يقول الدكتور / عبد الرحمن صالح المحمود (*)
أما الكتابات المعاصرة في سيرة الرسول ﷺ فينبغي أن نعلم أن هذه الكتابات قسمان: منها قسم تأثر فيه أصحابه بدراسات المستشرقين والمبشرين. وينبغي أن أشير في هذه المناسبة إلى أن المستشرقين والمبشرين ألفوا كتباً كثيرة عن النبي ﷺ ، وكثير من هذه الكتب وبعضها قد ترجم إلى العربية، وكثير منها مملوء حقداً وبغضاً وسباً وشتماً لرسول الله ﷺ ولأصحابه، فينبغي أن نحذر من هذه الدراسات الاستشراقية، وتبعهم على ذلك بعض أذنابهم ممن ينسبون إلى المسلمين، وكان من الدراسات التي تأثرت بهم ما كتبه طه حسين في كتابه (على هامش السيرة) ، فهذا الكتاب مملوء بالخرافات، ولا ينبغي أن يعتمد عليه أبداً. وكذلك أيضاً هناك كتب أخرى وإن كانت أقل خطورة من هذا الكتاب إلا أنها تأثرت بتلك الدراسات الاستشراقية وبالغزو الاستعماري. ومنها ما كتبه محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) ، أو في كتابه الآخر (في منزل الوحي) ، فالكتابان وإن كانا جميلين بديعين إلا أنه قلد فيهما مناهج المستشرقين والمبشرين، فمثلاً: أراد أن يجعل من النبي ﷺ وكأنه واحداً من البشر العاديين، ومن ثم سمى كتابه (حياة محمد) ، يعني: يريد ألا يجعل هناك معجزة إلا القرآن، فيبعد عن سيرة النبي ﷺ ما يسميه هؤلاء مخالفاً للعقل من المعجزات ومن المغيبات، ويريد أن يعرض سيرة النبي ﷺ عرضاً كما يقول: ليتناسق مع مقتضيات الحياة ومع بذل الأسباب البشرية، فجاء عرضه في سيرته بعيداً عن تلك القضايا المهمة في حياة النبي ﷺ والتي هي من معجزاته ودلائل نبوته ﵊. ومثله ما كتبه العقاد في كتابه (عبقرية محمد) ، وعنوانه يدل على مقصده منه! فمحمد رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ لا يُقاس بغيره من العظماء، وإنما يجب أن تختص دراسته بكونه نبياً ورسولاً من عند الله ﵎. ثم إنه بدأت دراسات جادة وجيدة لسيرة النبي ﷺ ولنقد كتب السيرة، ومن تلك الدراسات الجيدة ما كتبه عدد من الباحثين في جامعة أم القرى وفي الجامعة الإسلامية، فإن هؤلاء كتبوا عدة رسائل درسوا فيها بعض المسائل المتعلقة بسيرة النبي ﷺ دارسة حديثية نقدية ممتازة، فمثلاً: درسوا بيعة العقبة وأحداثها، ودرسوا هجرة النبي ﷺ وأحداثها، ودرسوا غزوة بدر، ومن هذه الدراسات ما يتعلق بغزوة بني المصطلق، وما يتعلق منها بصلح الحديبية، وما يتعلق منها بغزوة تبوك، وقد طبعت أكثر هذه الدراسات، وهي دراسات مهمة جداً. وكان للشيخ محمد أمين المصري رحمه الله تعالى فضل في ذلك بعد الله تعالى؛ فإنه أول من اقترح هذه الدراسات، وأشرف على عدد من هذه البحوث، وتوفي رحمه الله تعالى منذ زمن، ثم تابع الإشراف على هذه الرسائل الأستاذ الشيخ الدكتور أكرم العمري، وهو موجود الآن في المدينة، وقد حرص الدكتور أكرم العمري على متابعة سيرة النبي ﷺ وعلى متابعة هذه الرسائل لإخراج سيرة جيدة متكاملة مبنية على الدراسة الحديثية المؤصلة. ومن الدراسات التي اهتمت بالسيرة النبوية ما كتبه الأستاذ محمد سرور زين العابدين (دراسات في السيرة النبوية) ، فإن هذا الكتاب قد طبع، ودرس فيه كثيراً من مناهج السيرة النبوية، ونقد نقداً ممتازاً كثيراً من مناهج المستشرقين وأذنابهم من المستغربين، ودراسته هذه مطبوعة. ومنها أيضاً ما كتبه أكرم العمري الذي أشرت إليه قبل قليل؛ فإنه له دراسات ممتازة جداً، حول سيرة النبي ﷺ ، ومن تلك الدراسات الممتازة له ما كتبه بعنوان: (المجتمع المدني في عهد النبوة) ، وهو جزءان: جزء يتعلق بخصائص هذا العهد وتنظيماته الأولى، والجزء الثاني يتعلق بالجهاد ضد المشركين، وقد طبعت هذين الجزأين الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفيه دراسة ممتازة جداً وتأصيل جيد لدراسة سيرة النبي ﵊. وهناك دراسات كثيرة ومتعددة اختلفت مناهجها وسبلها، وتعدادها يطول بنا
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تعريف بالكتاب
بقلم المغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي منذ وجد الإنسان على الأرض وهو مشوق إلى تعرّف ما في الكون المحيط به من سنن وخصائص، وكلما أمعن في المعرفة ظهرت له عظمة الكون أكثر من ذي قبل، وظهر ضعفه وتضاءل غروره. ونبيّ الإسلام صلوات الله عليه شبيه بالوجود. فقد جدّ العلماء منذ أشرقت الأرض بنوره يتلمسون نواحي العظمة الإنسانية فيه، ويتلمسون مظاهر أسماء الله جلّت قدرته في عقله وخلقه وعلمه. ومع أنهم استطاعوا الوصول إلى الشيء من المعرفة، فقد فاتهم حتى الآن كمال المعرفة؛ وأمامهم جهاد طويل، وبعد شاسع، وطريق لا نهاية له.
والنبوّة هبة الله لا تنال بالكسب؛ لكن حكمة الله وعلمه قاضيان بأن تمنح للمستعد لها والقادر على حملها. الله أعلم حيث يجعل رسالته. ومحمد ﷺ أعدّ لأن يحمل الرسالة للعالم أجمعه، أحمره وأسوده، إنسه وجنه، وأعدّ لأن يحمل رسالة أكمل دين، ولأن يختم به الأنبياء والرسل، وليكون شمس الهداية وحده إلى أن تنفطر السماء وتنكدر النجوم، وتبدّل الأرض غير الأرض والسموات.
عصمة الأنبياء في التبليغ وأداء أمانة الوحي قضية فرغ العلماء منها، فليس للأنبياء فضل الاختيار في التبليغ وأداء الأمانة بعد طبعهم بخاتم النبوّة واختيارهم لها. وهذا التبليغ نتيجة حتمية للنبوّة لا مردّ لها. غير أن الوحي لا يلازم الأنبياء في كل عمل يصدر عنهم وفي كل قول يبدر منهم، فهم عرضة للخطأ، يمتازون عن سائر البشر بأن الله لا يقرّهم على الخطأ بعد صدوره، ويعاتبهم عليه أحيانا.
أمر محمد ﷺ بأن يبلغ عن ربه، ولم تبين له الطرق التي يتبعها في التبليغ وفي حماية الدعوة، وترك له أن يتصرف بعقله وعمله وفطنته، كما يتصرف غيره من العلماء والعقلاء. وجاء الوحي مفصلا قاطعا في كل ما يخص ذات الإله ووحدته وصفاته وكيفية عبادته؛ ولم يكن كذلك فيما يخص النظم الاجتماعية للأسرة والقرية والمدينة والدولة منفردة ومرتبطة بغيرها من الدول. فهناك مجال واسع للبحث عن عظمة النبي ﷺ قبل الوحي، وهناك مدى فسيح للبحث عن تلك العظمة بعد الوحي. فقد صار مبلغا عن ربه داعيا إليه، حاميا لتلك الدعوة ولحرّية الداعين، مدافعا عنهم؛ وأصبح حاكم الأمة الإسلامية وقائد حربها ومفتيها وقاضيها ومنظّم جميع الصّلات والروابط فيها، وبينها وبين غيرها من الأمم. وقد أقام العدل في ذلك كله، وألّف بين
стр. 3
أمم وطوائف ما كان العقل يسيغ إمكان التأليف بينها؛ وظهرت الحكمة والرصانة وبعد النظر وكمال الفطنة وسرعة الخاطر وقوّة الحزم في كل ما صدر عنه من قول أو فعل، وتفجّرت منه ينابيع العلم والمعرفة، وينابيع البلاغة التي يطأطئ البلغاء رؤوسهم أمامها إجلالا وهيبة؛ وفارق الدنيا وهو راض عن عمله مرضيّ من الله ومن المسلمين.
وكل هذه النواحي تستحق الدرس والتمحيص، وليس في مقدور شخص واحد أن يفيها حقها، بل ليس في مكنة شحص واحد أن يوفي على الغاية في ناحية من هذه النواحي.
وسيرة محمد صلوات الله عليه وعلى آله، كسائر العظماء، أضيف إليها ما ليس منها، إما عن حب وهوى وحسن قصد، وإما عن سوء قصد وحقد. غير أنها تمتاز عن سائر العظماء جميعهم بأن منها شيئا كثيرا ضمه الوحي الإلهي وضمن حفظه القرآن المطهر، وشيئا كثيرا روي على لسان الحفاظ الثقات من المحدّثين، وعلى هذه الأسس الصحيحة يجب أن تبنى السيرة، وأن يستنبط العلماء منها حكمها وأسرارها ودقائقها، وأن تحلل التحليل العلمي النزيه، ملاحظا في ذلك ظروف الوسط وحال البيئة ونواحيها المختلفة من عقائد ونظم وعادات.
وقد أخرج الدكتور هيكل للناس كتابه «حياة محمد» في سيرة محمد ﷺ ، ويسرّ لي أن أطّلع على جزء منه قبل إتمام طبعه. والدكتور هيكل معروف لقراء اللغة العربية، غنيّ باثاره فيها عن التعريف. وقد درس القانون واطلع على المنطق والفلسفة، ومكّنته ظروفه وطبيعة عمله من الاتصال بالثقافة القديمة والثقافة الحديثة وأوفى منهما على حظ عظيم، وناظر وجادل وهجم ودافع في المعتقدات والآراء وقواعد الاجتماع وفي السياسة وغيرها، فنضج عقله وكمل علمه وأتّسع اطلاعه وامتدّ أفقه، فأصبح يدافع عن آرائه بمنطق قويّ وحجج باهرة وأسلوب أختص به لا تخفي نسبته إليه. بهذه الثقافة وهذه القوّة نسج الدكتور كتابه وقال في مقدّمته: «لست مع ذلك أحسب أني أوفيت على الغاية من البحث في حياة محمد؛ بل لعلي أكون أدنى إلى الحق إذا ذكرت أني بدأت هذا البحث في العربية على الطريقة الحديثة. وقد تأخذ القارئ الدهشة إذا ذكرت ما بين دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة من شبه قوىّ. فهذه الطريقة العلمية تقتضيك إذا أردت بحثا أن تمحو من نفسك كل رأي وكل عقيدة سابقة في هذا البحث، وأن تبدأ بالملاحظة والتجربة، ثم بالموازنة والترتيب، ثم بالاستنباط القائم على هذه المقدمات العلمية. فإذا وصلت إلى نتيجة من ذلك كله كانت نتيجة علمية خاضعة بطبيعة الحال للبحث والتمحيص، ولكنها تظل علمية ما لم يثبت البحث العلمي تسرب الخطأ إلى ناحية من نواحيها.
وهذه الطريقة العلمية هي أسمى ما وصلت إليه الإنسانية في سبيل تحرير الفكر، وها هي ذي مع ذلك طريقة محمد وأساس دعوته» .
أمّا أن هذه الطريقة طريقة القرآن فذلك حق لا ريب فيه؛ فقد جعل العقل حكما والبرهان أساس العلم، وعاب التقليد وذم المقلّدين، وأنّب من يتبع الظن وقال: «إن الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا» وعاب تقديس ما عليه الآباء، وفرض الدعوة بالحكمة لمن يفقهها. ولم تكن معجزة محمد ﷺ القاهرة إلا في القرآن، وهي معجزة عقلية. وما أبدع قول البوصيري:
لم يمتحنّا بما تعيا العقول به ... حرصا علينا، فلم نرتب ولم نهم
وأما أن هذه الطريقة حديثة فهذا ما يعتذر عنه. وقد ساير الدكتور غيره من العلماء في هذا. لأنها طريقة القرآن كما اعترف هو، ولأنها طريقة علماء سلف المسلمين. أنظر كتب الكلام تراهم يقررون أن أوّل واجب على المكلف معرفة الله، فيقول آخرون: لا، إن أوّل واجب هو الشك. ثم إنه لا طريق للمعرفة إلا
стр. 4
البرهان. وهو وإن كان نوعا من أنواع القياس إلا أنه يجب أن تكون مقدّماته قطيعة حسية، أو منتهية إلى الحس، أو مدركة بالبداهة، أو معتمدة على التجربة الكاملة أو الاستقراء التام، على ما هو معروف في المنطق. وكل خطأ يتسرّب إلى إحدى المقدّمات أو إلى شكل التأليف مفسد للبرهان.
وقد جرى الإمام الغزالي على الطريقة نفسها. وقد قرّر في أحد كتبه أنه جدد نفسه من جميع الآراء ثم فكر وقدّر، ورتب وأزن، وقرّب وباعد، وعرض الأدلة وهذبها وحللها؛ ثم اهتدى بعد ذلك كله إلى أن الإسلام حق، وإلى ما اهتدى إليه من الآراء. وقد فعل هذا ليجافي التقليد، وليكون إيمانه إيمان المستيقن المعتمد على الدليل والبرهان، ذلك الإيمان الذي لا يختلف المسلمون في صحته ونجاة صاحبه.
وأنت واجد في كتب الكلام في مواضيع كثيرة حكاية تجريد النفس عما ألفته من العقائد، ثم البحث والنظر. فطريق التجريد طريق قديم، وطريق التجربة والاستقراء طريق قديم، والتجربة والاستقراء التام وليدا الملاحظة، فليس هناك جديد عندنا، ولكن هذه الطريقة القديمة بعد أن نسيت في التطبيق العلمي والعملي في الشرق، وبعد أن نشأ التقليد وأهدر العقل، وبعد أن أبرزها الغربيون في ثوب ناضج وأفادوا منها في العلم والعمل، رجعنا نأخذها عنهم ونراها طريقة في العلم جديدة.
هذا القانون العلمي في البحث معروف قديما وحديثا. والمعرفة سهلة ولكن العمل عسير. ولا يتفاوت الناس كثيرا في معرفة القانون، ولكنهم يتفاوتون جدّ التفاوت في تطبيق القانون.
تجريد النفس والملاحظة والتجربة والموازنة والاستنباط كلمات سهلة؛ لكن الإنسان الرازح تحت أحمال الوراثة في دمه وعقله، وأحمال البيئة في البيت والقرية والمدينة والدولة والمدرسة، وأحمال المعتقدات والمزاج والصحة والمرض والشهوات، كيف يسهل عليه تطبيق القانون؟ هذا هو موضع الداء قديما وحديثا وهو سبب تعدّد المذاهب والآراء وسبب تبدلها وتنقلها من قطر إلى قطر، ومن أمة إلى أمة. والفلسفة والآداب تبدّل ثيابها على تعاقب الأجيال كما تبدّل النساء أزياءها، وقلّ أن تجد فيها شيئا يصونه حرز أو بقية حصن؛ بل سرى التبدّل إلى قواعد العلم التي لم تكن طوال الأجيال الماضية موضعا للشك. ونظرية النسبية اضطرب لها العلماء وسرعان ما قام من يهدمها. والآراء في الأمراض وأسبابها وطرق علاجها وفي التغذية لا تزال مطيعة للتبدّل والتحول. وهكذا إذا أمعنّا النظر لا نجد أمانا لما أنتجه العقل وحده إلا ما كان البرهان بشروطه متوافرا فيه.
ولكن ما نسبة هذه الأشياء التي يتوافر فيها البرهان إلى غيرها مما تمليه الظنون وتسطره الأوهام وتمجه الأذهان المريضة، وتفرضه السياسة؛ ويبدعه العلماء الذين يجدون كل اللذة في مخالفة غيرهم وإحداث هذه المذاهب والآراء! ولعل هذه الحيرة ستخفف غلواء العلماء المعتزين بالعقل وحده، وتلويهم يوما من الأيام إلى الدخول في حمى الحق وحصن اليقين؛ وهو الوحي الصادق، وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة.
نعود بعد هذا إلى الدكتور هيكل وكتابه.
يقول بعض علماء الكلام أن الاطلاع على علم تشريح الأفلاك وعلم تشريح الإنسان يدل أوضح الدلالة على شمول العلم الإلهي لدقائق الوجود. وأنا أقرّر أيضا أن العلم والكشف عن سنن الوجود وعجائبه سيكون نصير الدين، وسيقرّب إلى العقل الإنساني طريق فهم ما كان غامضا مبهما، وما كان فوق طاقة العقل إدراكه من قبل، مصداقا لقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .
стр. 5
والكهرباء وما نشأ عنها من المخترعات قرّبت إلى العقل فهم إمكان تحول المادة إلى قوّة وتحوّل القوّة إلى مادة. وعلم استحضار الأرواح فسر للناس شيئا كثيرا مما كانوا فيه يختلفون، وأعان على فهم تجرد الروح وإمكان انفصالها وفهم ما تستطيعه من السرعة في طيّ الأبعاد، وقد انتفع الدكتور هيكل بشيء من هذا في تقريب قصة الإسراء فأتى بشيء طريف.
ويطول بي القول إذا أنا عرضت لما في كتاب الدكتور هيكل من حسنات، وحسبي أن أنبه إلى تلك الحسنات إجمالا، وسيدرك الناس جماله بأنفسهم ويستمتعون بلذة نتاج الفكر تهدية الأسانيد الصحيحة، ويهديه المنطق الدقيق وتسعده الفطرة الصادقة، وسيرون أن الدكتور كان مخلصا الإخلاص كله للحقيقة، عامر القلب بما في الوحي المحمدي من هدى ونور، وبما في سيرة النبي ﷺ من جمال وجلال وعظمة وعبرة، مطمئنّا كل الاطمئنان إلى أن هذا الدين المحمدي سينقذ البشر مما هم فيه من الحيرة، وينشلهم من ظلمة المادّة ويبصّرهم بنور الإيمان، ويوجههم إلى النور الإلهي، فيدركون به سعة رحمته التي وسعت كل شيء، وعظمة مجده الذي تسبّح به السموات والأرض وكل شيء فيهما، وعزّته التي تتضاءل أمامها الموجودات. ألا تراه يقول: «وأذهب أبعد مما تقدّم فأقول: إن هذا البحث جدير بأن يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي نلتمسها. وإذا كانت نصرانية الغرب تستكبر أن تجد النور الجديد في الاسلام ورسوله وتلتمس هذا النور في «ثيوز وفية» الهند وفي مختلف مذاهب الشرق الأقصى، فإن رجال هذا الشرق من المسلمين واليهود والنصارى خليقون بأن يقوموا بهذه البحوث الجليلة بالنزاهة والإنصاف اللذين يكفلان وحدهما الوصول إلى الحق.
«فالتفكير الإسلامي على أنه تفكير علمي على الطريقة الحديثة في صلة الإنسان بالحياة المحيطة به، هو من هذه الناحية واقعي بحت، ينقل تفكيرا ذاتيّا حين يتصل الأمر بصلات الإنسان بالكون وخالق الكون» .
فيقول: «لكن طلائع القضاء على الوثنية التي تتحكم في عالمنا الحاضر وتوجه الحضارة الحاكمة فيه تبدو واضحة لكل من يتتبع سير العالم وأحداثه. فلعل هذه الطلائع تتواتر وتقوى دلالتها إذا انجلت أمام العالم تلك المسائل الروحية بالتخصص لدراسة حياة محمد وتعاليمه وعصره، والثورة الروحية التي انتشرت في العالم كأثر من آثاره» .
وهذا الاطمئنان يؤيده الواقع؛ فإن ما يرى الآن من عناية الغرب ببحث آثار الشرق، ومن عناية علمائه بدراسة الإسلام من نواحيه المختلفة ودراسة تاريخه وأممه قديما وحديثا، ومن إنصاف بعضهم للنبي ﷺ ، وما أيدته التجارب من أن الحق لا محالة غالب؛ كل ذلك يرشدنا إلى أن الإسلام سينشر لواءه على العالم وسيكون أشد الناس عداوة له اليوم هم أشد الناس غيرة عليه ودفاعا عنه، وسيكون هؤلاء الغرباء عنه هم أنصاره وأهله، وكما نصره أول أمره الغرباء عن البيئة التي نشأ فيها، فسينصره آخر الأمر الغرباء عن لغته ووطنه. وقد بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء! وإذا كان النبي ﷺ خاتم الأنبياء وليس للعالم بعده هاد مرشد، وكان دينه أكمل دين بنص الوحي القاطع، فلا يمكن أن يقف أمره على ما هو عليه الآن، ولا بد أن يمحو نوره نور غيره كما تمحو الشمس أضواء غيرها من الكواكب.
وقد وفّق الدكتور في تنسيق الحوادث وربط بعضها ببعض، فجاء كتابه عقدا منضدا وسلسلة متينة محكمة الحلقات. وقد أبدع في بيان الأسباب والأغراض والحكم بيانا قويّا واضحا يجعل القارئ مطمئن النفس رضيّ
стр. 6
القلب يستمتع بما يقرأ ويثلج صدره ببرد اليقين، فيملك عليه أمره، ويجبره على متابعة القراءة حتى يوفي على آخر ما بيده من البحث.
وفي الكتاب بحوث قيمة ليست من السيرة، ولكنها اتصلت بها بسبب الإسهاب في بيان أغراضها.
وأختم كلمتي هذه بقول سيد الخلق صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار ومن اتبعه: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل عليّ غضبك، أو تحلّ بي سخطك.
لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوّة إلا بالله» .
١٥ من فبراير سنة ١٩٣٥ محمد مصطفى المراغي
تقديم الكتاب
محمد ﵊
بهذا الاسم الكريم تنطق ملايين الشفاه، وله تهتز ملايين القلوب كل يوم مرّات. وهذه الشفاه والقلوب به تنطق وله تهتزّ منذ أربعمائة وألف سنة إلا خمسين. وبهذا الاسم الكريم ستنطق ملايين الشفاه وتهتزّ ملايين القلوب إلى يوم الدين. فإذا كان الفجر من كل يوم وتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهاب المؤذّن بالناس أن الصلاة خير من النوم، ودعاهم إلى السجود لله والصلاة على رسوله، فاستجاب له الألوف والملايين في مختلف أنحاء المعمورة يحيون بالصلاة رحمة الله وفضله متجلّيين في مطلع كل نهار. وإذا كانت الظهيرة وزالت الشمس أهاب المؤذّن بالناس لصلاة الظهر، ثم لصلاة العصر فالمغرب فالعشاء. وفي كل واحدة من هذه الصلوات يذكر المسلمون محمدا عبد الله ونبيّه ورسوله في ضراعة وخشية وإنابة، وهم فيما بين الصلوات الخمس ما يكادون يسمعون اسمه حتى تجف قلوبهم بذكر الله وبذكر مصطفاه. كذلك كانوا وكذلك سيكونون حتى يظهر الله الدين القيم ويتم نعمته على الناس أجمعين.
الإمبراطورية الإسلامية الأولى
ولم يك محمد في حاجة إلى زمان طويل ليظهر دينه وينتشر في الخافقين لواؤه، فقد أكمل الله للمسلمين دينهم قبيل وفاته، ويومئذ وضع هو خطّة انتشار الدين فبعث إلى كسرى وإلى هرقل وإلى غيرهما من الملوك والأمراء كي يسلموا، ولم تمض خمسون ومائة سنة من بعد ذلك حتى كان علم الإسلام خفاقا من الأندلس في غرب أوروبا إلى الهند وإلى التركستان وإلى الصين في شرق آسيا، وبذلك وصلت الشام والعراق وأفغانستان، وقد أسلمت كلها، ما بين بلاد العرب ومملكة ابن السماء، كما وصلت مصر وبرقة وتونس والجزائر ومرّاكش ما بين أوروبا وإفريقيّة ومبعث محمد ﵇. ومن يؤمئذ إلى يومنا هذا بقي علم الإسلام مرفوفا على هذه الربوع جميعا، خلا الأندلس التي أغارت النصرانية عليها فعذّبت أهلها وأذاقتهم ألوانا من الشدّة والبأس. ولم يطق أهلها صبرا على الحياة، فعاد منهم من عاد إلى إفريقيّة، وردّ الهول والفزع من أرتدّ منهم عن دينه ودين أبيه إلى دين العتاة والمعذّبين.
على أن ما خسره الإسلام في الأندلس من غرب أوروبا كان له عنه العوض حين فتح العثمانيون
стр. 9
القسطنطينية ومكنّوا لدين محمد فيها. هنالك امتدّت كلمته إلى البلقان كلها، وانبلج نوره في روسيا وفي بولونيا، وخفقت أعلامه على أضعاف ما كانت تخفق عليه من أرض إسبانيا. ومن يوم انتشر الإسلام في صولته الأولى إلى يومنا لم يتغلّب عليه من الأديان متغلّب، وإن تغلّب على أممه من شدائد الظلم وألوان التحكم ما جعلها أشدّ بالله إيمانا، ولحكمه إسلاما، وفي رحمته وفي غفرانه أملا ورجاء.
الإسلام والمسيحية
هذه القوّة التي انتشر الإسلام بها سرعان ما وقفته وجها لوجه أمام المسيحية وقفة نضال مستميت. لقد تغلّب محمد على الوثنية، ومحا من بلاد العرب، كما محا خلفاؤه الأوّلون من بلاد الفرس والأفغان وطائفة كبيرة من بلاد الهند، أثرها. ولقد تغلّب خلفاء محمد على المسيحية في الحيرة واليمن والشام ومصر إلى مهد المسيحية مدينة قسطنطين. أفقدر على المسيحية ما قدّر على الوثنية من اضمحلال وهي دين كتاب من الأديان التي أشاد بها محمد ونزل الوحي بنبوّة صاحبها؟ وهل قدّر لهؤلاء العرب، عرب البادية الزاحفين من شبه الجزيرة الصحراوية القاحلة، أن يضعوا أيديهم على حدائق الأندلس وبزنطية وسائر البلاد المسيحية؟ الموت ولا هذا! واستمر القتال بين أتباع عيسى وأتباع محمد قرونا متتالية. ولم يقف القتال عند حرب الأسنّة والمدافع، بل تعدّاها إلى ميادين الجدل والنضال الكلامي، جاء المقاتلون فيها بأسماء محمد وعيسى، وجعل كل فريق يلتمس الوسيلة لتأليب السواد واستثارة حماسة الجماهير وتعصّبها.
المسلمون وعيسى
على أن الإسلام حال بين المسلمين وبين الحط من مقام عيسى، أنه عبد الله آتاه الكتاب وجعله نبيا، وجعله مباركا أينما كان، وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيّا، وبرّا بوالدته ولم يجعله جبارا شقيّا فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا. أمّا المسيحيون فقد جعل الكثيرون منهم يعرّضون بمحمد وينعتونه بأوصاف يبرأ منها المهذّب من الرجال، شفاء لما في نفوسهم من غلّ، واستفزازا وحفزا لشهوات الناس الدنيا. وعلى رغم ما يقال من أن الحروب الصليبية وضعت أوزارها منذ مئات السنين ظلّ تعصّب الكنيسة المسيحية على محمد على أشدّه إلى عصور قريبة. ولعله كذلك ما يزال إن لم يك أشدّ، وإن كان خفيا يعمل في ظلمات التبشير بالدون من الوسائل. ولم يقف الأمر عند الكنيسة بل تعدّاها إلى كتّاب وفلاسفة في أوروبا وفي أمريكا لم تك تصلهم بالكنيسة صلة تذكر.
المسيحيون المتعصبون ومحمد
ولقد يعجب الإنسان أن يظل تعصب المسيحية على الإسلام بهذه الشدة في عصر يزعمون أنه عصر النور والعلم، وأنه لذلك عصر التسامح وسعة الأفق. ويزداد الإنسان عجبا إذ يذكر المسلمين الأوّلين وكيف كان اغتباطهم بانتصار المسيحية على المجوسية عظيما حين ظفرت جيوش هرقل بأعلام فارس وكسرت عسكر كسرى. فقد كانت فارس صاحبة النفوذ في جنوب شبه جزيرة العرب منذ أخرج كسرى الأحباش من اليمن.
ثم إن كسرى وجّه جيوشه- سنة ٦١٤ ميلادية- تحت إمرة قائد من قوّاده يدعي شهر براز «١» لغزو الروم، فظهر عليهم حين التقى بهم بأذرعات وبصرى، أدنى الشام إلى أرض العرب، فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع
стр. 10
زيتونهم. وكان العرب، ولا سيما أهل مكة، يتتبعون أخبار هذه الحرب بتلهف وشغف؛ فقد كانت القوّتان المتناحرتان أكبر ما تعرف أمم الأرض يومئذ، وكانت بلاد العرب تجاورهما، وتخضع بعض أجزائها لفارس وتتاخم الروم بعض أجزائها الآخرى. وشمت كفار مكة بالمسيحيين وفرحوا لهزيمتهم؛ لأنهم أهل كتاب كالمسلمين، وحاولوا أن يلصقوا بدينهم عار أندحارهم. أمّا المسلمون فشقّ عليهم أمر الروم لأنهم أهل كتاب مثلهم، فكان محمد وأصحابه يكرهون أن يظهر المجوس عليهم. وأدّى هذا الخلاف بين مسلمي مكة وكفّارها إلى تنادر الفريقين وإلى تهكم الكفار بالمسلمين، حتى أبدى أحدهم من السرور أمام أبي بكر ما غاظه ودفعه إلى أن يقول: لا تعجل بالمسرّة، فسيأخذ الروم بثأرهم. وأبو بكر معروف بالهدوء ووداعة النفس. فلما سمع الكافر قوله أجابه متهكما: كذبت. فغضب أبو بكر وقال: كذبت أنت يا عدوّ الله! وهذا رهان عشرة جمال على أن تغلب الروم المجوس قبل عام. وعرف محمد أمر هذا الرهان فنصح إلى أبي بكر أن يزيد في الرهان وأن يطيل المدة. فزاد أبو بكر في الرهان إلى مائة بعير إن هزمت الفرس قبل تسع سنين. وانتصر هرقل سنة ٦٢٥ وهزم فارس واسترد منها الشام واستعاد الصليب الأعظم وكسب أبو بكر رهانه. وفي النبوءة بهذا النصر نزل قوله تعالى في صدر سورة الروم: (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .
المبادئ الأولية في الدينين
كان اغتباط المسلمين يومئذ بانتصار هرقل والنصارى عظيما، وظلّت صلة الإخاء بين الذين اتبعوا محمّدا والذين آمنوا بعيسى عظيمة طوال حياة النبيّ وإن تكرر بين الفريقين ما كان من مجادلة، على خلاف ما كان بين المسلمين واليهود من تهادن أوّل الأمر ثم عداوة استمرّت وكان لها من الآثار والنتائج الدامية ما أجلى اليهود عن شبه جزيرة العرب جمعاء. ومصداق ذلك قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) «١» .
ثم إنك لترى الدينين يصوّران الحياة والخلق صورة تكاد تكون واحدة. وهما في تصوير الإنسانية ومبدأ خلقها سواء: خلق الله آدم وحوّاء وأسكنهما الجنة وأوحى إليهما ألّا يسمعا إلى نزع الشيطان فيأكلا من الشجرة فيخرجهما من الجنة. والشيطان عدوّهما الذي أبى أن يسجد لآدم فيما أوحاه الله لمحمد، والذي أبى أن يقدّس كلمة الله، على رواية كتب النصارى المقدّسة، ووسوس الشيطان لحوّاء وزيّن لها، فزيّنت لآدم فأكلا من شجرة الخلد فبدت لهما سوآتهما، فاستغفرا ربهما فبعثهما على الأرض بعض ذرّيتهم لبعض عدوّ، يغريهم الشيطان فيضلّ قوم ويقاوم الهلاك آخرون. ولتقوى الإنسانية على حرب الغواية بعث الله نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين، وبعث مع كل رسول كتابا بلسان قومه مصدّقا لما بين يديه ليبيّن لهم. وكما يقوم في صف الشيطان أنصاره من أرواح الشر، تقوم الملائكة تسبّح بحمد ربها وتقدّس له. وهؤلاء وأولئك يتنازعون أسباب الحياة والكون جميعا حتى يوم البعث، يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت ولا يسأل حميم حميما.
وإنك لتجد في القرآن من ذكر عيسى ومريم وإكرام الله لهما وتقديمه إياهما ما تشعر معه حق الشعور بهذا
стр. 11
الإخاء، وما يجعلك تسائل: ما بال المسلمين والنصارى إذا ظلوا على القرون خصوما متقاتلين؟ والجواب عن سؤالك أنّ بين الإسلام والنصرانية خلافا على مسائل أساسية كانت موضع جدل شديد في عهد النبيّ، وأن لم يتعدّ الأمر الجدل إلى العداوة والبغضاء. فالنصرانية لا تقرّ بنبوّة محمد كما يقرّ الاسلام بنبوّة عيسى، والنصرانية تقول بالتثليث، والإسلام ينكر كل ما سوى التوحيد أشد الإنكار. والنصارى يؤلهون عيسى ويتلمّسون الدليل على ألوهيته في أنّه تكلّم في المهد وأوتي من المعجزات ما لم يؤته غيره مما هو عمل الخالق جلّ شأنه. وهم كانوا أيّام الإسلام الأولى يحاجون المسلمين في ذلك بالقرآن ويقولون: أو ليس يقرّ القرآن الذي نزل على محمد رأينا حين يقول: (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ. وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) «١» .
فالقرآن قد ذكر إذا أنّه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين طيرا، ويخبر بالغيب، وكل هذه خصائص إلهيّة. هذا رأي نصارى عهد النبي الذين كانوا يحاجونه ويجادلونه ويذهبون إلى عيسى إله مع الله. ولقد ذهبت طائفة منهم إلى تأليه مريم أن ألقى الله إليها بكلمته. وكان أصحاب هذا الرأي من نصارى ذلك العهد يعتبرون مريم ثالث الثلاثة. الآب والإبن والروح القدس. ولم يكن أصحاب هذا القول بألوهية عيسى وأمه إلا طائفة من طوائف النصرانية الكثيرة المتفرّقة يومئذ شيعا وأحزابا.
مجادلة النصارى للنبي
كان نصارى شبه الجزيرة يجادلون محمدا على اختلاف نحلهم على أساس مذاهبهم. فكانوا يقولون إن المسيح هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، وكان القائلون بألوهيته يحتجون بما سبق بيانه. ويحتج القائلون بأنه ولد الله بأنّه لم يكن له أب يعلم، وأنّه تكلّم في المهد صبيا مما لم يقع لأحد من بني آدم. ويحتج القائلون بأنه ثالث ثلاثة بأن الله يقول أمرنا وخلقنا وقضينا، ولو كان واحدا لقال أمرت وخلقت وقضيت. وكان محمد يستمع لهم جميعا ويجادلهم بالتي هي أحسن. وهو لم يكن في جدالهم يشتدّ في جدال المشركين وعبّاد الأصنام، بل كان يحاجّهم بالوحي من طريق المنطق ومن كتبهم وما جاء فيها. فالله تعالى يقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) «٢» وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) «٣» وقال جل شأنه: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ
стр. 12
دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) «١» .
تقول المسيحيّة بالتثليث وبأن عيسى ابن الله، والإسلام ينكر إنكارا صريحا باتّا أن يكون لله ولد. (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) «٢» . (ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ) «٣» . (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) «٤» .
والإسلام دين توحيد في أشدّ معاني التوحيد صفاء وقوة، وفي أشد معاني التوحيد بساطة ووضوحا. وكل ما يمكن أن يلقي ظلا على فكرة التوحيد أو صورته ينكره الإسلام ويراه كفرا. (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)
«٥» .
فمهما يكن للصورة المسيحية في التثليث من صلة تاريخية ببعض الأديان القديمة فهي ليست من الحق عند محمد في شيء. إنما الحق هو الله وحده، لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فلا عجب إذا أن تكون بين محمد ونصارى عهده تلك المجادلة بالتي هي أحسن، وأن يؤيد الوحي محمدا بما تلوت من الآيات.
مسألة صلب المسيح
ومسألة أخرى يختلف فيها الإسلام والنصرانية، وكانت مثار جدل بينهما في عهد النبيّ: تلك مسألة صلب عيسى ليفتدي بدمه خطايا الخلق. فالقرآن صريح في نفي أن اليهود قتلوا المسيح أو صلبوه، إذ يقول:
(وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) «٦» .
ولئن كانت فكرة افتداء المسيح بدمه خطايا إخوته من بني آدم جميلة لا ريب ويستحق ما كتب فيها دراسة من نواحيه الشعرية والخلقية والنفسية، لقد كان المبدأ الذي قرّره الإسلام من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنّ كل أمرئ يوم القيامة مجزىّ بأعماله إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ، يجعل التقريب المنطقيّ بين العقيدتين غير ممكن، ويجعل منطق الإسلام من الدقة بحيث لا تجدي معه محاولات التوفيق، مع التناقض الواضح بين فكرة الافتداء وفكرة الجزاء الذاتي. (لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً) «٧» .
الروم والمسلمون
هل فكر أحد من نصارى يومئذ في هذا الدين الجديد وفي إمكان التوفيق بين فكرة التوحيد فيه وبين ما جاء به عيسى؟ نعم، وآمن به منهم كثيرون. ولكن الروم الذين اغتبط المسلمون بنصرهم واعتبروه نصرا للأديان الكتابية؛ لم يكلف سادتهم أنفسهم مؤونة البحث في الدين الجديد، ولم يلبثوا أن نظروا إلى الأمر من ناحيته السياسية، وفكروا فيما يصيب ملكهم إذا تمّ للدين الجديد الغلب. لذلك بدؤا يأتمرون به وبأهله،
стр. 13
حتى أرسلوا جيشا عرموما عدّته مائة ألف في رواية، ومائتا ألف في رواية أخرى، مما أدّى إلى غزوة تبوك. وقد انسحب فيها الروم أمام المسلمين الذين خرجوا ومحمد على رأسهم لدفع عدوان لم يكن له ما يسوّغه.
من يومئذ وقف المسلمون والنصارى موقف خصومة سياسية حالف النصر فيها المسلمين قرونا متتالية امتدّت إمبراطوريتهم في أثنائها إلى الأندلس غربا وإلى الهند والصين شرقا. وآمنت أكثر أجزاء هذه الإمبراطورية بالدين الجديد واستقرّت فيها لغته العربية. فلما آن لدورة التاريخ أن تدور، طرد النصارى المسلمين من الأندلس، وحاربوهم الحروب الصليبية، وأخذوا يطعنون في دينهم ونبيهم طعنا كله فحش وكذب وافتراء؛ ونسوا في فحشهم ما بلّغ محمد ﵇ في أحاديثه، وما بلّغ القرآن في الوحي الذي نزل عليه، من رفع مقام عيسى ﵇ إلى المستوى الذي رفعه الله إليه.
كتّاب المسيحية ومحمد
جاء في موسوعة لآروس الفرنسيّة خلال العرض لآراء كتّاب المسيحية إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر ممن نالوا من محمد شرّ نيل ما يأتي: «بقي محمد مع ذلك ساحرا ممعنا في فساد الخلق، لصّ نياق، كردينالا لم ينجح في الوصول الى كرسي البابوية، فاخترع دينا جديدا لينتقم من زملائه. واستولى القصص الخيالي والخليع على سيرته. وسيرة باهورميه (محمد) تكاد تقيم أدبا من هذا النوع. وقصة محمد التي نشرها رينا وفرانسيسك ميشيل سنة ١٨٣١ تصوّر لنا الفكرة التي كانت لدى أهل العصور الوسطى عنه. وفي القرن السابع عشر نظر بيل في تاريخ أبي القرآن نظرة تاريخية. مع ذلك ظلّت مقرّرات ظالمة ثابتة في نفسه عنه. على أنه يعترف مع ذلك بأن النظام الخلقي والاجتماعي الذي أقامه لا يختلف عن النظام المسيحي لولا القصاص وتعدّد الزوجات» .
وإن واحدا من المستشرقين الذين عرضوا لحياة محمد بشيء من الإنصاف ذلك هو الكاتب الفرنسي إميل درمنجم- ليذكر بعض هذا الذي كتب إخوانه في الدين فيقول «١» : «لمّا نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتّسعت هوّة الخلف وسوء الفهم بطبيعة الحال وازدادت حدّة. ويجب أن يعترف الإنسان بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشدّ الخلاف. فمن البزنطيين من أوقروا الإسلام احتقارا من غير أن يكلّفوا أنفسهم- فيما خلا جان داماسيين- مؤونة دراسته. ولم يحارب الكتّاب والنظامون مسلمي الأندلس إلا بأسخف المثالب. فقد زعموا أن محمدا لص نياق، وزعموه متهالكا على اللهو، وزعموه ساحرا، رئيس عصابة من قطّاع الطرق، بل زعموه قسّا رومانيّا مغيطا محنقا أن لم ينتخب لكرسي البابوية.. وحسبه بعضهم إلها زائفا يقرّب له عباده الضحايا البشرية. وإن چبيردنوچن نفسه، وهو رجل جدّ، ليذكر أن محمدا مات في نوبة سكربيّن؛ وأن جسده وجد ملقى على كوم من الرّوث وقد أكلت منه الخنازير، وذلك ليفسر السبب الذي من أجله حرّم لحم ذلك الحيوان. وذهبت الأغنيات إلى حدّ أن جعلت محمدا صنما من ذهب وجعلت المساجد الإسلامية برابيّ ملأى بالتماثيل والصور!! وقد تحدث واضع أغنية أنطاكية حديث من رأى صنم «ماحوم» مصنوعا من ذهب ومن فضة خالصين وقد جلس فوق فيل على مقعد من الفسيفساء. أمّا أغنية رولان التي تصوّر فرسان شارلمان يحطّمون الأوثان الإسلامية فتزعم أن مسلمي الأندلس يعبدون ثالوثا مكوّنا من ترفاجان وماهوم وأبلون.
وتحسب «قصة محمد» أن الإسلام يبيح للمرأة تعدّد الأزواج!
стр. 14
«وقد ظلت حياة الأحقاد والخرافات قوية متشبثة بالحياة. فمنذ رودلف دلوهيم إلى وقتنا الحاضر قام نيكولا دكيز، وقيقس، ومراتشي، وهوتنجر وببيلياندر، وبريدو وغيرهم، فوصفوا محمدا بأنه دجّال، والإسلام بأنه مجموعة الهرطقات كلها وأنه من عمل الشيطان، والمسلمون بأنهم وحوش، والقرآن بأنه نسيج من السخافات، وقد كانوا يعتذرون عن الحديث الجد في أمر هذا مبلغ سخافته. مع ذلك فإن بيير المحترم (قنرابل) مؤلف أول رسالة غريبة ضد الإسلام قد ترجم القرآن في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية. وفي القرن الرابع عشر كان بيير باسكال من الذين توسّعوا في الدراسات الإسلامية. وقد وصف إنّوسان الثامن محمدا يوما بأنه عدوّ المسيح. أما القرون الوسطى فلم تكن تحسب محمدا إلا هرطيقا. وكان لريمون ليون في القرن الثامن عشر، ولغليوم بستل في القرن السادس عشر، ولرولان وجانييه في القرن الثامن عشر، وللقسيس دبرجلي ولرينان في القرن التاسع عشر آراء وأحكام مختلفة. على أن الكونت بولنفلييه وشول وكوسّان دبرسفال ودوزي وسبرنجر وبارتلمي سانتيلير ودكاستري وكارليل وغيرهم يظهرون على وجه الإجمال إنصافا للإسلام ونبيه، ويشيدون في بعض الأحيان بهما. مع ذلك فإن بهما. مع ذلك فإن دروتي يتحدث في سنة ١٨٧٦ عن محمد قائلا: «هذا الأعرابي المنافق القذر» ، كما طعن عليه فوستر من قبل ذلك سنة ١٨٢٢. وما يزال للإسلام حتى اليوم محاربون متحمسون» .
أرأيت الحضيض الذي هوت إليه هذه الطائفة من كتّاب الغرب؟ أرأيت إصرارهم، مع توالي القرون، على الضلال وعلى إثارة العداوة والبغضاء بين أبناء الإنسانية؟! ومن هؤلاء من جاؤا في العصور التي يسمونها عصور العلم والبحث والتفكير الحر وتقرير الإخاء بين الإنسان والإنسان. قد يخفف من أثر هذا الضلال قيام أولئك المنصفين إلى حدّ ما، ممن أشار إليهم درمنجم، ومنهم من يقرّ بصدق إيمان محمد بالرسالة التي عهد الله إليه تبليغها من طريق الوحي، ومنهم من يشيد بعظمة محمد الروحية وبسموّ خلقه ورفعة نفسه وجمّ فضائله، ومن يصوّر ذلك في أقوى أسلوب وأتمه روعة. وإن بقي الغرب مع ذلك ينال من الإسلام ونبيه أشدّ النيل، ثمّ تبلغ منه الجرأة حتى يبث المبشرين في أنحاء البلاد الإسلامية يذيعون مثالبهم الوضيعة، ويحاولون صرف المسلمين عن دينهم إلى المسيحية.
سبب الخصومة بين الإسلام والمسيحية
يجب لذلك أن نبحث عن السبب الذي ترجع إليه هذه الخصومة الهوجاء وهذه الحرب العنيفة التي تثيرها المسيحية على الإسلام. وعندنا أن جهل الغرب بحقيقة الإسلام وبسيرة النبي في مقدّمة ما يدعو إلى هذه الخصومة. والجهل ولا ريب من أعقد أسباب الجمود والتعصب وأشدّها استعصاء. ولقد تراكم هذا الجهل على مرّ القرون وقامت له في نفوس الأجيال تماثيل وأوثان يحتاج تحطيمها إلى قوة روحية كبرى كقوّة الإسلام أول ظهوره، على أنّا نحسب أن ثمة سببا غير الجهل هو الذي دفع أهل الغرب إلى هذا التعصب وإلى إثارة الحرب الضروس الشعواء التي أثاروها ويثيروها على الإسلام وعلى المسلمين آنا بعد آن. وليس ينصرف ذهننا إلى ما قد يدور بالخاطر من صروف السياسة وحب الظّفر بالشعوب لاستغلالها: فتلك في اعتقادنا نتيجة لا سبب لهذا التعصب المستعصي حتى على العلم وعلى بحوثه. أما السبب في رأينا فيرجع إلى أن المسيحية، وما تدعو إليه من الزهد في الحياة واعتزال العالم ومن العفو والمغفرة ومن المعاني النفسانية السامية، ليست مما يلائم طبيعة الغرب الذي عاش ألوف السنين على دين تعدّد الآلهة، والذي يدعوه مركزه الجغرافي إلى حياة الكفاح لمغالبة الزمهرير والضنك وسوء الحال. فإذا قضت الظروف التاريخية عليه بأن يدين بالمسيحية فلا مفرّ له من أن يسبغ عليها
стр. 15
ثوب الكفاح، وأن يخرجها بذلك عن طبيعتها السمحة الجميلة، وأن يفسد فيها هذا التناسق الروحي الذي يجعل منها حلقة في سلسلة الوحدة التي أتمها الإسلام: هذه الوحدة التي تؤاخي بين الروح والجسد، وتزاوج بين العاطفة والعقل، وتسلك الفرد والإنسانية جميعا في نظام الكون على أنهما بعض منه متّسق وإياه في لا نهاية الزمان والمكان. هذا في رأينا هو مرجع السبب في تعصّب الغرب في موقفه من الإسلام موقفا تجافت الحبشة المسيحية عنه حين احتمى المسلمون بها أوّل ما دعا النبي إلى دين الله.
وإلى هذا السبب في رأيي، يرجع إغراق الغربيين وغلوّهم في التدين وفي الإلحاد جميعا، إغراق تعصب وكفاح لا يعرف الهوادة ولا يعرف التسامح. وإذا كان التاريخ قد عرف منهم قدّيسين احتذوا في حياتهم مثال التاريخ قد عرف كذلك أن حياة أمم الغرب كانت دائما حياة نضال وكفاح وحروب دامية باسم السياسة أو باسم الدين، وعرف أن بابوات الكنيسة وأرباب السلطة الزمنية كانوا في نزاع دائم يغالب بعضهم بعضا، فيتغلّب هذا يوما ويتغلّب ذاك يوما آخر. ولمّا كان الفوز في القرن التاسع عشر قد تم للسلطة الزمنية، حاولت هذه السلطة أن تقضي على الحياة الروحية باسم العلم، وأن تزعم أن العلم سيحل من الحياة الإنسانية محل الإيمان من الحياة الروحية. وها هي ذي عرفت اليوم، بعد جهاد طويل، سوء رأيها، وأن ما قصدت إليه مستحيل تحقيقه. والصيحة تعلو اليوم من جوانب الغرب المختلفة يريد أهله حياة روحيّة أضاعوها، فهم يتلمّسوها في الثيوزوفيّة وغير الثيوزوفية «١» ولو أن المسيحية كانت تلائم غرائز الكفاح التي تنشأ بحكم الطبيعة كجزء من حياة أهل الغرب، لرأيتهم، وقد شعروا بعجز الفكرة الماديّة عن أن تلهمهم المدد الروحّي، يعودون إلى الدين المسيحي الجميل دين عيسى بن مريم، إن لم يهدهم الله إلى الإسلام، ولما كانوا في حاجة إلى هذه الهجرة إلى الهند وإلى غيرها يستمدّون منها حياة روحية يشعر الإنسان بالحاجة إليها حاجته إلى التنفّس لأنها بعض طبعه، بل لأنها بعض نفسه وكيانه.
الاستعمار والدعوة ضد الإسلام
وقد عاون الاستعمار الغربي اهله على الاستمرار في الحملة التي أثاروها على الإسلام وعلى محمد، ودعاهم ليقولوا ما قال أهل مكة حين أرادوا أن يحملوا النصرانية عار هزيمة هرقل والروم أمام فارس، فقد قالوا ولا يزال الكثيرون منهم يقولون إن الإسلام هو السبب في انحطاط الشعوب الآخذة به وفي خضوعهم لغيرهم.
وهذه فرية يكفي لإدحاضها أن يذكر قائلها أن الشعوب الإسلامية ظلّت صاحبة الحضارة الغالبة وصاحبة السيادة على العالم المعروف كله قرونا متوالية، وأنها كانت محطّ رجال العلم والعلماء، وموئل الحرية التي لم يعرفها الغرب إلا من أمد قريب. فإذا أمكن أن ينسب انحطاط طائفة من الشعوب إلى الدين الذي تؤمن به فلا يكون هذا الإسلام، وهو الذي حفز بدو شبه جزيرة العرب وأثارهم ومكّن لهم من حكم العالم.
стр. 16
الإسلام وما صارت إليه الشعوب الإسلامية
على أنّ لهؤلاء الذين يحمّلون الإسلام وزر انحطاط الشعوب الإسلامية من العذر أن أضيف إلى دين الله شيء كثير لا يرضاه الله ورسوله، واعتبر من صلب الدين ورمي من ينكره بالزندقة. وندع الدّين جانبا ونقف عند سيرة صاحبه ﵇. فقد أضافت أكثر كتب السيرة إلى حياة النبي ما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة، وما أضيف من ذلك قد اعتمد عليه المستشرقون واعتمد عليه الطاعنون على الإسلام ونبيّه وعلى الأمم الإسلامية واتخذوه تكأتهم في مطاعنهم المثيرة لنفس كل منصف. اعتمدوا عليه وعلى ما ابتدعوه من عندهم وما زعموا أنهم يكتبونه على الطريقة العلمية الحديثة، هذه الطريقة التي تعرض الحوادث والناس والأبطال فتصدر بعد ذلك حكمها عادلا إن هي رأت لإصدار حكم محلا. فإذا أنت وقفت عندما كتبه هؤلاء رأيته تمليه شهوة الجدل والتجريح، مصوغا في عبارة لا تخلو من براعة تستهوي إخوانهم في العقيدة إلى الظن بأن البحث العلمي المجرّد النزّاع إلى الحقيقة وحدها يريد أن يستشفّها من وراء كل الحجب، هو الذي وجّه هؤلاء المتعصّبين من الكتّاب والمؤرخين. على أن السكينة التي ينزلها الله على نفوس الراضين من الناس، كتّابا وعلماء، قد أدّت باخرين من أحرار الفكر ومن المسيحيين ليكونوا أدنى إلى العدل وأحرص على النّصفة.
الجمود والاجتهاد عند المسلمين
ولقد قام بعض علماء المسلمين في ظروف مختلفة فحاولوا إدحاض مزاعم أولئك المتعصبين من أبناء الغرب. واسم الشيخ محمد عبده هو أنصح الأسماء في هذا الصدد. لكنهم لم يسلكوا الطريقة العلمية التي زعم أولئك الكتّاب والمؤرخون الأوروبيون أنهم يسلكونها لتكون لحجتهم قوّتها في وجه خصومهم. ثم إن هؤلاء العلماء المسلمين، والشيخ محمد عبده في مقدمتهم، قد اتهموا بالإلحاد والكفر والزندقة، فأضعف ذلك من حجتهم أمام خصوم الإسلام. ولقد كان اتّهامهم هذا عميق الأثر في نفوس شباب المسلمين المتعلمين.
شعر هؤلاء الشبان بأن الزندقة تقابل حكم العقل ونظام المنطق في نظر جماعة من علماء المسلمين، وأن الإلحاد عندهم قرين الاجتهاد، كما أن الإيمان قرين الجمود.. لذلك جزعت نفوسهم وانصرفوا يقرؤن كتب الغرب يتلمّسون فيها الحقيقة، اقتناعا منهم بأنهم لن يجدوها في كتب المسلمين. وهم لم يفكروا في كتب المسيحية والتاريخ المسيحي بطبيعة الحال؛ إنما فزعوا إلى كتب الفلسفة يتلمّسون في أسلوبها العلمي ريّ ما في نفوسهم من ظمأ محرق للحق، وفي منطقها ضياء للجذوة المقدّسة الكمينة في النفس الإنسانية، ووسيلة إلى الاتصال بالكون وحقيقته العليا. وهم واجدون في كتب الغرب، سواء منها كتب الفلسفة وكتب الأدب الفلسفي وكتب الأدب نفسه، الشيء الكثير مما يغزي الإنسان بالأخذ به، لروعة أسلوبها ودقة منطقها وما يظهر فيها من صدق القصد وخالص التوجه إلى المعرفة ابتغاء الحق. لذلك انصرفت نفوسهم عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية وصاحبها، حرصا منهم على ألا تثور بينهم وبين الجمود حرب لا ثقة لهم بالانتضار فيها، ولأنهم لم يدركوا ضرورة الاتصال الروحي بين الإنسان وعوالم الكون اتصالا يرتفع به الإنسان إلى أرقى مراتب الكمال وتتضاعف به قوته المعنوية.
انصرف هؤلاء الشبان عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية وصاحبها. وزادهم انصرافا ما رأوا العلم الواقعيّ والفلسفة الواقعية (الوضعية) يقررانه من أن المسائل الدينية لا تخضع للمنطق ولا تدخل في حيز التفكير العلمي، وأن ما يتصل بها من صور التفكير التجريديّ (الميتافيزيقي) ليس هو أيضا من الطريقة العلمية في شيء. ثم إنهم رأوا الفصل بين الكنيسة والدولة واضحا صريحا في البلاد الغربية، ورأوا البلاد التي
стр. 17
تقرّر دساتيرها أن ملكها هو حامي البروتستنتية أو الكثلكة، أو تقرّر أن دين الدولة الرسمي المسيحية، لا تقصد من ذلك إلى أكثر من مظاهر الأعياد والمواسم وما يتصل بها؛ فازدادوا انخراطا في هذا التفكير العلمي وحرصا على الأخذ منه ومما يتصل به من فلسفة وأدب وفن بأوفر نصيب. فلما آن لهم أن ينتقلوا من الدرس إلى الحيّاة العملية، شغلتهم هذه الحياة عن التفكير في المسائل التي انصرفوا من قبل عن التفكير فيها، وظل اتجاههم الفكري في تياره الأول، ينظر إلى الجمود العقلي مشفقا مزدريا، وينهل من ورد التفكير الغربي والفلسفة الغربية، فيجد فيهما لذّة ويزداد بهما إعجابا وعلى ما نهل صدر شبابه منهما حرصا.
وليس ريب في أن الشرق اليوم في حاجة أشد الحاجة إلى النّهل من ورد الغرب في التفكير وفي الأدب والفن. فقد قطع ما بين حاضر الشرق الإسلامي وماضيه قرون من الجمود والتعصّب غشّت على تفكيره السليم القديم بطبقة كثيفة من الجهل وسوء الظن بكل جديد. فلا مفرّ لمن يريد أن يصهر هذه الطبقة من الاستعانة بأحدث صور التفكير في العالم، ليستطيع من هذه السبيل أن يصل بين الحاضر الحيّ وثروة الماضي وتراثه العظيم.
جهود التجديد الإسلامي
ومن الحق علينا للغرب أن نقول: إن ما يقوم به علماؤه اليوم من بحوث نفيسة في تاريخ الدراسات الإسلامية والدراسات الشرقية، قد مهد لأبناء الإسلام وأبناء الشرق أن يتزيّدوا من هذه البحوث في تلك الدراسات وأن يكونوا أكبر رجاء في الاهتداء إلى الحق، فهم أقرب بطبعهم إلى حسن إدراك الروح الإسلامي والروح الشرقيّ. وما دام التوجيه الجديد قد بدأ في الغرب، فواجب عليهم أن يتابعوه وأن يصححوا أغلاطه وأن يبثوا فيه الروح الصحيح الذي يعيده إلى الحياة ويصله بالحاضر، لا على أنه مجرّد دراسة وبحث، بل على أنه ميراث روحي وعقلي يجب أن يتمثّله الوارثون، وأن يضيفوا إليه، وأن يزيدوا سنا ضيائه بما يزيد الحقيقة الكامنة فيه ضياء ونورا.
المبشرون والجامدون
وقد توفّر منهم كثيرون على هذه البحوث يقومون اليوم بها على الطريقة العلمية الصحيحة؛ والمستشرقون أنفسهم يقدرون لهم ذلك ويشيدون بفضلهم فيه.
وبينما يقوم هذا التعاون العلمي الجدير بأن يؤتي خير الثمرات، إذا بنشاط رجال الكنيسة المسيحية لا يفتر في الطعن على الإسلام وعلى محمد طعنا لا يقلّ عما تلوت منه فيما سبقت الإشارة إليه. والاستعمار الغربي يؤيد بقوّته أصحاب هذه المطاعن باسم حرية الرأي، مع أن أصحاب هذه المطاعن قد أجلوا عن بلادهم وحيل بينهم وبين ما يسمونه تثبيت الإيمان في نفوس إخوانهم في الدين. وهذا الاستعمار يؤيّد كذلك دعاة الجمود من المسلمين. وكذلك تضافر عمل الاستعمار على تأييد ما دسّ على الإسلام منه، وعلى سيرة الرسول من خرافات لا يسيغها العقل ولا يقبلها الذوق، وعلى تأييد الطاعنين على الإسلام وعلى محمد بما دسّ على الإسلام وعلى سيرة الرسول.
كيف فكرت في وضع هذا الكتاب
أتاحت لي ظروف حياتي العملية أن أرى ذلك كله في مختلف بلاد الشرق الإسلامي، بل في البلاد الإسلامية كلها، وأن أتبين ما يقصد إليه من القضاء على الروح المعنوية في هذه البلاد بالقضاء على حرية الرأي
стр. 18
وحرية البحث ابتغاء الحقيقة. وقد شعرت بأن عليّ واجبا أقوم به في هذا الموضوع لإفساد الغاية التي ترمي هذه الخطة إليها، والتي تضر الإنسانية كلها ولا يقف ضررها عند الإسلام والشرق. وأيّ أذى يصيب الإنسانية أكبر من العقم والجمود يصيبان نصفها الأكبر والأعرق في الحضارة على حقب التاريخ! ولذلك فكرت في هذا وأطلت التفكير، وهداني تفكيري آخر الأمر إلى دراسة حياة محمد صاحب الرسالة الإسلامية وهدف مطاعن المسيحية من ناحية، وجمود الجامدين من المسلمين من الناحية الآخرى، على أن تكون دراسة علمية على الطريقة الغربية الحديثة، خالصة لوجه الحق، ولوجه الحق وحده.
بدأت أراجع تاريخ محمد، وأعيد النظر في سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد ومغازي الواقدي، وعدت إلى كتاب سيد أمير على (روح الإسلام) ، ثم حرصت على أن أقرأ ما كتب بعض المستشرقين، فقرأت كتاب درمنجم وكتاب وشنطن إرفنج، ثم انتهزت فرصة وجودي بالأقصر في شتاء سنة ١٩٣٢ وبدأت أكتب. ولقد تردّدت يومئذ في أن أجعل البحث الذي أطالع قرّائي به من وضعي أتى خيفة ما قد يقوم به أنصار الجمود والمؤمنون بالخرافات من ضجة تفسد عليّ ما أريد. لكن ما لقيت من إقبال وتشجيع من طائفة شيوخ المعاهد، وما أبدى لي بعضهم من ملاحظات تدلّ على العناية بالبحث الذي أقوم به، جعلني أفكر تفكيرا جدّيا في إنفاذ ما اعتزمت من كتابة حياة محمد على الطريقة العلمية الصحيحة كتابة مفصّلة، ودعاني إلى التفكير في أمثل الوسائل لتمحيص السيرة تمحيصا علميّا جهد ما أستطيع.
القرآن أصدق مرجع
ولقد تبّينت أن أصدق مرجع للسيرة إنما هو القرآن الكريم فإن فيه إشارة إلى كل حادث من حياة النبيّ العربي يتخذها الباحث منارا يهتدي به في بحثه، ويمحص على ضيائه ما ورد في كتب السنّة وما جاء في كتب السيرة المختلفة. وأردت جاهدا أن أقف على ما ورد في القرآن متصلا بحياة النبي، فإذا معونة صادقة في هذا الباب يقدّمها إليّ الأستاذ أحمد لطفي السيّد الموظف بدار الكتب المصرية، هي مجموعة وافية مبوّبة لآيات القرآن المتصلة بحياة من أوحى الكتاب الكريم إليه. وأخذت أدقق في هذه الآيات، فرأيت أن لا بدّ من الوقوف على أسباب نزولها وأوقات هذا النزول ومناسباته. وأعترف بأني، على ما بذلت في ذلك من جهد، لم أوفق لكل ما أردت منه. فكتب التفسير تشير أحيانا إليه وتهمل هذه الإشارة في أكثر الأحايين. ثم إن كتاب «أسباب النزول» للواحدي، وكتاب «الناسخ والمنسوخ» لإبن سلامة، إنما تناولا هذا الموضوع الجليل الجدير بكل تدقيق واستيفاء تناولا موجزا. على أنني وقفت فيهما وفيما رجعت إليه من كتب التفسير على مسائل عدّة استطعت أن أمحص بها ما ورد في كتب السيرة، ووجدت فيهما وفي كتب التفسير نفسها أشياء جديرة بمراجعة العلماء المتبحّرين في علوم الكتاب والسنّة وتحقيقهم إياها من جديد تحقيقا دقيقا.
المشورة الصادقة
ولما تقدم بي البحث بعض الشيء ألفيت المشورة الصادقة تصل إليّ من كل صوب، ومن ناحية الشيوخ أكثر من كل ناحية أخرى بطبيعة الحال. وكانت المعونة الكبرى معونة دار الكتب ورجالها الذين أمدّوني من ألوان المعونة بما لا يفي الشكر بحسن تقديره. ويكفي أن أذكر أن الأستاذ عبد الرحيم محمود المصحح بالقسم الأدبي بدار الكتب كان يكفيني مؤونة الذهاب إلى الدار في كثير من الأحيان ويستعير لي ما أريد استعارته من الكتب مشمولا بعطف مدير الدار وكبار القائمين بالأمر فيها، وأن أذكر أني في كل مرة ذهبت إلى الدار كنت أجد أجمل العون في البحث عما أريد البحث فيه من موظّفي الدار كبارا وصغارا، من عرفت منهم ومن لم أعرف.
стр. 19
ثم إنه كانت تستغلق عليّ بعض المسائل أحيانا فأفضي إلى من آنس فيه المعرفة من أصدقائي بما استغلق عليّ فأجد في كثير من الأحيان خير العون. وجدت ذلك غير مرّة عند الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، ووجدته عند صديقي الضليع جعفر (باشا) وهو الذي أعارني عدّة كتب كصحيح مسلم وتواريخ مكة، ودلنيّ على غير مسألة من المسائل وهداني إلى موضعها، وقد أعارني صديقي الأستاذ مكرم عبيد (باشا) كتاب المستشرق السير وليم موير «حياة محمد» وكتاب الأب لامنس «الإسلام» . هذا إلى ما وجدت من عون في مؤلّفات المعاصرين القيامة ككتاب «فجر الإسلام» للأستاذ أحمد أمين، و «قصص الأنبياء» للأستاذ عبد الوهاب النّجار، و «في الأدب الجاهلي» للدكتور طه حسين، و «اليهود في بلاد العرب» لإسرائيل ولفنسن، وغير هذه من كتب المعاصرين كثير ذكرته في بيان المراجع القديمة والحديثة التي استعنت بها على وضع هذا الكتاب.
ولقد كنت كلما أزددت توسعا في البحث أرى مسائل تنجم أمامي وتستدعي التفكير ومزيدا من البحث لحلها. وكما عاونتني كتب السيرة وكتب التفسير في الاهتداء إلى غاية من تفكيري أطمئن اليها، عاونتني كذلك كتب المستشرقين في الاهتداء إلى غاية أطمئن إليها. على أنني رأيتني مضطرّا في كل المواقف لأقصر بحثي في حدود حياة محمد نفسه ما لم أضطرّ إلى تناول مسائل أخرى متصلة بهذا البحث اضطرارا. ولو أنني أردت أن أبحث كل ما اتصل بهذه الحياة الفيّاضة العظيمة، لاحتاج الأمر إلى وضع مجلّدات عدّة في حجم هذا الكتاب.
ويحسن أن أذكر أن كوسّان دبرسفال وضع ثلاثة مجلّدات بعنوان «رسالة في تاريخ العرب» ، جعل المجلّدين الأوّلين منها في تاريخ قبائل العرب وحياتها، وجعل الثالث عن محمد وخليفتيه الأوّلين أبي بكر وعمر. وطبقات ابن سعد تقع في مجلّدات كثيرة يتناول جزؤها الأوّل حياة محمد، وسائر أجزائها حياة أصحابه. ولم يكن غرضي أوّل ما بدأت البحث ليتجاوز حياة محمد. فلم أرد في أثنائه أن أتركه يتشعّب فيحول ذلك بيني وبين الغاية التي إليها قصدت.
في حدود السيرة لا أتعداها
وشيء آخر كان يمسكني في حدود هذه الحياة؛ ذلك روعة جلالها وباهر ضيائها جلالا وضياء يتوارى دونهما كل ما سواهما. فما كان أعظم أبا بكر! وما كان أعظم عمر إذ كان كل منهما في خلافته علما يحجب سواه! وما أشدّ ما كان للسابقين الأوّلين إلى صحبة محمد من عظمة ثبتت على الأجيال وهي بعد مما تفاخر به الأجيال.
لكن هؤلاء جميعا كانوا يستظلّون أثناء حياة النبي بجلال عظمته وبستضيئون بباهر لألائه. فليس من اليسير على من يبحث في سيرة الرسول أن يدعها لشيء سواها. وهو أشد شعورا بذلك إذا تناول البحث على الطريقة العلمية الحديثة على نحو ما حاولت أن أفعل، هذه الطريقة التي تجلو عظمة محمد على نحو يبهر العقل والقلب والعاطفة جميعا، ويغرس فيها من الإجلال للعظمة والإيمان بقوتها ما لا يختلف فيه المسلم وغير المسلم.
وأنت إذا طرحت جانبا أولئك المتعصّبين الحمقى الذين جعلوا النيل من محمد دأبهم كالمبشرين وأشباههم، فإنك واجد هذا الإجلال للعظمة والإيمان بقوتها في كتب العلماء المستشرقين واضحين جليين. عقد كارليل في كتابه «الأبطال» فصلا عن محمد صوّر فيه الجذوة الإلهية المقدّسة التي أوحت إلى محمد ما أوحت فصوّر العظمة في جلال قوّتها. وموير، وإرفنج، وسبرنجر، وفيل، وغيرهم من المستشرقين والعلماء قد صوّر كل واحد منهم عظمة محمد تصويرا قويا وإن وقف هذا أو ذاك منهم عند مسائل اعتبرها ماخذ على صاحب الرسالة الإسلامية، لغير شيء إلا أنه لم يمتحنها ولم يمحصها التمحيص العلميّ الدقيق، ولأنه اعتمد فيها على ما
стр. 20
ورد في بعض كتب السيرة أو كتب التفسير من الروايات المضطربة، متناسيا أن أوّل كتب السيرة إنما كتب بعد قرنين من عصر محمد دسّت أثناءهما في سيرته وفي تعاليمه إسرائيليات كثيرة، ووضعت أثناءهما ألوف الأحاديث المكذوبة. ومع أن المستشرقين يقرّرون هذه الحقيقة، تراهم لا يأبون مع ذلك تناسيها ليقرّروا أمورا يعتبرونها صحيحة مع أن أقل التمحيص ينفها. من ذلك مسألة الغرانيق، ومسألة زيد وزينب، ومسألة أزواج النبيّ، مما أتيح لي امتحانه وتمحيصه في هذا الكتاب.
الكتاب بداءة البحث
لست مع ذلك أحسبني أوفيت على الغاية من البحث في حياة محمد. بل لعلي أكون أدنى إلى الحق إذا ذكرت أني بدأت هذا البحث في العربية على الطريقة العلمية الحديثة، وأن ما بذلت في هذه السبيل من مجهود لا يخرج هذا الكتاب عن أنه بداءة البحث من ناحية علمية إسلامية في هذا الموضوع الجليل. وإذا كان جماعة من العلماء والمؤرخين قد انقطعوا لبحث عصر من العصور، كما انقطع أولار في فرنسا لبحث عصر الثورة الفرنسية، وكما انقطع غيره من العلماء لبحث عصر أو عصور معيّنة من التاريخ في مختلف الأمم، فحياة محمد جديرة بأن ينقطع لبحثها على طريقة علمية جامعية أكثر من أستاذ يتخصص فيها ويتوافر عليها. وليس يساورني شك في أن الانقطاع والبحث العلميّ، في هذه الفترة القصيرة من حياة بلاد العرب واتصالها بحياة الأمم المختلفة في ذلك العصر، تؤتي نتائجه العالم كله، لا الإسلام والمسلمين وحدهم، خير الثمرات. فهي تجلو أمام العلم كثيرا من المسائل النفسية والروحية فضلا عما تفيض عليه من ضياء في نواحي الحياة الاجتماعية والخلقية والتشريعية لا يزال العلم يتردد أمامها متأثرا بهذا النزاع الديني بين الإسلام والنصرانية، وبهذه المحاولات العقيمة التي يقصد منها إلى «تغريب» الشرقيين أو تنصير المسلمين، مما ثبت على الأجيال إخفاقه واستحالته وسوء أثره في علاقات أجزاء الإنسانية بعضها ببعض.
وأذهب إلى أبعد مما تقدّم فأقول: إن هذا البحث جدير بأن يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تتلمّسها. وإذا كانت نصرانية الغرب تستكبر أن تجد النور الجديد في الإسلام ورسوله وتشيم هذا النور في ثيوزوفية الهند وفي مختلف مذاهب الشرق الأقصى فإن رجال هذا الشرق من المسلمين واليهود والنصارى جميعا خليقون أن يقوموا بهذه البحوث الجليلة بالنزاهة والإنصاف اللذين يكفلان وحدهما الوصول إلى الحق.
فالتفكير الإسلامي- على أنه تفكير علمي الأساس على الطريقة الحديثة في صلة الإنسان بالحياة المحيطة به، وهو من هذه الناحية واقعي بحت- ينقلب تفكيرا ذاتيا حين يتصل الأمر بعلاقة الإنسان بالكون وخالق الكون، ويبدع لذلك في النواحي النفسية والنواحي الروحية آثارا يقف العلم بوسائله حائرا أمامها، لا يستطيع أن يثبتها ولا أن ينفيها، وهو لا يعتبرها حقائق علمية. ثم هي تظل مع ذلك قوام سعادة الإنسان في الحياة ومقوّمة سلوكه فيها. فما الحياة؟ وما صلة الإنسان بهذا الكون؟ وما حرصه على الحياة؟ وما هي العقائد المشتركة التي تبعث في الجماعات القوّة المعنوية التي تضمحل بضعف هذه العقائد المشتركة؟ وما الوجود؟ وما وحدة الوجود؟ وما مكان الإنسان من الوجود ووحدته؟ هذه مسائل خضعت للمنطق التجريدي ووجدت منه أدبا مترامي الأطراف. لكنك تجد حلّها في حياة محمد وتعليمه أدنى لتبلغ الناس سعادتهم من هذا المنطق التجريديّ الذي أفني فيه المسلمون قرونا منذ العهد العباسي، وأقنى فيه الغربيون ثلاثة قرون منذ القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر مما انتهى بالغرب إلى العلم الحديث على نحو ما انتهى بالمسلمين فيما مضى، ثم وقف العلم في الماضي كما أنه مهدّد اليوم بالوقوف دون إسعاد الإنسانية. ولا سبيل إلى درك هذه السعادة إلا العود إلى
стр. 21
حسن إدراك هذه الصلة الذاتية بالوجود وخالق الوجود في وحدته التي لا تتغيّر سننها ولا يعتبر للزمان أو المكان فيها إلا وجود نسبي لحياتنا القصيرة. وحياة محمد هي لا ريب خير مثل لدراسة هذه الصلة الذاتية دراسة علمية لمن أراد، ودراسة عملية لمن تؤهله مواهبه أن يحاول هذا الاتصال في مراتب أوّلية لبعد ما بينه وبين الصلة الإلهية التي أفاء الله على رسوله. وأكبر ظني أن هاتين الدراستين خليقتان، يوم يتاح لهما التوفيق، أن تنقذا عالمنا الحاضر من وثنية تورّط فيها على اختلاف عقائده الدينية أو العلمية؛ وثنيّة جعلت المال وحده معبودا، وسخّرت كل ما في الوجود من علم وفن وخلق ومواهب لعبادته والتسبيح بحمده. قد يكون هذا التوفيق ما يزال بعيدا.
لكن طلائع القضاء على هذه الوثنية التي تتحكم في عالمنا الحاضر، وتوجه الحضارة الحاكمة فيه، واضحة لكل من تتبّع سيرة العالم وأحداثه. فلعل هذه الطلائع تتواتر وتقوى دلالتها إذا انجلت أمام العلم تلك المسائل الروحية بالتخصص لدراسة حياة محمد النبي وتعاليمه وعصره والثورة الروحية التي انتشرت في العالم أثرا من آثاره. وإذا أتاحت الدراسة العلمية والدراسة الذاتية لقوى الإنسانية الكمينة مزيدا من اتصال بني الإنسان بحقيقة الكون العليا، كان ذلك الحجر الأوّل في أساس الحضارة الجديدة.
وهذا الكتاب ليس إلا محاولة بدائية في هذه السبيل كما قدّمت. وبحسبي أن يقنع هذا الكتاب الناس بما فيه، وأن يقنع العلماء والباحثين بضرورة الانقطاع والتخصص لبلوغ الغاية من بحث موضوعه. ولو أنه أثمر أيّا من هذين الأثرين أو كليهما، لكان ذلك أكبر جزاء أرجو عن المجهود الذي بذلت فيه. والله يجزي المحسنين.
محمد حسين هيكل
стр. 22
تقديم الطبعة الثانية
نفذت طبعة هذا الكتاب الأولى بأسرع من كل ما قدّر لها. فقد صدر منها عشرة آلاف نسخة نفد ثلثها بالاشتراك في الكتاب أثناء طبعه، ونفد سائرها خلال ثلاثة أشهر من صدوره. ولقد دل الإقبال على اقتناء هذا الكتاب على عناية القرّاء بالبحث الذي يحتويه. لذلك لم يكن بد من التفكير في إعادة طبعه، وفي إعادة النظر فيه.
وموضوع الكتاب هو السبب الأوّل في الإقبال عليه لا ريب. ولعل الطريقة التي عولج بها كانت ذات أثر في الإقبال عليه كذلك. وأيّا كان السبب فقد سألت نفسي حين فكّرت في أمر الطبعة الثانية: أفأعيدها صورة من الطبعة الأولى لا أزيد فيها ولا أنقص منها، أم أرجع إليها بالتنقيح والزيادة والتصحيح فيما تتّضح لي ضرورة تصحيحه أو تنقيحه أو الزيادة عليه؟ ولقد أشار عليّ بعض من أقدر مشورتهم أن أجعل الثانية صورة من الطبعة الأولى كيما تتحقق المساواة بين الذين يقتنون أيّا من الطبعتين، ولكي يتسع لي زمن المراجعة والتنقيح فيما بعد هذه الطبعة الثانية. وكدت آخذ بهذا الرأي. ولو أنني فعلت لكانت هذه الطبعة في أيدي القرّاء منذ أشهر. غير أني تردّدت في الأخذ بهذه المشورة، ثم انتهيت إلى ضرورة التنقيح والزيادة لاعتبارات شتّى. وكان أوّل هذه الاعتبارات بعض ملاحظات تفضّل الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي بإبدائها لي حين أطلعته على ما تم طبعه من الكتاب قبل ظهور طبعته الأولى فتفضّل بوضع التعريف الذي صدّرت به. فلما ظهر الكتاب تفضّل بعض الكتاب والعلماء بالتنويه به في الصحف والمجلات وعن طريق الإذاعة، وأبدوا ما عنّ لهم من الملاحظات عليه. وقد أبديت هذه الملاحظات جميعا بعد الثناء الجم على مجهود بذلته لست أحسبه جديرا بكل هذا التقدير، وأبديت حرصا على ألّا تشوب كتابا عن النبيّ العربي هنة من الهنات ما دام مؤلفه قد وفّق في وضعه توفيقا أرضاهم ونال تقديرهم. لذلك لم يكن بدّ من أن أعير هذه الملاحظات ما هي جديرة به من عظيم العناية.
ولعل هذا الرضا والتقدير هما اللذان جعلا طائفة من هذه الملاحظات ترد على مسائل كمالية لا تتصل بجوهر الكتاب ولا بما ورد من الروايات فيه. فمنها ما يرجو أصحابه إيضاح بعض أمور رأوها في حاجة إلى الإيضاح. ومنها ما يرمي إلى مزيد من التدقيق في استعمال حروف الجرّ، أو إلى اقتراح بعض ألفاظ بدل أخرى يعتقد الذين اقترحوها أنها أدق تعبيرا عن المعنى المقصود. على أن طائفة من الملاحظات انصبّت على بعض
стр. 23
مباحث الكتاب فدفعتني إلى مزيد من التفكير والمراجعة. ولشدّ ما أحرص على أن تكون هذه الطبعة الثانية أدنى إلى إرضاء هؤلاء العلماء جميعا، وإن كنت لا أرى في البحث كله، كما ذكرت في تقديم الكتاب، إلا أنه بداءة بحث في موضوعه باللغة العربية وضع على الطريقة العلمية الحديثة.
ومما أدىّ بي كذلك إلى تناول الطبعة الأولى بالتنقيح والزيادة، أنني عدت إلى تلاوة الكتاب بعدها. بعد أن وقفت على ما أبدي عليه من ملاحظات لم يغب أكثرها عني أثناء وضع الكتاب، فاقتنعت بضرورة الإفاضة في تمحيص بعض ما وردت الملاحظات عليه لإقناع أصحاب هذه الملاحظات بوجهة نظري وصواب حجتي.
وقد هدتني مراجعاتي التي قمت بها لهذه الغاية إلى مواضع للتأمل جديرة بأن يتناولها كل كاتب سيرة النبي العربي. ولئن اغتبطت لأنني تناولت في الطبعة الأولى كل ما أشارت الملاحظات إليه، لأنا اليوم أشد اغتباطا بأن أفيض في المباحث إفاضة أعتبرها ضرورية في هذه الدراسة التمهيدية لحياة أعظم إنسان عرفه التاريخ، خاتم الأنبياء والمرسلين ﵊.
وقد حاولت في هذا التقديم لطبعة الكتاب الثانية تمحيص طائفة من الملاحظات التي أبديت على طريقة البحث في الطبعة الأولى. وأضفت في آخر الكتاب فصلين تناولت فيهما أمورا مررت بموضوعها لماما في خاتمة الطبعة الأولى، كما أني نقحت وأضفت في تضاعيف الكتاب ما رأيت تنقيحه أو إضافته بعد الذي هدتني إليه مراجعاتي وتأمّلاتي، إتماما للبحث وإجابة لأصحاب الملاحظات عن ملاحظاتهم.
أنصار المستشرقين والرد عليهم
وفي مقدّمة ما أتناوله بالتفنيد رسالة وردت إليّ من كاتب مصري ذكر أنها ترجمة عربية لمقال بعث به إلى مجلة المستشرقين الألمانية نقدا لهذا الكتاب. ولم أنشر هذه الرسالة في الصحف العربية لأن بها مطاعن لا سند لها؛ ولذلك تركت لصاحبها أن يتحمل تبعة نشرها إن شاء. ولم أر أن أذكر اسمه في هذا التقديم اقتناعا مني بأنه سيعدل عن نسبتها إليه بعد أن يقرأ تفنيدها. وخلاصة هذه الرسالة أن البحث الذي قمت به في «حياة محمد» ليس بحثا علميّا بالمعنى الحديث؛ لأنني اعتمدت فيه على المصادر العربية وحدها، ولم أرجع إلى مباحث المستشرقين الألمان من أمثال «فيل» و «جولدزهر» و «نولدكي» وغيرهم ولم آخذ بنتائج هذه البحوث، ولأني اعتبرت القرآن وثيقة تاريخية لا محل لريبة فيها، مع أن مباحث هؤلاء المستشرقين تدل على أنه حرّف وبدّل بعد وفاة النبي وفي الصدر الأول للإسلام، واسم النبي بعض ما بدّل فيه؛ فقد كان اسمه «قثم» أو «قثامة» ثم أبدل من بعد وصار «محمدا» ليتسنّى وضع الآية: «ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» إشارة إلى ما جاء في الإنجيل عن النبي الذي يجيء بعد عيسى. ويضيف الكاتب إلى أقواله هذه أن بحوث المستشرقين دلّت كذلك على أن النبي كان يصاب بالصّرع، وأن ما كان يسميه الوحي ينزل عليه إنما كان أثرا لنوبات الصرع كانت تعتريه، وأن أعراض الصرع كانت تبدو على محمد فكان يغيب عن صوابه، ويسيل منه العرق، وتعتريه التشنجات، وتخرج من فيه الرغوة، فإذا أفاق من نوبته ذكر أنه إليه وتلا على المؤمنين به ما يزعم أنه من وحي ربه.
لم أكن لأعنى بهذه الرسالة ولا بتفنيد ما فيها لولا أن كاتبها مصري مسلم ولو أنه كان مستشرقا أو مبشرا لتركته ملقى حبله على غاربه، يقول ما تمليه عليه أهواؤه وما تنضح به شهواته. وحسبي ما ذكرت في تقديم الكتاب وفي تضاعيفه إدحاضا لأقوال هؤلاء وأولئك. لكن كاتب هذه الرسالة إنما هو مثل لطائفة من شباننا ورجالنا المسلمين الذين يتلقّون كل ما يقوله المستشرقون بقبول حسن، ويعتبرونه العلم الصحيح المعبّر عن
стр. 24
الحقيقة الخالصة- وإلى هؤلاء أوجّه القول هنا لأحذّرهم ما يقع المستشرقون فيه من خطأ. وبعض هؤلاء المستشرقين مخلص في بحثه على رغم خطئه. لكن الخطأ يتسرّب إلى بحثه لعدم دقته في إدراك أسرار اللغة العربية تارة، ولما يشوب نفوس طائفة من هؤلاء العلماء من الحرص على هدم مقرّرات دين من الأديان، أو على هدم مقرّرات الأديان جميعا، تارة أخرى. وهذا وذاك إسراف كان يجمل بالعلماء أن يجتنبوه. ولقد رأينا مسيحيين دفعهم هذا الإسراف إلى إنكار عيسى وجد على التاريخ، ورأينا آخرين تخطوا حدود الإسراف فكتبوا عن جنون عيسى. وإنما دعا إلى هذه النزعة في أوروبا ما بين الكنيسة والدولة من نزاع أدّى برجال العلم وبرجال الدين، كلّ من ناحيته، إلى الحرص على الغلب لاقتناص السلطان والحكم. أما والإسلام. بريء من هذا النزاع فليتّق الباحثون من أبنائه سلطان هذه الشهوة التي يخضع لها رجال الغرب، والتي تفسد على العلماء بحوثهم أكثر الأمر، ويجب عليهم لذلك أن يأخذوا حذرهم حين يطّلعون على ما يصدر عن الغرب من مباحث دينية، وأن يمحصوا كل ما يصوّره العلماء على أنه حق. فالكثير منه يتأثر بمقدار غير قليل بهذا الماضي الذي جعل الخصومة متصلة بين رجال الدين ورجال العلم قرونا متوالية.
الاعتماد على كتاب السيرة من المسلمين
وما ورد في رسالة هذا المصري المسلم مما لخصته هنا بالغ الدلالة على وجوب هذا الحذر. فأوّل ما يأخذه عليّ أنني اعتمدت على المراجع العربية والإسلامية واتخذتها أساسا لبحثي. ولست أنكر ذلك. على أنني قد رجعت إلى كتب المستشرقين ممن ذكرت في سجل المراجع، لكن المصادر العربية كانت دائما الأساس الأوّل لهذا البحث الذي قمت به. وهذه المصادر العربية كانت الأساس الأوّل كذلك لمباحث المستشرقين جميعا. وهذا طبيعيّ؛ فهذه المصادر، وفي مقدّمتها القرآن، هي أوّل من تحدّث عن حياة النبي العربي. فلا جرم أن تكون العمدة والأساس لكل من يريد أن يكتب سيرته بأسلوب العصر وطريقته. و «نولدكي» و «حولدزهر» و «فيل» و «سپرنجر» و «موير» وغيرهم من المستشرقين قد جعلوها عمدتهم في بحثهم كما جعلتها عمدتي في بحثي. وقد أبحث لنفسي في تمحيصها ونقدها ما أباحوه لأنفسهم من حرية، كما أنني لم أغفل بعض ما اعتمدوا عليه من كتب المسيحيين الأقدمين وإن أملاها التعصب الديني للمسيحية ولم يملها النقد العلمي بحال، فإذا لامني لائم لأنني لم أتقيد بالنتائج التي وصل المستشرقين إليها؛ أو لأنني أبحث لنفسي مخالفتهم ونقدهم، فتلك دعوة إلى الجمود العلمي لا تقل رجعية ولا تأخرا عن أية دعوة إلى الجمود في الميادين العقلية والروحية جميعا. وما أحسب أحدا من المستشرقين أنفسهم يوافق على هذه الدعوة إلى الجمود العلمي، ولو أن أحدهم أقرّها لجاز إقرار الدعوة إلى الجمود الديني. وهذا وذاك مالا أرضاه لنفسي ولا أرضاه لأحد ممن يريدون الاشتغال بالبحوث التاريخية على وجه علمي صحيح. إنما أعمل وأطالب غيري أن يعمل على تمحيص ما يقع عليه من مباحث غيره فإن اقتنع بها عن بينة وبعد أن يقوم لديه الدليل القاطع عليها فذاك، وإلا فليعمل من ناحيته للوصول إلى الحقيقة حتى يقتنع بأنه وصل إليها. هذا ما أدعو إليه شبابنا ورجالنا المعجبين ببحوث المستشرقين، وهذا ما فعلت؛ ولي أجر المصيب على ما أصبت فيه، ولي عذر الباحث عن الحقيقة مع صدق القصد في توخّي السبيل إليها إن أخطأني التوفيق في شيء منه.
المستشرقون والمقررات الدينية
ومن الأدلة على تأثر بعض المستشرقين بحرصهم على هدم المقررات الدينية وإسرافهم في ذلك ما ذهب إليه كاتب الرسالة المصري المسلم من أن مباحث هؤلاء المستشرقين تدل على أن القرآن ليس وثيقة تاريخية لا محل
стр. 25
لريبة فيها، وأنه حرّف بعد وفاة النبي وفي صدر الإسلام، وأضيفت إليه أثناء ذلك آيات لأغراض دينية أو سياسية. ولست أناقش صاحب الرسالة من ناحية إسلامية فأحاجّه، وهو مسلم، بما يقرره الإسلام من أن القرآن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو يذهب مذهب المستشرقين من أن القرآن كتاب وضعه محمد، عن إيمان منه بأن هذا الكتاب وحي الله في رأي طائفة من هؤلاء المستشرقين، وحرصا منه على إثبات رسالته بما يذكر من أن هذا القرآن وحي الله إليه في رأي الآخرين. فلأخاطبه إذا بلغته على أنه من أحرار الفكر الذين لا يريدون أن يتقيدوا إلا بما يثبته العلم إثباتا يقينيّا.
فرية تحريف القرآن
هو يعتمد على المستشرقين وما يقولونه. ومن المستشرقين طائفة تزعم بالفعل في أمر القرآن ما نقله عنهم.
لكن زعمهم هذا يدلّ على أنهم إنما تدفعهم إليه أغراض يبرأ منها العلم ولا تخفى على أحد. وحسبك دليلا على ذلك قولهم: إن عبارة «ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» ، التي وردت في الآية السادسة من سورة الصف، إنما أضيفت بعد وفاة النبي لالتماس الدليل على نبوّة محمد ورسالته من الكتب المقدّسة السابقة للقرآن. فلو أن الذين قالوا هذا القول من المستشرقين كانوا يخلصون للعلم حقّا لما لجأوا إلى مثل هذا التدليل القائم عندهم على أن التوراة والإنجيل كتابان مقدّسان بالفعل. فلو أنهم كانوا يريدون العلم للعلم لسوّوا بين القرآن والكتب المقدّسة التي سبقته؛ فإمّا اعتبروه مقدّسا مثلها، فذكره الكتب المقدّسة التي عرفها الناس قبله طبيعي لا محل لرفضه. وإمّا اعتبروا هذه الكتب كما اعتبروا القرآن وقالوا في شأنها ما قالوه في شأنه، وقرّروا أن أصحابها وضعوها لأغراض دينية أو سياسية خاصة. ولو أنهم قالوا مثل هذا القول لقضى المنطق بفساد ما ذهبوا إليه من تحريف القرآن لأغراض سياسية أو دينية، فما كان للمسلمين أن يلتمسوا الحجة من هذه الكتب بعد أن اطمأن ملكهم ودانت لهم الإمبراطورية المسيحية كما دان لهم غيرها من أمم الأرض، وبعد أن دخل المسيحيون في الإسلام أفواجا بل أمما كاملة. هذا هو المنطق الذي يقتضيه البحث العلمي النزيه. أمّا اعتبار التوراة والإنجيل مقدّسين، ونفي هذه الصفة عن القرآن فأمر لا يسوّغه العلم. وأمّا القول بتحريفه التماسا للحجة من التوراة والإنجيل فهراء لا يقره التاريخ ولا يرضاه المنطق.
والذين زعموا هذا الزعم الفاسد من المستشرقين هم قلة بين أشدّ المستشرقين تعصّبا. أما كثرتهم فيقرون بأن القرآن الذي نتلوه اليوم هو بعينه القرآن الذي تلاه محمد على المسلمين أثناء حياته، لم يحرّف ولم يبدّل.
وهم يحرصون على أن يذكروا هذا وإن أضافوا إليه من عبارات النقد للنظام الذي جمع القرآن به ولترتيب السور فيه ما لا يدخل تمحيصه في نطاق هذا البحث. وقد تناول المشتغلون بعلوم القرآن من المسلمين أوجه النقد هذه ودفعوها. أما ما نحن الآن في صدده فحسبنا فيه أن نقتطف بعض ما ذكره المستشرقين عنه، لعله يقنع المصري المسلم الذي نناقش هاهنا رسالته، ولعله يقنع الدين يفكرون على شاكلته.
موير ينكر هذه الفرية
وما أورده المستشرقون من ذلك كثير، نختار منه بعض ما كتبه السير وليم موير في كتابه «حياة محمد» . ليرى هؤلاء الذين أسرفوا على التاريخ وعلى أنفسهم شدّة ما أسرفوا حين اطمأنوا إلى ما قيل عن تحريف القرآن وتبديله. وموير مسيحي شديد الحرص على مسيحيته والدعوة إليها، شديد الحرص لذلك على ألا يدع موضعا لنقد نبي الإسلام وكتابه دون الوقوف عنده ومحاولة دعمه.
يقول سيروليم موير، عند كلامه عن القرآن ودقة وصوله إلينا، ما ترجمته: «كان الوحي المقدس أساس
стр. 26
أركان الإسلام فكانت تلاوة ما تيسر منه جزآ جوهريّا من الصلوات اليومية عامة أو خاصة، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزي من يؤديهما جزاء دينيا صالحا. ذلك كان جماع الرأي في السّنة الأولى، وهو ما يستفاد كذلك من الوحي نفسه. لذلك وعت القرآن ذاكرة كثرة المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا. وكان مبلغ ما يستطيع أحدهم تلاوته بعض المميزات الجوهرية في العهد الأول للإمبراطورية الإسلامية. وقد يسّرت عادات العرب هذا العمل؛ فقد كانوا ذوي ولع بالشعر عظيم. ولما كانت الوسائل لتحرير ما يفيض عن شعرائهم في غير متناول اليد، فقد اعتأدوا أن ينقشوا هذه القصائد كما كانوا ينقشون ما يتعلق بأنسابهم وقبائلهم على صفحات قلوبهم. بذلك نمت ملكة الذاكرة غاية النمو، ثم تناولت القرآن بكل ما أدّت إليه يقظة الروح إذ ذاك من حرص وإقبال. ولقد بلغ بعض أصحاب النبيّ من قوة الذاكرة ودقتها ومن التعلق بحفظ القرآن واستذكاره حدّا استطاعوا معه أن يعيدوا بدقة يقينية كل ما عرف منه إلى يوم كانوا يتلونه.
تحرير القرآن في عهد النبي
على الرغم من هذه القوة التي امتازت بها الذاكرة العربية فقد كنا في حل من ألّا نولي ثقتنا مجموعة ذلك كل مصدرها. لكن لدينا من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد أن أصحاب النبي دوّنوا أثناء حياته نسخا شتى لأجزاء مختلفة من القرآن، وأن هذه النسخ سجّلت القرآن، سجلته كله تقريبا. فقد كانت الكتابة معروفة على وجه عام بمكة قبل نبوّة محمد بزمن غير قليل. وكان النبي قد استعمل على تحرير الكتب والرسائل أكثر من واحد من أصحابه بالمدينة. وقد فكّ إسار الفقراء من أسرى بدر مقابل قيامهم بتعليم أنصار المدينة الكتابة. ومع أن أهل المدينة لم يكونوا مثقفين ثقافة أهل مكة، فقد عرفت مقدرة الكثيرين منهم على الكتابة قبل الإسلام. ومن اليسير مع ثبوت هذه للقدرة على الكتابة، أن نستنبط غير مخطئين أن الآيات التي وعتها الذاكرة بدقة قد سجلتها الكتابة بمثل هذه الدقة.
«ثم إنا نعرف أن محمدا كان يبعث إلى القبائل التي تدخل في الإسلام واحدا أو أكثر من أصحابه لتعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين، وكثيرا ما نقرأ أن هؤلاء المبعوثين كانوا يحملون معهم أوامر مكتوبة في شأن الدين. ولقد كانوا يحملون ما نزل به الوحي بطبيعة الحال، وخاصة ما اتصل منه بشائر الإسلام وقواعده، وما يتلى منه أثناء العبادة. والقرآن نفسه ينص على وجوده مكتوبا. وتنص كتب السيرة، حين تذكر إسلام عمر، على وجود نسخة من السورة المتمة للعشرين (سورة طه) في حيازة أخته وأسرتها.
وكان إسلام عمر قبل الهجرة بثلاث سنوات أو أربع. فإذا كان الوحي يدوّن ويتبادل في العصر الأول، حين كان المسلمون قليلين وحين كانوا يسامون العذاب، فمن المقطوع به أن النسخ المكتوبة كثر عددها وتداولها حين بلغ النبي أوج السلطة وحين صار كتابه قانون العرب جميعا.
الرجوع إلى النبي عند الخلاف
«كذلك كان شأن القرآن أثناء حياة النبيّ، وكذلك كان شأنه إلى عام بعد وفاته: بقي مسطورا في قلوب الذين آمنوا به مسجّلة أجزاؤه المختلفة في نسخ كانت تزداد كل يوم عددا. وكان لزاما أن يتطابق هذان المصدران تمام التطابق. فقد كان القرآن منظورا إليه، حتى في حياة النبي، برهبة اليقين بأنه كلام الله ذاته لذلك كان كل خلاف على نصه يرجع فيه إلى النبيّ نفسه كي يزيله. ولدينا أمثلة من ذلك؛ إذ رجع إلى النبي عمرو بن مسعود وأبي بن كعب. فلما قبض النبي كان يرجع عند الخلاف إلى النصوص المكتوبة، وإلى ذاكرة أصحاب النبي الأقربين وكتّاب وحيه.
стр. 27
«فلمّا فرغ من أمر مسيلمة، في حروب الردّة، كانت مذبحة اليمامة قد أتت على كثير من المسلمين ومن بينهم عدد كبير من خير حفّاظ القرآن، هنالك ساورت عمر المخاوف في أمر الكتاب ونصوصه وما ربما يعلق بها من ريبة إذا أصاب المقدور من اختزنوه في ذاكرتهم فماتوا جميعا. إذ ذاك توجه إلى الخليفة أبي بكر بقوله:
«أخشى أن يستحرّ القتل كرّة أخرى بين حفّاظ القرآن في غير اليمامة من المغازي وأن يضيع لذلك كثير منه.
والرأي عندي أن تسارع فتأمر بجمع القرآن» . وأقرّ أبو بكر هذا الرأي، وأفضى برغبته في إنفاذه إلى زيد بن ثابت كبير كتّاب النبي وقال: «إنك رجل شابّ عاقل ولا نتّهمك. كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتّبع القرآن فاجمعه» . وإذ كان هذا العمل حدثا غير متوقع فقد اضطرب زيد بادئ الرأي، وخامره الريب في صلاحية الإقدام عليه، بل في مشروعيته. فلم يقم به محمد نفسه ولم يأمر أحدا بالقيام به. على أنه انتهى إلى النزول على ما أبدى أبو بكر وعمر من رغبة ملحّة. وجهد في جمع السور وأجزائها من كل جانب، وحتى لقد جمع ما كان منها على ورق الشجر وعلى الحجر الأبيض وفي صدور الرجال. ويضيف بعضهم أنه جمع كذلك منها ما كان على الورق وعلى الجلد وعلى عظام الكتف والضلع من الإبل والماعز. وظفرت جهود زيد المتصلة خلال سنتين أو ثلاث بجمع هذه المادة كلها وترتيبها على النحو الذي هي عليه اليوم، وعلى النحو الذي كان زيد يتلو عليه القرآن في حضرة محمد فيما يقولون. فلما كملت النسخة الأولى عهد بها عمر إلى صيانة حفصة ابنته وزوج النبي. وظل هذا الكتاب الذي جمعه زيد قائما طيلة خلافة عمر على أنه النص الصادق الصحيح.
«على أن الخلاف لم يلبث أن بدأ في طريقة التلاوة، ناشئا إما عن الخلاف السابق لنسخة زيد، وإما عن تحريف تسرّب إلى النسخ التي نقلت عن نسخته. وفزع العالم الإسلامي لذلك أيّما فزع. فالوحي الذي نزل من السماء «واحد» فأين الآن وحدته؟ ولقد حارب حذيفة في إرمينية وفي أذربيجان ولاحظ اختلاف القرآن عند السوريين عنه عند أهل العراق، فجزع لتعدّد ذلك ولمبلغ ما بينه من خلاف، إذ ذاك فزع إلى عثمان كما يتدخل «ليقف الناس حتى لا يختلفوا على كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى» . واقتنع الخليفة.
وليدفع الضرّ لجأكرّة أخرى إلى زيد بن ثابت وعزّوة بثلاثة من قريش. وجيء بالنسخة الأولى من حيازة حفصة، وعرضت القراآت المختلفة من أنحاء الإمبراطورية، وروجعت كلها بأتم عناية للمرة الأخيرة. ولقد كان زيد إذا اختلف مع زملائه القرشيين رجح صوت هؤلاء أن كان التنزيل بلسان قريش، وإن قيل إن الوحي على سبع لهجات مختلفة من لهجات العرب. وأرسلت نسخ من هذا المصحف بعد تمام جمعه إلى جميع الأمصار في الإمبراطورية، وجمع ما بها من سائر النسخ بأمر الخليفة وأحرق. وردّت النسخة الأولى إلى حيازة حفصة.
«ووصل إلينا مصحف عثمان. وقد بلغت العناية بالمحافظة عليه أنّا لا نكاد نجد- بل لا نجد- أي خلاف بين النسخ التي لا عداد لها، والمنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي الفسيحة. ومع ما أدى إليه مقتل عثمان نفسه بعد ربع قرن من وفاة محمد، من قيام شيع مغضبة ثائرة زعزعت ولا تزال تزعزع وحدة العالم الإسلامي، فإن قرآنا واحدا قد ظل دائما قرآنها جميعا. وهذا الإسلام منها جميعا لكتاب واحد على اختلاف العصور حجة قاطعة، على أن ما أمامنا اليوم إنما هو النص الذي جمع بأمر الخليفة السيء الحظ. والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل ثلاثة عشر قرنا كاملا بنصّ هذا مبلغ صفائه ودقّته. والقراآت المختلفة قليلة إلى حدّ يثير الدهشة. وهذا الاختلاف محصور أكثر أمره في نطق الحروف المتحركة أو في مواضع الوقف، وهذه مسائل أبدعت في تاريخ متأخر، فلا مساس لها بمصحف عثمان.
стр. 28
وحدة الإسلام في عهد عثمان
«والآن، وقد تبين أن القرآن الذي نتلو هو نص مصحف عثمان لم يتغير، فعلينا أن نبحث: أهذا النص هو صورة مضبوطة لما جمع زيد بعد الاتفاق على إزالة ما كان في التلاوة من أوجه خلاف قليلة العدد قليلة الخطر؟ وكل ما لدينا مقنع تمام الإقناع بأن الأمر كذلك. فليس في الأنباء القديمة أو الجديرة بالتصديق ما يلقي على عثمان أية شبهة بأنه قصد إلى تحريف القرآن لتأييد أغراضه. صحيح أن الشيعة أدّعوا من بعد أنه أغفل بعض آيات تزكي عليّا. لكن العقل لا يسوغ هذا الزعم، فلم يكن قد نجم أي خلاف بين الأمريين والعلويين حين أقرّ مصحف عثمان، بل كانت وحدة الإسلام قائمة حينذاك لا يهدّدها شيء. ثم إن عليّا لم يكن قد صوّر مطالبه في صورتها الكاملة؛ فلم يكن غرض من الأغراض إذا ليدفع عثمان إلى ارتكاب إثم ينظر إليه المسلمون بعين المقت غاية المقت. ولقد كان عدد كبير ممن وعت قلوبهم القرآن كما سمعوه حين تلاه النبي أحياء حين جمع عثمان المصحف. فلو أن آيات تزكي عليّا كانت قد نزلت لوجدت نصوصها بين يدي أنصاره الكثيرين. وهذان السببان كانا كفيلين بالقضاء على كل محاولة لإغفال هذه الآيات. يضاف إلى ذلك أن شيعة علي استقلّوا بأمرهم بعد وفاة عثمان وبايعوا عليّا بالخلافة. أفيقبل العقل أنهم، وقد وصلوا إلى السلطة، يرضون عن قرآن مبتور، ومبتور قصدا للقضاء على أغراض زعيمهم!؟ مع ذلك ظلّوا يتلون القرآن الذي يتلوه خصومهم، ولم يثيروا أي ظل من الاعتراض عليه؟ بل إن عليّا أمر بأن تنشر نسخ كثيرة منه، ويقال إنه كتب بخط يده عددا منها. صحيح إن الثائرين قد جعلوا من أسباب انتقاضهم أن عثمان جمع القرآن وأمر بإهلاك ما سوى مصحفه من المصاحف. واعتراضهم إنما ينصب على إجراآت عثمان لذاتها ويعتبرونها محرّمة لا تجوز، لكن لم يشر أحد فيما وراء ذلك إلى تحريف في المصحف أو إبدال؛ فمثل هذا الزعم كان ظاهر الفساد يومئذ؛ وإنما أبدعه الشيعة من بعد لأغراضهم.
دقة مصحف عثمان وكماله
نستطيع أن نستنبط إذا مطمئنين أنّ مصحف عثمان كان وما زال صورة مضبوطة لما جمعه زيد بن ثابت، مع مزيد في التوفيق بين الروايات السابقة له وبين لهجة قريش، ثم استبعاد سائر القراآت التي كانت منتشرة في أنحاء المملكة. مع ذلك لا تزال أهمّ مسألة قائمة أمامنا، هذه المسألة هي: هل كان ما جمعه زيد صورة صادقة كاملة لما أوحي إلى محمد؟ والاعتبارات الآتية تبعث اليقين بأنه كان مجموعة صادقة بلغت من حيث إنها كاملة كل ما يمكن بلوغه يومئذ:
«أوّلا- تمّ الجمع الأول برعاية أبي بكر. وكان أبو بكر تابعا صادق الإخلاص لمحمد كما كان مؤمنا كامل الإيمان بالمصدر القدسي للقرآن؛ وكان اتصاله الحميم بالنبي خلال السنوات العشرين الأخيرة من حياته، ومظهره الخلافة مظهر البساطة والحكمة والتنزه عن المطامع، بحيث لا تدع موضعا لأي فرض آخر. وكان إيمانه بأن ما يوحى إلى صاحبه إنما يوحى إليه من الله ذاته، مما يجعل أول أغراضه أن يكفل جمع هذا الوحي كله مطهرا كاملا. ومثل هذا القول يصدق علي عمر، وقد تمّ الجمع في خلافته. وهذا القول يصدق كذلك على المسلمين يومئذ جميعا، لا تفاوت لديهم فيه بين الكاتبين الذين عاونوا على هذا الجمع وبين المؤمن الرقيق الحال الذي يحمل إلى زيد ما عنده من الوحي المكتوب على العظام أو على أوراق الشجر؛ فقد كانوا جميعا تتساوى رغبتهم الصادقة في استظهار العبارات والألفاظ التي تلاها عليهم نبيهم على أنها رسالة من عند الله. وقد كان الحرص على الدقة قائما بشعور الناس جميعا؛ لأنه لم ينغرس في نفوسهم شيء ما أنغرس
стр. 29
هذا التقديس المرهب لما يعتقدونه كلمة الله. وفي القرآن نذر للذين يفترون على الله الكذب أو يخفون شيئا من وحيه. ولسنا نستطيع أن نصدّق أن يجرؤ المسلمون الأوّلون، في حماستهم الأولى لدينهم وتقديسهم إياه، على التفكير في أمر ذلك مبلغة من مجافاة الإيمان.
«ثانيا- تمّ الجمع خلال سنتين أو ثلاث سنين بعد وفاة محمد؛ وقد رأينا طائفة من أتباعه يحفظون الوحي كله عن ظهر قلب، وأن كل واحد من المسلمين كان يحفظ طائفة منه، وأن جماعة من القراء كانت تعيّنهم الدولة وتبعث بهم إلى أنحاء المملكة الإسلامية لإقامة الشعائر ولتفقيه الناس في الدين. من هؤلاء جميعا تكوّنت حلقة اتّصال بين ما تلا محمد من الوحي يوم تلاه وبين ما جمعه زيد. فالمسلمون لم يكونوا صادقي القصد في جمع القرآن كله في مصحف واحد فحسب، بل كانت لديهم كذلك كل الوسائل التي تكفل تحقيق هذا الغرض، وتكفل تحقيق ما اجتمع في الكتاب الذي وضع بين أيديهم بعد جمعه من دقّة وكمال.
«ثالثا- ولدينا ضمان أوفى للدقة والكمال. ذلك ما كان موجودا منذ حياة محمد من أجزاء القرآن المكتوبة، والتي كثر لا شك عدد نسخها قبل جمع القرآن. وأكثر الأمر أن هذه النسخ كانت موجودة في حيازة جميع الذين يستطيعون القراءة. أما ونحن نعرف أن ما جمعه زيد قد تداوله الناس وتلوه بعد جمعه مباشرة.
فمن المعقول أن نستنبط أنه تناول ما احتوته هذه الأجزاء المكتوبة جميعا واتفق معها؛ لذلك حلّ محلّها بإقرارهم جميعا. فلم يتصل بنا أن الجامعين أغفلوا أجزاء أو آيات أو ألفاظا، أو أن شيئا مما كان موجودا من هذه اختلف عما حواه المصحف الذي جمع. ولو أن شيئا من ذلك كان، للوحظ بلا ريب ولدوّن في هذه المساند القديمة التي احتوت أدقّ أعمال محمد وأقواله، والتي لم تغافل منها حتى ما كان قليل الخطر.
«رابعا- محتويات القرآن ونظامه تنطق في قوة بدقة جمعه؛ فقد ضمّت الأجزاء المختلفة بعضها إلى بعض ببساطة تامة لا تعمّل ولا فنّ فيها. وهذا الجمع لا أثر فيه ليد تحاول المهارة أو التنسيق. وهو يشهد بإيمان الجامع وإخلاصه لما يجمع، فهو لم يجرؤ على أكثر من تناول هذه الآيات المقدسة ووضع بعضها إلى جانب بعض.
«والنتيجة التي نستطيع الاطمئنان إلى ذكرها هي أن مصحف زيد وعثمان لم يكن دقيقا فحسب، بل كان، كما تدلّ الوقائع عليه، كاملا، وأن جامعيه لم يتعمدوا إغفال أيّ من الوحي. ونستطيع كذلك أن نؤكد، استنادا إلى أقوى الأدلّة، أن كل آية من القرآن دقيقة في ضبطها كما تلاها محمد» .
أطلنا في اقتطاف عبارات «سيروليم موير» كما وردت في مقدمة كتابه «حياة محمد» «١» . على أن ما اقتطفناه يغنينا عن ذكر ما كتبه «الأب لامنس» و «هون هامر» ومن يرون هذا الرأي من المستشرقين. هؤلاء جميعا يقطعون بدقة القرآن الذي نتلوه اليوم، وبأنه يحتوي كل ما تلاه محمد على أنه الوحي الذي تلقاه من ربه صادقا كاملا. فإذا ذهبت بعد ذلك قلة من المستشرقين غير مذهبهم وزعموا القرآن حرّف، غير آبهين لهذه الأدلة العقلية التي ساقها «موير» وكثرة المستشرقين، والتي أخذوها عن التاريخ الإسلامي والعلماء المسلمين كان ذلك تجنيا على الإسلام لم يمله غير الحقد على الإسلام وعلى صاحب الرسالة الإسلامية. ومهما يبلغ المتجنون من البراعة في صياغة تجنّيهم فلن يستطيعوا أن يخلعوا عليه ثوب البحث العلمي النزيه، ولن يستطيعوا
стр. 30
أن يخلعوا به من المسلمين أحدا، اللهم إلا الشبان الذين يتوهمون أن البحث الحرّ يقتضيهم أن ينكروا ماضيهم، وأن يفتنوا عن الحق بما يزيّن لهم من الأباطيل وأن يؤمنوا بكل مطعن على هذا الماضي، ولو لم يكن لهذا الطعن ما يسوّغه من حقائق العلم والتاريخ.
كنا نستطيع أن نسوق هذه الحجج التي ساقها «السير موير» وغيره من المستشرقين، وأن نأتي بها من التاريخ الإسلامي ومما كتب علماء المسلمين، وأن نردها إلى مراجعها فيها. لكنا آثرنا نقلها عن أحد المستشرقين لنظهر شبابنا المولع بكل آثار الغرب، من غير تمحيص لها، على أن الدقّة في البحث العلمي وحسن القصد إلى الحق وحده جديران بهداية من يسلك سبيلهما مخلصا للحقيقة المجرّدة من كل زيف، وندلّه على أن واجب المحقق أن يدقق في بحثه حتى يصل من الحقيقة إلى غايته دون تأثر بهوى أو شهوة، ومن غير أن يقف به التقليد أو القصور عن بلوغ هذه الغاية. وقد وفّق المستشرقون للحق في بعض الأحيان، وقصر همهم دونه في أحيان أخرى. وكذلك كان أكثرهم في مسائل متصلة بحياة النبي العربي أتيح لنا تمحيصها في هذا الكتاب.
الطريقة الصحيحة في البحث
ويجمل بنا في هذا المقام أن نذكر أن واجب الباحث ألّا يثبت مسألة من المسائل وألّا ينفيها، قبل أن يصل من تمحيصه وبحثه إلى الاقتناع الذاتي الصحيح بأنه اطمان كل الطمأنينة إلى الوقوف فيها على الحقيقة كاملة غير مشوبة بشائبة. وشأن المؤرخ في ذلك شأن العالم في الأمور الطبيعية وفي غيرها من العلوم جميعا، وهذا واجبه، تناول كتب المستشرقين أو تناول كتب العلماء المسلمين. وإذا أوجب قصد الحق والمعرفة علينا أن ننقد وأن نمحّص ما خلّف كتّاب العرب والكتّاب المسلمون في الطب والفلك والكيمياء وغيرها من العلوم، فننفي منها ما لا يثبت أمام النقد العلمي ونثبت ما تقرّه قواعد هذا النقد، فقصد الحق والمعرفة يوجب علينا مثل هذه الدقة في أمر التاريخ وإن تعلّق بسيرة النبي ﵊. فالمؤرخ ليس ناقلا فحسب، بل هو أيضا ناقد لما ينقل، ممحّص إياه لمعرفة ما ينطوي عليه من الحق. والنقد سبيل التمحيص والعلم والمعرفة أساس هذا النقد والتمحيص.
أحسبنا، بعد هذا التمحيص الذي نقلناه في شأن القرآن ودقته، في حلّ من إغفال ما جاء في رسالة ذلك المصري المسلم، المؤمن بكل ما يكتب المستشرقون، عن آيات يزعمون أنها أضيفت إلى القرآن أو عن اسم النبيّ وأنه لم يكن قثم، فهذا كلام لم يمله الحق بل أملاه الهوى الذي أملى دعوى تحريف القرآن.
ونعود إلى تفنيد النقطة الأخيرة من رسالة ذلك المصري المسلم. فهو يذكر أن مباحث المستشرقين دلّتهم على أن النبيّ كان يصاب بالصّرع وأن أعراضه كانت تبدو عليه؛ إذ كان يغيب عن صوابه، ويسيل منه العرق، وتعتريه التشنجات وتخرج من فمه الرّغوة، حتى إذا أفاق من نوبته تلا على المؤمنين به ما يقول إنه وحي الله إليه، في حين لم يكن هذا الوحي إلا أثرا من نوبات الصرع.
فرية الصرع
وتصوير ما كان يبدو على محمد في ساعات الوحي على هذا النحو خاطئ من الناحية العلمية أفحش الخطأ فنوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أي ذكر لما مرّ به أثناءها؛ ولا يذكر شيئا مما صنع أو حلّ به خلالها؛ ذلك لأن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام التعطل. وهذه أعراض الصرع، كما يثبتها العلم، ولم يكن ذلك ما يصيب النبي العربي أثناء الوحي، بل كانت تتنبه حواسه المدركة في تلك الأثناء تنبها لا عهد للناس به، وكان
стр. 31
يذكر بدقة غاية الدقة ما يتلقاه وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه. هذا، ثم إن نزول الوحي لم يكن يقترن حتما بالغيبوبة الجسمية مع تنبه الإدراك الروحي غاية التنبه، بل كان كثيرا ما يحدث والنبيّ في تمام يقظته العادية، وحسبنا أن نشير إلى ما أوردنا في هذا الكتاب عن نزول سورة الفتح عند قفول المسلمين من مكة إلى يثرب بعد عهد الحديبية.
ينفي العلم إذا أن الصرع كان يعتري محمدا؛ ولذلك لم يقل به إلا الأقلون من المستشرقين الذين افتروا على القرآن أنه حرف. وهم لم يقولوا به حرصا على حقيقة يتلمسونها، وإنما قالوا به ظنّا منهم أنهم يحطّون من قدر النبي العربي في نظر طائفة من المسلمين. أم حسبوا أنهم يلقون بأقوالهم هذه ظلا من الريبة على الوحي الذي نزل عليه، لأنه نزل عليه فيما يزعمون أثناء هذه النوبات؟ إن يكن ذلك فهو الخطأ البين، كما قدمنا، وهو ما ينكره العلم عليهم أشد الإنكار.
الرجوع إلى العلم
ولو أن نزاهة القصد كانت رائد هؤلاء المستشرقين لما حمّلوا العلم ما ينكره. وهم إنما فعلوا ذلك ليخدعوا به أولئك الذين لا يهداهم علمهم إلى معرفة أعراض الصرع، والذين تمسكهم طمأنينتهم الساذجة إلى أقوال هؤلاء المستشرقين عن سؤال أهل العلم من رجال الطب وعن الرجوع إلى كتبه. ولو أنهم فعلوا لما تعذر عليهم أن يكشفوا عن خطأ هؤلاء المستشرقين خطأ مقصودا أو غير مقصود، ولتبينوا أن النشاط الروحي والعقليّ للإنسان يختفي تمام الاختفاء أثناء نوبات الصرع، ويذر صاحبه في حالة آلية محضة يتحرّك مثل حركته قبل نوبته، أو يثور إذا اشتدت به النوبة فيصيب غيره بالأذى، وهو أثناء ذلك غائب عن صوابه، لا يدرك ما يصدر عنه ولا ما يحلّ به، شأنه شأن النائم الذي لا يشعر بحركاته أثناء نومه؛ فإذا انقضى ما به لم يذكر منه شيئا. وشتان ما بين هذا وبين نشاط روحيّ قوي قاهر يصل صاحبه بالملأ الأعلى عن شعور تام وإدراك يقيني، ليبلغ من بعد ما أوحي إليه. فالصرع يعطل الإدراك الإنساني وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس. أما الوحي فسموّ روحيّ اختص الله به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغوها للناس. وقد يصل العلم إلى إدراك بعض الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون، وقد يظل بعضها لا يتناوله العلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهي مع ذلك حقائق يقينية تهتدي قلوب المؤمنين الصادقين إلى حقيقتها، على حين تظل قلوب عليها أقفالها جاهلة إياها لغافلتها عنها.
قصور العلم أحيانا
كنا نفهم أن يقول هؤلاء المستشرقون. إن الوحي ظاهرة نفسية شاذة في تقدير علمنا وما وصل إليه حتى اليوم؛ فمن المتعذر إذا تفسيرها على طريقته. لكن هذا القول إنما يدل على أن علمنا- على ما انفسح مداه واتسع أفقه- لا يزال قاصرا عن تفسير كثير من الظاهرات الروحية والنفسية. ولا عيب على العلم في هذا ولا عجب منه؛ فعلمنا ما يزال قاصرا عن تفسير بعض الظاهرات الكونية القريبة منا، وطبيعة الشمس والقمر وغيرهما من الأفلاك والكواكب لا يزال أمر العلم فيها عند الفروض والاستنباطات؛ وهذه الأفلاك جميعا بعض ما تشهده العين المجردة، وما تكشف الآلات المقرّبة لنا عن كثير من خفاياها. وإلى قرن مضى كانت مخترعات كثيرة تعتبر بعض إبداع الخيال فلا سبيل إلى أن تتجسّد أمامنا، وها هي ذي تجسدت وصرنا نحسبها من البسائط. والظاهرات الروحية والنفسية هي اليوم موضع ملاحظة العلماء، لكنها لم تخضع بعد لسلطان العلم كي يستنبط قوانينها الثابتة. وكثيرا ما نقرأ عن أمور شهدها العلماء وأثبتوها ثم أثبتوا معها أنهم لا يجدون لها في
стр. 32
السنن الكونية التي استنبطها العلم تأويلا تطمئن إليه قواعده. فعلم النفس ما يزال بوجه عام، غير ثابت السنن في كثير من الشئون التي تعرض له. فإذا كان هذا واقعا في الحياة العادية، كان البدار إلى محاولة تفسير ظاهرات الحياة جميعها على الطريقة العلمية محاولة عقيمة وإسرافا معيبا.
ولقد كان الوحي بعض ما شهد المسلمون أثناء حياة محمد، وكان القرآن كلما ذكره لهم زادهم به إيمانا.
وكان منهم أذكياء غاية الذكاء، وكان منهم يهود ونصارى طال الجدال بينهم وبين النبي العربي، ثم آمنوا برسالته ولم ينكروا عليه من أمر الوحي شيئا. ولقد حاول قوم من قريش أن يتهموه بالسحر والجنون ثم أقروا أنه ليس بساحر ولا بمجنون وتابعوه وآمنوا بما جاء به. أما وذلك ثابت يقينا، فما يأباه العلم وتتنزه عنه قواعده إنما هو إنكار حدوث الوحي، والحط من قدر صاحبه ونعته بأوصاف ينكرها العلم ولا يقرها. والعالم النزيه القصد إلى الحق لا يستطيع أكثر من أن يقرّر أن ما وصل إليه العلم حتى هذا الزمان يقصر دون تفسير الوحي على الطريقة العلمية، ولكنه لا يمكنه أن ينكر بحال من الأحوال حدوث ظاهرات هذا الوحي مما وصف أصحاب النبي وكتّاب الصدر الأول للإسلام، فإن أنكرها وحاول تأويلها واتخذ العلم باطلا وسيلة إلى ذلك كان مبطلا متعنتا. والتعنت والعلم لا يتّفقان.
الطعن في محمد عجز عن الطعن في رسالته
ولئن دلّ هذا العنت على شيء لعلى شدة حرص أصحابه على التشكيك في الإسلام، وهم لم يستطيعوا الطعن على هذا الدين وقد رأوه دينا بلغ غاية السموّ مع بساطة ويسرهما مصدر قوّته؛ لذلك لجأوا إلى حجة العاجز حين يدع الأثر العظيم لا يعرض له بمطعن لأن المطاعن لا ترقى إليه، فهو يتناول من صدر هذا الأثر عنه أو كان وسيلته إلى الناس فيجعله هدف مطاعنه، وهذا عجز لا يلجأ إليه عالم، وهو بعد مناقض لقانون الطبيعة الإنسانية. ففي طبيعة الناس أن يعنوا بالآثار لذاتها، وأن يستمتعوا بثمراتها دون بحث لا طائل تحته في مصدرها ووسيلة حدوثها ونموها. وهم لذلك لا يعنّون أنفسهم بالبحث في أصل الشجرة التي أنبتت الثمرة التي تعجبهم، ولا في السماد الذي أدّى إلى ازدهارها، ما داموا لا يفكرون في غرس شجرة مثلها أو شجرة أشهى منها ثمرا. وهم حين يبحثون في فلسفة «أفلاطون» أو مسرحيات «شكسبير» أو عن «رفائيل» لا يتلمّسون المطاعن في حياة هؤلاء العظماء عنوان مجد الإنسانية وفخارها حين لا يجدون على هذه الآثار مطعنا، فإذا تلمّسوا المطاعن التي لا سند لها من الحق، لم يبلغوا من ذلك غايتهم وإن كشفوا عن سوء رأي وحقد يسقط حجتهم ويحول دون الاستماع لهم. ولن يغيّر من ذلك أن يفرغ هذا الحقد في قالب العلم؛ فالحقد لا يعرف الحقيقة. وكبرت الحقيقة أن يكون الحقد لها مصدرا. وهذا شأن مطاعن أولئك المستشرقين على النبي العربي خاتم المرسلين؛ ولذلك هوت مطاعنهم إلى الحضيض.
فرغت الآن من تفنيد رأي أولئك المستشرقين الذين استندت إليهم رسالة ذلك المصري المسلم، وأقمت الدليل على فساده، فلأنتقل إلى طائفة أخرى من الملاحظات التي أبداها بعض المشتغلين بالعلوم الدينية من المسلمين بعد ظهور الطبعة الأولى.
وأكبر ظني ألا تتكرر أمثال هذه المطاعن الوضيعة التي يأباها العلم وينكرها. فربما كان لهؤلاء المستشرقين من العذر عن إسرافهم من قبل أنهم كانوا يحسبون أنهم يكتبون للأوروبيين المسيحيين، وأنهم كانوا يقومون لذلك بواجب قومي أو بواجب ديني تمليه عليهم عقيدتهم وتدفعهم إلى اتخاذ العلم بغيا وسيلتهم إلى أدائه. أمّا اليوم، وقد توثّقت أسباب الاتصال بالبرق والإذاعة، وبعد أن وثقت الصحافة والطباعة بين أجزاء العالم، فقد
стр. 33
أصبح ما ينشر وما يقال في أوروبا أو في أمريكا يعرف ليومه أو لساعته في بلاد الشرق جميعا. فواجب على الذين يريدون الاضطلاع برسالة المعرفة والحقيقة أن ينزعوا عن عيونهم وعن قلوبهم غشاوة الحواجز القومية أو الجنسية أو الدينية، وأن يقدّروا أن ما يقولونه أو يكتبونه سرعان ما يصل علمه إلى الناس جميعا فيتناولونه في مختلف بلاد الأرض بالنقد والتمحيص. فلتكن الحقيقة غير المقيّدة بأي قيد هي رائدنا جميعا، ولنوجه كل همنا إلى أن نربط ما بين ماضي الإنسانية ومستقبلها، على أنها وحدة كبرى لا تفرّق بينها القوميات ولا الجنسيات ولا الأديان برابطة ترمي إلى تحقيق أسمى غاية تطلعت إليها الإنسانية منذ نشأتها، رابطة الإخاء الحرّ في ظل الحق والجمال؛ فتلك وحدها هي الرابطة التي تكفل هداية الإنسانية في سيرها الحثيث نحو السعادة والكمال.
بينما يأخذ علينا غلاة المصدّقين لما أسرف فيه المستشرقون أنا نعتمد على المصادر العربية ونستند إلى ما ورد فيها، إذا بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية يأخذون علينا أننا نرجع إلى أقوال المستشرقين ولا نأخذ بكل ما سجّلته كتب السيرة وما روته كتب الحديث متصلا بسيرة النبي العربي، وأننا لا ننهج نهج هذه الكتب.
وعلى هذا الأساس أبدى بعضهم ملاحظات في أكثرها رفق ومجادلة بالتي هي أحسن ابتغاء الوصول إلى الحق، وفي بعضها عنت أو جهل لا يرضي أيهما لنفسه من أوتي حظّا من العلم. أما الذين جادلوا في رفق فتنصرف أكثر ملاحظاتهم إلى أننا لم نذكر ما ورد في كتب السيرة والحديث من المعجزات، بل قلنا في خاتمة الطبعة الأولى:
«فحياة محمد حياة إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع إنسان أن يبلغ. ولقد كان ﷺ حريصا على أن يقدّر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن، ويصارح أصحابه بذلك» وقلنا عند الكلام عن قصة شق الصدر: «إنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحادث أن حياة محمد كانت كلها حياة إنسانية سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق. وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبي العربي كلها ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق الله وأن سنّة الله لن تجد لها تبديلا، غير متفق مع تغيير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون؛ أن ليست لهم قلوب يعقلون بها. ومن هؤلاء المجادلين في رفق من يأخذ علينا أننا أوردنا مطاعن المستشرقين على النبي مقدمة للرد عليها؛ وإيراد هذه المطاعن لا يتفق مع ما يجب في نظرهم، للنبي ﵇ من إكبار وإكرام. أما الذين لجأوا إلى العنت فقد ظهروا قبل أن تظهر طبعة الكتاب الأولى، وقبل أن يجمع هذا البحث في كتاب، وأشد ما استطاعوا أن يأخذوه عليّ أنني جعلت عنوان بحثي «حياة محمد» ، من غير أن أردف هذا العنوان بالصلاة والسلام على رسول الله، وإن ذكرتها غير مرة في غضون البحث. وكنت أحسبهم يرجعون عن عنتهم بعد أن زيّنت عنوان الطبعة الأولى بالآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) «١» وبعد أن تناول الكتاب السيرة على الطريقة التي تناولها بها. لكنهم أصرّوا على ملاحظتهم، فدلوا بذلك على تعنتهم وعلى جهلهم مع ذلك بحقائق الإسلام اكتفاء منهم باتباع ما وجدوا عليه آباءهم.
ونبدأ بدفع هذه الملاحظة الخاطئة آملين ألّا يعود أصحابها وألّا يعود غيرهم إلى إبدائها على أي كتاب يظهر وإنما ندفعها بالرجوع إلى كتب الأئمة من علماء المسلمين حتى يعرف الناس جميعا سموّ الإسلام فوق القيود
стр. 34
اللفظية ويقدروا قيمة الحديث: «إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . فقد ذكر أبو البقاء في «كليّاته» أن «كتابة الصلاة في أوائل. الكتب قد حدثت في أثناء الدولة العباسية، ولهذا وقع كتاب البخاريّ وغيره عاريا عنها» . وكثرة الأئمة على أن الصلاة على النبي يكفي أن يذكرها المرء مرة واحدة في حياته. قال ابن نجيم في «البحر الرائق» : وأما موجب الأمر في قوله تعالى:
(صَلُّوا عَلَيْهِ) فهو افتراضها في العمر مرة واحدة في الصلاة أو خارجها؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وهذا بلا خلاف» . والخلاف بين الشافعي وغيره على وجوب الصلاة على النبي أثناء الصلاة لا خارجها. والصلاة هي الدعاء: ومعناها في الآية أن يترحم الله على النبي ويسلّم» . هذا ما أورده علماء المسلمين وأئمتهم في هذا الموضوع. وهو يدلّ على إسراف الذين يزعمون وجوب الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه وكلما كتب، وعلى خطئهم خطأ ما كانوا يقعون فيه إذا عرفوا ما قدمنا وأن كبار المحدثين لم يكونوا يكتبون الصلاة في أوائل الكتب.
دفع المطاعن وطريقته
أما الذين قالوا بأن مقام النبي الكريم يوجب عدم ذكر مطاعن المستشرقين والمبشرين عليه مقدمة للرد عليها، فلا سند لهم في قولهم هذا إلا عاطفة إسلامية يحمدون عليها؛ أما من الناحيتين العلمية والدينية فلا سند لهم، والقرآن الكريم يذكر ما كان يقول المشركون عن النبي ويدفعه بالحجة البالغة. هذا، وأدب القرآن أقوم أدب وأسماه؛ فهو يذكر اتهام قريش محمدا بالسحر والجنون، وهو يقول: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) «١» . وهو يجري في ذلك بالشيء الكثير. ثم إن الحجة لا تدفع علميّا إلا إذا ذكرت ودوّنت بأمانة ودقة. ولقد قصدت من هذا الكتاب إلى البحث العلمي توخيا للحقيقة العلمية وحدها. وقصدت به إلى أن يقرأه المسلمون وغير المسلمين آملا أن أقنعهم جميعا بهذه الحقيقة العلمية. ولا تبلغ هذه الغاية إلا إذا كان الباحث نزيها في حرصه على الحقيقة، لا يتقيد بإعتبار غير هذا الحرص، ولا يتردد في الاعتراف بالحق أيّا كان مصدره.
كتب السيرة وكتب الحديث
ونعود إلى المأخذ الأول، الذي أخذه عليّ بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية في رفق ومجادلة بالتي هي أحسن. ذلك قولهم إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة وكتب الحديث، ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجها. ولقد كان يكفيني ردّا على هذا أنني أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية الحديثة وأكتبه بأسلوب العصر، وأنني أفعل ذلك لأنه الوسيلة الصالحة في نظر المعاصرين لكتابة التاريخ وغير التاريخ من العلوم والفنون. وما كان لي، وذلك شأني، أن أتقيد بنهج الكتب القديمة وأساليبها، وبين هذين وبين النهج والأساليب في عصرنا الحاضر بون عظيم؛ أيسره أن النقد في الكتب القديمة لم يكن مباحا بالقدر الذي يباح به اليوم، وأن كثرة الكتب القديمة كانت تكتب لغاية دينية تعبدية، على حين يتقيد كتاب العصر الحاضر بالنهج العلمي والنقد العلمي. كان يكفيني هذا تسويغا للطريقة التي عالجت بها بحثي ودفعا لكل اعتراض عليه، لكني رأيت من الخير أن أتبسّط بعض الشيء في بيان الأسباب التي دعت المفكرين من أئمة المسلمين فيما مضى، وتدعوهم اليوم، كما تدعو كل باحث مدقق، إلى عدم الأخذ جزافا بكل ما ورد في كتب السيرة وفي كتب الحديث، وإلى التقيد بقواعد النقد العلمي تقيدا يعصم من الزلل ما استطاع الإنسان أن يعصم نفسه منه.
стр. 35
الخلاف بين هذه الكتب
وأوّل هذه الأسباب ما بين هذه الكتب من خلاف في رواية الكثير من الأمور المنسوبة إلى النبيّ العربيّ منذ مولده إلى وفاته؛ فقد لاحظ الذين درسوا هذه الكتب أن ما روته من أنباء الخوارق والمعجزات ومن كثير غيرها من الأنباء، كان يزيد وينقص دون مسوّغ إلا اختلاف الأزمان التي وضعت هذه الكتب فيها. فقديمها أقل رواية للخوارق من متأخرها. وما ورد من الخوارق في الكتب القديمة أقل بعدا عن مقتضى العقل مما ورد في كتب المتأخرين. وهذه سيرة ابن هشام أقدم السير المعروفة اليوم تغافل كثيرا مما ذكره أبو الفداء في تاريخه، ومما ذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء، ومما ذكر في كتب المتأخرين جميعا. وكذلك الشأن في كتب الحديث واختلافها؛ فبعضها يروي قصة من القصص، وبعضها يغافلها وبعضها يضعفها. فلابدّ للباحث في هذه الكتب جميعا بحثا علميّا أن يضع مقياسا يعرض عليه ما اختلفت فيه وما اتفقت عليه. فما صدّقه هذا المقياس أقرّه الباحث، وما لم يصدّقه وضعه موضع التمحيص إذا كان مما يقبل التمحيص.
وقد أخذ السلف بهذه الطريقة في بعض الأمور وأغفلوها في بعضها. من ذلك قصة الغرانيق التي تذهب إلى أن النبي لمّا ضاق ذرعا بسادات قريش تلا عليهم سورة النجم، حتى إذا بلغ منها قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) «١» قرأ: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى» ، ثم مضى في قراءة السورة إلى آخرها وسجد فسجد المسلمون والمشركون معه. هذه القصة رواها ابن سعد في طبقاته الكبرى ولم يعرض لها بنقد. ووردت في الصحيح من بعض كتب الحديث مع اختلاف في الرواية عن الغرانيق. أمّا ابن إسحاق فروى هذه القصة وقال: إنها وضع الزنادقة. وذكرها ابن كثير في كتاب «البداية والنهاية في التاريخ» فقال: «ذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها في موضعها. إلا أن أصل القصة في الصحيح» ، ثم ذكر حديثا عن البخاري في أمرها وأردفه بقوله: «انفرد به البخاري دون مسلم» . أما أنا فلم أتردد في نفي القصة من أساسها والاتفاق مع ابن إسحاق في أنها من وضع الزنادقة؛ وسقت في تفنيدها أدلّة لم أكتف فيها بما في هذه القصة من نقض ما للرسل من عصمة في تبليغ رسالات ربهم، بل استعنت فيها كذلك بقواعد النقد العلمي الحديث.
وسبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف ونقده نقدا دقيقا على الطريقة العلمية، أن أقدمها كتب بعد وفاة النبي بمائة سنة أو أكثر، وبعد أن فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية وغير سياسية كان اختلاف الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب: فما بالك بالمتأخر مما كتب في أشد أزمان التقلقل والاضطراب؟ وقد كانت المنازعات السياسية سببا فيما لقيه الذين جمعوا الحديث ونفوا زيفه ودوّنوا ما اعتقدوه صحيحا منه من جهد وعنت أدّى إليهما حرص هؤلاء الجامعين على الدقة في التمحيص حرصا لا يتطرّق إليه ريب. ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاقّ وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية لجمع الحديث وتمحيصه، وما رواه بعد ذلك من أنه ألفى الأحاديث المتداولة تربى على ستمائة ألف حديث لم يصح لديه منها أكثر من أربعة آلاف، وهذا معناه أنه لم يصح لديه من كل مائة وخمسين حديثا إلا حديث واحد. أما أبو داود فلم يصح لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف وثمانمائة. وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الحديث. وكثير من هذه الأحاديث التي صحّت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء انتهى بهم إلى نفي الكثير منها، كما كان الشأن في مسألة الغرانيق. فإذا كان ذلك شأن الحديث، وقد
стр. 36
جهد فيه جامعوه الأوّلون ما جهدوا، فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه!
أثر المنازعات السياسية الإسلامية
والواقع أن المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأوّل من الإسلام أدّت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييدا لها. فلم يكن الحديث قد دوّن إلى عهد متأخر من عصر الأمويين. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه، ثم لم يجمع إلا في عهد المأمون بعد أن أصبح «الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود» على قول الدارقطنيّ. ولعل الحديث لم يجمع في الصدر الأوّل من الإسلام لما كان يروى عن النبي أنه قال: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن. ومن كتب شيئا غير القرآن فليمحه» . على أن أحاديث النبيّ كانت متداولة على الألسن من يومئذ، وكانت الروايات تختلف فيها. ولقد أراد عمر بن الخطاب أثناء خلافته أن يتدارك الحال في ذلك بأن يكتب السنن؛ فاستفتى أصحاب النبي في ذلك فأشاروا عليه بأن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له «١» فقال: «إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا» وعدل عن كتابتها، وكتب في الأمصار عنها:
«من كان عنده شيء فليمحه» . وظلّت الأحاديث بعد ذلك تتوالد وتتداول، حتى جمع ما صح لدى الجامعين منها في عهد المأمون.
ومع ما أبداه جامعو الحديث من حرص على الدقّة لا ريب فيه، فقد جرّح بعض العلماء كثيرا من الأحاديث التي أثبتها جامعوها على أنها صحيحة. قال النوويّ في شرح مسلم: «استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلّاد بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه» . ذلك أن الجامعين قد جعلوا مقياس السّند والثقة بالرواية أساسهم في قبول الحديث أو رفضه؛ وهو مقياس له قيمته؛ لكنه وحده غير كاف. وعندنا أنّ خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبيّ، ما روي عنه ﵇ أنه قال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله. فما وافقه فمني، وما خالفه فليس عني» . وهذا مقياس دقيق أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى، وما زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر. قال ابن خالدون: «وإنني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابيّ يخالف ظاهر القرآن وإن وثّقوا رجاله؛ فرب راو يوثّق للاغترار بظاهر حاله وهو سيء الباطن. ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها، كما تنتقد من جهة سندها، لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض. وقد قالوا: إن من علامة الحديث الموضوع مخالفته لظاهر القرآن أو القواعد المقررة في الشريعة أو البرهان العقلي أو للحس والعيان وسائر اليقينيات» . وهذا المقياس الذي جاء في حديث النبي، والذي ذكره ابن خالدون فيما تقدّم، يتفق مع قواعد النقد العلمي الحديث أدقّ اتفاق.
ومن الحق أن المسلمين قد بلغ اختلافهم بعد وفاة النبي حدّا دعا الدعاة فيهم إلى اختلاق الآلاف المؤلفة من الأحاديث والروايات. ومنذ قتل أبو لؤلؤة غلام المغيرة عمر بن الخطاب، ومنذ تولّى عثمان بن عفان الخلافة، بدأت الخصومة التي كانت بين بني هاشم وبني أمية قبل رسالة النبيّ العربي تظهر من جديد. فلما قتل عثمان وقامت الحرب الأهليّة بين المسلمين وخاصمت عائشة عليّا وأيّد عليّا من أيّد، بدأت الأحاديث الموضوعة تكثر إلى حد أنكره عليّ بن أبي طالب، حتى روي عنه أنه قال: «ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا ما في القرآن
стр. 37
وما في هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله فيها فرائض الصّدقة» . على أن ذلك لم يقف رواة الحديث عن روايته، ولم يقف قوما عن وضع الحديث لهوى يدعون الناس إليه، أو لفضائل يزعمون أن الناس أحرص على اتباعها حين ينسب إلى رسول الله حديثها. فلما استتبّ الأمر لبني أميّة جعل المحدثون المتصلون ببني أمية يضعفون ما يروى عن عليّ بن أبي طالب وفضائله، في حين جعل أنصار عليّ وأهل بيت النبيّ يزيدون في هذه الأحاديث ويحاولون إذاعتها بكل الوسائل، كما جعلوا يعرضون عما يروى عن عائشة أمّ المؤمنين. ومن طريف ما يروى في ذلك ما رواه ابن عساكر عن أبي سعد إسماعيل ابن المثنّى الإستراباذيّ؛ إذ كان يعظ بدمشق فقام إليه رجل فسأله عن قول النبي: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. فأطرق إسماعيل لحظة ثم رفع رأسه وقال: نعم، لا يعرف هذا الحديث عن النبي إلا من كان صدرا في الإسلام، إنما قال النبيّ: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعليّ بابها. وقد سر الحاضرون بذلك وطلبوا إلى إسماعيل أن يذكر لهم إسناده فاغتمّ لعجزه. وكذلك كانت الأحاديث تلفق لأغراض سياسية ولأهواء عاجلة. وقد كثرت هذه الأحاديث الموضوعة كثرة راعت المسلمين، لمنافاة الكثير منها لما في كتاب الله. ولم تنجح المحاولات التي بذلت لوقفها في زمن الأمويين. فلما كانت الدولة العباسية، وجاء المأمون بعد قرابة قرنين من وفاة النبيّ كان قد أذيع من هذه الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف ومئاتها، وكان بينها من التضارب وفيها من التهافت ما لا يخطر بالبال. إذ ذاك قام الجامعون بجمع الحديث وتولّى كتّاب السيرة كتابتها. فقد عاش الواقدي وابن هشام والمدائني وكتبوا كتبهم أيام المأمون. وما كان لهم ولا لغيرهم أن ينازعوا الخليفة في آرائه مخافة ما يحلّ بهم. لذلك لم يطبقوا، بما يجب من الدقة، هذا المقياس الذي روي عن النبي ﵇ من وجوب عرض ما يروى عنه على القرآن فما وافق القرآن فمن الرسول وما خالفه فليس عنه.
ولو أن هذا المقياس طبق بما يجب من دقة لتغير بعض ما كتب هؤلاء الأعلام. فالنقد العلمي على الطريقة الحديثة لا يختلف عن هذا المقياس في شيء ... لكن أحوال العصر إقتضت هؤلاء الأعلام أن يطبقوا هذا المقياس على طائفة مما كتبوا ثم لا يطبقونه على طائفة أخرى. وقد ورث المتأخرون عن السلف هذه الطريقة في كتابة السيرة لاعتبارات غير اعتباراتهم. ولو أنهم أنصفوا التاريخ لطبّقوا الحديث على سيرة النبيّ العربي في جملتها وفي تفصيلها، دون استثناء لأي نبأ روي عنها لا يتفق مع ما ورد في القرآن الكريم؛ فما لم يكن مما تجري به سنّة الكون ولم يرد ذكره في كتاب الله لم يثبتوه وما كان مما تجري به سنّة الكون محصّوه، ثم أثبتوا منه ما ثبت لديهم بالدليل اليقيني، وتركوا ما لم يقم الدليل عليه.
وقد أخذ بهذا الرأي جماعة من كبار الأئمة من سلف المسلمين، وتابعهم عليه أئمة الإسلام إلى يومنا هذا. قال الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغيّ في التعريف بهذا الكتاب ما يأتي: «لم تكن معجزة محمد ﷺ القاهرة إلا في القرآن، وهي معجزة عقلية. وما أبدع قول البوصيري:
لم يمتحنّا بما تعيا العقول به ... حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم
وقال المرحوم السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار (في عددها الذي صدر في ٣ من مايو سنة ١٩٣٥) ، ردّا على الذين اعترضوا على كتابنا هذا، ما نصه: «أهمّ ما ينكره الأزهريون والطّرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات. وقد حرزتها في كتاب الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس، بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطيعة على ثبوت نبوة محمد ﷺ بالذات، ونبوّة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة؛ لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى، وأن المفتونين بها هم
стр. 38
الخرافيون من جميع الملل، وبيّنت سبب هذا الافتتان والفروق بين ما يدخل منها في عموم السنن الكونية والروحية وغيره» .
وقال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في أول كتاب (الإسلام والنصرانية) : «فالإسلام في هذه الدعوة والمطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري؛ فلا يدهشك بخارق العادة، ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية. وقد اتفق المسلمون، إلا قليلا ممن لا يعتد برأيهم فيه، على أن الاعتقاد بالله مقدّم على الاعتقاد بالنبوّات، وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله. فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل، ولا من الكتب المنزلة، فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله، وبأنه يجوز أن ينزل كتابا أو يرسل رسولا» .
وأكبر ظني أن الذين كتبوا السيرة كانوا يؤثرون هذا الرأي، لولا أحوال العصر أيام المتقدّمين، ولولا أن ظن المتأخرون في ذكر ما لم يرد به القرآن من خوارق ومعجزات ما يزيد الناس إيمانا على إيمانهم؛ لذلك حسبوا أن ذكر هذه المعجزات ينفع ولا يضرّ، ولو أنهم عاشوا إلى زماننا هذه، ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله، لالتزموا ما جاء به القرآن، ولقالوا بما قال به الغزالي ومحمد عبده والمراغيّ وسائر المدققين من الائمة. ولو أنهم عاشوا في زماننا هذا، ورأوا كيف تزيغ هذه الروايات قلوبا وعقائد بدلا من أن تزيدها إيمانا وتثبيتا لكفاهم ذكر ما في كتاب الله من آيات بينات وحجج دامغة.
الروايات التي لا يقرها العقل والعلم
أمّا ومضرّة الروايات التي لا يقرّها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة فمن الحق على كل من يعرض لهذه الأمور أن يراعي جانب الدقة العلمية في تمحيصها خدمة للحق وخدمة الإسلام ولتاريخ النبي العربي، وتمهيدا لما يجلوه البحث في هذا التاريخ العظيم من حقائق تنير أمام الإنسانية سبيلها إلى حضارتها الصحيحة.
القرآن والمعجزات
ولو أننا عرضنا كثيرا من الأمور التي ترويها كتب السيرة وكتب الحديث على ما في القرآن لما وسعنا إلا أن نأخذ برأي الأئمة المدققين. فقد كان أهل مكة يطلبون إلى النبيّ أن يجري ربه على يديه المعجزات إذا أرادهم أن يصدقوه، فنزل القرآن يذكر ما طلبوا ويدفعه بحجج مختلفة. قال تعالى: (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً. أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ. أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا) «١»
وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
стр. 39
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) «١» ولم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة، على اختلاف عصورهم، برسالة محمد إلا القرآن الكريم. هذا مع أنه ذكر المعجزات التي جرت بإذن الله على أيدي من سبق محمدا من الرسل، كما أنه جرى بالكثير مما أفاء الله على محمد وما وجّه إليه الخطاب فيه. وما ورد في الكتاب عن النّبي العربيّ لا يخالف سنّة الكون في شيء.
المعجزة الكبرى
أمّا وذلك ما يجري به كتاب الله وما يقتضيه حديث رسول الله، فأيّ داع دعا طائفة من المسلمين فيما مضى ويدعو طائفة منهم اليوم إلى إثبات خوارق مادية للنبي العربي؟ إنما دعاهم إلى ذلك أنهم تلوا ما جاء في القرآن عن معجزات من سبق محمدا من الرسل، فاعتقدوا أن هذا النوع من الخوارق المادّية لازم لكمال الرسالة فصدّقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن، وظنوا أنها كلما ازداد عددها كانت أدلّ على هذا الكمال وأدعى إلى أن يزداد الناس بالرسالة إيمانا. ومقارنة النبي العربي بمن سبقه من الرسل مقارنة مع الفارق. فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو مع ذلك أوّل رسول بعثه الله للناس كافة ولم يبعثه إلى قومه وحدهم ليبين لهم.
لذلك أراد الله أن تكون معجزة محمد معجزة إنسانية عقلية، لا يستطيع الإنس والجن الإتيان بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. هذه المعجزة هي القرآن وهي أكبر المعجزات التي أذن الله بها. وقد أراد جلّ منها أن تثبت رسالة نبيه بالحجة البينة والدليل الدامغ، وأراد لدينه أن ينتصر بفضل منه في حياة رسوله، ليرى الناس في انتصاره قوّة سلطانه ولو أراد الله أن تكون المعجزة المادية وسيلة إلى اقتناع من نزل الإسلام على رسوله بينهم، لكانت ولذكرها في كتابه. لكن من الناس من لا يصدّقون إلا ما يقرّه العقل، لذلك كانت الوسيلة إلى إقناع الناس كافّة برسالة محمد أوثق ما تكون اتصالا بقلوبهم وعقولهم، فجعل الله القرآن، حجته البالغة، معجزة النبي الأميّ إليهم، وجعل انتصار دينه وقوة الإيمان به آتيين من طريق الدليل اليقينيّ والاقتناع الصادق.
والدين الذي يقوم على هذا الأساس أدعى إلى أن يؤمن الناس جميعا به، على كر العصور واختلاف الأمم وتباين اللغات.
ولو أن أمّة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين ولم تحتج إلى التصديق بمعجزة غير القرآن لتؤمن، لما طعن ذلك في إيمانها ولا نقص من إسلامها. فما دام الوحي لم ينزل بها فلا جناح على من يؤمن بالله ورسوله أن يجعل ما يتصل به من أمرها محلّ تمحيص؛ فما ثبت بالحجة اليقينية أخذ به، وما لم يثبت بها فله فيه رأيه، ولا تثريب عليه. فالإيمان بالله وحده لا شريك له لا يحتاج إلى معجزة؛ ولا يحتاج إلى أكثر من النظر في هذا الكون الذي خلقه الله. والشهادة برسالة محمد، الذي دعا الناس بأمر ربه إلى هذا الإيمان وجنّبهم ما يزيغ قلوبهم عنه، لا تحتاج إلى معجزة غير القرآن، ولا تحتاج إلى أكثر من تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه.
ولو أن أمّة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين من غير حاجة إلى التصديق بمعجزة غير القرآن، لكان الذين آمنوا من أبنائها أحد رجلين: رجل لم يتلجلج قلبه ولم يتعثّر فؤاده، بل هداه الله إلى الإيمان أول ما دعي إليه، كما هدى أبا بكر، فامن وصدّق من غير تردّد، وآخر لم يلتمس إيمانه فيما وراء سنّة الكون من خوارق،
стр. 40
بل التمسه في خلق هذا الكون الفسيح الأرجاء الذي يقصر تصوّرنا دون إدراك حدوده في الزمان أو في المكان، وتجري أموره مع ذلك على سنن لا تحويل لها ولا تبديل، فاهتدى من سنّة الله في الكون إلى بارئه ومصوّره.
سواء عند هذين أكانت الخوارق أم لم تكن، بل هما لا يفكران في هذه الخوارق إلا على أنها من آيات فضل الله. ومثل هذا الإيمان يراه الكثيرون من أئمة المسلمين مثلا أسمى في الإيمان، ويذهب بعضهم كذلك إلى أن الإيمان الصحيح يجب ألّا يكون مصدره خوفا من عقاب الله أو طمعا في ثوابه، بل يجب أن يكون إيمانا خالصا بالله وفناء تاما فيه. إليه يرجع الأمر كله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المؤمنون في حياة النبي
مثل الذين يؤمنون اليوم بالله ورسوله من غير أن تحملهم المعجزات على الإيمان، كمثل الذين آمنوا بالله ورسوله في حياة النبيّ العربيّ. فلم يذكر التاريخ أن المعجزات حملت أحدا منهم على أن يؤمن؛ بل كانت حجة الله البالغة عن طريق الوحي على لسان نبيه، وكانت حياة النبيّ، في سموّها البالغ غاية السمو، هي التي دعت إلى الإيمان من آمن منهم. وإن كتب السيرة جميعا لتذكر أن طائفة من الذين آمنوا برسالة محمد قبل الإسراء قد ارتدّت عن إيمانها حين ذكر النبيّ أن الله أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله. ولم يؤمن سراقة بن جعشم، لمّا اتّبع محمدا حين هجرته إلى المدينة ليأتي أهل مكة به حيّا أو ميتا طمعا في مالهم، على رغم ما روت كتب السيرة من معجزة الله في سراقة وفي جواده. ولم يذكر التاريخ أن مشركا آمن برسالة محمد لمعجزة من المعجزات، كما آمن سحرة فرعون لمّا لقفت عصا موسى ما صنعوا.
الغرانيق وتبوك
ثم إن ما ورد في كتب السيرة والحديث عن المعجزات قد اختلف فيه أحيانا. وقد كان على الرغم من ثبوته في كتب الحديث موضع النقد أحيانا أخرى وقد أشرنا إلى مسألة الغرانيق في هذا التقديم وذكرناها مفصلة في الكتاب. وقصة شق الصدر قد وقع الاختلاف فيها على ما روته حليمة ظئر النبي عنها لأمه، كما وقع على الزمن الذي حدثت فيه من سنّ محمد. وما روت كتب السيرة وكتب الحديث عن قصة زيد وزينب مردود من أساسه، للأسباب التي أبديناها عند الكلام عن هذه القصة في أثناء الكتاب. وقد وقع مثل هذا الاختلاف على ما حدث أثناء مسيرة جيش العسرة إلى تبوك؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل أنّ النبي قال لمن سار معه إلى تبوك: إنكم ستأتون إن شاء الله غدا عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار: فمن جاءها منكم فلا يمسّ من مائها شيئا حتى آتى. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبضّ بشيء من ماء. قال: فسألهما رسول الله ﷺ : هل مسستما من مائها شيئا! قالا: نعم. فسبّهما النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء. قال: وغسل رسول الله ﷺ فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر- أو قال غزير، شك أبو عليّ أيهما قال- حتى استقى الناس. ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا مليء جنانا» «١» فأما كتب السيرة فتروي قصة تبوك على صورة أخرى لا يرد فيها ذكر المعجزة، وإنما تجري فيها الرواية على نحو غير ما ورد في صحيح مسلم. من ذلك ما رواه عنها ابن هشام إذ قال:
«قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ ،