← Сира

Сира · id 9797

حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

هيكل، محمد حسين

Полный текст (384 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

جهد فيه جامعوه الأوّلون ما جهدوا، فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه! أثر المنازعات السياسية الإسلامية والواقع أن المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأوّل من الإسلام أدّت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييدا لها. فلم يكن الحديث قد دوّن إلى عهد متأخر من عصر الأمويين. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه، ثم لم يجمع إلا في عهد المأمون بعد أن أصبح «الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود» على قول الدارقطنيّ. ولعل الحديث لم يجمع في الصدر الأوّل من الإسلام لما كان يروى عن النبي أنه قال: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن. ومن كتب شيئا غير القرآن فليمحه» . على أن أحاديث النبيّ كانت متداولة على الألسن من يومئذ، وكانت الروايات تختلف فيها. ولقد أراد عمر بن الخطاب أثناء خلافته أن يتدارك الحال في ذلك بأن يكتب السنن؛ فاستفتى أصحاب النبي في ذلك فأشاروا عليه بأن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له «١» فقال: «إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا» وعدل عن كتابتها، وكتب في الأمصار عنها: «من كان عنده شيء فليمحه» . وظلّت الأحاديث بعد ذلك تتوالد وتتداول، حتى جمع ما صح لدى الجامعين منها في عهد المأمون. ومع ما أبداه جامعو الحديث من حرص على الدقّة لا ريب فيه، فقد جرّح بعض العلماء كثيرا من الأحاديث التي أثبتها جامعوها على أنها صحيحة. قال النوويّ في شرح مسلم: «استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلّاد بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه» . ذلك أن الجامعين قد جعلوا مقياس السّند والثقة بالرواية أساسهم في قبول الحديث أو رفضه؛ وهو مقياس له قيمته؛ لكنه وحده غير كاف. وعندنا أنّ خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبيّ، ما روي عنه ﵇ أنه قال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله. فما وافقه فمني، وما خالفه فليس عني» . وهذا مقياس دقيق أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى، وما زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر. قال ابن خالدون: «وإنني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابيّ يخالف ظاهر القرآن وإن وثّقوا رجاله؛ فرب راو يوثّق للاغترار بظاهر حاله وهو سيء الباطن. ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها، كما تنتقد من جهة سندها، لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض. وقد قالوا: إن من علامة الحديث الموضوع مخالفته لظاهر القرآن أو القواعد المقررة في الشريعة أو البرهان العقلي أو للحس والعيان وسائر اليقينيات» . وهذا المقياس الذي جاء في حديث النبي، والذي ذكره ابن خالدون فيما تقدّم، يتفق مع قواعد النقد العلمي الحديث أدقّ اتفاق. ومن الحق أن المسلمين قد بلغ اختلافهم بعد وفاة النبي حدّا دعا الدعاة فيهم إلى اختلاق الآلاف المؤلفة من الأحاديث والروايات. ومنذ قتل أبو لؤلؤة غلام المغيرة عمر بن الخطاب، ومنذ تولّى عثمان بن عفان الخلافة، بدأت الخصومة التي كانت بين بني هاشم وبني أمية قبل رسالة النبيّ العربي تظهر من جديد. فلما قتل عثمان وقامت الحرب الأهليّة بين المسلمين وخاصمت عائشة عليّا وأيّد عليّا من أيّد، بدأت الأحاديث الموضوعة تكثر إلى حد أنكره عليّ بن أبي طالب، حتى روي عنه أنه قال: «ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا ما في القرآن

стр. 37

وما في هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله فيها فرائض الصّدقة» . على أن ذلك لم يقف رواة الحديث عن روايته، ولم يقف قوما عن وضع الحديث لهوى يدعون الناس إليه، أو لفضائل يزعمون أن الناس أحرص على اتباعها حين ينسب إلى رسول الله حديثها. فلما استتبّ الأمر لبني أميّة جعل المحدثون المتصلون ببني أمية يضعفون ما يروى عن عليّ بن أبي طالب وفضائله، في حين جعل أنصار عليّ وأهل بيت النبيّ يزيدون في هذه الأحاديث ويحاولون إذاعتها بكل الوسائل، كما جعلوا يعرضون عما يروى عن عائشة أمّ المؤمنين. ومن طريف ما يروى في ذلك ما رواه ابن عساكر عن أبي سعد إسماعيل ابن المثنّى الإستراباذيّ؛ إذ كان يعظ بدمشق فقام إليه رجل فسأله عن قول النبي: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. فأطرق إسماعيل لحظة ثم رفع رأسه وقال: نعم، لا يعرف هذا الحديث عن النبي إلا من كان صدرا في الإسلام، إنما قال النبيّ: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعليّ بابها. وقد سر الحاضرون بذلك وطلبوا إلى إسماعيل أن يذكر لهم إسناده فاغتمّ لعجزه. وكذلك كانت الأحاديث تلفق لأغراض سياسية ولأهواء عاجلة. وقد كثرت هذه الأحاديث الموضوعة كثرة راعت المسلمين، لمنافاة الكثير منها لما في كتاب الله. ولم تنجح المحاولات التي بذلت لوقفها في زمن الأمويين. فلما كانت الدولة العباسية، وجاء المأمون بعد قرابة قرنين من وفاة النبيّ كان قد أذيع من هذه الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف ومئاتها، وكان بينها من التضارب وفيها من التهافت ما لا يخطر بالبال. إذ ذاك قام الجامعون بجمع الحديث وتولّى كتّاب السيرة كتابتها. فقد عاش الواقدي وابن هشام والمدائني وكتبوا كتبهم أيام المأمون. وما كان لهم ولا لغيرهم أن ينازعوا الخليفة في آرائه مخافة ما يحلّ بهم. لذلك لم يطبقوا، بما يجب من الدقة، هذا المقياس الذي روي عن النبي ﵇ من وجوب عرض ما يروى عنه على القرآن فما وافق القرآن فمن الرسول وما خالفه فليس عنه. ولو أن هذا المقياس طبق بما يجب من دقة لتغير بعض ما كتب هؤلاء الأعلام. فالنقد العلمي على الطريقة الحديثة لا يختلف عن هذا المقياس في شيء ... لكن أحوال العصر إقتضت هؤلاء الأعلام أن يطبقوا هذا المقياس على طائفة مما كتبوا ثم لا يطبقونه على طائفة أخرى. وقد ورث المتأخرون عن السلف هذه الطريقة في كتابة السيرة لاعتبارات غير اعتباراتهم. ولو أنهم أنصفوا التاريخ لطبّقوا الحديث على سيرة النبيّ العربي في جملتها وفي تفصيلها، دون استثناء لأي نبأ روي عنها لا يتفق مع ما ورد في القرآن الكريم؛ فما لم يكن مما تجري به سنّة الكون ولم يرد ذكره في كتاب الله لم يثبتوه وما كان مما تجري به سنّة الكون محصّوه، ثم أثبتوا منه ما ثبت لديهم بالدليل اليقيني، وتركوا ما لم يقم الدليل عليه. وقد أخذ بهذا الرأي جماعة من كبار الأئمة من سلف المسلمين، وتابعهم عليه أئمة الإسلام إلى يومنا هذا. قال الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغيّ في التعريف بهذا الكتاب ما يأتي: «لم تكن معجزة محمد ﷺ القاهرة إلا في القرآن، وهي معجزة عقلية. وما أبدع قول البوصيري: لم يمتحنّا بما تعيا العقول به ... حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم وقال المرحوم السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار (في عددها الذي صدر في ٣ من مايو سنة ١٩٣٥) ، ردّا على الذين اعترضوا على كتابنا هذا، ما نصه: «أهمّ ما ينكره الأزهريون والطّرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات. وقد حرزتها في كتاب الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس، بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطيعة على ثبوت نبوة محمد ﷺ بالذات، ونبوّة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة؛ لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى، وأن المفتونين بها هم

стр. 38

الخرافيون من جميع الملل، وبيّنت سبب هذا الافتتان والفروق بين ما يدخل منها في عموم السنن الكونية والروحية وغيره» . وقال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في أول كتاب (الإسلام والنصرانية) : «فالإسلام في هذه الدعوة والمطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري؛ فلا يدهشك بخارق العادة، ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية. وقد اتفق المسلمون، إلا قليلا ممن لا يعتد برأيهم فيه، على أن الاعتقاد بالله مقدّم على الاعتقاد بالنبوّات، وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله. فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل، ولا من الكتب المنزلة، فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله، وبأنه يجوز أن ينزل كتابا أو يرسل رسولا» . وأكبر ظني أن الذين كتبوا السيرة كانوا يؤثرون هذا الرأي، لولا أحوال العصر أيام المتقدّمين، ولولا أن ظن المتأخرون في ذكر ما لم يرد به القرآن من خوارق ومعجزات ما يزيد الناس إيمانا على إيمانهم؛ لذلك حسبوا أن ذكر هذه المعجزات ينفع ولا يضرّ، ولو أنهم عاشوا إلى زماننا هذه، ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله، لالتزموا ما جاء به القرآن، ولقالوا بما قال به الغزالي ومحمد عبده والمراغيّ وسائر المدققين من الائمة. ولو أنهم عاشوا في زماننا هذا، ورأوا كيف تزيغ هذه الروايات قلوبا وعقائد بدلا من أن تزيدها إيمانا وتثبيتا لكفاهم ذكر ما في كتاب الله من آيات بينات وحجج دامغة. الروايات التي لا يقرها العقل والعلم أمّا ومضرّة الروايات التي لا يقرّها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة فمن الحق على كل من يعرض لهذه الأمور أن يراعي جانب الدقة العلمية في تمحيصها خدمة للحق وخدمة الإسلام ولتاريخ النبي العربي، وتمهيدا لما يجلوه البحث في هذا التاريخ العظيم من حقائق تنير أمام الإنسانية سبيلها إلى حضارتها الصحيحة. القرآن والمعجزات ولو أننا عرضنا كثيرا من الأمور التي ترويها كتب السيرة وكتب الحديث على ما في القرآن لما وسعنا إلا أن نأخذ برأي الأئمة المدققين. فقد كان أهل مكة يطلبون إلى النبيّ أن يجري ربه على يديه المعجزات إذا أرادهم أن يصدقوه، فنزل القرآن يذكر ما طلبوا ويدفعه بحجج مختلفة. قال تعالى: (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً. أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ. أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا) «١» وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.

стр. 39

وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) «١» ولم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة، على اختلاف عصورهم، برسالة محمد إلا القرآن الكريم. هذا مع أنه ذكر المعجزات التي جرت بإذن الله على أيدي من سبق محمدا من الرسل، كما أنه جرى بالكثير مما أفاء الله على محمد وما وجّه إليه الخطاب فيه. وما ورد في الكتاب عن النّبي العربيّ لا يخالف سنّة الكون في شيء. المعجزة الكبرى أمّا وذلك ما يجري به كتاب الله وما يقتضيه حديث رسول الله، فأيّ داع دعا طائفة من المسلمين فيما مضى ويدعو طائفة منهم اليوم إلى إثبات خوارق مادية للنبي العربي؟ إنما دعاهم إلى ذلك أنهم تلوا ما جاء في القرآن عن معجزات من سبق محمدا من الرسل، فاعتقدوا أن هذا النوع من الخوارق المادّية لازم لكمال الرسالة فصدّقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن، وظنوا أنها كلما ازداد عددها كانت أدلّ على هذا الكمال وأدعى إلى أن يزداد الناس بالرسالة إيمانا. ومقارنة النبي العربي بمن سبقه من الرسل مقارنة مع الفارق. فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو مع ذلك أوّل رسول بعثه الله للناس كافة ولم يبعثه إلى قومه وحدهم ليبين لهم. لذلك أراد الله أن تكون معجزة محمد معجزة إنسانية عقلية، لا يستطيع الإنس والجن الإتيان بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. هذه المعجزة هي القرآن وهي أكبر المعجزات التي أذن الله بها. وقد أراد جلّ منها أن تثبت رسالة نبيه بالحجة البينة والدليل الدامغ، وأراد لدينه أن ينتصر بفضل منه في حياة رسوله، ليرى الناس في انتصاره قوّة سلطانه ولو أراد الله أن تكون المعجزة المادية وسيلة إلى اقتناع من نزل الإسلام على رسوله بينهم، لكانت ولذكرها في كتابه. لكن من الناس من لا يصدّقون إلا ما يقرّه العقل، لذلك كانت الوسيلة إلى إقناع الناس كافّة برسالة محمد أوثق ما تكون اتصالا بقلوبهم وعقولهم، فجعل الله القرآن، حجته البالغة، معجزة النبي الأميّ إليهم، وجعل انتصار دينه وقوة الإيمان به آتيين من طريق الدليل اليقينيّ والاقتناع الصادق. والدين الذي يقوم على هذا الأساس أدعى إلى أن يؤمن الناس جميعا به، على كر العصور واختلاف الأمم وتباين اللغات. ولو أن أمّة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين ولم تحتج إلى التصديق بمعجزة غير القرآن لتؤمن، لما طعن ذلك في إيمانها ولا نقص من إسلامها. فما دام الوحي لم ينزل بها فلا جناح على من يؤمن بالله ورسوله أن يجعل ما يتصل به من أمرها محلّ تمحيص؛ فما ثبت بالحجة اليقينية أخذ به، وما لم يثبت بها فله فيه رأيه، ولا تثريب عليه. فالإيمان بالله وحده لا شريك له لا يحتاج إلى معجزة؛ ولا يحتاج إلى أكثر من النظر في هذا الكون الذي خلقه الله. والشهادة برسالة محمد، الذي دعا الناس بأمر ربه إلى هذا الإيمان وجنّبهم ما يزيغ قلوبهم عنه، لا تحتاج إلى معجزة غير القرآن، ولا تحتاج إلى أكثر من تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه. ولو أن أمّة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين من غير حاجة إلى التصديق بمعجزة غير القرآن، لكان الذين آمنوا من أبنائها أحد رجلين: رجل لم يتلجلج قلبه ولم يتعثّر فؤاده، بل هداه الله إلى الإيمان أول ما دعي إليه، كما هدى أبا بكر، فامن وصدّق من غير تردّد، وآخر لم يلتمس إيمانه فيما وراء سنّة الكون من خوارق،

стр. 40

بل التمسه في خلق هذا الكون الفسيح الأرجاء الذي يقصر تصوّرنا دون إدراك حدوده في الزمان أو في المكان، وتجري أموره مع ذلك على سنن لا تحويل لها ولا تبديل، فاهتدى من سنّة الله في الكون إلى بارئه ومصوّره. سواء عند هذين أكانت الخوارق أم لم تكن، بل هما لا يفكران في هذه الخوارق إلا على أنها من آيات فضل الله. ومثل هذا الإيمان يراه الكثيرون من أئمة المسلمين مثلا أسمى في الإيمان، ويذهب بعضهم كذلك إلى أن الإيمان الصحيح يجب ألّا يكون مصدره خوفا من عقاب الله أو طمعا في ثوابه، بل يجب أن يكون إيمانا خالصا بالله وفناء تاما فيه. إليه يرجع الأمر كله، وإنا لله وإنا إليه راجعون. المؤمنون في حياة النبي مثل الذين يؤمنون اليوم بالله ورسوله من غير أن تحملهم المعجزات على الإيمان، كمثل الذين آمنوا بالله ورسوله في حياة النبيّ العربيّ. فلم يذكر التاريخ أن المعجزات حملت أحدا منهم على أن يؤمن؛ بل كانت حجة الله البالغة عن طريق الوحي على لسان نبيه، وكانت حياة النبيّ، في سموّها البالغ غاية السمو، هي التي دعت إلى الإيمان من آمن منهم. وإن كتب السيرة جميعا لتذكر أن طائفة من الذين آمنوا برسالة محمد قبل الإسراء قد ارتدّت عن إيمانها حين ذكر النبيّ أن الله أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله. ولم يؤمن سراقة بن جعشم، لمّا اتّبع محمدا حين هجرته إلى المدينة ليأتي أهل مكة به حيّا أو ميتا طمعا في مالهم، على رغم ما روت كتب السيرة من معجزة الله في سراقة وفي جواده. ولم يذكر التاريخ أن مشركا آمن برسالة محمد لمعجزة من المعجزات، كما آمن سحرة فرعون لمّا لقفت عصا موسى ما صنعوا. الغرانيق وتبوك ثم إن ما ورد في كتب السيرة والحديث عن المعجزات قد اختلف فيه أحيانا. وقد كان على الرغم من ثبوته في كتب الحديث موضع النقد أحيانا أخرى وقد أشرنا إلى مسألة الغرانيق في هذا التقديم وذكرناها مفصلة في الكتاب. وقصة شق الصدر قد وقع الاختلاف فيها على ما روته حليمة ظئر النبي عنها لأمه، كما وقع على الزمن الذي حدثت فيه من سنّ محمد. وما روت كتب السيرة وكتب الحديث عن قصة زيد وزينب مردود من أساسه، للأسباب التي أبديناها عند الكلام عن هذه القصة في أثناء الكتاب. وقد وقع مثل هذا الاختلاف على ما حدث أثناء مسيرة جيش العسرة إلى تبوك؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل أنّ النبي قال لمن سار معه إلى تبوك: إنكم ستأتون إن شاء الله غدا عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار: فمن جاءها منكم فلا يمسّ من مائها شيئا حتى آتى. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبضّ بشيء من ماء. قال: فسألهما رسول الله ﷺ : هل مسستما من مائها شيئا! قالا: نعم. فسبّهما النبي ﷺ وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء. قال: وغسل رسول الله ﷺ فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر- أو قال غزير، شك أبو عليّ أيهما قال- حتى استقى الناس. ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا مليء جنانا» «١» فأما كتب السيرة فتروي قصة تبوك على صورة أخرى لا يرد فيها ذكر المعجزة، وإنما تجري فيها الرواية على نحو غير ما ورد في صحيح مسلم. من ذلك ما رواه عنها ابن هشام إذ قال: «قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ ،

стр. 41

فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى أرتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء. قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد عن رجال من بني عبد الأشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم! والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله ﷺ حيث سار؛ فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله ﷺ حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شيء؟ قال سحابة مارّة» . وهذا الاختلاف في الوقائع يجعل تأكيدها والقطع بها أمرا غير ميسور في نظر العلم، ويقتضي الذين يمحصونها ألّا يقفوا عند القول بالراجح والمرجوح قولا لا يثبت إحدى الروايتين ولا ينفي الآخرى؛ وأقلّ ما يجب عليهم إذا لم تثبت الرواية عندهم أن يغافلوها؛ فإذا عثر غيرهم من بعد على الأدلة اليقينية عليها فذاك، وإلا بقيت غير ثابتة ثبوتا علميا. هذه هي الطريقة التي جريت عليها منذ بدأت هذا البحث في حياة محمد صاحب الرسالة الإسلامية. وأنا منذ اعتزمت القيام بهذه الدراسة إنما أردتها دراسة علميّة على الطريقة الحديثة خالصة لوجه الحق، ولوجه الحق وحده. ذلك ما قلت في تقديم هذا الكتاب، كما رجوت في خاتمة طبعته الأولى أن أكون قد وفّقت لتحقيق ما قصدت إليه، وأن يكون البحث قد تم بحثا علميّا لوجه الحقيقة العلمية وحدها، وأن أكون قد مهّدت به السبيل إلى مباحث في موضوعه أكثر استفاضة وعمقا، تجلو أمام العلم من المسائل النفسية والروحية ما يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تلتمسها. وما أشك أن التعمّق في البحث يكشف عن أسرار كثيرة ظن الناس زمنا أن لا سبيل إلى تعليلها، ثم إذا مباحث علم النفس تفسّرها وتجلوها واضحة للمتعقلين. وكلما وقعت الإنسانية على أسرار الكون الروحية والنفسية ازدادت صلة بالكون، وازدادت سعادة بهذه الصلة؛ كما أنها ازدادت استمتاعا بما في الكون لمّا ازدادت اتصالا بأسرار القوّة والحركة الكمينة فيه حين عرفت الكهرباء والأثير. من أجل ذلك كان خليقا من يتصدّى للبحث في مثل هذا الموضوع أن يتوجّه به إلى الإنسانية كلها لا إلى المسلمين وحدهم. فليست الغاية الصحيحة منه دينية محضة كما قد يظن بعضهم، بل الغاية الصحيحة منه أن تعرف الإنسانية كيف تسلك سبيلها إلى الكمال الذي دلّها محمد على طريقه. وإدراك هذه الغاية غير ميسور إذا لم يهتد الإنسان إلى هذه السبيل بمنطق عقله ونور قلبه، راضي النفس بهذا المنطق، منشرح الصدر إلى هذا النور؛ لأن مصدرهما المعرفة الصحيحة والعلم الصحيح. فالتفكير الذي لا يعتمد على المعرفة الدقيقة ولا يتقيّد مع ذلك بالطرائق العلمية، كثيرا ما يعرّض صاحبه لأن يخطئ ويكبو، وكثيرا ما ينأى لذلك به عن محجة الحق، فطبيعتنا الإنسانية تجعل تفكيرنا يتأثّر بمزاجنا تأثرا عظيما. وكثيرا ما يختلف المتساوون علما في تفكيرهم لغير سبب إلا اختلاف أمزجتهم مع إخلاصهم جميعا في القصد والغاية. فمن الناس العصبيّ المزاج، الحاد التفكير، السريع إلى الاندفاع فيه. ومنهم الصوفيّ النزعة، الرواقيّ المزاج، الزاهد في المادّة وآثارها. ومنهم الماديّ الهوى، المتأثر بماديته تأثرا يحول بين تفكيره وبين ما يحسّه من قوى تحيط به هي التي تسيطر على المادة. وغير هؤلاء كثيرون تختلف أمزجتهم ويختلف لذلك نظرهم إلى الأمور وتقديرهم إياها. وهذا الاختلاف نعمة كبرى على الإنسانية في ميادين الفن وفي الحياة العلمية، لكنه نقمة على العلم وعلى التفكير القائم على أساسه ابتغاء أمثال الحياة العليا لخير الإنسانية جمعاء. ودراسة التاريخ يجب أن تكون غايتها نشدان الأمثال العليا

стр. 42

من حقائق الحياة، ويجب لذلك أن يتجنب من يدرس التاريخ سلطان الهوى وحكم المزاج. ولا سبيل إلى تجنبها إلا أن يتقيّد الإنسان بالطريقة العلمية أدق التقيد، وألّا يجعل من العلم والبحوث العلمية في التاريخ أو غير التاريخ مطيّة لإثبات هوى من أهوائه أو نزوة من نزوات مزاجه. ولقد تأثر كثير من المستشرقين في بحوثهم التي صيغت صيغة العلم بأهواء أمزجتهم، وكذلك فعل كثيرون من كتاب المسلمين، واعجب الأمر في هؤلاء وأولئك أن يتخذ كلّ تزينه نزوات مزاج الآخر من الوقائع ما يقيمه أساسا لكتابة يزعمها علمية ابتغى بها وجه الحق، في حين هو يتأثر فيها بمزاجه وبهواه أشد التأثر. ودليل ذلك أنه لو كلّف نفسه بعض الجهد في تمحيص ما كتب الآخر تمحيصا نزيها لتداعت أمام نظره الوقائع التي أبدعها خيال صاحبه. ولو أنه فعل وتجرّد جهد طاقته من هوى نفسه، وتحصّن بقواعد العلم وطرائقه، لكانت كتاباته أبقى في النفوس أثرا على خلاف الكتابة التي يدفع إليها الهوى. وقد حاولت أن أبيّن شيئا من أخطاء هؤلاء وأولئك، في هذا التقديم للطبعة الثانية، متوخيا في ذلك ما اقتضاه المقام من إيجاز غاية الإيجاز. ولعلّي وفقت لبعض ما قصدت إليه من نزاهة وإنصاف. ليس من اليسير أن يقوم المستشرقون في بحوثهم الإسلامية بكل هذه الدقة وهذا الإنصاف، مهما تحسن نيتهم ومهما يتحرّوا الدقة العلمية. فعسير عليهم أن يحيطوا بكل أسرار اللغة العربية وإن أحاطوا بعلومها. ثم إنهم متأثرون بالنصرانية الأوروبية تأثرا يجعل أكثرهم ينظرون إلى الأديان نظرة تملؤها الريبة، ويجعل الأقلين المستمسكين بمسيحيتهم يتأثرون بما كان بين المسيحية والعلم من نضال، فيخضعون في بحوثهم الإسلامية لمثل ما خضع له أمثالهم في بحوثهم المسيحية أو في بحوثهم الدينية بوجه عام، أقصد التأثر بهذا النضال الهدام. وهذا أمر لا يعاب به المستشرقون المنصفون؛ فلن يستطيع أحد من الناس أن يتحرر من حكم بيئته الزمانية والمكانية. لكنه يجعل بحوثهم في الأمور الإسلامية تشوبها شوائب تنأى عن الحق ولو بمقدار. ومن شأن ذلك أن يلقي على عاتق العلماء من أهل البلاد الإسلامية، سواء منهم المشتغلون بالعلوم الدينية والمشتغلون بغيرها من العلوم، هذا العبء الجليل العظيم؛ عبء القيم بهذه المباحث الإسلامية بدقة ونزاهة في حدود الطريقة العلمية، فإذا فعلوا مستعينين بمعرفتهم أسرار اللغة العربية والحياة العربية، فسيكون لبحوثهم من الأثر أن تعدل بالمستشرقين، أو ببعضهم على الأقل، عن كثير من الآراء وتقنعهم بالنتائج التي وصل إليها علماء البلاد الإسلامية عن طمأنينة نفس وطيب خاطر. المسلمون وهذه البحوث وليس الوصول إلى هذه النتائج بالأمر الهين؛ فهو يحتاج إلى جلد ومثابرة في البحث والموازنة والتفكير الحرّ، لكنه ليس كذلك بالأمر المستحيل ولا بالأمر العسير. وهو بعد أمر جليل الخطر عظيم الأثر في مستقبل الإسلام وفي مستقبل الإنسانية كلها. وعندي أن القيام به على وجه صالح يقتضي التفريق بين فترتين مختلفتين من تاريخ الإسلام: أولاهما من بدء الإسلام إلى مقتل عثمان. والثانية من مقتل عثمان إلى أن أقفل باب الإجتهاد؛ ففي الفترة الأولى بقي اتفاق المسلمين تامّا؛ لم تغيّر منه روايات الاختلاف على الخلافة، ولا غيّرت منه حروب الردّة ولا فتح المسلمين للبلاد التي فتحوا. أمّا بعد مقتل عثمان فقد دبّ الخلاف بين المسلمين وقامت الحروب الأهليّة بين عليّ ومعاوية واستمرّت الثورات، ظاهرة تارة خفية أخرى، ولعبت الأهواء السياسية دورا خطيرا في الحياة الدينية نفسها. وحسب الإنسان، ليقدر هذا الخلاف، أن يوازن بين المبادئ التي ينطوي عليها خطاب أبي بكر بعد بيعته حين يقول: «أمّا بعد، أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست

стр. 43

بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويّ عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقويّ فبكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمّهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله» وخطاب المنصور العباسيّ بعد تسنّمه ذروة العرش إذ يقول: «أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته، وأعطيه بإذنه؛ فقد جعلني الله عليه قفلا، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم، وإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني ... » حسب الإنسان أن يوازن بين هذين الخطابين ليرى مدى التغير العظيم في القواعد الأساسية للحياة الإسلامية في أقل من قرنين، تغيّرا نقلها من الشورى بين المسلمين إلى الحكم المطلق المستمدّ من الحق المقدّس. ولقد كانت هذه الثورات، وما أدّت إليه من انقلاب بعد آخر في أسس الحكم سبب ما آل إليه أمر الدولة الإسلامية من بعد من انحلال وتقهقر. ومع ازدهار الإسلام والحضارة الإسلامية قرنين كاملين بعد مقتل عثمان، ومع ما نشط إليه الإسلام من فتح الممالك وتدويخ الملوك على يد المغول وعلى يد السلاجقة بعد الانحلال الأوّل، فإن الفترة الأولى التي انتهت بمقتل عثمان هي التي تقررت فيها القواعد الصحيحة للحياة الإسلامية العامة؛ وهي لذلك وحدها التي يمكن الاعتماد الثابت اليقيني على ما وقع فيها لمعرفة هذه القواعد الصحيحة. أمّا فيما بعد هذه الفترة، فإنه- على الرغم من ازدهار العلم والمعرفة أيام الأمويين، وخاصّة أيام العباسيين- قد اندست يد العبث بهذه القواعد الأساسية الصحيحة لتقيم مقامها قواعد تتنافى في كثير من الأحيان مع روح الإسلام، تحقيقا لأغراض سياسة شعوبية في أكثر أمرها. وقد كان الأعاجم وكان الذين تظاهروا بالإسلام من اليهود والنصارى هم الذين روّجوا لهذه القواعد الجديدة، غير متورّعين في تأييدها عن اختراع الأحاديث ونسبتها إلى النبي ﵇، ولا عن ادّعاء أشياء على الخلفاء الأولين لا تتفق مع سيرتهم ولا تلتئم مع مزاجهم. هذه الفترة الأخيرة لا يمكن الاعتماد على ما دوّن فيها اعتمادا علميّا دون تمحيصه ونقده، أدق التمحيص والنقد، بغير تأثر بالأهواء أو بنزعات المزاج الذاتي. وأوّل ما يجب من ذلك أن نردّ مما وقع الخلاف عليه فيها كلّ ما لا يتفق مع القرآن، وإن نسب ما وقع عليه الخلاف إلى النبي العربي. أمّا صدر الإسلام الأول إلى مقتل الخليفة الثالث فيمكن الاعتماد على ما يروى مباشرة عنه، ويمكن لذلك أن يتخذ أيضا أساسا لتمحيص ما جاء بعده. وإني لأحسبنا إذا فعلنا هذا كله بدقة علمنية، قديرين على أن نرسم صورة صادقة من قواعد الإسلام الصحيحة ومن الحياة الإسلامية الأولى؛ هذه الحياة العقلية والروحية التي بلغت من القوّة والسموّ مبلغا دفع عرب البادية من أهل شبه الجزيرة لينتشروا في الأرض خلال بضعة عقود من السنين كي يقيموا في مختلف الممالك أسمى المبادئ الإنسانية التي عرفها التاريخ. ولو أننا نجحنا في هذا لكشفنا أمام الإنسانية أفقا تصعد منه إلى معرفة أسرار الكون النفسيّة والروحيّة، وتتصل به عن طريق هذه المعرفة اتصالا يهيء للإنسانية أسباب نعمتها وسعادتها، كما أنها ازدادت استمتاعا بما في الكون حين ازدادت اتصالا بأسرار القوّة والحركة الكمينة فيه بعد أن عرفت الكهرباء والأثير. ولو أننا نجحنا في هذا لكان للإسلام من الفضل على الإنسانية اليوم ما كان له في الصدر الأوّل، حين خرج به العرب من شبه الجزيرة لينشروا مبادئه السامية في العالم كله.

стр. 44

وفي مقدّمة ما يجب علينا من ذلك، خدمة للحقيقة والإنسانية، أن نتعمق في دراسة سيرة النبي العربي تعمّقا يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة التي تنشدها. والقرآن أصدق مرجع لهذه الدراسة؛ فهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل ولا تعلق به الريبة، وهو الكتاب الذي بقي ثلاثة عشر قرنا، وسيبقى أبد الدهر معجزة الحياة في طهارة نصوصه، مصدقا لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) «١» ، كما كان وسيبقى معجزة محمد القائمة منذ أوحاه الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فكل ما تعلّق بسيرة محمد يجب أن يعرض على القرآن، فما وافقه كان حقّا، وما لم يوافقه لم يكن بحق. وقد حاولت من ذلك في هذا البحث البدائي جهد طاقتي. فلما عدت إليه بعد طبعة هذا الكتاب الأولى شكرت الله توفيقه ورجوته أن يهيء لمتابعة التعمق فيه تعمقا علميّا من يحبوه هدايته، ويمده بتسديده. (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) .

стр. 45

تقديم الطبعة الثالثة* لا تختلف هذه الطبعة الثالثة عن الطبعة الثانية في شيء اللهم إلا في بعض ألفاظ غيّرت أو نقّحت لمزيد من الدقّة في الضبط العربي، أو شدة في الحرص على وضوح المقصود منها. وما حدث من ذلك قليل لا يكاد يحسه إلا من أراد الموازنة اللفظية بين الطبعتين. ولن يجد من يكلّف نفسه هذه المؤونة أي غناء فيها. ولم يكن الشعور بكمال الكتاب بعد طبعته الثانية هو الذي عدل بي عن تناول ما فيه بالتنقيح أو بالزيادة في هذه الطبعة الثالثة. فأنا لا أفتأ أكرر ما قلته، في مقدمة الطبعة الأولى، من أن هذا الكتاب لا يخرج عن أنه بداءة البحث من ناحية علمية إسلامية في موضوعه الجليل. ولكنني فصّلت كثيرا مما يتصل بهذا الموضوع في كتابي «في منزل الوحي» على أثر أدائي فريضة الحج وسيري في أثر الرسول بالحجاز وتهامة؛ فلم يكن لي أن أعود لأجمل هاهنا ما فصّلته هناك. ثم إنني شغلت بعد ظهور «في منزل الوحي» عن متابعة البحث في سيرة الرسول وتعاليمه وسيرة أصحابه وخلفائه، مما كنت قد شغلت به في السنوات الثماني الأخيرة، فلم تتح لي الفرصة ولم يتح لي من فسحة الوقت ما أفصّل به ما أجملت في خاتمة الطبعة الثانية. ولعل الله يوفقني فأعود من بعد إلى هذا التفصيل في كتاب مستقل. وأحسب القارئ يشاركني في هذا الدعاء بعد أن يتمّ تلاوة المبحثين اللذين يكوّنان هذه الخاتمة. وإني ليسعدني أن أختم هذا التقديم للطبعة الثالثة بشكر الله على ما لقي هذا الكتاب من تقدير الذين اطّلعوا عليه من المسلمين وغير المسلمين، ومن تنويه طائفة من الكتّاب والمؤلفين في الشرق والغرب به في تقديم كتبهم وفي تضاعيف هذه الكتب. وأكبر أملي في وجهه الكريم أن ييسر لمتابعة هذا البحث من يصل به إلى غايته، ومن يخدم الحق بذلك خدمة كبرى.

стр. 46

الفصل الأوّل بلاد العرب قبل الإسلام مهد الحضارة الأولى- اليهودية والمسيحية- الفرق المسيحية وتناحرها- مجوسية فارس- شبه جزيرة العرب- طريقا القوافل فيها- اليمن وحضارتها- بقاء شبه الجزيرة على الوثنية. مهد الحضارة الإنسانية ما يزال البحث في تاريخ الحضارة الإنسانية وأين كان منشؤها متصلا إلى عصرنا الحاضر. وكان هذا البحث قد استقرّ زمانا طويلا عند القول بأن مصر كانت مهد هذه الحضارة منذ أكثر من ستة آلاف سنة مضت، وأن ما قبل هذا الزمن يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ؛ ولذلك يتعذّر الكشف عنه بطريقة علمية صحيحة. أما اليوم فقد عاد علماء الآثار ينقبون في العراق وفي سوريا يريدون الوقوف على أصل الحضارة الآشورية والحضارة الفينيقية، وتحقيق العصر الذي ترجع هاتان الحضارتان إليه: أهو سابق عصر الحضارة المصرية الفرعونية مؤثر فيها، أم هو لاحق عصر هذه الحضارة متأثر بها. ومهما يسفر تنقيب علماء الآثار عنه، في هذه الناحية من نواحي التاريخ، فهو لا يغيّر شيئا من حقيقة لم يكشف التنقيب في آثار الصين والشرق الأقصى عما يخالفها؛ هذه الحقيقة هي أن مهد حضارة الإنسان الأولى، في مصر كان أو في فينيقيا أو في اشور، كان متصلا بالبحر الأبيض المتوسط؛ وأن مصر كانت أقوى المراكز التي أصدرت الحضارة الأولى إلى اليونان وإلى رومية؛ وأن حضارة عالمنا، في هذا العصر الذي نعيش فيه، ما تزال وثيقة الصلة بتلك الحضارة الأولى، وأن ما قد يكشف البحث عنه في الشرق الأقصى من تاريخ الحضارة في تلك الأقطار لم يكن له في عصر ما أثر بيّن في توجيه الحضارات الفرعونية والآشورية والإغريقية، ولم يغير من اتجاه تلك الحضارات وتطوّرها إلى أن اتصلت بها حضارة الإسلام، فأثرت فيها وتأثّرت بها وتفاعلت وإياها تفاعلا كانت الحضارة العالمية التي تخضع الإنسانية اليوم لسلطانها بعض أثره. حوضا بحري الروم والقلزم وقد ازدهرت تلك الحضارات، التي انتشرت على شواطئ البحر الأبيض أو على مقربة منه في مصر وآشور واليونان منذ ألوف السنين، ازدهارا ما يزال حتى اليوم موضع دهشة العالم وإعجابه. ازدهرت في العلم والصناعة والزراعة والتجارة وفي الحرب وفي كل نواحي النشاط الإنساني. على أن الأصل الذي كانت تصدر تلك الحضارات عنه وكانت تستمد قوّتها منه كان أصلا دينيّا دائما. حقا إن هذا الأصل اختلف ما بين، التثليث

стр. 47

المصري القديم مصورا في أوزوريس وإيزيس وهورس مشيرا إلى وحدة الحياة في بلادها وتجددها وإلى اتصال خلد الحياة من الآباء إلى الأبناء، وما بين الوثنية اليونانية في تصويرها للحق والخير والجمال تصويرا مستمدّا من مظاهر الكون الخاضعة للحس، كما اختلف من بعد ذلك اختلافا هوى بهذا التصوير في عصور الانحلال المختلفة إلى دنيا المراتب، لكنه بقي دائما أصل هذه الحضارات التي شكلّت مصاير العالم، كما أنه قويّ الأثر في حضارة هذا العصر الحاضر، وإن حاولت هذه الحضارة أن تتخلّص منه وتقف في وجهه وقوفا ما يزال الحين بعد الحين يستدرجها إليه. ومن يدري! لعله سيد مجها فيه في مستقبل قريب أو بعيد مرة أخرى. في هذه البيئة التي استندت حضارتها منذ ألوف السنين إلى أصل ديني، نشأ أصحاب الرسالة بالأديان المعروفة حتى اليوم. في مصر نشأ موسى، وفي حجر فرعون تربي وهذّب، وعلى يد كهنته ورجال الدين من أهل دولته عرف الوحدة وعرف أسرار الكون. فلما أذن الله له في هداية قومه ببلد كان فرعون يقول لأهله: «أنا ربكم الأعلى» وقف يجادل فرعون وسحرته، حتى اضطرّ آخر الأمر فهاجر ومعه بنو إسرائيل إلى فلسطين. وفي فلسطين نشأ عيسى روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم. فلما رفع الله عيسى بن مريم إليه، قام الحواريون من بعده يدعون إلى المسيحية التي دعا إليها. ولقي الحواريون ومن اتبعهم أشد العنت؛ حتى إذا أذن الله للمسيحية أن تنتشر حمل علمها عاهل الروم صاحبة السيادة على العالم يومئذ، فدانت الإمبراطورية الرومانية بدين عيسى؛ وانتشرت المسيحية في مصر والشام واليونان، وامتدت من مصر إلى الحبشة، وظلت من بعد قرونا يزداد سلطانها توطّدا، ويستظل بلوائها كل من استظل بلواء الروم وكل من طمع في مودتها وفي حسن العلاقة بها. المسيحية والمجوسية تجاه المسيحية التي انتشرت في ظلّ لواء الروم ونفوذها وقفت مجوسية الفرس تؤازرها قوى الشرق الأقصى وقوى الهند المعنوية. وقد ظلت آشور وظلت مدينة مصر الممتدة في فينيقيا عصورا طويلة حائلة دون انتطاح عقائد الغرب والشرق وحضارتيهما. على أن دخول مصر وفينيقيا في المسيحية أداب هذا الحائل ووقف مسيحية الغرب ومجوسيّة الشرق وجها لوجه. وقد ظل الشرق والغرب عصورا متصلة وفي نفس كلّ من الهيبة لدين الآخر ما أقام مكان ذلك الحائل الطبيعي الأول حائلا آخر معنويّا، اقتضى كلتا قوّتيه أن توجه جهودها وغزواتها الروحية في ناحيتها، وألا تفكر في دعوة الآخرى إلى عقيدتها أو حضارتها، مع ما اتصل بينهما على مرّ القرون من حروب. ومع أن فارس انتصرت على الروم وحكمت الشام ومصر ووقفت على أبواب بزنطية، لم يفكر ملوكها في نشر المجوسية أو إحلالها محل النصرانية. بل احترم الغزاة عقائد المحكومين، وعاونوهم على تشييد ما خرّبت الحرب من معابدهم، وتركوا لهم الحرية في إقامة شعائرهم. وكل ما صنع الفرس أن أخذوا الصليب الأعظم وأبقوه عندهم، حتى دارت الحرب عليهم واسترده الروم منهم. وكذلك ظلت غزوات الغرب الروحية في الغرب، وغزوات الشرق في الشرق؛ وبذلك كان الحائل المعنوي في مثل منعة الحائل الطبيعي، وكفل تكافؤ القوّتين من الناحية الروحية عدم تصادمهما. بزنطية وارثة رومية وظلت الحال كذلك إلى القرن السادس المسيحي. وفي هذه الأثناء اشتدت المنافسة بين رومية وبزنطية. أما رومية، التي أظلّت أعلامها ربوع أوروبا إلى الغال وإلى السلت في إنكلترا أجيالا عدّة، والتي فاخرت العالم وما زالت تفاخره بعهد يوليوس قيصر، فقد بدأ مجدها ينزوي رويدا رويدا، حتى انفردت بزنطية

стр. 48

بالسلطان وأصبحت وارثة الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف. وبلغ من انحلال رومية من بعد أن أغار الفندال الهمج عليها وأخذوا بأيديهم مقاليد حكمها. وكان لهذه الأحداث أثرها الطبيعي في المسيحية التي نشأت في أحضان رومية، وذاق الذين آمنوا بعيسى أكبر تضحياتهم هولا في ظلالها. الفرق المسيحية بدأت هذه المسيحية تتعدّد مذاهبها وينقسم كل مذهب على توالي الزمن فرقا وأحزابا؛ وسار لكل شيعة في أوضاع الدين وأسسه رأي يخالف رأي الشيعة الآخرى. وتنكرت هذه الطوائف بعضها لبعض بسبب خلافها في الرأي تنكرا أنتج العداوة الشخصية التي تلمسها حيثما دبّ الضعف الخلقي والذهني إلى النفوس فجعلها سريعة إلى الخوف، سريعة لذلك إلى التعصب الأعمى والجمود القتّال. كان من بين طوائف المسيحية في تلك الأزمان من ينكرون أن لعيسى جسدا يزيد على طيف يتبدّى به للناس. وكان من بينها من يزاوجون بين شخصه وتفسه زواجا روحيّا يحتاج إلى كثير من كدّ الخيال والذهن لتصوّره، وغير هؤلاء وأولئك من كانوا يعبدون مريم، على حين كان ينكر غيرهم بقاءها عذراء بعد وضع المسيح. وكذلك كان الجدل بين أتباع عيسى جدل أيام الانحلال في كل أمة وعصر: يقف عند الألفاظ والأعداد، يسبغ على كل لفظ وكل عدد من المعاني، ويضفي عليه من الأسرار، ويحيطه من ألوان الخيال بما يعجز عنه المنطق ولا تسيغه إلّا سفسطة الجدل العقيم. قال أحد رهبان الكنيسة: «كانت أطراف المدينة جميعا ملأى بالجدل، ترى ذلك في الأسواق، وعند باعة الملابس، وصيارفة النقود، وباعة الأطعمة، فأنت تريد أن تبدل قطعة من ذهب فإذا بك في جدل عما خلق وعما لم يخلق! وأنت تريد أن تقف على ثمن الخبز فيجيبك من تسأله: الأب أعظم من الابن والابن خاضع له. وأنت تسأل عن حمّامك وهل ماؤه ساخن فيجيبك غلامك: لقد خلق الابن من العدم» . على أن هذا الانحلال الذي طرأ على المسيحية فجعلها أحزابا وشيعا، لم يكن ذا أثر قوي في كيان الإمبراطورية السياسي؛ بل ظلّت هذه الإمبراطورية قوية متماسكة، وظلّت هذه الفرق تعيش في كنفها في نوع من النضال لم يتعد الجدل الكلامي ولم يتعدّ المؤتمرات اللاهوتية التي كانت تعقد لتبتّ في مسألة من المسائل فلا يكون لقرار طائفة ما من السلطان ما يلزم الطوائف أو الفرق الآخرى. وأظلّت الإمبراطورية هذه الفرق جميعا بحمايتها، ومدّت لها جميعا في حرية الجدل بما زاد في سلطان الإمبراطور المدني من غير أن يضعف من هيبته الدينية. فقد كانت كل فرقة تعتمد على عطفه عليها، بل تذهب إلى الزعم بأنها تعتمد على تأييده إياها، وهذا التماسك في كيان الإمبراطورية هو الذي طوع للمسيحية أن يظل انتشارها في مسيره، وأن تصل من مصر الرومانية إلى الحبشة المستقلة المحالفة للروم فتجعل لحوض البحر الأحمر من المكانة ما لحوض البحر الأبيض، وأن تنتقل من الشام وفلسطين، حيث دان بها أهلها ودان بها العرب الغساسنة الذين هاجروا إليها، إلى شاطئ الفرات ليدين بها أهل الحيرة ويؤمن بها اللّخميون والمناذرة الذين ارتحلو من جدب الصحراء وباديتها ليستقرّوا في هذه المدائن الخصبة العامرة وليكونوا مستقلين زمنا لتحكمهم الفرس المجوسية من بعده. انحلال المجوسية ولقد أصاب المجوسية في الفرس من أسباب الانحلال في هذه الأثناء ما أصاب المسيحية في الإمبراطورية الرومانية. وإذا كانت عبادة النار قد ظلت الظاهرة المجوسية البادية للعيان، فإن آلهة الخير والشر وأتباعها قد انقسمت كذلك عند المجوس فرقا وطوائف، ليس هاهنا مكان عرضها. مع ذلك كيان الفرس السياسي

стр. 49

قويّا، لم يؤثر فيه هذا الجدل الديني حول صور الآلهة والأفكار المطلقة التي ترتسم وراء هذه الصور. واحتمت الفرق. الدينية المختلفة بعاهل الفرس الذي أظلها جميعا بلوائه، والذي ازداد باختلافها قوة على قوة، إذ جعل من اختلافها وسيلة لضرب بعضها ببعض كلما خيف أن تقوى شوكة إحداها على حساب الملك أو على حساب الفرق الآخرى. بلاد العرب بين القوتين هاتان القوّتان المتقابلتان: قوّة المسيحية وقوّة المجوسية، قوّة الغرب وقوة الشرق، ومعهما الدويلات المتصلة بهما والخاضعة لنفوذهما، كانتا في أوائل القرن السادس الميلادي تحيطان بشبه جزيرة العرب. لقد كان لكل واحدة منهما مطامع في الاستعمار والتوسّع، وكان رجال الدين في كلتيهما يبذلون الجهود لنشر الدعوة إلى العقيدة التي يؤمنون بها؛ مع ذلك ظلت شبه الجزيرة وكأنها واحة حصينة آمنة من الغزو إلا في بعض أطرافها، آمنة من انتشار الدعوة الدينية، مسيحية أو مجوسيّة، إلا في قليل من قبائلها. وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها وفي أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم. موقع شبه الجزيرة الجغرافي فشبه جزيرة العرب مستطيل غير متوازي الأضلاع، شماله فلسطين وبادية الشام، وشرقه الحيرة ودجلة والفرات وخليج فارس، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه بحر القلزم (البحر الأحمر) . فهو إذا حصين بالبحر من غربه وجنوبه، حصين بالصحراء من شماله، وبالصحراء وخليج فارس من شرقه. وليست هذه المناعة هي وحدها التي عصمته من الغزو الاستعماري أو الغزو الديني، بل عصمه كذلك ترامي اطرافه. فطول شبه الجزيرة يبلغ أكثر من ألف كيلومتر وعرضه يبلغ نحو الألف من الكيلومترات وعصمه أكثر من هذا جدبه جدبا صرف عين كل مستعمر عنه. فليس في هذه الناحية الفسيحة من الأرض نهر واحد، وليست لأمطارها فصول معرفة يمكن الاعتماد عليها وتنظيم الصناعة إياها. وفيما خلا اليمن الواقعة جنوب شبه الجزيرة والممتازة بخصب أرضها وكثرة نزول المطر فيها، فسائر بلاد العرب جبال ونجود وأودية غير ذات زرع وطبيعة جرداء لا تيسر الاستقرار ولا تجلب الحضارة وهي لا تشجّع على حياة البادية وما تقضي به من الارتحال الدائم واتخاذ الجمل سفينة للصحراء وانتجاع مراعي الإبل، والاستقرار عندها ريثما تأتي الإبل عليها، ثم الارتحال من جديد انتجاعا لمرعى جديد. وهذه المراعي التي ينتجعها بدو شبه الجزيرة إنما تدور حول عين من العيون، تتفجر عن ماء المطر الذي يتسلل خلال أرض البلاد الحجرية، فينبت تفجّره الخضرة المنتثرة ها هنا وهناك في واحات تحيط بهذه العيون. طبيعيّ في بلاد هذه حالها أن تكون كصحراء إفريقية الكبرى لا يقيم بها مقيم، ولا تعرف الحياة الإنسانية إليها سبيلا، وطبيعي ألا يكون لمن يحلّ بهذه الصحراء غرض أكثر من ارتيادها والنجاة بنفسه منها، إلا في هذه النواحي القليلة التي تنبت الكلأ والمرعى. وطبيعي أن تظلّ هذه النواحي مجهولة من الناس لقلة من يغامر بحياته لارتيادها. وقد كانت بلاد العرب فيما سوى اليمن مجهولة بالفعل من أهل تلك العصور القديمة. لكن موقعها أنجاها من الإقفار وأمسك عليها أهلها. ففي تلك العصور القديمة لم يكن الناس قد أمنوا البحر ليتّخذوه مركبا لتجارتهم أو لأسفارهم. وما تزال أمثال العرب تحت أنظارنا تنبئنا بما كان من خوف الناس البحر كخوفهم الموت، فلم يكن بدّ إذا للاتجار من أن تجد التجارة لها وسيلة. انتقال غير هذا المركب الخطر

стр. 50

المخوف. وكان أهم انتقال التجارة يومئذ بين الشرق والغرب: بين الروم وما وراءها، والهند وما وراءها. وكانت بلاد العرب طريق هذه التجارة التي كانت تجتاز إليها عن طريق مصر أو عن طريق الخليج الفارسيّ متخطية البوغاز الواقع على مدخل خليج فارس. فكان طبيعيا إذا أن يكون بدو شبه جزيرة العرب هم أمراء الصحراء كما أصبح رجال السفن في العصور التي تلت والتي طغى الماء على اليابسة هم أمراء البحر. وكان طبيعيا إذا أن يرسم أمراء الصحراء هؤلاء طرق القوافل من أنحائها فيما لا يخاف خطره، كما يرسم رجال البحر خطوط سير السفن بعيدة عن شعاب البحر ومخاطره. يقول هيرن: «لم يكن طريق القافلة شيئا متروكا للاختيار بل كان مقرّرا بالعادة. ففي هذه المراحل الفسيحة من الصحراء الرمليّة التي كان رجال القوافل يجتازونها، حبت الطبيعة المسافر بضعة أماكن مبعثرة في جدب البادية يتخذها موئلا لراحته. وهناك، في ظلال أشجار النخيل وإلى جانب المياة العذبة التي تجري من حولها، يستطيع التاجر ودابّة حمله أن ينهلا من صيّتها ما أحوجهما إليه العنت الذي لقيا. وأصبحت منازل الراحة هذه مستودعات للتجارة، وصار بعضها مقاما للهياكل والمحاريب، يتابع التاجر في حمايتها تجارته، ويلجأ الحاجّ إليها لالتماس العون منها» «١» طريقا القوافل كانت شبه الجزيرة تموج بطرق القوافل. وكان منها طريقان رئيسيان. فأما أحدهما فيتاخم الخليج الفارسيّ، ويتاخم دجلة، ويقتحم بادية الشام إلى فلسطين؛ ويصح لمجاورته حدود البلاد الشرقية أن يسمى طريق الشرق. وأما الآخر فيتاخم البحر الأحمر؛ ويصح لذلك أن يسمى طريق الغرب، وعن هذين الطريقين كانت تنتقل مصنوعات الغرب إلى الشرق ومتاجر الشرق إلى الغرب، وكانت تجبى إلى البادية أسباب الرخاء والرفاهية. على أن ذلك لم يزد أهل الغرب معرفة بهذه البلاد التي تجتازها تجارتهم. فقد كان الذين يعبرونها من أهل الشرق والغرب قليلين؛ لما في عبورها من مشقة لا يحتملها إلا الذين اعتادوها منذ نعومة أظفارهم، والمجازفون الذين يستهينون بالحياة، حتى أضاعها كثير منهم في هذه المهامه والفدافد عبثا. وما احتمال رجل اعتاد بلهنية الحضر لوعثاء هذه الجبال الجرداء التي تفصل تهامة بينها وبين شاطئ البحر الأحمر بفاصل ضيق؛ فإذا بلغها المسافر في تلك الأيام، التي لم تعرف غير الجمل مطيّة للسفر، ظلّ يصعّد بين قممها حتى تقذفه إلى هضاب نجد الصحراوية القليلة الغناء! وما احتمال رجل اعتاد النظام السياسي الذي يكفل للناس جميعا طمأنينتهم لعنت هذه البادية التي لا يعرف أهلها نظاما سياسيّا بل تعيش كل قبيلة، بل كل أسرة، بل كل فرد وليس ما ينظم علاقاته بغيره إلا روابط عصبية الأسرة والقبيلة، أو قوة الحلف، أو حمى الجوار يرجو الضعيف به رعاية قويّ إياه! فقد كانت حياة البادية في كل العصور حياة خارجة على كل نظام عرفه الحضر، مطمئنة إلى العيش في حمى مبادئ القصاص، ودفع العدوان بالعدوان، واغتيال الضعيف ما لم يجد من يجبيره. وليست هذه بالحياة التي تشجّع على التطلع إلى إستكناه أخبارها والتحقق من تفاصيل نظمها. لذلك ظلّت شبه الجزيرة مجهولة عند سائر العالم يومئذ، إلى أن أتاحت لها الأقدار، بعد ظهور محمد ﵊، أن يقصّ أخبارها من نزح عنها من أهلها، وأن يقف العالم على كثير مما كان العلم من قبل ذلك في أتمّ الجهل به. حضارة اليمن لم يندّ من بلاد العرب عن جهالة العالم سوى اليمن وما جاورها من البلاد المتاخمة للخليج الفارسي.

стр. 51

وليس يرجع ذلك إلى متاخمتها الخليج الفارسي أو المحيط الهندي أو البحر وكفى، ولكنه يرجع قبل ذلك وأكثر منه إلى أنها لم تكن كسائر شبه الجزيرة صحراوية جرداء لا تلفت العالم ولا تجعل لدولة من صداقتها فائدة ولا لمستعمر فيها مطمعا، بل كانت على الضد من ذلك موطن خصب في الأرض ومطر منتظم الفصول حضارة مستقرّة ذات مدائن عامرة ومعابد قوية على نضال الزمان. وكان سكّانها من بني حمير ذوي فطنة وذكاء وعلم هداهم إلى حسن الاستفادة من الأمطار حتى لا تتسرّب إلى البحر فوق الأرض المنحدرة إلى ناحيته؛ ولذلك أقاموا سدّ مأرب، فحوّلوا اتجاه المياه الطبيعي تحويلا تقتضيه حياة الحضارة والاستقرار، فقد كانت الأمطار، إلى أن أقيم هذا السدّ تنزل بجبال اليمن المرتفعة، ثم تنحدر في أودية واقعة إلى شرق مدينة مأرب وكانت في انحدارها الأوّل تنزل بين جبلين يقومان عن جانب هذه الأودية يفصل بينهما أربعمائة متر تقريبا؛ بلغت مأرب انفرج الوادي انفراجا تضيع المياه فيه كما تضيع في منطقة السدود بأعالي النيل. فلما هدى العلم والذكاء أهل اليمن إلى إقامة سدّ مأرب شيد بالحجر عند مضيق الوادي، وجعلت له فتحات يمكن تصريف المياه منها وتوزيعها إلى حيث يشاء الناس لتروي الأرض وتزيدها خصبا وإثمارا. وإن ما كشف وما يزال يكشف عنه حتى اليوم من آثار هذه الحضارة الحميرية في اليمن ليدلّ على أنها بلغت في بعض العصور مكانا محمودا، وأنها ثبتت لقسوة الزمان في عصور قسا على اليمن فيها الزمان. اليهودية والنصرانية في بلاد اليمن على أن هذه الحضارة وليدة الخصب والاستقرار جلبت على اليمن من الأذى ما منع الجدب منه أواسط شبه الجزيرة. فقد ظلّ ملك اليمن في بني حمير يتوارثونه حينا ويثب عليه حميريّ من الشعب حينا آخر حتى ملكهم ذي نواس الحميري. وكان ذو نواس هذا ميالا إلى دين موسى، راغبا عن الوثنية التي تورّط فيها قومه، وكان قد أخذ هذا الدين عن اليهود الذين هاجروا إلى اليمن وأقاموا بها. وذو نواس الحميري هذا هو، فيما يذكر المؤرخون صاحب قصة أصحاب الأخدود التي نزل فيها قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) «١» . وخلاصة هذه القصة أن رجلا صالحا من أتباع عيسى يدعى قيميون، كان قد هاجر من بلاد الروم واستقرّ بنجران، فاتّبعه أهلها لما رأوا من صلاحه وظل عددهم يزداد حتى استفحل أمرهم. فلما نمى خبرهم إلى ذي نواس سار إلى نجران، ودعا أهلها إلى الدخول في اليهودية أو يقتلوا. فلما أبوا شقّ لهم أخدود أوقد فيه النار ثم ألقي بهم فيها، ومن لم يمت بالنار قتل بالسيف ومثل به. وقد هلك منهم، على رواية كتب السيرة، عشرون ألفا. ثم إن أحد هؤلاء النصارى فرّ من القتل ومن ذي نواس وسار حتى أتى قيصر الروم جوستنيان فاستنصره على ذي نواس. ولما كانت الروم بعيدة عن اليمن كتب القيصر إلى النجاشي ليأخذ بالثأر من ملك اليمن. ويومئذ (في القرن السادس الميلادي) كانت الحبشة والنجاشي على رأسها في ذروة مجدها تجري بأمرها على البحار تجارة واسعة، ويمخر لها العباب أسطول قوي «٢» يجعلها تتسلط بنفوذها على ما حاذاها

стр. 52

من البلاد؛ وكانت حليفة الإمبراطورية البزنطية ورافعة علم المسيحية على البحر الأحمر، كما كانت بزنطية رافعة علمها على البحر الأبيض. فلمّا بلغت النجاشي رسالة القيصر بعث مع اليمني، الذي حمل إليه هذه الرسالة، جيشا جعل على رأسه وفي جنده أبرهة الأشرم. وغزا أرياط اليمن وملكها باسم عاهل الحبشة، وظلّ على حكمها حتى قتله أبرهة وتولّى الأمر مكانه. وأبرهة هذا هو صاحب الفيل، وهو الذي غزا مكة ليهدم الكعبة فأخفق، على نحو ما سيرى القارئ في الفصل الآتي «١» . حكم فارس اليمن وملك أبناء أبرهة اليمن من بعده وفشا فيها استبدادهم. فلما طال على الناس البلاء خرج سيف بن ذي يزن الحميري حتى قدم على ملك الروم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يبعث إليهم من الروم من يكون له ملك اليمن. لكن حلف القيصر والنجاشي حال دون سماعة شكاية ابن ذي يزن؛ فخرج من عند القيصر حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق. فلما دخل النعمان على كسري أبرويز دخل سيف بن ذي يزن معه. وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه وقد جمع فيه أجزاء عرش دارا. وكانت موشّاة بصور نجوم المجرّة. فإذا كان في مشتاه وضعت هذه الأجزاء يحيط بها ستار من أنفس الفراء تتدلّى أثناءه ثريّات من فضة وأخرى من ذهب، ملئت بالماء ونصب فوقها تاجه العظيم، يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة مشدودا إلى السقف بسلسلة من ذهب. وكان يلبس نسيج الذهب ويتّشح بحليّ الذهب؛ فما يلبث من يدخل إلى مجلسه أن تأخذه هيبته حين يراه. وكذلك كان شأن سيف بن ذي يزن. فلما تطامن وسأله كسرى عن أمره وما جاء فيه قصّ عليه أمر الحبشة وظلمها اليمن. وتردّد كسرى بادي الرأي، ثم بعث معه جيشا على رأسه وهرز من خير بيوت فارس وأكثرها فروسيّة وشجاعة. وتغلب الفرس وأجلوا الحبشان عن اليمن بعد أن ملكوها اثنتين وسبعين سنة. وظلت اليمن في حكم فارس حتى كان الإسلام ودخلت سائر البلاد العربية في دين الله الإمبراطورية الإسلامية. حكم شيرويه فارس على أن الأعاجم الذين تولّوا أمر اليمن لم يكونوا خاضعين مباشرة لسلطان ملك فارس. وكان الأمر كذلك بنوع خاص بعد أن قتل شيرويه أباه كسرى أبرويز وقام في الملك مقامه؛ فقد خيل إليه في غرارته أن العوالم تسير على هواه، وأن ممالك الأرض تعمل لملء خزانته ولتزيد فيما أغرق فيه نفسه من نعيم. ثم إن هذا الملك الشاب انصرف عن كثير من شؤون الملك إلى متعه وملذّاته؛ فكان يخرج للصيد في ترف لم تسمع بمثله أذن: كان يخرج يحيط به الشبّان الأمراء في ثياب حمر وصفر وبنفسجيّة ومن حولهم حملة البزاة والخدم يمسكون الفهود الأليفة بالكمامات: والعبيد حملة الطيب ومطاردو الذّباب والموسيقيون. وليشعر نفسه في قرّ الشتاء ببهاء الربيع، كان يجلس وحاشيته على بساط فسيح صوّرت عليه طرق المملكة ومزارعها وفيها الأزهار المختلفة

стр. 53

الألوان من ورائها الأحراش والغابات الخضر والأنهار ذات اللون الفضيّ. ومع ما كان من انصراف شيرويه إلى مسرّاته، ظلّت فارس محتفظة بمجدها، وظلت المنافس القويّ لسلطان بزنطية ولانتشار المسيحية، وإن آذن اعتلاء شيرويه عرشها بأفول هذا المجد ومهّد المسلمين من بعد غزوها ونشر الإسلام فيها. انهيار سد مأرب هذا النزاع الذي كانت اليمن مسرحه منذ القرن الرابع المسيحي كان عميق الأثر في تاريخ شبه جزيرة العرب من جهة توزيع سكانها: فلقد قيل إن سدّ مأرب الذي غيّر الحميريون الطبيعة به لفائدة بلادهم، قد طغى عليه سيل العرم فحطمه؛ لأن هذه المنازعات المستمرة صرفت الناس وصرفت الحكومات المتعاقبة عن تعهّده والاستمرار في تقويته، فضعف فلم يقو على صدّ هذا السيل. وقيل: إن ملك الروم لمّا رأى اليمن موطن نزاع بينه وبين فارس، وأن تجارته مهدّدة من جرّاء هذا النزاع، جهز أسطولا يشقّ البحر الأحمر ما بين مصر وبلاد الشرق البعيدة ليجلب التجارة التي تحتاج إليها بزنطية، ويستغني بذلك عن طريق القوافل. ويذكر المؤرّخون واقعة يتفقون عليها ويختلفون في السبب الذي أدّى إليها. هذه الواقعة هي هجرة أزد اليمن إلى الشّمال، فكلهم يقول بهذه الهجرة، وإن نسبها بعضهم إلى إقفار كثير من مدائن اليمن بسبب اضمحلال التجارة التي كانت تمر بها، وعزاها آخرون إلى انقطاع سد مأرب واضطرار كثير من القبائل إلى الهجرة مخافة الهلاك. وأيّا ما كانت الحقيقة فهذه الهجرة هي السبب في اتصال اليمن بسائر العرب، اتصال نسب واختلاط ما يزال الباحثون يحاولون اليوم تحديده. نظام شبه الجزيرة الاجتماعي إذا كان النظام السياسي قد اضطرب في اليمن على نحو ما رأيت بسبب الظروف التي مرّت بلاد الحميريين بها، والغزوات التي كانت تلك البلاد ميدانا لها، فقد كان هذا النظام السياسي غير معروف في سائر بلاد شبه الجزيرة. وكل نظام يمكن أن يوصف بأنه نظام سياسيّ، على المعنى الذي نفهمه نحن اليوم أو الذي كانت الأمم المتحضرة تفهمه في تلك الأيام، كان مجهولا في ربوع تهامة والحجاز ونجد وتلك المساحات الشاسعة التي منها كانت تتكون بلاد العرب. فقد كان أبناؤه، كما لا يزال أكثرهم حتى اليوم، أهل بادية لا يألفون الحضر، ولا يطيب لهم المقام ولا الاستقرار بأرض، ولا يعرفون غير دوام الارتحال والنقلة طلبا للمرعى وإرضاء لهوى نفوسهم التي لم تعرف غير حياة البادية ولا تطيق حياة غيرها. وأساس حياة البادية، حيث وجدت من بقاع الأرض، إنما هي القبيلة. والقبائل الدائمة التّجول والتّرحال لا تعرف قانونا كالذي نعرف، ولا تخضع لنظام كالذي نخضع له، ولا تصبر على ما دون الحرّية كاملة للفرد وللأسرة وللقبيلة كلها. وأهل الحضر يرضون النزول باسم النظام عن جانب من حريتهم للمجموع أو للحاكم المطلق مقابل ما ينعمون به من طمأنينة ورخاء. أمّا رجل البادية الزاهد في الرخاء، البرم بطمأنينة الاستقرار، فلا يخدعه عن شيء من حريته الكاملة رجاء فيما يفرح به أهل المدن من جاه أو مال، ولا يرضى بما دون المساواة الكاملة بينه وبين أفراد قبيلته جميعا وبين قبيلته وغيرها من القبائل. وإنما ينتظم حياته ما ينتظم سائر الخلق من حب البقاء والحرص عليه والدفاع عنه، على أن يكون ذلك كله متفقا مع قواعد الشرف التي تمليها عليه حياة البادية الحرة لذلك لم يكن أهل هذه البادية يقيمون على ضيم يراد بهم، بل كانوا يدفعونه بقوتهم، فإن لم يستطيعوا دفعه تخلوا عن مواطنهم وارتحلوا عن شبه الجزيرة كلها إذا لم يكن من هذا الإرتحال بدّ. ولذلك لم يكن شيء أيسر عند هذه القبائل من القتال إذا نبت خلاف لم يتيسّر في ظلال قواعد الكرامة والمروءة والشرف الفصل فيه.

стр. 54

من ثمّ نجمت في كثير من هذه القبائل خلال الكرم والشجاعة والنجدة وحماية الجار والعفو عند المقدرة، وما إلى هذه من خلال تقوي في النفس كلما قاربت حياة البادية، وتضعف وتضمحلّ فيها كلما أوغلت في أسباب الحضارة. ولذلك ولما قدّمنا من أسباب اقتصادية، لم تطمع بزنطية، ولا طمعت فارس، فيما سوى اليمن من بلاد شبه الجزيرة التي لم تكن لتخضع، لأنها تؤثر على الخضوع هجرة الوطن، ولأن أفرادها وقبائلها لا يدينون بالطاعة لنظام قائم ولا لهيئة حاكمة تتسلّط عليهم. ولقد أثرت هذه الطبائع البدوية، إلى حد كبير، في البلاد القليلة الصغيرة التي نشأت في أنحاء شبه الجزيرة بسبب تجارة القوافل على نحو ما قدمناه، والتي يأوي إليها التجّار يقطعون عندها متاعب رحلاتهم المضنية، ويجدون بها هياكل عبادة يشكرون فيها الآلهة أن منّت عليهم بالنجاة من أخطار الفلوات، وأن جلبت تجارتهم سالمة إلى حيث وصلوا. من هذه البلاد مكّة والطائف ويثرب، وأشباهها من الواحات المنتثرة بين الجبال أو خلال رمال الصحراء. تأثرت هذه البلاد بطبائع البادية؛ فكانت أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة في نظام قبائلها وطوائفها، وفي أخلاق أهلها وعاداتهم وفي شدّة نفورهم من كل حدّ لحريتهم، وإن أكرهتهم حياة الاستقرار على نوع من الحياة غير ما اعتاد أهل البادية. وسترى شيئا من تفصيل ذلك عند الكلام في الفصول الآتية عن مكة وعن يثرب. وثنية العرب وأسبابها هذه البيئة الطبيعية وما ترتب عليها من هذه الأحوال الخلقية والسياسية والاجتماعية كان لها أثر مشابه في الحال الدينية. فهل تأثرت اليمن، بطبيعة اتصالها بمسيحية الروم ومجوسية الفرس، بهذين الدينين وأثرت بهما في سائر بلاد شبه الجزيرة؟ هذا ما يتبادر إلى الذهن؛ وهو كذلك بنوع خاص في أمر المسيحية. فالمبشرون بدين عيسى كان لهم في ذلك العصر ما لهم اليوم من نشاط في الدعوة إلى دينهم والتبشير به. وفي طبيعة حياة البادية من تحريك المعاني الدينية في النفس ما ليس في حياة الحضر. في حياة البادية يتّصل الإنسان بالكون ويحس لا نهاية الوجود في مختلف صورها، ويشعر بضرورة تنظيم ما بينه وبين الوجود في لا نهايته. أما رجل الحضر فمحجوب عن اللانهاية بمشاغله، محجوب عنها بحماية الجماعة إياه لقاء نزوله للجماعة عن جانب من حريته. وإذعانه لسلطان الحاكم كي ينال حمايته يقصر به عن الاتصال بما وراء الحاكم من القوى الطبيعية القوية الأثر في الحياة، ويضعف لذلك عنده روح الاتصال بعناصر الطبيعة المحيطة به. ولا شيء من ذلك يحول بين رجل البادية والمعاني الدينية التي تحركها حياة البادية في النفس. ترى هل أفادت المسيحية الجمّة النشاط منذ عصورها الأولى من هذه الظروف كلها في سبيل ذيوعها وانتشارها؟ ربما انتهى الأمر إلى ذلك لولا أمور أخرى حالت دونه، وأبقت بلاد العرب كلها واليمن معها على الوثنية دين آبائها وأجدادها، إلا قليلا كان من القبائل التي لانت للدعوة المسيحية. المسيحية واليهودية فقد كانت أقوى مظاهر الحضارة العالمية في ذلك العصر تحيط، كما رأيت، بحوضي البحر الأبيض (بحر الرّوم) والبحر الأحمر (بحر القلزم) . وكانت المسيحية واليهودية تتجاوران في تلك المحيط تجاورا إلا يكن فيه عداء ظاهر فليست فيه مودّة ظاهرة. وكان اليهود إلى يومئذ، كما لا يزالون، يذكرون ثورة عيسى بهم وخروجهم على دينهم، فكانوا يعملون في الخفية ما استطاعوا لصدّ تيار المسيحية التي أخرجتهم من أرض المعاد، والتي استظلت بلواء الروم في إمبراطوريتها الفسيحة المترامية الأطراف. وكان لليهود في بلاد العرب

стр. 55

جاليات كبيرة يقيم أكثرها في اليمن وفي يثرب. ثم كانت مجوسية الفرس تقف في وجه القوّات المسيحية حتى لا تعبر الفرات إلى فارس، وتؤيّد بقوّتها المعنوية أوضاع الوثنية حيثما وجدت الوثنية. وكان سقوط رومية وزوال سلطانها بعد انتقال عاصمة حضارة العالم إلى بزنطية وما تلا ذلك من بوادر التحلّل، قد أكثر الشّيع في المسيحية كثرة جعلتها- كما قدّمنا- تتناحر وتقتتل وتهوي من عليا مراتب الإيمان إلى الجدل في الصور والألفاظ وفي مبلغ قدس مريم وتقدّمها على ابنها المسيح أو تقدّمه عليها، جدلا هو النذير أنّى وجد بتدهور ما يجري في شأنه وما يحتدم من أجله؛ ذلك بأنه يذر اللب ويأخذ بالقشور، ويظل يكدّس من هذه القشور فوق اللب ما يخيفه وما يجعل من المحال على الناس إدراكه أو اختراق حجب القشور إليه. وقد كان ما يحتدم جدل نصارى الشام حوله غير ما يحتدم جدل أهل الحيرة أو أهل الحبشة حوله. ولم يكن اليهود بطبيعة صلتهم بالنصارى ليعلموا على تهدئة هذا الجدل أو التسكين من حدته. لذلك كان طبيعيّا أن يظل العرب الذين يتصلون بنصارى الشام وبنصارى اليمن في رحلتي الشتاء والصيف وبمن يفدون عليهم من نصارى الحبشة بعيدين عن أن ينتصروا لفريق على فريق مطمئنين إلى وثنيتهم التي ولدوا فيها وتابعوا آباءهم عليها. ولذلك ظلّت عبادة الأصنام مزدهرة عندهم، حتى امتدّ شيء من أثرها إلى جيرانهم نصارى نجران ويهود يثرب الذين تسامحوا في أمرها ثم احتملوها ثم اطمأنوا إليها، أن كانت من صلات التجارة الحسنة بينهم وبين هؤلاء العرب الذين يعبدونها لتقرّ بهم إلى الله زلفى. انتشار الوثنية ولعل تناحر الفرق المسيحية لم يكن وحده السبب في إصرار العرب على وثنيتهم؛ فقد كانت الوثنيات المختلفة ما تزال لها بقايا في الأمم التي انتشرت المسيحية فيها. كانت الوثنية المصرية والوثنية الإغريقية ما تزالان تتبدّيان من خلال المذاهب المختلفة، ومن خلال بعض المذاهب المسيحية نفسها، وكانت مدرسة الإسكندرية وفلسفتها ما تزال ذات أثر، إن يكن أقلّ كثيرا مما كان في عهد البطالسة وفي أوّل العهد المسيحي، فقد كان على كل حال ما يزال متغلغلا في النفوس، وما يزال منطقة البّراق المظهر، وإن يكن سفسطائي الجوهر، يغري الوثنية المتعددة الآلهة، القريبة بالهتها إلى سلطان الإنسان، المحبّبة لذلك إليه. وأكبر ظني أن هذا هو ما يشدّ النفوس الضعيفة إلى الحرص على الوثنية في كل الأزمان، وفي زماننا هذا. فالنفوس الضعيفة أعجز من أن تسمو حتى تتصل بالوجود كله كيما تدرك وحدته ممثلة فيما هو أسمى من كل ما في الوجود، ممثّلة في الله ذي الجلال. وهي لذلك تقف عند مظهر من مظاهر هذا الوجود كالشمس أو كالقمر أو كالنار، ثم تضعف عن السمو إلى تصوّر ما يدلّ هذا المظهر عليه من وحدة الوجود. هذه النفوس الضعيفة تكتفي بوثن يتمثّل لها في معنى مبهم وضيع من الوجود ووحدته، فتتصل بهذا الوثن وتخلع عليه من صور التقديس ما لا نزال نراه في بلاد العالم جميعا، مع ما يزعم هذا العالم من تقدّم في العلم وسمو في الحضارة. من ذلك ما يراه الذين يزورون كنيسة القدّيس بطرس في رومية؛ فهم يرون قدم التمثال المقام بها للقدّيس تبريها قبلات عباده المؤمنين، ثم تضطر الكنيسة إلى تغييرها كلما انبرت. وما نحسبنا ونحن نرى ذلك إلّا نلتمس العذر لأولئك الذين لمّا يكن الله قد هداهم إلى الإيمان، والذين كانوا يرون تناحر جيرانهم النصارى وبقاء أوضاع الوثنية بينهم، حين يقيمون على عبادة الأوثان التي كان يعبد آباؤهم. وكيف لا نعذرهم وهذه الأوضاع متأصلة في العالم باقية بقاء لم ينقطع حتى اليوم وما أحسبه ينقطع أبدا، بقاء يفسر هذه الوثنية التي يرتضيها المسلمون اليوم في دينهم، وهو الذي جاء حربا على الوثنية، وهو الذي قضى على كل عبادة غير عبادة الله ذي الجلال.

стр. 56

عبادة الأصنام ولقد كانت للعرب في عبادة الأوثان أفانين شتّى يصعب على باحث اليوم أن يحيط بها. فقد حطّم النبي الأصنام وأمر أصحابه بتحطيمها حيثما ثقفوها؛ وتناهى المسلمون عن التحدّث عنها بعد أن عفّوا على آثارها وأزالوا من الوجود في التاريخ وفي الأدب كل ما يتصل بها. على أن ما ورد من ذكرها في القرآن وما تناقلته في القرن الثاني للهجرة عنها، بعد إذ أمن المسلمون فتنتها، ينبئ عما كان لها قبل الإسلام من جليل المكانة وما كانت عليه من مختلف الصور، ويدلّ على أنها كانت تتفاوت في درجات التقديس. وقد كان لكل قبيلة صنم تدين له بالعبادة. وكانت هذه المعبودات الجاهلية تختلف ما بين الصنم والوثن والنصب؛ فالصنم ما كان على شكل الإنسان من معدن أو خشب. والوثن ما كان على شكله من حجر. أمّا النصب فصخرة ليست لها صورة معينة، تجري عليها قبيلة من القبائل أوضاع العبادة، لما تزعمه من أصلها السماويّ أن كانت حجرا بركانيّا أو ما يشبهه. ولعلّ أدقّ الأصنام صنعا ما كان لأهل اليمن. ولا عجب فحظهم من الحضارة لم يعرفه أهل الحجاز ولا عرفه أهل نجد وكندة. على أن كتب الأصنام لا تشير بالدقة إلى شيء من صور هذه الأصنام إلا ما قيل عن هبل من أنه كان من العقيق على صورة الإنسان، وأن ذراعه كسرت فأبدله القرشيون منها ذراعا من ذهب. وهبل كان كبير آلهة العرب وساكن الكعبة بمكة، فكان الناس يحجون إليه من كل فجّ عميق. ولم يكن العرب ليكتفوا بهذه الأصنام الكبرى يقدّمون إليها صلواتهم وقرابينهم، بل كان أكثرهم يتخذ له صنما أو نصبا في بيته، يطوف به حين خروجه وساعة أوبته؛ ويأخذه معه عند سفره إذا أذن له هذا الصنم في السفر. وهذه الأصنام جميعا، سواء منها ما كان بالكعبة أو حولها وما كان في مختلف جهات بلاد العرب وبين مختلف قبائلها، كانت تعتبر الوسيط بين عبادها وبين الإله الأكبر. وكان العرب لذلك يعترون عبادتهم إياها زلفى يتقربون بها إلى الله وإن كانوا قد نسوا عبادة الله لعبادتهم هذه الأصنام. مكانة مكة ومع أن اليمن كانت أرقى بلاد شبه الجزيرة كلها حضارة بسبب خصبها وحسن تنظيم انحدار المياه إلى أرضها، لم تكن مع ذلك مطمح النظر لأهل هذه البلاد الصحراوية المترامية الأطراف، ولم يكن إلى معابدها حجهم؛ وإنما كانت مكة وكانت كعبتها بيت إسماعيل مثابة الحاجّ، إليها كانت تشدّ الرجال وتشخص الأبصار، وفيها أكثر من كل جهة سواها كانت ترعى الأشهر الحرم. لذلك ولمركزها الممتاز في تجارة العرب كلها، كانت تعتبر عاصمة شبه الجزيرة. ثم أراد القدر من بعد أن تكون مسقط رأس محمد النبي العربي، فتكون بذلك متّجه نظر العالم على توالي القرون، ويظلّ لبيتها العتيق تقديسه، وتبقى لقريش فيها المكانة السامية، وإن ظلّت وظلوا جميعا أدنى إلى خشونة البداوة التي كانوا عليها منذ عشرات القرون.

стр. 57

الفصل الثاني مكة والكعبة وقريش موقع مكة - إبراهيم وإسماعيل- قصة الذبح والفداء- زمزم- زواج إسماعيل من جرهم- بناء الكعبة- ولاية جرهم أمر مكة- قصي وأولاده- اجتماع أمر مكة لقصي القرشي- هاشم وعبد المطلب- وظائف مكة الزمنية والدينية- الحج إلى الكعبة- قصة أبرهة والفيل- عبد الله بن عبد المطلب- قصة فدائه. موقع مكة: في وسط طريق القوافل المحاذي للبحر الأحمر ما بين اليمن وفلسطين، تقوم عدّة سلاسل من الجبال تبعد نحو الثمانين كيلومترا من الشاطئ. وهي تحيط بواد غير فسيح، تكاد تحصره لولا منافذ ثلاثة، يصله أحدها بطريق اليمن، ويصله الثاني بطريق قريب من البحر الأحمر (بحر القلزم) عند مرفأ جدّه، ويصله الثالث بالطريق المؤدي إلى فلسطين. في هذا الوادي المحصور بين الجبال تقوم مكة. ومن العسير معرفة تاريخ قيامها. وأكثر الظن أنه يرجع إلى ألوف من السنين خلت. والثابت أن واديها اتّخذ من قبل أن تبني موئلا لراحة رجال القوافل، بسبب ما كان به من بعض العيون، وأن رجال القوافل هؤلاء كانوا يجعلون منها مضارب لخيامهم، سواء منهم القادمون من ناحية اليمن قاصدين فلسطين والقادمون من فلسطين متجهين إلى اليمن. والراجح أن إسماعيل بن إبراهيم أوّل من اتخذها مقاما وسكنا، بعد أن كانت مجرد محلة للقوافل وسوقا للتجارة يقع فيها التبادل بين الآتين من جنوب الجزيرة والمنحدرين من شمالها. إبراهيم ﵇ وإذا كان إسماعيل أول من اتخذ مكة مقاما وسكنا فإن تاريخها فيما قبل ذلك غامض كل الغموض. وربما أمكن القول بأنها اتخذت مقاما للعبادة قبل أن يجيء إسماعيل إليها ويقيم بها. وقصة مجيئه إليها تدعونا إلى أن نلخّص قصة أبيه إبراهيم ﵉. فقد ولد إبراهيم بالعراق لأب نجار كان يصنع الأصنام ويبيعها من قومه من يعبدونها. فلمّا شبّ إبراهيم ورأى الأصنام يصنعها أبوه، ثم رأى قومه من بعد ذلك كيف يعبدونها وكيف يخلعون على هذه القطع من الخشب التي مرّت بين يديه ويدي أبيه كل ذلك التقديس، ساوره الشك في أمرها، وسأل أباه كيف يعبدها وهي من صنع يده؟! وتحدث إبراهيم بذلك إلى الناس؛ فاهتم أبوه لأمره مخافة ما يجرّه من بوار تجارته. لكن إبراهيم كان يحترم عقله، ويريد أن يحمل الناس بالحجة على الاقتناع برأيه؛ فانتهز غفلة الناس فذهب إلى هذه الآلهة فكسرها إلا كبيرها، فلما جيء به على أعين الناس قيل له:

стр. 58

(أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ. قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) «١» . وإنما فعل إبراهيم هذا بعد إذ فكّر في ضلال عبادة الأصنام وفيمن تجب له العبادة: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) «٢» . إبراهيم وسارة بمصر ولم ينجح إبراهيم في هداية قومه، بل كان جزاؤه منهم أن ألقوه في النار وأنجاه الله منها، ففرّ إلى فلسطين مستصحبا معه زوجه سارة. ومن فلسطين ارتحل إلى مصر. وبها يومئذ ملوك العماليق (الهكسوس) ؛ وكانت سارة جميلة وكان الملوك الهكسوس يأخذون الجميلات المتزوجات؛ فأظهر إبراهيم أن سارة أخته خشية أن يقتله الملك ليتّخذها له زوجا. وأراد الملك اتخاذها زوجا، فرأى في المنام أنها ذات بعل، فردّها إلى إبراهيم بعد أن عاتبه وأعطاه هدايا من بينها جارية تدعى هاجر. ولما كانت سارة قد سلخت السنين الطوال مع إبراهيم ولم تلد، دفعته ليدخل بهاجر، فدخل بها، فلم تبطئ أن ولدت له إسماعيل، وبعد أن شبّ إسماعيل وترعرع حملت سارة وولدت إسحاق. يختلف الرواة هاهنا في مسألة إقدام إبراهيم على ذبح إسماعيل والفداء، وهل كانت قبل ميلاد إسحاق أو بعده، وهل كانت بفلسطين أو بالحجاز. وإن مؤرخي اليهود ليذهبون إلى أن الذبيح إنما كان إسحاق لا إسماعيل. وليس ها هنا مقام تمحيص هذا الخلاف. وفي رأي الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجّار في كتاب «قصص الأنبياء» أن الذبيح هو إسماعيل. ودليله من التوراة نفسها أن الذبيح وصف فيها بأنه ابن إبراهيم الوحيد. وكان إسماعيل هو الابن الوحيد إلى أن ولد إسحاق. فلمّا ولدت سارة لم يبق لإبراهيم ابن وحيد أن كان له إسماعيل وإسحاق. والتسليم بهذه الرواية يقتضي أن تكون قصة الذبح والفداء بفلسطين. وكذلك يكون الأمر إذا كان الذبيح إسحاق؛ فقد ظل إسحاق مع أمه سارة بفلسطين ولم يذهب إلى الحجاز. فأما الرواية التي تذهب إلى أن الذبح والفداء إنما كانا فوق منى فتجعل الذبيح إسماعيل. ولم يرد في القرآن ذكر لاسم الذبيح مما جعل المؤرخين المسلمين يختلفون فيه. قصة الفداء في القرآن وقصة الذبح والفداء أن إبراهيم رأى في منامه أن الله يأمره بأن يقدّم ابنه قربانا فيذبحه؛ فسار وابنه في الصباح، (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) «٣» . القصة في رواية التاريخ وتصوّر بعض الروايات هذه القصة تصويرا شعريّا تدعونا روعته أن نقصّه هنا وإن لم يقتض الحديث عن

стр. 59

مكة قصصه؛ ذلك أنّ إبراهيم لمّا رأى في المنام أنه يذبح ابنه وتحقق أن ذلك أمر ربّه، قال لابنه؛ يا بنيّ خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى هذه الهضبة لنحتطب لأهلنا. وفعل الغلام وتبع والده. فتمثّل الشيطان رجلا. فجاء أمّ الغلام فقال لها: أتدرين أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطب لنا من هذا الشّعب. قال الشيطان: والله ما ذهب به إلّا ليذبحه. قالت الأمّ: كلا؟ هو أشفق به وأشد حبّا له. قال الشيطان: إنه يزعم أن الله أمره بذلك، فأجابت الأم: إن كان الله قد أمره بذلك فليطع أمر ربّه. فانصرف الشيطان خاسئا، ثم لحق بالابن وهو يتبع أباه، وألقى إبليس عليه ما ألقى على أمه، وأجاب الابن بما أجابت هي به. فأقبل الشيطان على إبراهيم يذكر له أن المنام الذي رأى خدعة من الشيطان ليذبح ابنه ثم يندم ولات ساعة مندم، فصرفه إبراهيم ولعنه. فنكص إبليس على عقبيه خزيان محنقا أن لم ينل من إبراهيم ولا من زوجه ولا من ابنه ما أراد أن ينال منهم. ثم إن إبراهيم أفضى إلى ابنه برؤياه وسأله رأيه في الأمر. قال يا أبت افعل ما تؤمر. ثم قال في رواية القصة الشعرية: يا أبتاه! إذا أردت ذبحي فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيء من دمي فينقص أجري. وإن الموت لشديد، ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدت مسّه، فاشحذ شفرتك حتى تجهز عليّ. فإذا أنت أضجعتني لتذبحني فاكببني على وجهي ولا تضجعني لجنبي، فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تدركك الرقّة فتحول بينك وبين أمر ربك فيّ. وإن رأيت أن تردّ قميصي إلى أمي فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فافعل. قال إبراهيم: نعم العون يا بنيّ أنت على أمر الله! ثم إنه همّ بالتنفيذ، فشد كتاف الغلام وتلّه للجبين ليقتله، فنودي أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا، وافتدى بكبش عظيم وجده إبراهيم على مقربة منه فذبحه وحرّقه. هذه قصة الذبح والفداء. وهي قصة الإسلام لأمر الله غاية الإسلام. والتسليم لقضائه كل التسليم. وشبّ إسحاق إلى جانب إسماعيل، وتساوى عطف الأب على الاثنين، فأغضب ذلك سارة أن رأت هذه التسوية بين ابنها وابن هاجر أمتها غير لائقة بها. وأقسمت لا تساكن هاجر ولا ابنها حين رأت إسماعيل يضرب أخاه. وأحسّ إبراهيم أن العيش لن يطيب وهاتان المرأتان في مكان واحد. عند ذلك ذهب بهاجر وبابنها ميمما الجنوب حتى وصل إلى الوادي الذي تقوم مكة اليوم به. وكان هذا الوادي، كما قدّمنا، مضرب خيام القوافل في الأوقات التي تفصل فيها القوافل من الشام إلى اليمن، أو من اليمن إلى الشام، ولكنه كان فيما خلا ذلك من أشد أوقات السنة خلاء أو يكاد. وترك إبراهيم إسماعيل وأمه وترك لهما بعض ما يتبلغان به. واتخذت هاجر عريشا أوت إليه مع ابنها. وعاد إبراهيم أدراجه من حيث أتى. فلما نفد الماء والزاد جعلت هاجر تجيل طرفها فيما حولها فلا ترى شيئا. فجعلت تهرول حتى نزلت الوادي تلتمس ماء، وهي- فيما يقولان- لا تنفك في هرولتها بين الصّفا والمروة، حتى إذا أتمت السعي سبعا عادت إلى ولدها وقد ملكها اليأس فألفته قد فحص الأرض بقدمه فنبع الماء من الأرض فارتوت وأروت إسماعيل معها. وحبست الماء عن السيل حتى لا يضيع في الرمال وأقام الغلام وأمّه ترد عليهم العرب أثناء رحلاتهم، فينالان من الخير ما يكفيهم أسباب العيش إلى أن تمر بهم قوافل أخرى. استهوت زمزم وماؤها المتفجر بعض القبائل للمقام على مقربة منها. وجرهم أولى القبائل التي أقامت والتي يقول بعض الرواة إنها كانت هناك قبل أن تجيء هاجر وابنها، على حين تذهب روايات أخرى إلى أنها لم تقم إلا بعد أن تفجّرت زمزم وجعلت العيش في هذا الوادي الأجرد مستطاعا. وشبّ إسماعيل وتزوج فتاة من جرهم، وأقام وإياها مع الجرهميّين في هذا المكان الذي شيّد به البيت الحرام، وقامت مكة بعد ذلك من حوله. ويذكرون أن إبراهيم استأذن سارة يوما في زيارة إسماعيل وأمّه فأذنت له فذهب. فلما سأل عن بيت

стр. 60

إسماعيل وعرفه قال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيد ما نعيش به. فسألها أعندها ضيافة من طعام أو شراب؟ فأجابت بأن ليس عندها شيء. فانصرف إبراهيم بعد أن قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام وقولي له: غير عتبة بيتك. فلما أخبرت إسماعيل بما ذكره أبوه سرّحها وتزوّج جرهميّة أخرى بنت مضاض بن عمرو. وقد أكرمت وفادة إبراهيم لمّا جاء بعد ذلك بزمن.. فلما انصرف طلب إليها أن تقرئ زوجها السلام وتقول له: الآن استقامت عتبة بيتك. وولد لإسماعيل من هذا الزواج اثنا عشر ولدا، هم آباء العرب المستعربة، وهم العرب الذين ينتمون من ناحية خؤولتهم في جرهم إلى العرب العاربة أبناء يعرب بن قحطان؛ فأما أبوهم إسماعيل بن إبراهيم فيمتّ من ناحية أمومته إلى مصر بأوثق نسب، ومن ناحية أبوته إلى العراق وإلى فلسطين وإلى حيث نزل إبراهيم من أرض الله. هذه القصة من قصص التاريخ يكاد ينعقد الإجماع على جملتها من ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة وإن وقع خلاف على التفاصيل. والذين يعرضون لتفاصيل حوادثها بالنقد يروونها على أن هاجر ذهبت بإسماعيل إلى الوادي الذي به مكة اليوم، وكانت به عيون أقامت جرهم عندها، فنزلت هاجر منهم أهلا وسهلا لما جاء إبراهيم بها وبابنها. فلمّا شبّ إسماعيل تزوّج جرهميّة ولدت له أولاده. وكان لهذا التلاقح بين إسماعيل العبريّ المصريّ وبين هؤلاء العرب ما جعل ذريته على جانب من العزم وقوة البأس والجمع بين فضائل العرب والعبريين والمصريين. أما ما ورد عن حيرة هاجر لما نضب الماء منها، وعن سعيها سبعا بين الصفا والمروة، وعن زمزم وكيف نبع الماء منها، فموضع شك عندهم. ويرتاب وليم موير في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز وينفي القصة من أساسها، ويذكر أنها بعض الإسرائيليات ابتدعها اليهود قبل الإسلام بأجيال ليربطوا بها بينهم وبين العرب بالاشتراك في أبوّة إبراهيم لهم أجمعين، أن كان إسحاق أبا لليهود. فإذا كان أخوه إسماعيل أبا العرب فهم إذا أبناء عمومة توجب على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود، وتيسر لتجارة اليهود في شبه الجزيرة. ويستند المؤرّخ الإنكليزي في رأيه هذا إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها وبين دين إبراهيم لأنها وثنيّة مغرقة في الوثنية، وكان إبراهيم حنيفا مسلما. ولسنا نرى مثل هذا التعليل كافيا لنفي واقعة تاريخيّة. فوثنية العرب بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرون كثيرة لا تدلّ على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم إلى الحجاز وحين اشترك وإسماعيل في بناء الكعبة. ولو أنها كانت وثنيّة يومئذ لما أيّد ذلك سير موير؛ فقد كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام وحاول هو هدايتهم فلم ينجح. فإذا دعا العرب إلى مثل ما دعا إليه قومه فلم ينجح وبقي العرب على عبادة الأوثان لم يطعن ذلك في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة. بل إن المنطق ليؤيد رواية التاريخ. فإبراهيم الذي خرج من العراق فارّا من أهله إلى فلسطين وإلى مصر، رجل ألف الارتحال وألف اجتياز الصحارى؛ والطريق ما بين فلسطين ومكة كان مطروقا من القوافل منذ أقدم العصور؛ فلا محلّ إذا للريبة في واقعة تاريخية انعقد الإجماع على جملتها. والسير وليم موير والذين ارتأوا في هذه المسألة رأيه يقولون بإمكان انتقال جماعة من أبناء ابراهيم وإسماعيل بعد ذلك من فلسطين إلى بلاد العرب واتصالهم وإياهم بصلة النسب. وما ندري، وهذا الإمكان جائز عندهم في شأن أبناء إبراهيم وإسماعيل، كيف لا يكون جائزا في شأن الرجلين بالذات! وكيف لا يكون ثابتا قطعا ورواية التاريخ تؤكده! وكيف لا يكون بحيث لا يأتيه الريب وقد ذكره القرآن وتحدّثت به بعض الكتب المقدّسة الآخرى!.

стр. 61

ورفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت الحرام. (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) «١» . ويقول تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) «٢» . كيف رفع إبراهيم البيت مثابة للناس وأمنا، ليتوجّه الناس فيه إلى الله مؤمنين به وحده، ثم أصبح من بعد ذلك موئل الأصنام وعبادتها؟ وكيف كانت أوضاع العبادة تؤدّى فيه بعد إبراهيم وإسماعيل، وفي أية صورة كانت تؤدّى.؟ ومتى تغيّرت هذه الأوضاع وتغلبت عليها الوثنية؟ هذا ما لا يحدّثنا التاريخ المعروف عنه، وكل ما هنالك فروض يحسبها أصحابها تصف ما كان واقعا. فالصابئون من عبّاد النجوم كان لهم سلطان كبير في بلاد العرب. وقد كان هؤلاء- فيما يقولون- لا يعبدون النجوم لذاتها وإنما كانوا في بداءة أمرهم يعبدون الله وحده، ويعظمون النجوم على أنها مظاهر خلقه وقدرته. ولما كانت كثرة الناس الكبرى أقصر من أن يحيط ذهنها بمعنى الألوهية السامي، فقد اتخذوا من النجوم آلهة. وكانت بعض الأحجار البركانية يخال الناس أنها ساقطة من السماء منحدرة لذلك من بعض النجوم، ومن ثمّ اتخذت أوّل أمرها مظاهر لهذه الآلهة الرفيعة وقدّست بهذه الصفة، ثم قدّست لذاتها، ثم كانت عبادة الأحجار، ثم بلغ من إجلالها أن كان العربيّ لا يكفيه أن يعبد الحجر الأسود بالكعبة، بل كان يأخذ معه في أسفاره أي حجر من أحجار الكعبة يصلي إليه ويستأذنه في الإقامة والسفر، ويؤدّي إليه كل ما يؤدّي للنجوم وخالق النجوم من أوضاع العبادة. وعلى هذا النحو استقرت الوثنية وقدّست التماثيل وقرّبت لها القرابين. هذه صورة يصوّرها بعض المؤرخين لتطوّر الأمر في بلاد العرب من بناء إبراهيم البيت لعبادة الله، وكيف آل أمره بعد ذلك فصار مستقر الأصنام. وقد ذكر هيرودوت، أبو التاريخ المكتوب، عبادة اللّات في بلاد العرب، وذكر ديودور الصّقلّي بيت مكة الذي يعظمه العرب؛ فدل ذلك على قدم الوثنية في شبه الجزيرة، وعلى أن دين إبراهيم لم يستقر فيها طويلا. ولقد قام في هذه القرون أنبياء دعوا قبائلهم في بلاد العرب إلى عبادة الله وحده، فرفض العرب وأصرّوا على وثنيّتهم: قام هود فدعا عادا، وكانت تقيم في شمال حضرموت إلى عبادة الله وحده فما آمن به إلا قليل؛ فأمّا كثرة قومه فاستكبروا وقالوا له: (يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) «٣» . وأقام هود يدعوهم السنين، فلا تزيدهم دعوته إلا عتوا في الأرض واستكبارا. وقام صالح يدعو للإيمان ثمود. وكانت مساكنهم بالحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى في الجنوب الشرقيّ من أرض مدين القريبة من خليج العقبة؛ ولم تثمر دعوة صالح ثمود أكثر مما أثمرت دعوة هود عادا. وقام شعيب في شعب مدين، وكانوا بالحجاز، يدعوهم إلى الله، فلم يسمعوا له فهلكوا ونزل بهم ما نزل بعاد وثمود. وغير هؤلاء من الأنبياء قصّ القرآن قصصهم ودعوتهم قومهم لعبادة الله وحده، واستكبار قومهم وإقامتهم على عبادة الأوثان وعلى التوجه بقلوبهم لأصنام الكعبة وحجّهم إليها كل عام من كل صوب وحدب في بلاد العرب. وفي ذلك نزل قوله تعالى: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) «٤» .

стр. 62

مناصب الكعبة أفكانت تحيط بالكعبة منذ إنشائها مناصب كالتي تولّاها قصي بن كلاب في منتصف القرن الخامس الميلاديّ حين اجتمع له ملك مكة؟ فقد اجتمعت لقصي الحجابة والسقاية والرّفادة والنّدوة واللواء والقيادة. والحجابة سدانة البيت؛ أي تولى مفاتيحه. والسقاية إسقاء الحجيج الماء العذب الذي كان عزيزا بمكة، وإسقاؤهم كذلك نبيذ التمر. والرّفادة إطعام الحاجّ جميعا. والندوة رياسة الاجتماع كل أيام العام، واللواء راية يلوونها على رمح وينصبونها علامة للعسكر إذا توجّهوا إلى عدوّ. والقيادة إمارة الجيش إذا خرجوا إلى حرب، وكانت هذه المناصب كلها معتبرة في مكة وكأنها تحيط بالكعبة متّجه أنظار العرب جميعا في عباداتهم. وأحسبها لم تنبت كلها دفعة واحدة منذ أقيم البيت، بل نشأت الواحدة تلو الآخرى مستقلا بعضها عن الكعبة ومكانتها الدينية، متصلا بعضها بالكعبة من طبعه. لم تكن مكة حين بناء الكعبة، على خير ما يمكن أن يصوّره خيالنا، لتزيد على قبائل من العماليق ومن جرهم، فلما استقر بها إسماعيل ورفع قواعد البيت مع أبيه إبراهيم اقتضى تطوّر مكة، لتصير حضرا أو ما يشبه الحضر، زمانا طويلا ونقول: ما يشبه الحضر أن ظلت مكة وما تزال وفي طباع أهلها بقايا متخلفة من معاني البداوة الأولى. ولا يأبى بعض المؤرخين أن يذكر أنها ظلّت على بداوتها إلى أن اجتمع أمرها لقصيّ في منتصف القرن الخامس للميلاد. وعسير أن نتصوّر بقاء بلد له ما لمكة وبيتها العتيق من التقديس في حالة البادية، مع ما يثبت التاريخ من أن أمر البيت بقي بعد إسماعيل في يد جرهم أخوال بنيه أجيالا متعاقبة أقاموها حوله، ومع أن مكة كانت ملتقى طرق القوافل إلى اليمن وإلى الحيرة وإلى الشام وإلى نجد، كما كانت تتصل من البحر الأحمر القريب منها بتجارة العالم. عسير أن نتصوّر بقاء بلد له هذه المكانة من غير أن يدنيه اتصاله بالعالم من مراتب الحضارة. فمن الحق لذلك أن نقدر أن مكة، وقد دعاها إبراهيم بلدا ودعا الله له أن يكون آمنا مطمئنا، قد عرفت حياة الاستقرار أجيالا طويلة قبل قصيّ. تغلب قريش وظل أمر مكة لجرهم بعد أن غلبوا العماليق عليها إلى عهد مضاض بن عمرو بن الحارث. وقد راجت تجارة مكة خلال هذه الأجيال رواجا أمّر مترفيها وجعلوا ينسون أنهم بواد غير ذي زرع وأنهم في حاجة لذلك إلى الدأب المتصل واليقظة الدائمة. وبلغ من نسيانهم أن نضب ماء زمزم وأن فكر عرب خزاعة في الوثوب إلى مناصب الأمر في البلد الحرام. ولم يجد تحذير مضاض قومه عاقبة ما انغمسوا فيه من ترف، وأيقن أن الأمر زائل عنه وعنهم؛ فعمد إلى زمزم فأعمق حفرها، وإلى غزالتين من ذهب كانتا بالكعبة مع طائفة من الأموال التي كانت تهدي إلى البيت الحرام فدفعها بقاع البئر وأهال الرمال عليها، آملا أن يعود له- الأمر يوما فيفيد من الكشف عنها، وخرج ومعه بنو إسماعيل من مكة. ووليت خزاعة أمرها. وظلّت تتوارثه حتى آل إلى قصيّ بن كلاب الجدّ الخامس للنبيّ. وكانت أمّ قصيّ فاطمة بنت سعد بن سهل قد تزوّجت من كلاب فولدت له زهرة وقصيّا. ثم هلك كلاب وقصيّ طفل في المهد. وتزوّجت فاطمة من ربيعة بن حرام؛ فرحل بها إلى الشام وهناك ولدت له درّاجا. وكبر قصيّ وهو لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة. ووقع بينه وبين آل ربيعة شرّ فعيّروه أنه في جوارهم وأنه ليس منهم. وشكا قصيّ إلى أمه ما عير إياه، فقالت: يا بنيّ إنك والله لأكرم منهم أبا، أنت ابن كلاب بن مرّة، وقومك بمكة عند البيت الحرام.

стр. 63

قصي بن كلاب (سنة ٤٠٠ م) وقدم قصيّ مكة وأقام بها، وعرف عنه فيها من الجدّ وحسن الرأي ما جعله موضع احترام أهلها وأهله فيها. وكانت سدانة البيت في خزاعة لحليل بن حبشيّة، وكان رجلا ثاقب النظر حسن التقدير؛ فما لبث حين خطب قصيّ إليه ابنته حبّى أن رحّب به وزوّجه منها. واستمر دأب قصيّ في السعي والتجارة، فكثرت أمواله كما كثر أولاده وعظم بين قومه شرفه. ومات حليل بعد أن أوصى بمفتاح البيت الحرام لحبّى زوج قصيّ، واعتذرت حبّى عن ذلك وجعلت المفتاح لأبي غبشان الخزاعي. وكان أبو غبشان سكّيرا، فأعوزه الشراب يوما فباع مفتاح البيت قصيّا بزقّ خمر. وقدرت خزاعة ما يصيب مكانتها بمكة إذا بقيت سدانة الكعبة لقصيّ بعد أن كثر ماله وبعد أن بدأت قريش تجتمع حوله، فأنكروا أن يكون لغيرهم منصب من المناصب المتصلة بالبيت الحرام. وإستنفر قصيّ قريشا، ورأت بعض القبائل أنه أحكم المقيمين بمكة وأعظمهم قدرا فانضموا له وأجلوا خزاعة عن مكة، واجتمعت مناصب البيت كلها لقصي، وأقرّ القوم له بالملك عليهم. بناء منازل مكة وذهب البعض، كما قدمنا، إلى أن مكة لم يكن بها بناء غير الكعبة إلى أن تولّى قصيّ أمرها. ويعللون ذلك بأن خزاعة وجرهما قبلها لم يريدوا أن يكون إلى جوار بيت الله بيت غيره، وأنهم لم يكونوا يقيمون ليلهم بالحرم بل يذهبون إلى الحلّ. ويضيف هذا البعض أن قصيّا لما تمّ له أمر مكة جمع قريشا وأمرهم أن يبنوا بها، وابتدأ هو فبنى دار الندوة يجتمع فيها كبراء أهل مكة تحت إمرته ليتشاوروا في أمور بلدهم. فقد كان من عادتهم ألّا يتم أمر إلا باتفاقهم؛ فلم تكن تنكح امرأة ولا يتزوّج رجل إلا في هذه الدار. وبنت قريش بأمر قصيّ حول الكعبة دورها، وتركوا مكانا كافيا للطواف بالبيت، وتركوا بين كل بيتين طريقا ينفذ منه إلى المطاف. وكان عبد الدار أكبر أبناء قصيّ، ولكن أخاه عبد مناف كان قد تقدّم عليه أمام الناس وقد شرف فيهم. فلما كبر قصيّ وضعف بدنه ولم يبق قادرا على تولي أمور مكة جعل الحجابة لعبد الدار وسلم إليه مفتاح البيت، كما أعطاه السقاية واللواء والرّفادة. وكانت الرّفادة قسطا تخرجه قريش كل عام من أموالها فتدفعه إلى قصيّ يصنع منه في موسم الحج طعاما ينال منه من الحاجّ من لم يكن ذا سعة ولا زاد. وكان قصيّ أوّل من فرض الرّفادة على قريش حين جمعهم واعتزّ بهم وأخرج وإياهم خزاعة من مكة. فرضها عليهم وقال لهم: «يا معشر قريش! إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل حرمه، وإن الحاجّ ضيف الله وزوّار بيته، وهم أحق الأضياف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم» . بنو عبد مناف وتولّى عبد الدار مناصب الكعبة كأمر أبيه وتولّاها أبناؤه من بعده. لكن أبناء عبد مناف. كانوا أشرف في قومهم وأعظم مكانة: لذلك أجمع هاشم وعبد شمس والمطّلب ونوفل بنو عبد مناف على أن يأخذوا ما بأيدي أبناء عمومتهم، وتفرّق رأي قريش: تنصر طائفة هؤلاء وأخرى أولئك. وعقد بنو عبد مناف حلف المطيّبين؛ لأنهم غمّسوا أيديهم في طيب جاؤا به إلى الكعبة وأقسموا لا ينقضون حلفهم. وعقد بنو عبد الدار حلف الأحلاف. وكان هؤلاء وأولئك يوشكون أن يقتتلوا في حرب تذيب قريشا لولا أن تداعى الناس إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تبقى الحجابة واللواء والنّدوة لبني عبد الدار. ورضي الفريقان بذلك، وظل الأمر عليه إلى أن جاء الإسلام.

стр. 64

هاشم (سنة ٤٦٤ م) وكان هاشم كبير قومه، وكان ذا يسار، فولي السقاية والرّفادة، ودعا قومه إلى مثل ما دعاهم إليه قصيّ جده. دعاهم إلى أن يخرج كلّ منهم من ماله ما ينفقه هو في إطعام الحاجّ أثناء الموسم. فزوّار بيت الله وحجاجه هم ضيف الله وأحق الضيف بالكرامة ضيف الله. وكذلك كان يطعم الحاجّ جميعا حتى يصدروا عن مكة. ازدهار الحياة بمكة لم يقف أمر هاشم عند هذا، بل اتصل برّه وكرمه بأهل مكة أنفسهم. أصابتهم سنة «١» ، فجاء لهم من الطعام وثرد لهم الثريد بما جعلهم ينظرون من جديد إلى الحياة بوجه باسم. وهاشم هو كذلك الذي سنّ رحلتي الشتاء والصيف: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام وبهذه المظاهر كلها ازدهرت مكة وسمت مكانتها في أنحاء شبه الجزيرة جميعا، واعتبرت العاصمة المعترف بها. وطوّع هذا الازدهار لأبناء عبد مناف أن يعقدوا مع جيرانهم معاهدات أمن وسلام: عقد هاشم بنفسه مع الإمبراطورية الرومانية ومع أمير غسّان معاهدة حسن جوار ومودّة وحصل من الإمبراطورية على الإذن لقريش بأن تجوب الشام في أمن وطمأنينة. وعقد عبد شمس معاهدة تجارية مع النجاشي، كما عقد نوفل والمطّلب حلفا مع فارس ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن. وكذلك ازدادت مكة منعة جاه كما ازدادت يسارا؛ وبلغ أهلها من المهارة في التجارة أن أصبحوا لا يدانيهم فيها مدان من أهل عصرهم. كانت القوافل تجيء إليها من كل صوب وتصدر عنها في رحلتي الشتاء والصيف. وكانت الأسواق تنصب فيما حولها لتصريف هذه التجارة فيها؛ ولذلك مهر أهلها في النسيئة والربا وفي كل ما يتصل بالتجارة من أسباب المعاملات. وظل هاشم تتقدّم به السنّ وهو في مكانته على رياسة مكة لا يفكر أحد في منافسته، حتى خيّل لابن أخيه أميّة بن عبد شمس أنه قد بلغ مكانا يسوّغ له هذه المنافسة، لكنه لم يقدر وغلب على أمره، وبقي الأمر لهاشم. وترك أميّة مكة إلى الشام عشر سنوات كاملة. وإن هاشما لفي رحلته يوما عائدا من الشام مارّا بيثرب إذ رأى امرأة ذات شرف وحسب تطلّ على قوم يتّجرون لها؛ تلك سلمى بنت عمرو الخزرجيّة. وقد أعجب هاشم بها، وسأل: أهي في عصمة رجل؟ فلما عرف أنها مطلقة وأنها لا ترضى زوجا إلا أن تكون عصمتها بيدها، خطبها إلى نفسها فرضيت لعلمها بمكانته من قومه. وأقامت معه بمكة زمنا عادت بعده إلى المدينة حيث ولدت له ولدا دعته شيبة ظل في حضانتها بيثرب. ومات هاشم بعد سنين من ذلك بغزّة أثناء إحدى رحلات الصيف، فخلفه أخوه المطلب في مناصبه. وكان المطلب أصغر من أخيه عبد شمس ولكنه كان ذا شرف في القوم وفضل. وكانت قريش تسميه «الفيض» لسماحته وفضله. وطبيعيّ، وذلك مكان المطلب من قومه، أن تبقى الأمور تسير سيرتها مطمئنة هانئة. وفكر المطلب يوما في ابن أخيه هاشم، فذهب إلى يثرب وطلب إلى سلمى أن تدفع إليه الفتى وقد بلغ أشدّه. وأردف المطّلب الفتى على بعيره ودخل به مكة، فظنته قريش عبدا له جاء به؛ فتصايحت: عبد المطلب. قال المطلّب، ويحكم، إنما هو ابن أخي هاشم قدمت به من يثرب. على أن هذا اللقب غلب على الفتى فدعي به ونسي الناس اسم شيبة الذي دعي به منذ ولد. عبد المطلب (سنة ٤٩٥ م) وأراد المطلب أن يردّ على ابن أخيه أموال هاشم، لكن نوفل أبى ووضع يده عليها. فلما اشتد ساعد عبد

стр. 65

المطلب استعدى أخواله بيثرب على عمه كي يردّوا عليه حقه. وأقبل ثمانون فارسا من خزرج يثرب لنصرته، فاضطرّ نوفل إلى ردّ ماله إليه. وقام عبد المطلب في مناصب هاشم، له السقاية والرّفادة من بعد عمه المطلب. وقد لقي في القيام بهذين المنصبين، وبالسقاية بنوع خاص، شيئا غير قليل من المشقة؛ فقد كان يومئذ وليس له من الأبناء إلا ولده الحارث. وكانت سقاية الحاجّ يؤتى بها، منذ نضبت زمزم، من آبار عدّة مبعثرة حول مكة، فتوضع في أحواض إلى جوار الكعبة. وكانت كثرة الولد عونا على تيسير هذا العمل والإشراف عليه. أمّا وقد ولي عبد المطلب السقاية والرّفادة وليس له ولد إلا الحارث فقد عنّاه الأمر وطال فيه تفكيره. حفر زمزم وكانت العرب ما تفتأ تذكر زمزم التي طمّها مضاض بن عمرو الجرهمي منذ قرون خلت، وتتمنى لو أنها كانت لا تزال باقية. وكان عبد المطلب بطبيعة مركزه أكثرهم تفكيرا في هذا الأمر وأشدّهم تمنيا أن يكون. ولقد ألحّ الرجاء به حتى كان يهتف به الهاتف أثناء نومه يحضّه على أن يحفر البئر التي تفجّرت تحت أقدام جدّه إسماعيل. وألح الهاتف يدلّه على مظانّ وجودها؛ وألحّ هو باحثا عن زمزم حتى اهتدى إليها بين الوثنين إساف ونائلة. وجعل يحفر مستعينا بابنه الحارث حتى نبع الماء وظهرت غزالتا الذهب وأسياف مضاض الجرهميّ وأرادت قريش أن تشارك عبد المطلب في البئر وفيما وجد فيها. فقال لهم: لا! ولكن هلمّ إلى أمر نصف بيني وبينكم: نضرب عليها بالقداح نجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له؛ فارتضوا رأيه. ثم أعطوا القداح صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل في جوف الكعبة، فتخلف قدحا قريش وخرجت الأسياف لعبد المطلب والغزالتان للكعبة. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب غزالتي الذهب حلية للبيت الحرام. وأقام عبد المطلب في سقاية الحاجّ بعد أن يسّرتها زمزم له. النذر والوفاء به وأحس عبد المطلب قلة حوله في قومه لقلة أولاده، فنذر إن ولد له عشرة بنين ثم بلغوا معه أن يمنعوه من مثل ما لقي حين حفر زمزم لينحرنّ أحدهم لله عند الكعبة. وتوافى بنوه عشرة آنس فيهم المقدرة على أن يمنعوه؛ فدعاهم إلى الوفاء بنذره فأطاعوا. وفي سبيل هذا الوفاء كتب كل واحد من الأبناء اسمه على قدح، وأخذها عبد المطلب وذهب بها إلى صاحب القداح عند هبل في جوف الكعبة. وكانت العرب كلما اشتدّت بها الحيرة في أمر لجأت إلى صاحب القداح كي يستفتي لها كبير الآلهة الأصنام عن طريق القداح. وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر أبنائه وأحبّهم لذلك إليه. فلمّا ضرب صاحب القداح القداح التي عليها أسماء هؤلاء الأبناء ليختار هبل من بينها من ينحره أبوه، خرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطّلب الفتى بيده وذهب به لينحره حيث كانت تنحر العرب عند زمزم بين إساف ونائلة. إذ ذاك قامت قريش كلها من أنديتها تهيب به أن لا يفعل، وأن يلتمس عن عدم ذبحه عند هبل عذرا. وتردّد عبد المطلب لدى إلحاحهم. وسألهم ما عساه يفعل لترضى الآلهة؟ قال المغيرة بن عبد الله المخزومي: إن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وتشاور القوم واستقرّ رأيهم على الذهاب إلى عرّافة بيثرب لها في مثل هذه الأمور رأي. وجاؤا العرّافة، فاستمهلتهم إلى الغد ثم قالت لهم كم الديّة فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل. قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم تقرّبوا وقرّبوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم: فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم. وقبلوا، وجعلت القداح تخرج على عبد الله فيزيدون في الإبل حتى بلغت مائة؛ عند ذلك خرجت القداح على الإبل.

стр. 66

فقالت قريش لعبد المطلب، وكان أثناء ذلك كله واقفا يدعو ربه: قد رضي ربّك يا عبد المطلب. قال عبد المطلب: لا والله، حتى أضرب عليها ثلاث مرّات. وفي المرّات الثلاث خرجت القداح على الإبل؛ فاطمأن عبد المطلب إلى رضاء ربه ونحرت الإبل، ثم تركت لا يصدّ عنها إنسان ولا سبع. بذلك تجري كتب السيرة فتصف طرفا من عادات العرب وعقائدها وأوضاع هذه العقائد، وتدلّ في الوقت نفسه على ما بلغت مكة في بلاد العرب من مقام كريم ببيتها الحرام. ويروي الطبري، استدلالا على قصة الفداء، هذه، أن امرأة من المسلمين نذرت إن فعلت كذا لتنحرنّ ابنها. وفعلت ذلك الأمر، ثم ذهبت إلى عبد الله بن عمر فلم ير في فتياها شيئا، فذهبت إلى عبد الله بن العبّاس فأفتاها بأن تنحر مائة من الإبل، كما كان الأمر في فداء عبد الله بن عبد المطلب، فلما عرف ذلك مروان والي المدينة أنكره، وقال: لانذر في معصية. أدّت مكانة مكة ومقام بيتها الحرام إلى إقامة بعض البلاد البعيدة معابد فيها لعلّها تصرف الناس عن مكة وعن بيتها. فأقام الغساسنة بيتا بالحيرة. وأقام أبرهة الأشرم بيتا باليمن. فلم يغن ذلك العرب عن بيت مكة ولا هو صرفهم عن البلد الحرام. وقد عني أبرهة بزخرفة بيت اليمن غاية العناية، وجلب له من فاخر الأثاث ما خيّل إليه معه أنه صارف العرب وصارف أهل مكة أنفسهم إليه. فلمّا رأى العرب لا تتجه إلا إلى البيت العتيق، ورأى أهل اليمن يدعون البيت الذي بني ولا يعتبرون حجّهم مقبولا إلا بمكة، لم يجد عامل النجاشي وسيلة إلا هدم بيت إبراهيم وإسماعيل. وتهيأ للحرب في جيش لجب من الحبشة تقدّمه على فيل عظيم ركبه. وسمعت العرب بذلك. فخافت العاقبة وعظم عليها أن يقدم رجل حبشيّ على هدم بيت حجهم ومقام أصنامهم. وهبّ رجل، كان من أشراف أهل اليمن وملوكها يدعى ذا نفر، فاستنفر قومه ومن أجاب من غيرهم من العرب لمقاتلة أبرهة وصدّه عما يريد من هدم بيت الله. لكنه لم يستطع أن يثبت لأبرهة بل هزم وأخذ أسيرا. وهزم كذلك نفيل بن حبيب الخثعمي حين جمع قومه من قبيلتي شهران وناهس وأخذ كذلك أسيرا، فأقام نفسه دليلا لأبرهة وجيشه. فلما نزل أبرهة الطائف كلّمه أهلها بأن بيتهم ليس هو البيت الذي يريد، إنما هو بيت اللّات، وبعثوا معه من يدلهم على مكة. فلما اقترب أبرهة من مكة بعث رجلا من الجيش على فرسان له، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وبينها مائة بعير لعبد المطّلب بن هاشم. وهمّت قريش ومن معه من أهل مكة بقتاله، ثم رأوا أن لا طاقة لهم به. وبعث أبرهة رجلا من رجاله يدعى حناطة الحميري سأل عن سيد مكة، فذهبوا به إلى عبد المطلب بن هاشم، فأبلغه رسالة أبرهة إليه، أنه لم يأت لحرب وإنّما جاء لهدم البيت؛ فإن لم تحاربه مكة فلا حاجة به لدماء أهلها فلمّا ذكر له عبد المطلب وأجابه إلى ردّ إبله إليه. لكنه أبى إباء تاما كل حديث في أمر الكعبة ورجوعه عن هدمها، ورفض ما عرض عليه وفد مكة من النزول له عن ثلث ثروة تهامة. وعاد عبد المطلب قومه إلى مكة؛ فنصح للناس أن يخرجوا منها إلى شعاب الجبل خيفة أبرهة وجيشه حين يدخلون البلد الحرام لهدم البيت العتيق. وكانت ليلة ليلاء تلك التي فكّر فيها القوم في هجر بلدهم وما هو نازل به وبهم. ذهب عبد المطلب ومعه نفر من قريش فأخذ حلقة باب الكعبة وجعل يدعو ويدعون يستنصرون آلهتهم على هذا المعتدي على بيت الله. فلما انصرفوا وخلت مكة منهم وآن لأبرهة أن يوجّه جيشه ليتمّ ما اعتزم فيهدم البيت ويعود أدراجه إلى اليمن، كان وباء الجدريّ قد تفشى بالجيش وبدأ يفتك به؛ وكان فتكه ذريعا لم يعهد من قبل قطّ. ولعل جراثيم الوباء

стр. 67

جاءت مع الريح من ناحية البحر، وأصابت العدوى أبرهة نفسه، فأخذه الروع وأمر قومه بالعودة إلى اليمن. وفر الذين كانوا يدلّون على الطريق ومات منهم من مات. وكان الوباء يزداد كل يوم شدّة ورجال الجيش يموت منهم من يموت كل يوم بغير حساب. وبلغ أبرهة صنعاء وقد تناثر جسمه من المرض، فلم يقم إلا قليلا حتى لحق بمن مات من جيشه. وبذلك أرّخ أهل مكة بعام الفيل هذا، وخلده القرآن بذكره: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) «١» . مكانة مكة بعد الفيل زاد هذا الحادث الفذّ العجيب في مكانة مكة الدينية، وزاد تبعا لذلك في مكانتها التجارية، وزاد أهلها انصرافا عن التفكير في شيء غير الاحتفاظ بتلك المكانة الرفيعة الممتازة ومحاربة من يحاول الانتقاص منها أو الإعتداء عليها. وزاد المكيين حرصا على مكانة مدينتهم ما كانت تتيحه لهم من رخاء وترف على أوسع صورة يستطيع الذهن تصوّرها للترف في هذه الجهة الصحراوية البلقع الجرداء. فقد كان لأهلها غرام بالنبيذ أيّ غرام، وكانوا يجدون في النشوة به نعيما أيّ نعيم! نعيما يسّر لهم أن يطلقوا لشهواتهم أعنّتها، وأن يجدوا في الجواري والعبيد الذين يتّجرون فيهم والذين يشترونهم متعا تغريهم بالمزيد منها، ويغريهم ذلك بالحرص على حريتهم وحرية مدينتهم، وباليقظة للذود عن هذه الحرية ودفع كل معتد أثيم تحدّثه نفسه بالعدوان عليها. ولم يكن شيء أشهى إليهم من أن يجعلوا سمرهم وشرابهم في سرّة المدينة حول بناء الكعبة. وهناك إلى جانب ثلثمائة صنم أو تزيد، لكل قبيلة من قبائل العرب بينها صنم أو أكثر، كان أكابر قريش والمقدّمون من أهل مكة يجلسون، يقصّ كلّ منهم أمر ما اتّصل به من أخبار البادية واليمن وجماعة المناذرة في الحيرة والغسا سنة في الشام مما ترد به القوافل أو يتناقله سكان البادية. وكان ذلك يصل إليهم على سبيل الرواية تتناقلها قبيلة عن قبيلة، وكأن كل قبيلة لها مذيع وملتقط لا سلكي يتلقى الأنباء ويذيعها. يقص كل ما اتصل به من أخبار البادية ويروي روايات جيرانه وأصحابه ويشرب نبيذه ويعدّ نفسه بعد سمر الكعبة لسمر أكثر إشباعا لأهوائه وإمتاعا لشهواته. وتطلّ الأصنام بعيونها الحجرية على مجالس السمر هذه، وللسامرين فيها من الحماية أن جعلت الكعبة بيتا حراما ومكة بلدا آمنا، وللأصنام على السامرين ألّا يدخل مكة كتابيّ إلا أن يكون أجيرا لا يتحدّث بشيء من أمر دينه ومن أمر كتابه. ولذلك لم تكن ثمة جاليات من اليهود كما كانت بيثرب، ولا من النصارى كما كانت بنجران. بل كانت كعبتها قدس أقداس الوثنية تحميها من كل مجدّف في أمرها، وتحتمي بها من العدوان عليها. وكذلك استقلّت مكة بنفسها كما كانت تستقلّ قبائل العرب بنفسها، ولا ترضى لغيرها عليها سلطانا، ولا ترضى من استقلالها بديلا ولا تعنى من الحياة بغير هذا الاستقلال في حمى أوثانها؛ لا تضار قبيلة قبيلة أخرى، ولا تفكر طائفة من القبائل في الارتباط لتكون جماعة قوية، لها ما للروم أو للفرس من مطامع في السيادة والغزو. ومن ثمّ ظلّت القبائل جميعا ولا كيان لها غير كيان البداوة تنتجع في ظلاله المرعى، وتعيش في كنفه عيشا خشنا، يحبّبه إليها ما فيه من استقلال وحرية وأنفة وفروسية.

стр. 68

منازل أهل مكة وكانت منازل أهل مكة تحيط بدارة الكعبة، تقترب منها أو تبتعد عنها تبعا لما لكل أسرة وفخذ من جلال خطر وجليل مقام؛ فكان القرشيون أقربهم إليها دارا وأكثرهم بها اتصالا، كما كانت لهم سدانتها وسقاية زمزم وكل ألقاب التشريف الوثنية التي قامت في سبيلها حروب، وانعقدت من أجلها أحلاف، ووضعت من أجلها بين القبائل معاهدات صلح كانت تحفظ في الكعبة تسجيلا لها، وإشهادا لآلهتهم على ما فيها حتى تنزل غضبها بمن يخلّ بتعهداتها. وفيما وراء منازل قريش كانت تجيء منازل القبائل التي تليها في الخطر، ثم تلى هذه منازل من دونهم، حتى تكون منازل العبيد والخلعاء المستهترين. وكان النصارى واليهود بمكة عبيدا، كما قدّمنا، فكان مقامهم بهذه المنازل البعيدة عن الكعبة المتاخمة للصحراء؛ ولذلك كان ما يتحدثون به من قصص دينية عن النصرانية واليهودية بعيدا عن أن يتصل بسمع أمجاد قريش وأشراف أهل البلد الحرام. وأتاح لهم بعده أن يصموا دونه آذانهم؛ كما جعله بحيث لا يشغل بالهم، وهم قد كانوا يسمعون مثله أثناء رحلاتهم كلما مرّوا بدير من الأديار أو صومعة من الصوامع. على أن ما بدأ يقال يومئذ عن نبيّ يظهر بين العرب قد أخذ يقضّ بعض المضاجع. ولقد عتب أبو سفيان يوما على أمية بن أبي الصّلت كثرة تكريره لما يذكره الرهبان من هذا الأمر. وربما كان من حق أبي سفيان يومئذ أن يقول لصاحبه: إن هؤلاء الرهبان إنما يتحدثون من ذلك بما يتحدثون لأنهم في جهل من أمر دينهم، فهم في حاجة إلى نبيّ يدلّهم عليه؛ أما ونحن نتخذ الأصنام ليقرّبونا إلى الله زلفى فلا حاجة بنا إلى شيء من هذا؛ ويجب علينا أن نحارب كل حديث من مثله. كان من حقه أن يقول هذا؛ لأنه في تعصّبه لمكة ووثنيّتها لم يكن يقدّر أن ساعة الهدى بالباب، وأن نبوة محمد ﵊ اقتربت، وأن من بلاد العرب الوثنيّة المتدابرة سيضيء العالم كله نور التوحيد وكلمة الحق. عبد الله بن عبد المطلب وكان عبد الله بن عبد المطلب فتى وسيما جميل الطلعة. وكانت أوانس مكة ونساؤها معجبات لذلك به. وزادهن به إعجابا حديث الفداء والمائة من الإبل التي لم يرض هبل بما دونها فداء له، لكن القدر كان قد أعدّ عبد الله لأكرم أبوّة عرفها التاريخ، وأعدّ آمنة بنت وهب لتكون أمّا لابن عبد الله؛ لذلك تزوّجها ولم تك إلا أشهر بعد زواجه منها حتى مات، لم ينجه من الموت فداء أيّا كان نوعه. وبقيت آمنة من بعد لتلد محمدا ولتموت وما يزال طفلا. ونضع أمام نظر القارئ على الصفحة التالية شجرة النسب النبوي مبيّنا عليها أقرب التواريخ لميلاد أصحابها.

стр. 69

الفصل الثالث محمد: من ميلاده إلى زواجه زواج عبد الله من آمنة - وفاة عبد الله- مولد محمد- رضاعه في بني سعد- قصة الملكين- مقامه خمس سنوات بالبادية- موت آمنة- كفالة عبد المطلب إياه- موت عبد المطلب- كفالة أبي طالب إياه- خروجه إلى الشام في الثانية عشرة من عمره- حرب الفجار- رعية الغنم- خروجه في تجارة خديجة إلى الشام- زواجه بخديجة. زواج عبد الله من آمنة كان عبد المطلب قد جاوز السبعين أو ناهزها حين حاول أبرهة مهاجمة مكة وهدم البيت العتيق. وكان ابنه عبد الله في الرابعة والعشرين من سنه. فرأى أن يزوّجه، فاختار له آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة سيد بني زهرة إذ ذاك سنّا وشرفا. وخرج به حتى أتى منازل بني زهرة ودخل وإياه عند وهب وخطب إليه ابنته. ويذهب بعض المؤرخين إلى أنه إنما ذهب إلى أهيب عم آمنة؛ لأن أباها كان هلك وكانت هي في كفالة عمها. وفي اليوم الذي تزوّج عبد الله فيه من آمنة تزوج عبد المطلب من ابنة عمها هالة، فأولدها حمزة عمّ النبيّ وضريبه في سنه. وأقام عبد الله مع آمنة في بيت أهلها ثلاثة أيام، على عادة العرب حين يتم الزواج في بيت العروس. فلما انتقل وإياها إلى منازل بني عبد المطلب لم يقم معها طويلا، إذ خرج في تجارة إلى الشام، وتركها حاملا، وتختلف الروايات في أمر عبد الله وهل تزوج غير آمنة، وهل عرضت عليه نساء غيرها أنفسهن. والوقوف لتقصيّ أمثال هذه الروايات لا غناء فيه. وكل ما يمكن الاطمئنان إليه أن عبد الله كان شابّا وسيما قويّا؛ فلم يكن عجبا أن تطمع غير آمنة في الزواج منه. فلما بنى بها تقطّعت بغيرها أسباب الأمل ولو إلى حين. ومن يدري، لعلهن قد انتظرن أوبته من رحلته إلى الشام ليكنّ زوجات له مع آمنة. ومكث عبد الله في رحلته هذه الأشهر التي يقتضيها الذهاب إلى غزّة والعود منها، ثم عرّج على أخواله بالمدينة يستريح عندهم من وعثاء السفر ليقوم بعد ذلك في قافلة إلى مكة؛ لكنه مرض عند أخواله فتركه رفاقه؛ حتى إذا بلغوا مكة أخبروا أباه بمرضه. ولم يلبث عبد المطلب حين سمع منهم أن أوفد الحارث أكبر بنيه إلى المدينة ليعود بأخيه بعد إبلاله. وعلم الحارث حين بلغ المدينة أن عبد الله مات ودفن بها بعد شهر من مسير القافلة إلى مكة، فرجع أدراجه ينعي أخاه إلى أهله ويثير من قلب عبد المطلب ومن قلب آمنة همّا وشجنا، لفقد زوج كانت آمنة ترجو في حياته هناءة وسعادة. وكان عبد المطلب عليه حريصا حتى افتداه من آلهته فداء لم تسمع العرب من قبل بمثله.

стр. 70

وترك عبد الله من بعده خمسة من الإبل وقطيعا من الغنم وجارية هي أم أيمن حاضنة النبيّ من بعد. ربما لا تكون هذه الثروة مظهر ثراء وسعة؛ لكنها كذلك لم تكن تدلّ على فقر ومتربة. ثم إن عبد الله كان في مقتبل عمره، فكان قديرا على الكسب والعمل والبلوغ إلى السعة في المال؛ وكان أبوه ما يزال حيّا فلم يؤل إليه شيء من ميراثه. مولد محمد (سنة ٥٧٠ م) وتقدّمت بامنة أشهر الحمل حتى وضعت كما تضع كل أنثى. فلما تمّ لها الوضع بعثت إلى عبد المطلب عند الكعبة تخبره أنه ولد له غلام. وفاض بالشيخ السرور حين بلغه الخبر، وذكر ابنه عبد الله وقلبه مفعم بالغبطة لخلفه، وأسرع إلى زوج ابنه وأخذ طفلها بين يديه، وسار حتى دخل الكعبة وسمّاه محمدا. وكان هذا الاسم غير متداول بين العرب، لكنه كان معروفا. وردّ الجدّ الصبيّ إلى أمه وجعل وإياها ينتظر المراضع من بني سعد لتدفع الأم بوليدها إلى إحداهن، على عادة أشراف العرب من أهل مكة. وقد اختلف المؤرخون في العام الذي ولد محمد فيه؛ فأكثرهم على أنه عام الفيل (٥٧٠ ميلادية) . ويقول ابن عبّاس: إنه ولد يوم الفيل. ويقول آخرون انه ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة: ويذهب غير هؤلاء إلى أنه ولد بعد الفيل بأيام أو بأشهر أو بسنين، يقدّرها قوم بثلاثين سنة؛ ويقدرها قوم بسبعين. واختلف المؤرخون كذلك في الشهر الذي ولد فيه وإن كانت كثرتهم على أنه ولد في شهر ربيع الأول. وقيل: ولد في المحرّم. وقيل ولد في صفر وبعضهم يرجح رجبا، على حين يرجح آخرون شهر رمضان. كذلك اختلف في تاريخ اليوم من الشهر الذي- ولد فيه؛ فقيل: ولد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل، وقيل لثماني ليال، وقيل لتسع. والجمهور على أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل، وهو قول إبن إسحاق وغيره. وكذلك اختلف في الوقت الذي ولد فيه أنهارا كان أم ليلا. كما اختلف في مكان ولادته بمكة. ويرجّح كوسّان دبرسفال في كتابه عن العرب أن محمّدا ولد في أغسطس سنة ٥٧٠، أي عام الفيل، وأنه ولد بمكة بدار جدّه عبد المطلب. وفي سابع يوم لمولده أمر عبد المطلب بجزور فنحرت، ودعا رجالا من قريش فحضروا وطعموا. فلما علموا منه أنه أسمى الطفل محمدا سألوه لم رغب عن أسماء آبائه؟ فقال أردت أن يكون محمودا في السماء لله وفي الأرض لخلقه. المراضع انتظرت آمنة مجيء المراضع من بني سعد لتدفع به إلى إحداهن كعادة أشراف العرب من أهل مكة. ولا تزال هذه العادة متبعة عند أشراف مكة، إذ يبعثون أبناءهم إلى البادية في اليوم الثامن من مولدهم ثم لا يعودون إلى الحضر حتى يبلغوا الثامنة أو العاشرة. ومن قبائل البادية من لها في المراضع شهرة، ومن بينها قبيلة بني سعد. وفي انتظار المراضع دفعت آمنة بالطفل إلى ثويبة جارية عمه أبي لهب، فأرضعته زمنا، كما أرضعته من بعد عمه حمزة؛ فكانا أخوين في الرضاع. ومع أن ثويبة لم ترضعه إلا أيّاما فقد ظل يحفظ لها خير الودّ ويصلها ما عاشت؛ ولما ماتت في السنة السابعة من هجرته إلى المدينة سألن عن ابنها الذي كان أخاه في الرضاع ليصله مكانها، فعلم أنه مات قبلها.

стр. 71

وجاءت مراضع بني سعد إلى مكة يلتمس الأطفال لإرضاعهم. وكنّ يعرضن عن اليتامى لأنهن كنّ يرتجين البرّ من الآباء. أمّا الأيامى فكان الرجاء فيهن قليلا؛ لذلك لم تقبل واحدة من أولئك المراضع على محمد، وذهبت كلّ بمن ترجو من أهله وافر الخير. حليمة بنت أبي ذؤيب على أن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية التي أعرضت عن محمد أوّل الأمر كما أعرض عنه غيرها لم تجد من تدفع إليها طفلها؛ ذلك أنها كانت على جانب من ضعف الحال صرف الأمهات عنها. فلما أجمع القوم على الانطلاق عن مكة قالت حليمة لزوجها الحارث بن عبد العزّى: والله إني لأكره أن أرجع مع صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم ولآخذنه! وأجابها زوجها: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. وأخذت حليمة محمدا وانطلقت به مع قومها إلى البادية. وكانت تحدّث أنها وجدت فيه منذ أخذته أيّ بركة: سمنت غنمها وزاد لبنها، وبارك الله لها في كل ما عندها. وأقام محمد في الصحراء سنتين ترضعه حليمة وتحضنه ابنتها الشّيماء؛ ويجد هو في هواء الصحراء وخشونة عيش البادية ما يسرع به إلى النموّ ويزيد في وسامة خلقه وحسن تكوينه. فلما أتمّ سنتيه وآن فصاله ذهبت به حليمة إلى أمه ثم عادت به إلى البادية، رغبة من أمه، في رواية، ومن حليمة في رواية أخرى؛ عادت به حتى يغلظ، وخوفا عليه من وباء مكة. وأقام الطفل بالصحراء سنتين أخريين يمرح في جوّ باديتها الصحو الطلق لا يعرف قيدا من قيود الروح ولا من قيود المادة. قصة شق الصدر في هذه الفترة وقبل أن يبلغ الثالثة تقع الرواية التي يقصونها من أنه كان مع أخيه الطفل من سنّه في بهم لأهله خلف بيوتهم؛ إذ عاد أخوه الطفل السعديّ يعدو ويقول لأبيه وأمه: ذلك أخي القرشيّ قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه، فهما يسوطانه «١» . ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها. «فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما ممتقعا وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بنيّ؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقّا بطني فالتمسا فيه شيئا لم أدر ما هو» . ورجعت حليمة ورجع أبوه إلى خبائهما. وخشي الرجل أن يكون الغلام أصابته الجن. فاحتملاه إلى أمه بمكة. ويروي ابن إسحاق في هذه الواقعة حديثا عن النبيّ بعد بعثه. لكن ابن إسحاق يحتاط بعد أن يقص هذه القصة ويذكر أن السبب في ردّه إلى أمه لم يكن حكاية الملكين وإنما كان، على ما روته حليمة لآمنة، أنّ نفرا من نصارى الحبشة رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلّبوه ثم قالوا: لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا؛ فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره؛ ولم تكد حليمة تنفلت به منهم. وكذلك يرويها الطبري، لكنه يحيطها بالريبة؛ إذ يذكرها في هذه السنة من حياة محمد، ثم يعود فيذكر أنها وقعت قبيل البعث وسنّه أربعون سنة. لا يطمئن المستشرقون ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه ويرونها ضعيفة السند. فالذي رأى الرجلين في رواية كتّاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلا، وكانت كذلك سن محمد يومئذ. والروايات تجمع على أن محمدا أقام ببني سعد إلى الخامسة من عمره. فلو كان هذا الحادث

стр. 72

قد وقع وسنّه سنتان ونصف سنة، ورجعت حليمة وزوجها إذ ذاك به إلى أمه، لكان في الروايتين تناقض غير مقبول. ولذلك يرى بعض الكتّاب أنه عاد مع حليمة مرة ثالثة. ولا يرضى المستشرق سير وليم موير أن يشير إلى قصة الرجلين في ثيابهما البيضاء ويذكر أنه إن كانت حليمة وزوجها قد نبها لشيء أصاب الطفل فلعله نوبة عصبية أصابته، ولم يكن لها أن تؤذي صحته لحسن تكوينه. ولعل آخرين يقولون: إنه لم يكن في حاجة إلى من يشقّ بطنه أو صدره ما دام الله قد أعده من يوم خلقه لتلقي رسالته. ويرى در منجم أن هذه القصة لا تستند إلى شيء غير ما يفهم من ظاهر الآيات: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) «١» وأن ما يشير القرآن إليه إنما هو عمل روحيّ بحت، والغاية منه تطهير هذا القلب وتنظيفه ليتلقى الرسالة القدسية خالصا ويؤدّيها مخلصا تمام الإخلاص محتملا عبء الرسالة المضني. وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانية سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق. وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبي العربيّ كل ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق الله، وأن سنّة الله لن تجد لها تبديلا، غير متفق مع تعبير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون أن ليست لهم قلوب يعقلون بها. محمد في البادية وأقام محمد في بني سعد إلى الخامسة من عمره ينهل من جو الصحراء الطلق روح الحرّية والاستقلال النفسيّ، ويتعلّم من هذه القبيلة لغة العرب مصفّاة أحسن التصفية، حتى لقد كان يقول من بعد لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشيّ واسترضعت في بني سعد بن بكر» . وتركت هذه السنوات الخمس في نفسه أجمل الأثر وأبقاه، كما بقيت حليمة وبقي أهلها موضع محبّته وإكرامه طوال حياته. أصابت الناس سنة «٢» بعد زواج محمد من خديجة؛ فجاءته حليمة فعادت من عنده ومعها من مال خديجة بعير يحمل الماء وأربعون رأسا من الغنم. وكانت كلما أقبلت عليه مدّ لها طرف ردائه لتجلس عليه سيما الاحترام. وكانت الشيماء ابنتها بين من أسر مع بني هوازن بعد حصار الطائف، فلما جيء بها إلى محمد عرفها وأكرمها وردّها إلى أهلها كما رغبت. في كفالة جده عبد المطلب وعاد إلى أمّه بعد هذه السنوات الخمس. ويقال: إن حليمة التمسته وهي مقبلة به على أهله فلم تجده؛ فأتت عبد المطلب فأخبرته أنه ضلّ منها بأعلى مكة. فبعث من يبحث عنه حتى ردّه عليه ورقة بن نوفل فيما يروون. وكفل عبد المطّلب حفيده، وأغدق عليه، كل حبّه وأسبغ عليه جمّ رعايته. كان يوضع لهذا الشيخ، سيد قريش وسيد مكة كلها، فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول ذلك الفراش إجلالا لأبيهم، فإذا جاء محمد أدناه عبد المطلب منه وأجلسه على الفراش معه وربت على ظهره، وأبدى من آيات عطفه ما يمنع أعمام محمد من تأخيره إلى حيث يجلسون. اليتم وزاد في إعزاز الجدّ لحفيده أنّ آمنة خرجت بابنها إلى المدينة لتري الغلام فيها أخوال جدّه من بني النجّار، وأخذت معها أمّ أيمن الجارية التي خلّفها عبد الله من بعده. فلما كانوا بها أرت الغلام البيت الذي مات أبوه فيه

стр. 73

والمكان الذي دفن به؛ فكان ذلك أوّل معنى لليتم انطبع في نفس الصبي. ولعل أمّه حدّثته طويلا عن هذا الأب المحبوب الذي غادرها بعد مقامه معها أياما معدودة ليجيئه بين أخواله أجله، فقد كان النبيّ بعد هجرته إلى المدينة يقصّ على أصحابه حديث تلك الرحلة الأولى إلى المدينة مع أمه، حديث محبّ للمدينة محزون لمن تحوي القبور من أهله بها. ولما تمّ مكثهم بيثرب شهرا اعتزمت آمنة العودة، فركبت وركب من معها بعيريهما اللذين حملاهما من مكة. فلما كانوا في أثناء الطريق بين البلدين مرضت آمنة بالأبواء «١» وماتت ودفنت بها، وعادت أمّ أيمن بالطفل إلى مكة منتحبا وحيدا، يشعر بيتم ضاعفه عليه القدر فيزداد وحشة وألما. لقد كان منذ أيام يسمع من أمه أنّات الألم لفقد أبيه وهو ما يزال جنينا، وها هو ذا قد رأى بعينيه أمّه تذهب كما ذهب أبوه وتدع جسمه الصغير يحمل همّ اليتم كاملا. زاد ذلك في إعزاز عبد المطّلب إيّاه. مع ذلك بقيت ذكرى اليتم أليمة عميقة في نفسه، حتى وردت في القرآن إذ يذكر الله نبيه بالنعمة عليه فيقول. (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) «٢» . موت عبد المطلب ولعل جوى هذه الذكرى كان يخفّ بعض الشيء لو أن عبد المطلب عمّر أكثر مما عمر، لكنه مات في الثمانين من عمره ومحمد ما يزال في الثامنة. وحزن محمد لموت جدّه حزنه لموت أمه. حزن حتى كان دائم البكاء وهو يتبع نعشه إلى مقرّه الأخير، وحتى كان دائم الذكر من بعد ذلك له، مع ما لقي من بعد في كفالة عمه أبي طالب من عناية ورعاية، ومن حماية امتدّت إلى ما بعد بعثه ورسالته، ودامت إلى أن مات عمه. والحق أنّ موت عبد المطلب كان على بني هاشم جميعا ضربة قاسية؛ فإنه لم يكن من أبنائه من كان في مثل مكانته عزما وقوّة أيد وأصالة رأي وكرما وأثرا في العرب جميعا. ألم يكن يطعم الحاجّ ويسقيهم ويبرّ أهل مكة جميعا إذا أصابهم شرّ أو أذى! وها هم أولاء أبناؤه لم يصل أحد منهم إلى مكانته، إذ كان فقيرهم عاجزا عن مثل عمله، وكان غنيّهم حريصا على ماله. لذلك ما لبث بنو أمية أن تهيؤا ليأخذوا المكانة التي طمعوا فيها من قبل دون أن يخشوا من بني هاشم مزاحمة تخيفهم. في كفالة عمه أبي طالب آلت كفالة محمد إلى أبي طالب وإن لم يكن أكبر إخوته سنّا؛ فقد كان الحارث أسنّهم، وإن لم يكن أكثرهم يسارا. وكان العبّاس أكثرهم مالا، لكنه كان على ماله حريصا؛ لذلك احتفظ بالسقاية وحدها دون الرّفادة. فلا عجب أن كان أبو طالب على فقره أنبلهم وأكرمهم في قريش مكانة واحتراما، ولا عجب أن عهد إليه المطلب بكفالة محمد من بعده. الرحلة الأولى إلى الشام وقد أحبّ أبو طالب ابن أخيه كحب عبد المطّلب له. أحبّه حتى كان يقدّمه على أبنائه، وكان يجد فيه من النجابة والذكاء والبرّ وطيب النفس ما يزيده به تعلقا: ولقد أراد أن يخرج يوما في تجارة له إلى الشام حين كان محمد في الثانية عشرة من عمره؛ ولم يفكر في اصطحابه خوفا عليه من وعثاء السفر واجتياز الصحراء. لكن محمدا أبدى من صادق الرغبة في مصاحبة عمه ما قضى على كل تردّد في نفس أبي طالب. وصحب الغلام القافلة حتى بلغ بصرى في جنوب الشام، وتروي كتب السيرة أنه التقى في هذه الرحلة بالراهب بحيرى، وأن

стр. 74

الراهب رأى فيه أمارات النبوّة على ما تدلّه أنباء النّصرانية. وتذهب بعض الروايات إلى أن الراهب نصح إلى أهله ألّا يوغلوا به في بلاد الشام خوفا عليه من اليهود أن يعرفوا منه هذه الأمارات فينالوه بالأذى. في هذه الرّحلة وقعت عينا محمد الجميلتان على فسحة الصحراء، وتعلقتا بالنجوم اللامعة في سمائها الصافية البديعة. وجعل يمرّ بمدين ووادي القرى وديار ثمود وتستمع أذناه المرهفتان إلى حديث العرب وأهل البادية عن هذه المنازل وأخبارها وماضي نبئها. وفي هذه الرحلة وقف من بلاد الشام عند الحدائق الغنّاء اليانعة التي أنسته حدائق الطائف وما يروى عنها، والتي تبدّت له جنات إلى جانب جدب الصحراء المقفرة والجبال الجرداء فيما حول مكة. وفي الشام كذلك عرف محمد أخبار الروح ونصرانيتهم، وسمع عن كتابهم وعن مناوأة الفرس من عبّاد النار لهم وانتظارهم الوقيعة بهم. ولئن كان بعد في الثانية عشرة من سنه لقد كان له من عظمة الروح وذكاء القلب ورجحان العقل ودقة الملاحظة وقوّة الذاكرة وما إلى ذلك من صفات حباه القدر بها تمهيدا للرسالة العظيمة التي أعدّه لها ما جعله ينظر إلى ما حوله نظرة الفاحص المحقق، فلا يستريح إلى كل ما يسمع ويرى، فيرجع إلى نفسه يسائلها: أين الحقّ من ذلك كله؟ والراجح أن أبا طالب لم يفد مالا كثيرا من رحلته تلك، فلم يعد من بعد إلى رحلة مثلها، بل قنع بحظه، وأقام بمكة يكفل في حدود ماله القليل أولاده الكثيرين. وأقام محمد مع عمه قانعا بنصيبه، يقوم من الأمر بما يقوم به من هم في مثل سنّه. فإذا جاءت الأشهر الحرم ظلّ بمكة مع أهله، أو خرج وإيّاهم إلى الأسواق المجاورة لها بعكاظ ومجنة وذي المجاز يستمع لإنشاد أصحاب المذهبّات والمعلّقات، وتلتهم أذناه بلاغتهم في غزلهم وفخرهم وذكرهم أنسابهم ومغازيهم وكرمهم وفضلهم، ثم يعرض ذلك على بصيرته تلفظ منه ما لا تسيغ وتعجب بما تراه جديرا بالإعجاب. ويستمع إلى خطب الخطباء ومن بينهم اليهود والنصارى الذين كانوا ينقمون من إخوانهم العرب وثنيّتهم، ويحدّثونهم عن كتب عيسى وموسى، ويدعونهم إلى ما يعتقدونه الحق؛ ويزن ذلك بميزان قلبه فيراه خيرا من هذه الوثنية التي غرق فيها أهله، ولكنه لا يطمئن كل الطمأنينة إليه. وكذلك جعل القدر يوجه نفسه منذ نعومة أظفاره الوجهة التي تهيئه لذلك اليوم العظيم، يوم الوحي الأوّل حين دعاه ربه لتبليغ رسالته: رسالة الهدى والحق للناس كافّة. حرب الفجار وكما عرف محمد طرق القوافل في الصحراء مع عمه أبي طالب، وكما استمع إلى الشعراء والخطباء مع ذويه في الأسواق حول مكة أثناء الأشهر الحرم، عرف كذلك حمل السلاح؛ إذ وقف إلى جانب أعمامه في حرب الفجار. وحرب الفجار تلك كانت بعض ما يثور ويتصل بين قبائل العرب من الحروب. وقد سميت الفجار لأنها وقعت في الأشهر الحرم، إذ تمتنع قبائل العرب عن القتال ويعقدون أسواق تجارتهم بعكاظ بين الطائف ونخلة وبمجنّة وذي المجاز على مقربة من عرفات، لتبادل التجارة وللتفاخر والجدل، وللحج بعد ذلك عند أصنامهم بالكعبة. وكانت سوق عكاظ أكثر أسواق العرب شهرة، فيها أنشد أصحاب المعلّقات معلقاتهم، وفيها خطب قسّ، وفيها كان اليهود والنصارى وعبّاد الأصنام يحدّث كل عن رأيه آمنا، لأنه في الشهر الحرام. على أن البرّاض بن قيس الكنانيّ لم يحترم هذه الحرمة حين غافل أثناءها عروة الرّحال بن عتبة الهوازنيّ وقتله.. وسبب ذلك أن النعمان بن المنذر كان يبعث كل عام قافلة من الحيرة إلى عكاظ تحمل المسك وتجيء بديلا منه بالجلود والحبال وأنسجة اليمن المزركشة. فعرض البّراض الكناني نفسه عليه ليقود القافلة في حماية

стр. 75

قبيلته كنانة؛ وعرض عروة الهوازنيّ نفسه كذلك وأن يتخطّى إلى الحجاز طريق نجد. واختار النعمان عروة؛ فأحفظ ذلك البّراض فتبعه وغاله وأخذ قافلته. ثم أخبر البرّاض بشرا بن أبي خازم أنّ هوازن ستأخذ بثأرها من قريش. ولحقت هوازن بقريش قبل أن يدخلوا البيت الحرام فاقتتلوا، وتراجعت قريش حتى لاذت من المنتصرين بالحرم، فأنذرتهم هوازن الحرب بعكاظ العام المقبل. وقد ظلّت هذه الحرب تنشب بين الفريقين أربع سنوات متتابعة انتهت بعدها إلى صلح من نوع صلح البادية ذلك بأن يدفع من كانوا أقلّ قتلى دية العدد الزائد على قتلاهم من الفريق الآخر. ودفعت قريش دية عشرين رجلا من هوازن، وذهب البراض مثلا في الشقاوة. لم يحقّق التاريخ سنّ محمد أيام حرب الفجار؛ فقيل كان ابن خمس عشرة سنة؛ وقيل: كان ابن عشرين. ولعل سبب الخلاف أن هذه الحرب استطالت أربع سنوات تجعل حاضر أوّلها وهو في الخامسة عشرة يلحق آخرها في جوار العشرين. وقد اختلف فيما قام به محمد من عمل في هذه الحرب. فقال أناس: إنه كان يجمع السهام التي تقع من هوازن ويدفعها إلى أعمامه ليردّوها إلى صدور خصومهم، وقال آخرون: بل اشترك فيها ورمى السهام بنفسه. وما دامت الحرب المذكورة قد امتدّت فتراتها في سنوات أربع، فليس ما يمنع صحة الروايتين؛ فيكون قد جمع السهام لأعمامه أولى الأمر ورمى من بعد ذلك. وقد ذكر رسول الله الفجار بعد سنوات من رسالته فقال: «قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحبّ أني لم أكن فعلت» . وقد شعرت قريش بعد الفجار بأن ما أصابها وما أصاب مكة جميعا بعد موت هاشم وموت عبد المطّلب من تفرّق الكلمة وحرص كل فريق على أن يكون صاحب الأمر، قد أطمع فيها العرب بعد ما كانت أمنع من أن يطمع فيها طامع. إذ ذاك دعا الزّبير بن عبد المطّلب، فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وتيم، في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله المنتقم ليكونن مع المظلوم حتى يؤدّى إليه حقه ما بل بحر صوفة. وقد حضر محمد هذا الحلف الذي سمّاه العرب حلف الفضول؛ وكان يقول: «ما أحبّ أنّ لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النّعم ولو دعيت به لأجبت» . لم تكن حرب الفجار، كما رأيت، تستغرق إلا أياما من كل عام؛ أمّا سائر العام فكان العرب يرجعون فيه إلى أعمالهم يزاولونها دون أن تترك الحرب في نفوسهم من المرارة ما يحول بينهم وبين التجارة والربا والشراب والتسرّي والأخذ من مختلف ألوان اللهو بأوفر نصيب. أفكان محمد يشاركهم في هذا؟ أم كانت رقّة حاله وضيق ذات يده وكفالة عمه إيّاه تجعله بمنأى عنها ينظر إلى التّرف نظرة المحروم والمشتهي؟ أمّا أنه نأى عنها فذلك ما يشهد به التاريخ. لكنه لم ينأ عنها عجزا عن النيل منها؛ فقد كان الخلعاء المقيمون بأطراف مكة والذين لا يجدون من أسباب الرزق إلا الصنك والإملاق يجدون الوسيلة إليها، بل كان بعضهم أشدّ من أمجاد مكة وأشراف قريش إمعانا فيها وإدمانا لها. إنما كانت نفس محمد مشغوفة بأن ترى وأن تسمع وأن تعرف. وكأن حرمانه من التعلم الذي يتعلّمه بعض أنداده من أبناء الأشراف جعله أشدّ للمعرفة تشوقا، وبها تعلّقا؛ كما أن النفس العظيمة التي تجلّت من بعد آثارها وما زال يغمز العالم ضياؤها، كانت في توقها إلى الكمال ترغب عن هذا اللهو الذي يصبو إليه أهل مكة، إلى نور الحياة المتجلي في كل مظاهر الحياة لمن هداه الحقّ إليها، ولاكتناه ما تدلّ هذه المظاهر عليه وما تحدّث الموهوبين به. ولذلك ظهر منذ الصّبا الأوّل مظهر الكمال والرجوليّة وأمانة النفس، حتّى دعاه أهل مكة جميعا: «الأمين» .
следующие страницы →