← Сира

Сира · id 9797

حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

هيكل، محمد حسين

Полный текст (384 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... لتنزلنّ أو لتكرهنّه إن أجلب الناس وشدّوا الرّنّة ... مالي أراك تكرهين الجنّة ثم أخذ سيفه فتقدّم فقاتل حتى قتل. هؤلاء زيد وجعفر وابن رواحة استشهدوا ثلاثتهم في سبيل الله في موقعة واحدة. لكن النبيّ لمّا علم بخبرهم كان على زيد وجعفر أكبر أسى، وقال: لقد رفعوا إلىّ الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير صاحبيه؛ فسأل: لم هذا؟ فقيل: مضيا، وتردّد عبد الله بعض التردد ثم مضى. أترى إلى هذه العبرة والموعظة الحسنة! فإنما معناها أن المؤمن لا يجوز له أن يتردد أو يخاف الموت في سبيل الله؛ بل يجب عليه، كلما مضى في أمر يؤمن بأنه لله والوطن، أن يحمل حياته على كفّه، وأن يلقى بها في وجه من يقف في سبيله؛ فإما فاز وظفر فبلغ ما يؤمن به من حق الله والوطن، وإمّا استشهد فكان المثل الحيّ لمن بعده والذكر الباقي لروح عظيم عرف أن قيمة الحياة ما يضحّى بالحياة في سبيله، وأن الإمساك على الحياة في مذلة إهدار للحياة، فما يستحق صاحبها بعد ذلك في الحياة ذكرا؛ وأن الرجل يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو عرّض حياته تعريضا تذهب معه ضحية غرض وضيع، وأنه كذلك يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو أمسك على حياته حين يدعوه داعي الحق جلّ شأنه ليقذف بها في وجه الباطل ليستحقه، فيواريها هو بالحجاب ويخاف عليها الموت خوفا هو شرّ من الموت. وإذا كان التردّد القليل من ابن رواحة مع إقدامه بعد ذلك واستشهاده، قد جعله في غير مكانة زيد وجعفر اللذين اقتحما صفوف الموت اقتحاما وطارا للاستشهاد فرحا، فما بالك بالذي ينكص على عقبيه طمعا في جاه أو مال أو غرض من أغراض الحياة! إنه إذا للحشرة الحقيرة وإن عرض عند السواد جاهه، وإن بزّ مال قارون ماله. وهل لنفس إنسانية أن تغتبط حقّا لشيء اغتباطها للتضحية في جانب ما تؤمن بأنه الحقّ، حتى تنتهي من ذلك إلى الاستشهاد في سبيل الحق، أو إلى تمليك الحق الحياة! مداورة خالد بن الوليد قتل ابن رواحة بعد تردد ثم إقدام، فأخذ الراية ثابت بن أرقم أحد بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فأخذ خالد الراية مع ما رأى من تفرّق صفوف المسلمين وتضعضع قوتهم المعنوية. وكان خالد قائدا ماهرا ومحرّكا للجيوش قلّ نظيره. لذلك أصدر أوامره، فداور بالمسلمين حتى ضم صفوفهم، ووقف من محاربة العدو عند مناوشات امتدّت به حتى أرخى الليل سدوله، ووضع الجيشان السلاح إلى الصباح. أثناء ذلك أحكم خالد تدبير خطّته، فوزّع عددا غير قليل من رجاله في خط طويل من مؤخّرة جيشه أحدثوا، إذا أصبح الناس، من الجلبة ما أدخل في روع عدوّه أن مددا جاءه من عند النبي. وإذا كان ثلاثة آلاف قد فعلوا بالروم الأفاعيل في اليوم الأوّل وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وإن لم يستطيعوا أن يثبتوا، فما عسى أن يصنع هذا المدد الذي جاء لا يدري أحد عدّته!! لذلك تقاعس الروم عن مهاجمة خالد وسرّوا بعدم مهاجمته إيّاهم، وكانوا أكثر سرورا بانسحابه ومن معه راجعين إلى المدينة، بعد معركة لم ينتصر بها المسلمون وإن كان حقّا كذلك أن عدوّهم لم ينتصر عليهم فيها.

стр. 247

بكاء محمد المستشهدين لذلك ما كاد خالد والجيش معه يدنون من المدينة حتى تلقّاهم محمد والمسلمون معه. وطلب محمد فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه وحمله بين يديه. أما الناس فجعلوا يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرّار، فررتم في سبيل الله! فيقول رسول الله: ليسوا بالفرّار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله. ومع هذه التأسية من محمد للعائدين من مؤتة فقد ظلّ المسلمون لا يغفرون لهم انسحابهم وعودهم، حتى كان سلمة بن هشام لا يحضر الصلاة مع المسلمين خشية أن يسمع من كل من رآه: يا فرّار فررتم في سبيل الله. ولولا ما كان بعد ذلك من فعال هؤلاء الذين حضروا مؤتة، ومن فعال خالد بنوع خاص، لظلّت مؤتة معتبرة بعض ما لطّخ به إخوانهم في الدين جبينهم من عار الفرار. وقد بلغ الألم من نفس محمد منذ علم بقتل زيد وجعفر، وحزّ الأسى في نفسه من أجلهما. لمّا أصيب جعفر ذهب محمد إلى منزله ودخل على زوجه أسماء بنت عميس، وكانت قد عجنت عجينها وغسلت بنيها ودهنتهم ونظفتهم، فقال لها: ائتيني ببني جعفر. فلما أتته بهم تشمّمهم وذرفت عيناه الدمع. قالت أسماء في لهف وقد أدركت ما أصابها: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: نعم أصيبوا هذا اليوم! وإزدادت عيناه بالدمع تهتانا. فقامت أسماء تصيح حتى اجتمع النساء إليها. أمّا محمد فخرج إلى أهله فقال: لا تغافلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم. ورأى ابنة مولاه زيد قادمة فربّت على كتفيها وبكى. وأظهر بعضهم دهشة لبكاء الرسول على من استشهد؛ فقال ما معناه: إنما هي عبرات الصديق يفقد صديقه. وفي رواية أن جثّة جعفر حملت إلى المدينة ودفنت بها بعد ثلاثة أيام من وصول خالد والجيش إليها. ومن يومئذ أمر الرسول الناس أن يكفوا عن البكاء، فقد أبدل الله جعفرا من يديه اللتين قطعتا جناحين طار بهما إلى الجنة. غزوة ذات السلاسل أراد محمد بعد أسابيع من عود خالد أن يستردّ هيبة المسلمين في شمال شبه الجزيرة، فبعث عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الشام، ذلك أن أمّا له كانت من قبائل تلك النواحي، فكان من اليسير عليه أن يأتلفهم. فلما كان على ماء بأرض جذّام يقال له السلسل، خاف فبعث إلى النبيّ ﵇ يستمدّه. فأمدّه بأبي عبيدة بن الجرّاح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر. وخاف محمد أن يختلف عمرو، وهو حديث عهد بالإسلام، مع أبي عبيدة من المهاجرين الأولين؛ فقال لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا. وقال عمرو لأبي عبيدة: إنما جئت مددا لي فأنا على قيادة الجيش. وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا هيّنا عليه أمر الدنيا، فقال لعمرو: لقد قال رسول الله: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك. وصلى عمرو بالناس، وتقدّم بالجيش فشتّت جموع أهل الشام الذين أرادوا محاربته، وأعاد بذلك هيبة المسلمين في تلك الناحية. وفي هذه الأثناء كان محمد يفكر في مكة ومالها. لكنه، كما قدّمنا، كان وفيّا بعهد الحديبية، فأقام ينتظر انقضاء السنتين. وجعل أثناء ذلك يبعث السرايا ليسكن بها ثائرة القبائل التي تحدّثها نفوسها بالثورة. على أنه كان في غير حاجة إلى كبير عناء من هذه الناحية؛ فقد بدأت الوفود ترد إليه من مختلف النواحي تعلن إليه طاعتها وإذعانها. وإنه لكذلك إذ حدث ما كان مقدّمة لفتح مكة، ولاستقرار الإسلام بها استقرارا أسبغ عليها إلى أبد الدهر أعظم التقديس.

стр. 248

الفصل الرابع والعشرون فتح مكة أثر موقعة مؤتة- نقض قريش عهد الحديبية- استعداء خزاعة النبي على قريش- سفارة أبي سفيان إلى النبي وإخفاقها- تجهيز المسلمين عشرة آلاف يسيرون إلى مكة- رجاء محمد أن يفتح أم القرى من غير إراقة الدماء- خروج العباس ومقابلته لأبي سفيان وأخذه إلى النبي بظاهر مكة- دخول المسلمين فاتحين- المكيون الذين تحرشوا بجيش خالد بن الوليد- عفو محمد عن خصومه جميعا- تطهير الكعبة من الأصنام- إسلام أهل مكة. أثر مؤتة واختلافه عاد جيش المسلمين بعد موقعة مؤتة ولواؤهم لخالد بن الوليد. عادوا لا منتصرين ولا منكسرين ولكن راضين من الغنيمة بالإياب. وقد ترك إنسحابهم بعد موت زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، أثرا مختلفا أشدّ الاختلاف عند الروم وعند المسلمين المقيمين بالمدينة وعند قريش بمكة- أمّا الروم ففرحوا بانسحاب المسلمين وحمدوا ربهم أن لم يطل القتال بهم، مع أن جيش الروم كان مائة ألف على قول ومائتي ألف على قول آخر، في حين كانت عدّة المسلمين ثلاثة آلاف. وسواء أكان فرح الروم راجعا إلى ما أبدى خالد بن الوليد من الاستماتة في الدفاع والقوة في الهجوم حتى لقد تحطّمت في يده تسعة أسياف وهو يحارب بعد موت أصحابه الثلاثة، أم كان راجعا إلى مهارته في توزيع الجيش في اليوم الثاني وإحداث ما حدث من الجلبة حتى ظنّ الروم أن مددا جاءه من المدينة، فإن القبائل العربية المتاخمة للشام نظرت إلى فعال المسلمين بإعجاب أشد الإعجاب. وكان من ذلك أن أحد زعمائهم (فروة بن عمر والجذاميّ، وكان قائدا لفرقة من جيش الروم) ما لبث أن أعلن إسلامه؛ فقبض عليه بأمر من هرقل بتهمة الخيانة. وكان هرقل على استعداد للإفراج عنه إذا هو عاد إلى المسيحية، بل كان على استعداد أن يردّه إلى مركز القيادة الّذي كان فيه. لكن فروة أبى وأصرّ على إبائه وعلى إسلامه فقتل. وكان من ذلك أيضا أن ازداد الإسلام انتشارا بين قبائل نجد المتاخمة للعراق والشام حيث كان سلطان الروم في ذروته. انتشار الإسلام في شمال شبه الجزيرة وزاد في انضمام الناس إلى الدين الجديد اضطراب أحوال الدولة البزنطية اضطرابا جعل أحد عمّال هرقل، وقد كلف أن يدفع للجيش رواتبه، يصيح في وجه عرب الشام الذين اشتركوا في الحرب: «انسحبوا. فالإمبراطور لا يجد ما يدفع منه رواتب جنده إلا بمشقة. وليس لديه لذلك ما يوزعه على كلابه» .

стр. 249

فلا عجب أن ينصرف هؤلاء عن الإمبراطور وعن جنده، وأن يزداد ضياء الدين الجديد أمامهم نورا يهداهم إلى صدق الحقيقة السامية التي يبشر الناس بها. لذلك دخل في الإسلام هذه الفترة ألوف من سليم وعلى رأسهم العباس بن مرداس، ومن أشجع وغطفان الذين كانوا حلفاء اليهود حتى نكب اليهود في خيبر، ومن عبس ومن ذبيان ومن فزارة. فكانت وقعة مؤتة بذلك سببا في استتباب الأمر للمسلمين في شمال المدينة إلى حدود الشام، وفي ازدياد الإسلام عزة وقوة ومنعة. لكن أثرها في نفوس المسلمين المقيمين بالمدينة كان غير هذا الأثر؛ فهم ما لبثوا حين رأوا خالدا والجيش معه عائدين من تخوم الشام لم ينتصروا على جيش هرقل، أن صاحوا في وجوههم: «يا فرّار، فررتم في سبيل الله» . ولقد بلغ من خجل بعض رجال الجيش أن لزم بيته، كيلا يؤذيه صبيان المسلمين وشبّانهم بتهمة الفرار. أمّا أثر مؤتة في نفس قريش فكان أنها هزيمة قضت على المسلمين وعلى سلطانهم، حتى لم يبق إنسان يأبه لهم أو يقيم لعهدهم وزنا. فلتعد الأمور كما كانت قبل عمرة القضاء. ولتعد الأمور كما كانت قبل عهد الحديبية. ولتعد قريش حربا على المسلمين ومن في عهدهم من غير أن تخشى من محمد قصاصا. نقض قريش عهد الحديبية مصلح الحديبية كان قد قضى أنه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده فليدخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عهد قريش وعهدهم فليدخل فيه. وكانت خزاعة قد دخلت في عهد محمد، ودخلت بنو بكر في عهد قريش. وكانت بين خزاعة وبني بكر ثارات قديمة سكنت بعد صلح الحديبية وانحياز كلّ من القبيلتين إلى فريق من المتصالحين. فلمّا كانت مؤتة وخيل إلى قريش أن المسلمين قضي عليهم، خيل إلى بني الدّيل من بني بكر بن عبد مناة أن الفرصة سنحت لهم ليصيبوا من خزاعة بثاراتهم القديمة، وحرّضهم على ذلك جماعة من قريش منهم عكرمة بن أبي جهل وبعض سادات قريش وأمدوهم بالسلاح. وبينما خزاعة ذات ليلة على ماء لهم يدعى الوتير إذ فاجأتهم بنو بكر فقتلوا منهم، ففرّت خزاعة إلى مكة ولجئوا إلى دار بديل بن ورقاء، وشكوا إليه نقض قريش ونقض بني بكر عهدهم مع رسول الله، وسارع عمرو بن سالم الخزاعيّ فغدا متوجها إلى المدينة حتى وقف بين يدي محمد وهو جالس في المسجد بين الناس، وجعل يقصّ ما حدث ويستنصره. قال رسول الله: «نصرت يا عمرو بن سالم» . ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا المدينة، فأخبروا النبيّ بما أصابهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم. عند ذلك رأى النبيّ أن ما قامت به قريش من نقض عهده لا مقابل له إلا فتح مكة، وأنه لذلك يجب أن يرسل إلى المسلمين في أنحاء شبه الجزيرة ليكونوا على أهبة لإجابة ندائه من غير أن يعرفوا وجهته بعد هذا النداء. مخاوف حكماء قريش أمّا حكماء قريش وذوو الرأي فيها فما لبثوا أن قدّروا ما عرّضهم له عكرمة ومن معه من الشبان من خطر. فهذا عهد الحديبية قد نقض، وهذا سلطان محمد في شبه الجزيرة يزداد بأسا وقوة. ولئن فكر بعد الذي حدث في أن ينتقم لخزاعة من أهل مكة لتتعرضنّ المدينة المقدسة لأشدّ الخطر. فماذا تراهم يصنعون؟ أوفدوا أبا سفيان إلى المدينة ليثبت العقد وليزيد في المدة. ولعل المدة كانت سنتين فكانوا يريدونها عشرا. وخرج أبو سفيان قائدهم وحكيمهم يريد المدينة فلمّا بلغ من طريقه عسفان. لقيه بديل بن ورقاء وأصحابه، فخاف أن يكون قد جاء محمدا وأخبره بما حدث، فيزيد ذلك مهمته تعقيدا. وقد نفى بديل مقابلته محمدا لكنه عرف من

стр. 250

بعر راحلته بديل أنه كان بالمدينة. لذلك آثر ألا يكون محمد أول من يلقى، فجعل وجهته بيت ابنته أمّ حبيبة زوج النبيّ. أبو سفيان بالمدينة ولعلها كانت قد عرفت عواطف النبيّ إزاء قريش وإن لم تكن تعلم ما اعتزمه في أمر مكة. ولعل ذلك كان شأن المسلمين بالمدينة جميعا. فقد أراد أبو سفيان أن يجلس على فراش النبيّ فطوته أمّ حبيبة. فلما سألها أبوها: أطوته رغبة بأبيها عن الفراش، أم رغبة بالفراش عن أبيها؟ كان جوابها: هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحبّ أن تجلس عليه. قال أبو سفيان: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر! وخرج مغضبا. ثم كلّم محمدا في العهد وإطالة مدته، فلم يردّ بشيء. فكلّم أبا بكر ليكلم له النبيّ، فأبى. فكلم عمر بن الخطاب فأغلظ له في الرد وقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله! فو الله لو لم أجد إلا الذرّ لجاهدتكم به. ودخل أبو سفيان على عليّ بن أبي طالب وعنده فاطمة، فعرض عليه ما جاء فيه واستشفعه إلى الرسول؛ فأنبأه عليّ في رفق أنه لا يستطيع أحد أن يرد محمدا عن أمر إذا هو اعتزمه. واستشفع رسول قريش فاطمة أن يجير ابنها الحسن بين الناس. فقالت: ما يجير أحد على رسول الله. واشتدّت الأمور على أبي سفيان فاستنصح عليّا؛ فقال له: والله ما أعلم شيئا يغني عنك شيئا. لكنك سيّد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك؛ وما أظن ذلك مغنيا، ولكني لا أجد لك غيره. فذهب أبو سفيان إلى المسجد وهناك أعلن أنه أجار بين الناس. ثم ركب راحلته وانطلق ذاهبا إلى مكة وقلبه يفيض أسى مما لقي من هوان على يد ابنته وعلى يد أولئك الذين كانوا قبل هجرتهم من مكة يرتجون منه نظرة عطف أو رضا. عاد أبو سفيان إلى مكة؛ فقصّ على قومه ما لقي بالمدينة وما أجار بين الناس في المسجد بمشورة عليّ، وأن محمدا لم يحز جواره. قال قومه: ويلك! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك. وعادوا فيما بينهم يتشاورون. تجهيز المسلمين لفتح مكة أما محمد فقد رأى ألا يترك لهم الفرصة حتى يتجهزوا للقائه. ولئن كان واثقا من قوته ومن نصر الله إيّاه، ولقد كان يرجو أن يبغت القوم في غرّة منهم، فلا يجدوا له دفعا، فيسلموا من غير أن تراق الدماء. لذلك أمر الناس بالتجهز. فلمّا تجهزوا أعلمهم أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجدّ، ودعا الله أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش حتى لا تقف من سيرهم على نبأ. وبينما الجيش على أهبة السير كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا أعطاه امرأة من مكة مولاة لبعض بني عبد المطلب تسمى سارة، وجعل لها جعلا على أن تبلّغه قريشا ليقفوا على ما أعد محمد لهم، وحاطب كان من كبار المسلمين، ولكن في النفس الإنسانية جوانب ضعف تطغى في بعض الأحيان عليها، وتهوي بها إلى ما لا ترضاه هي لنفسها. وما لبث محمد أن أحيط بالأمر خبرا. فسارع فبعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوّام فأدركا سارة فاستنزلاها، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا. فأنذرها عليّ إن لم تخرج الكتاب ليكشفنها. فلمّا رأت المرأة الجد منه قالت: أعرض. فحلت ذوائب شعرها فأخرجت الكتاب منها، فردّاها إلى المدينة. ودعا محمد حاطبا يسأله ما حمله على ذلك؟ قال حاطب: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله وما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس له في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. قال عمر بن الخطاب دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. قال

стр. 251

رسول الله: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وكان حاطب من أصحاب بدر. وإذ ذاك نزل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) «١» . مسيرة جيش المسلمين وتحرّك جيش المسلمين من المدينة قاصدا مكة ليفتحها، وليضع يده على البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا. تحرّك هذا الجيش في عدد لا عهد للمدينة به؛ فقد بعثت القبائل، من سليم ومزينة وغطفان وغيرها من انضم إلى المهاجرين والأنصار وسار معهم في يلب «٢» الحديد يسيلون في فسيح الصحراء، حتى كانوا إذا ضربوا خيامهم اكتست بها رمال البيداء فما يكاد يبدو منها للناظر شيء. تحركوا وأغذّ هؤلاء الألوف سيرهم، وصاروا كلما نقدموا فيه انضم إليهم من سائر القبائل من زاد عددهم وزاد منعتهم، وكلهم ممتلئ النفس بالإيمان أن لا غالب لهم من دون الله. وسار محمد على رأسهم وأكبر همه وكل تفكيره أن يدخل البيت الحرام من غير أن يهرق قطرة دم واحدة. وبلغ الجيش مرّ الظّهران «٣» وقد كملت عدّته عشرة آلاف لم يصل إلى قريش من أمرهم خبر، فهي في جدل مستمر ماذا تصنع لاتقاء عدوة محمد عليها. خروج بني هاشم إلى النبي وإسلامهم أما العباس بن عبد المطلب عم النبي فقد تركهم في جدلهم وخرج مع أهله حتى لقي محمدا بالجحفة «٤» . ولعل طائفة من بني هاشم كانت بنبأ أو شبه نبأ من خروج النبيّ، فأرادت أن تلحق به دون أن يصيبها أذى. فقد خرج سوى العباس أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم النبيّ، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عمّته، حتى اتصلا بجيش المسلمين بنيق العقاب، واستأذنا على النبيّ، فرفض أن يأذن لهما، وقال لزوجه أمّ سلمة حين كلمته في أمرهما: لا حاجة لي بهما. أما ابن عمي فقد أصابني منه سوء. وأما ابن عمتي وصهري فقد قال بمكة ما قال. وبلغ أبا سفيان هذا الكلام فقال: والله ليؤذننّ لي أو لآخذن بيد بنيّ هذا ثم لنذهبنّ في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فرقّ محمد، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما. ورأى العبّاس بن عبد المطلب من جيوش ابن أخيه ومن قوتّه ما راعه وأزعجه. وهو إن كان أسلم فإن ذلك لم يخل قلبه من خشية ما يحل بمكة إذا دهمها هذا الجيش الذي لا قبل لقوّة في بلاد العرب به. أو ليس قد ترك مكة منذ حين، وله بها من الأهل والخلّان والأصدقاء من لم يقطع الإسلام الذي دان به من وشائجهم! ولعله أفضى بمخاوفه هذه إلى الرسول وسأله؛ ماذا يصنع إذا ما طلبت قريش أمانه؟ ولعل ابن أخيه سرّ بمفاتحة العبّاس إياه في هذا، ورجا أن يتّخذ منهن سفيرا يلقي في قلوب القوم من قريش الرعب فيدخل مكة من غير أن يسفك دما، وتظلّ مكة حراما كما كانت وكما يجب أن تكون. وجلس العباس على بغلة النبيّ البيضاء وخرج عليها حتى جاء ناحية الأراك، لعله يجد حطّابا أو صاحب لبن أو أي إنسان ذاهبا إلى مكة، يحمله إلى أهلها

стр. 252

رسالة بقوّة المسلمين وبأس جيوشهم، حتى يخرجوا إلى رسول الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. وكانت قريش قد بدأت، منذ نزل المسلمون مرّ الظهران، تشعر بأن خطرا يقترب منها؛ فأرسلت أبا سفيان بن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام قريب خديجة، يتنسطون الأخبار، ويستطلعون مبلغ الخطر الذي تحس قلوبها. وإن العباس ليسير على بغلة النبيّ البيضاء إذ سمع حديثا بين أبي سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء كذلك يجري: أبو سفيان- ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا. بديل- هذه والله خزاعة حمّشتها الحرب. أبو سفيان- خزاعة أقل وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. أبو سفيان في حضرة الرسول وعرف العبّاس صوت أبي سفيان، فناداه بكنيته قائلا: أبا حنظلة! وأجاب أبو سفيان بدوره: أبا الفضل. قال العبّاس: ويحك يا أبا سفيان؟ هذا رسول الله في الناس. واصباح قريش إذا دخل مكة عنوة! قال أبو سفيان: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ فأركبه العباس في عجز البغلة ورد صاحبيه إلى مكة وسار به. والناس إذا رأوا البغلة عرفوها وتركوها تمرّ بمن عليها بين عشرة آلاف أوقدوا نيرانهم لتلقي الرعب في قلب مكة وأهلها. فلمّا مرّت بنار عمر بن الخطاب ورآها عرف أبا سفيان وأدرك أن العباس يريد أن يجيره، فأسرع إلى خيمة النبيّ وطلب إليه أن يضرب عنقه. قال العباس: إني يا رسول الله قد أجرته. إزاء هذا الموقف في تلك الساعة من الليل، وبعد مناقشة لا تخلوا من حدّة بين العباس وعمر قال محمد: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. فلما كان الصباح، وجيء بأبي سفيان في حضرة النبيّ وبمسمع من كبراء المهاجرين والأنصار، جرى الحوار الآتي: النبيّ- ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟! أبو سفيان- بأبي أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد. النبيّ- ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟! أبو سفيان- بأبي وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أمّا والله هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا. فتدخل العباس موجها القول إلى أبي سفيان أن يسلم ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقه. ولم يجد أبو سفيان أمام هذا إلا أن يسلم. فتوجّه العبّاس بالقول إلى النبيّ ﵇: يا رسول الله؛ إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا. قال رسول الله: «نعم! من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» . هذه الوقائع وارد عليها اتفاق المؤرخين وكتاب السيرة جميعا إلا أن بعضهم يسائل: أهي قد حدثت كلها بمحض المصادفة؟ فخروج العباس إلى النبيّ كان قصده منه أن يذهب إلى المدينة فإذا هو يلقي جيوش المسلمين بالجحفة، وخروج بديل بن ورقاء مع أبي سفيان بن حرب كان لمحض الاستطلاع، مع أن بديلا ذهب قبل ذلك إلى المدينة وقصّ على النبيّ ما لقيت خزاعة وعرف من النبيّ أنه ناصرها، وخروج أبي سفيان كان جهلا منه بأن محمدا قد سار لغزو مكة! أم أن شيئا من الاتّفاق، قليلا أو كثيرا، كان قد حدث قبل ذلك، وأن هذا

стр. 253

الاتفاق هو الذي أخرج العباس للقاء محمد، وأن هذا الاتفاق هو الذي جمع بين العباس وأبي سفيان، وأن أبا سفيان كان قد وثق، منذ ذهب إلى المدينة ليمدّ في عهد الحديبية ورجع صفر اليدين، بأن لا سبيل لقريش إلى ردّ محمد، وأيقن أنه إذا مهد للفتح السبيل فستبقى له رياسته في مكة ومقامه الكبير فيها، وأن الذي ربما كان وقع عليه الاتفاق من ذلك لم يتعدّ محمدا والأشخاص الذين يعنيهم الأمر، بدليل ما همّ به عمر من قتل أبي سفيان؟ من المغامرة أن نحكم. لكنا نستطيع أن نقرر- مطمنة نفوسنا- أنه سواء أكانت المصادفة هي التي ساقت ذلك كله أم أن شيئا من الاتفاق قد وقع عليه، فالحالان تدلّان على دقة محمد ومهارته في كسب أكبر موقعة في تاريخ الإسلام من غير حرب ومن غير إراقة دماء. عدة محمد لدخول مكة لم يمنع إسلام أبي سفيان محمدا أن يتخذ لدخول مكة كل ما لديه من أهبة وحذر. وإذا كان النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، فإن الله لا يؤتي النصر إلا من أعدّ له كل عدّته، واحتاط لكل دقيقة وجليلة قد تقف في سبيله. لذلك أمر أن يحبس أبو سفيان بمضيق الوادي عند مدخل الجبل إلى مكة، حتى تمرّ به جنود المسلمين فيراها ليحدث قومه بها عن بينة، ولكي لا يكون في إسراعه إليهم خيفة مقاومة أيّا كان نوعها. ومرّت القبائل بأبي سفيان، فما راعه منها إلا الكتيبة الخضراء يحيط بمحمد فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد. فلما عرف أبو سفيان أمرهم قال: يا عباس! ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة. والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! ثم انطلق إلى قومه يصيح فيهم بأعلى صوته: يا معشر قريش! هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. وسار محمد في الجيش، حتى إذا انتهى إلى ذي طوى، ورأى من هناك مكة لا تقاوم استوقف كتائبه، ووقف على راحلته، وانحنى لله شاكرا، أن فتح الله عليه مهبط الوحي ومقرّ البيت الحرام ليدخله والمسلمين آمنين مطمئنين. وفيما هو كذلك طلب أبو قحافة، ولم يكن قد أسلم كابنه، إلى حفيدة له أن تظهر به على أبي قبيس، وكان قد كفّ بصره. فلما ارتفعت به الجبل سألها ما ترى؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك الخيل. ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: تلك الخيل دفعت إلى مكة، فأسرعي بي إلى بيتي. ولم يصل إلى بيته حتى كانت الخيل قد زحفت وتلقّته قبل بلوغه إيّاه ... شكر محمد الله أن فتح عليه مكة، ولكنه ظلّ مع ذلك متّخذا حذره؛ فقد أمر أن يفرق الجيش أربع فرق، وأمرها جميعا ألّا تقاتل وألا تسفك دما إلا إذا أكرهت على ذلك إكراها واضطرّت إليه اضطرارا. وجعل الزّبير بن العوّام على الجناح الأيسر من الجيش وأمره أن يدخل مكة من شمالها، وجعل خالد بن الوليد على الجناح الأيمن وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وجعل سعد بن عبادة على أهل المدينة ليدخلوا مكة من جانبها الغربيّ. أما أبو عبيدة بن الجرّاح فجعله محمد على المهاجرين، وسار وإيّاهم ليدخلوا مكة من أعلاها في حذاء جبل هند، وفيما هم يتأهبون سمع بعضهم سعد بن عبادة يقول: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة ... » . وفي ذلك من نقض أمر النبي ألّا يقتل المسلمون من أهل مكة ما فيه. لذلك رأى النبيّ حين بلغه ما قال سعد أن يأخذ الراية منه وأن يدفعها إلى ابنه قيس، وكان رجلا ضخما، لكنه كان أهدأ من أبيه أعصابا. دخلت الجيوش مكة فلم يلق منها مقاومة إلا جيش خالد بن الوليد، فقد كان يقيم في هذا الحيّ من

стр. 254

أسفل مكة أشدّ قريش عداوة لمحمد، ومن اشتركوا مع بني بكر في نقض الحديبية بالغارة على خزاعة. هؤلاء لم يرضهم ما نادى به أبو سفيان. بل أعدّوا عدّتهم للقتال، وأعدّ آخرون منهم عدتهم للفرار. وقام على رأسهم صفوان وسهيل وعكرمة بن أبي جهل. فلمّا دخلت فرقة خالد أمطروها نبالهم، لكن خالدا لم يلبث أن فرّقهم، ولم يقتل من رجاله إلا اثنان ضلّا طريقهما وانفصلا عنه. أمّا قريش ففقدوا ثلاثة عشر رجلا في رواية، وثمانية وعشرين في رواية أخرى. ولم يلبث صفوان وسهيل وعكرمة حين رأوا الدائرة تدور عليهم أن ولّوا الأدبار. تاركين وراءهم من حرّضوهم، على المقاومة يصلون بأس خالد وبطش أبطاله معه. وبينما كان محمد على رأس المهاجرين يرقى في مرتفع ينزل منه إلى مكة مطمئن النفس لفتحها في سكينة وسلم بصر بأمّ القرى وبما فيها جميعا، وبصر بتلماع السيوف أسفل المدينة وبمطاردة جيش خالد لمن هاجموهم. هنالك أسف وصاح مغضبا يذكر أمره ألا يكون قتال. فلمّا علم بما كان، ذكر أن الخيرة فيما اختاره الله. ونزل النبيّ بأعلى مكة قبالة جبل هند، وهنالك ضربت له قبّة على مقربة من قبري أبي طالب وخديجة. وسئل: هل يريد أن يستريح في بيته؟ فأجاب: كلا! فما تركوا لي بمكة بيتا. ودخل إلى القبّة يستريح وقلبه مفعم بشكر الله أن عاد عزيزا منتصرا إلى البلد الذي آذاه وعذّبه وأخرجه من بين أهله ودياره، وأجال بصره في الوادي وفي الجبال المحيطة به، في هذه الجبال التي كان يأوي إلى شعابها حين يشتد به أذى قريش وتشتدّ به قطيعتها، في هذه الجبال، ومن بينها حراء حيث كان يتحنّث حين نزل عليه الوحي أن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) «١» . أجال بصره في هذا الجبال وفي الوادي مبعثرة منازل مكة فيه يتوسّطها البيت الحرام، فبلغ من خضوعه لله أن ترقرقت في عينه دمعة إسلام وشكر للحق لا حقّ إلا هو، إليه يرجع الأمر كله. وشعر ساعتئذ أن مهمّة القائد قد انتهت، فلم يقم بالقبّة طويلا بل خرج وامتطى ناقته القصواء وسار بها حتى بلغ الكعبة، فطاف بالبيت سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن «٢» . في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة ففتح الكعبة، فوقف محمد على بابها وتكاثر الناس في المسجد، فخطبهم وتلا عليهم قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) «٣» . ثم سألهم: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: «خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم!» . قال: «فاذهبوا فأنتم الطلقاء» . وبهذه الكلمة صدر العفو العام عن قريش وعن أهل مكة جميعا. العفو العام ما أجمل العفو عند المقدرة! ما أعظم هذه النفس التي سمت كل السمّو، فارتفعت فوق الحقد وفوق الانتقام، وأنكرت كل عاطفة دنيا، وبلغت من النبل فوق ما يبلغ الإنسان! هؤلاء قريش يعرف محمد منهم من ائتمروا به ليقتلوه، ومن عذّبوه وأصحابه من قبل ذلك. ومن قاتلوه في بدر وفي أحد، ومن حصروه في غزوة الخندق، ومن ألّبوا عليه العرب جميعا، ومن لو استطاعوا قتله وتمزيقه إربا إربا لما ونوا في ذلك لحظة! هؤلاء قريش في قبضة محمد وتحت قدميه، أمره نافذ في رقابهم، وحياتهم جميعا معلّقة بين شفتيه، وفي سلطانه هذه الألوف المدجّجة بالسلاح تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في رجع البصر! لكن محمدا! لكن النبي! لكن رسول الله ليس بالرجل الذي يعرف العداوة أو يريد بها أن تقوم بين الناس. وليس هو بالجبّار ولا بالمتكبر.

стр. 255

لقد أمكنه الله من عدوّه، فقدر فعفا، فضرب بذلك للعالم كله ولأجياله جميعا مثلا في البرّ والوفاء بالعهد، وفي سموّ النفس سموا لا يبلغه أحد. الصور في الكعبة ودخل محمد الكعبة فرأى جدرانها صوّرت عليها الملائكة والنبيون، ورأى إبراهيم مصوّرا في يده الأزلام «١» يستقسم بها، ورأى بها تمثال حمامة من عيدان فكسرها بيده وألقاها إلى الأرض، أمّا صورة إبراهيم فنظر محمد إليها مليّا وقال: قاتلهم الله! جعلوا شيخا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام! ما كان إبراهيم يهوديّا ولا نصرانيّا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. أمّا الملائكة الذين صوّروا نساء ذات جمال، فقد أنكر محمد صورهم أن ليست الملائكة ذكورا ولا إناثا. ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. وكانت حول الكعبة الأصنام التي كانت تعبدها قريش من دون الله، قد شدّت إلى جدرها بالرصاص، كما كان هبل في داخل الكعبة؛ فجعل محمد يشير إلى هذه الأصنام جميعا بقضيب في يده وهو يقول: (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) «٢» . تطهير الكعبة من الأصنام وكبّت الأصنام على وجوهها وظهورها، وطهر البيت الحرام بذلك منها. وأتمّ محمد بذلك في أوّل يوم لفتح مكة ما دعا إليه منذ عشرين سنة، وما حاربته مكة أشدّ الحرب فيه. أتمّ تحطيم الأصنام والقضاء على الوثنية في البيت الحرام بمشهد من قريش، ترى أصنامها التي كانت تعبد ويعبد آباؤها، لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرّا. مخاوف الأنصار وتبديدها ورأى الأنصار من أهل المدينة ذلك كله، ورأوا محمدا يقوم على الصفا ويدعو، فخيل إليهم أنه تارك المدينة إلى وطنه الأول وقد فتحه الله عليه، وقال بعضهم لبعض: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ ولعلهم كانوا على حق في مخاوفهم. فهذا رسول الله: وبمكة البيت الحرام بيت الله، وبمكة المسجد الحرام. لكن محمدا ما لبث حين أتم دعاءه أن سألهم ما قالوا؟ فلما عرف بعد تردّد منهم مخافتهم قال: «معاذ الله، المحيا محياكم والممات مماتكم» . فضرب بذلك للناس مثلا في البرّ بعهده في بيعة العقبة، وفي الوفاء لأنصاره الذين وقفوا ساعة الشدة إلى جانبه برّا ووفاء لا ينسيهما وطن ولا أهل ولا تنسيهما مكة البلد الحرام. ولمّا أن طهّرت الكعبة من أصنامهما، أمر النبيّ بلالا فأذّن فوقها، وصلى الناس بإمامة محمد. ومن يومئذ إلى يومنا الحاضر، مدى أربعة عشر قرنا مضت لا تنقطع، وبلال وخلفاء بلال من بعده ينادون بالأذان، كلّ يوم خمس مرات من فوق مسجد مكة. ومدى أربعة عشر قرن مضت من يومئذ يؤدّي المسلمون فرض

стр. 256

الصلاة لله والصلاة على رسوله، متوجهين إلى الله بقلوبهم وعقولهم، مستقبلين هذا البيت الحرام الذي طهّره محمد يوم الفتح من أوثانه وأصنامه. وأذعنت قريش لما حلّ بها، واطمأنت لعفو محمد عنها، وأقامت تنظر إليه وإلى المسلمين من حوله بعيون كلها دهش وإعجاب يمازجها الخوف والحذر. لكن طائفة منها عدّتها سبعة عشر رجلا، كان محمد قد استثناها من رحمته وأمر ساعة دخول مكة أن يقتل رجالها ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، كان قد آثر بعضها الاختفاء ولاذ بعضها بالفرار. ولم يكن قرار محمد قتلهم لحقد منه أو غضب عليهم؛ فهو لم يكن يعرف الحقد، ولكن لجرائم كبيرة ارتكبوها. فأحدهم عبد الله بن أبي السرّح كان قد أسلم وكان يكتب لمحمد الوحي، فارتدّ مشركا إلى قريش زاعما أنه كان يزيف الوحي حين يكتبه. وعبد الله بن خطل كان قد أسلم ثم قتل مولى له وارتد مشركا وأمر جاريتيه فرتنى وصاحبتها فكانتا تغنيان بهجاء محمد، فأمر بقتلهما معه. وعكرمة بن أبي جهل وكان من أشدّ الناس لددا في خصومة محمد والمسلمين خصومة لم تهدأ حتى بعد فتح مكة ودخول خالد بن الوليد من أسفلها. العفو عمن أمر النبي بقتلهم أمر محمد بعد دخول مكة ألا يسفك بها دم أو يقتل فيها أحد غير هذه الطائفة. لذلك اختفى رجالها ونساؤها وفرّ منهم من فرّ. فلمّا استقر الأمر وهدأت الحال ورأى الناس من فسحة صدر الرسول ومن عفوه الشامل ما رأوا، طمع بعض أصحابه في أن يعفو حتى عن هؤلاء الذين أمر أن يقتلوا. فقام عثمان بن عفّان، وكان أخا ابن أبي السّرح للرضاعة، حتى أتى به النبيّ فاستأمن له. فصمت محمد طويلا، ثم قال: نعم، وأمّته. وأسلمت أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام زوج عكرمة بن أبي جهل الذي فرّ إلى اليمن واستأمنت له محمدا فأمّنه، فخرجت في طلبه وجاءت به. وعفا محمد كذلك عن صفوان بن أميّة وكان قد صحب عكرمة في فراره إلى ناحية البحر يستقلّانه إلى اليمن، فجيء بهما والسفينة التي تحملهما على أهبة إقلاعها. وعفا محمد كذلك عن هند زوج أبي سفيان التي مضغت كبد حمزة عم الرسول بعد استشهاده في أحد، كما عفا عن أكثر من أمر بقتلهم. ولم يقتل منهم إلا أربعة، منهم الحويرث الذي أغرى بزينب بنت النبيّ حين رجوعها من مكة إلى المدينة، ورجلان أسلما ثم ارتكبا بالمدينة جريمة القتل وفرّا راجعين إلى مكة مرتدّين إلى الشرك، وإحدى قينتي ابن خطل اللتين كانتا تؤذيان النبيّ بغنائهما، وفرّت الآخرى، ثم استؤمن لها. تحريم مكة على الناس جميعا وفي غداة يوم الفتح عثرت خزاعة على رجل من هذيل وهو مشرك فقتلوه فغضب النبيّ وقام في الناس خطيبا فقال: «أيها الناس، إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام من حرام من حرام إلى يوم القيامة لا يحلّ لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد «١» . فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحلّ لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلّا هذه الساعة غضبا على أهلها، ثم رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب. فمن قال لكم إنّ رسول الله قد قاتل فيها فقولوا إن الله قد أحلّها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة. ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع. لقد قتلتم قتيلا لأدينّه. فمن قتل بعد مقالي هذا فأهله بخير النّظرين: إن شاؤا فدم قاتله، وإن شاؤا فعقله» «٢» . ثم ودى بعد ذلك الرجل الذي قتلت خزاعة، وبهذا الخطاب وبتصرفه الذي زاد على السماحة والعفو أمس، كسب محمد قلوب أهل

стр. 257

مكة بما لم يكونوا يقدّرون، فأقبلوا على الإسلام، ونادى مناد فيهم: «من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يترك في داره صنما إلا حطمه» . ثم بعث جماعة من خزاعة ليصلحوا من العمد المحيطة بالبلد الحرام، مما دلّ أهل مكة على مالها في نفسه من التقديس وما زادهم له حبّا. فلما أخبرهم أنهم خير أمّة يحبّ، وأنه ما كان ليتركهم أو يعدل بهم ناسا لولا أنهم أخرجوه، بلغ تعلقهم به غاية حدوده. وجاء أبو بكر بأبيه، الذي ارتقى أبا قبيس يوم الزحف، يقوده حتى وقف بين يدي النبيّ. فلما رآه محمد قال: هلّا تركت الشيخ بمكانه حتى أكون أنا آتيه فيه! قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت. فأجلس النبيّ الشيخ بين يديه ومسح صدره ثم قال له: أسلم. فأسلم وحسن إسلامه. وكذلك أسرت أخلاق النبوّة السامية هذا الشعب الذي كان ثائرا على محمد أشدّ الثورة، والذي أصبح اليوم يجلّه ويقدّسه. وكذلك أسلمت قريش رجالا ونساء وبايعت. وأقام محمد بمكة خمسة عشر يوما ينظّم خلالها شئون مكة ويفقه أهلها في الدين. وفي هذه الأثناء بعث السرايا للدعوة إلى الإسلام لا للقتال، ولتحطيم الأصنام من غير سفك للدماء. وكان خالد بن الوليد قد خرج إلى نخلة ليهدم العزّى- وكانت لبني شيبان- فلما هدمها خرج إلى جذيمة، فلمّا رآه القوم أخذوا السلاح؛ فطلب إليهم خالد أن يضعوه فإن الناس قد أسلموا. قال رجل من جذيمة لقومه: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد. والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق. قال له قومه: أتريد أن تسفك دماءنا! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس وما زالوا به حتى وضع سلاحه. عند ذلك أمر بهم خالد فغلوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. فلمّا انتهى الخبر إلى النبيّ رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» . ثم بعث إليهم عليّ بن أبي طالب وقال له: اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهليّة تحت قدميك. وخرج عليّ ومعه مال أعطاه النبيّ إياه. فلمّا بلغ القوم دفع الدية عن الدماء وعما أصيب من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه، أعطاهم بقية المال الذي بعث به رسول الله احتياطا لرسول الله مما لا يعلم. وفي الأسبوعين اللذين أقام محمد بمكة عفّى على كل آثار الوثنيّة فيها. ولم ينتقل إلى الإسلام من مناصب البيت الحرام إلا سدانة الكعبة، أقرّها النبيّ في عثمان بن طلحة وأبنائه من بعده حتى يرث الله الأرض ومن عليها لا يأخذها منهم إلا ظالم، وسقاية الحاج من زمزم جعلها لعمه العبّاس. وكذلك آمنت أمّ القرى ورفعت منار التوحيد ولواءه وأضاءت العالم خلال الأجيال والقرون بنوره الوضّاء.

стр. 258

الفصل الخامس والعشرون حنين والطائف تالب هوازن وثقيف بإمرة مالك بن عوف- تحصينهم بمضيق وادي حنين- خروج المسلمين إلى حنين تعجبهم كثرتهم- دخول المسلمين من مضيق الوادي في عماية الصبح- ضرب هوازن وثقيف إياهم من المرتفعات وارتدادهم منهزمين- ثبات محمد إلى الموت- صياح العباس بالمسلمين كي يعودوا- عودهم إلى رسول الله ومقاتلتهم وانتصارهم- الفيء- المسير إلى الطائف- حصارها وعدم إمكان اقتحامها- تحريق نخيلها- استرحامها النبي- رجوعه عن الحصار- إسلام هوازن- حديث الشيماء- العود إلى الجعرانة وقسمة الفيء- العمرة- العودة إلى المدينة. مسيرة مالك بن عوف لقتال المسلمين أقام المسلمون بمكة بعد فتحهم إيّاها فرحين بنصر الله إياهم، مغتبطين أن لم يسفك في هذا النصر العظيم إلا الدم القليل، مسارعين إلى البيت الحرام كلما أذّن بلال بالصلاة، متدافعين حول رسول الله حيث أقام وحيث ذهب. يغشى المهاجرون منهم دورهم ويتّصلون بأهليهم الذي هدى الله بعد الفتح، ونفوسهم جميعا مطمئنة إلى أن الأمر قد استقرّ للإسلام، وأن الجانب الأكبر من الجهاد قد كلل بالفوز والظفر. وإنهم لكذلك بعد خمسة عشر يوما من مقامهم بأمّ القرى إذ ترامت إليهم أنباء أيقظت استنامتهم للغبطة! تلك أن هوازن كانت تقيم على مقربة من مكة إلى جنوبها الشرقي في جبال هناك، فلمّا علمت بما تمّ للمسلمين من فتح مكة ومن تحطيم أصنامها. خشيت أن تدور عليها الدائرة وأن يقتحم المسلمون عليها منازلها، ففكرت فيما تصنع لاتقاء هذه الكارثة الوشيكة الوقوع ولصدّ محمد والكفّ من غلواء المسلمين الذين يعملون للقضاء على استقلال قبائل شبه الجزيرة وعلى ضمها كلها في وحدة يظلها الإسلام، لذلك جمع مالك بن عوف النّصري هوازن وثقيفا، كما اجتمعت نصر وجشم، ولم يتخلف عن الاجتماع من هوازن إلا كعب وكلاب. وكان في جشم دريد بن الصّمّة. وكان يومئذ شيخا كبيرا لا نفع منه في الحرب، ولكنما كان الانتفاع برأيه بعد الذي عركه على السنين في وقائعها. اجتمعت هذه القبائل كلها ومعها أموالها ونساؤها وأبناؤها، وتمّ جمعها حين نزلت سهل أوطاس. فلما سمع دريد رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء، سأل مالك بن عوف: لم ساق مع المحاربين أموالهم ونساءهم وصغارهم؟ فلما أجابه مالك بأنه إنما أراد أن يشجع بها المحاربين، قال دريد: وهل يردّ المنهزم شيء! إنها إن كانت لك لم ينفعك لا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. واختلف هو ومالك. وتبع الناس مالكا، وكان شابّا في الثلاثين من عمره قويّ الإرادة ماضي العزيمة، وتابعهم دريد ما يردّ لهم، على رغم سابقته في الحرب، رأيا. وأمر مالك الناس

стр. 259

أن ينحازوا إلى قمم حنين وعند مضيق الوادي؛ فإذا نزل المسلمون وادية فليشدّوا عليهم شدّة رجل واحد تضعضع صفوفهم، فيختلط حابلهم بابلهم ويضرب بعضهم بعضا، وتدور عليهم الهزيمة، ويزول أثر انتصارهم حين فتحوا مكة، ويبقى لقبائل حنين في بلاد العرب جميعا فخار النصر على هذه القوّة التي تريد أن تظلّ بسلطانها بلاد العرب جميعا. وامتثلت القبائل أمر مالك وتحصّنت بمضيق الوادي. مسيرة المسلمين إلى حنين أمّا المسلمون فبادروا بعد أسبوعين من مقامهم بمكة وعلى رأسهم محمد في عدّة وعديد لم يكن لهم من قبل بها عهد قط. ساروا في اثني عشر ألفا من المقاتلين، منهم عشرة آلاف هم الذين غزوا مكة وفتحوها، وألفان ممن أسلم من قريش، وبينهم أبو سفيان بن حرب، وكلهم تلمع دروعهم، وفي مقدّمتهم الفرسان والإبل تحمل الميرة والذخيرة. سار المسلمون في هذا الجيش الذي لم تعرف بلاد العرب من قبل مثاله، يتقدّم كلّ قبيلة علمها وتمتلئ النفوس كلها إعجابا بهذه الكثرة، وبأن لا غالب اليوم لها؛ حتى لقد تحدّث بعضهم بذلك إلى بعض وجعلوا يقولون: لن تغلب اليوم لكثرتنا. وبلغوا حنينا والمساء يقبل، فنزلوا على أبواب واديها وأقاموا بها حتى بكرة الفجر. هنالك تحرّك الجيش، وركب محمد بغلته البيضاء في مؤخّرته، على حين سار خالد بن الوليد على رأس بني سليم في المقدّمة، وانحدروا من مضيق حنين في واد من أودية تهامة. وإنهم لكذلك منحطّون إلى الوادي إذ شدّت عليهم القبائل بإمرة مالك بن عوف شدّة رجل واحد وأصلوهم وابلا من النبال وهم جميعا ما يزالون في عماية الفجر. إذ ذاك اختلط أمر المسلمين واضطرب، وعادوا منهزمين قد أخذ الخوف والفزع منهم كل مأخذ، حتى أطلق بعضهم ساقية للريح، وحتى قال أبو سفيان بن حرب وعلى شفته ابتسامة المغتبط لفشل أولئك الذين انتصروا بالأمس على قريش: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة: اليوم أدرك ثأري من محمد، وكان أبوه قد قتل في غزوة أحد. وقال كلدة بن حنبل: ألا بطل السحر اليوم! فردّ عليه أخوه صفوان: اسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربّني «١» رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن. تقع هذه الأحاديث والجيش يختلط حابله بنابله والنبيّ في المؤخرّة تمرّ عليه القبائل واحدة بعد الآخرى مهزومة لا تلوي على شيء. ثبات محمد وقوة عزيمته ماذا تراه يصنع؟ أفتضيع تضحيات عشرين سنة في هذه اللحظة من عماية الصبح؟ أفتنحى عنه ربّه وتخلى عنه نصر الله إياه؟! كلا! كلا! لن يكون هذا! دون هذا تبيد أمم وتفنى أقوام! ودون هذا الموت يدخل محمد في غماره لعل في الموت لدين الله نصرا. وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، وثبت محمد مكانه، وأحاط به جماعة من المهاجرين والأنصار ومعه أهل بيته، وجعل ينادي في الناس إذ يمرون به منهزمين: أين أيها الناس! أين! لكن الناس كانوا فيما هم فيه من هول الفزع لا يسمعون إلى شيء ولا يدور بتصوّرهم إلا هوازن وثقيف منحدرتين من معتصمهما بالقمم تطاردانهم حتى تأتيا عليهم. ولم يخطئ تصورّهم؛ فقد انحدرت هوازن من مكانها يتقدّمها رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه، وهوازن وثقيف وأنصارهما منحدرون من ورائه يطعنون. وثارت بمحمد حميّته، فأراد أن يندفع ببغلته البيضاء في صدر هذا السيل الدافع من رجال العدوّ، وليكن بعد ذلك أمر الله. لكنّ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أمسك بخطام بغلته وحال دون تقدّمها.

стр. 260

نداء العباس في الناس وكان العبّاس بن عبد المطلب رجلا جسيما جهوري الصوت قويّه، فنادى بما أسمع الناس جميعا من كل فجّ: يا معشر الأنصار الذين آووا ونصروا يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة! إن محمدا حيّ فهلمّوا! وكرر العباس النداء حتى تجاوبت في كل جنبات الوادي أصداؤه. وهنا كانت المعجزة: سمع أصحاب العقبة اسم العقبة فذكروا محمدا وذكروا عهودهم وشرفهم. وسمع المهاجرون اسم محمد فذكروا تضحياتهم وذكروا شرفهم. وسمع هؤلاء وأولئك بسكينة محمد وثباته في نفر قليل من المهاجرين والأنصار، كثباته يوم أحد، في وجه هذا العدوّ الزاحف، صوّرت لهم نفوسهم ما قد ينشأ عن خذلانهم إياه من تغلّب المشركين على دين الله. وكان نداء العباس أثناء ذلك ما يزال يدوّي في آذانهم وتهتزّ لأصدائه أوتار قلوبهم. هنالك تصايحوا من كل صوب: لبّيك لبّيك! وارتدّوا إلى المعركة مستبسلين. رجوع المسلمين واستماتتهم وبدأت الطمأنينة تعاود محمدا حين رآهم يعودون؛ فقد انحدرت هوازن من مكامنها وأصبحت وجها لوجه مع المسلمين في الوادي. وقد أضاء النهار وطغى النور على عماية الفجر. واجتمع حول رسول الله بضع مئات استقبلوا القبائل وصبروا لهم، وقد أخذ يزداد عددهم وتشتدّ بعودتهم عزائم من خارت من قبل عزائمهم وجعل الأنصار يتصايحون يا للأنصار! ثم تنادوا: يا للخزرج ومحمد ينظر إلى تناحر القوم؛ حتى إذا رأى الصّدام اشتدّ ورأى رجاله تسمو نفوسهم ويطيحون بخصومهم، نادى: الآن حمي الوطيس، إن الله لا يخلف رسوله وعده. ثم طلب إلى العباس فناوله حفنة من الحصى ألقى بها في وجوه العدو: قائلا: شاهت الوجوه. واندفع المسلمون إلى المعركة مستهينين بالموت في سبيل الله، مؤمنين بأن النصر لا محالة آت، وأن من استشهد منهم فله من النصر أكبر من نصيب من بقي. وكان البلاء شديدا؛ حتى ان هوازن وثقيفا ومن معهم ما لبثوا، حين رأوا كل مقاومة غير مجدية وأنهم معرضون للفناء عن آخرهم؛ أنّ فروا منهزمين لا يلوون على شيء، تاركين وراءهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين الذين أحصوها يومئذ اثنين وعشرين ألفا من الإبل وأربعين ألفا من الشاة وأربعة آلاف أوقية من الفضة. أما الأسرى وعددهم ستة آلاف فقد نقلوا محروسين إلى وادي الجعرانة حيث أووا إلى أن يعود المسلمون من مطاردة عدوّهم ومن حصار ثقيف بالطائف. تعقب المسلمين عدوهم وتابع المسلمون مطاردتهم لعدوهم. وزادهم إغراء بهذه المطاردة أن أعلن الرسول أن من قتل مشركا فله سلبه. وأدرك ابن الدّغنّة جملا عليه شجار «١» ظن به امرأة طمع في سلبها، فأناخ الجمل فإذا شيخ كبير لا يعرفه الفتى هو دريد ابن الصمّة. وسأل ربيعة: ما يريد به؟ قال: أقتلك، وأهوى عليه بسيفه فلم يغن شيئا. قال دريد: «بئس ما سلّحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخّر الرحل. ثم اضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك كنت أضرب به الرجال. ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك» . ولمّا رجع ربيعة إلى أمه وأخبرها خبره قالت له: «حرق الله يدك، فإنما قال ذلك ليذكرنا نعمه عليك. فو الله لقد أعتق لك ثلاث أمهات في غداة: أنا وأمي وأمّ أبيك» وتبع المسلمون هوازن حتى بلغوا أوطاسا، وهناك أوقعوا بهم وهزموهم شرّ هزيمة، وسبوا من احتملوا من النساء والأموال وعادوا بهم إلى محمد. أما مالك بن عوف النصري فقد ثبت هنيهة ثم فرّ وقومه مع هوازن حتى افترق عنهم عند

стр. 261

نخلة، ثم ولى وجهه نحو الطائف فاحتمى بها. هزيمة المشركين تامة وكذلك كان نصر المؤمنين مؤزّرا، وكانت هزيمة المشركين تامّة بعد ذلك الفزع الذي أصاب المسلمين في عماية الصبح، وحين شدّ المشركون عليهم شدّة رجل واحد ضعضعت صفوفهم وخلطت حابلهم بنابلهم. كان نصر المسلمين مؤزّرا بفضل ثبات محمد والفئة القليلة التي أحاطت به. وفي ذلك نزل قوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) «١» . على أن المسلمين لم يحرزوا هذا النصر المؤزّر رخيصا، بل دفعوا ثمنا غاليا لعلهم لم يكونوا يدفعونه لولا تخاذلهم الأوّل وتدافعهم مهزومين، ليقول فيهم أبو سفيان: إنهم لا يردّهم إلا البحر. دفعوا الثمن غاليا من مهج الرجال وأرواح الأبطال الذين استشهدوا في الموقعة. ولئن لم تحص كتب السيرة كلّ القتلى، لقد ذكرت أن قبيلتين من المسلمين فنيتا أو كادتا، وأن النبيّ صلى على أرواحهم رجاء أن يدخلهم الله الجنة. لكنه كان النصر على كل حال: النصر التّامّ تغلّب فيه المسلمون. على خصومهم وغنموا منهم وأسروا ما لم يغنموا ولم يأسروا من قبل. والنصر هو كل شيء في النضال أيّا كان الثمن الذي يدفع فيه ما دام نصرا شريا. لذلك اغتبط المسلمون بما جزاهم الله، وظلّوا يرتقبون قسمة الفيء والعود بالغنيمة. لكن محمدا كان يريده نصرا أكثر روعة وأعظم جلالا. وإذا كان مالك بن عوف هو الذي قاد هذه الجموع، ثم احتمى بعد هزيمتها مع ثقيف بالطائف، فليحاصر المسلمون الطائف وليضيقوا عليها الحصار. وتلك كانت خطّة محمد في خيبر بعد أحد، وفي قريظة بعد الخندق. ولعله ادّكر في موقفه هذا يوم ذهب إلى الطائف لسنوات قبل الهجرة يدعو أهلها إلى الإسلام، فسخروا منه وقذفه صبيانهم بالأحجار، حتى اضطرّ إلى الاحتماء من أذاهم بحائط «٢» فيه كرم. ولعله ادّكر كيف ذهب يومئذ منفردا ضعيفا، لا حول له ولا قوّة إلا حول الله وقوّته، وإلا هذا الإيمان العظيم الذي ملأ صدره والذي يدكّ الجبال. وها هو ذا الآن يذهب إلى الطائف في جمع من المسلمين لم تشهد جزيرة العرب في ماضي تاريخها جمعا مثله. حصار الطائف أمر محمد أصحابه إذا أن يسيروا إلى الطائف ليحاصروا بها ثقيفا وعلى رأسها مالك بن عوف. وكانت الطائف مدينة محصنّة لها أبواب تغلق عليها كأكثر مدن العرب في ذلك العصر. وكان أهلها ذوي دراية بحرب الحصار، وذوي ثروة طائلة جعلت حصونهم من امنع الحصون. وقد سار المسلمون إليها فمرّوا في مسيرتهم بليّة حيث يقوم حصن خاص لمالك بن عوف فهدموه، كما خرّبوا أثناء مسيرتهم كذلك حائطا لرجل من ثقيف. وبلغ المسلمون الطائف، فأمر النبيّ عسكره فنزل على مقربة منها، وجمع أصحابه ليفكروا فيما يصنعون. لكن ثقيفا ما لبثت حين رأتهم من أعلى حصونها أن نالتهم بالنبل وقتلت جماعة منهم. ولم يكن من اليسير أن يقتحم

стр. 262

المسلمون هذه الحصون المنيعة إلا أن يلجأوا إلى وسائل غير التي ألفوا حتى اليوم حين حاصروا قريظة وخيبر. أتراهم إن هم اكتفوا بالحصار يصلوا إلى تجويع ثقيف تجويعا يحملها على التسليم؟ وإذا هم أرادوا مهاجمتها فما عسى أن تكون هذه الوسائل الجديدة التي يهاجمونها بها؟ هذه أمور تحتاج إلى التفكير وإلى الوقت. فلينسحب العسكر إذا بعيدا عن مرمى النبل لكي لا يصيبه فيقتل رجال من المسلمين، ثم ليفكر محمد فيما عسى أن يصنع. وأمر ﵇ فنقل العسكر بعيدا عن مرمى النبل في مكان أقيم به مسجد الطائف بعد أن سلّمت الطائف وأسلمت. ولم يكن من ذلك بدّ وقد قتلت نبال ثقيف ثمانية عشر من المسلمين، وجرح كثيرون، بينهم أحد أبناء أبي بكر. وفي جانب من هذا المكان البعيد عن مرمى النبال ضربت خيمتان من جلد أحمر لزوجتي النبيّ أمّ سلمة وزينب، وكانتا تسيران معه في كل هذه الوقائع منذ ترك المدينة. وبين هاتين الخيمتين كان محمد يقيم الصلاة. ولعل مسجد الطائف إنما أقيم في هذا المكان. رمي الطائف بالمنجنيق وأقام المسلمون ينتظرون ما الله صانع بهم وبعدوّهم. قال أحد الأعراب للنبيّ: إنما ثقيف في حصنها كالثعلب في جحره، لا سبيل إلى إخراجه منه إلا بطول المكث، فإن تركته لم يلحقك منه ضرّ. لكنّما شق على محمد أن يعود أدراجه دون أن يصيب من ثقيف شيئا. وكان لبني دوس (إحدى القبائل المقيمة بأسفل مكة) علم بالرماية بالمنجنيق وبمهاجمة الحصون في حماية الدّبابات. وكان أحد رؤسائها الطّفيل قد صحب محمدا منذ غزا خيبر؛ وكان معه عند حصار الطائف؛ فأوفده النبيّ إلى قومه يستنصرهم؛ فجاء بطائفة منهم ومغهم أدواتهم فبغوا الطائف بعد أربعة أيام من حصار المسلمين إيّاها، ورمى المسلمون الطائف بالمنجنيق، وبعثوا إليها بالدبّابات دخل تحتها نفر منهم، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه. لكن رجال الطائف كانوا من المهارة بحيث أكرهوا هؤلاء على أن يلوذوا بالفرار. فقد أحموا قطعا من الحديد بالنار، حتى إذا انصهرت ألقوها على الدّبابات فحرّقتها، ففرّ جنود المسلمين من تحتها خيفة أن يحترقوا؛ فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلت جماعة منهم. لم يفلح هذا المجهود إذا أيضا، ولم يستطع المسلمون التغلّب على مناعة هذه الحصون. قطع الكروم وتحريقها ماذا عساهم بعد ذلك يصنعون؟ فكر محمد في هذا وفكر طويلا. ولكن ألم ينتصر على بني النّضير وبجلها عن ديارها بإحراق نخيلها؟! وكروم الطائف أكبر قيمة من نخيل بني النّضير، فهي كروم لها من ذيوع الاسم في بلاد العرب جمعاء ما تباهي به الطائف أخصب بلاد العرب، وما جعل الطائف واحة كأنها الجنة وسط هذه الصحاري. وأمر محمد فبدأ المسلمون ينفّذون، يقطعون ويحرّقون الكروم التي ما يزال لها حتى اليوم مثل ما كان لها من شهرة وذيوع صوت. ورأى الثقفيّون هذا وأيقنوا أن محمدا جادّ فيه، فبعثوا إليه أن يأخذه لنفسه إن شاء وأن يدعه لله وللرحم لما بينه وبينهم من قرابة. استمهل محمد رجاله. ثم نادى في ثقيف إنه معتق من جاء إليه من الطائف. ففرّ إليه قرابة عشرين من أهلها. عرف منهم أن بالحصون من الذخيرة ما يكفي أمدا طويلا. هنالك رأى أن الحصار سيطول أمده، وأن جيوشه تودّ الرجوع لاقتسام الفيء الذي كسبوا، وأنه إن أصرّ على البقاء فقد ينفد صبرهم. هذا وكانت الأشهر الحرم قد آذنت ولا يجوز فيها قتال. لذلك آثر أن يرفع الحصار بعد شهر من وقوعه. وكان ذو القعدة قد هلّ فرجع بجيشه معتمرا، وذكر أنه متجهّز إلى الطائف إذا انتهت الأشهر الحرم.

стр. 263

وفد هوازن يستردون السبايا وانصرف محمد والمسلمون معه عن الطائف قافلين إلى مكة حتى نزلوا الجعرانة حيث تركوا غنائمهم وأسراهم. وهنالك نزلوا يقتسمون. وفصل الرسول الخمس لنفسه ووزع ما بقي على أصحابه. وإنهم بالجعرانة إذ جاء وفد من هوازن قد أسلموا وهم يرتجون أن يرد عليهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم، بعد أن طال عنهم غيابهم، وبعد أن ذاقوا مرارة ما حلّ بهم. ولقي الوفد محمدا، وخاطبه أحدهم قائلا: يا رسول الله، إنما في الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللواتي كن يكفلنك. ولو أنّا ملحنا «١» للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منّا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا؛ وأنت خير المكفولين. ولم يخطئ هؤلاء في تذكير محمد بصلته بهم وقرابته منهم؛ فقد كانت بين السبايا امرأة تخطّت الكهولة عنف عليها الجند المسلمون؛ فقالت لهم: تعلموا والله إني لأخت صاحبكم من الرّضاعة. فلم يصدّقوها وجاؤا بها محمدا، فعرفها فإذا هي الشّيماء بنت الحارث بن عبد العزّى. وأدناها محمد منه وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وخيّرها إن أحبّت أبقاها وإن أحبّت متّعها ورجعها إلى قومها؛ فاختارت الرجوع إلى قومها. طبيعيّ وتلك صلة محمد بهؤلاء الرجال الذين أقبلوا عليه من هوازن مسلمين، أن يعطف عليهم وأن يجيبهم إلى مطلبهم؛ فقد كان ذلك دائما شأنه مع كل من أسدى إليه يوما من الدهر يدا. كان عرفان الجميل بعض شأنه، والبرّ بكليم القلب في جبلّته. فلمّا سمع مقالتهم سألهم: أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول الله خيّرتنا بين أموالنا وأحسابنا! بل تردّ علينا نساءنا وأبناءنا فهم أحبّ إلينا. فقال ﵇: أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم. وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم. ونفّذت هوازن قول النبيّ، فأجابهم: أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. قال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وكذلك قال الأنصار. أما الأقرع بن حابس عن تميم وعيينة بن حصن فرفضا، ورفض العباس بن مرداس عن بني سليم؛ لكن بني سليم لم يقرّوا العبّاس على رفضه. هنالك قال النبيّ: أمّا من تمسّك منكم بحقّه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أوّل سبي أصيبه. وكذلك ردّت نساء هوازن وأبناؤها إليها بعد أن أعلنت إسلامها. وسأل محمد وفد هوازن عن مالك بن عوف النّصريّ. فلمّا علم أنه ما يزال بالطائف مع ثقيف، طلب إليهم أن يبلغوه: أنه إن أتاه مسلما ردّ عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل. ولم يبطئ مالك حين علم بوعد الرسول أن أسرج فرسه في سرّ من ثقيف، وأن نجا بها حتى لحق بالرسول، فأعلن إسلامه فأخذ أهله وماله ومائة من الإبل. وأوجس الناس خيفة إن أفشى محمد هذه الأعطيات لمن يفدون عليه أن تنقص من قسمتهم من الفيء، فألحّوا في أن يأخذ كلّ فيأه وتهامسوا بذلك. فلمّا بلغ الهمس النبيّ وقف إلى جانب بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها وقال: «أيها الناس، والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» . وطلب إلى كلّ أن يردّ ما غنم حتى تكون القسمة العدل، «فمن أخذ شيئا في غير عدل ولو كان إبرة كان على أهله عارا ونارا وشنارا إلى يوم القيامة» . قال محمد هذه العبارة مغضبا بعد أن ردّوا إليه رداءه الذي أخذوا، وبعد أن صاح بهم: ردوا إليّ ردائي

стр. 264

أيها الناس. فو الله لو أنّ لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذّابا. ثم إنه خمّس الغنيمة وأعطى من خمسه الذين كانوا إلى أيّام أشدّ الناس عداوة له نصيبا على نصيبهم، فأعطى مائة من الإبل كلّا من أبي سفيان وابنه معاوية والحارث بن كلدة والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى والأشراف ورؤساء العشائر ممن تألّف بعد فتح مكة؛ وأعطى خمسين من الإبل من كانوا دون هؤلاء شأنا ومكانة. وقد بلغ عدد الذين أعطاهم عشرات. وبدا محمد يومئذ غاية من السماحة والكرم مما جعل أعداء الأمس تنطلق ألسنتهم بجميل الثناء عليه. ولم يدع لأحد من هؤلاء المؤلفة قلوبهم حاجة إلا قضاها. أعطى عبّاس بن مرداس عددا من الإبل لم يرضه وعاتبه على أن فضّل عليه عيينة والأقرع وغيرهما. فقال النبيّ اذهبوا به فاقطعوا عنّي لسانه. فأعطوه حتى رضي وكان ذلك قطع لسانه. الأنصار وعطاء المؤلفة قلوبهم على أن هذا الذي تألّف به النبيّ قلوب من كانوا إلى أمس أعداءه، قد جعل الأنصار يتحدّث بعضهم إلى بعض فيما صنع الرسول ويقول بعضهم لبعض: «لقى والله رسول الله قومه» . ورأى سعد بن عبادة أن! يبلغ النبيّ مقالة الأنصار ويؤيدهم فيها، فقال له النبيّ: اجمع لي قومك في هذه الحظيرة فجمعهم سعد وأتاهم النبي، فدار الحوار الآتي: محمد- يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم؟! ألم آتكم ضلّالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟ الأنصار- بلى! الله ورسوله أمنّ وأفضل. محمد- ألّا تجيبونني يا معشر الأنصار؟! الأنصار- بماذا نجيبك يا رسول الله ولرسوله المنّ والفضل. محمد- أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدّقتم، أتيتنا مكذّبا فصدّقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعة «١» من الدنيا تألّفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم!. فو الذي نفس محمد بيده لولا العرة لكنت أمرأ من الأنصار. ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. قال النبيّ هذه العبارات وكله تأثّر، وكله فيض من الحب لهؤلاء الذين بايعوه ونصروه واعتزوا به وأعزّوه، حتى بلغ من تأثره أن بكى الأنصار وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظّا. وكذلك أظهر النبيّ رغبة عن هذا المال الذي غتم في حين والذي بلغ ما لم يبلغه فيء من قبل. أظهر رغبته عنه، وجعله وسيلة تأتلف بها قلوب الذين كانوا، إلى أسابيع قليلة، مشركين ليروا في الدين الجديد سعادة الدنيا والآخرة. وإذا كان محمد قد عنّاه أمر هذا المال في قسمته حتى لقد كاد المسلمون يتهمونه، وإذا هو كان قد أغضب الأنصار بما أعطى المؤلّفة قلوبهم، فإنه قد أظهر من العدل ومن بعد النظر ومن حسن السياسة ما مكّنه من أن يعود بهذه الألوف من العرب وكلهم راضية نفسه، مطمئن قلبه، مستعدّ لأن يهب حياته في سبيل الله.

стр. 265

وخرج الرسول من الجعرانة معتمرا إلى مكة. فلما قضى عمرته استخلف عتّاب بن أسيد على أمّ القرى، وخلّف معه معاذ بن جبل ليفقّه الناس في دينهم ويعلّمهم القرآن، وعاد هو والأنصار والمهاجرون قافلين إلى المدينة ليقيم النبيّ بها ريثما يرزقه الله ابنه إبراهيم، وليطمئن إلى شيء من سكينة الحياة زمنا ثم يتجهز إلى غزوة تبوك بالشام.

стр. 266

الفصل السّادس والعشرون إبراهيم ونساء النبي العودة إلى المدينة- بانت سعاد- وفاة زينب- مولد إبراهيم- غيرة نساء النبي من مارية- مظاهرة حفصة وعائشة- حديث المغافير- مارية في دار حفصة- هجر النبي نساءه شهرا- حديث عمر مع النبي- سورة التحريم. أثر الفتح في شبه الجزيرة عاد محمد إلى المدينة بعد فتح مكة وبعد انتصاره في حنين وحصاره الطائف، وقد ثبت في نفوس العرب جميعا أن لم يبق لأحد قبل به في شبه الجزيرة كلها، وأن لم يبق للسان ينطق بإيذائه أو الطعن عليه. وعاد الأنصار والمهاجرون معه وكلهم مغتبط بفتح الله على نبيه بلد المسجد الحرام، وبما هدى أهل مكة إليه من الإسلام، وبما دان له العرب على اختلاف قبائلهم من الطاعة والإذعان. عادوا جميعا إلى المدينة ليطمئنوا إلى شيء من سكينة الحياة، بعد أن ترك محمد وراءه عتّاب بن أسيد على أمّ القرى ومعاذ بن جبل ليفقّه الناس دينهم وليعلّمهم القرآن. وقد ترك هذا النصر، الذي لم يعرف له في تاريخ العرب وفي رواياتهم نظير، أثرا بالغا في نفوس العرب جميعا: ترك أثرا في نفوس العظماء والسادة الذين كانوا لا يتوهمون مجيء يوم يدينون فيه لمحمد بطاعة، أو يرتضون دينه لأنفسهم دينا؛ وفي نفوس الشعراء الذين ينطقون بلسان هؤلاء السادة مقابل ما يلقون من عطفهم وتأييدهم، أو مقابل ما يلقون من تأييد القبائل ومؤازرتها؛ وفي نفس تلك القبائل البادية التي لم تكن تعدل بحرّيتها شيئا، ولا كان يدور بخاطرها أن تنضم تحت لواء غير لوائها الخاص أو تموت دون ذلك في حرب وطعان تفنى خلالها فناء تامّا. وماذا يجدي على الشعراء شعرهم، وعلى السادة سيادتهم، وعلى القبائل احتفاظها بذاتيتها، أمام هذه القوّة الخارقة للطبيعة، لا تقف قوّة أمامها ولا يجرؤ سلطان على اعتراضها! حديث كعب بن زهير وقد بلغ الأثر في نفوس العرب أن كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب بعد منصرف النبيّ عن الطائف يخبره أن محمدا قتل رجالا بمكة ممن كانوا يهجونه ويؤذونه، وأن من بقي من هؤلاء الشعراء قد هربوا في كل وجه، وينصح إليه أن يطير إلى النبيّ بالمدينة؛ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، أو ينجو بنفسه إلى حيث شاء من أغوار الأرض. وإنما قصّ بجير حقّا، فلم يقتل بمكة أحد بأمر محمد خلا أربعة، منهم شاعر آذى النبيّ هجاؤه، ومنهم اثنان آذوا زينب ابنته حين أرادت بإذن زوجها أن تهاجر من مكة لتلحق أباها. وأيقن كعب صدق أخيه، وإنه إن لم يأت محمدا ظلّ حياته طريدا مشردا؛ لذلك أسرع إلى المدينة ونزل عند صديق له

стр. 267

قديم. فلما أصبح غدا إلى المسجد واستأمن النبيّ وأنشده قصيدة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول فعفا النبي عنه وحسن من بعد ذلك إسلامه. وفود القبائل على النبي وكان من هذا الأثر كذلك أن بدأت القبائل تقبل على النبي تقدّم الطاعة بين يديه: قدم وفد من طيئ وعلى رأسهم سيدهم زيد الخيل، فلما انتهوا إليه أحسن استقبالهم، وتحدّث إليه زيد؛ فقال النبي له: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كلّ ما فيه. ودعاه «زيد الخير» بديلا من «زيد الخيل» . وأسلمت طيّئ وزيد على رأسها. وكان عديّ بن حاتم الطائي نصرانيّا، وكان من أشد العرب كراهية لمحمد. فلما رأى أمره وأمر المسلمين في شبه الجزيرة، تحمّل في إبله بأهله وولده ولحق بأهل دينه من النصارى بالشام، وإنما فرّ عدي حين أوفد النبيّ عليّ بن أبي طالب ليهدم صنم طيئ، وهدم عليّ الصنم واحتمل الغنائم والأسرى ومن بينهم ابنة حاتم أخت عدي التي حبست في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها. ومرّ بها النبي فقامت إليه وقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الرافد، فامنن عليّ منّ الله عليك. وأعرض عنها النبيّ. حين علم أن رافدها عديّ بن حاتم الفارّ من الله ورسوله. لكنها راجعته، وذكر هو ما كان لأبيها في الجاهليّة من كرم أعلى به ذكر العرب، فأمر بتسريحها وكساها كسوة حسنة وأعطاها نفقتها وحملها مع أوّل ركب قاصد إلى الشام. فلمّا لقيت أخاها وذكرت له ما أكرمها به محمد عاد إليه فألقى بنفسه إلى صفوف المسلمين. وكذلك جعل السادة وجعلت القبائل تفد إلى محمد، بعد فتح مكة وبعد انتصار حنين وحصار الطائف، تدين له بالرسالة وبالإسلام، وهو في مقامه ذاك بالمدينة مطمئن إلى نصر الله وإلى شيء من سكينة الحياة. موت زينب بنت النبي لكنّ سكينة حياته لم تكن يومئذ صفوا؛ فقد كانت زينب ابنته إذ ذاك مريضة مرضا خشي منه عليها. وهي منذ آذاها الحويرث وهبّار حين خروجها من مكة أذى أفزعها فأجهضها، قد ظلّت مهدّمة العافية، وانتهى المرض بوفاتها. وبموتها لم يبق لمحمد من عقبه إلا فاطمة، بعد أن ماتت أمّ كلثوم كما ماتت رقيّة قبل زينب، وحزن محمد لفقدها وذكر لها رقة شمائلها وجميل وفائها لزوجها أبي العاصي بن الربيع حين بعثت تفتديه من أبيها وقد أسره ببدر، وتفتديه مع ما كان من إسلامها وشركه، ومع ما كان من محاربته أباها حربا لو انتصرت قريش فيها لما أبقت لمحمد على حياة. ذكر محمد رقة شمائلها وجميل وفائها، وذكر ما لاقت من ألم المرض طوال أيامها منذ عادت من مكة إلى حين وفاتها. وكان محمد يشارك كل ذي ألم في ألمه، وكلّ ذي مصاب في مصابه، وكان يذهب إلى أطراف المدينة وإلى ضواحيها يعود المريض، ويواسي البائس، ويأسو جراح الكليم. فإذا أصابه المقدار في ابنته بعد ما أصابه من قبل في أختيها وكما أصابه قبل رسالته في أخويها، فلا جرم أن يحزن ويشتدّ به جوى الحزن، وإن وجد من برّ الله ورفقه به ما يعزّيه كيما يسلو. مولد إبراهيم ولم يطل انتظاره التأساء؛ فقد رزقه الله من مارية القبطية غلاما دعاه إبراهيم تيمّنا باسم إبراهيم جدّ الأنبياء الحنيف المسلم. وكانت ماريّة إلى يومئذ ومنذ أهداها المقوقس إلى النبيّ في مرتبة السراري؛ فلم يكن

стр. 268

لها من أجل ذلك منزل بجوار المسجد كما كان لأزواج النبيّ أمهات المؤمنين، بل أنزلها محمد بالعالية من ضواحي المدينة، في المحلّ الذي يقال له الآن مشربة أم إبراهيم، بمنزل تحيط به كروم؛ وكان يختلف إليها فيه كما يزور الرجل ملك يمينه. وكان قد اختارها حين أهداها المقوقس إليه مع أختها سيرين، وجعل سيرين لحسان بن ثابت. ولم يكن محمد يرجو أن يعقب بعد أن ظلت أزواجه جميعا من بعد وفاة خديجة ومنهن الفتاة الفتية، ومنهن النّصف التي أعقبت من قبل لم تبشّر إحداهن بخصب عشرة أعوام متتابعة. فلما حملت مارية ثم ولدت إبراهيم، وقد تخطّى هو إلى الستين. فاضت بالمسرّة نفسه، وامتلأ هذا القلب الإنساني الكبير أنسا وغبطة، وارتفعت مارية بهذا الميلاد في عينه إلى مكانة سمت بها عن مقام مواليه إلى مقام أزواجه، وزادتها إلى ذلك عنده حظوة ومنه قربا. غيرة أزواج النبي كان طبيعيّا أن يدسّ ذلك في نفوس سائر أزواجه غيرة تزايدت أضعافا بأنها أمّ إبراهيم وبأنهن جميعا لا ولد لهن. ولم تكن نظرة النبيّ إلى هذا الطفل إلا تزيد هذه الغيرة كل يوم في نفوسهن اشتعالا. فهو قد أكرم سلمى زوج أبي رافع قابلة مارية أيّما إكرام. وهو قد تصدق يوم ولد بوزن شعره ورقا على كل واحد من المساكين. وهو قد دفعه لترضعه أم سيف وجعل في حيازتها سبعا من الماعز ترضعه لبنها. وهو كان يمرّ كل يوم بدار مارية ليراه وليزداد أنسا بابتسامة الطفل البريئة الطاهرة، ومسرّة بنموّه وجماله. أي شيء أشد من هذا كله إثارة للغيرة في نفوس أزواج لم يلدن؟! وإلى أي حدّ تدفع الغيرة أولئك الأزواج؟ حمل النبيّ إبراهيم يوما بين ذراعيه إلى عائشة وهو فياض بالبشر، ودعاها لترى ما بين إبراهيم وبينه من عظيم الشبه. فنظرت عائشة إلى الطفل وقالت إنها لا ترى بينهما شبها. ولما رأت النبيّ فرحا بنموّ الطفل لاحظت في غضب أن كل طفل ينال من اللبن ما يناله إبراهيم يكون مثله أو خيرا منه نموّا. وكذلك كان مولد إبراهيم سببا أثار في زوجات النبيّ امتعاضا لم يقف أثره عند هذه الإجابات الجافية بل تعدّاها إلى أكثر منها. وترك في تاريخ محمد وفي تاريخ الإسلام من الأثر ما نزل به الوحي وقدّسه كتاب الله الكريم. النبي ونساؤه وكان طبيعيّا أن يحدث هذا الأثر؛ فقد جعل محمد لنسائه من المكانة ما لم يكن معروفا قط عند العرب. قال عمر بن الخطاب في حديث له: «والله إن كنا في الجاهليّة ما نعدّ للنساء أمرا حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم. فبينما أنا في أمر آتمره إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا! فقلت لها: ومالك أنت ولما ها هنا، وما تكلّفك في أمر أيده! فقالت لي: عجبا لك يا بن الخطاب؟ ما تريد أن تراجع أنت، وإنّ ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظلّ يومه غضبان. قال عمر: فاخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة فقلت لها: يا بنيّة، إنك لتراجعين رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أحذّرك عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنيّة لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحبّ رسول الله ﷺ إياها. ثم خرجت حتى أدخل على أمّ سلمة لقرابتي منها فكلّمتها؛ فقالت لي أم سلمة: عجبا لك يا بن الخطاب! لقد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه! قال عمر: فأخذتني أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها. وروى مسلم في صحيحه أن أبا بكر استأذن على النبي ودخل بعد أن أذن له، ثم استأذن عمر ودخل بعد الإذن، فوجد النبي جالسا وحوله نساؤه واجما ساكنا. فقال عمر: «لأقولن شيئا أضحك النبي ﷺ . ثم قال: يا رسول الله، لو رأيت بنت

стр. 269

خارجة «١» . سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت «٢» عنقها. فضحك رسول الله وقال: هنّ حولي يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده! فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ أبدا شيئا ليس عنده» وإنما دخل أبو بكر وعمر على النبيّ لأنه ﵇ لم يخرج للصلاة: فتساءل المسلمون بعدها عما منعه. وفي حديث أبي بكر وعمر مع عائشة وحفصة نزل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) «٣» - نساء النبي يأتمرن ثم إن نساء النبيّ كن يأتمرن به. فقد كان إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن. فدخل على حفصة في رواية، وعلى زينب بنت جحش في رواية فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس. فأحدث ذلك الغيرة في نفوس سائر نسائه. وقالت عائشة: «فتواطأت أنا وحفصة أن أيّتنا ما دخل عليها النبيّ ﷺ فلتقل إني أجد ريح مغافير. أكلت مغافير» (والمغافير شيء حلوله ريح كريهة؛ وكان النبيّ لا يحبّ الرائحة الكريهة) فدخل على إحداهما فقالت له ذلك. فقال: بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له. وروت سودة، وكانت تواطأت على مثل ذلك مع عائشة، أن النبيّ لمّا دنا منها قالت له: أكلت مغافير؟ قال: لا. قالت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة من عسل. قالت: جرست نحله العرقط «٤» . ودخل على عائشة فقالت له ما قالت سودة، ثم دخل على صفيّة فقالت له مثل قولهما، فحرّمه على نفسه. فلمّا فعل قالت سودة: سبحان الله! والله لقد حرمناه. فنظرت إليها عائشة نظرة ذات مغزّى وقالت لها: اسكتي. طبيعيّ وقد جعل النبي لأزواجه هذه المكانة، بعد أن كنّ كغيرهن من نساء العرب لا رأي لهن، أن يتغالين في الاستمتاع بحرية لم يكن لمثيلاتهن بها عهد، وأن تبلغ إحداهن من مراجعة النبيّ أن يظل يومه غضبان. وكم أعرض عنهنّ وكم هجر بعضهن فحتى لا يدفعهن رفقه بهنّ إلى مزيد من غلوهنّ؛ وأن تخرج بإحداهن الغيرة إلى غير لائق بالسداد. فلما ولدت مارية إبراهيم خرجت الغيرة بأزواج النبيّ عما أدّبهن به، حتى كان هذا الحديث بينه وبين عائشة إذ تنكر عليه كل شبه بين إبراهيم وبينه، ولتكاد تتهم مارية بما يعرف النبيّ براءتها منه. ثورة نساء النبي وحدث أن كانت حفصة يوما قد ذهبت إلى أبيها فتحدثت عنده. وجاءت مارية إلى النبيّ وهو في دار حفصة وأقامت بها زمنا معه. وعادت حفصة فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وهي أشدّ ما تكون غيرة، وجعلت كلما طال بها الانتظار تزداد الغيرة بها شدّة. فلما خرجت مارية ودخلت حفصة على النبي، قالت له: «لقد رأيت من كان عندك. والله لقد سببتني. وما كنت لتصنعها لولا هواني عليك» . وأدرك محمد أن الغيرة تدفع حفصة إلى إذاعة ما رأت والتحدّث به إلى عائشة أو إلى غيرها من أزواجه، فأراد إرضاءها بأن

стр. 270

حلف لها أن مارية عليه حرام إذا هي لم تذكر مما رأت شيئا. ووعدته حفصة أن تفعل. لكن الغيرة أكلت صدرها فلم تطق كتمان ما به، فأسّرته إلى عائشة. وأومأت هذه إلى النبيّ بما رأى منه أن حفصة لم تصن سرّه. ولعل الأمر لم يقف عند حفصة وعائشة من أزواج النبيّ. ولعلهن جميعا وقد رأين ما رفع النبي من مكانة مارية قد تابعن عائشة وحفصة حين ظاهرتا على النبيّ على أثر قصة مارية هذه، وإن تكن لذاتها قصة لا شيء فيها أكثر مما يقع بين رجل وزوجه، أو بين رجل وما ملكت يمينه، مما هو حل له ومما لا موضع فيه لهذه الضجة التي أثارتها ابنتا أبي بكر وعمر محاولتين أن تقتصا لذاتيهما من ميل النبيّ لمارية. وقد رأينا أن شيئا من الجفوة وقع بين النبي وأزواجه في أوقات مختلفة بسبب النفقة، أو بسبب عسل زينب، أو لغير ذلك من الأسباب التي تدل على أن أزواج النبي كن يجدن عليه أن يكون لعائشة أحب، أو أن يكون لمارية أهوى. بين بنت جحش وعائشة وبلغ من أمرهن أن أوفدن إليه يوما زينب بنت جحش وهو عند عائشة تصارحه بأنه لا يعدل بين نسائه، وأنه لحبه لعائشة يظلمهن. ألم يجعل لكل امرأة يوما وليلة! ثم رأت سودة انصراف النبي عنها وعدم بشاشته لها، فوهبت يومها وليلتها لعائشة إرضاء للرسول. ولم تقف زينب من سفارتها عند الكلام في ميل النبي عن العدل بين نسائه؛ بل نالت من عائشة وهي جالسة بما جعل عائشة تتحفّز للرد عليها لولا إشارات من النبي كانت تهدئ من حدتها. غير أن زينب اندفعت ولج بها الاندفاع وبالغت في النيل من عائشة، حتى لم يبق للنبيّ بدّ من أن يدع لحميرائه أن تدافع عن نفسها. وتكلّمت عائشة بما افحم زينب وسرّ النبي ودعاه إلى الإعجاب بابنة أبي بكر. منازعات أمهات المؤمنين وبلغت منازعات أمهات المؤمنين في بعض الأحايين، بسبب إيثاره بعضهن بالمحبة على بعض، حدّا همّ النبيّ معه أن يطلق بعضهن لولا أنهن جعلناه في حل أن يؤثر من يشاء منهن على من يشاء. فلما ولدت مارية إبراهيم لجّت بهن الغيرة أعظم لجاج، وكانت بعائشة ألج. ومدّ لهن في لجاج الغيرة بهن هذا الرفق الذي كان محمد يعاملهن به، وهذه المكانة التي رفعهنّ إليها. ومحمد ليس خليّا فيشغل وقته بهذا اللّجاج ويدع نفسه لعبث نسائه، فلابدّ من درس فيه حزم وفيه صرامة يردّ الأمور بين أزواجه إلى نصابها، ويدع له طمأنينة التفكير فيما فرض الله عليه من الدعوة إلى رسالته. وليكن هذا الدرس هجرهن والتهديد بفراقهن؛ فإن ثبن إلى رشادهن فذاك، وإلا متعهن وسرحهن سراحا جميلا. هجر النبي نساءه وانقطع النبي عن نسائه شهرا كاملا لا يكلّم أحدا في شأنهن، ولا يجرؤ أحد أن يفاتحه في حديثهن. وفي خلال هذا الشهر اتجه بتفكيره إلى ما يجب عليه وعلى المسلمين للدعوة إلى الإسلام، ولمد سلطانه إلى ما وراء شبه الجزيرة. على أن أبا بكر وعمر وأصهار النبيّ جميعا كانوا في قلق أشدّ القلق على ما قدّر مصيرا لأمهات المؤمنين، وما يتعرضن له من غضب رسول الله، وما يجرّ إليه غضب الرسول من غضب الله وغضب ملائكته، بل لقد قيل: إن النبيّ طلّق حفصة بنت عمر، بعد الذي كان من إفشائها ما وعدت أن تكتمه. وقد سرى الهمس بين المسلمين أن النبي مطلّق أزواجه. وأزواجه خلال ذلك مضطربات نادمات، أن دفعتهن الغيرة إلى إيذاء هذا الزوج الرفيق بهنّ، هو منهن الأخ والأب والابن وكل ما في الحياة وما وراء الحياة. وجعل

стр. 271

محمد يقضي أكثر وقته في خزانة له ذات مشربة، يجلس غلامه رباح على أسكفّتها «١» ما أقام هو بالخزانة، ويرقّى هو إليها على جذع من نخل هو الخشونة كل الخشونة. عمر يسترضي النبي وإنه لفي خزانته يوم أوفى الشهر الذي نذر فيه هجر نسائه على التمام، وقد أقام المسلمون بالمسجد مطرقين ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، ويأسون لذلك أسى يبدو على وجوههم واضحا عميقا، إذ قام عمر من بينهم فقصد إلى مقام النبيّ بخزانته، ونادى غلامه رباحا كي يستأذن له على رسول الله. ونظر إلى رباح يروم الجواب، فإذا رباح لا يقول شيئا علامة أن النبيّ لم يأذن. فكرر عمر النداء؛ ولم يجب رباح مرة أخرى. فرفع عمر صوته قائلا: «يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أظنه ظن أني جئت من أجل حفصة. والله لئن أمرني بضرب عنقها لأضربن عنقها» . وأذن النبيّ، فدخل عمر فجلس ثم أجال بصره فيما حوله وبكى. قال محمد: ما يبكيك يابن الخطاب؟ وكان الذي أبكاه هذا الحصير الذي رأى النبيّ مضطجعا عليه وقد أثّر في جنبه، والخزانة لا شيء فيها إلا قبضة من شعير ومثلها من قرظ وأفيق «٢» معلّق. فلما ذكر عمر ما يبكيه علّمه محمد من وجوب الإعراض عن الدنيا ما ردّ إليه طمأنينته، ثم قال عمر: يا رسول الله، ما يشقّ عليك من أمر النساء؟ إن كنت طلّقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. ثم انعكف يحدث النبيّ حتى تحسّر الغضب عن وجهه وحتى ضحك فلما رأى عمر ذلك منه ذكر له أمر المسلمين بالمسجد وما يذكرون من طلاقه نساءه، فلما ذكر النبي أنه لم يطلقهن استأذنه في أن يفضي بالأمر إلى أولئك المقيمين بالمسجد ينتظرون. ونزل إلى المسجد، فنادى بأعلى صوته: لم يطلّق رسول الله ﷺ نساءه. وفي هذه القصة نزلت الآيات الكريمة: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ. عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) «٣» . وبذلك انتهى الحادث، وثاب إلى نساء النبي رشادهن، ورجع هو إليهن تائبات عابدات مؤمنات، وعادت إلى حياته البيتيّة السكينة التي يحتاج إليها كل إنسان لأداء ما فرض عليه أداؤه. حكم النقد التاريخي النزيه ما قصصت الآن، عن هجر محمد نساءه وتخييره إياهن ومقدّمات هذا الهجر ونتائجه والوقائع التي سبقته وأدت إليه، هو في رأيي الرواية الصحيحة لتاريخ هذا الحادث. وهي رواية يتضافر على تأييدها ما جاء في كتب التفسير وفي كتب الحديث، وما جاء متفرقا عن أخبار محمد ونسائه في كتب السيرة المختلفة. بيد أنه لم تكن واحدة من هذه السير تقص الحوادث أو تضع المقدمات والنتائج بالصورة التي سردناها ههنا. وأكثر السير تمرّ بهذا الحادث مرّا دون أن تقف عنده، وكأنما تجده خشن الملمس فتخشى أن تقربه. وبعضها يقف عند رواية خبر العسل والمغافير، ولا يشير بكلمة إلى مسألة حفصة ومارية. فأمّا المستشرقون فيجعلون مسألة حفصة

стр. 272

ومارية وإفضاء حفصة إلى عائشة بما عاهدت النبيّ أن تكتمه، سبب الذي وقع؛ ليحاولوا بذلك أن يضيفوا جديدا لما يلقون في روع قرائهم عن النبيّ العربي من أنه كان رجلا محبّا للنساء حبّا معيبا. وعندي أن المؤرّخين المسلمين لا عذر لهم في إغفال هذه الوقائع ولها مغزاها الدقيق الذي سقنا شيئا من أمره، وأن المستشرقين يتخطّون الدقة التاريخية متأثرين في ذلك بهواهم المسيحيّ. فالنقد التاريخي النزيه يأبى كل الإباء على أيّ إنسان، بله عظيم كمحمد، أن يجعل من إفضاء حفصة لعائشة بأنها وجدت زوجها في بيتها مع مولاة له هي ملك يمينه، فهي بذلك حلّ له، سببا لهجر محمد نساءه جميعا شهرا كاملا، وتهديده إياهنّ جميعا بأن يطلقهنّ. والنقد التاريخي النزيه يأبى كذلك أن تكون حكاية العسل سبب هذا الهجر والتهديد. فإذا كان الرجل عظيم كمحمد، رقيقا كمحمد، واسع الصدر طويل الأناة متصفا بما لمحمد من سائر الصفات التي يقرّ لها بها مؤرخوه جميعا على سواء، كان اعتبار أيّ الحادثين لذاته سببا لهذا الهجر والتهديد بالطلاق مما يزورّ عند النقد التاريخيّ وينأى عنه بجانبه أشدّ النأي، وإنما يطمئن هذا النقد ويستقيم منطق التاريخ إذا سيقت الحوادث المساق الذي لا مفرّ معه من أن تؤدّي إلى نتائجها المحتومة، فتصبح بذلك أمورا طبيعيّة يسيغها العقل ويرضاها العلم. وما فعلنا نحن هو في نظرنا المساق الطبيعيّ للحوادث، وهو الذي يتفق مع حكمة محمد وعظمته وحزمه وبعد نظره. دفع اعتراض المستشرقين ويتحدث بعض المستشرقين عما نزل من الآيات في مستهلّ سورة التحريم مما نقلنا هنا، ويذكر أن كتب الشرق المقدّسة جميعا لم تشر إلى مثل هذا الحادث المنزليّ على هذه الصورة. وما أحسبنا في حاجة إلى أن نذكر ما ورد بالكتب المقدّسة جميعا، والقرآن من بينها، عن قوم لوط ونقيصتهم، وما كان من مجادلتهم الملكين ضيفي لوط، ولا ما ورد في هذه الكتب عن امرأته وأنها كانت من الغابرين. بل إن التوراة لتقص نبأ ابنتي لوط، إذ سقتا أباهما حتى ثمل ليلتين متتاليتين ليمسّ كلّ واحدة منهما ليلة كيما يخصبها فتلد، مخافة فناء آل لوط بعد أن أنزل الله بهم من الجزاء ما أنزل. ذلك بأنّ الكتب المقدّسة جميعا جعلت من قصص الرسل وسيرهم وما صنعوا وما أصابهم عبرة للناس. وقد جاء في القرآن كثير من ذلك، قصّ الله فيه على رسوله أحسن القصص. والقرآن لم ينزل لمحمد وحده، وإنما نزل للناس كافة. ومحمد نبيّ ورسول خلت من قبله الرسل الذين قصّ القرآن أخبارهم. فإذا قصّ القرآن من أخبار محمد وتناول من سيرته ليكون للمسلمين مثلا، وليكون للمسلمين فيه أسوة حسنة، وأشار إلى حكمته في تصرّفاته فلا شيء من ذلك يخرج عما أوردت سائر الكتب المقدّسة وما أورد القرآن من سير الأنبياء. فإذا ذكرت أن هجر محمد نساءه لم يكن لسبب منفرد من الأسباب التي رويت في شأنه، ولم يكن لأن حفصة أفضت إلى عائشة بما فعل محمد مع مارية مما يحقّ لكل رجل مع أزواجه وما ملكت يمينه، رأيت في هذه الملاحظة التي يبديها بعض المستشرقين ما لا يثبت أمام النقد التاريخي، ولا يتفق مع ما جرت به الكتب المقدّسة في شأن الأنبياء وحياتهم وأخبارهم.

стр. 273

الفصل السابع والعشرون تبوك وموت إبراهيم الخراج وجبايته- أنباء تهيؤ الروم- نفير محمد في المسلمين ليتهيئوا للقتال بالشام- الخوالف المنافقون- شدة محمد معهم- الجيش العرم- في لظى الطريق إلى الشام- انسحاب الروم خوفا من محمد- عهده ليوحنا ولأمراء الحدود- العود إلى المدينة- مرض إبراهيم ووفاته وبكاء محمد إياه. اقتضاء الزكاة والخراج لم يغيّر هذا الحادث المنزلي وهذا الإضراب والاضطراب بين النبي وأزواجه من سير الشئون العامة شيئا. وكانت الشئون العامة بعد فتح مكة وإسلام أهلها قد بدأ يتضاعف خطرها، وقد بدأت العرب جميعا تحسّ جلال هذا الخطر. فالبيت الحرام كان بيت العرب المقدّس يحجون إليه منذ أجيال طويلة. وهذا البيت الحرام وما يتصل به من سدانة ورفادة وسقاية وما يتصل بالحج من مختلف الشعائر، قد أصبح في حكم محمد وفي حكم الدين الجديد. فلا جرم إذا أن تزداد شئون المسلمين العامة لفتح مكة، وأن يزداد المسلمون إحساسا بسلطانهم في كل ناحية من شبه الجزيرة. وازدياد الشئون العامة يحتاج بطبعه إلى مزيد في النفقات العامة. لذلك لم يكن بد من أن يدفع المسلمون زكاة العشر، وأن يدفع العرب الذين أصرّوا على جاهليتهم ما يفرض عليهم من خراج. قد يحرجهم ذلك، وقد يدعوهم إلى التذمّر وإلى أكثر من التذمّر؛ لكن ما اتصل بالدين الجديد من نظام في شبه الجزيرة جديد لم يجعل من جمع العشر والخراج مخرجا. ولهذه الغاية أوفد محمد عاشريه بعد قليل من عوده من مكة ليجمعوا له عشر إيراد القبائل التي دانت للإسلام من غير أن يتعرضوا لأصول أموالها. وذهب كل واحد من هؤلاء وجهته، فتلقتهم القبائل بالترحاب ودفعت لهم زكاة العشر طيّبة بدفعها نفوسهم؛ لم يندّ عن ذلك غير فرع من بني تميم وغير بني المصطلق. فبينما كان العاشر يقتضي قبائل في جوار بني تميم زكاة العشر وهم يدفعونها من إبلهم وأموالهم، سارعت إليه بنو العنبر (فخذ من بني تميم) قبل أن يطالبها بزكاتها تحمل نبالها وسيوفها وطردته من أرضها. فلمّا بلغ الخبر محمدا بعث إليهم عيينة بن حصن على رأس خمسين فارسا انقضّوا عليهم في سرّ منهم ففرّوا، وأصاب المسلمون الأسرى والسبايا وهم يزيدون على خمسين رجلا وامرأة وطفلا وعادوا موفورين إلى المدينة، وحبس النبيّ هؤلاء الأسرى. وكان من بني تميم جماعة أسلموا وقاتلوا إلى جانب النبيّ عند فتح مكة وفي حنين. وكان منهم من لا يزال على جاهليّته. فلمّا عرفوا ما أصاب أصحابهم من بني العنبر أرسلوا إلى النبيّ وفدا من أشرافهم نزلوا إلى المدينة ودخلوا المسجد ونادوا النبيّ من وراء حجراته أن

стр. 274

أخرج إلينا يا محمد. وآذى نداؤهم النبيّ، فما كان ليخرج إليهم لولا أن أذّن لصلاة الظهر. فلمّا رأوه ذكروا ما صنع عيينة بأهلهم، كما ذكروا ما كان لمن أسلم منهم من جهاد إلى جانبه، وما لقومهم من مكانة بين العرب. ثم قالوا له: إنا جئناك نفاخرك. فأذن لشاعرنا وخطيبنا. فقام خطيبهم عطارد بن حاجب، فلمّا فرغ دعا رسول الله ثابت بن قيس ليردّ عليه. ثم قام شاعرهم الزّبرقان بن بدر فأنشد، وأجابه حسّان بن ثابت. فلما انتهت المفاخرة، قال الأقرع بن حابس: وأبى إنّ هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا. وأسلم القوم؛ فأعتق النبيّ الأسرى وردّهم إلى قومهم. فأمّا بنو المصطلق فإنهم لما رأوا الصيرف فرّ هاربا خافوا عاقبة أمرهم، وأوفدوا إلى النبيّ من ذكر له أن الخوف في غير محلّ له هو الذي أدّى إلى ما وقع من سوء الفهم. ولم تكن ناحية من نواحي شبه الجزيرة إلا بدأت تحسّ سلطان محمد. ولم تحاول طائفة أو قبيلة أن تقاوم هذا السلطان إلا بعث النبي إليها قوة تحملها على الإذعان بدفع الخراج والبقاء على دينها، أو الإسلام ودفع الزكاة. تهيؤ الروم للغزو ودعوة النبي لغزوهم وفيما كانت عينه على بلاد العرب جميعا حتى لا ينتقض فيها منتقض، وحتى يستتبّ الأمن في ربوعها من أقصاها إلى أقصاها، إذ اتّصل به نبأ من بلاد الروم أنها تهيئ جيوشا لغزو حدود العرب الشمالية غزوا ينسي النسا انسحاب العرب الماهر في مؤتة، وينسي الناس ذكر العرب وسلطان المسلمين الزاحف في كل ناحية ليتاخم سلطان الروم في الشام وسلطان فارس في الحيرة. واتّصل به هذا النبأ مجسما أيّما تجسيم. فلم يتردد هنيهة في تقرير مواجهة هذه القوى بنفسه، والقضاء عليها قضاء يقضي في نفوس سادتها على كل أمل في غزو العرب أو في التعرّض لهم. وكان الصيف لما ينته. والقيظ في أوائل الخريف يصل إلى درجات تجعله أشدّ من قيظ الصيف في هذه الصحاري إرهاقا وقتلا. ثم إن الشقّة من المدينة إلى بلاد الشام طويلة شاقّة تحتاج إلى الجلد وتحتاج إلى المؤونة وإلى الماء. إذا لا مفر من أن يطالع محمد الناس بعزمه السير إلى الروم وقتالهم، حتى يأخذوا لذلك عدّتهم. ولا مفرّ من أن يخالف بذلك تقاليده في سابق غزواته، حين كان يتوجّه في كثير من الأحيان بجيشه إلى غير الناحية التي إليها يقصد، تضليلا للعدوّ حتى لا يفشو خبر مسيرته. وأرسل محمد في القبائل جميعا يدعوها للتهيؤ كيما تعدّ أكبر جيش يمكن إعداده، وأرسل إلى أثرياء المسلمين ليشاركوا في تجهيز هذا الجيش بما آتاهم الله من فضله، وليحرّضوا الناس على الانضمام إليه حتى يكون من الأهبة بما يدخل الروع في نفوس الروم الذين عرفوا بوفرة عدتهم وكثرة عديدهم. تلقي المسلمين دعوة الرسول بم عسى أن يستقبل المسلمون هذه الدعوة إلى هجر أبنائهم ونسائهم وأموالهم في شدّة القيظ ليقطعوا فيافي وصحاري مجدبة قليلة الماء، ثم ليلقوا عدوّا غلب الفرس ولم يقهره المسلمون؟! أفيدفعهم إيمانهم وحبهم للرسول وشديد تعلّقهم بدين الله إلى الإقبال على دعوته متدافعين بالمناكب حتى يضيق بهم فضاء الصحراء دافعين أمامهم أموالهم وإبلهم، مدرّعين بسلاحهم مثيرين أمامهم من النقع ما إن يكاد يبلغ العدوّ نبؤه حتى يولي الأدبار لا يلوي على شيء؟ أم تمسكهم مشقّة الطريق وشدة الحرّ ومخافة الجوع والعطش فيتقاعسون ويتراجعون؟ لقد كان في المسلمين يومئذ من هؤلاء وأولئك: كان فيهم أولئك الذين أقبلوا على الدين بقلوب ممتلئة هدى ونورا، ونفوس غمرها ضياء الإيمان فلا تعرف غيره، وكان فيهم من دخل دين الله رغبا ورهبا؛

стр. 275

رغبا في مغانم الحرب بعد أن أصبحت قبائل العرب كلها لا تثبت أمام غزو المسلمين فتسلم لهم وتؤدّي إليهم الجزية عن يد وهي صاغرة، ورهبا من هذه القوّة التي تضرب أمامها كل قوة، ويخشى سلطانها كلّ ملك. فأمّا الأوّلون فأقبلوا يلبون دعوة رسول الله خفافا مسرعين. ومنهم الفقير الذي لا يجد الدابّة يحمل نفسه عليها، ومنهم الغنيّ ماله بين يديه يقدّمه في سبيل الله راضية نفسه طامعا في الاستشهاد والانحياز إلى جوار الله، وأمّا الآخرون فتثاقلوا وبدؤا يلتمسون الأعذار، وجعلوا يتهامسون فيما بينهم. ويهزؤن بدعوة محمد إيّاهم لهذا الغزو النائي في ذلك الجوّ المحرق. هؤلاء هم المنافقون الذين نزلت فيهم سورة التوبة، وفيها أعظم دعوة للجهاد وأشدّ تخويف من عذاب الله يصيب من تخلف عن إجابة رسوله. قال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحرّ؛ فنزل قوله تعالى: (وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) «١» . قال محمد للجدّ بن قيس أحد بني سلمة: «يا جدّ، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟» . فقال: «يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنّي، فو الله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشدّ عجبا بالنساء مني. وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألّا أصبر» (وبنو الأصفر هم الروم) . فأعرض عنه رسول الله. وفيه نزلت هذه الآية: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) «٢» . وانتهز الذين تنطوي قلوبهم على بغضاء محمد هذه الفرصة ليزيدوا المنافقين نفاقا وليحرّضوا الناس على التخلّف عن القتال. هؤلاء لم ير محمد أن يتهاون معهم خيفة أن يستفحل أمرهم، ورأى أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. بلغه أن ناسا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهوديّ، يثبطون الناس ويلقون في نفوسهم التخاذل والتّخلف عن القتال؛ فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، فحرّق عليهم بيت سويلم، ففرّ أحدهم من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم الباقون النار فأفلتوا، ولكنهم لم يعودوا لمثلها، ثم كانوا مثلا لغيرهم، فلم يجرؤ أحد بعدهم على مثل فعلهم. تجيز جيش العسرة وقد كان لهذه الشدّة في أخذ المنافقين ومن معهم أثرها؛ فقد أقبل الأغنياء وذوو اليسار فأنفقوا نفقة عظيمة لتجهيز الجيش. أنفق عثمان بن عفّان وحده ألف دينار، وأنفق كثيرون غيره، كلّ في حدود طاقته. وتقدّم كلّ قادر على نفقة نفسه بعدّته ونفقته. وأقبل كثيرون من الفقراء يريدون أن يحملهم النبيّ معه، فحمل منهم من استطاع، واعتذر إلى الباقين وقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. ولبكائهم هذا أطلق عليهم اسم البكّائين. واجتمع لمحمد في هذا الجيش. الذي سمّي جيش العسرة لشدة ما لاقى منذ يوم تكوينه، ثلاثون ألفا من المسلمين. اجتمع الجيش وقام أبو بكر فيه يؤمّ الناس للصلاة في انتظار عود محمد من تدبير شؤون المدينة في أثناء غيبته. وقد استخلف عليها محمد بن مسلمة وخلّف عليّ بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم، وأصدر ما رأى أن يصدر من الأوامر، ثم عاد إلى الجيش يتولّى قيادته. وكان عبد الله بن أبيّ قد خرج في جيش من قومه يسير به إلى جانب جيش محمد. لكنّ النبيّ رأى أن يظلّ عبد الله وجيشه بالمدينة، لأنه كان بعد ضعيف الثقة به وبصحة إيمانه. وأمر فتحرّك الجيش، وثار النقع، وصهلت الخيل، وارتقت نساء المدينة سقفها

стр. 276

يشهدن هذا الجحفل الجرّار، يتوجه مخترقا الصحراء صوب الشام، مستهينا في سبيل الله بالحرّ والظمأ والمسغبة، تاركا وراءه القواعد والخوالف ممن آثروا الظلّ والنّعمة واللذّة على إيمانهم وعلى رضا الله عنهم. ولقد حرّك منظر الجيش يتقدّمه عشرة آلاف فارس ومنظر النسوة مأخوذات بجلاله وقوّته بعض نفوس لم تحرّكها دعوة الرسول فتقاعست ولم تتبعه. رجع أبو خيثمة بعد أن رأى هذا المنظر، فوجد امرأتين له قد رشّت كل واحدة منهما عريشها وبرّدت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما رأى الرجل ما صنعتا قال: رسول الله في الضّح والريح والحرّ وأبو خيثمة في ظلّ بارد وطعام مهيّأ وامرأة حسناء في ماله مقيم!. هيئا لي زادا حتى ألحق به. فهيأتا له زاده ولحق بالجيش. ولعل جماعة من الخوالف قد فعلوا فعل أبي خيثمة، بعد أن رأوا ما في التقاعس والخوف من شنار ومذلّة. النزول بالحجر وسار الجيش حتى بلغ الحجر، وبها أطلال لمنازل ثمود منقورة في الصخر. هنالك أمر رسول الله بالنزول، فاستقى الناس من بئرها. فلمّا راحوا قال لهم: لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضّئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ذلك أن المكان لم يكن أحد يمرّ به، وكانت تعصف فيه أحيانا عواصف الرمل تطمر الناس والإبل. ولقد خرج رجلان علي خلاف أمر الرسول، فاحتملت أحدهما الريح وطمرت الآخر الرمال. فلما أصبح الناس ألفوا هذه الرمال قد طمت البئر فلم يبق بها ماء، ففزعوا خيفة الظمأ، وقدّروا هول ما بقي من طول الطريق. وإنهم لكذلك إذ مرّت بهم سحابة أمطرتهم، فارتووا وأصابوا من الماء ما شاؤا وزايلهم الفزع، وطار أكثرهم سرورا، وأقبل بعض منهم على بعض يقولون إنها معجزة. أمّا آخرون فقالوا: إنما هي سحابة مارّة. انسحاب الروم وانطلق الجيش بعد ذلك قاصدا تبوك، وكانت الروم قد بلغها أمر هذا الجيش وقوته، فاثرت الانسحاب بجيشها الذي كانت وجّهت إلى حدودها ليحتمي داخل بلاد الشام في حصونها. فلما انتهى المسلمون إلى تبوك وعرف محمد أمر انسحاب الروم ونمي إليه ما أصابهم من خوف، لم ير محلّا لتتبّعهم داخل بلادهم. وأقام عند الحدود يناجز من شاء أن ينازله أو يقاومه، ويعمل لكفالة هذه الحدود حتى لا يتخطى من بعد ذلك إليها أحد. وكان يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة أحد الأمراء المقيمين على الحدود. ولقد وجّه إليه النبيّ رسالة أن يذعن أو يغزوه فأقبل يوحنّا وعلى صدره صليب من ذهب، وقدّم الهدايا والطاعة، وصالح محمدا وأعطاه الجزية، كما صالحه أهل الجرباء «١» وأذرح «٢» وأعطوه الجزية. وكتب رسول الله لهم كتب أمن، هذا نص أحدها- وهو ما كتب ليوحنا: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد النبيّ رسول الله ليوحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيّارتهم في البر والبحر لهم ذمّة الله ومحمد النبيّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر. فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيّب لمحمد أخذه من الناس. وإنه لا يحلّ أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من برّ أو بحر» . وإيذانا بالموافقة على هذا معهد

стр. 277

أهدى محمد إلى يوحنا رداء من نسج اليمن وأحاطه بكل صنوف الرعاية، بعد أن اتّفق على أن تدفع أيلة جزية قدرها ثلثمائة دينار في كل عام. غزوة ابن الوليد دومة لم يبق محمد في حاجة إلى القتال بعد انسحاب الروم، وبعد معاهدة البلاد الواقعة على الحدود معه، وبعد أمنه عودة الجيوش البزنطية من هذه الناحية لولا خيفة انتقاض أكيدر بن عبد الملك الكنديّ النصرانيّ أمير دومة «١» ، ومعاونته. جيوش الروم إذا جاءت من ناحيته. ولذلك بعث النبيّ إليه خالد بن الوليد في خمسمائة فارس وانقلب بجيشه راجعا إلى المدينة. وأسرع خالد بالانتقاض على دومة في غفلة من مليكها الذي خرج في ليلة مقمرة ومعه أخ له يسمى حسّان يطاردان بقر الوحش. ولم يلق خالد. مقاومة تذكر، فقتل حسّان وأخذ أكيدر أسيرا وهدّده بالقتل إن لم تفتح دومة أبوابها. وفتحت المدينة الأبواب فداء لأميرها، وساق خالد منها ألفي بعير وثمانمائة شاة وأربعمائة وسق من برّ وأربعمائة درع، وذهب بها ومعه أكيدر حتى لحق بالنبيّ في عاصمته. وعرض محمد الإسلام على أكيدر فأسلم وأصبح له حليفا. عودة المسلمين إلى المدينة لم يكن عود محمد على رأس هذه الألوف من جيش العسرة من حدود الشام إلى المدينة بالأمر الهيّن. فلم يدرك كثيرون من هؤلاء مغزى الاتفاق الذي عقد مع أمير أيلة والبلاد المجاورة له، ولم يقيموا كبير وزن لما حقّقه محمد بهذه الاتفاقات من تأمين حدود شبه الجزيرة وإقامة هذه البلاد معاقل بينه وبين الروم، بل كان كل الذي نظروا إليه أنهم قطعوا هذه الشقة الطويلة، وتحمّلوا في قطعها ما تحملوا من الأذى، ثم عادوا لم يغنموا ولم يأسروا، بل لم يقاتلوا، وكلّ الذي فعلوا أن أقاموا بتبوك قرابة عشرين يوما. فهل لهذا قطعوا الصحراء في شدّة القيظ في حين كانت ثمار المدينة قد طابت وآن أن يستمتع الناس بها؟! وجعل جماعة منهم يستهزئون بما فعل محمد؛ ونقل من ملأ الإيمان قلوبهم نبأهم إليه. فأخذ المستهزئين بالشدّة حينا وباللين حينا، والجيش يسير قافلا إلى المدينة ومحمد يحفظ النظام في صفوفه. حتى إذا انتهى إليها لم يلبث ابن الوليد أن لحقه بها؛ لحقه ومعه أكيدر، وما حمل من دومة من إبل وشاة وبرّ ودروع، وعلى أكيدر حلّة من ديباج موشى بالذهب بهت أهل المدينة لمرآها. هنالك اضطرب الذين تخلّفوا عن اتباعه اضطرابا ردّ المستهزئين إلى صوابهم. جاء المتخلّفون يعتذرون وأكثرهم يشوب معاذيره الكذب. وأعرض محمد عما صنعوا تاركا لله حسابهم. لكن ثلاثة صدقوا الله ورسوله فاعترفوا بتخلفهم واعترفوا بذنبهم. هؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك، ومرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة. وهؤلاء الثلاثة أمر محمد فأعرض المسلمون عنهم خمسين يوما لا يكلمهم أحد ولا تصل بينهم وبين مسلم تجارة. ثم تاب الله على هؤلاء الثلاثة وعفا عنهم ونزل فيهم قوله تعالى: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) «٢»

стр. 278

الشدة على المنافقين وإحراق مسجد الضرار من يومئذ بدأ محمد يشتدّ في معاملة المنافقين شدّة لم يألفوها من قبل، ذلك أن عدد المسلمين زاد زيادة تجعل عبث المنافقين بهم خطرا يخشى منه ويجب تلافيه وعلاجه. ولم يقم بنفس محمد ريب، بعد أن وعده ربّه لينصرنّ دينه وليعلينّ كلمته في أنهم سيزدادون من بعد أضعاف زيادتهم اليوم، وعند ذلك يصبح المنافقون خطرا عظيما. ولقد كان له من قبل، حين كان الإسلام محصورا بالمدينة وما حولها أن يشرف بنفسه على ما يجري بين المسلمين. أمّا وقد انتشر الدين في أنحاء بلاد العرب جميعا، وهاهو ذا يشارف الانتقال منها فكلّ تهاون مع المنافقين شرّ تخشى مغبته، وخطر ما أسرع ما يستشري إذا لم تجتثّ جرثومته. بنى جماعة مسجدا بذي أوان، بينه وبين المدينة نحو ساعة؛ وإلى هذا المسجد كان يأوي جماعة من المنافقين يحاولون أن يحرّفوا كلام الله عن مواضعه. وأن يفرّقوا بذلك بين المؤمنين ضرارا وكفرا. وطلبت هذه الجماعة إلى النبيّ أن يفتتح المسجد بالصلاة فيه. وكان طلبهم هذا قبل تبوك، فاستمهلهم حتى يعود. فلما عاد وعرف أمر المسجد وحقيقة ما قصد إليه من إقامته أمر بإحراقه، فضرب بذلك مثلا ارتعدت له فرائض المنافقين فخافوا وانزووا، ولم يبق لهم من يحميهم إلا عبد الله بن أبي شيخهم وقائدهم. على أن عبد الله لم يعمّر بعد تبوك غير شهرين مرض إثرهما ومات. ومع أن الحقد على المسلمين قد كان يأكل قلبه منذ نزل النبيّ المدينة؛ فقد آثر محمد ألا ينال المسلمون ابن أبيّ بسوء. ولم يلبث النبيّ حين دعي للصلاة عليه لمّا مات أن صلى وقام على قبره إلى أن دفن وفرغ منه. وبموته انهار ركن المنافقين. وآثر من بقي منهم أن يخلص لله توبته. تبوك خاتمة الغزوات بغزوة تبوك تمّت كلمة ربك في شبه الجزيرة كلها، وأمن محمد كلّ عادية عليها، وأقبل سائر أهلها وفودا عليه يقدمون الطاعة ويعلنون لله الإسلام. غبطة النبي بإبراهيم ولقد كانت هذه الغزوة خاتمة غزوات النبيّ ﵇ ومن بعدها أقام محمد بالمدينة مغتبطا بما أفاء الله عليه. وكان ابنه إبراهيم قرّة عينه له ستة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا، فكان إذا فرغ من استقباله الوفود، ومن القيام بأمر المسلمين، ومن أداء حق الله ورسالته وحق أهله جميعا لهم، اطمأنت نفسه برؤية هذا الطفل الذي ظل يترعرع وينمو ويزداد شبهه بمحمد وضوحا مما يزيد أباه له حبّا وبه تعلقا. وخلال هذه الأشهر جميعا كانت حاضنته أم سيف ترضعه وتسقيه لبن الماعز التي أهداها النبي إليها. ولم يكن تعلّق محمد بإبراهيم لغاية في نفسه لها اتصال برسالته أو بمن يخلفه؛ فقد كان ﵇ في إيمانه بالله وبرسالته لا يفكر في ولده ولا فيمن يرثه، بل كان يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» . إنما هي العاطفة الإنسانية في أسمى معانيها؛ العاطفة الإنسانية التي بلغت من السمو في نفس محمد ما لم تبلغه في نفس أحد غيره؛ العاطفة الإنسانية التي جعلت العربي يرى فيمن يخلفه من الذّكران صورة من صور الخلود- هذه العاطفة التي جعلت محمدا يخلع على إبراهيم كل هذا الحب؛ ويرمقه من العطف بما لا عطف بعده. ولقد زاد هذه العاطفة رقّة وقوة في نفسه أن فقد ولديه القاسم والطاهر وهما ما يزالان طفلين في

стр. 279

حجر أمهما خديجة؛ وأنه فقد بناته بعد خديجة واحدة بعد الآخرى بعد أن كبرن وصرن أزواجا وأمهات؛ فلم تبق له منهن غير فاطمة. هؤلاء الأبناء والبنات الذين تساقطوا من حوله فدفنهم بيده تحت صفائح الثرى، تركوا في نفسه قرحة ألم اندملت بمولد إبراهيم وأثمرت مكانها رجاء وأملا؛ وكان جلا له أن يمتلئ بهذا الأمل غبطة واستبشارا. مرض إبراهيم لكن هذا الأمل لم يكن ليطول إلا تلك الأشهر التي ذكرنا. فقد مرض إبراهيم بعدها مرضا خيف منه على حياته، فنقل إلى نخل بجوار مشربة أم إبراهيم، وقامت من حوله مارية وأختها سيرين تمرّضانه. ولم يطل بالطفل المرض. فلما كان في الاحتضار وأخبر النبيّ بأمره، أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف يعتمد عليه لشدّة ألمه، حتى أتيا إلى النخل بجوار العالية التي تقوم المشربة اليوم مكانها. فوجد إبراهيم في حجر أمه يجود بنفسه، فأخذه فوضعه وقلبه يجف ويده تضطرب وقد ملك الحزن عليه فؤاده، وبدت صورة الألم على قسمات وجهه. وضعه في حجره وقال: «إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئا» . ثم وجم وذرفت عيناه، والغلام يجود بنفسه، وأمه وأختها تصيحان فلا ينهاهما رسول الله!. فلما استوى إبراهيم جثمانا لا حراك به ولا حياة فيه، وانطفأ بموته ذلك الأمل الذي تفتّحت له نفس النبيّ زمنا، زادت عينا محمد تهتانا وهو يقول: «يا إبراهيم لولا أنه أمر حقّ، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق بأوّلنا، لحزنا عليك أشد من هذا» . وبعد أن وجم هنيهة قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا يا إبراهيم عليك لمحزونون» . ورأى المسلمون ما بمحمد من حزن، وحاول حكماؤهم أن يردوه عن الإمعان فيه، فذكّروه بما نهى عنه؛ فقال: «ما عن الحزن نهيت وإنما نهيت عن رفع الصوت بالبكاء. وإنّ ما ترون بي أثر ما في القلب من محبة ورحمة. ومن لم يبد الرحمة لم يبد غيره عليه الرحمة» أو كما قال. ثم إنه حاول كظم حزنه وتبريد لوعته، ونظر إلى مارية وإلى سيرين نظرة عطف، وطلب إليهما أن تهوّنا عليهما قائلا: «إن له لمرضعا في الجنة» . ثم إن أم بردة غسلته- أو غسله الفضل بن عباس، في رواية أخرى- وحمل من بيتها على سرير صغير، وشيعه النبي وعمه العباس وطائفة من المسلمين إلى البقيع حيث دفن بعد أن صلى النبي عليه. فلما تم دفنه أمر محمد بسد القبر ثم سوّى عليه بيده ورشّ الماء وأعلم عليه بعلامة وقال: «إنها لا تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي. وإن العبد إذا عمل عملا أحب الله أن يتفنه» . ووافق موت إبراهيم كسوف الشمس؛ فرأى المسلمون في ذلك معجزة وقالوا إنها انكسفت لموته. وسمعهم النبي: أترى فرط حبه لإبراهيم وشديد جزعه لموته قد جعله يتعزى بسماع مثل هذه الكلمة، أو يسكت على الأقل عنها، أو يعذر الناس إذ يراهم مأخوذين بما يحسبونه المعجزة؟ كلا! فمثل هذا الموقف إن لاقى بالذين يستغلّون في الناس جهالتهم، أو لاقى بالذين يخرجهم الحزن عن رشادهم، فهو لا يليق بالنزيه الحكيم، فما بالك بالرسول العظيم!. لذلك نظر محمد إلى الذين ذكروا أن الشمس انكسفت لموت إبراهيم فخطبهم فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله بالصلاة» . أيّة عظمة أكبر من ألّا ينسى الرسول رسالته في أشدّ المواقف التي تملأ نفسه بالفجيعة والهول!. لقد وقف من تناول من المستشرقين هذا الحديث لمحمد موقف الإجلال والإعظام، ولم يستطيعوا كتم إعجابهم وإكبارهم وإعلان عرفانهم بصدق رجل لا يرضى في أدق المواقف إلّا الصدق والحق.

стр. 280

ترى ماذا كان شعور أزواج النبي بفجيعته في إبراهيم وحزنه الشديد عليه؟ أمّا هو فتعزّى بفضل الله، وبمتابعته أداء رسالته، وبازدياد الإسلام انتشارا في هذه الوفود التي كانت ما تفتأ تتوارد إليه من كل صوب؛ حتى لقد دعيت هذه السنة العاشرة من الهجرة سنة الوفود، وهي السنة التي حج أبو بكر فيها كذلك بالناس.

стр. 281

الفصل الثامن والعشرون عام الوفود وحج أبي بكر بالناس دخول العرب أفواجا في دين الله- إسلام عروة بن مسعود الثقفي وقتل أهل الطائف له- أخذ القبائل المجاورة الطريق على ثقيف- وفدها إلى النبي وشروطه- إسلام الوفد وإسلام الطائف وهدم صنمها اللات- حج أبي بكر بالناس- لحاق علي بن أبي طالب به- سورة براءة- أساس الدولة الإسلامية المعنوي- الجهاد في الإسلام وتسويغه. أثر تبوك وميل العرب إلى الإسلام بغزوة تبوك تمّت كلمة ربك في شبه جزيرة العرب كلها، وأمن محمد كل عادية عليها. والحق أنه لم يكد يستقرّ بعد أن عاد من هذه الغزوة إلى المدينة حتى بدأ كل من أقام على شركة من أهل شبه الجزيرة يفكّر. ولئن كان المسلمون، الذين صحبوا محمدا في مسيره إلى الشام كابدوا من صنوف المشاق واحتملوا من القيظ والظمأ أهوالا، قد عادوا وفي نفوسهم شيء من السخط أن لم يقاتلوا ولم يغنموا بسبب انسحاب الروح إلى داخل الشام ليتحصنوا بمعاقلهم فيها- لقد ترك هذا الانسحاب في نفوس قبائل العرب المحتفظة بكيانها وبدينها أثرا عمقا، وترك في نفوس قبائل الجنوب باليمن وحضرموت عمان أثرا أشدّ عمقا. أليس الروم هؤلاء هم الذين غلبوا الفرس واستردّوا منهم الصليب وجاؤا به إلى بيت المقدس في حفل عظيم، وفارس كانت صاحبة السلطان على اليمن وعلى البلاد المجاورة لها أزمانا طويلة! فإذا كان المسلمون على مقربة من اليمن ومن غيرها من البلاد العربية جمعاء، فما أجدر هذه البلاد بأن تتضامّ كلها في تلك الوحدة التي تستظلّ بعلم محمد، علم الإسلام، لتكون بمنجاة من تحكم الروم والفرس جميعا! وماذا يضرّ أمراء القبائل والبلاد أن يفعلوا وهم يرون محمدا يثبّت من جاءه معلنا الإسلام والطاعة في إمارته وعلى قبيلته؟! فلتكن السنة العاشرة للهجرة إذا سنة الوفود، وليدخل الناس في دين الله أفواجا، وليكن لغزوة تبوك ولانسحاب الروم أمام المسلمين من الأثر أكثر مما كان لفتح مكة والانتصار في حنين وحصار الطائف. إسلام عروة بن مسعود ومن حسن صنيع القدر أن كانت الطائف- التي قاومت النبيّ في أثناء حصارها ما قاومت حتى انصرف المسلمون عنها دون اقتحامها- هي أوّل من أسرع إلى إعلان الطاعة بعد تبوك، وإن تردّدت طويلا في إعلان هذه الطاعة. فقد كان عروة بن مسعود، أحد سادة ثقيف المقيمين بالطائف، غائبا باليمن في أثناء غزو النبيّ بلاده بعد موقعة حنين. فلمّا عاد إلى موطنه ورأى النبيّ انتصر في تبوك وعاد إلى المدينة، أسرع إليه يعلن

стр. 282

إسلامه وحرصه على دعوة قومه للدخول في دين الله. ولم يكن عروة ليجهل محمدا وعظم أمره، وقد كان أحد الذين فاوضوه عن قريش في صلح الحديبية. وعرف النبيّ بعد إسلام عروة اعتزامه الذهاب إلى قومه يدعوهم إلى الدين الذي دخل فيه، وكان النبيّ يعرف من تعصّب ثقيف لصنمها اللّات ومن نخوتها وشدتّها ما جعله يحذّر عروة ويقول له: إنهم قاتلوك، لكن عروة اعتزّ بمكانه من قومه فقال: يا رسول الله، أنا أحبّ إليهم من أبصارهم. وذهب عروة فدعا قومه إلى الإسلام؛ فتشاوروا فيما بينهم ولم يبدوا له رأيا. فلما كان الصباح قام على علّية له ينادي إلى الصلاة. هنالك صدقت فراسة الرسول، فلم يطق قومه صبرا، فأحاطوا به ورموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم قاتل. واضطرب من حول عروة أهله، فقال وهو يسلم الروح: «كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم» . ثم طلب أن يدفن مع الشهداء فدفنه أهله معهم. ولم يذهب دم عروة هدرا، فإن القبائل التي تحيط بالطائف كانت قد أسلمت كلها، ولذلك رأت فيما صنعت ثقيف بسيد من سادتها إثما ونكرا. ورأت ثقيف من أثر ذلك أنهم صاروا لا يأمن لهم سرب، ولا يخرج منهم رجل إلا اقتطع، وأيقنوا أنهم إن لم يجدوا سبيلا إلى صلح أو هدنة مع المسلمين فمصيرهم لا ريب إلى الفناء. وأتمر القوم فيما بينهم، وتحدثوا إلى كبير منهم (عبد يا ليل) ، كي يذهب إلى النبيّ يعرض عليه صلح ثقيف معه. وخشي عبد يا ليل أن يصيبه من قومه ما أصاب عروة بن مسعود، فلم يقبل أن يخرج إلى محمد حتى أوفدوا معه خمسة آخرين، اطمأنّ إلى أنه إذا خرج معهم ثم عادوا شغل كلّ رجل منهم رهطة. ولقي المغيرة بن شعبة القوم حين دنوا من المدينة، فأسرع يريد أن يخبر النبيّ خبرهم. ولقيه أبو بكر يشتدّ في السير؛ فلما عرف منه ما جاء فيه طلب إليه أن يدع له هذه البشرى يزفّها إلى رسول الله ودخل أبو بكر فأخبر النبيّ بقدوم وفد ثقيف. طلب الوفد بقاء صنمهم ورفض النبي ذلك وكان هذا الوفد ما يزال يعتزّ بقومه، وما يزال يذكر حصار النبيّ للطائف وانصرافه عنها. فمع ما علمهم المغيرة كيف يحيون النبيّ بتحية الإسلام لم يرضوا حين قابلوه إلا أن يحيوه بتحية الجاهلية، ثم إنهم ضربت لهم قبة خاصّة في ناحية من المسجد أقاموا بها يصرّون على الحذر من المسلمين وعدم الطمأنينة إليهم. وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله في مفاوضتهم إياه؛ فكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند النبيّ حتى يأكل منه خالد. وقام هذا بالسفارة، فأبلغ محمدا أنهم مع استعدادهم للإسلام، يطلبون إليه أن يدع لهم صنمهم اللات ثلاث سنين لا يهدمها، وأن يعفيهم من الصلاة. وأبى محمد عليهم ما طلبوا من ذلك أشدّ إباء. ولقد نزلوا يطلبون أن يدع اللات سنتين، ثم أن يدعها سنة، ثم أن يدعها شهرا واحدا بعد انصرافهم إلى قومهم، ولكن إباءه ذلك كان حاسما لا تردّد فيه ولا هوادة. وكيف تريد من نبيّ، يدعو إلى دين الله الواحد القهار ويهدم الأصنام فلا يذر منها باقية، أن يتهاون في أمر صنم منها، وإن كان لقومه من المنعة ما كان لثقيف بالطائف! فالإنسان إمّا أن يؤمن، وإمّا ألّا يؤمن، وليس بين الطرفين إلا الارتياب والشكّ. والشكّ والإيمان لا يجتمعان في قلب كما لا يجتمع الإيمان والكفر. وبقاء اللات طاغية ثقيف علم على أنهم لا يزالون يداولون عبادتهم بينها وبين الله جلّ شأنه. وهذا إشراك بالله، والله لا يغفر أن يشرك به.

стр. 283

طلب الإعفاء من الصلاة ورفضه وطلبت ثقيف إعفاءها من الصلاة؛ فرفض محمد قائلا: إنه لا خير في دين لا صلاة فيه. ونزل الثقفيون عن بقاء اللات وقبلوا الإسلام وإقامة الصلاة. لكنهم طلبوا ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم. إنهم حديثو عهد بإيمان، وقومهم ما يزالون في انتظارهم ليروا ما صنعوا، فليجنبهم محمد تحطيم ما كانوا يعبدون وما كان يعبد آباؤهم. ولم ير محمد أن يشتد في هذه، فسيّان أن يكسر الثقفيون الصنم وأن يكسره غيرهم؛ فهو سيهدم، وستقوم في ثقيف عبادة الله وحده. قال ﵇: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، ثم أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنّا. أمّره عليهم على حداثة سنّه؛ لأنه كان أحرصهم على الفقه في الإسلام وتعلم القرآن، بشهادة أبي بكر والسابقين إلى الإسلام. وأقام القوم مع محمد ما بقي من رمضان، وصاموا وإياه وهو يبعث لهم بفطورهم وسحورهم. فلما آن لهم أن ينصرفوا إلى قومهم أوصى محمد عثمان بن أبي العاص قائلا: «تجاوز في الصلاة وأقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة» . هدم اللات وعاد القوم إلى بلادهم، فوجّه النبيّ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، وكانت لهما بثقيف مودّة وحرمة، ليقوما بهدم اللات. وقدم أبو سفيان والمغيرة لهدم الصنم، فهدمه المغيرة ونساء ثقيف حسّرا يبكين، ولا يجرؤ أحد أن يقترب منه بعد الذي كان من اتفاق وفد ثقيف والنبيّ على هدمه. وأخذ المغيرة مال اللات وحليها فقضى منه، بأمر الرسول وبالاتفاق مع أبي سفيان، دينا كان على عروة والأسود. وبهدم اللات وبإسلام الطائف كانت الحجاز كلها قد أسلمت، وكانت سطوة محمد قد امتدّت من بلاد الروم في الشمال إلى بلاد اليمن وحضرموت في الجنوب. وكانت هذه البلاد الباقية في جنوب شبه الجزيرة تتهيأ كلها لتنضمّ إلى الدين الجديد، ولتقف على الدفاع عنه وعن وطنها كل قوّتها. وكانت وفودها تسير لذلك من جهات مختلفة، قاصدة كلها إلى المدينة لتعلن الطاعة ولتدين بالإسلام. بينما كانت الوفود تقبل تترى إلى المدينة، كانت الأشهر يتلو أحدها الآخر حتى اقترب موعد الحج، ولم يكن النبيّ ﵇ أدّى الفريضة على تمامها يومئذ كما يؤديها المسلمون اليوم، أفتراه يخرج في عامه هذا شكرا لله على ما نصره على الروم، وما أدخل الطائف في حظيرة الإسلام، وما جعل الوفود تجيء إليه من كل فج عميق؟ إن شبه الجزيرة ما يزال بها من لم يؤمن بالله ورسوله، ما يزال بها الكفّار وما يزال بها اليهود والنّصارى. والكفار على عهدهم في الجاهليّة ما يزالون يحجون إلى الكعبة في الأشهر الحرم. والكفار نجس. فليبق إذا بالمدينة حتى يتم الله كلمته وحتى يأذن الله له بالحج إلى بيته، وليخرج أبو بكر في الناس حاجّا. حج أبي بكر بالناس ومنع المشركين من الحج وخرج أبو بكر في ثلثمائة مسلم قاصدا إلى مكة. ولكن العام قد يتلو العام والمشركون ما يزالون يحجون بيت الله الحرام. أليس بين محمد وبين الناس عهد عامّ ألا يصدّ عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم؟! أليست بينه وبين قبائل من العرب عهود إلى آجال مسمّاة؟!. فما دامت هذه العهود فسيظل بيت الله يحج إليه من يشرك بالله ومن يعبد غير الله، وسيظل المسلمون يرون عبادة الجاهليّة تؤدي بأعينهم حول الكعبة وهم بحكم هذه العهود الخاصّة وهذا العهد العام لأقبل لهم بصدّ أحد عن حجّه وعبادته. وإذا كانت الأصنام التي يعبد العرب قد حطم الكثير منها وحطم منها كل ما كان في الكعبة أو حولها، فإن هذا الاجتماع في

стр. 284

بيت الله المقدّس، اجتماعا يضم الثائرين على الشرك وعلى الوثنية والمقيمين على هذا الشرك وهذه الوثنية، تناقض غير مفهوم. وإذا استطاع أحد أن يفهم حج اليهود والنصارى جميعا إلى بيت المقدس على أنه أرض المعاد لليهود ومولد المسيح للنصارى، فلن يستطيع أحد أن يفهم اجتماع عبادتين حول بيت تحطّم فيه الأصنام وتعبد فيه الأصنام التي حطّمت. لذلك كان طبيعيّا أن يحال بين المشركين وبين الاقتراب من البيت الذي طهر من الشرك ومحيت منه كل معالم الوثنية. وفي هذا نزلت الآيات من سورة براءة. لكن موسم الحج بدأ والمشركون قد أتى منهم من أتى من كل فج يقضي مناسك حجه، فليكن هذا الاجتماع أوان تبليغهم أمر الله بنقض كل عهد بين الشرك والإيمان إلا من عهد عقد لأجل فإنه يبقى إلى أجله. ولهذه الغاية أوفد النبيّ عليّ بن أبي طالب كي يلحق بأبي بكر. وكي يخطب الناس حين الحج يوم عرفة بما أمر الله ورسوله. وحضر عليّ، في أثر أبي بكر والمسلمين الذين برزوا إلى الحج معه، كي يؤدّي رسالته. فلمّا رآه أبو بكر قال له: أمير أم مأمور!. قال عليّ بل مأمور. وأخبره بما جاء فيه، وأنّ النبي إنما بعثه في الناس لأنه من أهل بيته. فلما اجتمع الناس بمنى يؤدّون مناسك الحجّ، وقف عليّ بن أبي طالب وإلى جانبه أبو هريرة، فنادى عليّ في الناس يتلو قوله تعالى: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ. وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ. كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ. اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ. فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ. أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ. إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ

стр. 285

مُقِيمٌ. خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ. إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) «١» . وقف عليّ في الناس وهم يؤدّون مناسك الحج بمنى، فتلا عليهم هذه الآيات من سورة التوبة نقلناها هنا كاملة لغرض سنبينه. فلما أتم تلاوتها وقف هنيهة ثم صاح بالناس: «أيها الناس! إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدّته» . صاح عليّ في الناس بهذه الأوامر الأربعة، ثم أجّل الناس أربعة أشهر بعد ذلك اليوم ليرجع كلّ قوم إلى مأمنهم وبلادهم. ومن يومئذ لم يحجّ مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ومن يومئذ وضع الأساس الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية. الأساس المعنوي للدولة الناشئة هذا الأساس هو الذي جعلنا نسجل هنا صدر سورة التوبة كلّه. والحرص على أن يدرك العرب جميعا هذا الأساس هو الذي دعا عليّا إلا ألا يكتفي بقراءة هذه الآيات من براءة يوم الحج، على ما اتفقت عليه الرواية، بل جعله يقرؤها على الناس من بعد ذلك في منازلهم، على ما جاءت به روايات كثيرة. وإنك إذ تتلو صدر «براءة» وتعيد تلاوته بإمعان ورويّة لتشعر حقّا بأنه الأساس المعنوي في أقوى صورة لكل دولة ناشئة تقوم. ونزول «براءة» كلها بعد آخر غزوة من غزوات النبيّ، وبعد أن جاء أهل الطائف يعلنون انضمامهم
следующие страницы →