← Сира

Сира · id 9797

حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

هيكل، محمد حسين

Полный текст (384 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الفصل الثامن والعشرون عام الوفود وحج أبي بكر بالناس دخول العرب أفواجا في دين الله- إسلام عروة بن مسعود الثقفي وقتل أهل الطائف له- أخذ القبائل المجاورة الطريق على ثقيف- وفدها إلى النبي وشروطه- إسلام الوفد وإسلام الطائف وهدم صنمها اللات- حج أبي بكر بالناس- لحاق علي بن أبي طالب به- سورة براءة- أساس الدولة الإسلامية المعنوي- الجهاد في الإسلام وتسويغه. أثر تبوك وميل العرب إلى الإسلام بغزوة تبوك تمّت كلمة ربك في شبه جزيرة العرب كلها، وأمن محمد كل عادية عليها. والحق أنه لم يكد يستقرّ بعد أن عاد من هذه الغزوة إلى المدينة حتى بدأ كل من أقام على شركة من أهل شبه الجزيرة يفكّر. ولئن كان المسلمون، الذين صحبوا محمدا في مسيره إلى الشام كابدوا من صنوف المشاق واحتملوا من القيظ والظمأ أهوالا، قد عادوا وفي نفوسهم شيء من السخط أن لم يقاتلوا ولم يغنموا بسبب انسحاب الروح إلى داخل الشام ليتحصنوا بمعاقلهم فيها- لقد ترك هذا الانسحاب في نفوس قبائل العرب المحتفظة بكيانها وبدينها أثرا عمقا، وترك في نفوس قبائل الجنوب باليمن وحضرموت عمان أثرا أشدّ عمقا. أليس الروم هؤلاء هم الذين غلبوا الفرس واستردّوا منهم الصليب وجاؤا به إلى بيت المقدس في حفل عظيم، وفارس كانت صاحبة السلطان على اليمن وعلى البلاد المجاورة لها أزمانا طويلة! فإذا كان المسلمون على مقربة من اليمن ومن غيرها من البلاد العربية جمعاء، فما أجدر هذه البلاد بأن تتضامّ كلها في تلك الوحدة التي تستظلّ بعلم محمد، علم الإسلام، لتكون بمنجاة من تحكم الروم والفرس جميعا! وماذا يضرّ أمراء القبائل والبلاد أن يفعلوا وهم يرون محمدا يثبّت من جاءه معلنا الإسلام والطاعة في إمارته وعلى قبيلته؟! فلتكن السنة العاشرة للهجرة إذا سنة الوفود، وليدخل الناس في دين الله أفواجا، وليكن لغزوة تبوك ولانسحاب الروم أمام المسلمين من الأثر أكثر مما كان لفتح مكة والانتصار في حنين وحصار الطائف. إسلام عروة بن مسعود ومن حسن صنيع القدر أن كانت الطائف- التي قاومت النبيّ في أثناء حصارها ما قاومت حتى انصرف المسلمون عنها دون اقتحامها- هي أوّل من أسرع إلى إعلان الطاعة بعد تبوك، وإن تردّدت طويلا في إعلان هذه الطاعة. فقد كان عروة بن مسعود، أحد سادة ثقيف المقيمين بالطائف، غائبا باليمن في أثناء غزو النبيّ بلاده بعد موقعة حنين. فلمّا عاد إلى موطنه ورأى النبيّ انتصر في تبوك وعاد إلى المدينة، أسرع إليه يعلن

стр. 282

إسلامه وحرصه على دعوة قومه للدخول في دين الله. ولم يكن عروة ليجهل محمدا وعظم أمره، وقد كان أحد الذين فاوضوه عن قريش في صلح الحديبية. وعرف النبيّ بعد إسلام عروة اعتزامه الذهاب إلى قومه يدعوهم إلى الدين الذي دخل فيه، وكان النبيّ يعرف من تعصّب ثقيف لصنمها اللّات ومن نخوتها وشدتّها ما جعله يحذّر عروة ويقول له: إنهم قاتلوك، لكن عروة اعتزّ بمكانه من قومه فقال: يا رسول الله، أنا أحبّ إليهم من أبصارهم. وذهب عروة فدعا قومه إلى الإسلام؛ فتشاوروا فيما بينهم ولم يبدوا له رأيا. فلما كان الصباح قام على علّية له ينادي إلى الصلاة. هنالك صدقت فراسة الرسول، فلم يطق قومه صبرا، فأحاطوا به ورموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم قاتل. واضطرب من حول عروة أهله، فقال وهو يسلم الروح: «كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم» . ثم طلب أن يدفن مع الشهداء فدفنه أهله معهم. ولم يذهب دم عروة هدرا، فإن القبائل التي تحيط بالطائف كانت قد أسلمت كلها، ولذلك رأت فيما صنعت ثقيف بسيد من سادتها إثما ونكرا. ورأت ثقيف من أثر ذلك أنهم صاروا لا يأمن لهم سرب، ولا يخرج منهم رجل إلا اقتطع، وأيقنوا أنهم إن لم يجدوا سبيلا إلى صلح أو هدنة مع المسلمين فمصيرهم لا ريب إلى الفناء. وأتمر القوم فيما بينهم، وتحدثوا إلى كبير منهم (عبد يا ليل) ، كي يذهب إلى النبيّ يعرض عليه صلح ثقيف معه. وخشي عبد يا ليل أن يصيبه من قومه ما أصاب عروة بن مسعود، فلم يقبل أن يخرج إلى محمد حتى أوفدوا معه خمسة آخرين، اطمأنّ إلى أنه إذا خرج معهم ثم عادوا شغل كلّ رجل منهم رهطة. ولقي المغيرة بن شعبة القوم حين دنوا من المدينة، فأسرع يريد أن يخبر النبيّ خبرهم. ولقيه أبو بكر يشتدّ في السير؛ فلما عرف منه ما جاء فيه طلب إليه أن يدع له هذه البشرى يزفّها إلى رسول الله ودخل أبو بكر فأخبر النبيّ بقدوم وفد ثقيف. طلب الوفد بقاء صنمهم ورفض النبي ذلك وكان هذا الوفد ما يزال يعتزّ بقومه، وما يزال يذكر حصار النبيّ للطائف وانصرافه عنها. فمع ما علمهم المغيرة كيف يحيون النبيّ بتحية الإسلام لم يرضوا حين قابلوه إلا أن يحيوه بتحية الجاهلية، ثم إنهم ضربت لهم قبة خاصّة في ناحية من المسجد أقاموا بها يصرّون على الحذر من المسلمين وعدم الطمأنينة إليهم. وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله في مفاوضتهم إياه؛ فكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند النبيّ حتى يأكل منه خالد. وقام هذا بالسفارة، فأبلغ محمدا أنهم مع استعدادهم للإسلام، يطلبون إليه أن يدع لهم صنمهم اللات ثلاث سنين لا يهدمها، وأن يعفيهم من الصلاة. وأبى محمد عليهم ما طلبوا من ذلك أشدّ إباء. ولقد نزلوا يطلبون أن يدع اللات سنتين، ثم أن يدعها سنة، ثم أن يدعها شهرا واحدا بعد انصرافهم إلى قومهم، ولكن إباءه ذلك كان حاسما لا تردّد فيه ولا هوادة. وكيف تريد من نبيّ، يدعو إلى دين الله الواحد القهار ويهدم الأصنام فلا يذر منها باقية، أن يتهاون في أمر صنم منها، وإن كان لقومه من المنعة ما كان لثقيف بالطائف! فالإنسان إمّا أن يؤمن، وإمّا ألّا يؤمن، وليس بين الطرفين إلا الارتياب والشكّ. والشكّ والإيمان لا يجتمعان في قلب كما لا يجتمع الإيمان والكفر. وبقاء اللات طاغية ثقيف علم على أنهم لا يزالون يداولون عبادتهم بينها وبين الله جلّ شأنه. وهذا إشراك بالله، والله لا يغفر أن يشرك به.

стр. 283

طلب الإعفاء من الصلاة ورفضه وطلبت ثقيف إعفاءها من الصلاة؛ فرفض محمد قائلا: إنه لا خير في دين لا صلاة فيه. ونزل الثقفيون عن بقاء اللات وقبلوا الإسلام وإقامة الصلاة. لكنهم طلبوا ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم. إنهم حديثو عهد بإيمان، وقومهم ما يزالون في انتظارهم ليروا ما صنعوا، فليجنبهم محمد تحطيم ما كانوا يعبدون وما كان يعبد آباؤهم. ولم ير محمد أن يشتد في هذه، فسيّان أن يكسر الثقفيون الصنم وأن يكسره غيرهم؛ فهو سيهدم، وستقوم في ثقيف عبادة الله وحده. قال ﵇: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، ثم أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنّا. أمّره عليهم على حداثة سنّه؛ لأنه كان أحرصهم على الفقه في الإسلام وتعلم القرآن، بشهادة أبي بكر والسابقين إلى الإسلام. وأقام القوم مع محمد ما بقي من رمضان، وصاموا وإياه وهو يبعث لهم بفطورهم وسحورهم. فلما آن لهم أن ينصرفوا إلى قومهم أوصى محمد عثمان بن أبي العاص قائلا: «تجاوز في الصلاة وأقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة» . هدم اللات وعاد القوم إلى بلادهم، فوجّه النبيّ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، وكانت لهما بثقيف مودّة وحرمة، ليقوما بهدم اللات. وقدم أبو سفيان والمغيرة لهدم الصنم، فهدمه المغيرة ونساء ثقيف حسّرا يبكين، ولا يجرؤ أحد أن يقترب منه بعد الذي كان من اتفاق وفد ثقيف والنبيّ على هدمه. وأخذ المغيرة مال اللات وحليها فقضى منه، بأمر الرسول وبالاتفاق مع أبي سفيان، دينا كان على عروة والأسود. وبهدم اللات وبإسلام الطائف كانت الحجاز كلها قد أسلمت، وكانت سطوة محمد قد امتدّت من بلاد الروم في الشمال إلى بلاد اليمن وحضرموت في الجنوب. وكانت هذه البلاد الباقية في جنوب شبه الجزيرة تتهيأ كلها لتنضمّ إلى الدين الجديد، ولتقف على الدفاع عنه وعن وطنها كل قوّتها. وكانت وفودها تسير لذلك من جهات مختلفة، قاصدة كلها إلى المدينة لتعلن الطاعة ولتدين بالإسلام. بينما كانت الوفود تقبل تترى إلى المدينة، كانت الأشهر يتلو أحدها الآخر حتى اقترب موعد الحج، ولم يكن النبيّ ﵇ أدّى الفريضة على تمامها يومئذ كما يؤديها المسلمون اليوم، أفتراه يخرج في عامه هذا شكرا لله على ما نصره على الروم، وما أدخل الطائف في حظيرة الإسلام، وما جعل الوفود تجيء إليه من كل فج عميق؟ إن شبه الجزيرة ما يزال بها من لم يؤمن بالله ورسوله، ما يزال بها الكفّار وما يزال بها اليهود والنّصارى. والكفار على عهدهم في الجاهليّة ما يزالون يحجون إلى الكعبة في الأشهر الحرم. والكفار نجس. فليبق إذا بالمدينة حتى يتم الله كلمته وحتى يأذن الله له بالحج إلى بيته، وليخرج أبو بكر في الناس حاجّا. حج أبي بكر بالناس ومنع المشركين من الحج وخرج أبو بكر في ثلثمائة مسلم قاصدا إلى مكة. ولكن العام قد يتلو العام والمشركون ما يزالون يحجون بيت الله الحرام. أليس بين محمد وبين الناس عهد عامّ ألا يصدّ عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم؟! أليست بينه وبين قبائل من العرب عهود إلى آجال مسمّاة؟!. فما دامت هذه العهود فسيظل بيت الله يحج إليه من يشرك بالله ومن يعبد غير الله، وسيظل المسلمون يرون عبادة الجاهليّة تؤدي بأعينهم حول الكعبة وهم بحكم هذه العهود الخاصّة وهذا العهد العام لأقبل لهم بصدّ أحد عن حجّه وعبادته. وإذا كانت الأصنام التي يعبد العرب قد حطم الكثير منها وحطم منها كل ما كان في الكعبة أو حولها، فإن هذا الاجتماع في

стр. 284

بيت الله المقدّس، اجتماعا يضم الثائرين على الشرك وعلى الوثنية والمقيمين على هذا الشرك وهذه الوثنية، تناقض غير مفهوم. وإذا استطاع أحد أن يفهم حج اليهود والنصارى جميعا إلى بيت المقدس على أنه أرض المعاد لليهود ومولد المسيح للنصارى، فلن يستطيع أحد أن يفهم اجتماع عبادتين حول بيت تحطّم فيه الأصنام وتعبد فيه الأصنام التي حطّمت. لذلك كان طبيعيّا أن يحال بين المشركين وبين الاقتراب من البيت الذي طهر من الشرك ومحيت منه كل معالم الوثنية. وفي هذا نزلت الآيات من سورة براءة. لكن موسم الحج بدأ والمشركون قد أتى منهم من أتى من كل فج يقضي مناسك حجه، فليكن هذا الاجتماع أوان تبليغهم أمر الله بنقض كل عهد بين الشرك والإيمان إلا من عهد عقد لأجل فإنه يبقى إلى أجله. ولهذه الغاية أوفد النبيّ عليّ بن أبي طالب كي يلحق بأبي بكر. وكي يخطب الناس حين الحج يوم عرفة بما أمر الله ورسوله. وحضر عليّ، في أثر أبي بكر والمسلمين الذين برزوا إلى الحج معه، كي يؤدّي رسالته. فلمّا رآه أبو بكر قال له: أمير أم مأمور!. قال عليّ بل مأمور. وأخبره بما جاء فيه، وأنّ النبي إنما بعثه في الناس لأنه من أهل بيته. فلما اجتمع الناس بمنى يؤدّون مناسك الحجّ، وقف عليّ بن أبي طالب وإلى جانبه أبو هريرة، فنادى عليّ في الناس يتلو قوله تعالى: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ. وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ. كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ. اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ. فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ. أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ. إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ

стр. 285

مُقِيمٌ. خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ. وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ. إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) «١» . وقف عليّ في الناس وهم يؤدّون مناسك الحج بمنى، فتلا عليهم هذه الآيات من سورة التوبة نقلناها هنا كاملة لغرض سنبينه. فلما أتم تلاوتها وقف هنيهة ثم صاح بالناس: «أيها الناس! إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدّته» . صاح عليّ في الناس بهذه الأوامر الأربعة، ثم أجّل الناس أربعة أشهر بعد ذلك اليوم ليرجع كلّ قوم إلى مأمنهم وبلادهم. ومن يومئذ لم يحجّ مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ومن يومئذ وضع الأساس الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية. الأساس المعنوي للدولة الناشئة هذا الأساس هو الذي جعلنا نسجل هنا صدر سورة التوبة كلّه. والحرص على أن يدرك العرب جميعا هذا الأساس هو الذي دعا عليّا إلا ألا يكتفي بقراءة هذه الآيات من براءة يوم الحج، على ما اتفقت عليه الرواية، بل جعله يقرؤها على الناس من بعد ذلك في منازلهم، على ما جاءت به روايات كثيرة. وإنك إذ تتلو صدر «براءة» وتعيد تلاوته بإمعان ورويّة لتشعر حقّا بأنه الأساس المعنوي في أقوى صورة لكل دولة ناشئة تقوم. ونزول «براءة» كلها بعد آخر غزوة من غزوات النبيّ، وبعد أن جاء أهل الطائف يعلنون انضمامهم

стр. 286

إلى الدين الجديد، وبعد أن أصبح الحجاز كله ومعه تهامة ونجد منضويا تحت راية الإسلام، وبعد أن أعلن كثير من قبائل الجنوب في شبه الجزيرة الإذعان لمحمد والانضواء إلى دينه، يجلو الحكمة التاريخية في نزول الآيات التي تنتظم أساس الدولة المعنويّ في هذا الحين. فالدولة، لتكون قوية، يجب أن تكون لها عقيدة معنوية عامة يؤمن بها أهلوها ويدافعون جميعا عنها بكل ما أوتوا من عتاد وقوّة. وأيّة عقيدة أعظم من الإيمان بالله وحده لا شريك له! أيّة عقيدة أكبر سلطانا على النفس من أن يحس الإنسان نفسه تتصل بالوجود في أسمى مظاهره، لا سلطان عليه لغير الله ولا رقيب غير الله على ضميره! فإذا وجد الذين يقومون في وجه هذه العقيدة العامّة التي يجب أن تكون أساس الدولة، فأولئك هم الفاسقون، وأولئك هم نواة الثورة الأهلية والفتنة الماحقة، وأولئك يجب لذلك ألا يكون لهم عهد، ويجب أن تقاتلهم الدولة. فإن كانوا ثائرين على العقيدة العامّة ثورة جامحة، وجب قتالهم حتى يذعنوا. وإن كانت ثورتهم على العقيدة العامّة غير جامحة، كما هو شأن أهل الكتاب، وجب أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. المسرفون في أحكامهم على الإسلام والرسول النظر إلى المسألة من الجهة التاريخية والجهة الاجتماعية يهديناا إلى هذا التقدير لمغزى الآيات التي تلاها القارئ ههنا من سورة التوبة، وهو يهدي إلى هذا التقدير كل منصف نزيه القصد. لكن الذين أسرفوا في أحكامهم على الإسلام وعلى رسوله يذرون هذا النظر على نبأ ويعرضون لهذه الآيات القوية غاية القوة من سورة التوبة على أنها دعوة إلى التعصّب لا تتفق مع ما ترضاه الحضارة الفاضلة من تسامح، دعوة إلى قتال المشركين وقتلهم حيث ثقفهم المؤمنون في غير رفق ولا هوادة، دعوة إلى إقامة الحكم على أساس البطش والجبروت. هذا كلام تقرؤه في كثير من كتب المستشرقين. وهو كلام تهوي إليه الأذهان التي لم تنضج فيها ملكة النقد الاجتماعي والتاريخي حتى من أبناء المسلمين وهو كلام لا يتّفق مع الحقيقة التاريخية ولا يتفق مع الحقيقة الاجتماعية في شيء. وهو لذلك يؤدي بأصحابه إلى تفسيرهم ما أوردنا من سورة التوبة، وما جاء من مشابهه في مواضع كثيرة من القرآن، تفسيرا يأباه منطق الحوادث في سيرة الرسول تمام الإباء، وتأباه حياة النبيّ العظيم في تسلسلها من يوم بعثه الله للدعوة إلى دين الحق إلى يوم اصطفاه الله إليه. حرية الرأي والحضارة الغربية ويجمل بنا لبيان ذلك أن نسأل عن الأساس المعنوي للحضارة الحاكمة اليوم، ثم نقيس به هذا الأساس المعنوي الذي دعا محمد إليه. فالأساس المعنوي للحضارة الحاكمة اليوم هو حريّة الرأي حريّة لا حدّ لها، ولا حدّ للتعبير عنها إلا بالقانون. وحريّة الرأي هذه هي لذلك عقيدة يدافع الناس عنها ويضحّون في سبيلها ويجاهدون لتحقيقها ويحاربون من أجلها، ويعتبرون ذلك كله آية من آيات المجد التي يفاخرون بها الأجيال ويتباهون بها على ما سبقهم من العصور. ومن أجل ذلك يقول المستشرقون الذين أشرنا إليهم: إن دعوة الإسلام لمقاتلة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر دعوة إلى التعصّب تتنافى وهذه الحرية. وهذه مغالطة مفضوحة إذا عرفت أن قيمة الرأي الدعوة له والعمل به. والإسلام لم يدع إلى مناوأة المشركين من أهل الجزيرة، إذا هم أذعنوا ولم يدعوا إلى شركهم ولم يعلموا به ويقيموا عبادته. والحضارة الحاكمة اليوم تحارب الآراء التي تناقض مواضع العقيدة منها بأشدّ مما كان يحارب المسلمون المشركين، وتفرض على من يعتبر كتابيّا بالنسبة لهذه الحضارة الحاكمة ما هو شرّ من الجزية ألف مرة.

стр. 287

محاربة البلشفية ولسنا نضرب المثل لذلك بما كان حين محاربة تجارة الرقيق، وإن آمن الذين كانوا يقومون بهذه التجارة بأنها غير محرّمة. لا نضرب هذا المثل حتى لا يقال: إننا لا نستنكر هذه التجارة وإن كان الإسلام لم يدع إلى أكثر من محاربة ما يستنكر. لكن أوربا اليوم، أوربا صاحبة الحضارة الحاكمة تؤيدها أمريكا وتعزّزها قوّات الجنوب في آسيا والشرق الأقصى منها، قد حاربت البلشفية، وهي مستعدّة لمحاربتها أشدّ الحرب. ونحن في مصر مستعدّون للاشتراك مع الحضارة الحاكمة لمحاربة البلشفية. والبلشفية ليست مع ذلك إلا رأيا في الاقتصاد يحارب الرأي الذي تدين به الحضارة الحاكمة اليوم. أفتكون دعوة الإسلام إلى محاربة المشركين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه دعوة وحشيّة إلى التعصب وضدّ الحرية، وتكون الدعوة إلى محاربة البلشفية الهادمة للنظام الاجتماعي في الحضارة الحاكمة دعوة إلى الحرية في العقيدة والرأي وإلى احترامها. محاربة محلات العري ثم إن قوما رأوا في غير بلد من بلاد أوربا أن التهذيب النفسي يجب أن يتصل به التهذيب الجسمي، وأن ما تواضع الناس عليه من ستر الجسم كله أو بعض أعضائه أشد إثارة للمعاني الجنسية في النفس، وأشد لذلك إفسادا للخلق من أن يسير الناس وكلهم عريان. وبدأ أصحاب هذا الرأي ينفذونه وأقاموا محلّات العري في بعض المدن، وأقاموا أماكن يغشاها من شاء للتدرّب على هذا التهذيب الجسمي. لكن هذا الرأي ما بدأ ينتشر حتى رأى القائمون بالأمر في كثير من البلاد أن في انتشار مظاهره إفسادا للتهذيب الخلقي يضر بالجماعة؛ فحرموا «محلّات العري» وحاربوا القائمين بالرأي، ونهوا بالقانون عن إنشاء أماكن هذا التهذيب الجسميّ. وما نشك في أن هذا الرأي، لو انتشر في أمة بأسرها لكان سببا لإعلان الحرب عليها من أمم أخرى على أنه مفسدة للحياة المعنوية في الإنسان، كما أثيرت حروب بسبب الرقيق، وكما تثار حروب أو ما يشبهها بسبب تجارة الرقيق الأبيض وبسبب الاتجار بالمخدّرات. لماذا ذلك كله؟ لأن حرّية الرأي على إطلاقها يمكن أن تحتمل ما بقيت حبيسة في حدود القول الذي لا يتصل منه بالجماعة ضرّ أو أذى. فإذا أوشك هذا الرأي أن يثير في الجماعة الإنسانية الفساد فقد وجبت محاربة هذه الثائرات ووجبت محاربة مظاهر الرأي جميعا، بل وجبت محاربة الرأي نفسه، وإن اختلفت مظاهر هذه الحرب بمقدار ما يترتب على هذه المظاهر من فساد في الجماعة يخشى منه على قوامها الخلقيّ أو الاجتماعي أو الاقتصادي. التشريع قمع لحرية الرأي له ما يسوغه هذه هي الحقيقة الاجتماعية المعترف بها والمقرّرة لدى الحضارة الحاكمة اليوم. ولو أردنا أن نستقصي مظاهر ذلك وآثاره في مختلف الشعوب لطال بنا البحث، وليس هاهنا موضعه. على أنك تستطيع أن تقول إن كل تشريع يراد به قمع أية حركة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية إنما هو حرب للرأي الذي تصدر عنه هذه الحركة. وهذه الحرب تجد ما يسوّدها في مبلغ ما يصيب الجماعة الإنسانية من ضرر إذا نفّذت الآراء تشبّ الحرب عليها. فإذا أردنا أن نقدر دعوة الإسلام إلى مقاتلة الشرك وأهله وحربهم حتى يذعنوا، وهل هذه الحرب مسوّغة أو غير مسوّغة، وجب أن ننظر فيما تمثّله فكرة الشرك هذه وما تدعو إليه. فإن اتفقت الكلمة على فادح ضررها بالجماعة الإنسانية في مختلف عصورها كان لإعلان الإسلام الحرب عليها ما يسوّغه بل ما يوجبه. والشرك الذي كان موجودا حين قيام محمد ﵇ بالدعوة إلى دين الله الحق لم يكن يمثّل عبادة

стр. 288

الأصنام وكفى، ولو أنه كان كذلك لوجبت محاربته؛ فمن الازدراء للعقل الإنساني وللكرامة الإنسانية أن يعبد الإنسان حجرا. ولكن هذا الشرك كان يمثّل مجموعة من التقاليد والعقائد والعادات، بل كان يمثّل نظاما اجتماعيّا هو شرّ من الرق وشرّ من البلشفية وشرّ من كل ما يتصور العقل في هذا القرن المتم للعشرين. كان يمثّل وأد البنات، وتعدّد الزوجات إلى غير حدّ، حتى ليحلّ للرجل أن يتزوّج ثلاثين وأربعين ومائة وثلثمائة امرأة وأكثر من ذلك. وكان يمثّل الربا في أفحش ما يستطيع الإنسان أن يتصوّر الربا. وكان يمثّل الإباحيّة الخلقية في أسفل صورها، وكانت جماعة الوثنيين العرب شرّ جماعة أخرجت للناس. ونودّ من كل منصف أن يجيب عن هذا السؤال: لو أن جماعة من الناس وضعت لنفسها اليوم نظاما فيه من العقائد والعادات وأد البنات، وتعدّد الزوجات، وإباحة الرق لسبب أو لغير سبب، واستغلال الأموال استغلالا فاحشا، ثم قامت ثورة على ذلك كله تحاول تحطيمه والقضاء عليه، أتتّهم هذه الثورة بالتعصّب وبالعمل ضدّ حرية الرأي؟! وإذا افترضنا أن أمة اطمأنّت إلى هذا النظام الاجتماعي المنحطّ وأوشكت العدوى أن تنتقل منها إلى غيرها من الدول فاذنتها هذه الدول بحرب، أتكون الحرب مسوّغة أم غير مسوّغة؟! أو لا تكون مسوّغة أكثر من الحرب الكبرى الأخيرة التي طاحت بملايين من أهل هذا العالم لغير سبب إلا الشره والجشع من جانب دول الاستعمار؟! وإذا كان ذلك شأنها فما عسى أن تكون قيمة نقد المستشرقين للآيات التي تلاها القارئ من سورة براءة، ولدعوة الإسلام إلى حرب الشرك وأهله ممن يدعون إلى إقامة نظام فيه ما ذكرنا وشرّ مما ذكرنا! الثورة على الشرك مسوغة وإذا كانت هذه هي الحقيقة التاريخية في شأن هذا النظام الذي كان قائما في بلاد العرب يظلّه علم الشرك والوثنية، فهناك أيضا حقيقة تاريخية أخرى مستمدّة من حياة الرسول. فهو قد أنفق منذ بعثه الله برسالته ثلاث عشرة سنة حسوما يدعو الناس فيها إلى دين الله بالحجة ويجادلهم بالتي هي أحسن. وهو فيما قام به من غزوات لم يكن معتديا قط، وإنما كان مدافعا عن المسلمين دائما، مدافعا عن حرّيتهم في الدعوة إلى دينهم الذي يؤمنون به ويضحّون بحياتهم في سبيله. هذه الدعوة القويّة إلى قتال المشركين على أنهم نجس، وأنهم لا عهد لهم ولا ميثاق، وأنهم لا يرعون في مؤمن إلّا ولا ذمة، وإنما نزلت بعد آخر غزوة غزا النبيّ: تبوك، فإذا حلّ الإسلام ببلاد تفشى فيها الشرك وحاول أن يقيم فيها هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي الهدّام الذي كان قائما في شبه الجزيرة حين بعث النبيّ، فدعا المسلمون أهلها إلى ترك هذا النظام، وإلى الأخذ بما أحلّ الله وتحريم ما حرّم فلم يذعنوا، فليس من منصف إلا يقول بالثورة عليهم، وبقتالهم حتى تتم كلمة الحق، وحتى يكون الدين كله لله. ولقد أثمر هذا الذي تلا عليّ من «براءة» وما نادى في الناس بألا يدخل الجنة كافر، وبألا يحجّ بعد العام مشرك، وبألا يطوف بالبيت عريان، خير الثمرات، وأزال كل تردّد من نفوس القبائل التي كانت ما تزال متباطئة في تلبية دعوة الإسلام. وبذلك دخلت في الإسلام بلاد اليمن ومهرة والبحرين واليمامة، ولم يبق من يناوئ محمدا إلا عددا قليلا أخذتهم العزة بالإثم وغرّهم بالله الغرور. من هؤلاء عامر بن الطفيل الذي ذهب مع وفد بني عامر ليستظّلوا براية الإسلام، فلما كانوا عند النبيّ امتنع عامر ولم يسلم، وأراد أن يكون للنبي ندّا. وأراد النبيّ أن يقنعه كيما يسلم، فأصرّ على إبائه، ثم خرج وهو يقول: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا قال محمد: اللهمّ اكفني عامر بن الطفيل! وانصرف عامر يريد قومه، وإنه لفي بعض الطريق إذ أصابه الطاعون في عنقه

стр. 289

وقضى عليه وهو في بيت امرأة من بني سلول؛ قضى عليه وهو يردّد: «يا بني عامر! أغدّة كغدّة البعير وموتة في بيت سلوليّة!» . أمّا أربد بن قيس فقد أبى أن يسلم وعاد إلى بني عامر ولم يطل به المقام بل أحرقته صاعقة حين خرج على جمل له يبيعه. ولم يمنع إباء عامر وأربد قومهما من أن يسلموا. ومن هؤلاء بل هو شرّ منهم مكانا مسيلمة بن حبيب؛ فقد جاء في وفد بني حنيفة من أهل اليمامة وخلّفه القوم على رحاهم وذهبوا إلى رسول الله فأسلموا وأعطاهم النبيّ، فذكروا له مسيلمة، فأمر له بمثل ما أمر للقوم، وقال: أما إنه ليس بشرّكم مكانا؛ وذلك لحفظه رحال أصحابه. فلمّا سمع مسيلمة قولهم ادّعى النبوة، وزعم أن الله أشركهن مع محمد في الرسالة، وجعل يسجع لقومه ويقول لهم فيما يقول محاولا مضاهاة القرآن: «لقد أنعم الله على الحبلى. أخرج منها نسمة تسعى. من بين صفاق وحشا» : وأحلّ مسيلمة الخمر والزنا، ووضع عن قومه الصلاة، وانطلق يدعو الناس إلى تصديقه. فأمّا من عدا هؤلاء من العرب فأقبلوا يدخلون في دين الله أفواجا من أطراف شبه الجزيرة، وعلى رأسهم رجال من أعزّ الرجال من أمثال عديّ بن حاتم وعمر بن معدي كرب. وبعث ملوك حمير رسولا بكتاب منهم إلى النبي يعلنون فيه إسلامهم فأقرّهم عليه وكتب إليهم بما لهم وما عليهم في شرع الله. فلما انتشر الإسلام في جنوب شبه الجزيرة، بعث محمد من السابقين إلى الإسلام من يفقههم في دينهم ويثّبتهم فيه. تسمية وفود العرب إلى النبي لم نطل الوقوف عند وفود العرب إلى النبي كما فعل بعض الأقدمين من كتّاب السيرة، لتشابه أمرهم في الانضواء تحت راية الإسلام. ولقد أفرد ابن سعد في طبقاته الكبرى لوفادات العرب على الرسول خمسين صفحة كبيرة، نكتفي بأن نذكر منها أسماء القبائل والبطون التي أوفدتها. فقد جاءت وفود من: مزينة، وأسد، وتميم، وعبس، وفزارة، ومرّة، وثعلبة، ومحارب، وسعد بن بكر، وكلاب، ورؤاس بن كلاب. وعقيل بن كعب، وجعدة، وقشير بن كعب، وبني البكّاء، وكنانة، وأشجع، وباهلة، وسليم، وهلال بن عامر، وعامر بن صعصعة، وثقيف. وجاءت وفود ربيعة من: عبد القيس، وبكر بن وائل، وتغلب، وحنيفة، وشيبان. وجاء من اليمن وفد من طيئ، وتجيب، وخولان، وجعفيّ، وصداء، ومراد، وزبيد، وكنده، والصّدف، وخشين، وسعد هذيم، وبليّ، وبهراء، وعدرة؛ وسلامان، وجهينة، وكلب، وجرم، والأزد، وغسّان، والحارث بن كعب، وهمدان، وسعد العشيرة، وعنس، والداريين، والرّهاويين (حي من مذجح) ، وغامد، والنّخع، وبجيلة، وخثعم، والأشعرين، وحضرموت، وأزد عمان، وغافق، وبارق، ودوس، وثمالة، والحدان، وأسلم، وجذام، ومهرة، وحمير، ونجران، وجيشان. وكذلك لم يبق في شبه الجزيرة بطن أو قبيلة حتى أسلم إلا من قدمنا. وكان ذلك شأن المشركين من أهل شبه الجزيرة؛ سارعوا إلى الدخول في الإسلام، وتركوا عبادة الأوثان. وتطهرت بلاد العرب جميعا من الأصنام وعبادتهم وتم ذلك كله بعد تبوك طواعية واختيارا، من غير أن تزهق نفس أو يهرق دم. فماذا صنع اليهود والنصارى مع محمد، وماذا صنع محمد معهم؟

стр. 290

الفصل التاسع والعشرون حجة الوداع محمد وأهل الكتاب- موقفه من النصارى- مجادلته إياهم- وحدة موقف محمد منهم- بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن- دعوة محمد الناس للحج ومجيئهم إلى المدينة من كل صوب- مسيرتهم في نحو مائة ألف إلى مكة- مناسك الحج- خطبة محمد. بعد حج أبي بكر بالناس منذ تلا عليّ بن أبي طالب صدر سورة براءة على الحاجّ من مسلمين ومشركين حين حجّ أبو بكر بالناس، ومنذ أذّن فيهم بأمر محمد حين اجتمعوا بمنى أن لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدّته، أيقن المشركون من أهل بلاد العرب جميعا أن لم يبق لهم إلى المقام على عبادة الأوثان سبيل، وأنهم إن يفعلوا فليأذنوا بحرب من الله ورسوله. وكان ذلك شأن أهل الجنوب من شبه جزيرة العرب حيث اليمن وحضرموت؛ لأن أهل الحجاز وما والاها شمالا كانوا قد أسلموا واستظلّوا براية الدين الجديد. وكان الأمر في الجنوب مقسّما بين الشرك والمسيحية. فأمّا المشركون فأقبلوا كما رأيت من قبل، يدخلون في دين الله أفواجا ويبعثون وفودهم إلى المدينة فيلقون من النبيّ كل حفاوة بهم تزيدهم على الإسلام إقبالا وتردّ أكثرهم إلى إمارته فتجعله أشدّ على دينه الجديد حرصا. وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقد نزلت فيهم مما تلا عليّ من سورة التوبة هذه الآيات: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) «١» . إلى قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) . يقف كثير من المؤرخين، أمام هذه الآيات من سورة التوبة ختام ما نزل من القرآن، يسائلون أنفسهم. هل أمر محمد ﵇ في شأن أهل الكتاب بغير ما أمر به من قبل أثناء سني رسالته؟ ويذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن هذه الآيات تضع أهل الكتاب والمشركين فيما يشبه المساواة؛ وأن محمدا، وقد ظفر

стр. 291

بالوثنيّة في شبه الجزيرة بعد أن استعان عليها باليهوديّة والمسيحية، معلنا خلال أعوام رسالته الأولى أنه إنما جاء مبشرا بدين عيسى وموسى وإبراهيم والرسل الذين خلوا من قبل، قد جعل وجهته إلى اليهود الذين بدؤه بالعداوة، وظلّ بهم حتى أجلاهم عن شبه الجزيرة، وأثناء ذلك كان يتودّد إلى النصارى وتنزل عليه الآيات تشيد بحسن إيمانهم وجميل مودّتهم، وينزل عليه قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) «١» . وها هو ذا الآن يجعل وجهته إلى النصرانية يريد بها ما أراد باليهودية من قبل، فيجعل شأن النصارى كشأن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهو يصل إلى ذلك بعد أن أجار النصارى من اتّبعه من المسلمين حين ذهبوا إلى الحبشة يستظلون بعدل نجاشيّها، وبعد أن كتب محمد لأهل نجران وغيرهم من النصارى يقرّهم على دينهم وعلى القيام برسوم عبادتهم. ويذهب أولئك المستشرقون إلى أن هذا التناقض في خطّة محمد هو الذي أدّى إلى استحكام العداوة بين المسلمين والنصارى من بعد، وأنه هو الذي جعل التقريب بين أتباع عيسى وأتباع محمد غير ميسور إن لم يكن في حكم المستحيل. والأخذ بظاهر هذه الحجة قد يغري الذين يستمعون إليها إلى أنها تصف جانبا من الحقّ، إن لم تغرهم بتصديقها؛ فأما تتبع التاريخ والتدقيق في أحوال نزول الآيات وأسباب نزولها، فلا يدع محلا للريب البتة في وحدة موقف الإسلام وموقف محمد من الأديان الكتابية منذ بدء رسالته إلى ختامها. فالمسيح ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم. والمسيح بن مريم عبد الله آتاه الكتاب وجعله نبيّا وجعله مباركا وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيّا؛ ذلك ما نزل به القرآن منذ بدء الرسالة إلى ختامها. والله أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؛ ذلك روح الإسلام وأساسه منذ اللحظة الأولى، وذلك روح الإسلام ما دام العالم. ولقد ذهب وفد من نصارى نجران إلى النبي يجادلونه في الله، وفي بنوة عيسى لله من قبل أن تنزل سورة التوبة بزمن طويل، ويسألون محمدا: إن عيسى أمه مريم فمن أبوه؟ وفي ذلك نزل قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) «٢» . وفي هذه السورة، سورة آل عمران، يتوجّه الحديث حديثا معجزا إلى أهل الكتاب يعاتبهم لم يصدّون عن سبيل الله من آمن. ولم يكفرون بايات الله وهي التي جاء بها عيسى وجاء بها موسى وجاء بها إبراهيم، قبل أن تحرّف عن مواضعها وقبل أن يوجهها التأويل بما تهوى أغراض هذه الحياة الدنيا ومتاعها الغرور. وفي كثير من السور توجيه للحديث على النحو الذي وجه به في سورة آل عمران. ففي سورة المائدة يقول الله تعالى:

стр. 292

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) «١» . وفي سورة المائدة كذلك يقول تعالى: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) «٢» . إلى آخر الآيات التي نقلنا في تقديم هذا الكتاب: وسورة المائدة هي التي من بين آياتها الآية التي يحتج بها المؤرخون من النصارى، ويتّخذونها دليلا على تطوّر موقف محمد منهم لتطوّر أحواله السياسية؛ إذ يقول تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) «٣» . والآيات التي نزلت في سورة براءة وتحدّثت عن أهل الكتاب لم تتحدّث عنهم في إيمانهم بالمسيح بن مريم، وإنما تحدّثت عنهم وعن شركهم بالله وفي أكلهم أموال الناس بالباطل وفي كنزهم الذهب والفضة. والإسلام يرى ذلك خروجا من أهل الكتاب على دين عيسى، يجعلهم يحلّون ما حرّم الله ويصنعون صنيع من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. وهو مع ذلك يجعل من إيمانهم بالله، على الرغم من ذلك كله، شفيعا لهم لا تجوز معه مساواتهم بالوثنيين، ويكفي معه، إن هم أصروا على أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة وعلى أن يحلوا ما حرّم الله، أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. كانت هذه الدعوة التي أذّن عليّ بها، يوم حجّ أبي بكر بالناس، آية إسلام الناس من أهل الجنوب في شبه الجزيرة ودخولهم في دين الله أفواجا. فقد توالت الوفود تترى على المدينة كما قدّمنا من قبل، ومن بينها وفود من المشركين ووفود من أهل الكتاب. وكان النبيّ يكرم كل وافد عليه ويردّ الأمراء مكرمين إلى إماراتهم. من ذلك ما سبق لنا ذكره في الفصل الماضي، ومنه أن الأشعث بن قيس قدم في وفد كندة في ثمانين راكبا، دخلوا المسجد على النبيّ وقد رجّلوا لممهم وتكحّلوا ولبسوا جبب الحبر بطّنوها بالحرير، فلما رآهم النبي قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى. قال: فما هذا الحرير في أعناقكم، فشقّوه. وقال له الأشعث: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فتبسم النبيّ ونسب ذلك إلى العبّاس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث. وقدم وائل بن حجر الكنديّ مع الأشعث وكان أمير بلاد الشاطئ من حضرموت فأسلم، فأقره النبي في إمارته على أن يجمع العشر من أهل بلاده ليرده إلى جباة الرسول. وكلّف النبي معاوية بن أبي سفيان أن يصحب وائلا إلى بلاده. وأبي وائل أن يردفه أو أن يعطيه نعليه يتقي بهما حمّارّة القيظ مكتفيا بأن يدعه يسير في ظلّ بعيره. وقبل معاوية ذلك على مخالفته لما جاء به الإسلام من التسوية بين المسلمين ومن جعل المؤمنين إخوة، حرصا على إسلام وائل وقومه. وحدة العرب في ظل الإسلام ولما انتشر الإسلام في ربوع اليمن، أوفد النبي معاذا إلى أهله يعلّمهم ويفقههم وأوصاه قائلا: «يسّر

стр. 293

ولا تعسّر. وبشر ولا تنفر. وإنك ستقوم على قوم من أهل الكتاب يسألونك: ما مفتاح الجنّة؟ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» . وذهب معاذ ومعه طائفة من المسلمين الأولين ومن الجباة يعلّمون الناس ويقضون بينهم بقضاء الله ورسوله. وبإنتشار الإسلام في ربوع شبه الجزيرة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، أصبحت أمة واحدة يظلها لواء واحد هو لواء محمد رسول الله ﷺ ، وتدين كلها بدين واحد هو الإسلام، وتتجه قلوبها جميعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ هذا بعد أن كانت إلى قبل عشرين سنة قبائل متنافرة، تشن إحداها الغارة على غيرها كلما وجدت في ذلك مغنما. وبإنضوائها تحت لواء الإسلام طهرت من رجس الوثنية واستراحت إلى حكم الواحد القهار. وبذلك هدأت الخصومات بين أهلها، فلم يبق لغزو أو خصومة موضع، ولم يبق لأحد أن يستل سيفه من قرابه إلا أن يدافع عن وطنه أو يدفع المعتدي على دين الله. إسلام أهل الكتاب على أن جماعة من نصارى نجران احتفظوا بدينهم، مخالفين في ذلك الأكثرين من قومهم بني الحارث الذين أسلموا من قبل. إلى هؤلاء وجّه النبي خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام كي يسلّموا من مهاجمته ولم يلبثوا حين نادى فيهم خالد أن أسلموا؛ فبعث خالد وفدا منهم إلى المدينة لقيه النبي فيها بالترحيب والمودة. ثم إن جماعة من أهل اليمن عز عليهم أن يخضعوا للواء الإسلام، لأن الإسلام ظهر بالحجاز، ولأن اليمن اعتادت أن تغزو الحجاز فلم يغزها الحجاز من قبل قط. إلى هؤلاء أرسل النبي عليّ بن أبي طالب يدعوهم إلى الإسلام، وقد استكبروا أول الأمر وقابلوا دعوة عليّ بمهاجمته،؛ فلم يلبث عليّ أن شتتهم على صغر سنه وإن لم يكن معه إلا ثلثمائة فارس. وارتدّ المنهزمون ينظمون من جديد صفوفهم. بيد أن عليّا أحاط بهم وأوقع في صفوفهم الرعب، فلم يجدوا من التسليم بدّا، وسلّموا وأسلموا وحسن إسلامهم، وأنصتوا إلى تعاليم معاذ وأصحابه، وكان وفدهم آخر وفد إستقبله النبي بالمدينة قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى. تجهز النبي للحج بينما كان عليّ يتأهب للعودة إلى مكة كان النبي يتجهز للحج ويأمر الناس بالتجهز له. ذلك أن أشهر السنة استدارت وأقبل ذو القعدة وأوشك أن يولي ولم يكن النبي قد حج الحج الأكبر وإن يكن قد اعتمر فأدى الحج الأصغر قبل ذلك مرتين. وللحج مناسك يجب أن يكون ﵇ قدوة المسلمين فيها. وما كاد الناس يعرفون ما صحّ عليه عز النبيّ ودعوته إيّاهم للحج معه حتى انتشرت الدعوة في كل ناحية من شبه الجزيرة. وحتى أقبل الناس على المدينة ألوفا ألوفا من كل فج وحدب: من المدائن والبوادي، من الجبال والصحاري، من كل بقعة في هذه البلاد العربية المترامية الأطراف، التي استنارت كلها بنور الله ونور نبيه الكريم. وحول المدينة ضربت الخيام لمائة ألف أو يزيدون جاؤا تلبية لدعوة نبيّهم رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام. جاؤا إخوة متعارفين تجمع بينهم المودّة الصادقة والأخوّة الإسلامية، وكانوا إلى سنوات قبل ذلك أعداء متنافرين. وجعلت هذه الألوف المؤلّفة تجوس خلال المدينة، وكلّ باسم الثغر، وضّاح الطلعة، مشرق الجبين، يصف اجتماعهم انتصار الحق وانتشار نور الله انتشارا ربط بينهم وجعلهم جميعا كالبنيان المرصوص. مسيرة المسلمين إلى الحج وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة سار النبيّ وأخذ نساءه جميعا معه، كلّ

стр. 294

في محقّتها. سار وتبعه هذا الجمع الزاخر، يذكر طائفة من المؤرّخين أنه كان تسعين ألفا، ويذكر آخرون أنه كان أربعة ومائة ألف: ساروا يحدوهم الإيمان وتملأ قلوبهم الغبطة الصادقة لسيرهم إلى بيت الله الحرام يؤدون عنده فريضة الحجّ الأكبر. فلمّا بلغوا ذا الحليفة نزلوا وأقاموا ليلتهم بها. فلما أصبحوا أحرم النبيّ وأحرم المسلمون معه، فلبس كلّ منهم إزاره ورداءه وصاروا ينتظمهم جميعا زيّ واحد هو أبسط ما يكون زيّا، وقد حققوا بذلك المساواة بأسمى معانيها وأبلغها. وتوجّه محمد بكل قلبه إلى ربه ونادى ملبّيا والمسلمون من ورائه: «لبيك اللهم لبّيك لا شريك لك لبيك. الحمد والنعمة والشكر لك لبّيك. لبّيك، لا شريك لك لبيك» . وتجاوبت الأودية والصحاري بهذا النداء تلبي كلها وتنادي بارئها مؤمنة عابدة. وانطلق الركب بألوفه وعشرات ألوفه يقطع الطريق بين مدينة الرسول ومدينة المسجد الحرام، وهو ينزل عند كل مسجد يؤدّي فيه فرضه، وهو يرفع الصوت بالتلبية طاعة لله وشكرا لنعمته، وهو ينتظر يوم الحج الأكبر نافذ الصبر مشوق القلب ممتلئ الفؤاد لبيت الله هوى ومحبة، وصحاري شبه الجزيرة وجبالها وأوديتها وزروعها النضرة في دهش مما تسمع وتتجاوب به أصداؤها مما لم تعرف قطّ قبل أن يباركها هذا النبيّ الأمّي عبد الله ورسوله. الاحلال بالعمرة فلما بلغ القوم سرفا، وهي محلّة في الطريق بين مكة والمدينة، قال محمد لأصحابه: من لم يكن منكم معه هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا. وبلغ الحجيج مكة في اليوم الرابع من ذي الحجّة، فأسرع النبيّ والمسلمون من بعده إلى الكعبة، فاستلم الحجر الأسود فقبّله، وطاف بالبيت سبعا هرول في الثلاث الأولى منها على نحو ما فعل في عمرة القضاء. وبعد أن صلى عند مقام إبراهيم عاد فقبّل الحجر الأسود كرة أخرى، ثم خرج من المسجد إلى ربوة الصّفا، ثم سعى بين الصفا والمروة. ثم نادى محمد في الناس أن لا يبق على إحرامه من لا هدي معه ينحره. وتردّد بعضهم، فغضب النبيّ لهذا التردّد أشد الغضب وقال: ما آمركم به فافعلوه. ودخل قبّته مغضبا. فسألته عائشة. ما أغضبك؟ فقال: ومالي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا يتّبع!. ودخل أحد أصحابه وما يزال غضبان، فقال: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. فكان جواب الرسول: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يتردّدون! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلّوا. كذلك روى مسلم. فلما بلغ المسلمين غضب رسول الله حلّ الألوف من الناس إحرامهم على أسف منهم، وحلّ نساء النبيّ وحلّت ابنته فاطمة مع الناس، ولم يبق على إحرامه إلا من ساق الهدي معه. عودة عليّ من اليمن وبينما المسلمون في حجّهم أقبل عليّ عائدا من غزوته باليمن وقد أحرم للحج لمّا علم أن رسول الله حج بالناس. ودخل على فاطمة فوجدها قد حلّت إحرامها. فسألها فذكرت له أن النبي أمرهم أن يحلوا بعمرة. فذهب إلى النبي فقصّ عليه أخبار سفرته باليمن. فلما أتمّ حديثه، قال له النبي: انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ أصحابك. قال عليّ: يا رسول الله، إنني أهللت كما أهللت. قال النبي: إرجع فأحلل كما حلّ أصحابك. قال عليّ: يا رسول الله إني قلت حين أحرمت: اللهم إني أهدل بما أهلّ به نبيك وعبدك ورسولك محمد. فسأله النبيّ: أمعه هدي؟ فلما نفي عليّ أشركه محمد في هديه، وثبت عليّ على إحرامه وأدّى مناسك الحج الأكبر.

стр. 295

أداء مناسك الحج وفي الثامن من ذي الحجة يوم التروية ذهب محمد إلى منى، فأقام بخيامه فيها وصلى فروض يومه بها وقضى الليل حتى مطلع الفجر من يوم الحج، فصلى الفجر وركب ناقته القصواء حين بزغت الشمس ويمّم بها جبل عرفات والناس من ورائه. فلمّا ارتقى الجبل أحاط به ألوف المسلمين يتبعونه في مسيرته، ومنهم الملبّي ومنهم المكبّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. وضربت للنبي قبة بنمرة، (قرية بشرق عرفات) ، وكان ذلك بعض ما أمر به. فلمّا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة، وهناك نادى في الناس وما يزال على ناقته بصوت جهوريّ كان يردّده مع ذلك من بعده ربيعة بن أميّة بن خلف وهو يقف بين عبارة وأخرى قائلا بعد أن حمد الله وأثنى عليه: خطبة الرسول الجامعة «أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا. «أيها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا. «وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلّغت. «فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها. «وإنّ كل ربا موضوع «١» ، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. «قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا عبّاس بن عبد المطلب موضوع كلّه. «وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وأن أوّل دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ... «أمّا بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا. ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. «أيها الناس، إنّ النسىء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرم الله فيحلّوا ما حرم الله ويحرّموا ما أحل الله. «وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية ورجب مفرد الذي بين جمادي وشعبان. «أمّا بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقّا ولهن عليكم حقّا، لكم عليهن ألّا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألّا يأتين بفاحشة مبيّنة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرّح. فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان «٢» لا يملكن لأنفسهن شيئا. وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله. «فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلّغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا أمرا بينا: كتاب الله وسنّة رسوله.

стр. 296

«أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه. تعلّمنّ أنّ كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسي منه، فلا تظلمنّ أنفسكم. «اللهم هل بلغت!» . كان النبي يقول هذا وربيعة يردّده من بعده مقطعا مقطعا، ويسأل الناس أثناء ذلك ليحتفظ بيقظة أذهانهم. فكان النبيّ يكلّفه أن يسألهم مثلا: إن رسول الله يقول. هل تدرون أي يوم هذا؟ فيقولون: يوم الحج الأكبر. فيقول النبي: قل لهم إن الله قد حرّم كلامه وقال: اللهم هل بلّغت، أجاب الناس من كل صوب. نعم. فقال: «اللهم اشهد» . اليوم أكملت لكم دينكم ولما أتم النبي خطابه نزل عن ناقته القصواء، وأقام حتى صلى الظهر والعصر ثم ركبها حتى الصّخرات، وهناك تلا ﵇ على الناس قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «١» . فلما سمعها أبو بكر بكى أن أحس أن النبي وقد تمت رسالته قد دنا يومه الذي يلقى فيه ربه. وترك النبي عرفات وقضى ليله بالمزدلفة، ثم قام في الصباح فنزل بالمشعر الحرام؛ ثم ذهب إلى منى وألقى في طريقه إليها الجمرات، حتى إذا بلغ خيامه نحو ثلاثا وستين ناقة، واحدة عن كل سنة من سني حياته، ونحر عليّ ما بقي من الهدي المائة التي ساق النبي منذ خروجه من المدينة. ثم حلق النبيّ رأسه وأتم حجه. أتم هذا الحج الذي يسميه بعضهم حجّة الوداع، وآخرون حجّة البلاغ، وغيرهم حجّة الإسلام. وهي في الحق ذلك كله؛ فقد كانت حجة الوداع، رأى فيها محمد مكة والبيت الحرام للمرة الأخيرة. وكانت حجة الإسلام، أكمل الله فيها للناس دينه وأتم عليهم نعمته. وكانت حجة البلاغ، أتم النبي فيها بلاغه للناس ما أمره الله ببلاغه. وما محمد إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون.

стр. 297

الفصل الثلاثون مرض النبي ووفاته تفكيره في غزو الروم- جيش أسامة- بدء مرض النبي- ذهابه إلى مقابر المسلمين وصلاته على أهل أحد- شكواه من وجع رأسه- الحمى- أمره أبا بكر أن يصلي بالناس- صحو الموت- اختيار الرفيق الأعلى. حجة الوداع تمّت حجّة الوداع وآن لعشرات الألوف ممن صحبوا النّبي فيها أن يعودوا إلى ديارهم، فأنجد منهم أهل نجد، وأتهم أهل تهامة، وانحدر إلى الجنوب أهل اليمن وحضرموت وما حاذاها. وسار النبي وأصحابه ميممين المدينة حتى إذا بلغوها أقاموا بها في أمن من شبه الجزيرة كلها، وفي تفكير متصل من جانب محمد في أمر البلاد الخاضعة للروم والفرس بالشام ومصر والعراق. فهو قد أمن من ناحية شبه جزيرة العرب جمعاء بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا، وبعد أن جعلت الوفود تقبل تترى إلى يثرب تعلن الطاعة وتتفيأ ظلالها تحت لواء الإسلام، وبعد أن انحاز العرب جميعا إليه في حجّة الوداع. وكيف لا يخلص ملوك العرب في ولائهم للنبيّ ولدينه ولم يبق لهم أحد ما أبقاه لهم النبيّ الأميّ من سلطان واستقلال ذاتي. أو لم يبق بدهان عامل فارس على أرض اليمن في ملكه حين أعلن بدهان إسلامه وحرص على وحدة العرب وألقى نير المجوس؟ ولم يكن ما يقوم به بعضهم في أنحاء من شبه الجزيرة من حركات تشبه الانتقاض ليستغرق من النبي شيئا من التفكير أو ليثير في نفسه شيئا من المخاوف، بعد أن انبسط سلطان الدين الجديد على كل الأنحاء، وعنت الوجوه للحيّ القيوم، وآمنت القلوب بالله الواحد القهار. مدعو النبوة طليحة والأسود ومسيلمة لذلك لم يثر قيام الذين قاموا إذ ذاك يدّعون النبوّة عناية محمد ولا اهتمامه. صحيح أن بعض القبائل القاصية عن مكة كانت تسرع، بعد الذي عرفت عن محمد ونجاح دعوته، إلى الإستماع لمدّعي النبوّة من أهل قبيلتهم، وتودّ لو يكون لها من الحظ ما أوتيت قريش، وأن هذه القبائل كانت لبعدها عن مقرّ الدين الجديد لا تعرف كل أمره. لكن الدعوة الحق إلى الله كانت قد تأصلت في بلاد العرب، فلم تكن مقاومتها أمرا يسيرا. وما لاقى محمد في سبيل هذه الدعوة كان قد انتشر في الآفاق خبره، ولم يكن مستطاعا لغير ابن عبد الله احتماله. وكل إدّعاء أساسه البهتان لا مفرّ أن ينكشف سريعا بهتانه. فكل إدّعاء للنبوّة لم يكن مقدّرا له أي نجاح ذي بال. قام طليحة، زعيم بني أسد وأحد أشاوس العرب في الحرب ومن ذوي السلطان بنجد، وزعم

стр. 298

أنه نبيّ ورسول، وأيّد زعمه بالتنبؤ بموقع الماء في يوم كان قومه فيه يسيرون ويكاد الظمأ يقتلهم. لكنه بقي خائفا من الانتقاض على محمد طوال حياة محمد، ولم يعلن الثورة إلا بعد أن قبض الله إليه رسوله. وهزم ابن الوليد طليحة في ثورته هذه، فانضم من جديد إلى صفوف المسلمين وحسن إسلامه. ولم يكن مسيلمة ولا كان الأسود العنسيّ خيرا مكانا من طليحة طيلة حياة النبي. بعث مسيلمة إلى النبي ﵇ يقول: إنه نبيّ مثله، «وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون» . فلما تلا الخطاب نظر النبي لرسولي مسيلمة وأبدى لهما أنه كان يأمر بقتلهما لولا أنّ الرسل في أمن، ثم أجاب مسيلمة بأنه سمع إلى كتابه وما فيه من كذب، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، والسلام على من اتبع الهدى. وأمّا الأسود العنسيّ، صاحب اليمن بعد موت بدهان، فقد جعل يدّعي السحر ويدعو الناس إليه خفية، حتى إذا عظم أمره سار من الجنوب وطرد عمال محمد على اليمن، وتقدّم إلى نجران وقتل فيها ابن بدهان ووارث عرشه، وبنى بزوجه، ونشر في تلك الأصقاع سلطانه. ولم يثر استفحال أمره عناية محمد، ولا استدعى من اهتمامه أكثر من أن بعث إلى عمّاله باليمن كي يحيطوا بالأسود أو يقتلوه. ونجح المسلمون في تأليب اليمن من جديد على الأسود، وقتله زوجه انتقاما منه لقتله زوجها الأوّل ابن بدهان. التفكير في غزو الروم كان تفكير محمد وكانت عنايته متجهين إذا إلى الشمال بعد عوده من حجة الوداع، وكان من ناحية الجنوب آمنا مطمئنّا. والحق أنه منذ غزوة مؤتة، ومنذ عاد المسلمون قانعين من الغنيمة بالإياب، مكتفين بما أبدى خالد بن الوليد من مهارة في الانسحاب، كان محمد يحسب لناحية الروم حسابها، ويرى ضرورة توطيد سلطان المسلمين على حدود الشام حتى لا يعود إليها الذين جلوا عن شبه الجزيرة إلى فلسطين يناوئون أهلها. ولهذا جهّز الجيش العرم الذي جهّز حين بلغه تفكير الروم في مهاجمة حدود شبه الجزيرة، وسار هو على رأسه حتى بلغ تبوك، فألفى الروم قد انسحبوا إلى داخل بلادهم وحصونهم من هيبته. لكنه مع هذا ظلّ يقدّر لناحية الشمال أن تثور الذكريات بحماة المسيحية وأصحاب الغلب في ذلك العصر من أهل الإمبراطورية الروميّة، فيعلنوا الحرب على من أجلوا النصرانية عن نجران وغير نجران من أنحاء بلاد العرب. لذلك لم يطل بالمسلمين المقام بالمدينة بعد عودهم من حجّة الوداع بمكة حتى أمر النبيّ بتجهيز جيش عرم إلى الشام، جعل فيه المهاجرين الأولين ومنهم أبو بكر وعمر، وأمّر على الجيش أسامة بن زيد بن حارثة. وصية النبي لأسامة وكان أسامة بن زيد يومئذ حدثا لا يكاد يعدو العشرين من سنّه؛ فكان لإمارته على المتقدمين الأوّلين من المهاجرين ومن كبار الصحابة ما أثار دهشة النفوس لولا إيمانها الصادق برسول الله. والنبيّ إنما أراد بتعيين أسامة بن زيد أن يقيمه مقام أبيه الذي استشهد في موقعة مؤتة، وأن يجعل له من فخار النصر ما يجري به ذلك الاستشهاد، وما يبعث إلى جانب ذلك في نفس الشباب الهمة والحميّة، ويعوّدهم الاضطلاع بأعباء أجسم التبعات. وأمر محمد أسامة أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين على مقربة من مؤتة حيث قتل أبوه، وأن ينزل على أعداء الله وأعدائه في عماية الصبح، وأن يمعن فيهم قتلا، وأن يحرقهم بالنار، وأن يتمّ ذلك دراكا حتى لا تسبق إلى أعدائه أنباؤه. فإذا أتمّ الله النّصر لم يطل بقاءه بينهم، وعاد غانما مظفرا. وخرج أسامة والجيش معه إلى الجرف (على مقربة من المدينة) يتجهّزون للسفر إلى فلسطين. وإنهم

стр. 299

لفي جهازهم إذ حال مرض رسول الله، ثم اشتداد المرض به، دون مسيرهم. وقد يسأل إنسان: كيف يحول مرض رسول الله دون مسيرة جيش أمر بجهازه وسفره؟ لكن مسيرة جيش إلى الشام يقطع البيد والصحاري أياما طويلة ليست بالأمر الهين ولم يكن يسهل على المسلمين، والنبي أحبّ إليهم من أنفسهم، أن يتركوا المدينة وهو يشكو المرض وهم لا يعلمون ما وراء هذا المرض. ثم إنهم لم يعرفوا قط من قبل أنه شكا مرضا ذا بال، فهو لم يصب من المرض بأكثر من فقد الشهيّة في السنة السادسة من الهجرة حين قيل كذبا إن اليهود سحروه، ومن ألم أصابه واحتجم من أجله حين أكل من الشاة المسمومة في السنة السابعة من الهجرة. ثم إن حياته وتعاليمه كانت تنأى به وبكل من يتّبعها عن المرض. فهذا الزّهد في الطعام ونيل القليل منه، وهذه البساطة في الملبس والعيش، وهذه النظافة التامة نظافة يقتضيها الوضوء ويحبها محمد ويحرص عليها، حتى ليقول: إنه لولا خيفته أن يشق على قومه لفرض عليهم السّواك في اليوم خمس مرات، وهذا النشاط الدائم؛ نشاط العبادة من ناحية ونشاط الرياضة من ناحية أخرى. وهذا القصد في كل شيء، وفي الملذات قبل كل شيء. وهذا السموّ عن عبث الأهواء، وهذه الرفعة النفسيّة لا تدانيها رفعة، وهذا الاتصال الدائم بالحياة وبالكون في خير صور الحياة وأدق أسرار الكون- هذا كله يجنب صاحبه المرض ويجعل الصحة بعض حظه. فإذا كان سليم التكوين، قوي الخلق، كما كان محمد، جفاه المرض ولم يعرف إليه سبيلا. فإذا مرض كان طبيعيّا أن يخاف محبوه وأصحابه، وكان طبيعيّا أن يخافوا وهم قد رأوا ما عاناه من مصاعب الحياة خلال عشرين سنة متتابعة. فهو منذ بدأ يجهز بدعوته في مكة مناديا الناس بعبادة الله وحده لا شريك له وبترك الأصنام مما كان يعبد آباؤهم، قد لقى من العنت ما تنوء به النفوس مما شتّت عنه أصحابه الذين أمرهم فهاجروا إلى الحبشة، وما اضطرّه للاحتماء بشعاب الجبل حين أعلنت قريش قطيعته. وهو حين هاجر من مكة إلى المدينة بعد بيعة العقبة قد هاجر في أدقّ الأحوال وأشدها تعرّضا للخطر، وهاجر وهو لا يعرف ما قدر له بالمدينة. وقد كان بها في الفترة الأولى من مقامه موضع دسّ اليهود وعبثهم. فلما نصره الله وأذن أن يدخل الناس من أنحاء شبه الجزيرة في دين الله أفواجا، ازداد عمله وتضاعف مجهوده وظلّ تعهّد ذلك كله يقتضيه من بذل الجهود ما ينوء بالعصبة أولى القوة، وإن له- ﵊ في بعض الغزوات لمواقف تشيب من هولها الولدان. وأيّ موقف أشدّ هولا من موقفه يوم أحد حين ولى المسلمون، وسار وهو يصعد في الجبل ورجال قريش يشتدّون في تتبعه، ويرمونه حتى كسرت زباعيته! وأيّ موقف أشدّ هولا من موقفه يوم حنين حين ارتدّ المسلمون في عماية الصبح مولّين الأدبار، حتى قال أبو سفيان: إن البحر وحده هو الذي يردّهم، ومحمد واقف لا يرتد ولا يتراجع وينادي في المسلمين: إلى أين، إلى أين! إليّ، إليّ، حتى عادوا وحتى انتصروا!. والرسالة! والوحي! وهذا المجهود الروحي المضني في اتصاله بسرّ الكون وبالملأ الأعلى، هذا المجهود الذي روي بسببه عن النبيّ أنه قال: شيبتني هود وأخواتها! رأى أصحاب محمد هذا كله، ورأوه يحمل العبء صلبا قويّا لا يعرف المرض إليه طريقا. فإذا مرض من بعد ذلك، فمن حق أصحابه أن يخافوا وأن يتمهّلوا في السير من معسكرهم بالجرف إلى الشام، حتى تطمئن نفوسهم إلى ما يكون من أمر الله في نبيه ورسوله. خطاب النبي أهل المقابر وحادث وقع جعلهم أشد خوفا؛ فقد أرق محمد ليلة أوّل ما بدأ يشكو وطال أرقه، وحدّثته نفسه أن يخرج في ليل تلك الأيام، أيام الصيف الرقيقة النسيم، فيما حول المدينة، وخرج ولم يستصحب معه أحدا إلا مولاه أبا مويهبة. أفتدري أين ذهب؟ ذهب إلى بقيع الغرقد حيث مقابر المسلمين على مقربة من المدينة. فلمّا وقف بين المقابر قال يخاطب أهلها: «السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس

стр. 300

فيه. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الأولى» . حدّث أبو مويهبة أن النبيّ قال له أوّل ما بلغنا بقيع الغرقد: «إني أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي» . فلمّا استغفر لهم وآن له أن يؤوب، أقبل على أبي مويهبة فقال له: «يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة» . قال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال محمد: «لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنّة» . تحدّث أبو مويهبة بما رأى وما سمع؛ لأنّ النبيّ بدأ يشكو المرض غداة تلك الليلة التي زار فيها البقيع، فاشتد خوف الناس ولم يتحرّك جيش أسامة. صحيح أن هذا الحديث الذي يروى عن أبي مويهبة يلقاه بعض المؤرخين بشيء من الشك، ويذكرون أن مرض محمد لم يكن وحده هو الذي حال دون تحرّك الجيش إلى فلسطين، وأن تذمّر الكثيرين من تعيين حدث كأسامة على رأس جيش يضم جلّة المهاجرين الأوّلين والأنصار، كان أكبر من مرض محمد في عدم تحرّك الجيش أثرا. وقد اعتمد هؤلاء المؤرخون في تدوين رأيهم هذا على وقائع يتلوها القارئ في هذا الفصل. وإذا كنا لا نناقش أصحاب هذا الرأي رأيهم في تفاصيل هذا الذي روى أبو مويهبة، فإننا لا نرى مسوّغا لإنكار الحادث من أساسه، وإنكار ذهاب النبيّ إلى بقيع الغرقد واستغفاره لأهل المقابر من ساكنيه ودقة إدراكه اقتراب ساعته، ساعة، ساعة الدنو من جوار الله. فالعلم لا ينكر في عصرنا الحاضر مناجاة الأرواح على أنها بعض المظاهر النفسية.) Psychique (ودقّة الإدراك لدنوّ الأجل يؤتاها الكثيرون حتى ليستطيع أي إنسان أن يقص مما عرف من وقائع ذلك شيئا غير قليل. ثم إن هذه الصلة بين الأحياء والموتى، وهذه الوحدة بين الماضي والمستقبل، وحدة لا يحدّها زمان ولا مكان، قد أصبحت مقررة اليوم وإن كنا بطبيعة تكويننا نقصر عن استجلاء صورتها. فإذا كان ذلك بعض ما نرى اليوم وبعض ما يقرّه العلم، فلا محلّ لإنكار هذا الحادث الذي روى أبو مويهبة من أسامه، ولا محل لهذا الإنكار بعد الذي ثبت من اتصال محمد النفسيّ والرّوحيّ بعوالم الكون اتصالا يجعله يدرك من أمره أضعاف ما يدرك الموهوبون في هذه الناحية. يداعب عائشة على رغم مرضه وأصبح محمد في الغداة ومرّ بعائشة، فوجدها تشكو صداعا في رأسها وتقول: وا رأساه. فقال لها وقد بدأ يحسّ ألم المرض: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه. لكن شكوه لم يكن قد اشتدّ إلى الحدّ الذي يلزمه الفراش، أو يحول بينه وبين ما عوّد أهله وأزواجه من تلطّف ومفاكهة. وكرّرت عائشة الشكوى من صداعها حين سمعته يشكو؛ فقال لها وما ضرّك لو متّ قبلي فقمت عليك وكفنتك وصلّيت عليك ودفنتك! وأثارت هذه الدّعابة غيرة الأنوثة في نفس عائشة الشابة كما أثارت عندها حبّ الحياة والحرص عليها، فأجابت: «ليكن ذلك حظّ غيري. والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك» . وتبسّم النبيّ وإن لم يمكّنه الألم من متابعة الدعابة، فلمّا سكن عن الألم بعض الشيء قام يطوف بأزواجه كما عوّدهن. لكن الألم جعل يعاوده وتزداد به شدّته، حتى إذا كان في بيت ميمونة لم يطق مغالبته، ورأى نفسه في حاجة إلى التمريض. هنالك دعا نساءه إليه في بيت ميمونة واستأذنهنّ، بعد أن رأين حاله، أن يمرّض في بيت عائشة. وأذن له أزواجه في الانتقال؛ فخرج عاصبا رأسه، يعتمد في مسيرته على عليّ بن أبي طالب وعلى عمه العباس، وقدماه لا تكادان تحملانه حتى دخل بيت عائشة.

стр. 301

اشتداد الحمى وخروجه إلى المسجد وزادت به الحمى في الأيام الأولى من مرضه، حتى لكان يشعر كأن به منها لهبا. لكن ذلك لم يكن يمنعه ساعة تنزل الحمى من أن يمشي إلى المسجد ليصلي بالناس. وظلّ على هذا عدّة أيام، لا يزيد على الصلاة ولا يقوى على محادثة أصحابه ولا خطابهم، وإن لم يحل ذلك دون أن يصل الهمس إلى أذنه بما يقول الناس إنه أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار لغزو الشام. ومع أنه كان يزداد وجعه كلّ يوم شدّة، لقد شعر من هذا الهمس بضرورة التحدّث إلى الناس حتى يعهد إليهم؛ فقال لأزواجه وأهله: «هريقوا عليّ سبع قرب من آبار شتّى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم» . وجىء بالماء من آبار مختلفة، وأقعده أزواجه في مخضب «١» لحفصة، وصببن عليه ماء القرب السبع حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم. ولبس ثيابه وعصب رأسه وخرج إلى المسجد وجلس على المنبر، فحمد الله ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر من الصلاة عليهم، ثم قال: «أيها الناس أنفذوا بعث أسامة. فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله. وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها» . وسكت محمد هنيهة خيّم الصمت على الناس أثناءها. ثم عاد إلى الحديث فقال: «إن عبدا من عباد الله خيّره الله بين الدنيا والآخرة وبين ما عنده فاختار ما عند الله» . وسكت محمد من جديد والناس كأنما على رؤسهم الطير. لكن أبا بكر أدرك أن النبي إنما يعني بهذه العبارة الأخيرة نفسه، فلم يستطع لرقّة وجدانه وعظيم صداقته للنبي أن يمسك عن البكاء، فأجهش وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا! وخشي محمد أن تمتد عدوى التأثر من أبي بكر إلى الناس، فأشار إليه قائلا: على رسلك يا أبا بكر. ثم أمر أن تقفل جميع الأبواب المؤدية إلى المسجد إلا باب أبي بكر فلمّا أقفلت قال: «إني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه. وإني لو كنت متخذا من العباد خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده» . ونزل محمد عن المنبر يريد أن يعود بعد ذلك إلى بيت عائشة، على أنه لم يلبث أن التفت إلى الناس وقال: إيصاؤه المهاجرين بالأنصار «يا معشر المهاجرين استوصوا خيرا؛ فإن الناس يزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد. وإنهم كانوا عيبتي «٢» التي أويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» . ودخل محمد بيت عائشة. لكن المجهود الذي أنفقه يومئذ وهو في مرضه قد كان من شأنه أن زاد وطأة المرض شدّة. وأي مجهود بالنسبة لمريض تساوره الحمى يخرج بعد أن تصبّ عليه سبع قرب من الماء، ويخرج تثقله أكبر الشواغل: جيش أسامة، ومصير الأنصار من بعده، ومصير هذه الأمة العربية التي ربط الدين الجديد بأقوى الأواصر وأمتن الروابط بينها. لذلك حاول أن يقوم في غده ليصلي بالناس كما عوّدهم، فإذا هو لا يقدر. إذ ذاك قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس. وكانت عائشة تحرص على أن يؤدّي النبيّ الصلاة لما في ذلك من مظهر الصحة، فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن. قال محمد: مروه فليصل بالناس، فكررت عائشة قولها. فصاح محمد بها والمرض يهزّه: إنّكن صواحب يوسف! مروه فليصلّ بالناس. وصلى أبو بكر بالناس كأمر النبي. وإنه لغائب يوما إذ دعا بلال إلى الصلاة ونادى عمر أن يصلي بالناس مكان أبي بكر. وكان عمر جهير الصوت؛ فلما كبّر في المسجد سمعه محمد من بيت عائشة

стр. 302

فقال: «فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون» . ومن هنا ظنّ بعضهم أن النّبيّ استخلف أبا بكر من بعده أن كانت الصلاة بالناس أول مظهر للقيام مقام رسول الله. ابنته فاطمة وحديثه لها وبلغت به شدة المرض حدّا آلمه. ذلك أن الحمّى زادت به حتى لقد كانت عليه قطيفة، فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم من فوقها شعروا بحرّ هذه الحمّى المضنية. وكانت ابنته فاطمة تعوده كل يوم، وكان يحبها ذلك الحب الذي يمتلئ به وجود الرجل للابنة الواحدة الباقية له من كل عقبه. لذلك كانت إذا دخلت على النبقّي قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه. فلمّا بلغ منه المرض هذا المبلغ دخلت عليه فقبّلته؛ فقال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها إلى جانبه وأسرّ إليها حديثا فبكت، ثم أسرّ إليها حديثا آخر فضحكت. فسألتها عائشة في ذلك؛ فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله ﷺ . فلمّا مات ذكرت أنه أسرّ إليها أنه سيقبض في مرضه هذا فبكت، ثم أسرّ أنها أول أهله يلحقه، فضحكت. وكانوا لاشتداد الحمّى به يضعون إلى جواره إناء به ماء بارد، فما يزال يضع يده فيه ويمسح بها على وجهه. وكانت الحمّى تصل به حتى يغشى عليه أحيانا ثم يفيق وهو يعاني منها أشد الكرب؛ حتى قالت فاطمة يوما وقد حزّ الألم في نفسها لشدة ألم أبيها: واكرب أبتاه! فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم. يريد أنه سينتقل من هذا العالم عالم الأسى والألم. أراد أن يكتب لهم كتابا فاختلفوا وحاول أصحابه يوما تهوين الألم على نفسه، فذكروا له نصائحه ألا يشكو المريض. فأجابهم: إن ما به أكثر مما يكون في مثل هذه الحال برجلين منهم. وفيما هو في هذه الشدّة وفي البيت رجال قال: «إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا» . قال بعض الحاضرين: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، وحسبنا كتاب الله. ويذكرون أن عمر هو الذي قال هذه المقالة. واختلف الحضور، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يأبى ذلك مكتفيا بكتاب الله، فلمّا رأى محمد خصومتهم قال: قوموا! ما ينبغي أن يكون بين يدي النبيّ خلاف. وما فتئ ابن عباس بعدها يرى أنهم أضاعوا شيئا كثيرا بأن لم يسارعوا إلى كتابه ما أراد النبيّ إملاءه. أمّا عمر فظلّ ورأيه، أن قال الله في كتابه الكريم: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) «١» . وتناقل الناس ما بلغ من اشتداد المرض بالنبي، حتى هبط أسامة وهبط الناس معه الجرف إلى المدينة. ودخل أسامة على النبيّ في بيت عائشة، فإذا هو قد أصمت «٢» فلا يتكلم. فلما بصر بأسامة جعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على أسامة علامة ادّعاء له. غضبه لمعالجة أهله إياه ورأى أهله وهذه حاله أن يسعفوه بعلاج، فأعدّت أسماء قريبة ميمونة شرابا كانت عرفت أثناء مقامها بالحبشة كيف تعدّه، وانتهزوا فرصة إغماءة من إغما آت الحمّى فصبّوه فيه. فلما أفاق قال: من صنع هذا؟ ولم فعلتموه؟!. قال عمه العبّاس: خشينا يا رسول الله أن تكون بك ذات الجنب. قال: ذلك داء ما كان الله ليقذفني به!. ثم أمر بمن في الدار، خلا عمّه العباس، أن يتناولوا هذا الدواء لم تستثن منهم ميمونة على رغم صيامها.

стр. 303

وكان عند محمد أوّل ما اشتد به المرض سبعة دنانير خاف أن يقبضه الله إليه وما تزال باقية عنده، فأمر اهله أن يتصدّقوا بها. لكن اشتغالهم بتمريضه والقيام في خدمته واطّراد المرض في شدّته أنساهم تنفيذ أمره. فلما أفاق يوم الأحد الذي سبق وفاته من إغمائه سألهم: ما فعلوا بها؟ فأجابت عائشة إنها ما تزال عندها. فطلب إليها أن تحضرها، ووضعها في كفه ثم قال: «ما ظنّ محمد بربه لو لقي الله عنده هذه» . ثم تصدق بها جميعا على فقراء المسلمين. وقضى محمد ليله هادئا مطمئنّا نزلت عنه الحمّى، حتى لكأن الدواء الذي سقاه أهله قد فعل فعله وقضى على المرض عنده. وبلغ من ذلك أن استطاع أن يخرج ساعة الصبح إلى المسجد عاصبا رأسه معتمدا على عليّ بن أبي طالب والفضل بن العباس. وكان أبو بكر ساعتئذ يصلي بالناس. فلما رأى المسلمون النبيّ وهم في صلاتهم قد خرج إليهم كادوا يفتنون فرحا به وتفرّجوا، فأشار إليهم أن يثبتوا على صلاتهم. وسرّ محمد بما رأى من ذلك أكبر سرور واغتبط له أعظم الغبطة. وأحسّ أبو بكر بما صنع الناس، وأيقن أنهم لم يفعلوه إلا لرسول الله، فنكص عن مصلّاه يريد أن يتخلّى لمحمد عن مكانه. فدفعه محمد في ظهره وقال: صلّ بالناس؛ وجلس هو إلى جنب أبي بكر فصلّى قاعدا عن يمينه. فلمّا فرغ من صلاته أقبل على الناس رافعا صوته حتى سمعه من كان خارج المسجد فقال: «أيها الناس؛ سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسّكون عليّ بشيء. إني والله لم أحلّ إلا ما أحلّ القرآن ولا أحرّم إلا ما حرّم القرآن. لعن الله قوما اتّخذوا قبورهم مساجد» . غبطة المسلمين بظاهرة إبلاله ولقد عظم فرح المسلمين بما رأوا من مظاهر التقدم في صحة النبيّ، حتى أقبل عليه أسامة بن زيد يستأذنه في مسيرة الجيش إلى الشام، وحتى مثل بين يديه أبو بكر قائلا: يا نبيّ الله إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحبّ، واليوم يوم بنت خارجة، أفاتيها؟ فأذن النبيّ له في ذلك، وانطلق أبو بكر إلى السنح بأطراف المدينة حيث تقيم زوجه. وانصرف عمر وعليّ لشئونهما. وتفرّق المسلمون وكلهم سعيد مستبشر، بعد أن كانوا إلى أمس عابسين مغمومين لما يتّصل بهم من أخبار النبيّ ومرضه واشتداد الحمّى به وإغمائه. وعاد هو إلى بيت عائشة والسرور لرؤية هؤلاء المسلمين قد امتلأ بهم المسجد يفعم قلبه، وإن كان يحس جسمه ضعيفا غاية الضعف، وعائشة تنظر إلى هذا الرجل الذي يمتلئ قلبها تقديسا لجلال عظمته، وقد ملكها الإشفاق عليه لضعفه ومرضه، فهي تودّ لو تبذل له حشاشة نفسها لتردّ إليه القوّة والحياة. الصحو الذي يسبق الموت لكن خروج النبيّ إلى المسجد لم يكن إلا الصحو الذي يسبق الموت. فقد كان يزداد بعد دخوله إلى البيت في كل لحظة ضعفا، وكان يرى الموت يدنو، ولم يبق لديه ريب في أنه لم يبق له في الحياة إلا سويعات. ترى ماذا عساه كان يشهد في هذه السويعات الباقية له على فراق الحياة؟ أفكان يستذكر حياته منذ بعثه الله هاديا ونبيّا، وما لاقى فيها، وما أتم الله عليه من نعمته، وما شرح به صدره من فتح قلوب العرب لدين الحق؟ أم كان يقضيها مستغفرا ربه متوجّها إليه بكل روحه على نحو ما كان يفعل كلّ حياته؟ أم كان يعاني هذه الساعات الأخيرة من آلام النزع ما لم يبق لديه قوّة الاستذكار؟ تختلف الروايات في ذلك اختلافا كبيرا وأكثرها على أنه دعا في هذا اليوم القائظ من أيام شبه الجزيرة، ٨ يونيو سنة ٦٣٢ م، بإناء فيه ماء بارد كان يضع يده فيه ويمسح بمائه وجهه؟ وأن رجلا من آل أبي بكر دخل على عائشة وفي يده سواك، فنظر إليه محمد نظرا دل على أنه

стр. 304

يريده، فأخذته عائشة من قريبها ومضغته له حتى لان وأعطته إياه فاستنّ به «١» ؛ وأنه وقد شق عليه النزع، توجّه إلى الله يدعوه: اللهم أعني على سكرات الموت. قالت عائشة، وكان رأس النبي في هذه الساعة في حجرها: «وجدت رسول الله ﷺ يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» . قلت: خيرات فاخترت والذي بعثك بالحق. وقبض رسول الله بين سحري «٢» ونحري ودولتي ولم أظلم فيه أحدا. فمن سفهي وحداثة سني أنه ﷺ قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي» . أمات محمد حقّا؟ ذلك ما اختلف العرب يومئذ فيه اختلافا كاد يثير بينهم الفتنة، وما تؤدي الفتنة إليه من حرب أهلية، لولا أن أراد الله بهم وبدينهم الحق الحنيف خيرا.

стр. 305

الفصل الحادي والثلاثون دفن الرسول اختلاف المسلمين هل مات محمد- عمر يخطب الناس بانه لم يمت- أبو بكر يعود فيخطبهم بانه مات ويتلو عليهم القرآن- اقتناع المسلمين بقول أبي بكر- خوف الاختلاف فيمن يقوم بامر المسلمين- بيعة السقيفة، ثم البيعة العامة لأبي بكر- تجهيز النبي وغسله- مرور الناس به رجالا فنساء فصبيانا- دفنه حيث قبض- إنفاذ جيش أسامة إلى الشام وانتصاره- آخر ما قال الرسول ﷺ ذهول المسلمين لخبر الوفاة وعمر يكذب الخبر اختار النبيّ ﵇ الرفيق الأعلى في بيت عائشة ورأسه في حجرها، فوضعت رأسه على وسادة وقامت تلتدم وتضرب وجهها مع النساء اللاتي اسرعن اليها لأوّل ما بلغهن الخبر. وفوجئ المسلمون بالمسجد بهذه الضجة؛ لأنهم رأوا النبيّ في الصباح وكل شيء يدلّ على أنه عوفي، مما جعل أبا بكر يذهب إلى زوجه بنت خارجة بالسنح. لذلك أسرع عمر إلى حيث كان جثمان النبيّ وهو لا يصدّق أنه مات. ذهب فكشف عن وجهه فألفاه لا حراك به: فحسبه في غيبوبة لا بدّ أن يفيق منها. وعبثا حاول المغيرة إقناعه بالحقيقة الأليمة؛ فقد ظلّ مؤمنا بأن محمدا لم يمت فلما ألحّ المغيرة قال له: كذبت. وخرج معه إلى المسجد وهو يصيح «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي؛ وإنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران؛ فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات. والله ليرجعنّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات» . واستمع المسلمون بالمسجد إلى هذه الصيحات من جانب عمر يرسل الواحدة تلو الآخرى وهم في حال أشبه شيء بالذهول، ألا إن كان محمد قد مات حقّا فواحر قلباه؟ وياللهمّ الناصب لأولئك الذين رأوه وسمعوا له، وآمنوا بالله الذي بعثه بالهدى ودين الحق، همّ يذهل القلب ويذهب باللبّ. وإن كان محمد قد ذهب إلى ربه، كما يقول عمر، فذلك أدعى للذهول؛ وانتظار أوبته حتى يرجع كما رجع موسى أشدّ إمعانا في العجب. لذلك أحاطت جموعهم بعمر وهم أدنى إلى تصديقه وإلى الإيمان بأن رسول الله لم يمت. وكيف يموت وقد كان معهم منذ ساعات يرونه ويسمعون إلى صوته الجهوري وإلى دعائه واستغفاره!. وكيف يموت وهو خليل الله الذي اصطفى لتبليغ رسالته، وقد دانت له العرب كلها، وبقي أن يدين له كسرى وأن يدين له هرقل بالإسلام!. وكيف يموت وهو هذه القوة التي هزّت العالم مدى عشرين سنة متوالية، وأحدثت فيه أعنف ثورة

стр. 306

روحية عرف التاريخ!. لكن النساء هناك ما زلن يلتدمن ويضربن وجوههنّ علامة أنه مات. ولكنّ عمرها هنا في المسجد ما فتئ ينادي بأنه لم يمت، وبأنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، وبأن الذين يقولون بموته إنما هم المنافقون؛ هؤلاء المنافقون الذين سيضرب محمد أيديهم وأعناقهم بعد رجعته. أي الأمرين يصدّق المسلمون؟ لقد أخذهم الفزع أول الأمر، ثم ما زالت بهم أقوال عمر تبعث إلى نفوسهم الأمل برجعة النبي حتى كادوا يصدّقون أمانيهم، ويصوّرون منها لأنفسهم حقائق يكادون يستريحون إليها. مجيء أبي بكر من السنح وإنهم لكذلك إذ أقبل أبو بكر آتيا من السنح وقد بلغه الخبر الفادح. وبصر بالمسلمين وبعمر يخطبهم، فلم يقف طويلا ولم يلتفت إلى شيء، بل قصد إلى بيت عائشة فاستأذن ليدخل، فقيل له: لا حاجة لأحد اليوم بإذن. فدخل فألفى النبيّ مسجّى في ناحية من البيت عليه برد حبرة «١» ، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه يقبله وقال: ما أطيبك حيّا وما أطيبك ميتا!. ثم إنه أخذ رأس النبي بين يديه وحدّق في معارف وجهه التي بقيت لم ينكرها عدوان الموت عليها، وقال: بأبي أنت وأمي! أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم أعاد الرأس إلى الوسادة وردّ البرد على وجهه وخرج وعمر ما يزال يكلم الناس ويقنعهم بأن محمدا لم يمت. وفسح الناس لأبي بكر طريقا. فلما دنا من عمر ناداه: على رسلك يا عمر! أنصت!. لكن عمر أبى أن يسكت أو ينصت واستمر يتكلم. فأقبل أبو بكر على الناس وأشار إليهم بأنه يكلمهم. ومن كأبي بكر في هذا المقام؟! أليس هو الصّدّيق صفيّ النبيّ ومن لو اتخذ خليلا لاتخذه خليلا؟! لذلك أسرع الناس إلى تلبية دعوته وانصرفوا إليه عن عمر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. ثم تلا قوله تعالى: (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) «٢» . وكان عمر قد أنصت حين رأى انصراف الناس إلى أبي بكر؛ فلمّا سمع أبا بكر يتلو هذه الآية خرّ إلى الأرض ما تحمله رجلاه موقنا أنّ رسول الله قد مات. وأمّا الناس فقد أخذوا من قبل بأقوال عمر، حتى لقد ألفوا أنفسهم إذ سمعوا هذه الآية يتلوها أبو بكر وكأنهم لم يكونوا يعلمون أنها نزلت. وكذلك زايل القلوب كل شك في أن محمدا قد اختار جوار الرفيق الأعلى، وأن الله قد ضمّه إليه. أفكان عمر غاليا حين اقتنع بأن محمّدا لم يمت، وحين دعا الناس إلى مثل اقتناعه؟ كلا! وإن العلماء ليحدّثوننا اليوم بأن الشمس ستظل تتناثر على حقب الدهور حتى يجيء يوم تفنى فيه. أفيصدق أحد هذا الكلام من غير أن تساوره الشكوك في إمكانه؟ هذه الشمس التي ترسل من ضيائها ومن حرارتها ما يحيا العالم به، كيف تفنى وكيف تنطفئ ثم يبقى العالم بعدها يوما؟ ومحمد لم يكن أقلّ من الشمس ضياء، ولا حرارة، ولا قوة. وكما أن الشمس محسنة، فقد كان محمد محسنا. وكما أن الشمس تتصل بالكائنات كلها، فقد كان روح محمد يتصل بالكائنات جميعا، وما زال ذكره ﷺ يعطّر الكون كله. فلا عجب إذا اقتنع عمر بأن محمدا لا يمكن أن يموت. وهو حقّا لم يمت ولن يموت.

стр. 307

رجوع الجيش إلى المدينة وكان أسامة بن زيد قد رأى النبيّ صباح ذلك اليوم حين خرج إلى المسجد وظن كما ظن المسلمون جميعا أنه تعافى، فذهب ومن كان قد عاد إلى المدينة من الجيش المسافر إلى الشام ولحق بالمعسكر بالجرف، وأمر الجيش بالتجهز للمسير. وإنه لكذلك إذ لحق به الناعي نذيرا بوفاة النبي، فعاد أدراجه وأمر الجيش فرجع كله إلى المدينة؛ ثم ذهب هو فركز علمه عند باب عائشة، وانتظر ما سيكون من أمر المسلمين من بعد. وفي الحقّ أنّ المسلمين كانوا من أمرهم في حيرة. فهم لم يلبثوا حين سمعوا أبا بكر وحين أيقنوا أن محمدا قد مات، أن تفرّقوا، فإنحاز حيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل إلى أبي بكر. وإن أبا بكر وعمر لكذلك إذ أتى آت ينبئهما بنبأ الأنصار الذين انحازوا إلى سعد بن عبادة، ثم يردف النبأ بقوله: فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر موجها حديثه إلى أبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. وإنهم لفي طريقهم إذ لقيهم من الأنصار رجلان صالحان، فذكرا للمهاجرين ما تمالأ عليه القوم وسألاهم: أين يريدون؟ فلمّا علما أنهم يريدون الأنصار قالا؛ لا عليكم ألّا تقرّبوهم؛ يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم. قال عمر: والله لنأتينّهم. وانطلقوا حتى نزلوا بهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل. قال عمر بن الخطاب: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، به وجع. فلما جلس المهاجرون قام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفّت دافّة من قومكم وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر. مقالة أبي بكر للأنصار وكانت هذه روح الأنصار أثناء حياة النبيّ. لذلك لم يكد عمر يسمع هذا الكلام حتى أراد أن يدفعه: فأمسك به أبو بكر مخافة شدّته وقال: على رسلك يا عمر! ثم قال موجها كلامه للأنصار: «أيها الناس! نحن المهاجرين أوّل الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثرهم ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله: أسلمنا قبلكم، وقدّمنا في القرآن عليكم، فقال ﵎: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ) «١» . فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار؛ إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ. وأما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، وأنتم أجدر بالثناء من أهل الأرض جميعا. فأما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش. فمنّا الأمراء ومنكم الوزراء» . هناك استشاط أحد الأنصار غضبا وقام فقال: «أنا جذيلها «٢» المحكّك، وعذيقها المرجّب. منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش» . قال أبو بكر: بل منا الأمراء ومنكم الوزراء، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم؛ وأخذ بيد عمر بن

стр. 308

الخطاب وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح وهو جالس بينهما. هنالك كثر اللغط وارتفعت الأصوات وخيف الاختلاف؛ فنادى عمر بصوته الجهوريّ: أبسط يدك يا أبا بكر. فبسط أبو بكر يده فبايعه وهو يقول: «ألم يأمرك النبي بأن تصلي أنت يا أبا بكر بالمسلمين! فأنت خليفته؛ ونحن نبايعك فنبايع خير من أحبّ رسول الله منا جميعا» . ومست هذه الكلمات قلوب الحاضرين من المسلمين أن كانت معبّرة حقّا عما ظهر من إرادة النبي حتى هذا اليوم الأخير الذي رآه الناس فيه؛ فقضى ذلك على ما بينهم من خلاف، وأقبلوا فبايع المهاجرون ثم بايع الأنصار. وإذ كان الغد من ذلك اليوم، جلس أبو بكر على المنبر، وتقدّم ابن الخطاب فتكلّم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إنّي قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إليّ رسول الله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبّر أمرنا ويبقى ليكون آخرنا. وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله. فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له. وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله- ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه» . فبايع الناس أبا بكر البيعة العامّة بعد بيعة السقيفة. خطاب أول الخلفاء الراشدين وقام أبو بكر بعد أن تمّت البيعة فألقى في الناس هذا الخطاب الذي يعتبر آية من آيات الحكمة وفصل الخطاب. قال ﵁ بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد، أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله» . أين يدفن جثمان الرسول ؟ وبينما المسلمون يختلفون ثم يتفقون على بيعة أبي بكر بيعة السقيفة ثم البيعة العامّة، كان جثمان النبي حيث كان على سرير موته يحيط به الأقربون من أهله. فلما تمّت البيعة لأبي بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله كي يدفنوه. وقد اختلفوا فيما بينهم أين يدفن. قال جماعة من المهاجرين: يدفن في مكة مسقط رأسه وبين أهله. وقال غيرهم: بل يدفن في بيت المقدس حيث دفن الأنبياء قبله. وما أدري كيف قال أصحاب هذا الرأي، وبيت المقدس كان ما يزال بأيدي الروم، وكان بين الروم والمسلمين عداوة منذ مؤتة وتبوك حتى جهز رسول الله جيش أسامة للثأر. ولم يرض المسلمون هذا الرأي ولا هم رضوا أن يدفن النبيّ بمكة، ورأوا أن يدفن بالمدينة التي آوته ونصرته والتي استظلت قبل غيرها بلواء الإسلام. وتحدثوا أين يدفن؟ قال فريق منهم: يدفن بالمسجد حيث كان يخطب الناس ويعظهم ويصلي بهم؛ ورأى هؤلاء أن يدفن حيث يقوم المنبر أو إلى جانبه. لكن هذا الرأي لم يلبث أن رفض؛ لما روي عن عائشة أن النبيّ كان عليه رداء أسود حين اشد به وجعه، فكان يضعه مرّة على وجهه ويكشفه عنه مرة وهو يقول: قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! ثم قضى أبو بكر بين الناس إذ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قبض نبيّ إلا دفن حيث يقبض. ثم تقرر أن يحفر له مكان الفراش الذي قبض فوقه.

стр. 309

غسل النبي ووداع الجثمان الطاهر وتولى غسل النبيّ أهله الأقربون، وفي مقدمتهم عليّ بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وولداه الفضل وقثم وأسامة بن زيد. وكان أسامة بن زيد وشقران مولى النبيّ هما اللذان يصبّان الماء عليه وعليّ يغسله وعليه قميصه؛ فقد أبوا أن ينزعوا عنه القميص. وكانوا أثناء ذلك يجدون به طيبا حتى كان عليّ يقول: بأبي أنت وأمي! ما أطيبك حيّا وميّتا!. ويذهب بعض المستشرقين إلى أن هذه الرائحة الذكية ترجع إلى ما اعتاد النبيّ طوال حياته من التطيّب حتى كان يرى الطيب بعض ما حبّب إليه من هذه الحياة الدنيا. فلمّا فرغوا من غسله وعليه قميصه كفن في ثلاث أثواب: ثوبين صحاريّين «١» وبرد حبرة أدرج فيه إدراجا. ولمّا تمّ الجهاز على هذا النحو ترك الجثمان حيث كان، وفتحت الأبواب للمسلمين يدخلون من ناحية المسجد يطوفون، يلقون على نبيهم نظرة الوداع، ويصلّون على النبيّ، ثم يخرجون وقد هوى الحزن بنفوسهم إلى قرار سحيق. وامتلأت الحجرة حين دخل أبو بكر وعمر يصليان مع المسلمين لا يؤمّهم في صلاتهم هذه أحد. فلما استوى الناس بالمكان وقد علاهم الصمت قال أبو بكر: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلّغ رسالة ربّه وجاهد في سبيله حتى أتمّ الله النصر لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ألّا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. وكان المسلمون يجيبون عند كل جملة من كلام أبي بكر في هيبة وخشوع: آمين آمين. فلما فرغ الرجال من صلاتهم وخرجوا أدخل النساء، ثم أدخل الصبيان من بعدهم. وهؤلاء وأولئك جميعا كلّ واجف قلبه محزون فؤاده يفرى الأسى كبده لفراق رسول الله خاتم النبيين، وتساوره على دين الله أشد الخشية من بعده. من ساعات التاريخ الرهيبة وإني لأستعيد الساعة، بعد أكثر من ألف وثلثمائة سنة من ذلك اليوم، صورة هذا المشهد الرهيب المهوب فتمتلئ نفسي هيبة وخشوعا ورهبة. هذا الجثمان المسجّى في ناحية من الحجرة التي ستصبح غدا قبرا والتي كانت إلى أمس بساكنها حياة ورحمة ونورا؛ وهذا الجثمان الطاهر لذلك الذي دعا الناس إلى الهدى والحق، وكان لهم المثل الأعلى في البر والرحمة والإقدام والإباء وإنصاف المظلوم والانتصاف من كل رجل وكل امرأة وكل صبيّ يذكر في هذا الرجل الذي اختار جوار ربه أباه وأخاه وصاحبه ووفيه ونبيّ الله ورسوله! أيّ شعور تمتلئ به تلك القلوب العامرة بالإيمان الممتلئة إشفاقا مما يخبئ الغد بعد موت الرسول- أستعيد الساعة صورة هذا المشهد الرهيب، فأراني شاخصا له مأخوذا به ممتلئ القلب من جلال هيبته، أكاد لا أجد إلى الإنصراف عنه سبيلا. تبلبل عقائد المستضعفين وكان من حق المسلمين أن تساورهم الخشية. فمنذ ذاع النّبأ بموت النبيّ في المدينة وترامى إلى قبائل العرب المحيطة بها، اشرأبّت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وتبلبلت عقائد المستضعفين من العرب. وهمّ أهل مكة بالرجوع عن الإسلام، بل أرادوا ذلك، حتى خافهم عتّاب بن أسيد عامل النبي على أمّ القرى فتوارى منهم. ولولا أن قام سهيل بن عمرو بينهم، فقال بعد أن ذكر وفاة النبي: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه؛ ثم قال: يا أهل مكة، كنتم آخر من أسلم فلا تكونوا أوّل من ارتدّ، والله ليتمّنّ

стр. 310

الله عليكم هذا الأمر كما قال رسول الله ﷺ ، لما رجعوا عن ردّتهم؟ دفن النبي وقد كان للعرب في حفر قبورهم طريقتان: إحداهما لأهل مكة يحفرون القبر مسطّح القاع، والآخرى لأهل المدينة يحفرونه مقوّسا. وكان أبو عبيدة بن الجرّاح يضرح كحفر أهل مكة، وأبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة. وحار أهل النبي أيّ الطريقتين يسلكون في حفر قبره. فبعث عمه العباس رجلين يدعو أحدهما أبا عبيدة ويدعو الآخر أبا طلحة. فأمّا المبعوث إلى أبي عبيدة فلم يعد به وجاء المبعوث إلى أبي طلحة به، فلحّد لرسول الله على طريقة أهل المدينة فلمّا كان المساء وبعد أن مرّ المسلمون بالجثمان الطاهر وودّعوه الوداع الأخير، اعتزم أهل النبيّ دفنه، فانتظروا حتى مضى هزيع من الليل، وفرشوا القبر برداء أحمر كان النبيّ يلبسه، ثم أنزله الذين تولّوا غسله إلى المقرّ الأخير لرفاته، وبنوا فوقه باللبن وأهالوا التراب فوق القبر. قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحى من جوف الليل، وقالت فاطمة مثل هذا القول. وكان دفنه ليلة الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الأول، أي بعد يومين من اختياره الرفيق الأعلى. عائشة وحجرة القبر وظلّت عائشة من بعد ذلك تعيش بمنزلها في الحجرة المجاورة لحجرة القبر سعيدة بهذا الجوار الكريم. ولمّا مات أبو بكر دفن إلى جوار النبيّ، كما دفن عمر إلى جواره من بعد. ويروى أن عائشة كانت تزور حجرة القبر سافرة إلى أن دفن عمر بها إذ لم يكن بها يومئذ غير أبيها وزوجها. فلما دفن عمر كانت لا تدخل إلا محتجبة لابسة كامل ثيابها. ولم يكد المسلمون يفرغون من جهاز رسول الله ودفنه حتى أمر أبو بكر أن ينفذ جيش أسامة لغزو الشام تنفيذا لما كان قد أمر رسول الله به. وقد أبدى بعض المسلمين من الاعتراض على ذلك ما أبدوا أيّام مرض النبيّ. وانضم عمر إلى المعترضين ورأى ألا يشتّت المسلمون، وأن يحتفظ بهم في المدينة مخافة أمر قد يدعو إليهم. لكن أبا بكر لم يتردّد لحظة في تنفيذ أمر الرسول، ورفض أن يستمع إلى قول الذين أشاروا بتعيين قائد أسنّ من أسامة وأكثر منه في الحرب دربة. وتجهّز الجيش عند الجرف وأسامة على رأسه، وخرج أبو بكر يودّعه. هنالك طلب إلى أسامة أن يعفى ابن الخطاب من الذهاب معه ليبقى بالمدينة يشير على أبي بكر. ولم تمض عشرون يوما على مسيرة الجيش حتى أغار المسلمون على البلقاء، وحتى انتقم أسامة للمسلمين ولأبيه الذي قتل بمؤتة أشدّ انتقام. وقد كانت صيحة الحرب في تلك الأيام المظفّرة: «يا منصور أمت» . وكذلك نفّذ أبو بكر ونفّذ أسامة أمر النبي، وعاد بالجيش إلى المدينة ممتطيا الجواد الذي قتل أبوه بمؤتة عليه، يتقدمه اللواء الذي عقده رسول الله بيده. الأنبياء لا يورثون ولمّا قبض النبيّ طلبت فاطمة ابنته إلى أبي بكر أن يردّ عليها ما ترك من أرض بفدك وخيبر. لكن أبا بكر أجابها بقول أبيها: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» . ثم قال لها: فأمّا إن كان أبوك قد وهب لك هذا المال فإني أقبل كلمتك في ذلك وأنفذ ما أمر به، وأجابت فاطمة بأن أباها لم يفض إليها بشيء من ذلك، وإنما أخبرتها أمّ أيمن بأن ذلك كان قصده. عند ذلك أصرّ أبو بكر على استبقاء فدك وخيبر وردّهما إلى بيت مال المسلمين.

стр. 311

الميراث الروحي العظيم وكذلك خرج محمد من هذه الحياة الدنيا لم يترك شيئا من عرضها الزائل لأحد بعده؛ خرج منها كما دخل إليها وقد ترك فيها للناس هذا الدين القيّم، ومهّد فيها لهذه الحضارة الإسلامية الكبرى التي تفيّأ العالم ظلالها من قبل وسيتفيأ ظلالها من بعد، وأقرّ فيها التوحيد، وجعل فيها كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وقضى فيها على الوثنية في كل صورها ومظاهرها القضاء المبرم، ودعا الناس فيها أن يتعاونوا على البرّ والتقوى لا على الإثم والعدوان، وترك من بعده كتاب الله هدى للناس ورحمة، وكان فيها المثل الأسمى والأسوة الحسنة. وكان من آخر ما ضربه للناس من الأمثلة أن قال للناس يوم كلّمهم أثناء مرضه. «أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد مني. ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه. ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء فهي ليست من شأني» . وادّعى عليه رجل ثلاثة دراهم فأعطاه عوضها. ثم ترك العالم بعد ذلك مخلفا هذا الميراث الروحي العظيم الذي لا يزال ينتشر في العالم حتى يتمّ الله كلمته، وينصر دينه على الدين كله ولو كره الكافرون. ﷺ .

стр. 312

خاتمة في مبحثين ١- الحضارة الإسلامية كما صورها القرآن الحضارتان الإسلامية والغربية خلّف محمد هذا الميراث الروحي العظيم الذي أظلّ العالم ووجّه حضارته خلال عدة قرون مضت، والذي سيظلّه من بعد ويوجه حضارته حتى يتم الله في العالم نوره. وإنما كان لهذا الميراث كل هذا الأثر فيما مضى، وسيكون له مثله وأكثر منه من بعد، لأنه أقام دين الحق ووضع أساس حضارة هي وحدها كفيلة بسعادة العالم. والدّين والحضارة اللذان بلّغهما محمد للناس بوحي ربه، يتزاوجان حتى لا انفصال بينهما. ولئن قامت هذه الحضارة الإسلامية على أساس من قواعد العلم وهدى العقل، واستندت في ذلك إلى ما تستند إليه الحضارة الغربية في عصرنا الحاضر؛ ولئن استند الإسلام من حيث هو دين إلى التفكير الذاتي، وإلى المنطق التجريدي (الميتافيزيقي) - إن الصلة مع ذلك وثيقة بين الدين ومقرّراته والحضارة وأساسها. ذلك بأن الإسلام يربط بين التفكير المنطقي والشعور الذاتي، وبين قواعد العقل وهدى العلم، برابطة لا مفرّ لأهله من البحث عنها والاهتداء إليها ليظلّوا مسلمين وطيدا إيمانهم. وحضارة الإسلام تختلف من هذه الناحية عن الحضارة الغربية المتحكمة اليوم في العالم، كما تختلف عنها في تصوير الحياة والأساس الذي يقوم هذا التصوير عليه. وهذا الاختلاف بين الواحدة والآخرى من هاتين الحضارتين جوهريّ إلى الحدّ الذي يجعل أساس كل واحدة منهما نقيض الأساس الذي تقوم عليه الآخرى. الغرب وتنازع الكنيسة والدولة فيه يرجع هذا الاختلاف إلى أسباب تاريخية، أشرنا إليها في تقديم هذا الكتاب وفي تقديم طبعته الثانية. فقد أدّى النزاع في الغرب المسيحي بين السلطتين الدينية والزمنية- وبعبارة هذا العصر: بين الكنيسة والدولة- إلى الفصل بينهما وإلى إقامة سلطان الدولة على إنكار سلطان الكنيسة. وكان لهذا التنازع على السلطان أثره في التفكير الغربي كله. وفي مقدّمة النتائج التي ترتبت على هذا الأثر ما كان من تفريق بين الشعور الإنساني والعقل الإنساني، وبين منطق العقل المجرّد ومقررات العلم الواقعي المستندة إلى الملاحظة المادّية. وكان لانتصار التفكير الماديّ أثره البالغ في قيام النظام الاقتصادي أساسا رئيسيا للحضارة الغربية. فقد نشأ من ذلك أن قامت في الغرب مذاهب تريد أن تجعل كل ما في عالمنا خاضعا لحياة هذا العالم الإقتصادي، كما أراد غير واحد أن يضع تاريخ الإنسانية في أديانها وفنّها وفلسفتها وتفكيرها وعلمها بوحي ما كان من مدّ أو جزر اقتصادي في أممها

стр. 313

المختلفة. ولم يقف أمر هذا التفكير عند التاريخ وكتابته، بل أقامت بعض مذاهب الفلسفة الغربية قواعد الخلق على أسس نفعية مادية بحتة. ومع ما بلغته هذه المذاهب من براعة في التفكير وقوّة في الابتكار، لقد أمسكها التطوّر الفكري في الغرب في حدود المنفعة المادية المشتركة، تقيم عليها قواعد الخلق جميعا، وترى ذلك من المقتضيات المحتومة للبحث العلمي. فأمّا المسألة الروحية فهي في نظر الحضارة الغربية مسألة فردية صرفة، فلا محلّ لأن يعنى الناس أنفسهم جماعة بها. ومن ثمّ كانت الإباحة في العقيدة بعض ما قدّسه أهل الغرب، وكانوا أشدّ تقديسا لها من تقديسهم الإباحة في الخلق؛ وهم أشدّ تقديسا للإباحة في الخلق منهم لحرية الحياة الاقتصادية المقيدة بالقانون تقييدا ينفذه الجندي وتنفذه الدولة بكل ما أوتيت من قوّة. قصور الحضارة الغربية عن إسعاد الإنسانية في اعتقادي أن حضارة تجعل الحياة الاقتصادية أساسا، وتقيم قواعد الخلق على أساس هذه الحياة الاقتصادية، ولا تقيم للعقيدة وزنا في الحياة العامة، تقصر عن أن تمهّد للإنسانية سبيل سعادتها المنشودة. بل إن هذا التصوير للحياة لجدير أن يجرّ على الإنسانية ما تعانيه من محن في هذه العصور الأخيرة، جدير أن يجعل كل تفكير في منع الحرب وفي توطيد أركان السلام في العالم قليل الجدوى غير مرجوّ الثمرة. فما دامت صلتي بك أساسها الرغيف الذي آكل أنا أو تأكل أنت وتنازعنا عليه ونضالنا في سبيله، قائمة بذلك على أساس القوّة الحيوانية في كلّ منا، فسيظل كلّ منا يرقب الفرصة التي يحسن فيها الاحتيال للحصول على رغيف صاحبه؛ وسيظلّ كلّ منا ينظر إلى الآخر على أنه خصمه لا على أنه أخوه، وسيظلّ الأساس الخلقي الكمين في النفس أساسا حيوانيّا بحتا، وإن بقي كمينا حتى تدفع الحاجة إلى ظهوره، وستظل المنفعة وحدها قوام هذا الأساس الخلقي، على حين تنزلق عليه المعاني الإنسانية السامية والمبادئ الخلقية الكريمة، مبادئ الإيثار والمحبة والأخوّة، فلا يكاد يمسكها ولا تكاد تعلق به. وما هو واقع في العالم اليوم خير مصداق عملي لما أذكر؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول للنظام الاقتصادي، وهما لذلك أوّل مظهر لحضارة الغرب. وهما كذلك في المذهب الفرديّ وفي المذهب الاشتراكي على سواء. في المذهب الفردي ينافس العامل العامل، وينافس رب المال رب المال، والعامل ورب المال فيه خصمان يتنافسان. وأرباب هذا المذهب يرون في هذا التنافس وهذا النضال كلّ خير للإنسانية ولتقدّمها. فهما عندهم الحافز للإتقان والحافز لتقسيم العمل، وهما المعيار العادل لتوزيع الثروة. أمّا المذهب الاشتراكي فيرى في نضال الطوائف، نضالا يفنيها جميعا حتى يردّ الأمر كله للعمال، بعض ما تحتمه الطبيعة، وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، وما دام النضال بين الطوائف طبيعيّا، فالنضال بين الأمم طبيعي كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف. ومن ثمّ كانت فكرة القوميات أثرا محتوما بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي. أمّا ونضال الأمم في سبيل المال طبيعيّ، أمّا والاستعمار لذلك طبيعيّ أيضا، فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقرّ السلام في العالم؟! لقد شهدنا في هذا القرن المتمم للعشرين المسيحي وما نزال نشهد البينات على أن السلام في عالم هذا أساس حضارته حلم لا سبيل إلى تحقيقه، وأمنية معسولة، ولكنها سراب كذوب. أساس الحضارة الإسلامية تقوم الحضارة الإسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية؛ فهي تقوم على أساس روحي يدعو الإنسان إلى حسن إدراك صلته بالوجود ومكانه منه قبل كل شيء. فإذا بلغ من هذا الإدراك حد

стр. 314

الإيمان، دعاه إيمانه إلى إدامة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده، وإلى تغذية قلبه وعقله بالمبادئ السامية: مبادئ الإباء والأنفة والأخوة والمحبة والبر والتقوى. وعلى أساس هذه المبادئ ينظّم الإنسان حياته الاقتصادية. هذا التدرّج هو أساس الحضارة الإسلامية كما نزل الوحي بها على محمد. فهي حضارة روحية أولا. والنظام الروحي فيها هو أساس النظام التهذيبي وأساس قواعد الخلق. والمبادئ الخلقية هي أساس النظام الإقتصادي، فلا يجوز أن يضحّى بشيء من مبادئ الخلق في سبيل التنظيم الاقتصادي. هذا التصوير الإسلامي للحضارة هو في يقيني التصوير الجدير بالإنسانية الكفيل بسعادتها. ولو أنه استقر في النفوس، وانتظم الحياة انتظام الحضارة الغربية اليوم إياها، لتبدّلت الإنسانية غير الإنسانية، ولانهارت مبادئ يؤمن الناس اليوم بها، ولقامت مبادئ سامية تكفل معالجة أزمات العالم الحاضر على هدى نورها. والناس اليوم في الغرب والشرق يحاولون حل هذه الأزمات دون أن يتنبه أحد منهم، ودون أن يتنبه المسلمون أنفسهم إلى أن الإسلام كفيل بحلّها؛ فأهل الغرب يتلمسون اليوم جدة روحية تنقذهم من وثنية تورطوا فيها، وكانت سبب شقائهم وعلّة ما ينشب من الحروب بينهم؛ تلك عبادة المال. وأهل الغرب يتلمسون هذه الجدة في مذاهب الهند والشرق الأقصى على حين هي قريبة منهم؛ يجدونها مقرّرة في القرآن، مصورة خير صورة فيما ضربه النبيّ العربي للناس من مثل أثناء حياته. لست أطمع في أن أصور هنا هذه الحضارة الإسلامية ونظامها؛ فهذا التصوير يقتضي بحثا مستفيضا، ويستغرق كتابا في حجم هذا الكتاب أو أكثر منه؛ وإنما أريد أن أجمل صورة هذه الحضارة، بعد أن أشرت إلى الأساس الروحي الذي تقوم عليه، لعلي بذلك أصوّر الدعوة المحمدية في مجموعها وأمهّد بهذا التصوير لمباحث أكثر استفاضة وعمقا. وإني ليجمل بي قبل ذلك أن أشير إلى أن تاريخ الإسلام خلا من النزاع بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية أي بين الكنيسة والدولة، فأنجاه ذلك مما ترك هذا النزاع في تفكير الغرب وفي اتجاه تاريخه. وترجع نجاة الإسلام من هذا النزاع وآثاره إلى أنه لم يعرف شيئا إسمه الكنيسة أو السلطة الدينية على نحو ما عرفت المسيحية. فليس لأحد من المسلمين، ولو كان خليفة، أن يفرض أمرا على الناس باسم الدين، وأن يزعم أنه قدير مع ذلك على الغفران لمن خالف هذا الأمر. وليس لأحد من المسلمين، ولو كان خليفة، أن يفرض على الناس غير ما فرضه الله في كتابه. بل المسلمون أمام الله سواسية، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى. وليس لوليّ الأمر على مسلم طاعة في معصية ولا فيما لم يأمر الله به. يقول أبو بكر الصديق حين خطب المسلمين يوم بايعوه بالخلافة: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. ومع ما آل إليه الأمر في الإسلام بعد ذلك من ملك عضوض، ومع ما قام بين المسلمين من ثورات أهلية، لقد أقام المسلمون على تمسكهم بهذه الحرية الذاتية العظيمة التي قررها لهم دينهم؛ هذه الحرية التي جعلت العقل حكما في كل شيء، والتي جعلته حكما في الدين وفي الإيمان نفسه. لقد تمسكوا بهذه الحرية حتى بعد أن ادعى أمراء المؤمنين أنهم خلفاء الله لا خلفاء رسوله على الأرض، وأنهم يملكون من أمر المسلمين كل شيء حتى الحياة والموت. يشهد بذلك ما حدث في عصر المأمون حين اختلف على القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقد خالف الكثيرون رأي الخليفة مع علمهم بما يستهدف له المخالف من عقاب وغضب. جعل الإسلام العقل حكما في كل شيء، وجعله حكما في الدين وفي الإيمان نفسه. يقول تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) «١» .

стр. 315

ويفسر الشيخ محمد عبده هذه الآية فيقول: «إن الآية صريحة في أن التقليد بغير عقل ولا هداية هو شأن الكافرين، وإن المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به. فمن ربّي على لتسليم بغير عقل، والعمل ولو صالحا بغير فقه، فهو غير مؤمن. فليس القصد من الإيمان أن يذل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله وترتقي نفسه بالعلم فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النافع المرضي لله، ويترك الاشرّ لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرّته» . وهذا الذي يقوله الشيخ محمد عبده تفسيرا لهذه الآية قد جاء به القرآن صريحا في آيات كثيرة غيرها. فهو يدعو الناس إلى النظر في الكون ومعرفة أنبائه ليهداهم نظرهم إلى وجود الله ووحدته جلّ شأنه، يقول الله : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) «١» . ويقول تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ. سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ. وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ) «٢» . والدعوة إلى النظر في الكون لاستنباط سننه وللاهتداء إلى الإيمان ببارئه يكررها القرآن مئات المرات في سوره المختلفة، وكلها موجّهة إلى قوى الإنسان العاقلة تدعوه إلى التدبير والتأمل ليكون إيمانه عن عقل وبينة، وتحذّره الأخذ بما وجد آباءه عليه من غير نظر فيه وتمحيص له وثقة ذاتية بمبلغه من الحق. هذا هو الإيمان الذي دعا الإسلام إليه، وهو ليس هذا الإيمان الذي يسمونه إيمان العجائز، إنما هو إيمان المستنير المستيقن الذي نظر ونظر، ثم فكّر وفكّر، ثم وصل من النظر والتفكير إلى اليقين بالله جلّت قدرته، وما أحسب رجلا نظر بعقله وقلبه ثم لم يهتد إلى الإيمان. وهو كلما أنعم نظره وأطال تأمله وتدبره، وحاول الإحاطة بالزمان والمكان وما تشتمله وحدتهما التي لا نهاية لها من عوالم دائمة المور، شعر بنفسه ذرّة من هذه العوالم تجري كلها على سنن تمسكها، وإلى غاية عند بارئها علمها، وتيقن من ضعفه وقصور علمه إذا لم يستعن على إدراك هذا الوجود بقوّة فوق حسّه وفوق عقله، تصل بينه وبين هذه العوالم جميعا، وتجعله يشعر بمكانته منها. وتلك قوّة الإيمان. الإيمان بالله فالإيمان إذا شعور روحي يحسّ به الإنسان يملأ نفسه كلما اتصل بالكون وفني في لا نهاية المكان والزمان، وامتثل الكائنات كلها في نفسه، فرآها تجري كلها على سنن تمسكها، ورآها كلّها تسبح بحمد ربها؛ بارئها ومنشئها. أمّا أنه جلّ شأنه ماثل فيها متّصل بها، أو هو مستقلّ بنفسه منفصل عنها، فهذه مضاربات جدليّة

стр. 316

عقيمة تضل ولا تهدي، وتضرّ ولا تنفع. وهي بعد لا تزيدنا علما. ولطالما أجهد الكتاب والفلاسفة أنفسهم يحاول بعضهم حلّها، ويحاول بعضهم معرفة جوهر الخالق جلّ شأنه، فذهب جهدهم عبثا، وأقرّ بعضهم بأنها فوق ما نطيق إدراكه- ولئن قصر عقلنا دون هذا الإدراك ليكون هذا القصور أدنى إلى تثبيت إيماننا. فشعورنا اليقيني بوجوده جلّ شأنه وبإحاطته بكل شيء علما، وبأنه الخالق المصوّر إليه يرجع الأمر كله، من شأنه أن يقنعنا بأنا لن نستطيع أن ندرك كنهه على شدّة إيماننا به. وإذا كنا حتى اليوم لا ندرك ما الكهربا وإن شهدت أعيننا آثارها، وكانت تكفينا هذه الآثار لنؤمن بالكهربا والأثير، فما أشدّنا غرورا ونحن نشهد كل يوم من بديع صنع الله إذا نحن لم نؤمن به حتى نعرف كنهه، تنزّه جلّ شأنه عما يصفون. والواقع في الحياة أن الذين يحاولون تصوير ذاته جلّ شأنه هم الذين يعجز إدراكهم عن السموّ إلى تصوّر ما فوق حياتنا الإنسانية، والذين يريدون أن يقيسوا الوجود وخالق الوجود بمقاييسنا النسبية المحصورة في حدود علمنا القليل. أمّا الذين أوتوا العلم حقّا فيذكرون قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) «١» . وتمتلئ قلوبهم إيمانا بخالق الروح وخالق الكون كله، ثم لا يزجّون بأنفسهم في مضاربات عقيمة لا ثمرة لها ولا نتيجة. ويفرّق القرآن بين الإسلام بعد الإيمان والإسلام دون إيمان. يقول تعالى: (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) «٢» . الإيمان أسس الإسلام فمثل هذا الإسلام إذعان لدعوة الداعي عن رغبة أو رهبة أو إعجاب وتقديس دون امتثال النفس هذه الدعوة وفهمها إيّاها إلى حدّ الإيمان بها. فصاحبه لم يهده الله للإيمان عن طريق النظر في الكون ومعرفة سننه، والاهتداء من هذا النظر وهذه المعرفة إلى خالقه، وإنما أسلم لرغبة أو هوى أو لأنه وجد آباءه مسلمين. وهو لذلك لم يدخل الإيمان في قلبه على رغم إسلامه. من أمثال هذا المسلم من يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا. وهؤلاء الذين يسلمون دون إيمان، وإنما يسلمون عن رغبة أو رهبة أو هوى، تظل نفوسهم ضعيفة وعقائدهم مزعزعة وقلوبهم مستعدّة للإذعان للناس والخضوع لأمرهم. فأمّا الذين تصل عقولهم وقلوبهم إلى أن تؤمن بالله من طريق النظر في الكون إيمانا صادقا، يدعوهم إلى أن يسلموا لله وحده أمرهم، فأولئك لا يعرفون لغير الله خضوعا ولا إذعانا. وهم لا يمنّون على أحد إسلامهم، (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) «٣» . فمن أسلم وجهه لله وهو مؤمن فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولئك لا يخافون في الحياة فقرا ولا مذلة لأن الإيمان غاية الغنى وغاية العزّة. والعزّة لله جميعا وللمؤمنين. والنفس الراضية المطمئنة إلى هذا الإيمان لا تستريح إلا في الدأب لمعرفة أسرار الكون وسننه كيما تزداد بالله اتّصالا. وسبيلها إلى هذه المعرفة البحث والنظر في خلق الله مما في الكون نظرا علميّا دعا القرآن إليه وجدّ المسلمون الأوّلون فيه، وهو الطريقة العلمية الحديثة في الغرب. على أن الغاية منه تختلف في الإسلام عنها في الحضارة الغربية. فهي في الإسلام ترمي إلى أن يجعل الإنسان من سنّة الله في الكون سنّته ونظامه، على حين ترمي في الغرب إلى الاستفادة المادية مما في الكون. وهي في الإسلام ترمي أوّلا وقبل كل شيء، إلى حسن

стр. 317

العرفان بالله عرفانا كلما ازداد زادنا إيمانا به جلّ شأنه. وهي ترمي إلى حسن العرفان من جانب الجماعة كلها لا من جانب الفرد وحده. فالكمال الروحي ليس مسألة فردية صرفة، فلا مجلّ لأن يعنّى الناس أنفسهم جماعة بها، بل هو أساس الحضارة للجماعة الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها. وواجب لذلك على الإنسانية أن تدأب في سبيل هذا الكمال الروحي أكثر من دأبها للوقوف على حقيقة المحسوسات، وأن تجعل من معرفة أسرار الأشياء وسنن الكون وسيلتها إلى هذا الكمال أكثر مما تجعل من هذه المعرفة وسيلة للسلطان المادّي على الأشياء. الاستعانة بالله للاهتداء إلى سنة الكون ليس يكفي لبلوغ هذه المرتبة من الكمال الروحي أن نستعين بمنطقنا وحده، بل يجب أن نمهد لقلوبنا وعقولنا سبيل الوصول إلى أسمى ما نستطيع الوصول إليه من هذا المنطق. وإنما يكون ذلك بالتماس العون من الله واتجاه الإنسان إليه تعالى بقلبه وروحه، إيّاه بعبد، وإيّاه يستعين، للاهتداء إلى أسرار الكون وسنن الحياة. وهذا هو الاتصال بالله شكرا لله على نعمته، ليزيدنا اهتداء إلى ما لم نهتد إليه. قال تعالى: (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) «١» .. وقال جل شأنه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ) «٢» . الصلاة الصلاة هي هذا الإتصال بالله إيمانا به وإلتماسا للعون منه. وليس القصد منها حركات الركوع والسجود، وتلاوة ما يتلى من القرآن، أو تلاوة التكبير والتعظيم لله جل شأنه، دون أن تمتلئ النفس إيمانا به والقلب تقديسا له والفؤاد سموّا إليه، وإنما القصد منها، ومما فيها من تكبير وتلاوة وركوع وسجود إلى هذا السموّ والتقديس والإيمان، وإلى عبادته عبادة خالصة لوجهه نور السموات والأرض. يقول تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) «٣» . فالمؤمن الصادق الإيمان هو من يتوجّه بقلبه إلى الله ساعة الصلاة، يشهده على تقواه ويستعينه على أداء واجب الحياة، ويستمدّ منه هدايته، ويستلهمه توفيقه لإدراك سرّ الكون وسننه ونظامه. والمؤمن الصادق الإيمان بالله يشعر بنفسه أثناء صلاته، ويشعر بها دائما شيئا ضيئلا أمام عظمة الله العليّ الكبير. إننا إذ نرتفع في طائرة من الطائرات ألفا أو بضعة آلاف من الأمتار، نرى الجبال والأنهار والمدن مظاهر صغيرة على هذه الأرض، ونراها ترتسي أمام باصرتنا وكأنها خطوط مرسومة على خريطة من الورق، وكأنها قد تساوي سطحها فلا ارتفاع لجبل ولا لبناء، ولا انخفاض لبئر ولا لنهر. ولا شيء أكثر من ألوان تتوالى وتتمازج وتزداد تمازجا كلما ازددنا نحن ارتفاعا. وأرضنا كلها ليست إلا كوكبا صغيرا في عالم ألوف الأفلاك والكواكب، وليست إلا كمّا ضئيلا جدّا في لا نهاية هذا الوجود. فما أصغرنا وما أضعفنا شأنا أمام بارئ هذا الوجود ومدبّره جلت عن أفهامنا عظمته! وما أجدرنا، ونحن نتوجّه بقلوب خالصة إلى جلال قدسه الأسمى نلتمس منه

стр. 318

العون لتقوية ضعفنا وهدايتنا إلى الحق، أن نرى مبلغ تساوي الناس جميعا في الضعف الذي لا يشدّ من أزره أمام الله مال ولا جاه، وإنما يشدّ من أزره الإيمان الصادق والخضوع لله والبرّ والتقوى. شتّان ما بين هذه المساواة التامة الصحيحة أمام الله، وبين ما كانت تتحدّث عنه الحضارة الغربية في العصور الأخيرة من المساواة أمام القانون. ولقد بلغت هذه الحضارة الآن أن كادت تنكر هذه المساواة أمام القانون، ولا توجب احترامه على طائفة من الناس. شتان ما بين هذه المساواة أمام الله، مساواة تمسّها حقيقة ملموسة في ساعة الصلاة وتهتدي إليها برأيك الحرّ، وبين مساواة في النضال لكسب المال نضالا يبيح الخديعة والنفاق، ثم ينجو صاحبه من سلطان القانون ما مهر في التحايل عليه وبرع في حسن العبث به. هذه المساواة أمام الله تدعو إلى الإخاء الصادق؛ لأنها تشعر الناس جميعا بأنهم إخوة في العبودية لخالقهم والعبودية له وحده. وهذا إخاء يقوم على تقدير سليم ونظر حرّ وتدبّر فرضه القرآن. وهل حرية وإخاء ومساواة أعظم من وقوف هذا الجمع أمام الله تعنو له جميعا جباههم، إيّاه يكبّرون وله يركعون ويسجدون، لا تفاوت في ذلك بين أحدهم وأخيه، وكلهم مستغفر تائب مستعين، وليس بين أحدهم وبين الله إلا عمله الصالح وما قدّم من برّ وتقوى. إخاء هذا شأنه يصفي القلوب ويطهرها من قذى المادة، ويكفل للناس السعادة كما يؤدّي بهم إلى إدراك سنة الله في الكون ما هداهم الله بنوره إلى هذا الهدى. الصوم الناس جميعا ليسوا سواء في القدرة على ما أمر الله به من التقوى. فقد يثقل جسمنا روحنا وتطغى مادّيتنا على إنسانيتنا إذ لم ندم رياضة الروح ولم نتوجه بقلوبنا لله أثناء صلواتنا، واكتفينا بأوضاع الصلاة من ركوع وسجود وتلاوة؛ لذلك وجب جهد الطاقة أن نكفّ عما يجعل الجسم يثقل الروح ويجعل الماديّة تطغى على الإنسانية. ولذلك فرض الإسلام الصوم وسيلة لبلوغ مرتبة التقوى. قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) «١» . والتقوى والبرّ سواء، فالبرّ من اتّقى، والبرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيين، وقام بما ورد في الآية التي أسلفنا. وإذا كان القصد من الصوم ألّا يثقل الجسم الروح، وألّا تطغى مادّيتنا على إنسانيتنا، فالوقوف به عند الإمساك من الفجر إلى الليل والإمعان بعد ذلك في الاستمتاع باللّذّات تفويت لهذا القصد. فالإمعان في الاستمتاع مفسدة لذاته ومن غير صيام، ما بالك به إذا صام المرء أو أمسك طيلة نهاره عن كل طعام وشراب ولذّة، فإذا انقضى وقت الصيام أسلم نفسه لما يحسبها حرمته أثناء النهار من نعمة! إنه إذا ليشهد الله على أنه لم يصم تطهيرا لجسمه وسموّا بإنسانيته، ولم يصم لذلك مختارا إيمانا منه بفائدة الصوم في حياتنا الروحية، بل صام أداء لفرض لا يدرك بعقله ضرورته، ويرى فيه حرمانا له من حرية سرعان ما يستردّها آخر النهار حتى ينهمك في لذاته استعاضة عما حرم بالصوم منها. ومن يفعل ذلك فشأنه كشأن من لا يسرق لأن القانون يحرّم عليه السرقة، لا لأنه يسمو بنفسه عنها ويحرّمها على نفسه وعلى غيره مختارا. الصوم ليس حرمانا وفي الحق أن النظر إلى الصيام على أنه حرمان وحدّ من حرية الإنسان نظر خاطئ يجعل الصيام عبثا لا محلّ له. إنما الصيام طهور للنفس يوجبه العقل عن اختيار من الصائم كي يستردّ به حرية إرادته وحريّة

стр. 319

تفكيره. فإذا استردّهما استطاع السمو بهما إلى عليا مراتب الإيمان الحق بالله. وهذا هو المقصود بقوله تعالى، بعد ذكره أن الصيام كتب على المؤمنين كما كتب على الذين من قبلهم: (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) «٢» . قد يبدو غريبا ما أقول من أنّا نستردّ بالصيام حرية الإرادة وحرية التفكير إذا قصدنا من الصيام إلى ما فيه من خير لحياتنا الروحية. وهو إنما يبدو غريبا لأن التفكير الحديث أفسد في أذهاننا صورة الحرية، حين هدم حدودها الروحية والنفسية، ثم استبقى حدودها المادية التي ينفذها الجندي بسيف القانون. فالإنسان ليس حرّا بحكم هذا التفكير الحديث في أن يعتدي على مال غيره أو على شخصه، ولكنه حرّ في أمر نفسه وإن جاوز في ذلك كل ما يقره العقل أو تمليه قواعد الخلق. والواقع في الحياة غير هذا. والواقع أن الإنسان عبد العادة؛ فهو معتاد أن يتناول طعامه في الصباح وفي الظهيرة وفي المساء؛ فإذا قيل له: بل تناوله في الصباح وفي المساء فقط، اعتبر هذا اعتداء على حريته، في حين هو اعتداء على عبوديته لعادته، إن صح هذا التعبير. ومن اعتاد أن يدخّن إلى حد استعباد التدخين إيّاه؛ فإذا قيل له اقض نهارك لا تدخن اعتبر هذا اعتداء على حريته، في حين هو لا يزيد على أنه اعتداء على عبوديته لعادته. ومنهم من اعتاد تناول القهوة أو الشاي أو غيرهما من ألوان الشراب في أوقات معينة له؛ فإذا قيل له اعدل عن هذه الأوقات إلى غيرها عدّ الاعتداء على عبوديته لعادته اعتداء على حرّيته. وهذه العبودية للعادة مفسدة للإرادة، مفسدة للفكرة الصحيحة من الحرّية في صورتها الصادقة. وهي بعد مفسدة لسلامة التفكير، لأنها تخضعه للتأثر بضرورات الجسم المادية التي طبعتها العادة فيه. ولهذا يعكف كثيرون على ألوان مختلفة من الصوم يزاولونها في فترات من كل أسبوع أو من كل شهر. لكن الله أراد بالناس اليسر، إذ كتب عليهم الصيام أياما معدودات يكونون أثناءها جميعا سواء، وإذ جعل لهم الفدية وإذا أعفى من كان منهم مريضا أو على سفر على أن يؤدّي هذا الصيام في أيام أخر. ولفرض الصيام أياما معدودات من توطيد معنى الإخاء والمساواة أمام الله ما له من رياضة روحية. فالناس إذ يمسكون جميعا من مطلع الفجر إلى الليل، تتم بينهم المساواة كما تتم في صلاة الجماعة، ويشعرون خلال ذلك بإخائهم شعورا يضعفه تفاوتهم في الاستمتاع بما رزق الله كلا منهم من أسباب الاستمتاع في الحياة. ومن ثمّ كان الصيام موطدا لمعاني الحرية والإخاء والمساواة في نفس الإنسان مثلما توطدها الصلاة. إذا أقبلنا على الصيام مختارين، مدركين أن أمر الله لا يمكن أن يختلف عن حكم العقل ما أدرك العقل أغراض الحياة في أسمى صورها قدرنا ما في الصيام من تحرير لنا من رقّ العادة، ومن رياضة لإرادتنا وحريتنا، وذكرنا أن ما يفرضه الإنسان على نفسه بإذن الله، من حدود روحية ونفسية لحريته بالتحرير من بعض عاداته وشهواته، هو خير ما يكفل لتفكيره أن يبلغ مراتب الإيمان العليا. وإذا كان التقليد في الإيمان بل هو إسلام من غير إيمان، فالتقليد في الصوم ليس صوما، ولذلك يعتبره المقلد حرمانا وحدّا من حريته، بدل أن يدرك ما فيه من تحرير من قيود العادة ومن غذاء نفسيّ وروحيّ عظيم. الزكاة إذا بلغ الإنسان، من طريق هذه الرياضة الروحية، أن اهتدى إلى سنن الكون وأسراره، وأن عرف مكانه ومكان بني الإنسان منه، ازداد لإخوانه بني الإنسان حبّا، وتحابّ بنو الإنسان جميعا في الله، وتعاونوا

стр. 320

على البرّ والتقوى، ورحم قويّهم ضعيفهم، ونزل غنيّهم لفقيرهم عن حظّ من ماله. وهذه هي الزكاة والمزيد عليها هو الصدقة. والقرآن يقرن الزكاة إلى الصلاة في كثير من المواضع. وقد تلوت قوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ) «١» . ويقول تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) «٢» . ويقول جلّ شأنه: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) «٣» . والآيات التي تقرن الزكاة إلى الصلاة كثيرة. وما ورد في القرآن عن الزكاة وعن الصدقة مستفيض قويّ غاية القوّة. وهو يضع الصدقة في المكان الأول من فعل الخير الذي يجزى الإنسان عليه الجزاء الأوفى. بل هو يضعها إلى جانب الإيمان بالله حتى لتشعر بأنها تكاد تعدله بقوله تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ. إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) «٤» . ويقول جلّ شأنه: ( ... وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) «٥» . ويقول ﵎: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) «٦» . أدب الصدقة ولا يقف القرآن عند ذكر الصدقات، ومثوبة صاحبها عند الله كمثوبة من آمن به وأقام الصلاة، بل ينظم أدب هذه الصدقات تنظيما هو السموّ كله. يقول تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) «٧» . ويقول: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى) «٨» . ويقول جل شأنه في بيان من تكون لهم هذه الصدقات: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) «٩» . الزكاة عبادة الزكاة والصدقة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه، لكن أعبادة هذا الفرض، أم هو أدخل في الأخلاق وتهذيبها؟ هو عبادة لا ريب؛ فالمؤمنون إخوة، ولا يتم إيمان المرء حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه. فالمؤمنون يتحابون بنور الله بينهم. وفريضة الزكاة والصدقة تتصل بهذا الإخاء، ولا تتصل بالأخلاق وتهذيبها ولا بالمعاملات وتنظيمها. وما اتصل بالإخاء اتصل بالإيمان بالله. وكل ما اتصل بالإيمان فهو عبادة. ولذلك كانت الزكاة ركنا من أركان الإسلام الخمسة. ومن أجل ذلك قام أبو بكر بعد وفاة النبيّ يطالب المسلمين بأدائها، فلمّا رأى بعضهم النكول عنها، رأى خليفة محمد في هذا النكول ضعفا في إيمانهم
следующие страницы →