سفيان والذين معه أنهم مقيمون أمام يثرب وخندقها طويلا دون أن يستطيعوا اقتحامها. وكان الوقت آنئذ شتاء قارسا برده، عاصفة رياحه، يخشى في كل وقت مطره. وإذا كان من اليسير أن يحتمي أهل مكة وأهل غطفان من ذلك كله بمنازلهم في مكة وفي غطفان، فالخيام التي ضربوا أمام يثرب لا تحميهم منه فتيلا. وهم بعد قد جاؤا يرتجون نصرا ميسورا لا يكلفهم غير يوم كيوم أحد، ثم يعودون أدراجهم يتغنّون

стр. 202

بأناشيد الفوز ويستمتعون باقتسام الغنائم والأسلاب. وماذا عسى أن يمسك غطفان عن أن تعود أدراجها وهي إنما اشتركت في الحرب لأن اليهود وعدتها متى تم النصر، ثمار سنة كاملة من ثمار مزارع خيبر وحدائقها، وها هي ذي ترى النصر غير ميسور، أو هو على الأقل غير محقق، وهو يحتاج من المشقة في هذا الفصل القارس إلى ما ينسيها الثمار والحدائق! فأما انتقام قريش لنفسها من بدر ومما لحقها بعد بدر من هزائم، فأمره مدرك على الأيام ما دام هذا الخندق يحول دون إمساك محمد بالتلابيب، وما دامت بنو قريظة تمدّ أهل يثرب بالمؤونة إمدادا يطيل أمد مقاومتهم شهورا وشهورا. أفليس خيرا للأحزاب أن يعودوا أدراجهم؟! نعم! لكن جمع هؤلاء الأحزاب لجرب محمد مرّة أخرى ليس بالأمر الميسور. وقد استطاع اليهود، وحييّ بن أخطب على رأسهم، أن يجمعوها هذه المرّة للانتقام لأنفسهم من محمد وأصحابه عما أوقع بهم وببني قينقاع من قبلهم. فإن أفلتت الفرصة فهيهات هيهات أن تعود، وإن انتصر محمد بانسحاب الأحزاب فالويل ثم الويل لليهود. خوف حيي من انسحاب الأحزاب قدر حييّ بن أخطب هذا كله، وخاف مغبّته، ورأى أن لا مفرّ من أن يقامر باخر سهم عنده. فأوحى إلى الأحزاب أنه مقنع بني قريظة بنقض عهد موادعتهم محمدا والمسلمين والانضمام إليهم، وأن قريظة متى فعلت انقطع المدد والميرة عن محمد من ناحية، وفتح الطريق لدخول يثرب من ناحية أخرى. وسرّت قريش وغطفان بما ذكر حيّي، وسارع هو فذهب يريد كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة. وقد أغلق كعب دونه باب حصنه أول ما عرف مقدمه عليه، مقدّرا أن غدر قريظة بمحمد ونقضها عهده وانضمامها إلى عدوه قد يفيده ويفيد اليهود إذا دارت الدوائر على المسلمين، لكنه جدير بأن يمحوها محوا إذا هزمت الأحزاب وانصرفت قواتها عن المدينة. غير أن حييّا ما زال به حتى فتح له باب الحصن ثم قال له: «ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طام. جئتك بقريش وبغطفان مع قادتها وسادتها، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه» وتردد كعب وذكر وفاء محمد وصدقه لعهده، وخشي مغبّة ما يدعوه حيّيّ إليه. لكن حييّا ما زال به يذكر له ما أصاب اليهود من محمد وما يوشك أن يصيبهم منه إذا لم تنجح الأحزاب في القضاء عليه، ويصف له قوة الأحزاب وعدتها وعددها، وأنها لم يمنعها غير الخندق أن تقضي في سويعة على المسلمين جميعا، حتى لان كعب له، فسأله: وماذا يكون إذا ارتدّت الأحزاب؟ هناك أعطاه حييّ موثقا إن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن يدخل معه في حصنه فيشركه في حظه. وتحركت في نفس كعب يهوديته فقبل ما طلب ونقض عهده مع محمد والمسلمين وخرج من حياده. رسل محمد إلى قريظة واتّصل نبأ انضمام قريظة إلى الأحزاب بمحمد وأصحابه، فاهتزّوا له وخافوا مغبّته. وبعث محمد سعد بن معاذ سيّد الأوس وسعد بن عبادة سيّد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة بن جبير ليقفوا على جلية الأمر، على أن يلحنوا «١» به عند عودتهم إن كان حقّا حتى لا يفتّوا في أعضاد الناس. فلمّا أتى هؤلاء الرسل ألفوا قريظة على أخبث ما بلغهم عنهم. فلمّا حاولوا ردّهم إلى عهدهم طلب كعب إليهم أن يردوا إخوانهم يهود بني النّضير إلى ديارهم. وأراد سعد بن معاذ، وكان حليف قريظة، أن يقنعها مخافة أن يحلّ بها ما حلّ ببني النضير أو ما هو شرّ منه؛ فانطلقت اليهود ووقعوا في محمد ﵇: وقال كعب: من رسول الله!! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. وكان الفريقان يتشاتمان.

стр. 203

نفسية الأحزاب تقوى رجع رسل محمد إليه بما رأوا. هنالك عظم البلاء واشتد الخوف، ورأى أهل المدينة طريق قريظة وقد فتح للأحزاب فدخلوا عليهم وأستأصلوهم. ولم يكن ذلك محض خيال ووهم، فهم رأوا قريظة تقطع المدد والميرة عنهم، ورأوا قريشا وغطفان، منذ عاد حييّ بن أخطب ينئبهم بإنضمام قريظة إليهم، قد تغيّرت نفسيّتهم وأخذوا يعدون أنفسهم للقتال. وذلك أن قريظة استمهلت الأحزاب عشرة أيام تعدّ فيها عدتها على أن تقاتل الأحزاب المسلمين في هذه الأيام العشرة أشدّ القتال. وذلك ما فعلوا. فقد ألفوا ثلاث كتائب لمحاربة النبيّ؛ فأتت كتيبة ابن الأعور السلميّ من فوق الوادي، وأتت كتيبة عيينة بن حصن من الجنب، ونصب له أبو سفيان من قبل الخندق. وفي هذا الموقف نزلت هذه الآيات: فزع أهل يثرب (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) «١» ولأهل يثرب أبلغ العذر إن هم بلغ منهم الفزع وزلزلت قلوبهم. ولمن قال منهم العذر في أن يقول: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وللذين زاغت أبصارهم العذر في أن تزيغ. وللذين بلغت قلوبهم الحناجر العذر في أن تبلغها. أليس هو الموت يرون آتيا بالشرر عينه، مصوّرة في بريق هذه السيوف تلمع في أيدي قريش وفي أيدي غطفان، وتدبّ إلى القلب مخافته متسللة من منازل بني قريظة الغدرة الخائنين! ألا ويل لليهود! ما كان أجدر محمدا بأن يقضي على بني النّضير وأن يستأصلهم بدل أن يذرهم يرتحلون موفورين، وأن يذر حييّا والذين معه يؤلبون العرب على المسلمين ليستأصلوهم. ألا إنها الطامّة الكبرى والفزع الأكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وسمت روح الأحزاب المعنوية، حتى دفعت بعض فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبدودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، أن يقتحموا الخندق، فتيمموا مكانا منه ضيقا فضربوا خيلهم فاجتازته فجالت بهم في السّبحة بين الخندق، وسلع. وخرج عليّ بن أبي طالب في نفر من المسلمين فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحمت منها خيلهم، وتقدم عمرو بن عبدودّ ينادي. من يبارز؟ ولمّا دعاه ابن أبي طالب إلى النزال قال في صلف: لم يا بن أخي! فو الله ما أحبّ أن أقتلك. قال عليّ: لكني أحب والله أن أقتلك. فتنازلا فقتله عليّ؛ وفرّت خيل الأحزاب منهزمة، حتى اقتحمت الخندق من جديد مولّية الأدبار لا تلوي على شيء. وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة على فرس له بعد ما غربت الشّمس يريد أن يجتاز الخندق، فهوى هو والفرس فيه فصرعا وتحطّما. وأرسل أبو سفيان يعرض دية جثته مائة من الإبل، فرفض النبي ﵇ وقال: خذوه فإنه خبيث خبيث الدّية. إستهانة قريظة بالمسلمين وأعظمت الأحزاب نيرانها مبالغة في تخويف المسلمين وإضعافا لروحهم، وبدأ المتحمسون من قريظة

стр. 204

ينزلون من حصونهم وآطامهم إلى منازل المدينة القريبة منهم، يريدون إرهاب أهلها. كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان فيه مع النساء والصبيان، فمرّبهم يهودي يطيف بالحصن. فقالت صفية مخاطبة حسان: إن هذا اليهودي يطيف يا حسّان بالحصن كما ترى، وإني والله ما آمنه أن يدلّ على عورتنا من وراءنا من اليهود، ورسول الله وأصحابه قد شغلوا عنا، فانزل إليه فاقتله. قال حسّان: يغفر الله لك يا بنة عبد المطلب! والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. فأخذت صفيّة عمودا ونزلت من الحصن وضربت به اليهوديّ حتى قتلته. فلما رجعت قالت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال حسان: مالي يا بنت عبد المطلب بسلبه من حاجة! وظلّ أهل المدينة في فزعهم وزلزال قلوبهم، على حين جعل محمد يفكر في الوسيلة إلى الخلاص، ولم تكن الوسيلة مواجهة العدوّ بطبيعة الحال. فلتكن الحيلة إذا. فبعث إلى غطفان يعدها ثلث ثمار المدينة إن هي ارتحلت. وكانت غطفان قد بدأت تملّ، فأظهرت امتعاضا من طول هذا الحصار وما لقوا من العنت أثناءه لغير شيء إلا إجابة حييّ بن أخطب واليهود الذين معه. ثم إن نعيم بن مسعود ذهب بأمر الرسول إلى قريظة، وكانت لا تعرف أنه أسلم، وكان لها نديما في الجاهلية، فذكرهم بما بينه وبينهم من مودّة، ثم ذكر لهم أنهم ظاهروا قريشا وغطفان على محمد، وقريش وغطفان ربما لا تطيقان المقام طويلا فترتحلان فتخليان ما بينهم وبين محمد فينكّل بهم، ونصح لهم ألا يقاتلوا مع القوم حتى يأخذوا منهم رهنا بأيديهم حتى لا تتنحّى قريش وغطفان عنهم. واقتنعت قريظة مما قال. ثم ذهب إلى قريش فأسرّ لهم أن قريظة ندموا على ما فعلوا من نكث عهد محمد، وأنهم عاملون لاسترضائه وكسب مودّته بأن يقدموا له من أشراف قريش من يضرب أعناقهم. ولذلك نصح لهم إن بعثت إليهم اليهود يلتمسون رهائن من رجالهم ألا يبعثوا منهم أحدا. وصنع نعيم مع غطفان ما صنع مع قريش وحذّرهم مثل ما حذرهم. ودبّت الشبهة من كلام نعيم إلى نفوس قريش وغطفان فتشاور زعمائهم، فأرسل أبو سفيان إلى كعب سيد بني قريظة يقول له: قد يا كعب طالت إقامتنا وحصارنا هذا الرجل، وقد رأيت أن تعمدوا إليه في الغد ونحن من ورائكم فعاد رسول أبي سفيان إليه بقول زعيم قريظة: إن غدا السبت، وإنا لا نستطيع القتال والعمل يوم السبت. فغضب أبو سفيان وصدق حديث نعيم، وأعاد الرسول يقول لقريظة: اجعلوا سبتا مكان هذا السبت، فإنه لا بد من قتال محمد غدا؛ ولئن خرجنا لقتاله ولستم معنا لنبر أن من حلفكم ولنبد أنّ بكم قبل محمد. فلما سمعت قريظة كلام أبي سفيان كررت أنها لا تتعدّى السبت، وقد غضب الله على قوم منهم تعدوه فجعلهم قردة وخنازير. ثم أشاروا إلى الرهائن حتى يطمئنوا لمصيرهم. فلما سمع ذلك أبو سفيان لم يبق لديه في كلام نعيم ريبة، وبات يفكر ماذا عسى أن يصنع؛ وتحدث إلى غطفان فإذا هي تتردّد في الإقدام على قتال محمد متأثرة بما كان قد بدأها به من وعدها ثلث ثمار المدينة وعدا لم يتمّ أن اعترضه سعد بن معاذ وسادة المدينة من الأوس والخزرج ومن أصحاب مشورة رسول الله. العاصفة تقتلع خيام الأحزاب فلما كان الليل عصفت ريح شديدة، وهطل المطر غزيرا، وقصف الرعد، ولمع البرق، واشتدت العاصفة فاقتلعت خيام الأحزاب وكفأت قدورهم وأدخلت الرعب إلى نفوسهم، وخيّل إليهم أن المسلمين انتهزوا فرصة ليعبروا إليهم وليوقعوا فيهم. فقام طليحة بن خويلد فنادى: إن محمدا قد بدأكم بشرّ فالنجاة النجاة. وقال أبو سفيان: «يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع «١»

стр. 205

والخف، وأخلفنا بنو قريظة وبلغنا منهم ما نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل» . فاستخفّ القوم ما استطاعوا حمله من متاع وانطلقوا وما تزال الريح تعصف بهم، وفرّوا وتبعتهم غطفان والأحزاب. وأصبح الصبح ولم يجد محمد أحدا، فانصرف راجعا إلى منازل المدينة والمسلمون معه، يرفعون أكفّ الضراعة إلى الله شكرا أن كشف الضرّ عنهم وأن كفى المؤمنين القتال. غزوة قريظة عاد محمد بعد رحيل الأحزاب يفكر في موقفه. لقد أذهب الله عنه عدوّه الذي كان يهدّده. لكن اليهود قادرون على أن يعودوا لمثلها وأن يختاروا فصلا من السنة غير الشتاء القارس الذي كان من جند الله في هزيمه عدوّه. ثم إن قريظة لولا ارتحال الأحزاب ولولا ما وقع في صفوفهم من شقاق وانقسام، كانت على أهبة النزول إلى المدينة والفتك بالمسلمين والمعاونة على استئصالهم. لا تقطعنّ إذا ذنب الأفعى وتتركها. ولا بدّ من القضاء على بني قريظة بما فعلوا. وأمر ﵇ مؤذنا فأذّن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة؛ وقدّم عليّا برايته إليها. ومع ما كان عليه المسلمون من نصب بعد طول حصار قريش وغطفان إيّاهم، فقد خفّوا لهذا القتال الذي لم يكن لديهم أي شك في نتيجته. صحيح أن بني قريظة يقيمون في حصون محصنة كالتي كانت لبني النّضير، لكنّ هذه الحصون إن أغنتهم في الدفاع عن أنفسهم فلن تغنيهم في مهاجمة المسلمين. والميرة قد أصبحت في متناول أيدي أهل المدينة بعد جلاء الأحزاب عنها. لذلك خفّ المسلمون فرحين وراء عليّ، حتى أتوا بني قريظة، فإذا بهم ومعهم حييّ بن أخطب النّضيري يقعون في محمد بأقبح مقالة، يكذّبونه ويطعنون عليه وينالون من أعراض نسائه. وانما شعروا بعد انخذال الأحزاب عن المدينة بما هييء لهم. ولمّا جاء الرسول لقيه عليّ وطلب إليه ألّا يدنو من حصون اليهود. فسأله محمد: ولم؟ أظنّك سمعت منهم لي أذّى؟ قال: نعم. قال رسول الله: لو رأوني لما قالوا من ذلك شيئا. فلما دنا من حصونهم ناداهم: يا إخوان القردة! هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته! قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا. وجعل المسلمون بقيّة نهارهم يتوافدون على بني قريظة حتى اجتمع جمعهم عندها، فأمرهم محمد بحصارها. ظلّ هذا الحصار خمسا وعشرين ليلة لم يقع خلالها إلا بعض تراشق بالنّبل والحجارة، ولم يجرؤ بنو قريظة أن يخرجوا من الآطام طول مدّة الحصار مرّة واحدة، فلما جهدوا وأيقنوا أن لن تغني عنهم حصونهم من الهلاك شيئا، وأنهم لا بدّ أن يقعوا في قبضة المسلمين وإن طال أمد الحصار، بعثوا إلى الرسول أن ابعث إلينا أبا لبابة لنستشيره في أمرنا. وكان أبو لبابة من الأوس حلفائهم. فلما رأوه قام إليه الرجال وأجهش النسوة والصبيان بالبكاء، حتى رقّ لهم. فقالوا له: أترى يا أبا لبابة أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم- وأشار بيده إلى حلقه- إنه الذبح إن لم تفعلوا. وقد ندم أبو لبابة على إشارته هذه فيما روت السير. فلما انصرف أبو لبابة عنهم عرض كعب بن أسد أن يتابعوا محمدا على دينه وأن يسلموا فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم فرفض أصحاب كعب أن يسمعوا هذا الكلام منه وصاحوا به: لا نفارق حكم التوراة، ولا نستبدل به غيره. فعرض عليهم أن يقتلوا نساءهم وأبناءهم وأن يخرجوا إلى محمد وأصحابه رجلا مصلتين السيوف غير تاركين وراءهم ثقلا حتى يحكم الله بينهم وبين محمد. فإن هلكوا لم يتركوا وراءهم نسلا يخشون عليه وإن ظهروا اتخذوا النساء والأبناء، فرفضوا هذا العرض أيضا قائلين: نقتل هؤلاء المساكين! فما خير العيش بعدهم! قال لهم كعب: لم يبق إذا إلا أن تنزلوا على حكم محمد وقد سمعتم ما أعدّ لكم. وتشاور القوم بينهم وقال قائل منهم: إنهم لن يكونوا أسوأ من بني النّضير مصيرا، وإن أولياءهم من الأوس سيدفعون عنهم الشرّ، وإنهم إن عرضوا أن

стр. 206

يرتحلوا إلى أذرعات بالشام لم يجد محمد بأسا من قبول عرضهم. تحكيم سعد بن معاذ وحكمه بقتل اليهود وبعثت قريظة إلى محمد تعرض عليه الخروج إلى أذرعات تاركة وراءها ما تملك، فأبى ذلك عليها إلا أن تنزل على الحكم. فأرسلت إلى الأوس تقول لهم ألا تأخذون لإخوانكم مثلما أخذت الخزرج لإخوانهم! فمشى جماعة من الأوس إلى محمد فقالوا: يا نبيّ الله، ألا تقبل من حلفائنا مثل الذي قبلت من حلفاء الخزرج؟! قال محمد: يا معشر الأوس، ألا ترضون أن أجعل بيني وبين حلفائكم رجلا منكم؟! قالوا: بلى. قال: فقولوا لهم فليختاروا من شاؤا. فاختار اليهود سعد بن معاذ، وكأنما أعماهم القدر عما كتب لهم في لوح حظهم، فأنساهم مقدم سعد إليهم أوّل نقضهم عهدهم، وتحذيره إيّاهم، ووقوعهم في محمد أمامه، وسبّهم المسلمين بغير حق. وأخذ سعد المواثيق على الفريقين أن يسلم كلاهما لقضائه وأن يرضى به. فلمّا أعطوه المواثيق، أمر ببني قريظة أن ينزلوا وأن يضعوا السلاح، ففعلوا، فحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وتقسم الأموال، وتسبى الذرّية والنساء. فلمّا سمع محمد هذا الحكم قال: والذي نفسي بيده لقد رضي بحكمك هذا الله والمؤمنون وبه أمرت. ثم خرج إلى سوق المدينة فأمر فحفرت بها خنادق ثم جيء باليهود أرسالا فضربت أعناقهم، وفي هذه الخنادق دفنوا. ولم يكن بنو قريظة يتوقعون هذا الحكم من سعد بن معاذ حليفهم. بل كانوا يحسبونه يصنع بهم ما صنع عبد الله بن أبيّ مع بني قينقاع. ولعل سعدا ذكر أن الأحزاب لو انتصرت بخيانة بني قريظة لما كان أمام المسلمين إلا أن يستأصلوا وأن يقتلوا وأن يمثّل بهم. فأزاهم بمثل ما عرّضوا المسلمين له. وقد أظهر اليهود من الجلد أمام القتل ما تراه في حديث حييّ بن أخطب حين قدّم لضرب عنقه، فقد نظر إليه النبيّ وقال: ألم يخزك الله يا حيي، فأجاب حييّ: «كل نفس ذائقة الموت، ولي أجل لا أعدوه ولا ألوم نفسي على عداوتك» : ثم التفت إلى الناس فقال: «أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل» . ثم إن الزبير بن باطا القرظيّ كان قد منّ على ثابت بن قيس يوم بعاث بأن خلّى سبيله بعد أسره، فأراد ثابت أن يجزيه، بعد حكم ابن معاذ على اليهود، عن يده، فذكر لرسول الله منّة الزبير عليه واستوهبه دمه، وأجاب رسول الله طلبته. فلمّا عرف الزبير ما فعل ثابت قال له: شيخ كبير مثلي لا أهل له ولا ولد ماذا يصنع بالحياة؟! فاستوهب ثابت رسول الله دم امرأته فوهبه له، ثم استوهبه ماله فوهبه له كذلك. فلما اطمأن الزبير إلى أهله وولده وماله سأله عن كعب بن أسد وعن حييّ بن أخطب وعن عزّال بن سمعول وعن زعماء بني قريظة، فلمّا علم أنهم قتلوا قال: إني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم، فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما بصابر الله فتلة دلو ناضح «١» حتى ألقى الأحبّة. وكذلك ضربت عنقه بمشيئته. وكان المسلمون لا يقتلون في غزواتهم النساء والذّراري، ولكنهم يومئذ قتلوا امرأة طرحت الرّحا على مسلم فقتلته. وكانت عائشة تقول: والله ما أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل. وأسلم يومئذ من اليهود أربعة فنجوا من القتل. دم بني قريظة في عنق حيي بن أخطب وفي رأينا أن دم بني قريظة معلّق في عنق حيّي بن أخطب وإن كان قد قتل معهم. فهو قد حنث في العهد الذي عاهد قومه من بني النضير حين أجلاهم محمد عن المدينة ولم يقتل منهم بعد النزول على حكمه أحدا.

стр. 207

وهو بتأليبه قريشا وغطفان وتحزيبه العرب كلها لقتال محمد جسّم العداوة بين اليهود والمسلمين، وجعل هؤلاء يعتقدون أن بني إسرائيل لا تطيب نفوسهم إلا باستئصال محمد وأصحابه. وهو الذي حمل بني قريظة من بعد ذلك على نقض عهدها والخروج من حيادها، ولو أنها بقيت عليه لما أصابها من الشرّ شيء. وهو الذي دخل حصن بني قريظة بعد ارتحال الأحزاب ودعاهم لمواجهة المسلمين والدفاع عن أنفسهم بمقاتلتهم، ولو أنهم نزلوا على حكم محمد منذ اليوم الأوّل واعترفوا بخطئهم في نقض عهدهم، لما أهدرت دماؤهم وضربت أعناقهم. لكن العداوة بلغت من التأصّل في نفس حييّ وانتقلت منه إلى نفوس بني قريظة حدّا جعل سعد بن معاذ نفسه، وهو حليفهم، يؤمن بأنهم إن أبقى على حياتهم لم تهدأ لهم نفس حتى يؤلّبوا الأحزاب من جديد، وحتى يجمعوا العرب لقتال المسلمين، وحتى يقتلوهم عن آخرهم إن ظفروا بهم. فالحكم الذي أصدره على قسوته إنما أصدره متأثرا بالدفاع عن النفس، معتبرا بقاء اليهود أو زوالهم مسألة حياة أو موت بالنسبة للمسلمين. قسمة أموال بني قريظة وقسم النبيّ أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعد أن أخرج منها الخمس. قسمها بأن كان للفارس سهمان، ولفرسه سهم، وللراجل سهم. وكانت الخيل يوم قريظة ستة وثلاثين فرسا. ثم بعث سعد بن زيد الأنصاريّ بطائفة من سبايا بني قريظة إلى نجد، فابتاع بها خيلا وسلاحا زيادة في قوّة المسلمين الحربية. وكانت ريحانة إحدى سبايا بني قريظة قد وقعت في سهم محمد، فعرض عليها الإسلام فأصرّت على يهوديتها، وعرض عليها أن يتزوّجها فقالت: بل تتركني في ملكك فهو أخفّ عليّ وعليك. ولعل حرصها على اليهودية ورفضها الزواج يرجعان إلى عصبيتها لقومها، وما كان باقيا في نفسها من كراهية للمسلمين ولنبيّهم. ولم يتحدّث أحد عن جمال ريحانة ما تحدّثوا عن جمال زينب بنت جحش، وإن ذكر بعضهم أنها كانت جميلة وسيمة. وقد اختلفت السير فيها: أضرب عليها الحجاب كما ضرب على نساء النبيّ، أم أنها ظلّت كسائر نساء العرب يومئذ لم يضرب عليها حجاب. وبقيت ريحانة في ملكه حتى ماتت عنده. وطّدت غزوة الأحزاب، ووطّد القضاء على بني قريظة، للمسلمين في المدينة، فلم يبق للمنافقين فيها صوت قطّ. وذهبت العرب كلها تتحدث بقوّة المسلمين وسلطانهم، وبمقام محمد وقوّته ورهبة جانبه. ولكن الرسالة لم تكن للمدينة وحدها بل كانت للعالم بأسره. فما يزال على النبي وأصحابه إذا أن يمهّدوا لكلمة الله، وأن يدعوا الناس لدينه الحق، وأن يصدّوا عنه كل معتد عليه. وهذا ما فعلوا.

стр. 208

الفصل التاسع عشر من الغزوتين إلى الحديبية المرأة والرجل في الإسلام- غزوة بني لحيان- قتل عيينة والأقرع- عزوة بني المصطلق- حديث الإفك تنظيم الجماعة العربية استتبّ الأمر لمحمد والمسلمين بعد غزوة الخندق والقضاء على بني قريظة استتبابا جعل العرب تخافهم أشد الخوف، وجعل الكثيرين من قريش يفكرون: أليس خيرا لقريش لو أنها هادنت محمدا وصافته وهو منها وهي منه، والمهاجرون معه بينهم كبراؤها وساداتها! واستراح المسلمون بعد الذي اطمأنوا إليه من القضاء على اليهود بجوار المدينة قضاء لا تقوم لهم قائمة بعده. ومكثوا بالمدينة لذلك ستة أشهر يباشرون من تجارة الحياة ما يستمتعون معه بشيء من نعمة الحياة، ويزدادون برسالة محمد إيمانا ولتعاليمه امتثالا، ويسيرون وإياه في طريق تنظيم الجماعة العربية تنظيما لم يكن مألوفا عندها من قبل، ولكنه لم يكن منه بدّ في جماعة منظمة ذات كيان ووحدة كالجماعة التي كانت تتكون تحت سلطان الإسلام رويدا رويدا. فقد كانت العرب في الجاهلية لا تعرف لها نظاما ثابتا إلا ما أقرّته عاداتها ولم يكن لها في أمر الأسرة ونظامها، والزواج وحدوده، والطلاق وقيوده، وصلات الزوجين والأبناء، إلا ما تمليه طبيعة ذلك الجوّ الذي يغلو في الإباحة تارة ليصل من الجمود والتقيد إلى حدود الرقّ وعسفه تارة أخرى. فلينظم الإسلام الجماعة الإسلامية الناشئة التي لمّا تتكوّن تقاليدها، وليمهدها في وقت قصير لتضع نواة حضارة تنتظم من بعد ذلك حضارة الفرس والروم والمصريين، وتطبعها بطابعها الإسلاميّ الذي يتدرّج رويدا رويدا حتى يصل إلى كماله يوم ينزل قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) «١» . صلات الرجل والمرأة ومهما يكن الرأي في حضارة العرب قبل الإسلام وبداوتها، وهل كانت القرى من أمثال مكة والمدينة ذات حضارة لا تعرفها البادية، أو أنها كانت أيضا في أوليات مراتب الحضارة، فإنّ صلات الرجل والمرأة في هذه الجماعة العربية كلها لم تكن تعدو، بشهادة القرآن وبشهادة ما بقي من آثار ذلك العهد، صلات الذكورة والأنوثة، مع تفاوت تمليه مراتب الطوائف والعشائر لا يبعد عن هذا الوضع القريب من مراتب الإنسان

стр. 209

الأوّل. ولذلك كان النسوة يتبرّجن في الجاهليّة الأولى ويبدين من زينتهن ما لا يقف أمره عند بعولتهن، وكنّ يخرجن فرادى ومثنى وزرافات لحاجتهن يقضينها في غوطة الصحراء فليلقاهن الشبّان والرجال وهن يتهادين في جماعتهن، فلا يأبى هؤلاء ولا أولئك أن يتبادلوا أشهى النظرات ومعسول الحديث مما يستريح إليه الذكر وتطمئن إليه الأنثى. وبلغ من أمر هذه الصلة وما وقرت في النفوس، أن لم تأب هند زوج أبي سفيان أن تقول في أشد مواقف الجد والشدة، وهي تحثّ قريشا حين الحرب يوم أحد: إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق ولم يكن الزنا يومئذ بالجريمة ذات الخطر والشأن في بعض القبائل. وكان الغزل بعض معروف العرب جميعا. ولقد ذكر الرواة عن هند هذه، على ما كان لأبي سفيان من مكانة وخطر، أحاديث غرام وهوى لم تغير من مكانتها في قومها ولا بين أهلها. ثم إن المرأة كانت إذا ولدت، ولم يعرف لمولودها أب، لم تأب أن تذكر من لامسها من الرجال لينسب مولودها إلى أيّهم كان أقرب إليه شبها. ولم يكن إلى ذلك الوقت لتعداد الزواج ولا للرق حدّ أو قيد. كان للرجل أن يتزوّج ما شاء، وأن يتسرى ما شاء، وكان لهؤلاء، ولأولئك أن يلدوا ما شاؤا. وكان الأمر في ذلك لا خطر له إلا أن يتضح وتخشى معرّته، وما قد يجر وراءه من أهاجيّ تتبادل لا يدري أحد ما ينجم عنها من خصومة وقتال. هنالك يتبدّل الأمر غير الأمر، وترى ما كانت المودّة قد سترت من قبل من ملاحم الهوى ووثبات الغرام، قد هتكته الخصومة فجعلته سببا لملاحم القتال ووثبات النزال. وإذا شبت الخصومة فلكلّ أن يتقوّل ما شاء وأن يزعم ما يريد. وخيال العربي خضب، بطبيعة عيشه تحت السماء، وتجواله الدائم في طلب الرزق، واضطراره إلى المغالاة وإلى الكذب أحيانا في شؤون التجارة. والعربيّ مولع بالفراغ الذي يغريه بالغزل ويزيد خياله في السّلم والحرب خصبا. فإذا وقف زيد في السّلم يحادث هندا حديث هوى لم يزد على شهيّ اللفظ تساقطه لآلئ الثنايا العذاب، رأيت زيدا هذا حين الخصومة والحرب يرفع عقيرته بهند، وقد لقيها أمامه متجرّدة؛ يقول في نحرها وصدرها ونهدها وخصرها وعجيزتها وما دون ذلك ما شاءت له أفانين الخصومة، واهتياج الخيال الذي لا يعرف في المرأة غير الأنثى وغير ما تفرش من النمارق. ومع ما قضى الإسلام على هذه النفسيّة فقد بقي من آثارها ما نقرؤه في مثل شعر عمر بن أبي ربيعة، وما تأثّر به شعر الغزل في العربية إلى عصور كثيرة، وما لا يزال له أثره، ولو إلى حد قليل، في شعر عصرنا الحاضر. المرأة عند العرب وأوروبا في ذلك العصر ربما بدأ هذا التصوير للقارئ المعجب بالعرب وحضارتهم، وللمعجّب حتى بعرب الجاهليّة، مشوبا بشيء من الغلوّ. وللقارئ العذر من ذلك، إذ يوازن بين هذه الصورة التي وضعنا أمامه، وما هو واقع بالفعل في عصرنا الحاضر وما نرجو أن تصل إليه صلات الرجل والمرأة في الزواج والطلاق وصلات الزوجين والأبناء. لكن موازنة كهذه مخطئة جديرة أن تجرّ إلى أفحش الضّلال. إنما يجب أن يوازن بين الجماعة العربية التي صورنا إحدى نواحيها في القرن السابع المسيحي، والجماعات الإنسانية في ذلك العصر. وما أحسبنا نغالي إذا قلنا: إن الجماعات العربية كانت، مع ما وصفنا من أمرها، خيرا بكثير من الجماعات المعاصرة لها في آسيا وفي أوروبا. ولسنا نقف عند ما كان من ذلك في الصين أو في الهند، فما لدينا من المعلومات عنه قليل لا غناء فيه. لكن أوروبا الشمالية وأوروبا الغربية كانت يومئذ في ظلمات تبيح لك أن تصوّر من نظام الأسرة فيها ما تريد مما يقرب من أوليات مراتب الإنسانية. وكانت الروم، وهي صاحبة الشرع يومئذ وصاحبة الغلب والسيادة

стр. 210

والمنافس الوحيد القويّ للفرس، تجعل المرأة من الرجل في مكونة دون مكانة المرأة العربية من الرجل حتى البادية. كانت المرأة في شرائع الروم يومئذ معتبرة متاعا مملوكا للرجل يتصرف فيه كيف يشاء، ويملك من أمره ما يريد حتى الحياة والموت. كانت تعامل معاملة الرق سواء، لا فارق بينها وبينه في نظر الشرع الروماني. كانت مملوكة لأبيها، ثم لزوجها، ثم لابنها، وكان ملكهم إيّاها تامّا كملكهم الرقيق وكملكهم الحيوان والجماد. وكان ينظر إلى المرأة على أنها مثار الشهوة، وعلى أنها لا سلطان لها على أنوثتها الحيوانية، حتى لم يكن بدّ من اصطناع نطاق العفّة ومن التمسك بذلك قرونا متوالية، بعد هذا العصر الذي نصف فيه أحوال جزيرة العرب. ومع أن السيّد المسيح ﵇ كان برّا بالنساء عطوفا عليهن. حتى لقد قال حين أظهر بعض رجاله العجب لحسن معاملته مريم المجدلية: «من لم يكن منكم ذا خطيئة ليرمها بحجر» . مع هذا ظلّت أوروبا المسيحية، كما كانت أوروبا الوثنية من قبل، تزدري المرأة شرّ ازدراء. ولم تكن تنظر إلى صلاتها بالرجل على أنها صلات الذكورة والأنوثة وكفى، بل على أنها صلة عبودية ورقّ ومهانة مما طوّع لبعض المتكلمين في عصور مختلفة أن يتساءلوا: أللمرأة روح وأنها ستحاسب، أم أنها كالحيوان لا روح لها ولا تعرف عند الله حسابا وليس لها في ملكوت الله متسع! محمد والإصلاح الاجتماعي وكان محمد يقدر، بما أوحي إليه، أن لا صلاح للجماعة إلّا بتعاون الرجل والمرأة، باعتبار أنهما أخوان متضامنين تضامن مودّة ورحمة، وأن للنساء مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجل عليهن درجة. لكن الأخذ في ذلك بالطفرة لم يكن أمرا ميسورا، ومهما يكن من إيمان العرب الذين اتّبعوه به، فإن أخذهم باليسير من الأمر وعدم تعريضهم للحرج، أدعى إلى مزيد إيمانهم، وإلى ازدياد أنصاره. وكذلك كان الشأن في كل إصلاح اجتماعي فرضه الله على المسلمين. بل كذلك كان الشأن في فروض الدين ذاتها، في الصلاة والصوم والزكاة والحج. وكذلك كان الشأن في المحرمات كالخمر والميسر ولحم الخنزير وما اليها. وقد بدأ محمد، في شأن الإصلاح الاجتماعي، وتقرير صلات ما بين الرجل والمرأة، بالمثل يضربه فيما بينه وبين أزواجه مما كان المسلمون جميعا يرونه. فالحجاب لم يفرض على نساء النبي إلى ما قبيل غزوة الأحزاب كما لم يفرض تحديد الزوجات بأربع مع شرط العدل إلى ما بعد غزوة الأحزاب، بل إلى ما بعد غزوة خيبر بأكثر من سنة. فكيف يصل النبيّ إلى توطيد علاقات الرجل والمرأة على أساس صالح، تمهيدا لهذه المساواة التي انتهى الإسلام إليها مساواة تجعل للنساء مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة؟ الإسلام ينهي عن التبرج كانت صلات الرجل والمرأة عند المسلمين، كما كانت عند سائر العرب، على ما وصفنا، مقصورة على صلات الذكورة والأنوثة. وكان التبرّج وإبداء الزينة بصورة تدعو إلى تحرّش بالنساء، كلما وجدوا الفرصة لذلك بعض ما يذكي عواطف الجنس عند الرجل والمرأة على سواء، وما يحول لذلك دون التقريب بينهما تقريبا أساسه المعنى الإنساني السامي، وأساسه الاشتراك الروحي في العبودية لله وحده. وقد نشأ عن قيام طرائف اليهود والمنافقين في المدينة، وخصومتهم لمحمد وللمسلمين أن بلغ تحرّش هذه الطوائف بالمسلمات حدا إلى حصار أدّى إلى حصار بني قينقاع كما رأيت، وإلى إيصال الأذى للمسلمات، مما كانت تنشأ عنه مشاكل لا ضرورة لها. فلو أنّ المسلمات لم يبدين زينتهن أثناء خروجهن، لكان ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، ولو فّر

стр. 211

ذلك هذه المشاكل، ولكان بدا حسنا لهذه المساواة التي يريد الإسلام تحقيقها بين الجنسين، من غير أن يشعر المسلمون، رجالا ونساء بانتقال في الفكرة لم يمهّدوا له. وفي هذه الظروف نزل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) «١» . بهذا التمهيد سهل على المسلمين أن يقلعوا عن عادات العرب الأولى. كما أنّ ما قصد إليه شارع الإسلام، من تنظيم الجماعة على أساس الأسرة طاهرة من أدران الدخيلة مما جعل الزنا جريمة كبرى قد يسّر لكلّ مسلم أن يقدّر ما في تبرّج الأنثى تتبدى به للذكر من عيب ومعرّة، ما لم تكن صلة ما بين الرجل والمرأة تسمح بهذا التبرج. وذلك قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) «٢» وكذلك عمل الإسلام، فتدرّجت صلة ما بين الرجل والمرأة إلى غير ما كانت فلم تبق صلة ذكورة وأنوثة إلا حيث تخشى الفتنة من مثل هذه الصلة؛ فأمّا في سائر شؤون الحياة وفي علاقات الرجال والنساء جميعا، فالكل سواسية، والكل عباد الله، والكل متضامنون للخير ولتقوى الله. فإذا فرط من أحدهم أو من إحداهن ما يذكي في النفس معاني الجنس فذلك إثم يجب على من فرط منه أن يتوب إلى الله إنه هو التواب الرحيم. لكن ذلك كلّه لم يكن كافيا لينقل النفس العربية في أعوام قلائل من اعتباراتها الأولى ليغيرها في هذا الشأن، كما غيرها في الإيمان بالله وعدم الشرك به؛ نفسا جديدة. وذلك طبيعيّ؛ فالمادة إذا تكيفت على صورة ما، لم يكن من اليسير تحولها إلا رويدا رويدا؛ ومهما تحولها فلن تحولها إلا قليلا. ذلك شأن حياة الإنسان المادّية. تطبعه العادات المتوارثة، وتطبعه تقاليد البيئة في شئون حياته، فإذا أريد به أن يتغير فقد وجب أن يتدرج في انتقاله وتغيره، ثم إنه لن يستطيع هذا التدرج إلا إذا غيّر ما بنفسه. وقد يستطيع الإنسان أن يغير جانبا من جوانب نفسه بإزالة ما أمامها من حوائل تعوق تمددها وانتشارها لتمتثل الكون كله. وهذا ما فعل الإسلام بالمسلمين في شأن توحيد الله والإيمان به وبرسوله وباليوم الآخر. لكن كثيرا من جوانب النفس العربية لم تحطّم أمامه العوائق، وخاصة في شئون الحياة المادية، فبقي المسلمون فيه قريبين مما كانوا قبل إسلامهم، وذلك كان شأنهم فيما طبعتهم عليه حياة الصحراء من تلكؤ وفيما درجوا عليه من حب التحدث إلى النساء. بيت النبي ونساؤه ومع هذا الذي أسلفنا من تعديل الدين الجديد نظرتهم لصلات ما بين الرجل والمرأة، فقد ظلوا فيما

стр. 212

سوى ذلك كما كانوا من قبل أو على مقربة منه. وكثيرا ما كان أحدهم يحب أن يدخل على النبي بيته، وأن يمكث عنده وأن يتحدث إليه وأن يتحدث إلى نسائه، وقد كانت مهامّ النبوة العظمى أكبر من أن تدع محمدا يشغل نفسه بحديث هؤلاء الذين يجيئون إليه، والذين يتحدثون إلى نسائه وما ينقل نساؤه إليه من أحاديثهم، لذلك أراد الله أن يخلي نبيه من هذه المشاغل الصغرى، فأنزل عليه الآيات: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً) «١» . وكما نزلت هذه الآية حديثا للمؤمنين وإرشادا لهم إلى واجبهم إزاء النبيّ وأزواجه، نزلت الآيتان الآتيتان كذلك موجهتين إلى أزواج النبي في هذا الشأن نفسه. قال تعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى. وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) «٢» . التمهيد الاجتماعي للجماعة الإسلامية هذا هو التمهيد الإجتماعي الجديد الذي أراده الإسلام للجماعة الإنسانية. أقام أساسه على تغيير نظرة الجماعة إلى ما بين الرجل والمرأة من صلات، وأراد أن يمحو من النفوس تسلّط فكرة الجنس واعتبارها وحدها المتغلبة على كل اعتبار، وأراد بذلك أن يوجه الجماعة وجهتها الإنسانية العليا التي لا تنكر على الإنسان استمتاعه بالحياة استمتاعا لا يضعف من حرّيته في أن يريد- ومن باب أولى لا يسلبه هذه الحرية في أن يريد- والتي تجعل من الإنسان صلة ما بين الكائنات جميعا، فيرتفع به من مراتب زراعة الأرض ومن الصناعة ومن تجارة الحياة أيّا كانت، لتسمو به إلى مجاورة القدّيسين والاتّصال بالملائكة المقرّبين. وقد جعل الإسلام من الصوم والصلاة والزكاة وسائل لهذا السموّ؛ بما تنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وبما تطهر النفس والقلب من شوائب الخضوع لغير الله، وبما تقوّي من أسباب الأخوّة بين المؤمنين، ومن الاتّصال بين الإنسان وسائر ما في الكون. غزوة بني لحيان هذا التنظيم للحياة الاجتماعية رويدا رويدا، تمهيدا للانتقال العظيم الذي أعدّ الإسلام له الإنسانية، لم يمنع قريشا والعرب أن تتربّض بمحمد الدوائر، ولم يمنع محمدا أن يكون دائم الحذر، سريعا إلى النشاط لإلقاء الرعب في قلوب خصومه عند الحاجة. من ذلك أنه، بعد ستة أشهر من القضاء على بني قريظة- شعر بشيء من الحركة في ناحية مكة، ففكر في أن ينتقم لخبيب بن عدي وأصحابه ممن قتل بنو لحيان عند ماء الرّجيع منذ سنتين. على أنه لم يجهر بقصده خيفة أن يتّخذ العدو الحيطة لنفسه. فأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرّة، فأخذ قوّاته ويممّ بها شمالا. فلما اطمأن إلى أن قريشا وجيرانها لم يبق منهم من يفطن لمقاصده،

стр. 213

انتقل راجعا إلى ناحية مكة وأغذّ السير مسرعا حتى بلغ منازل بني لحيان بعران. لكن قوما رأوه أوّل انحداره إلى الجنوب فعرف منهم بنو لحيان قصده إيّاهم، فاعتصموا برؤس الجبال هم ومتاعهم. وفات النبيّ أن يصيبهم، فبعث أبا بكر في مائة راكب حتى بلغوا عسفان على مقربة من مكة. ثم كرّ رسول الله قافلا إلى المدينة في يوم قائظ بلغ من قيظه أن كان النبيّ يقول: «آئبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون. أعوذ بالله من وعثاء السفر وكابة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال» . غزوة بني قرد ولم يكد محمد يقيم بالمدينة ليالي بعد أوبته إليها حتى أغار عيينة بن حصن على أطرافها، وكان بظاهرها إبل ترعى يحرسها رجل وامرأته فقتل عيينة وأصحابه الرجل وساقوا الإبل واحتملوا المرأة وانصرفوا يحسبون أنهم من اللّحاق بمنجاة. لكن سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي قد غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله؛ فلما مرّ على ثنيّة الوداع وأشرف على ناحية من سلع، وأبصر القوم قد اقتادوا الإبل واحتملوا المرأة، فصاح: واصباحاه! وجعل يشتدّ في أثر القوم حتى إذا اقترب منهم رماهم بالنبل، وهو في أثناء ذلك لا ينفك يصيح. وبلغ محمدا صياح سلمة. فنادى في أهل المدينة: الفزع الفزع؛ فترامى الفرسان إليه من مختلف النواحي، فأمرهم فانطلقوا في أثر القوم، وجهز هو قوّاته وسار على رأسها يتبعهم حتى نزل بالجبل من ذي قرد. كان عيينة ومن معه قد أغذّوا السير مسرعين يريدون اللحاق بغطفان نجاة من المسلمين. ولكن فرسان المدينة أدركوا مؤخّرتهم واستخلصوا شطر الإبل منهم ولحق بهم محمد فأعانهم؛ ونجت المرأة المؤمنة التي كان العرب قد احتملوها. وأراد جماعة من أصحاب النبي أخذت منهم الحماسة كل مأخذ أن يتأثروا عيينة، فردّهم رسول الله، أن علم أن عيينة وأصحابه قد أدركوا غطفان واحتموا بهم. ورجع المسلمون إلى المدينة، وجاءت امرأة الحارس في آثارهم على ناقة المسلمين. وكانت المرأة قد نذرت إن أنجتها الناقة لتنحرنّها قربانا إلى الله، فلما أخبرت النبي بنذرها قال: «بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجّاك بها ثم تنحرينها. إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين» . غزوة بني المصطلق وأقام محمد بالمدينة بعد ذلك قرابة شهرين. ثم كانت غزوة بني المصطلق بالمريسيع، هذه الغزوة التي يقف عندها كل كاتب وكل مؤرّخ لسيرة النبيّ العربيّ؛ لا لأنها غزوة ذات قيمة، أو لأن المسلمين أو عدّوهم أبلوا فيها بلاء خارقا للعادة، بل لأن الشقاق كاد يفشو بعدها في صفوف المسلمين، فحسمه الرسول بأحسن ما يكون عزيمة وحزما، ولأن من أثرها أن تزوّج الرسول من جويرية بنت الحارث، ولأن هذه الغزوة أثمرت حديث الإفك عن عائشة حديثا كان موقفها منه، وهي لمّا تزل في السادسة عشرة، موقف إيمان وقوة تحطّمت على جنباتهما وعنت لجلالهما كل الوجوه. فقد بلغ محمدا أن بني المصطلق، وهم فرع من خزاعة، يجتمعون في حيهم على مقربة من مكة، وأنهم يحرّضون عليه يريدون قتله وعلى رأسهم قائدهم الحارث بن أبي ضرار. ووقف محمد من أحد البدؤ على سرّ جمعهم فأسرع في الخروج ليأخذهم على غرّة، كعادته في أخذ أعدائه. وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر، ولواء الأنصار لسعد بن عبادة. ونزل المسلمون على ماء قريب من بني المصطلق يقال له المريسيع، ثم أحاطوا ببني المصطلق ففرّ من جاؤا لنصرتهم. وقد قتل من بني المصطلق عشرة ولم يقتل من المسلمين إلا رجل يقال له هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار وهو يحسبه خطأ من العدو. ولم يجد بنو المصطلق، بعد قليل من

стр. 214

التراشق بالنبال، مفرّا من التسليم تحت ضغط المسلمين القويّ السريع، فأخذوا أسرى هم ونساؤهم وإبلهم وماشيتهم. فتنة عبد الله بن أبي وكان لعمر بن الخطاب في الجيش أجير يقود فرسه، فازدحم بعد انتهاء الموقعة مع أحد رجال الخزرج على الماء فاقتتلا فتصايحا، يقول الخزرجي: يا معشر الأنصار، ويقول أجير عمر: يا معشر المهاجرين. وسمع عبد الله بن أبيّ النداء، وكان قد خرج مع المنافقين في هذه الغزوة ابتغاء الغنيمة، فثار ما في نفسه على المهاجرين وعلى محمد من حفيظة، وقال لجلسائه: «لقد كاثرنا المهاجرون في ديارنا والله ما أعدّنا وإياهم إلا كما قال الأول: «سمّن كلبك يأكلك» . أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ» . ثم قال لمن حضر من قومه: «هذا ما فعلتم بأنفسكم: أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم. أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم» . ومشى بحديثه هذا ماش إلى رسول الله بعد فراغه من عدّوه، وكان عنده عمر بن الخطاب، فهاج عمر لما سمع وقال: مر به بلالا فليقتله. هنا ظهر النبي كدأبه مظهر القائد المحنّك والحكيم البعيد النظر. إذ التفت إلى عمر وقال: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس وقالوا إن محمدا يقتل أصحابه؟ لكنه قدر في الوقت نفسه أنه إن لم يتخذ خطّة حازمة فقد يستفحل الأمر. لذلك أمر أن يؤذن في الناس بالرحيل في ساعة لم يكن يرتحل المسلمون فيها، وترامى إلى ابن أبيّ ما بلغ النبي عنه، فأسرع إلى حضرته ينفي ما نسب إليه، ويخلف بالله ما قاله ولا تكلّم به. ولم يغير ذلك من قرار محمد الرحيل شيئا، بل انطلق بالناس طيلة يومهم حتى أمسوا، وطيلة ليلتهم حتى أصبحوا، وصدر يومهم الثاني آذتهم الشمس. فلما نزل الناس لم يلبثوا حين مسّت جنوبهم الأرض أن وقعوا من فرط تعبهم نياما، وأنسى التعب الناس حديث ابن أبي وعادوا بعد ذلك إلى المدينة ومعهم ما حملوا من غنائم بني المصطلق وأسراهم وسبيهم، ومعهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار قائد الحي المهزوم وزعيمه. حقد ابن أبي على النبي بلغ المسلمون المدينة، وأقام ابن أبي بها، لا تهدأ له نفس حسدا لمحمد وللمسلمين، وإن تظاهر بالإسلام بل بالإيمان؛ وإن أصر على إنكار ما نقل عنه لرسول الله عند المريسيع. أثناء ذلك نزلت سورة المنافقين وفيها قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) «١» مأساة نفسية بالغة هنالك حسب قوم أن في هذه الآيات قضاء على ابن أبيّ، وأن محمدا لا ريب آمر بقتله. فذهب عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، وكان مسلما حسن الإسلام، فقال: «يا رسول الله، إنه بلغني إنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرّ بوالده مني. وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس،

стр. 215

فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار» . كذلك قال عبد الله بن عبد الله بن أبيّ لمحمد. وما أحسب عبارة من عبارته على إيجازها في قوة التعبير عن حالة نفسية تضطرب فيها أقوى العوامل في النفس أثرا: تضطرب فيها عوامل البرّ بالأب وصدق الإيمان والنخوة العربية والحرص على سكينة المسلمين حتى لا تتواتر الثارات بينهم! فهذا ابن يرى أباه سيقتل، فلا يطلب إلى النبيّ ألّا يقتله، لأنه يؤمن بأن النبيّ إنما يصدع بأمر ربه، ويوقن بكفر أبيه. وهو، من خيفة ما يقتضيه البرّ بأبيه وما تقتضيه الكرامة والنخوة أن يثأر له ممّن قتله، يريد أن يحمل على نفسه وأن يقتل هو أباه، وأن يحمل هو بنفسه إلى النبيّ رأسه، وإن قطّع قلبه وفرى كبده! وهو يجد في إيمانه بعض الغزاء عن هذا الشطط الذي يكلف نفسه، مخافة أن يدخل النار إن هو قتل المؤمن الذي يأمره النبيّ بقتل أبيه. أيّ جلاد بين الإيمان والعاطفة والخلق أشدّ من هذا الجلاد! وأية مأساة مأساة نفسيّة أفتك بصاحبها من هذه المأساة! أفتدري بم أجاب النبي عبد الله بعد أن سمع قوله: «إنّا لا نقتله بل نترفّق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» . عفو النبي عن ابن أبي يا لروعة العفو وجلاله! محمد يترفّق بهذا الذي يؤلب أهل المدينة عليه وعلى أصحابه، فيكون رفقه ويكون عفوه أبعد من عقوبته لو أنه أنزلها به. فقد كان عبد الله بن أبي بعد ذلك إذا أحدث الحدث يعاتبه قومه ويعنفونه ويشعرونه أن حياته بعض هبات محمد له. وتذاكر النبي مع عمر يوما شؤون المسلمين وجاء ذكر ابن أبي وما يعاتبه قومه وما يعنفونه؛ فقال محمد: كيف ترى يا عمر! أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري. عائشة مع النبي في بني المصطلق حدث ذلك كله بعد أن عاد المسلمون إلى المدينة ومعهم ما معهم من السّبي والغنائم. على أن أمرا حدث لم يترك بادئ الرأي أثرا، كان له بعد ذلك حديث طويل. ذلك أنّ النبيّ كان إذا غزا أقرع بين نسائه، فأيّهن خرج سهمها خرج بها معه. وخرج سهم عائشة غزوة بني المصطلق فخرج بها. وكانت عائشة نحيفة خفيفة، فكانوا إذا جاؤا بالهودج إلى بابها خرجت إليه فأخذ الرجال به فشدّوه إلى البعير وهم لا يكادون يشعرون بها لخفّة زنتها. ولمّا فرغ النبيّ من سفره وسار ومن معه مسيرتهم الطويلة المضنية التي ذكرنا، اتّجه بعد ذلك إلى المدينة، حتى إذا كان قريبا منها نزل منزلا بات به بعض الليل ثم أذّن في الناس بالرحيل وكانت عائشة قد خرجت من خيمة النبي لبعض حاجتها والهودج موضوع أمام الخيمة في انتظار دخولها فيه. وكان لعائشة عقد انسل من عنقها وهي بعض حاجتها، فلما قامت عائدة إلى الرحيل التمست العقد فلم تجده فرجعت أدراجها تبحث عنه. ولعلّها بحثت عنه طويلا حتى وجدته. ولعلها أغفت أثناء ذلك لفرط ما نالها من التعب بعد مسيرتهم المجهدة. ورجعت إلى المعسكر لتستقلّ هودجها، فإذا القوم قد شدّوه إلى ظهر البعير وهم يحسبونها فيه، وارتحلوا وهم يحسبون أنهم حملوا معهم أشدّ أمهات المؤمنين حظوة عند النبي. ولم تجد هي في المعسكر داعيا ولا مجيبا. فلم يساورها الخوف وأيقنت أن القوم إذا افتقدوها فلم يجدوها رجعوا إليها، فخير لها أن تبقى مكانها من أن تضرب في الصحراء على غير هدى فتضلّ السبيل. ولم يساورها الخوف فالتفّت في جلبابها واضطجعت مكانها منتظرة دعوة الباحث عنها. وإنها لفي ضجعتها إذ مرّ بها صفوان بن المعطّل السّلميّ، وكان قد تخلّف عن العسكر لبعض حاجاته وكان يراها قبل أن يضرب الحجاب على نساء النبي، فلما بصر بها على هذه الحال تراجع دهشا وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ظعينة رسول الله ﷺ ! ما خلّفك رحمك الله؟
следующие страницы →