← Сира

Сира · id 9797

حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

هيكل، محمد حسين

Полный текст (384 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وجاءت مراضع بني سعد إلى مكة يلتمس الأطفال لإرضاعهم. وكنّ يعرضن عن اليتامى لأنهن كنّ يرتجين البرّ من الآباء. أمّا الأيامى فكان الرجاء فيهن قليلا؛ لذلك لم تقبل واحدة من أولئك المراضع على محمد، وذهبت كلّ بمن ترجو من أهله وافر الخير. حليمة بنت أبي ذؤيب على أن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية التي أعرضت عن محمد أوّل الأمر كما أعرض عنه غيرها لم تجد من تدفع إليها طفلها؛ ذلك أنها كانت على جانب من ضعف الحال صرف الأمهات عنها. فلما أجمع القوم على الانطلاق عن مكة قالت حليمة لزوجها الحارث بن عبد العزّى: والله إني لأكره أن أرجع مع صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم ولآخذنه! وأجابها زوجها: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. وأخذت حليمة محمدا وانطلقت به مع قومها إلى البادية. وكانت تحدّث أنها وجدت فيه منذ أخذته أيّ بركة: سمنت غنمها وزاد لبنها، وبارك الله لها في كل ما عندها. وأقام محمد في الصحراء سنتين ترضعه حليمة وتحضنه ابنتها الشّيماء؛ ويجد هو في هواء الصحراء وخشونة عيش البادية ما يسرع به إلى النموّ ويزيد في وسامة خلقه وحسن تكوينه. فلما أتمّ سنتيه وآن فصاله ذهبت به حليمة إلى أمه ثم عادت به إلى البادية، رغبة من أمه، في رواية، ومن حليمة في رواية أخرى؛ عادت به حتى يغلظ، وخوفا عليه من وباء مكة. وأقام الطفل بالصحراء سنتين أخريين يمرح في جوّ باديتها الصحو الطلق لا يعرف قيدا من قيود الروح ولا من قيود المادة. قصة شق الصدر في هذه الفترة وقبل أن يبلغ الثالثة تقع الرواية التي يقصونها من أنه كان مع أخيه الطفل من سنّه في بهم لأهله خلف بيوتهم؛ إذ عاد أخوه الطفل السعديّ يعدو ويقول لأبيه وأمه: ذلك أخي القرشيّ قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه، فهما يسوطانه «١» . ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها. «فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما ممتقعا وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بنيّ؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقّا بطني فالتمسا فيه شيئا لم أدر ما هو» . ورجعت حليمة ورجع أبوه إلى خبائهما. وخشي الرجل أن يكون الغلام أصابته الجن. فاحتملاه إلى أمه بمكة. ويروي ابن إسحاق في هذه الواقعة حديثا عن النبيّ بعد بعثه. لكن ابن إسحاق يحتاط بعد أن يقص هذه القصة ويذكر أن السبب في ردّه إلى أمه لم يكن حكاية الملكين وإنما كان، على ما روته حليمة لآمنة، أنّ نفرا من نصارى الحبشة رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلّبوه ثم قالوا: لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا؛ فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره؛ ولم تكد حليمة تنفلت به منهم. وكذلك يرويها الطبري، لكنه يحيطها بالريبة؛ إذ يذكرها في هذه السنة من حياة محمد، ثم يعود فيذكر أنها وقعت قبيل البعث وسنّه أربعون سنة. لا يطمئن المستشرقون ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه ويرونها ضعيفة السند. فالذي رأى الرجلين في رواية كتّاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلا، وكانت كذلك سن محمد يومئذ. والروايات تجمع على أن محمدا أقام ببني سعد إلى الخامسة من عمره. فلو كان هذا الحادث

стр. 72

قد وقع وسنّه سنتان ونصف سنة، ورجعت حليمة وزوجها إذ ذاك به إلى أمه، لكان في الروايتين تناقض غير مقبول. ولذلك يرى بعض الكتّاب أنه عاد مع حليمة مرة ثالثة. ولا يرضى المستشرق سير وليم موير أن يشير إلى قصة الرجلين في ثيابهما البيضاء ويذكر أنه إن كانت حليمة وزوجها قد نبها لشيء أصاب الطفل فلعله نوبة عصبية أصابته، ولم يكن لها أن تؤذي صحته لحسن تكوينه. ولعل آخرين يقولون: إنه لم يكن في حاجة إلى من يشقّ بطنه أو صدره ما دام الله قد أعده من يوم خلقه لتلقي رسالته. ويرى در منجم أن هذه القصة لا تستند إلى شيء غير ما يفهم من ظاهر الآيات: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) «١» وأن ما يشير القرآن إليه إنما هو عمل روحيّ بحت، والغاية منه تطهير هذا القلب وتنظيفه ليتلقى الرسالة القدسية خالصا ويؤدّيها مخلصا تمام الإخلاص محتملا عبء الرسالة المضني. وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانية سامية، وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق. وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبي العربيّ كل ما لا يدخل في معروف العقل، ويرون ما ورد من ذلك غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر في خلق الله، وأن سنّة الله لن تجد لها تبديلا، غير متفق مع تعبير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون أن ليست لهم قلوب يعقلون بها. محمد في البادية وأقام محمد في بني سعد إلى الخامسة من عمره ينهل من جو الصحراء الطلق روح الحرّية والاستقلال النفسيّ، ويتعلّم من هذه القبيلة لغة العرب مصفّاة أحسن التصفية، حتى لقد كان يقول من بعد لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشيّ واسترضعت في بني سعد بن بكر» . وتركت هذه السنوات الخمس في نفسه أجمل الأثر وأبقاه، كما بقيت حليمة وبقي أهلها موضع محبّته وإكرامه طوال حياته. أصابت الناس سنة «٢» بعد زواج محمد من خديجة؛ فجاءته حليمة فعادت من عنده ومعها من مال خديجة بعير يحمل الماء وأربعون رأسا من الغنم. وكانت كلما أقبلت عليه مدّ لها طرف ردائه لتجلس عليه سيما الاحترام. وكانت الشيماء ابنتها بين من أسر مع بني هوازن بعد حصار الطائف، فلما جيء بها إلى محمد عرفها وأكرمها وردّها إلى أهلها كما رغبت. في كفالة جده عبد المطلب وعاد إلى أمّه بعد هذه السنوات الخمس. ويقال: إن حليمة التمسته وهي مقبلة به على أهله فلم تجده؛ فأتت عبد المطلب فأخبرته أنه ضلّ منها بأعلى مكة. فبعث من يبحث عنه حتى ردّه عليه ورقة بن نوفل فيما يروون. وكفل عبد المطّلب حفيده، وأغدق عليه، كل حبّه وأسبغ عليه جمّ رعايته. كان يوضع لهذا الشيخ، سيد قريش وسيد مكة كلها، فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول ذلك الفراش إجلالا لأبيهم، فإذا جاء محمد أدناه عبد المطلب منه وأجلسه على الفراش معه وربت على ظهره، وأبدى من آيات عطفه ما يمنع أعمام محمد من تأخيره إلى حيث يجلسون. اليتم وزاد في إعزاز الجدّ لحفيده أنّ آمنة خرجت بابنها إلى المدينة لتري الغلام فيها أخوال جدّه من بني النجّار، وأخذت معها أمّ أيمن الجارية التي خلّفها عبد الله من بعده. فلما كانوا بها أرت الغلام البيت الذي مات أبوه فيه

стр. 73

والمكان الذي دفن به؛ فكان ذلك أوّل معنى لليتم انطبع في نفس الصبي. ولعل أمّه حدّثته طويلا عن هذا الأب المحبوب الذي غادرها بعد مقامه معها أياما معدودة ليجيئه بين أخواله أجله، فقد كان النبيّ بعد هجرته إلى المدينة يقصّ على أصحابه حديث تلك الرحلة الأولى إلى المدينة مع أمه، حديث محبّ للمدينة محزون لمن تحوي القبور من أهله بها. ولما تمّ مكثهم بيثرب شهرا اعتزمت آمنة العودة، فركبت وركب من معها بعيريهما اللذين حملاهما من مكة. فلما كانوا في أثناء الطريق بين البلدين مرضت آمنة بالأبواء «١» وماتت ودفنت بها، وعادت أمّ أيمن بالطفل إلى مكة منتحبا وحيدا، يشعر بيتم ضاعفه عليه القدر فيزداد وحشة وألما. لقد كان منذ أيام يسمع من أمه أنّات الألم لفقد أبيه وهو ما يزال جنينا، وها هو ذا قد رأى بعينيه أمّه تذهب كما ذهب أبوه وتدع جسمه الصغير يحمل همّ اليتم كاملا. زاد ذلك في إعزاز عبد المطّلب إيّاه. مع ذلك بقيت ذكرى اليتم أليمة عميقة في نفسه، حتى وردت في القرآن إذ يذكر الله نبيه بالنعمة عليه فيقول. (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) «٢» . موت عبد المطلب ولعل جوى هذه الذكرى كان يخفّ بعض الشيء لو أن عبد المطلب عمّر أكثر مما عمر، لكنه مات في الثمانين من عمره ومحمد ما يزال في الثامنة. وحزن محمد لموت جدّه حزنه لموت أمه. حزن حتى كان دائم البكاء وهو يتبع نعشه إلى مقرّه الأخير، وحتى كان دائم الذكر من بعد ذلك له، مع ما لقي من بعد في كفالة عمه أبي طالب من عناية ورعاية، ومن حماية امتدّت إلى ما بعد بعثه ورسالته، ودامت إلى أن مات عمه. والحق أنّ موت عبد المطلب كان على بني هاشم جميعا ضربة قاسية؛ فإنه لم يكن من أبنائه من كان في مثل مكانته عزما وقوّة أيد وأصالة رأي وكرما وأثرا في العرب جميعا. ألم يكن يطعم الحاجّ ويسقيهم ويبرّ أهل مكة جميعا إذا أصابهم شرّ أو أذى! وها هم أولاء أبناؤه لم يصل أحد منهم إلى مكانته، إذ كان فقيرهم عاجزا عن مثل عمله، وكان غنيّهم حريصا على ماله. لذلك ما لبث بنو أمية أن تهيؤا ليأخذوا المكانة التي طمعوا فيها من قبل دون أن يخشوا من بني هاشم مزاحمة تخيفهم. في كفالة عمه أبي طالب آلت كفالة محمد إلى أبي طالب وإن لم يكن أكبر إخوته سنّا؛ فقد كان الحارث أسنّهم، وإن لم يكن أكثرهم يسارا. وكان العبّاس أكثرهم مالا، لكنه كان على ماله حريصا؛ لذلك احتفظ بالسقاية وحدها دون الرّفادة. فلا عجب أن كان أبو طالب على فقره أنبلهم وأكرمهم في قريش مكانة واحتراما، ولا عجب أن عهد إليه المطلب بكفالة محمد من بعده. الرحلة الأولى إلى الشام وقد أحبّ أبو طالب ابن أخيه كحب عبد المطّلب له. أحبّه حتى كان يقدّمه على أبنائه، وكان يجد فيه من النجابة والذكاء والبرّ وطيب النفس ما يزيده به تعلقا: ولقد أراد أن يخرج يوما في تجارة له إلى الشام حين كان محمد في الثانية عشرة من عمره؛ ولم يفكر في اصطحابه خوفا عليه من وعثاء السفر واجتياز الصحراء. لكن محمدا أبدى من صادق الرغبة في مصاحبة عمه ما قضى على كل تردّد في نفس أبي طالب. وصحب الغلام القافلة حتى بلغ بصرى في جنوب الشام، وتروي كتب السيرة أنه التقى في هذه الرحلة بالراهب بحيرى، وأن

стр. 74

الراهب رأى فيه أمارات النبوّة على ما تدلّه أنباء النّصرانية. وتذهب بعض الروايات إلى أن الراهب نصح إلى أهله ألّا يوغلوا به في بلاد الشام خوفا عليه من اليهود أن يعرفوا منه هذه الأمارات فينالوه بالأذى. في هذه الرّحلة وقعت عينا محمد الجميلتان على فسحة الصحراء، وتعلقتا بالنجوم اللامعة في سمائها الصافية البديعة. وجعل يمرّ بمدين ووادي القرى وديار ثمود وتستمع أذناه المرهفتان إلى حديث العرب وأهل البادية عن هذه المنازل وأخبارها وماضي نبئها. وفي هذه الرحلة وقف من بلاد الشام عند الحدائق الغنّاء اليانعة التي أنسته حدائق الطائف وما يروى عنها، والتي تبدّت له جنات إلى جانب جدب الصحراء المقفرة والجبال الجرداء فيما حول مكة. وفي الشام كذلك عرف محمد أخبار الروح ونصرانيتهم، وسمع عن كتابهم وعن مناوأة الفرس من عبّاد النار لهم وانتظارهم الوقيعة بهم. ولئن كان بعد في الثانية عشرة من سنه لقد كان له من عظمة الروح وذكاء القلب ورجحان العقل ودقة الملاحظة وقوّة الذاكرة وما إلى ذلك من صفات حباه القدر بها تمهيدا للرسالة العظيمة التي أعدّه لها ما جعله ينظر إلى ما حوله نظرة الفاحص المحقق، فلا يستريح إلى كل ما يسمع ويرى، فيرجع إلى نفسه يسائلها: أين الحقّ من ذلك كله؟ والراجح أن أبا طالب لم يفد مالا كثيرا من رحلته تلك، فلم يعد من بعد إلى رحلة مثلها، بل قنع بحظه، وأقام بمكة يكفل في حدود ماله القليل أولاده الكثيرين. وأقام محمد مع عمه قانعا بنصيبه، يقوم من الأمر بما يقوم به من هم في مثل سنّه. فإذا جاءت الأشهر الحرم ظلّ بمكة مع أهله، أو خرج وإيّاهم إلى الأسواق المجاورة لها بعكاظ ومجنة وذي المجاز يستمع لإنشاد أصحاب المذهبّات والمعلّقات، وتلتهم أذناه بلاغتهم في غزلهم وفخرهم وذكرهم أنسابهم ومغازيهم وكرمهم وفضلهم، ثم يعرض ذلك على بصيرته تلفظ منه ما لا تسيغ وتعجب بما تراه جديرا بالإعجاب. ويستمع إلى خطب الخطباء ومن بينهم اليهود والنصارى الذين كانوا ينقمون من إخوانهم العرب وثنيّتهم، ويحدّثونهم عن كتب عيسى وموسى، ويدعونهم إلى ما يعتقدونه الحق؛ ويزن ذلك بميزان قلبه فيراه خيرا من هذه الوثنية التي غرق فيها أهله، ولكنه لا يطمئن كل الطمأنينة إليه. وكذلك جعل القدر يوجه نفسه منذ نعومة أظفاره الوجهة التي تهيئه لذلك اليوم العظيم، يوم الوحي الأوّل حين دعاه ربه لتبليغ رسالته: رسالة الهدى والحق للناس كافّة. حرب الفجار وكما عرف محمد طرق القوافل في الصحراء مع عمه أبي طالب، وكما استمع إلى الشعراء والخطباء مع ذويه في الأسواق حول مكة أثناء الأشهر الحرم، عرف كذلك حمل السلاح؛ إذ وقف إلى جانب أعمامه في حرب الفجار. وحرب الفجار تلك كانت بعض ما يثور ويتصل بين قبائل العرب من الحروب. وقد سميت الفجار لأنها وقعت في الأشهر الحرم، إذ تمتنع قبائل العرب عن القتال ويعقدون أسواق تجارتهم بعكاظ بين الطائف ونخلة وبمجنّة وذي المجاز على مقربة من عرفات، لتبادل التجارة وللتفاخر والجدل، وللحج بعد ذلك عند أصنامهم بالكعبة. وكانت سوق عكاظ أكثر أسواق العرب شهرة، فيها أنشد أصحاب المعلّقات معلقاتهم، وفيها خطب قسّ، وفيها كان اليهود والنصارى وعبّاد الأصنام يحدّث كل عن رأيه آمنا، لأنه في الشهر الحرام. على أن البرّاض بن قيس الكنانيّ لم يحترم هذه الحرمة حين غافل أثناءها عروة الرّحال بن عتبة الهوازنيّ وقتله.. وسبب ذلك أن النعمان بن المنذر كان يبعث كل عام قافلة من الحيرة إلى عكاظ تحمل المسك وتجيء بديلا منه بالجلود والحبال وأنسجة اليمن المزركشة. فعرض البّراض الكناني نفسه عليه ليقود القافلة في حماية

стр. 75

قبيلته كنانة؛ وعرض عروة الهوازنيّ نفسه كذلك وأن يتخطّى إلى الحجاز طريق نجد. واختار النعمان عروة؛ فأحفظ ذلك البّراض فتبعه وغاله وأخذ قافلته. ثم أخبر البرّاض بشرا بن أبي خازم أنّ هوازن ستأخذ بثأرها من قريش. ولحقت هوازن بقريش قبل أن يدخلوا البيت الحرام فاقتتلوا، وتراجعت قريش حتى لاذت من المنتصرين بالحرم، فأنذرتهم هوازن الحرب بعكاظ العام المقبل. وقد ظلّت هذه الحرب تنشب بين الفريقين أربع سنوات متتابعة انتهت بعدها إلى صلح من نوع صلح البادية ذلك بأن يدفع من كانوا أقلّ قتلى دية العدد الزائد على قتلاهم من الفريق الآخر. ودفعت قريش دية عشرين رجلا من هوازن، وذهب البراض مثلا في الشقاوة. لم يحقّق التاريخ سنّ محمد أيام حرب الفجار؛ فقيل كان ابن خمس عشرة سنة؛ وقيل: كان ابن عشرين. ولعل سبب الخلاف أن هذه الحرب استطالت أربع سنوات تجعل حاضر أوّلها وهو في الخامسة عشرة يلحق آخرها في جوار العشرين. وقد اختلف فيما قام به محمد من عمل في هذه الحرب. فقال أناس: إنه كان يجمع السهام التي تقع من هوازن ويدفعها إلى أعمامه ليردّوها إلى صدور خصومهم، وقال آخرون: بل اشترك فيها ورمى السهام بنفسه. وما دامت الحرب المذكورة قد امتدّت فتراتها في سنوات أربع، فليس ما يمنع صحة الروايتين؛ فيكون قد جمع السهام لأعمامه أولى الأمر ورمى من بعد ذلك. وقد ذكر رسول الله الفجار بعد سنوات من رسالته فقال: «قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحبّ أني لم أكن فعلت» . وقد شعرت قريش بعد الفجار بأن ما أصابها وما أصاب مكة جميعا بعد موت هاشم وموت عبد المطّلب من تفرّق الكلمة وحرص كل فريق على أن يكون صاحب الأمر، قد أطمع فيها العرب بعد ما كانت أمنع من أن يطمع فيها طامع. إذ ذاك دعا الزّبير بن عبد المطّلب، فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وتيم، في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله المنتقم ليكونن مع المظلوم حتى يؤدّى إليه حقه ما بل بحر صوفة. وقد حضر محمد هذا الحلف الذي سمّاه العرب حلف الفضول؛ وكان يقول: «ما أحبّ أنّ لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النّعم ولو دعيت به لأجبت» . لم تكن حرب الفجار، كما رأيت، تستغرق إلا أياما من كل عام؛ أمّا سائر العام فكان العرب يرجعون فيه إلى أعمالهم يزاولونها دون أن تترك الحرب في نفوسهم من المرارة ما يحول بينهم وبين التجارة والربا والشراب والتسرّي والأخذ من مختلف ألوان اللهو بأوفر نصيب. أفكان محمد يشاركهم في هذا؟ أم كانت رقّة حاله وضيق ذات يده وكفالة عمه إيّاه تجعله بمنأى عنها ينظر إلى التّرف نظرة المحروم والمشتهي؟ أمّا أنه نأى عنها فذلك ما يشهد به التاريخ. لكنه لم ينأ عنها عجزا عن النيل منها؛ فقد كان الخلعاء المقيمون بأطراف مكة والذين لا يجدون من أسباب الرزق إلا الصنك والإملاق يجدون الوسيلة إليها، بل كان بعضهم أشدّ من أمجاد مكة وأشراف قريش إمعانا فيها وإدمانا لها. إنما كانت نفس محمد مشغوفة بأن ترى وأن تسمع وأن تعرف. وكأن حرمانه من التعلم الذي يتعلّمه بعض أنداده من أبناء الأشراف جعله أشدّ للمعرفة تشوقا، وبها تعلّقا؛ كما أن النفس العظيمة التي تجلّت من بعد آثارها وما زال يغمز العالم ضياؤها، كانت في توقها إلى الكمال ترغب عن هذا اللهو الذي يصبو إليه أهل مكة، إلى نور الحياة المتجلي في كل مظاهر الحياة لمن هداه الحقّ إليها، ولاكتناه ما تدلّ هذه المظاهر عليه وما تحدّث الموهوبين به. ولذلك ظهر منذ الصّبا الأوّل مظهر الكمال والرجوليّة وأمانة النفس، حتّى دعاه أهل مكة جميعا: «الأمين» .

стр. 76

ومما زاده انصرافا إلى التفكير والتأمل اشتغاله برعي الغنم سني صباه تلك فقد كان يرعى غنم أهله، ويرعى غنم أهل مكة، وكان يذكر رعيه إياها مغتبطا. وكان يقول: «ما بعث الله نبيّا إلا راعي غنم» ... ويقول: «بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد» . وراعي الغنم الذكيّ القلب يجد في فسحة الجوّ الطلق أثناء النهار وفي تلألؤ النجوم إذا جنّ الليل موضعا لتفكيره وتأمله يسبح منه في هذه العوالم، يبتغي أن يرى ما وراءها، ويلتمس في مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرا لهذا الكون وخلقه؛ وهو يرى نفسه، ما دام ذكيّ الفؤاد عليم القلب، بعض هذا الكون غير منفصل عنه. أليس هو يتنفّس هواءه ولو لم يتنفسّه قضى! أليست تحييه أشعّة الشمس ويغمرها ضياء القمر ويتّصل وجوده بالأفلاك والعوالم جميعا. هذه الأفلاك والعوالم التي يرى في فسحة الكون أمامه، متصلا بعضها ببعض في نظام محكم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا اللّيل سابق النّهار!! وإذا كان نظام هذا القطيع من الغنم أمام محمد يقتضي انتباهه ويقظته حتى لا يعدو الذئب على شاة منها، وحتى لا تضلّ إحداها في مهامه البادية، فأيّ انتباه وأية قوّة تحفظ على نظام العالم كلّ إحكامه! وهذا التفكير والتأمل من شأنهما صرف صاحبهما عن التفكير في شهوات الإنسان الدّنيا والسمّو به عنها بما يبديان له من كاذب زخرفها. لذلك ارتفع محمد في أعماله وتصرفاته عن كل ما يمسّ هذا الاسم الذي أطلق عليه بمكة وبقي له: «الأمين» . يدلّ على ذلك كله ما حدّث هو عنه، من أنه كان يرعى الغنم مع زميل له، فحدّثته نفسه يوما أن يلهو كما يلهو الشباب، فأفضى إلى زميله هذا ذات مساء أنه يودّ أن يهبط مكة، يلهو بها لهو الشباب في جنح الليل، وطلب لذلك إليه أن يقوم على حراسة أغنامه. لكنه ما إن بلغ أعلى مكة حتى استرعى انتباهه عرس زواج وقف عنده، ثم ما لبث أن نام. ونزل مكة ليلة أخرى لهذه الغاية، فامتلأت آذانه بأصوات موسيقية بارعة كأنما هي موسيقى السماء، فجلس يستمع ثم نام حتى أصبح. وماذا عسى أن تفعل مغريات مكة بقلب مهذّب ونفس كلها تفكير وتأمل! ماذا عسى أن تكون هذه المغريات التي وصفنا والتي لا يستريح إليها من يكون دون محمد سمّوا بمراحل كثيرة! لذلك أقام بعيدا عن النقص، لا يجد لذّة يذوقها أطيب لنفسه من لذة التفكير والتأمل. حياة التفكير والتأمل وحياة التفكير والتأمل وما يستريح إليه من عمل بسيط كرعي الغنم، ليست بالحياة التي تدرّ على صاحبها أخلاف الرزق أو تفتح أمامه أبواب اليسار. وما كان محمد يهتم لذلك أو يعنى به، وقد ظلّ طول حياته أشدّ الناس زهدا في المادة ورغبة عنها. وما إقباله عليها وقد كان الزهد بعض طبعه؟! وكان لا يحتاج من الحياة إلى أكثر مما يقيم صلبه! أليس هو الذي عرف عنه كلّ حياته حرصه على شظف العيش ودعوة الناس إلى الاستمتاع بخشونة الحياة؟ والذين يتوقون إلى المال ويلهثون في طلبه إنما يبتغونه لإرضاء شهوات لم يعرف محمد طوال حياته شيئا منها. واللذّة النفسيّة الكبرى، لذة الاستمتاع بما في الكون من جمال ومن دعوة إلى التأمل، هذه اللذّة العظيمة التي لا يعرفها إلا الأقلون، والتي كانت لذة محمد منذ نشأته ومنذ أرته الحياة في نعومة أظفاره ذكريات بقيت مطبوعة في نفسه داعية إلى الزهد في الحياة، وأولاها موت أبيه وهو ما يزال جنينا، ثم موت أمه، ثم موت جدّه- هذه اللذة ليست في حاجة إلى ثروة من المال وإن تكن في حاجة إلى ثروة نفسية طائلة يعرف الإنسان معها كيف يعكف على نفسه ويعيش بها وفي دخيلتها. ولو أن محمدا ترك وشأنه يومئذ لما نازعته نفسه إلى شيء من المال، ولظلّ سعيدا بهذا الحال، حال الرّعاة المفكرين الذين ينتظمون الكون في أنفسهم، والذين يحتويهم الكون في حبّة قلبه.

стр. 77

لكن عمه أبا طالب كان، كما قدّمنا، حليف فقر كثير عيال. لذلك رأى أن يجد لابن أخيه سببا للرزق أوسع مما يجيئه من أصحاب الغنم التي يرعى. فبلغه يوما أن خديجة بنت خويلد تستأجر رجالا من قريش في تجارتها، وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها يضاربون لها به بشيء تجعله لهم. ولقد زاد في ثروتها أنها، وكانت من بني أسد، قد تزوّجت مرّتين في بني مخزوم مما جعلها من أوفر أهل مكة غنى. وكانت تقوم على مالها بمعونة أبيها خويلد وبعض ذوي ثقتها. وقد ردّت خطبة الذين خطبوها من كبار قريش؛ لأنها كانت تعتقد أنهم ينظرون إلى مالها. واعتزمت أن تقف جهدها على تنمية ثروتها. وإذ علم أبو طالب أنها تجهز لخروج تجارتها إلى الشام مع القافلة نادى ابن أخيه، وكان يومئذ في الخامسة والعشرين من سنه، وقال له: يا ابن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتدّ الزمان علينا. وقد بلغني أن خديجة استأجرت فلانا ببكرين، ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته فهل لك أن أكلمها؟ قال محمد: ما أحببت! فخرج أبو طالب إليها فقال لها: هل لك يا خديجة أن تستأجري محمدا؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين، ولسنا نرضى لمحمد دون أربعة بكار. وكان جواب خديجة: لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألته لحبيب قريب! وعاد العمّ إلى ابن أخيه يذكر له الأمر ويقول له: هذا رزق ساقه الله إليك. محمد في تجارة خديجة خرج محمد مع ميسرة غلام خديجة بعد أن أوصاه أعمامه به. وانطلقت القافلة في طريق الصحراء إلى الشام مارّة بوادي القرى ومدين وديار ثمود بتلك البقاع التي مرّ بها محمد مع عمّه أبي طالب وهو في الثانية عشرة من عمره. وأحيت هذه الرحلة في نفسه ذكريات الرحلة الأولى، كما زادته تأملا وتفكيرا في كل ما رأى وسمع من قبل عن العبادات والعقائد بالشام أو بالأسواق المحيطة بمكة. فلما بلغ بصرى اتّصل بنصرانية الشام وتحدّث إلى رهبانها وأحبارها وتحدّث إليه راهب نسطوريّ وسمع منه. ولعلّه أو لعلّ غيره من الرهبان قد جادل محمدا في دين عيسى، هذا الدين الذي كان قد انقسم يومئذ شيعا وأحزابا، كما بسطنا من قبل. واستطاع محمد بأمانته ومقدرته أن يتّجر بأموال خديجة تجارة أوفر ربحا مما فعل غيره من قبل، واستطاع بحلو شمائله وجمال عواطفه أن يكسب محبّة ميسرة وإجلاله. فلما آن لهم أن يعودوا ابتاع لخديجة من تجارة الشام لك ما رغبت إليه أن يأتيها به. فلمّا بلغت القافلة مرّ الظّهران في طريق عودتها، قال ميسرة: يا محمد، أسرع إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك فإنها تعرف ذلك لك. وانطلق محمد حتى دخل مكة في ساعة الظّهيرة، وكانت خديجة في علّيّة لها، فرأته وهو على بعيره؛ ونزلت حين دخل دارها واستقبلته. واستمعت إليه يقص بعبارته البليغة الساحرة خبر رحلته وربح تجارته وما جاء به من صناعة الشام، وهي تنصت مغتبطة مأخوذة. وأقبل ميسرة من بعد فروى لها عن محمد ورقة شمائله وجمال نفسه ما زادها علما به فوق ما كانت تعرف من فضله على شباب مكة. ولم يك إلا ردّ الطرف حتى انقلبت غبطتها حبّا جعلها وهي في الأربعين من سنّها، وهي التي ردّت من قبل أعظم قريش شرفا ونسبا، تود أن تتزوج من هذا الشابّ الذي نفذت نظراته ونفذت كلماته إلى أعماق قلبها. وتحدّثت في ذلك إلى أختها على قول، وإلى صديقتها نفيسة بنت منية على قول آخر. وذهبت نفيسة دسيسا إلى محمد فقالت له: ما يمنعك أن تتزوّج؟ قال: ما بيدي ما أتزوّج به. قالت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ أجابت نفيسة بكلمة واحدة: خديجة. قال محمد: كيف لي بذلك؟! وكان قد انس هو أيضا إلى خديجة وإن لم تحدّثه نفسه بزواج منها لما كان يعلم من ردّها أشراف قريش وأغنياءها. فلما قالت له نفيسة جوابا عن سؤاله: عليّ ذلك، سارع إلى إعلان

стр. 78

قبوله. ولم تبطئ خديجة أن حدّدت الساعة التي يحضر فيها مع أعمامه ليجدوا أهلها عندها فيتم الزواج. وزوجها عمها عمر بن أسد، لأن خويلدا كان قد مات قبل حرب الفجار، مما يكذّب ما يروى من أنه كان حاضرا ولم يكن راضيا هذا الزواج، وأن خديجة سقته خمرا حتى أخذت فيه، وحتى زوّجها محمدا. وهنا تبدأ صفحة جديدة من حياة محمد: تبدأ حياة الزوجية والأبوة. الزوجية الموفقة الهنية من جانبه وجانب خديجة جميعا، والأبوّة التي تعرف من الآلام لفقد الأبناء ما عرف محمد في طفولته لفقد الآباء.

стр. 79

الفصل الرّابع من الزواج إلى البعث صفة محمد - بناء المكيين الكعبة- حكم محمد بينهم في الحجر الأسود- حكماء قريش والوثنية- ابناء محمد وبناته- موت ابنائه- زواج بناته- ميل محمد للعزلة- تحنثه في حراء- الرؤيا الصادقة- أول الوحي. تزوج محمد من خديجة بعد أن أصدقها عشرين بكرة. وانتقل إلى بيتها ليبدأ وإياها صفحة جديدة من صفحات الحياة، صفحة الزوجية والأبوّة، وليبادلها من جانبه حبّ شاب في الخامسة والعشرين لم يعرف نزوات الشباب ولا طيشه، ولا هو عرف هذا الحب الأهوج يبدأ كأنه الشعلة المتوهّجة لينطفئ من بعد ذلك سراجه، وليرزق منها البنين والبنات؛ فيحتسب ولديه القاسم وعبد الله الطاهر الطيب «١» بما يثير في نفسه لاعج الحزن والألم، وتبقى له بناته وهو بهنّ البر والشفقة، وهنّ له الإكرام والإعزاز الخالص. صفة محمد وكان محمد وسيم الطّلعة، ربعة في الرجال ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، ضخم الرأس، ذا شعر رجل شديد سواده، مبسوط الجبين فوق حاجبين سابغين منوّنين متّصلين، واسع العينين أدعجهما، تشوب بياضهما في الجوانب حمرة خفيفة وتزيد في قوة جاذبيتهما وذكاء نظرتهما أهداب طوال حوالك، مستوى الأنف دقيقه، مفلّج الأسنان، كثّ اللحية، طويل العنق جميله، عريض الصدر رحب الساحتين، أزهر اللون، ششن الكفين والقدمين (أي غليظهما) ، يسير ملقيا جسمه إلى الأمام مسرع الخطو ثابته، على ملامحه سيما التفكير والتأمل، وفي نظرته سلطان الآمر الذي يخضع الناس لأمره. فلا عجب وتلك صفته أن نجمع خديجة بين حبه والإذعان له، ولا عجب أن تعفيه من تدبير مالها لتقوم هي على هذا التدبير كدأبها من قبل، وأن تدع له ما شاء من فسحة الوقت ليفكر وليتأمل. وأقام محمد وقد أغناه الله بزواج خديجة في ذروة من النسب وسعة من المال، وأهل مكة جميعا ينظرون إليه نظرة غبطة وإكبار. وكان في شغل عن نظرتهم بما أسبغه الله عليه من فضله، وبما يبشره به خصب خديجة من عقب صالح. لكن ذلك لم يصرفه عن الاختلاط بهم والأخذ معهم بنصيب في الحياة العامة على ما كان يفعل

стр. 80

من قبل، بل لقد زاده جاها بينهم ومكانة فيهم، وزاده لذلك تواضعا على جمّ تواضعه. فلقد كان على عظيم ذكائه وظاهر تبريزه حسن الإصغاء إلى محدّثه لا يلوي عن أحد وجهه، ولا يكتفي بإلقاء السمع إلى من يحدّثه، بل يلتفت إليه بكل جسمه. وكان قليل الكلام، كثير الإنصات، ميّالا للجدّ من القول، وإن كان لا يأبى أن يشارك في مفاكهة وأن يمزح ثم لا يقول إلا حقّا. وكان يضحك أحيانا حتى تبدو نواجذه. فإذا غضب لم يظهر عليه من أثر الغضب إلا نفرة عرق بين حاجبيه. ذلك أنه كان يكظم غيظه ولا يريد أن يظهر غضبه، لما جبل عليه من سعة الصدر وصدق الهمة والوفاء للناس، ومن البر والجود وكرم العشرة، وما كان عليه إلى جانب ذلك من ثبات العزيمة وقوة الإرادة وشدة البأس ومضاء التصميم مضاء لا يعرف التردد. وهذه الصفات مجتمعة فيه كانت ذات أثر عميق في كل من اتصل به، فمن رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبّه. فما كان أعظم أثرها إذا فيما اتسق بينه وبين خديجة الزوجة الوفيّة من مودة صادقة ووفاء كامل! إعادة بناء الكعبة لم ينقطع محمد عن مخالطة أهل مكة والأخذ معهم بنصيب في الحياة العامة، وكانوا يومئذ في شغل بما أصاب الكعبة؛ فقد طغى عليها سيل عظيم انحدر من الجبال فصدع جدرانها بعد توهينها. وكانت قريش من قبل ذلك تفكر في أمرها. فهي لم تكن مسقوفة وكانت لذلك عرضة لانتهاب السارقين ما تحتوي من نفائس. لكن قريشا كانت تخشى إن هي شيدت بنيانها ورفعت بابها وسقفتها أن يصيبها من ربّ الكعبة المقدّسة شرّ وأذى. فقد كانت تحيط بها في مختلف عهود الجاهلية اساطير تخيف الناس من الإقدام على تغيير شيء من أمرها، وتجعلهم يعتبرون ذلك بدعا. فلما طغى عليها السيل لم يكن بدّ من الإقدام ولو في شيء من الخوف والتردد. وصادف أن رمى البحر إذ ذاك بسفينة قادمة من مصر مملوكة لتاجر ورمى اسمه باقوم فحطمها. وكان باقوم هذا بنّاء على شيء من العلم بالنجارة. فلما سمعت قريش بأمره خرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى جدّة، فابتاعوا السفينة من الرومي وكلّموه في أن يقدم معهم إلى مكة ليعاونهم في بناء الكعبة؛ وقبل باقوم. وكان بمكة قبطيّ يعرف نجر الخشب وتسويته؛ فوافقهم على أن يعمل لهم ويعاونه باقوم. هدم الكعبة وبناؤها ثم إن قريشا اقتسمت. جوانب أربعة، لكل قبيلة جانب تقوم بهدمه وبنائه. ولقد تردّدوا قبل هدمها مخافة أن يصيبهم أذى، ثم أقدم الوليد بن المغيرة في شيء من الخوف، فدعا آلهته وهدم بعض الجانب من الركن اليماني. وأمسى القوم ينتظرون ما الله فاعل بالوليد. فلما أصبح ولم يصبه شيء أقدموا يهدمون وينقلون الحجارة، ومحمد ينقل معهم، حتى انتهى الهدم إلى حجارة خضر ضربوا عليها بالمعول فارتدّ عنها؛ فاتخذوها أساسا للبناء فوقه، ونقلت قريش أحجار الجرانيت الأزرق من الجبال المجاورة وبدأت في البناء. فلما ارتفع إلى قامة الرجل وآن أن يوضع الحجر الأسود المقدّس في مكانه من الجانب الشرقيّ، اختلفت قريش أيهم يكون له فخار وضع الحجر في هذا المكان. واستحرّ الخلاف حتى كادت الحرب الأهلية تنشب بسببه. تحالف بنو عبد الدّار وبنو عدي أن يحولوا بين أية قبيلة وهذا الشرف العظيم؛ وأقسموا على ذلك جهد أيمانهم. حتى قرّب بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما وأدخلوا أيديهم فيه توكيدا لأيمانهم، ولذلك سموا «لعقة الدم» . فلما رأى أبو أميّة بن المغيرة المخزوميّ ما صار إليه أمر القوم، وكان أسنّهم وكان فيهم شريفا مطاعا، قال لهم: اجعلوا الحكم فيما بينكم أوّل من يدخل من باب الصّفا. فلما رأوا محمدا أوّل من دخل قالوا: هذا الأمين رضينا بحكمه. وقصّوا عليه قصتهم، وسمع هو لهم ورأى العداوة تبدو في عيونهم، ففكر قليلا ثم قال: هلمّ إليّ ثوبا، فأتى

стр. 81

به؛ فنشره وأخذ الحجر فوضعه بيده فيه، ثم قال: ليأخذ كبير كلّ قبيلة بطرف من أطراف هذا الثوب؛ فحملوه جميعا إلى ما يحاذي موضع الحجر من البناء، ثم تناوله محمد من الثوب ووضعه في موضعه، وبذلك انحسم الخلاف وانفضّ الشرّ. وأتمّت قريش بناء الكعبة حتى جعلت ارتفاعها ثماني عشرة ذراعا، ورفعوا بابها عن الأرض ليدخلوا من شاؤا ويمنعوا من شاؤا. وجعلوا في داخلها ست دعائم في صفّين، وجعلوا في ركنها الشامي من داخلها درجا يصعد به إلى سطحها. ووضع هبل في داخل الكعبة، كما وضعت في داخلها النفائس التي تعرضت من قبل بنائها وسقفها لمطامع اللصوص. اختلف في سن محمد حين بناء الكعبة وحين حكمه بين قريش في أمر الحجر، فقيل: كان ابن خمس وعشرين، وقال ابن إسحاق: كان ابن خمس وثلاثين. وسواء أصبحت الأولى أم الآخرى من هاتين الروايتين فإن إسراع قريش إلى الرضا بحكمه أوّل ما دخل من باب الصفا، وتصرفه هو في أخذ الحجر ووضعه على الثوب وأخذه من الثوب لوضعه مكانه من جدار الكعبة، يدلّ على ما كان له من مكانة سامية في نفوس أهل مكة ومن تقدير جمّ لما عرف عنه من سمّو النفس ونزاهة القصد. انحلال السلطة في مكة وأثره وهذا الخلاف بين القبائل، وهذا التحالف بين لعقة الدم، وهذا الاحتكام لأوّل مقبل من باب الصفا، يدلّ على أن السلطة في مكة كانت انحلّت، فلم يبق لرجل منها ما كان لقصيّ ولا لهاشم ولا لعبد المطلب من سلطان. ولقد كان لتنازع بني هاشم وبني أميّة السلطان بعد وفاة عبد المطلب أثره في ذلك لا ريب. وكان الانحلال في السلطة جديرا بأن يجرّ على مكة الأذى، لولا ما كان لبيتها العتيق في نفوس العرب جميعا من تقديس. وأدّى انحلال السلطان إلى نتيجته الطبيعية؛ أدّى إلى مزيد من حرية الناس في التفكير والجهر بالرأي، وإلى إقدام اليهود والنصارى، ممن كانوا يخافون صاحب السلطان، على تعيير العرب عبادة الأوثان. وانتهى ذلك بكثير من أهل مكة ومن القرشيين أنفسهم إلى أن زال من نفوسهم تقديس الأصنام، وإن ظلّ أمجاد مكة وسادتها يظهرون لها التقديس والعبادة. ولهؤلاء من العذر ما للذين يرون في الدين القائم وسيلة من وسائل ضبط النظام وعدم تبلبل الأفكار، وفي عبادة الأصنام بالكعبة ما يحفظ على مكة مكانتها الدينية والتجارية. وقد ظلّت مكة بالفعل تنعم من وراء هذه المكانة بالرخاء واتصال التجارة، لكن ذلك لم يغير من زوال تقديس الأصنام في نفوس المكيّين. بدء انحلال الوثنية ذكروا أن قريشا اجتمعت يوما بنخلة تحيي عيد العزّى، فخلص منهم أربعة نجيّا، هم زيد بن عمرو، وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش وورقة بن نوفل؛ فقال بعضهم لبعض: «تعلموا والله ما قومكم على شيء وإنهم لفي ضلال. فما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضرّ ولا ينفع، ومن فوقه يجري دم النحور! يا قوم التمسوا لكم دينا غير هذا الدين الذي أنتم عليه» . أمّا ورقة فدخل النّصرانية، وقيل: إنه نقل إلى العربية بعض ما في الأناجيل. وأمّا عبيد الله بن جحش فظلّ فيما هو فيه من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، وهناك دخل في النصرانية ومات عليها، وأقامت امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان على الإسلام حتى صارت من أزواج النبيّ أمهات المؤمنين. وأمّا زيد بن عمرو ففر من وجه زوجه ومن عمّه الخطاب، وطوّف في الشام وفي العراق ثم عاد ولم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه واعتزل الأوثان، وكان يقول وهو مستند إلى الكعبة: «اللهم لو أني أعلم أيّ الوجوه أحبّ إليك لعبدتك به، ولكني

стр. 82

لا أعلمه» . وأما عثمان بن الحويرث، وكان من ذوي قرابة خديجة، فذهب إلى بيزنطية وتنصر وحسنت مكانته عند قيصر ملك الروم ويقال: إنه أراد أن يخضع مكة لحماية الرّوم وأن يكون عامل قيصر عليها، فطرده المكيون فاحتمى بالغساسنة في الشام، وأراد أن يقطع الطريق على تجارة مكة، فوصلت إلى الغساسنة هدايا المكيين، فمات ابن الحويرث عندهم مسموما. أبناء محمد تعاقبت السنون ومحمد يشارك أهل مكة في حياتهم العامة، ويجد في خديجة خير النساء حقّا: الودود والولود التي وهبت نفسها له، والتي أنجبت له من الأبناء القاسم وعبد الله الملقب بالطاهر وبالطيب، ومن البنات زينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة. أمّا القاسم وعبد الله فلم يعرف عنهما إلا أنهما ماتا طفلين في الجاهلية لم يتركا على الحياة أثرا يبقى أو يذكر؛ لكنهما من غير شك قد ترك موتهما في نفس أبويهما ما يتركه موت الابن من أثر عميق، وترك موتهما من غير شك في نفس خديجة ما جرح أمومتها جرحين داميين. وهي لا ريب قد اتجهت عند موت كل واحد منهما في الجاهلية إلى آلهتها الأصنام تسألها: ما بالها لم تشملها برحمتها وبرها، وما بالها لم ترحم قلبها من أن يهوى به الثّكل ليتحطم على قرارة الحزن مرة فمرّة! وقد شعر معها زوجها لا ريب بالألم لوفاة ابنيه، كما حزّ في قلبه هذا الألم الحيّ ممثلة صورته في زوجه يراه كلما عاد إلى بيته وجلس إليها. وليس يتعذّر علينا أن نقدر عمق هذا الحزن السحيق في عصر كانت البنات يوأدن فيه، وكان الحرص على العقب الذكر يوازي الحرص على الحياة بل يزيد عليه. وبحسبك مظهرا لهذا الألم أن لم يطق محمد على الحرمان صبرا، حتى إذا جيء بزيد بن حارثة يشترى، طلب إلى خديجة أن تبتاعه ففعلت، ثم أعتقه وتبناه، فكان يدعى زيد بن محمد، واستبقاه ليكون من بعد من خيرة أتباعه وصحبه. ولقد حزن محمد من بعد حين مات ابنه إبراهيم أشد الحزن بعد أن حرّم الإسلام وأد البنات، وبعد أن جعل الجنة تحت أقدام الأمهات. فلا ريب إذا أن قد كان لما أصاب محمدا في بنيه ما هو جدير بأن يترك في حياته وتفكيره أثره. ولا ريب في أنه استوقف تفكيره ولفت نظره في كل واحدة من هذه الفواجع ما كانت خديجة تتقرّب به إلى أصنام الكعبة، وما كانت تنحر لهبل وللّات والعزّى ولمناة الثالثة الآخرى، تريد أن تتفادى ممّا ألمّ بها من ألم الثكل، فلا تفيد القرابين ولا تجدي النحور. وأما البنات فقد عني محمد بتزويجهن من أكفاء لهن: زوّج زينب كبراهن من أبي العاص بن الرّبيع بن عبد شمس، وكانت أمّه أختا لخديجة، وكان فتى مقدّرا من قومه لاستقامته ونجاح تجارته. وكان هذا الزواج موفقا على الرغم مما كان بعد الإسلام، حين أرادت زينب الهجرة من مكة إلى المدينة، من فرقة بينهما سنرى من بعد تفصيلها. وزوّج رقيّة وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني عمه أبي لهب. ولم تبق هاتان الزوجتان مع زوجيهما بعد الإسلام؛ إذ أمر أبو لهب إبنيه بتسريحهما، فتزوجهما عثمان واحدة بعد الآخرى. وكانت فاطمة ما تزال طفلة فلم تزوج من عليّ إلا بعد الإسلام. حياة طمأنينة ودعة إذا كانت حياة محمد في هذه السنين من عمره. ولولا احتسابه بنيه لكانت حياة نعمة بمودّة خديجة ووفائها، وبهذه الأبوة السعيدة الراضية. طبيعيّ لذلك أن يترك نفسه لسجيّتها، سجية التفكير والتأمل، وأن يستمع إلى قومه فيما كان حوارهم يقع عليه من أمور أصنامهم، وما كان النصارى واليهود يقولونه لهم، وأن يفكر ويتدبّر وأن يكون أشدّ من كل قومه تدبرا وتفكيرا. فهذا الروح القويّ الملهم، هذا الروح الذي أعدّته الأقدار ليبلّغ الناس من بعد رسالات ربه ويوجّه حياة العالم الروحية الاتجاه الحقّ، لا يمكن أن يظل مطمئنّا إلى ما غرق الناس فيه إلى الأذقان من ضلال، ولا بد أن يلتمس في الكون أسباب الهدى، حتى

стр. 83

يعدّه الله ليلقى عليه ما قدّر في الغيب من رسالته. ومع عظيم توجهه إلى هذه الناحية الروحية وشديد تعلقه بها، لم يكن يريد لنفسه أن يكون من طراز الكهّان، ولا أراد أن ينصب نفسه حكيما على نحو ما كان ورقة بن نوفل وأمثاله؛ إنما كان يريد الحق لنفسه، فكان لذلك كثير التفكير، طويل التأمل، قليل الإفضاء إلى غيره بما يجيش بنفسه من آثار تفكيره وتأمله. في غار حراء وقد كان من عادة العرب إذ ذاك أن ينقطع مفكروهم للعبادة زمنا في كل عام يقضونه بعيدا عن الناس في خلوة، يتقربون إلى آلهتهم بالزهد والدعاء، ويتوجهون إليها بقلوبهم يلتمسون عندها الخير والحكمة وكانوا يسمون هذا الانقطاع للعبادة التحنف والتحنث. وقد وجد محمد فيه خير ما يمكّنه من الإمعان فيما شغلت به نفسه من تفكير وتأمل، كما وجد فيه طمأنينة نفسه وشفاء شغفه بالوحدة يتلمس أثناءها الوسيلة إلى ما لم يبرح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما في الكون من أسبابها. وكان بأعلى جبل حراء- على فرسخين من شمال مكة- غار هو خير ما يصلح للانقطاع والتحنث، فكان يذهب إليه طول شهر رمضان من كل سنة يقيم به مكتفيا بالقليل من الزاد يحمل إليه ممعنا في التأمل والعبادة، بعيدا عن ضجّة الناس وضوضاء الحياة، ملتمسا الحق، والحق وحده. ولقد كان يشتد به التأمل ابتغاء الحقيقة حتى لقد كان ينسى نفسه وينسى طعامه وينسى كل ما في الحياة؛ لأن هذا الذي يرى في حياة الناس مما حوله ليس حقّا. وهناك كان يقلّب في صحف ذهنه كل ما وعى فيزداد عما يزاول الناس من ألوان الظن رغبة وأزورارا. التماس الحقيقة وهو لم يكن يطمع في أن يجد في قصص الأحبار وفي كتب الرهبان الحق الذي ينشد، بل في هذا الكون المحيط به: في السماء ونجومها وقمرها وشمسها، وفي الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرّطب الندي، وفي البحر وموجه، وفي كل ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود وتشمله وحدة الوجود. في هذا الكون كان يلتمس الحقيقة العليا، وكان ابتغاء إدراكها يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتّصل بهذا الكون وليخترق الحجب إلى مكنون سرّه. ولم يكن في حاجة إلى كثير من التأمل ليرى أن ما يباشر قومه من شؤون الحياة وما يتقرّبون به إلى آلهتهم ليس حقّا. فما هذه الأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع، ولا تخلق ولا ترزق، ولا تدفع عن أحد غائلة شر يصيبه! وهبل واللّات والعزّى، وكل هذه الأنصاب والأصنام القائمة في جوف الكعبة أو حولها، لم تخلق يوما ذبابة ولا جادت مكة بخير! ولكن! أين الحق إذا؟ أين الحق في هذا الكون الفسيح بأرضه وسماواته ونجومه؟ أهو في هذه الكواكب المضيئة التي تبعث إلى الناس النور والدّفء، ومن عندها ينحدر ماء المطر؛ فتكون للناس، ولأهل الأرض كافة من خلائق، حياة بالماء والنور والدفء؟ كلا! فما هذه الكواكب إلا أفلاك كالأرض سواء. أهو فيما وراء هذه الأفلاك من أثير لا حد ولا نهاية له؟ ولكن ما الأثير؟ وهذه الحياة التي نحيا اليوم فتنقضي غدا، ما أصلها وما مصدرها؟! أمصادفة تلك التي أوجدت الأرض وأوجدتنا عليها؟ لكن للأرض وللحياة سنّنا ثابتة لا تبديل لها ولا يمكن أن تكون المصادفة أساسها. وما يأتي الناس من خير أو شر، أفيأتونه طواعية واختيارا، أم هو بعض سليقتهم فلا سلطان لاختيارهم عليه؟ في هذه الأمور النفسية والروحية كان محمد يفكر أثناء انقطاعه وتعبده بغار حراء، وكان يريد أن يرى الحق فيها وفي الحياة جميعا. وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده، ويشغله لذلك عن هذه الحياة وصبحها ومسائها. فإذا انقضى شهر

стр. 84

رمضان عاد إلى خديجة وبه من أثر التفكير ما يجعلها تسائله تريد أن تطمئنّ إلى أنه بخير وعافية. أفكان محمد يتعبّد أثناء تحنثه ذاك على شرع بذاته؟ هذا أمر اختلف العلماء فيه. وقد روى ابن كثير في تاريخه طرفا من آرائهم في الشرع الذي كان يتعبّد عليه: فقيل شرع نوح، وقيل إبراهيم، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما سبقه، فهو الذي يتّفق وما شغف محمد به من التأمل ومن التفكير على أساس هذا التأمل.. الرؤيا الصادقة وكان إذا استدار العام وجاء شهر رمضان ذهب إلى حراء وعاد إلى تفكيره ينضجه شيئا فشيئا وتزداد نفسه به امتلاء. وبعد سنوات شغلت أثناءها هذه الحقائق العليا نفسه، صار يرى في نومه الرؤيا الصادقة تنبلج أثناءها أمام باصرته أنوار الحقيقة التي ينشد، ويرى معها باطل الحياة وغرور زخرفها. إذ ذاك آمن أن قومه قد ضلوا سبيل الهدى، وأن حياتهم الروحيّة قد أفسدها الخضوع لأوهام الأصنام وما إليها من عقائد متصلة بها ليست دونها ضلالا وليس فيما يذكر اليهود وما يذكر النصارى ما ينقذ قومه من ضلالهم. ففيما يذكر هؤلاء وأولئك حقّ؛ لكن فيه كذلك ألوانا من الوهم، وصورا من الوثنية، لا يمكن أن تتفق مع الحق المجرّد البسيط الذي لا يعرف كل هذه المضاربات الجدلية العقيمة مما يمعن فيه هؤلاء وأولئك من أهل الكتاب. وهذا الحق هو الله خالق الكون لا إله إلا هو. وهذا الحق هو أن الله رب العالمين. هو الرحمن الرحيم. وهذا الحق هو أن الناس مجزيون بأعمالهم. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) «١» ، وأن الجنة حقّ والنار حق، وأن الذين يعبدون من دون الله إلها آخر لهم جهنم، وساءت مستقرّا ومقاما. وشارف محمد الأربعين، وذهب إلى حراء يتحنث وقد امتلأت نفسه إيمانا بما رأى في رؤاه الصادقة، وقد خلصت نفسه من الباطل كله، وقد أدّبه ربه فأحسن تأديبه، وقد اتجه بقلبه إلى الصراط المستقيم وإلى الحقيقة الخالدة، وقد اتجه إلى الله بكل روحه أن يهدي قومه بعد أن ضربوا في تيهاء الضلال. وهو في توجّهه هذا يقوم ويرهف ذهنه وقلبه، ويطيل الصوم، وتثور به تأملاته، فينحدر من الغار إلى طرق الصحراء، ثم يعود إلى خلوته ليعود فيمتحن ما يدور بذهنه وما يتبين له في رؤاه. ولقد طالت به الحال ستة أشهر، حتى خشي على نفسه عاقبة أمره، فأسرّ بمخاوفه إلى خديجة وأظهرها على ما يرى، وأنه يخاف عبث الجن به. فطمأنته الزوج المخلصة الوفيّة، وجعلت تحدثه بأنه الأمين، وبأن الجن لا يمكن أن تقترب منه، وإن لم يدر بخاطرها ولا بخاطره أن الله يهيئ مصطفاه بهذه الرياضة الروحية إلى اليوم العظيم، وإلى النبأ العظيم، يوم الوحي الأول، ويهيئه بها إلى البعث والرسالة. أول الوحي (سنة ٦١٠ م) وفيما هو نائم بالغار يوما جاءه ملك وفي يده صحيفة، فقال له: اقرأ. فأجاب مأخوذا: ما أقرا! فأحس كأن الملك يخنقه ثم يرسله ويقول له: اقرأ. قال محمد: ما أقرأ! فأحس كأن الملك يخنقه كرّة أخرى، ثم يرسله ويقول: اقرأ. قال محمد- وقد خاف أن يخنق مرّة أخرى- ماذا أقرأ؟! قال الملك: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ

стр. 85

يَعْلَمْ) «١» فقرأها وانصرف الملك عنه وقد نقشت في قلبه «٢» . ولكنه ما لبث أن استيقظ فزعا يسأل نفسه: أيّ شيء رأى؟ أتراه أصابه ما كان يخشى من جنّة؟ وتلفّت يمنة ويسرة فلم ير شيئا. ومكث برهة أصابته فيها رعدة الخوف وتولاه أشدّ الوجل، وخاف ما قد يكون بالغار، ففر منه وكله حيرة لا يستطيع تفسير ما رأى. وانطلق هائما في شعاب الجبل يسائل نفسه عمّن دفعه ليقرأ. لقد كان إلى يومئذ يرى وهو في تحنثه الرؤيا الصادقة تنبلج من خلال تأمله فتملأ صدره فتضيء أمامه وتدله على الحق أين هو، وتنير له حجب الظلمات التي زجّت قريشا في وثنيتهم إلى عبادة أصنامهم. وهذا النور الذي أضاء أمامه وهذا الحق الذي هداه سبيله هو الواحد الأحد. فمن هذا المذكّر به، وبأنه الذي خلق الإنسان، وبأنه الأكرم الذي علم الإنسان بالقلم ما لم يعلم؟ وتوسّط الجبل وهو في هذه الحال من فزع وخشية ومساءلة، فسمع صوتا يناديه، فأخذه الرّوع ورفع رأسه إلى السماء، فإذا الملك في صورة رجل هو المنادي. وزاد به الفزع ووقفه الرعب مكانه، وجعل يصرف وجهه عما يرى، فإذا هو يراه في آفاق السماء جميعا ويتقدم ويتأخّر فلا تنصرف صورة الملك الجميل من أمامه. وأقام على ذلك زمنا كانت خديجة قد بعثت أثناءه من يلتمسه في الغار فلا يجده. فلما انصرفت صورة الملك رجع محمد ممتلئا بما أوحي إليه، وفؤاده يجف وقلبه يضطرب خوفا وهلعا. ودخل على خديجة وهو يقول زملوني، فزمّلته وهو يرتعد كأن به الحمّى. فلما ذهب عنه الرّوع نظر إلى زوجه نظرة المستنجد، وقال: يا خديجة! مالي!؟ وحدّثها بالذي رأى، وأفضى إليها بمخاوفه أن تخدعه بصيرته أو أن يكون كاهنا. وكانت خديجة، كما كانت أيام تحنثه في الغار ومخاوفه أن تكون به جنّة، ملك الرحمة وملاذ السلام لهذا القلب الكبير الخائف الوجل. لم تبد له أي خوف أو ريبة، بل رنت إليه بنظرة الإكبار وقالت: أبشر يابن عمّ وأثبت. فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة. والله لا يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» . واطمأن روع محمد وألقى على خديجة نظرة شكر ومودة ثم أحسّ جسمه متعبا في حاجة إلى النوم فنام. نام ليستيقظ من بعد لحياة روحية قوية غاية القوة؛ حياة تأخذ بالأبصار والألباب، ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه الله والحق والإنسانية. تلك رسالة ربه يبلغها ويدعو الناس إليها بالتي هي أحسن، حتى يتمّ الله نوره ولو كره الكافرون.

стр. 86

الفصل الخامس من البعث إلى إسلام عمر حديث خديجة وورقة بن نوفل- فتور الوحي- إسلام أبي بكر- المسلمون الأولون- دعوة محمد أهله للإسلام- إغراء قريش شعراءها بمحمد- ذكر محمد آلهة قريش بالسوء- سفارة قريش إلى أبي طالب- موقف محمد من عمه- تعذيب قريش المسلمين- هجرة المسلمين للحبشة- إسلام عمر. نام محمد وحدقت فيه خديجة وقد امتلأ قلبها إشفاقا وأملا لهذا الذي سمعت منه. فلمّا رأته استغرق في نوم مطمئن هادئ، تركته وخرجت تقلّب في نفسها هذا الذي هز قلبها وأثار هواجسها، وتفكّر في الغد ترجوه خيرا، وترجو أن يكون زوجها نبيّ هذه الأمة العربيّة التي غرقت في الضلال؛ يهديها دين الحقّ ويدلها على الصراط المستقيم. ولكنها، مع ذلك كانت تخشى هذا الغد أشد الخشية على هذا الزوج البار الوفي الحميم. وطفقت تعرض أمام بصيرتها ما قص عليها، وتتخيل الملك الجميل الذي تعرض له في السماء بعد أن أوحى إليه كلمات ربه، والذي ملأ عليه الوجود كله حينما كان يراه أينما صرف وجهه، وتستعيد الكلمات التي تلا محمد بعد أن نقشت في صدره. جعلت تعرض ذلك كله أمام بصيرتها فتفتر شفتاها طورا عن ابتسامة الأمل، وتنكمش أساريرها طورا آخر خيفة ما قد يكون أصاب الأمين. ولم تطق البقاء في وحدتها طويلا، تنتقل من الأمل الحلو الباسم إلى الريبة والإشفاق المخوف، ففكرت بأن تفضي بما في نفسها إلى من تعرف فيه الحكمة ومحض النصيحة. حديث ورقة لخديجة لذلك انطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل؛ وكان كما قدّمنا، قد تنصّر وعرف الإنجيل ونقل بعضه إلى العربية. فلمّا أخبرته بما رأى محمد وسمع، وقصت عليه كل ما حدثها به، وذكرت له إشفاقها وأملها، أطرق مليّا ثم قال. قدّوس قدّوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت» . وعادت خديجة فألفت محمدا ما يزال نائما، فحدقت فيه وكلها الحب والإخلاص، وكلها الإشفاق والأمل. وفيما هو في هدأة نومه إذا به اهتز وثقل تنفسه وبلل العرق جبينه يقوم ليستمع إلى الملك يوحي إليه: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) «١» .

стр. 87

ورأته خديجة كذلك فازدادت إشفاقا، وتقدّمت إليه في رقة وضراعة أن يعود إلى فراشه وأن ينام ليستريح. فكان جوابه- أو كما قال- انقضى يا خديجة عهد النوم والراحة، فقد أمرني جبريل أن أنذر الناس وأن أدعوهم إلى الله وإلى عبادته. فمن ذا أدعو؟ ومن ذا يستجيب لي؟ فجهدت خديجة تهون عليه الأمر وتثبته. وسارعت فقصت عليه نبأ ورقة وما حدثها به، ثم أعلنت إليه في شوق ولهف إسلامها له وإيمانها بنبوّته. وكان طبيعيّا أن تسارع إلى الإيمان به، وقد جربت عليه طول حياته الأمانة والصدق وعلو النفس وحب البر والرحمة، رأته في سنوات تحنثه كيف شغلت نفسه بالحق وحده، يطلبه مرتفعا بقلبه وبروحه وبعقله فوق أوهام الناس ممن يعبدون الأصنام ويقرّبون لها القرابين، وممن يرون فيها آلهة يزعمونها تضر وتنفع، ويتوهمونها خليقة بالعبادة والإجلال. رأته في سنوات تحنثه كما رأت كيف كان حاله أول عوده من حراء بعد البعث وهو في أشد الحيرة من أمره. ولقد طلبت إليه متى جاءه الملك أن يخبرها. فلما رآه أجلسته على فخذها اليسرى ثم على فخذها اليمنى، ثم في حجرها وهو ما يزال يراه، فحسرت وألقت خمارها فإذا هو لا يراه؛ فلم يبق ريب عندها في أنه ملك وليس بشيطان. ورقة ومحمد وخرج محمد من بعد ذلك يوما للطواف بالكعبة، فلقيه ورقة بن نوفل. فلما قص عليه محمد أمره قال ورقة: «والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة. ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى. ولتكذّبن، ولتؤذينّ، ولتخرجنّ، ولتقاتلنّ. ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنّ الله نصرا يعلمه» . ثم أدنى منه رأسه فقبّل يافوخه. وشعر محمد بصدق ورقة في قوله وبثقل ما ألقى عليه، وطفق يفكر كيف يدعو قريشا إلى ما آمن به وهو يعلم أنهم أحرص ما يكونون على باطلهم، حتى ليقاتلون في سبيله ويقتلون، وهم من بعد أهله وعشيرته الأقربون. إنهم في ضلال، وإن ما يدعوهم إليه هو الحق. فهو يدعوهم إلى الارتفاع بقلوبهم وبأرواحهم لتتصل بالله الذي خلقهم وخلق من قبل آباءهم، ليعبدوه مخلصين له الدين طاهرة نفوسهم. وهو يدعوهم ليتقرّبوا إلى الله بالعمل الصالح وإيتاء ذي القربى حقّه وابن السبيل، ولينبذوا عبادة هذه الأحجار التي اتخذوا منها أصناما يزعمون أنها تغفر لهم ما يمنعون فيه من لهو وفسوق، ومن أكل الرّبا ومال اليتيم، فإذا عبادتها تحيل نفوسهم وقلوبهم أشدّ من الأصنام تحجرا وقسوة! وهو يهيب بهم أن ينظروا إلى ما في السموات والأرض من خلق الله لتمتثل نفوسهم ذلك كله وتدرك ما له من خطر وجلال، فتعظم بإدراكها سنّة ما في السموات وما في الأرض، ثم تعظم بعبادتها خالق الوجود كله وحده لا شريك له، وتسمو لذلك عن كل وضيع، وتتعالى عن كل دون، وتأخذها الرحمة بكل من لم يهده الله وتعمل لهدايته، وتكون البرّ لكل يتيم ولكل بائس أو ضعيف. نعم! إلى هذا أمره الله أن يدعوهم. لكن هذه القلوب القاسية، وهذه الأرواح الغلاظ قد يبست على عبادة ما كان يعبد آباؤها. ووجدت فيه تجارة تجعل مكة مركز حجيج عبدة الأصنام! أفيتركون دين آبائهم ويعرّضون مكانة مدينتهم لما قد تتعرّض له إذا لم يبق على عبادة الأصنام أحد؟! ثم كيف تطهر هذه القلوب وتخلص من أدران شهواتها، والشهوة تهبط بها إلى إرضاء بهيميّتها، في حين هو ينذر الناس أن يرتفعوا فوق شهواتهم وفوق أصنامهم؟ وإذا هم لم يؤمنوا به. فماذا عسى أن يفعل؟ هذه هي المسألة الكبرى؟

стр. 88

فتور الوحي ونزول سورة الضحى انتظر هداية الوحي إيّاه في أمره وإنارة سبيله، فإذا الوحي يفتر! وإذا جبريل لا ينزل عليه، وإذا ما حوله سكينة صامتة جعلته في وحدة من الناس ومن نفسه، وردّته إلى مثل مخاوفه قبل نزول الوحي. وقد روي أن خديجة قالت له: ما أرى ربك إلا قد قلاك. وتولاه الخوف والوجل، فهما يبتعثانه من جديد يطوي الجبال وينقطع في حراء يرتفع بكل نفسه ابتغاء وجه ربّه يسأله: لم قلاه بعد أن اصطفاه؟ ولم تكن خديجة أقلّ منه إشفاقا ووجلا. ويتمنى الموت صادقا لولا أنه كان يشعر بما أمر به فيرجع إلى نفسه ثم إلى ربه ولقد قيل: إنه فكر في أن يلقي بنفسه من أعلى حراء أو أبي قبيس. وأي خير في الحياة وهذا أكبر أمله فيها يذوي وينقضي! وإنه لكذلك تساوره هذه المخاوف إذ جاءه الوحي بعد طول فتوره، ونزل عليه بقوله تعالى: (وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى. وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ. وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) «١» . الدعوة إلى الحق وحده يا لجلال الله! أيّة سكينة للنفس، وغبطة للقلب، وبهجة للفؤاد! انجابت مخاوف محمد وزال كل روعه، وارتسمت على ثغره ابتسامة الرضا، وافترّت شفتاه عن معاني الحمد وآي التقديس والعبادة، لم يبق لما كانت تخشى خديجة من أن الله قلاه ولم يبق لفزعه وهلعه موضع، بل تولّاه الله وتولاها برحمته، وأزال كل خشية أو ريبة من نفسه. لا انتحار إذا، ولكن حياة ودعوة إلى الله، وإلى الله وحده. إلى الله العليّ الكبير تعنو له الجباه ويسجد له من في السموات والأرض جميعا. هو وحده الحقّ وكل ما يدعون من دونه الباطل. إليه وحده يتوجّه القلب، وبه وحده يجب أن تتعلق النفس، وفيه وحده يجب أن تفنى الرّوح، وللآخرة خير لك من الأولى. الآخرة التي تحيط فيها النفس بكل الوجود في كمال وحدته، والتي يتناهى إليها المكان والزمان وتنسى فيها اعتبارات هذه الحياة الوضيعة الأولى. الآخرة التي يصير فيها الضحى ولألاء شمسه الباهرة، والليل ودجاه الساجي، والسموات والكواكب والأرض والجبال كلّا واحدا تتصل به الروح الراضية المرضية. هذه هي الحياة التي يجب أن تكون إليها الغاية من سفر هذه الحياة. هذا هو الحق وكل ما دونه صور منه لا تغني عنه. هذا هو الحق الذي أضاء بنوره روح محمد والذي ابتعثه من جديد ليفكر في الدعوة إلى ربّه. وللدعوة إلى ربه يجب أن يطهر ثيابه، وأن يهجر المنكر، وأن يصبر على ما يلاقي من الأذى في سبيل الدعوة إلى الحق، وأن ينير للناس سبيل العلم بما لم يكونوا يعلمون، وألّا ينهر من أجل ذلك سائلا، ولا يقهر يتيما. حسبه اختيار الله إياه لكلمته فليتحدث عنها. وحسبه أن الله وجده يتيما فاواه في كفالة جدّه عبد المطلب وعمه أبي طالب؛ وأنه وجده فقيرا فأغناه بأمانته ويسّر له خديجة شريكة صباه، شريكة تحنثه، شريكة بعثه، شريكة المحبة، الناصحة الرؤف؛ وأنه وجده ضالا فهداه برسالته. حسبه هذا. وليدع إلى الحق جاهدا ما استطاع. ذلك أمر الله إلى نبيه الذي اصطفاه، وما ودّعه وما قلاه. الصلاة وعلّم الله نبيه الصلاة فصلّى وصلّت خديجة معه. وكان يقيم معهما غير بناتهما عليّ بن أبي طالب الذي كان صبيّا لمّا يبلغ الحلم. ذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب كثير العيال. فقال محمد لعمه

стр. 89

العباس- وكان من أكثر بني هاشم يسارا-: «إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة: فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفلهما عنه» ... وكفل العباس جعفرا وكفل محمد عليّا، فلم يزل معه حتى بعثه الله. وفيما محمد وخديجة يصليان يوما دخل عليهما عليّ مفاجأة، فرآهما يركعان ويسجدان ويتلوان ما تيسّر مما أوحاه الله يومئذ من القرآن. فوقف الشابّ دهشا حتى أتما صلاتهما، ثم سأل: لمن تسجدان؟ فأجابه محمد- أو كما قال-: إنما نسجد لله الذي بعثني نبيّا وأمرني أن أدعو الناس إليه. ودعا محمد ابن عمه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى دينه الذي بعث نبيّه به، وإلى إنكار الأصنام من أمثال اللات والعزّى، وتلا محمد ما تيسّر من القرآن، فأخذ عليّ عن نفسه، وسحره جمال الآيات وإعجازها واستمهل ابن عمه حتى يشاور أباه. ثم قضى ليله مضطربا، حتى إذا أصبح أعلن إليهما أنه اتبعهما من غير حاجة لرأي أبي طالب وقال: «لقد خلقني الله من غير أن يشاور أبا طالب، فما حاجتي أنا إلى مشاورته لأعبد الله» . وكذلك كان عليّ أول صبي أسلم، ومن بعده أسلم زيد بن حارثة مولى النبي. وبذلك بقي الإسلام محصورا في بيت محمد: فيه وفي زوجته وابن عمه ومولاه. وظل هو يفكر كيف يدعو قريشا إليه وهو يعلم ما هي عليه من شدة البأس وبالغ التعلق بعبادات آبائها وأصنامهم. وكان أبو بكر بن أبي قحافة التّيمي صديقا حميما لمحمد، يستريح إليه ويعرف فيه النزاهة والأمانة والصدق. لذلك كان هو أول من دعاه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان، وأول من أفضى إليه بما رأى وبما أوحى إليه: ولم يتردد أبو بكر في إجابة محمد إلى دعوته وفي الإيمان بها. وأيّ نفس تنشرح للحق تتردد في ترك عبادة الأوثان لعبادة الله وحده؟ وأي نفس فيها شيء من السمو ترضى عن عبادة الله عبادة حجر أيّا كانت صورته؟. أو أيّ نفس تقية تتردد في طهر الثياب وطهر النفس وإعطاء السائل والبر باليتيم؟! وأذاع أبو بكر بين أصحابه إيمانه بالله وبرسوله. وكان أبو بكر رجلا وسيما «مألفا لقومه محبّبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر. وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته» . وجعل أبو بكر يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه، فتابعه على الإسلام عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، والزّبير بن العوام، ثم أسلم من بعد ذلك أبو عبيدة بن الجراح وكثيرون غيره من أهل مكة. وكان أحدهم إذا أسلم ذهب إلى النبي فأعلن إليه إسلامه وتلقى عنه تعاليمه. وكان المسلمون الأولون يستخفون لعلمهم بما تضمر قريش من عداوة لكل خارج على أوثانها، فكانوا إذا أرادوا الصلاة انطلقوا إلى شعاب مكة وصلوا فيها. وظلوا على ذلك ثلاث سنوات ازداد الإسلام فيها انتشارا بين أهل مكة، ونزل على محمد فيها من الوحي ما زاد المسلمين إيمانا وتثبيتا. وكان مثل محمد خير ما يزيد الدعوة انتشارا: كان برّا رحيما، جمّ التواضع كامل الرجولية، عذب الحديث، محبّا للعدل، يعطي كل ذي حق حقه، وينظر إلى الضعيف واليتيم وإلى البائس والمسكين نظرة كلها الأبوّة والحنان والعطف والمودّة. وكان تهجّده وسهره الليل وترتيله ما أنزل عليه ودوام نظره في السموات والأرض وإلتماس العبرة من الوجود كله وكل ما فيه، وفي توجهه الدائم لله وحده، والتماسه حياة الكون كله في أطواء نفسه ودخيلة حياته، مثلا جعل الذين آمنوا به وأسلموا له أحرص على إسلامهم وأشدّ يقينا بإيمانهم، على ما في ذلك من إنكار ما كان عليه آباؤهم واحتمال تعرّضهم لأذى المشركين ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم. آمن

стр. 90

بمحمد من تجار مكة وأشرافها حتى عرفت نفوسهم الطهر والنزاهة والمغفرة والرحمة، وآمن به كل ضعيف وكل بائس وكل محروم، وانتشر أمر محمد بمكة ودخل الناس في الإسلام أرسالا رجالا ونساء. وتحدّث الناس عن محمد وعن دعوته. في أن أهل مكة من قساة الأكباد ومن على قلوبهم أقفالها لم يعبثوا به أول أمره وظنوا أن حديثه لن يزيد على حديث الرهبان والحكماء أمثال قسّ وأمية وورقة وغيرهم، وأن الناس عائدون لا محالة إلى دين آبائهم وأجدادهم، وأنّ هبل واللات والعزى، وإسافا ونائلة اللذين كانا ينحر عندهما، ستكون آخر الأمر صاحبة الغلب، ناسين أن الإيمان الصادق لا يغلبه غالب، وأن الحق قد كتب له الفوز أبدا. بعد ثلاث سنين من حين البعث أمر الله ورسوله أن يظهر ما خفي من أمره وأن يصدع بما جاء منه، ونزل الوحي: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) «١» (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) «٢» . ودعا محمد عشيرته إلى طعام في بيته، وحاول أن يحدّثهم داعيا إياهم إلى الله؛ فقطع عمه أبو لهب حديثه واستنفر القوم ليقوموا: ودعاهم محمد في الغداة كرّة أخرى، فلما طعموا قال لهم: ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة. وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه. فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ فأعرضوا عنه وهمّوا بتركه- لكن عليّا نهض، وهو ما يزال صبيّا دون الحلم. وقال: «أنا يا رسول الله عونك. أنا حرب على من حاربت» . فابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم، وجعل نظرهم يتنقل من أبي طالب إلى ابنه، ثم انصرفوا مستهزئين. انتقل محمد بعد ذلك بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعا. صعد الصّفا يوما ونادى: يا معشر قريش! قالت قريش: محمد على الصفا يهتف، وأقبلوا عليه يسألونه ماله؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدّقون؟ قالوا: نعم! أنت عندنا غير متهم وما جرّبنا عليك كذبا قطّ. قال: فإني نذير بين يديّ عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة، يا بني تيم، يا بني مخزوم، يا بني أسد، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله، أو كما قال. فنهض أبو لهب- وكان رجلا بدينا سريع الغضب- فصاح: «تبّا لك سائر هذا اليوم! ألهذا جمعتنا!» . وأرتج على محمد فنظر إلى عمه، ثم ما لبث أن جاء الوحي بقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ) «٣» . الإسلام والحرية لم يحل غضب أبي لهب ولا خصومة غيره من قريش دون انتشار الدعوة إلى الإسلام بين أهل مكة. فلم يكن يوم إلا أسلم فيه بعضهم لله وجهه. وكان الزاهدون في الدنيا أشدّ على الإسلام إقبالا. أولئك لا تلهيهم التجارة ولا يلهيهم البيع عن التأمل فيما يدعوهم الداعي إليه. وهم قد رأوا محمدا في غنى من مال خديجة وماله، وهاهو ذا مع ذلك لا يعبأ بهذا المال ولا بالمزيد عليه والإكثار منه، ويدعو إلى الحب والعطف والمودّة والتسامح. بل هاهو ذا يجيئه الوحي بأن في الإكثار من الثورة لعنة للروح. أليس يقول: (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ.

стр. 91

حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ. كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ. ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) «١» . وأي شيء خير مما يدعو إليه محمد! أليس هو يدعو إلى الحرية! إلى الحرية المطلقة التي لا حدود لها! إلى الحرية العزيزة على نفس العربي عزة حياته عليه! نعم! أليس يطلق الناس من التقيّد بأية عبادة غير عبادة الله وحده! أليس يحطم كل ما بينهم وبينه من أغلال! لا هبل ولا اللات ولا العزّى ولا نار المجوس ولا شمس المصريين ولا نجوم عبّاد النجوم ولا الحواريون ولا أحد من الإنس أو من الملائكة أو من الجان يحجب بين الله والإنسان. وأمام الله، أمامه وحده لا شريك له، يسأل الإنسان عما قدّم من خير أو شر. وأعمال الإنسان هي وحدها شفيعه. وضميره هو الذي يزن أعماله، وهو وحده صاحب السلطان عليه، وبه يحاسب يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت. أيّة حرية أوسع مدى من هذه الحرية التي يدعو محمد إليها؟! وهو يدعو أبو لهب وأصحابه إلى شيء من مثلها؟! أم هم يدعون الناس لتظل نفوسهم في رقّ وعبودية بما تكدّس عليها من خرافات حجبت عنها نور الحق أو ضياء الهدى؟ شعراء من قريش على أن أبا لهب وأبا سفيان وأشراف قريش وأمجادها، وأشراف المال وأمجاد اللهو، بدؤا يشعرون بما في دعوة محمد من خطر على مكانتهم، فرأوا بادئ الرأي أن يحاربوه بالحط من شأنه، وبتكذيبه فيما يزعم من نبوّته. وكان أوّل ما صنعوا من هذا أن أغروا به شعراءهم: أبا سفيان بن الحارث وعمرو بن العاص وعبد الله بن الزّبعرى، يهجونه ويقارعونه. وتولّت طائفة من شعراء المسلمين الردّ على هؤلاء من غير أن يكون محمد في حاجة إلى مساجلتهم. هنالك تقدّم غير الشعراء يسألون محمدا عن معجزاته التي يثبت بها رسالته؛ معجزات كمعجزات موسى وعيسى. فما باله لا يحيل الصفا والمروة ذهبا، ولا ينزل عليه الكتاب الذي يتحدّث عنه مخطوطا من السماء! ولم لا يبدو لهم جبريل الذي يطول حديث محمد عنه! ولم لا يحيي الموتى ولا يسير الجبال حتى لا تظلّ مكة حبيسة بينها! ولم لا يفجر ينبوعا أعذب من زمزم ماء وهو أعلم بحاجة أهل بلده إلى الماء! ولم يقف أمر المشركين عند التهكم بالمسألة في هذه المعجزات، بل كانوا يزدادون تهكما ويسألونه: لم لا يوحي إليه ربه أثمان السلع حتى يضاربوا على المستقبل. وطال بهم اللّجاج، فردّ الوحي لجاجهم بما أنزل على محمد من قوله تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) «٢» . نعم! ما محمد إلا نذير وبشير. فكيف يطالبونه بما لا يقبل العقل وهو لا يطلب إليهم إلا ما يقبله العقل بل يمليه ويحتمه؟! وكيف يطلبون إليه ما تأنف منه النفس الفاضلة وهو لا يطالبهم إلا أن يستجيبوا لوحي النفس الفاضلة؟! وكيف يطلبون إليه المعجزات وهذا الكتاب الذي يوحى إليه، والذي يهدي إلى الحق، معجزة المعجزات؟! وما لهم يطلبون إليه إثبات رسالته بالخوارق ليتردّدوا من بعد ذلك أيتبعونه أم لا يتبعونه، وهذه التي يزعمونها آلهتهم ليست إلا حجارة أو خشبا مسنّدة أو أنصابا قائمة في عرض الفلاة لا تملك لهم نفعا ولا ضرّا، وهم مع ذلك يعبدونها دون أن يطلبوا إليها ما يثبت ألوهيتها؟! ولو أنهم طلبوه لظلّت خشبا أو حجارة لا حياة فيها ولا حركة لها، لا تستطيع لنفسها ضرّا ولا نفعا، ولا تستطيع إذا حطمها محطم عن نفسها دفعا.

стр. 92

طعن محمد على الأصنام وبادأهم محمد بذكر آلهتهم، وكان من قبل لا يذكرها، وعابها، وكان من قبل لا يعيبها. هنالك عظم الأمر على قريش وحزّ في صدورهم؛ وبدؤا يفكرون التفكير الجدّ في أمر هذا الرجل وما هو لاق منهم وما هم لاقون منه، لقد كانوا إلى يومئذ يسخرون من قوله، وكانوا إذا جلسوا في دار النّدوة أو حول الكعبة وأصنامهم فجرى ذكره على ألسنتهم لم يثر أكثر من ابتسامات استخفافهم وإستهزائهم. أمّا وقد حقّر من شأن آلهتهم وسخر مما يعبدون وما كان يعبد آباؤهم، ونال من هبل ومن اللات والعزّى ومن الأصنام جميعا، فلم يبق الأمر موضع استخفاف وسخرية، بل أصبح موضع جدّ وتدبير. أو لو أتيح لهذا الرجل أن يؤلب عليهم أهل مكة وأن يصرفهم عن عبادتهم فماذا تؤول إليه تجارة مكة؟ وماذا يكون مقامها الديني؟ لم يكن عمّه أبو طالب قد دخل في دين الله، لكنه ظلّ حاميا لابن أخيه قائما دونه، معلنا استعداده للدفاع عنه. لذلك مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، وفي مقدمتهم أبو سفيان بن حرب، فقالوا: «يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا، فإما أن تكفّه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه؛ فإنك على مثل ما نحن عليه من خلاف فسنكفيكه» فردّهم أبو طالب ردّا جميلا. ومضى محمد يشتدّ في الدعوة إلى رسالته، ويزداد لدعوته أعوانا. وائتمرت قريش بمحمد ومشوا إلى أبي طالب مرّة أخرى ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، وكان أنهد فتى في قريش وأجمله، وطلبوا إليه أن يتخذه ولدا ويسلمهم محمدا، فأبى. ومضى محمد في دعوته ومضت قريش في ائتمارها. ثم ذهبوا إلى أبي طالب مرة ثالثة وقالوا له: «يا أبا طالب، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا. وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين» . وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطلب نفسا بإسلام ابن أخيه ولا خذلانه. ماذا تراه يصنع؟ بعث إلى محمد فقصّ عليه رسالة قريش، ثم قال له: «فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق» . ما اتجاه التاريخ ؟ وأطرق محمد إطراقة وقف إزاءها تاريخ الوجود كله برهة مبهوتا لا يدري بعدها ما اتجاهه. وفي الكلمة التي تفتر عنها شفتا هذا الرجل حكم على العالم: أهو يظلّ في الضلال يمدّ له فيه، فتطغى المجوسيّة على النصرانية المتخاذلة المضطربة وترفع الوثنية بباطلها رأسها الخرف الأفن. أم هو يضيء أمامه نور الحقّ، تعلن فيه كلمة التوحيد، وتحرر فيه العقول من رقّ العبودية والقلوب من أسر الأوهام، وترتفع فيه النفس الإنسانية لتتصل بالملأ الأعلى؟ وهذا عمه كأنه ضعف عن نصرته والقيام معه، فهو خاذله ومسلمه. وهؤلاء المسلمون ما يزالون ضعافا لا يقوون على حرب ولا يستطيعون مقاومة قريش ذات السلطان والمال والعدّة والعدد. إذا لم يبق له دون الحق الذي ينادي الناس باسمه نصير، ولم يبق له سوى إيمانه بالحق عدّة. ليكن! إن الآخرة خير له من الأولى. فليؤد رسالته وليدع إلى ما أمره ربه. ولخير له أن يموت مؤمنا بالحق الذي أوحى إليه من أن يخذله أو يتردّد فيه. لذلك التفت إلى عمّه ممتلئ النفس بقوّة إرادته وقال له: «يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» . بنو هاشم يمنعون محمدا من قريش يا لعظمة الحقّ وجلال الإيمان به! اهتزّ الشيخ لما سمع من جواب محمد، ووقف كذلك مبهوتا أمام هذه

стр. 93

القوّة القدسيّة والإرادة السامية فوق الحياة وما في الحياة. وقام محمد وقد خنقته العبرة ممّا فاجأه به عمه وإن لم تدر بنفسه خلجة ريب في السبيل الذي يسلك. ولم تك إلا لحظة اهتز فيها وجود أبي طالب متحيرا بين غضبة قومه وموقف ابن أخيه حتى نادى محمدا أن أقبل فلما أقبل قال له: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء تكرهه أبدا! وأفضى أبو طالب إلى بني هاشم وبني المطلب بقول ابن أخيه وبموقفه، وحديثه عنه يتدفّق بروعة ما شهد وجلال ما شعر به، وطلب إليهم أن يمنعوا محمدا من قريش؛ فاستجابوا له جميعا إلا أبا لهب فإنه صارحهم بالعداوة وانضمّ إلى خصومهم عليهم. وهم لا ريب قد منعوه متأثرين بالعصبية القوميّة وبالخصومة القديمة بين بني هاشم وبني أمية. لكنّ العصبية لم تكن وحدها التي حفزتهم إلى الوقوف هذا الموقف من قريش كلها في أمر له من جلال الخطر ما للدعوة إلى نبذ دينهم والخروج على عقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم؛ بل كان موقف محمد منهم وشدّة إيمانه بينهم ودعوته الناس بالحسنى إلى عبادة الواحد الأحد، وما كان شائعا يومئذ بين قبائل العرب جميعا من أن لله دينا غير دينهم الذي هم عليه ممّا جعلهم يرون حقّا لابن أخيهم محمد أن يعالن الناس برأيه كما كان يفعل أميّة بن أبي الصّلت وورقة بن نوفل وغيرهما. فإن يكن محمد على الحق- وذلك ما لا ثقة لهم به- فسيظهر الحق من بعد وسيكون لهم من مجده نصيب، وإلّا يكن على الحق فسينصرف الناس عنه كما انصرفوا من قبل عن غيره، ثم لن يكون لدعوته من الأثر أن يخرجوا على تقاليدهم وأن يسلموه لخصومه كي يقتلوه. اعتصم محمد بقومه من أذى قريش، كما اعتصم بخديجة في داره من همّ نفسه. فقد كانت له بصدق إيمانهم وعظيم حبّها، وزير صدق تسرّى عنه كل همّه، وتقوّى فيه كل عارض ضعف من أثر أذى خصومه وإمعانهم في مناوأته وإيصال الأذى لأتباعه. وفي الحقّ أن قريشا لم تنم ولم تعد لما عرفت من قبل من دعة النعيم؛ بل وثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، حتى ألقى أحدهم عبده الحبشيّ بلالا على الرمل تحت الشمس المحرقة ووضع حجرا على صدره وتركه ليموت، لا لشيء إلا أنه أصرّ على الإسلام، ولم يزد بلال وهو في هذه الحال على أن يكرّر كلمة: «أحد أحد» محتملا هذا العذاب في سبيل دينه. وقد رآه أبو بكر يوما يعاني هذا العذاب فاشتراه وأعتقه. واشترى أبو بكر كثيرا من الموالي الذين كانوا يعذبون ومن بينهم جارية لعمر بن الخطاب اشتراها منه قبل إسلامه. وعذّبت امرأة حتى ماتت لأنها لم ترض أن ترجع عن الإسلام إلى دين آبائها. وكان المسلمون من غير الموالي يضربون وتوجّه إليهم أشدّ صور المهانة. ولم يسلم محمد، مع منع بني هاشم وبني المطلب له، من هذه الإساآت. كانت أمّ جميل زوج أبي لهب تلقى النجس أمام بيته فيكتفي محمد بأن يزيله. وكان أبو جهل يلقي عليه أثناء صلواته رحم شاة مذبوحة ضحية للأصنام فيحتمل الأذى ويذهب إلى ابنته فاطمة لتعيد إليه نظافته وطهارته. هذا إلى جانب ما كان المسلمون يسمعون من لغو القول وهجر الكلام حيثما ذهبوا. واستمرّ الأمر على ذلك طويلا، فلم يزدادوا إلا حرصا على دينهم وابتهاجا بالأذى والتضحية في سبيل عقيدتهم وإيمانهم. صبر المسلمين على الأذى هذه الفترة من فترات حياة محمد ﵇ هي من أشدّ ما عرف التاريخ الإنسانيّ روعة في العصور جميعا. فما كان محمد والذين اتّبعوه طلّاب مال ولا جاه ولا حكم أو سلطان؛ إنما كانوا طلّاب حق وإيمان به. وكان محمد طالب هدى للذين يصيبونه بالأذى وتحرير لهم من ربقة الوثنية الوضيعة التي تنحدر بالنفس الإنسانية إلى خزي المذلّة والهوان في سبيل هذه الغاية الروحيّة السامية، لا في سبيل شيء آخر، كان الأذى يصله، وكان الشعراء يسبونه، وكانت قريش تأتمر به حتى حاول رجل قتله عند الكعبة. وكان منزله يرجم، وكان

стр. 94

أهله وأتباعه يهدّدون، فلا يزيده ذلك إلا صبرا وإمعانا في الدعوة. وامتلأت نفوس المؤمنين الذين اتّبعوه بقوله: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» . وهانت عليهم جميعا التضحيات الجسام، وهان عليهم الموت في سبيل الحق وهداية قريش له. وقد تعجب لهذا الإيمان الآخذ بنفوس أولئك المكيين ولمّا يكن الدين قد كمل، ولمّا يكن قد نزل من القرآن إلا القليل. وقد تحسب أن شخصية محمد ودماثة طبعه وجميل خلقه وما عرف من صدقه وما بدا من صلابة عوده وقوة عزمه وثبات إرادته، كان السبب في كل هذا. ولا ريب قد كان لهذا كله حظه ونصيبه، لكن عوامل أخرى جديرة بالتقدير والاعتبار كان لها هي أيضا نصيب في ذلك غير قليل. فقد كان محمد في بلاد حرّة هي أشبه ما تكون بالجمهورية. وكان في الذّروة والسنام منها حسبا ونسبا. وكان قد وصل من المال إلى ما يشاء. وكان إلى ذلك من بني هاشم. اجتمعت لهم سدانة الكعبة وسقاية الحاجّ وما شاؤا من مجد الألقاب الدينيّة. فلم يكن لذلك في حاجة إلى المال أو الجاه أو المكانة السياسية أو الدينية. وكان في ذلك على خلاف من سبقه من الرسل والأنبياء. فقد ولد موسى في مصر وفيها فرعون يدين له أهلها بالألوهية وينادي هو فيهم «أنا ربكم الأعلى» ، وتعاونه طائفة رجال الدين على سوم الناس ألوان الظلم والاستغلال والعسف، فكانت الثورة التي قام بها موسى بأمر ربه ثورة نظام سياسيّ وديني معا. أليس يريد أن يكون فرعون والرجل الذي يرفع الماء بالشادوف من النيل أمام الله سيّين؟ إذا فما هي ألوهيّة فرعون وما هذا النظام القائم! يجب أن يحطم ذلك كله، ويجب أن تكون الثورة سياسية أولا. لهذا لقيت الدعوة الموسويّة منذ بداءتها حربا من فرعون شعواء، ولذلك آزرت المعجزات موسى ليؤمن الناس بدعوته. ألقى عصاه فإذا هي حيّة تسعى تلقف ما صنع سحرة فرعون. ولم يجد ذلك موسى شيئا، فاضطرّ إلى مغادرة وطنه مصر؛ وقد آزرته في هجرته معجزة إنفلاق الطريق في البحر خلال الماء. وقد ولد عيسى في النّاصرة من أعمال فلسطين، وهي يومئذ ولاية رومانية خاضعة لحكم القياصرة ولظلم المستعمرين بها ولآلهة رومية؛ فدعا الناس إلى الصبر على الظلم، وإلى المغفرة للتائب المنيب، وإلى ألوان من الرحمة اعتبرها القائمون بالأمر ثورة على تجبرهم، فازرت عيسى معجزات إحياء الموتى وإبراء المرضى وسائر ما أيده به روح القدس من عنده. صحيح أن تعاليمهم تنتهي في جوهرها إلى ما تنتهي إليه تعاليم محمد في جوهرها، مع خلال في التفاصيل ليس هنا موضع إيضاحه. لكنّ هذه العوامل المختلفة، والعامل السياسيّ في مقدّمتها، وجّهت دعوتهما اتجاهها. أمّا محمد، وكانت ظروفه ما قدّمنا، فكانت رسالته عقليّة روحيّة، أساسها الدعوة إلى الحق والخير والجمال، دعوة مجرّدة في بدئها وفي غايتها. ولبعدها عن كل خصومة سياسية لم تزعج النظام الجمهوري الذي كان قائما بمكة بأية صورة من صور الإزعاج. دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة وقد تأخذ القارئ الدهشة إذا ذكر ما بين دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة من شبه قويّ؛ فهذه الطريقة العلمية تقتضيك إذا أردت بحثا أن تمحو من نفسك كل رأي وكل عقيدة سابقة لك في هذا البحث، وأن تبدأ بالملاحظة والتجربة، ثم بالموازنة والترتيب ثم بالاستنباط القائم على المقدّمات العلمية. فإذا وصلت إلى نتيجة من ذلك كانت نتيجة علمية خاضعة بطبيعة الحال للبحث والتمحيص، ولكنها تظل علمية ما لم يثبت البحث العلمي تسرّب الخطأ إلى ناحية من نواحيها. وهذه الطريقة العلمية هي أسمى ما وصلت إليه الإنسانية في سبيل تحرير الفكر، وها هي ذي مع ذلك طريقة محمد وأساس دعوته، فكيف اقتنع الذين اتبعوه بدعوته وآمنوا بها؟ نزعوا من نفوسهم كل عقيدة سابقة وبدؤا يفكرون فيما أمامهم. لقد كان لكل قبيلة من قبائل

стр. 95

العرب صنم. فأي صنم هو الحق وأي صنم هو الباطل؟ وكان في بلاد العرب وفي البلاد التي تجاورها صابئة ومجوس يعبدون النار، وكان فيها الذين يعبدون الشمس فأيّ هؤلاء على الحق، وأيهم على الباطل؟ لنذر هذا كله إذا جانبا، ولنمح أثره من نفوسنا، ولنتجرد من كل رأي ومن كل عقيدة سابقة ولننظر. والنظر والملاحظة بطبيعة الحال سيّان. مما لا شبهة فيه أن لكل موجود بسائر الموجودات اتصالا؛ فالإنسان تتصل قبائله بعضها ببعض وأممه بعضها ببعض. والإنسان يتصل بالحيوان والجماد. وأرضنا تتصل بالشمس وبالقمر وبسائر الأفلاك. وذلك كله يتصل في سنن مطّردة لا تحويل لها ولا تبديل. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار. ولو أن إحدى موجودات الكون تحوّلت لتبدّل ما في الكون. فلو أن الشمس لم تسعد الأرض بالنور والحرارة، على السنّة التي تجري عليها منذ ملايين السنين، لتبدّلت الأرض غير الأرض والسماء. وما دام ذلك لم يحدث. فلا بد لهذا الكل من روح يمسكه؛ منه نشأ، وعنه تطوّر، وإليه يعود. هذا الروح وحده هو الذي يجب أن يخضع له الإنسان. أمّا سائر ما في الكون فهو خاضع لهذا الروح كالإنسان سواء. والإنسان والكون والزمان والمكان وحدة، وهذا الروح جوهرها ومصدرها. وإذا فلتكن لهذا الروح وحده العبادة. ولهذا الروح يجب أن تتجه القلوب والأفئدة. وفي الكون كله يجب أن نلتمس من طريق النظر والتأمل سننه الخالدة. وإذا فما يعبد الناس من دون الله أصناما وملوكا وفراعنة ونارا وشمسا إنما هو وهم باطل غير جدير بالكرامة الإنسانية، ولا هو يتفق مع عقل الإنسان وما كرّم به من القدرة على استنباط سنّة الله من طريق النظر في خلقه. هذا جوهر الدعوة المحمدية على ما عرفها المسلمون الأولون. وقد أبلغهم الوحي إياها على لسان محمد في آي من البلاغة كانت ولن تزال معجزة؛ فجمع لهم بذلك بين الحق وتصويره في كمال جماله. وهنالك ارتقت نفوسهم وسمت قلوبهم تريد الاتصال بهذا الروح الكريم؛ فهداهم محمد إلى أن الخير هو طريق الوصول، وأنهم مجزيّون عن هذا الخير يوم يتمون واجبهم في الحياة بالتقوى، ويوم تجزى كلّ نفس بما كسبت. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) «١» . أيّ سموّ بالعقل الإنساني أعظم من هذا السموّ! وأي تحطيم لقيوده أشدّ من هذا التحطيم!! حسب الإنسان أن يفهم هذا وأن يؤمن به وأن يعمل عليه ليبلغ الذروة من مراتب الإنسان. وفي سبيل هذه المكانة تهون كل تضحية على من يؤمن بها. وقد كان من جلال موقف محمد ومن اتبعه أن ازداد بنو هاشم وبنو المطلب منعا له ودفعا للأذى عنه. مرّ أبو جهل بمحمد يوما فاذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتوهين من أمره، فأعرض محمد عنه وانصرف ولم يكلمه. وكان حمزة عمه وأخوه من الرضاعة، لا يزال على دين قريش، وكان رجلا قويّا مخوفا. وكان ذا ولع بالصيد، فإذا رجع من صيده طاف بالكعبة قبل أن يعود إلى داره. فلما جاء في ذلك اليوم وعلم بما أصاب ابن أخيه من أذى أبي جهل ملأه الغضب؛ وذهب إلى الكعبة ولم يقف مسلما على أحد ممن كان عندها كعادته، ودخل المسجد فألقى أبا جهل فقصد إليه، حتى إذا بلغه رفع القوس فضربه بها فشجّه شجة منكرة. وأراد رجال من بني مخزوم أن ينصروا أبا جهل فمنعهم حسما للشر ومخافة استفحاله معترفا أنه سبّ محمدا سبّا قبيحا، ثم أعلن حمزة إسلامه، وعاهد محمدا على نصرته والتضحية في سبيل الله حتى النهاية.

стр. 96

سقارة عتبة بن ربيعة ضاقت قريش ذرعا بمحمد وأصحابه إذ رأتهم يزدادون كل يوم قوّة، ثم لا يثنيهم الأذى ولا يصرفهم العذاب عن إيمانهم والجهر به، وعن صلواتهم وأداء فرضها؛ فخيّل إليهم أن يتخلّصوا من محمد بما توهّموا من إرضاء مطامعه، ناسين عظمة الدعوة الإسلامية ونزاهة جوهرها الروحيّ السامي عن الخصومة السياسية. فقد رغب عتبة بن ربيعة، وكان من سادات العرب، إلى قريش وهم في ناديهم أن يكلم محمدا وأن يعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فيعطونه أيّها شاء ويكف عنهم. وكلم عتبة محمدا قال: «يا ابن أخي، إنك منّا حيث قد علمت من المكان في النسب. وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم. فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها ... إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تريد تشريفا سوّدناك علينا، فلا تقطع أمرا دونك. وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا «١» تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ» . فلما فرغ من قوله تلا محمد عليه سورة السجدة وعتبة منصت يستمع إلى أحسن القول ويرى أمامه رجلا لا مطمع له في مال ولا تشريف ولا في ملك ولا هو بالمريض، وإنما يدلي بالحق، ويدعو إلى الخير، ويدفع بالتي هي أحسن، مع الإعجاز في العبارة. فلما انتهى محمد انصرف عتبة إلى قريش مأخوذا بجمال ما رأى وسمع، مأخوذا بعظمة هذا الرجل وسحر بيانه. ولم يرق قريشا أمر عتبة ولا راقها رأيه أن تترك للعرب محمدا، فإن تغلبت عليه استراحت قريش، وإن تبعته فلها فخاره. فعادت تناوئ محمدا وتناوئ أصحابه وتصيبهم من البلاء مما كان هو في منجاة منه بمكانته من قومه ومنعته بأبي طالب وبني هاشم وبني المطلب. الهجرة الى الحبشة وزاد ما ينزل بالمسلمين من الأذى، وبلغ منهم القتل والتعذيب والتمثيل، هنالك أشار عليهم محمد أن يتفرّقوا في الأرض. فلما سألوه أين نذهب؟ نصح إليهم أن يذهبوا إلى بلاد الحبشة المسيحيّة «فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» . فخرج فريق من المسلمين عند ذلك إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم. وخرجوا في هجرتين؛ كانوا في الأولى أحد عشر رجلا وأربع نساء تسللوا من مكة لواذا، ثم أقاموا في خير جوار من النجاشي، حتى ترامى إليهم أن المسلمين بمكة أصبحوا بمأمن من أذى قريش فعادوا، كما سنقصّه من بعد. فلما لقوا عنت قريش وأذاهم أبلغ مما كان عادوا إلى الحبشة في ثمانين رجلا غير نسائهم وأطفالهم، وأقاموا بها إلى ما بعد هجرة النبي إلى يثرب. وهذه الهجرة إلى الحبشة كانت أوّل هجرة في الإسلام. من حق من يؤرخ لمحمد أن يسأل: أكان كل القصد من هذه الهجرة التي قام بها المسلمون بأمره ورأيه، الفرار من كفّار مكة وما يلحقون بهم من الأذى؟ أم أنها كان لها كذلك غرض سياسيّ إسلاميّ رمى محمد من ورائه إلى غاية عليا؟ من حق مؤرخ محمد أن يسأل عن هذا بعد ما ثبت من تاريخ هذا النبيّ العربيّ في أطوار حياته جميعا أنه كان سياسيّا بعيد الغور، كما كان صاحب رسالة وأدب نفس لا يدانيه فيهما في السمّو والجلال والعظمة مدان. ويدعونا إلى هذه المسألة ما تجري به الرواية من أن أهل مكة لم يستريحوا إلى خروج من خرج من المسلمين إلى الحبشة، بل بعثوا رجلين إلى النجاشي ومعهما الهدايا النفيسة ليقنعوه بأن يردّ المسلمين من مواطنيهم إليهم. والحبشة ونجاشيها كانوا نصارى، فليس تخشى قريش عليهم من الناحية الدينية أن يتّبعوا

стр. 97

محمدا. فهل تراهم عنوا بالأمر وبعثوا يستردون المسلمين لأنهم رأوا أن حماية النجاشي إيّاهم بعد سماعه أقوالهم قد تكون ذات أثر في إقبال أهل جزيرة العرب على دين محمد واتباعهم إياه؟ أم هم خافوا، إن بقي هؤلاء في الحبشة، أن تشتد شوكتهم، فإذا عادوا بعد ذلك لمعونة محمد عادوا أقوياء بالمال والرجال؟ كان الرسولان عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة. وقد دفعا إلى النجاشي وإلى بطارقته بالهدايا كي يرد المهاجرين من أهل مكة إليها. ثم قالا: أيها الملك إنه قد ضوى «١» إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت. وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم؛ فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه» . وكان السفيران قد اتفقا مع بطارقة النجاشي بعد أن أتحفاهم بهدايا أهل مكة أن يعاونوهم على ردّ المسلمين إلى قريش دون أن يسمع النجاشي كلامهم، فأبى النجاشي أن يفعل حتى يسمع ما يقولون، وبعث في طلبهم. فلما جاؤا سألهم. ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟ رد المسلمين على السفيرين فكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب، قال: «أيها الملك، كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القويّ منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا. وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام- وعدّد عليه أمور الإسلام- فصدقناه به واتبعناه على ما جاء به من الله. فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئا. وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلّ ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك؛ ورغبنا في جوارك ورجونا ألّا نظلم عندك» . فقال النجاشي: «وهل معك مما جاء به عن الله من شيء تقرؤه عليّ؟» . قال جعفر: نعم! وتلا عليه سورة مريم من أوّلها إلى قوله تعالى: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) «٢» . جواب النجاشي والبطارقة فلما سمع البطارقة هذا القول مصدّقا لما في الإنجيل أخذوا وقالوا: هذه كلمات تصدر من النبع الذي صدرت منه كلمات سيدنا يسوع المسيح. وقال للنجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا والله لا أسلمهم إليكما. فلما كان الغد عاد ابن العاص إلى النجاشي فقال له: إن المسلمين

стр. 98

يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلّهم عما يقولون فيه. فلما دخلوا عليه قال جعفر بن أبي طالب؛ فيه نقول الذي جاء به نبيّنا، يقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فأخذ النجاشي عودا وخطّ به على الأرض وقال- وقد بلغت منه المسرّة أكبر مبلغ: ليس بين دينكم وديننا أكثر من هذا الخطّ. وكذلك تبيّن للنجاشي بعد سماع الفريقين أنّ هؤلاء المسلمين يعترفون بعيسى ويقرّون النصرانية ويعبدون الله. ووجد المسلمون في جوار النجاشي أمنا ودعة حتى رجعوا إلى مكة للمرة الأولى ومحمد ما يزال بها. حين بلغهم أن خصومة قريش هدأت. فلما رأوا المكيّين ما يزالون ينزلون به وبأعوانه الأذى عادوا إلى الحبشة، في ثمانين رجلا غير نسائهم وأطفالهم. أفكانت هجرتاهم هاتان لمجرّد الفرار من الأذى، أم كان لهما، ولو في تدبير محمد وحده غاية سياسية يجمل بالمؤرّخ أن يجلوها. المسلمون ونصرانية الحبشة ومن حق مؤرّخ محمد أن يسأل: كيف أمن محمد على أصحابه هؤلاء أن يذهبوا إلى أرض الحبشة والنصرانية دين أهلها، دين كتاب، ورسولها عيسى يقرّ الإسلام رسالته، ثم لا يخاف عليهم فتنة كفتنة قريش وإن تكن من نوع آخر؟ وكيف أمن هذه الفتنة والحبشة بلاد بها من الخصب ما ليس بمكة؛ فهي أشدّ من قريش فتنة؟ ولقد تنصرّ بالفعل أحد المسلمين الذين ذهبوا إلى الحبشة، فدل تنصّره على أن خوف هذه الفتنة كان جديرا بأن يساور محمدا وقد كان لا يزال ضعيفا، ولا يزال الذين اتّبعوه في أشدّ الريب من قدرته على حمايتهم أو الانتصار به على عدوهم. وأكبر الظن أن يكون ذلك قد دار بخاطر محمد، أن كانت سعة ذهنه وذكاء فؤاده وبعد نظره عدلا لسموّ روحه وكرم نفسه وحسن أدبه ورقة عاطفته. لكنه كان مطمئنّا من هذه الناحية تمام الطمأنينة؛ فقد كان الإسلام يومئذ، وإلى يوم مات صاحب الرسالة، في صفاء جوهره لم تشب نقاءه ولا سمّوه شائبة وكانت نصرانية الحبشة كنصرانية نجران والحيرة والشام قد اندسّ إليها من شوائب الخلاف بين مؤلّهي مريم ومؤلهي عيسى والمخالفين لهؤلاء وأولئك ما لا يخشى معه على أولئك الذين كانوا ينهلون من نبع الرسالة المصفّى. وفي الحق أن أكثر الأديان ما كانت تتخطى على الزمان أجيالا معدودة حتى يندسّ إليها نوع من الوثنية، إن لم يكن من هذا الطراز الوضيع الشائع يومئذ في بلاد العرب فإنه وثنية على كل حال. والإسلام نزل عدوّ الوثنية اللّدود في جميع صورها وأوضاعها. ثم إن النصرانية تعترف من ذلك التاريخ لطائفة رجال الدين بمكانة خاصة لم يعرفها الإسلام قطّ، وكان يومئذ أشدّ ما يكون عليها سمّوا، ومنها براءة. ثم إنه كان يومئذ وبقي في جوهره دين السمو بالنفس الإنسانية إلى الذروة العليا من السمو. فلم يدع صلة بين المرء وربه غير العمل الصالح والتقوى، وأن يحبّ الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه. لم تبق أصنام ولم يبق كهنة ولم يبق عرّافون ولم يبق شيء يحول دون أن تسمو الروح الإنسانية لتتّصل بالوجود كله صلة خير ومعروف، ليكون جزاؤها عند الله أكبر من عملها أضعافا مضاعفة. والروح! الروح الذي هو من أمر الله! الروح المتّصل بأزل الزمن وأبده! هذا الروح ما عمل صالحا فلا حجاب بينه وبين وجه الله ولا سلطان لغير الله. يستطيع الأغنياء والأقوياء والشريرون أن يعذّبوا الجسد وأن يحولوا بينه وبين ملاذه وشهواته وأن يهلكوه، لكنهم لن يصلوا إلى الروح ما دام صاحبه يريد به سموّا فوق سلطان المادة وفوق سلطان الزمن واتصالا بالوجود كله. إنما يجزى الإنسان عن أعماله يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت يومئذ لا يجزي والدّ عن ولد» ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، ويومئذ لا ينفع الأغنياء مالهم، ولا الأقوياء قوّتهم، ولا المتكلمين

стр. 99

كلامهم؛ إنما هي الأعمال وحدها تشهد لصاحبها أو تشهد عليه. ويومئذ يقف هذا الوجود جميعا متسقة وحدته مجتمعا أزله وأبده، لا يظلم ربك أحدا. ولا تجزون إلّا ما كنتم تعملون. كيف يخاف محمد الفتنة على من علمهم هذه المعاني ومن بثّها في نفوسهم فحلّت منهم في سويداء القلب ومكان العقيدة والإيمان! ثم كيف يخاف عليهم الفتنة ومثله حاضر أمامهم بشخصه المحبوب، حتى ليحبّه أحدهم أكثر من حبّه نفسه وبنيه وأهله. شخصه الذي يضع هذه العقيدة فوق ملك الأرض والسماء والشمس والقمر ويقول لعمه: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» . شخصه الذي يضيء بنور الإيمان والحكمة والعدل والخير والحق والجمال، الممتلئ إلى جانب ذلك تواضعا وبرّا ومودة ورحمة. لذلك كان مطمئنّا إلى هجرة أصحابه هؤلاء إلى الحبشة كل الاطمئنان. وكان أمنهم عند النجاشي وسكينتهم إلى دينهم بين قوم لا تربطهم بهم أواصر قربى أو عطف، مما جعل قريشا تشعر بما في إيذائها للمسلمين، وهم منهم وهم أهلوهم وأنسابهم، من ظلم ومن عنت ومن إمعان في الفجور، ومن تحميل كل ألوان الأذى لهؤلاء الذين ارتفعت نفوسهم فوق الأذى، فأصبح لا ينالهم سوء، وأصبحوا يرون في الصبر على البأساء قربى إلى الله ومغفرة منه. إسلام عمر بن الخطاب وكان عمر بن الخطاب يومئذ رجلا في فتوّة الرجولة، بين الثلاثين والخامسة والثلاثين. وكان مفتول العضل، قويّ الشكيمة، حاد الطبع، سريع الغضب محبّا للهو والخمر، وفيه إلى ذلك برّ بأهله ورقة لهم. وكان من أشدّ قريش أذى للمسلمين ووقيعة فيهم. فلما رآهم هاجروا إلى الحبشة ورأى النجاشي حماهم، شعر لفراقهم بوحشة، وبما لفراقهم وطنهم من ألم يحزّ في الكبد ويفري المهجة. وكان محمد يوما مجتمعا مع أصحابه الذين لم يهاجروا في بيت عند الصفا، ومن بينهم عمّه حمزة وابن عمه عليّ بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وغيرهم من سائر المسلمين. وعرف عمر اجتماعهم، فقصد إليهم يريد أن يقتل محمدا كي تستريح قريش وتعود إليها وحدتها بعد أن فرّق أمرها وسفّه أحلامها وعاب آلهتها ولقيه نعيم بن عبد الله في الطريق وعرف أمره فقال له: «والله لقد غشتك نفسك من نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهل بيتك وتقيم أمرهم!» ، وكانت فاطمة أخت عمر وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما. فلما عرف عمر من نعيم أمرهما كرّ راجعا إليهما ودخل البيت عليهما، فإذا عندهما من يقرأ عليهما القرآن. فلما أحسّوا دنوّ داخل عليهم اختفى القارئ وأخفت فاطمة الصحيفة. وسأل عمر: ما هذه الهيمنة التي سمعت؟ فلما أنكرا صاح بهما: لقد علمت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بسعيد. فقامت فاطمة تحمي زوجها فضربها فشجّها. فهاج إذ ذاك هائج الزوجين وصاحا به: نعم أسلمنا، فاقض ما أنت قاض. واضطرب عمر حين رأى ما بأخته من الدم، وغلبه برّه وعطفه، فارعوى وسأل أخته أن تعطيه الصحيفة التي كانوا يقرؤن. فلما قرأها تغيّر وجهه وأحس الندم على صنيعه، ثم اهتزّ لما قرأ في الصحيفة وأخذه إعجازها وجلالها وسموّ الدعوة التي ندعو إليها، فزاد جانب البر غلبة عليه. وخرج وقد لان قلبه واطمأنت نفسه؛ فقصد إلى مجلس محمد وأصحابه عند الصفا. فاستأذن وأعلن إسلامه، فوجد المسلمون فيه وفي حمزة للإسلام منعة وللمسلمين حمّى. وفتّ إسلام عمر في عضد قريش، فأتمرت مرة أخرى ما تصنع. والحقّ أن هذا الحادث عزّز المسلمين بعنصر جديد قويّ غاية القوة، جعل موقف قريش منهم وموقفهم من قريش غير ما كان، واستتبع ما بين الطرفين سياسة جديدة مليئة بأحداث وتضحيات وقوىّ جديدة أدّت إلى الهجرة وإلى ظهور محمد السياسيّ الى جانب محمد الرسول.

стр. 100

الفصل السادس قصة الغرانيق عود مهاجري الحبشة - الغرانيق العلا- تمسك المستشرقين بقصتها- أسانيدهم في ذلك- ضعف هذه الأسانيد- القصة ظاهرة الكذب بنفيها التمحيص العلمي. عود مهاجري الحبشة أقام المسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة ثلاثة أشهر أسلم أثناءها عمر بن الخطاب. وعلم هؤلاء المهاجرون ما حدث على أثر إسلامه من رجوع قريش عن إيذائها محمدا ومن اتبعه، فعاد كثير منهم في رواية، وعادوا كلّهم في رواية أخرى إلى مكة. فلما بلغوها رأوا قريشا عادت إلى إيذاء المسلمين وإلى الإمعان في عداوتهم أشدّ مما عرف هؤلاء المهاجرون من قبل، فعاد إلى الحبشة من عاد، ودخل مكة من دخل مستخفيا أو بجوار. ويقال: إن اللذين عادوا استصحبوا معهم عددا آخر من المسلمين أقاموا بالحبشة إلى ما بعد الهجرة وإلى حين استتباب الأمر للمسلمين بالمدينة. أيّ داع حفز مسلمي الحبشة إلى العودة بعد ثلاثة أشهر من مقامهم بها؟ هنا يرد حديث الغرانيق الذي أورده ابن سعد في طبقاته الكبرى والطبري في تاريخ الرسل والملوك، كما أورده كثيرون من المفسرين المسلمين وكتاب السيرة، والذي أخذ به جماعة من المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلا. وحديث الغرانيق أن محمدا لمّا رأى تجنب قريش إيّاه وأذاهم أصحابه تمنى فقال: ليته لا ينزل عليّ شيء ينفرهم مني، وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوما في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) «١» ) فقرأ بعد ذلك: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد في آخرها. وهنالك سجد القوم جميعا لم يتخلّف منهم أحد. وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبيّ، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده. أمّا إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك. وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك في الناس حتى بلغ الحبشة؛ فقال المسلمون بها: عشائرنا أحبّ إلينا، وخرجوا راجعين. فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم، فقالوا: ذكر آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم ارتدّ عنها فعاد

стр. 101

لشتم آلهتهم فعادوا له بالشّر. وأتمر المسلمون ما يصنعون، فلم يطيقوا عن لقاء أهلهم صبرا فدخلوا مكة. وإنما ارتدّ محمد عن ذكر آلهة قريش بالخير، في مختلف الروايات التي أثبتت هذا الخبر، لأنه كبر عليه قول قريش: «أمّا إذ جعلت لآلهتنا نصيبا فنحن معك» ، ولأنه جلس في بيته، حتى إذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبيّ عليه سورة النجم، فقال جبريل أوجئتك بهاتين الكلمتين؟! - مشيرا إلى «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى» . قال محمد: قلت على الله ما لم يقل! ثم أوحى الله إليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا. إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) «١» . وبذلك عاد يذكر آلهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وإيذاء أصحابه. تهافت حديث الغرانيق وهذا حديث الغرانيق؛ رواه غير واحد من كتّاب السيرة، وأشار إليه غير واحد من المفسرين، ووقف عنده كثيرون من المستشرقين طويلا. وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعد حديث ينقض ما لكل نبيّ من العصمة في تبليغ رسالات ربه. فمن عجب أن يأخذ به بعض كتّاب السيرة وبعض المفسرين المسلمين: ولذلك لم يتردّد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال: إنه من وضع الزنادقة. ولكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تسويغه استندوا إلى الآيات: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ..) ، وإلى قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) «٢» . ويفسر بعضهم كلمة «تمنّى» في الآية بمعنى قرأ، ويفسرها آخرون بمعنى الأمنية المعروفة. ويذهب هؤلاء وأولئك، ويتابعهم المستشرقون، إلى أن النبيّ بلغ منه أذى المشركين أصحابه؛ إذ كانوا يقتلون بعضهم ويلقون بعضا في الصحراء يلفحهم لظى الشمس المحرقة، وقد أوقروهم بالحجارة كما فعلوا ببلال، حتى اضطر إلى الإذن لهم في الهجرة إلى الحبشة. كما بلغ منه جفاء قومه إيّاه وإعراضهم عنه. ولمّا كان حريصا على إسلامهم ونجاتهم من عبادة الأصنام، تقرّب إليهم وتلا سورة النجم وأضاف إليها حكاية الغرانيق، فلما سجد سجدوا معه، وأظهروا له الميل لاتباعه ما دام قد جعل لآلهتهم نصيبا مع الله. ويضيف سيروليم موير إلى هذه الرواية، التي وردت في بعض كتب السيرة وكتب التفسير، حجة يراها قاطعة بصحة حديث الغرانيق. ذلك أن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لم يك قد مضى على هجرتهم إليها غير ثلاثة أشهر، أجارهم النجاشي أثناءها، وأحسن جوارهم. فلو لم يكن قد ترامى إليهم خبر الصلح بين محمد وقريش لما دفعهم دافع إلى العود حرصا على الاتصال بأهلهم وعشائرهم. وأنى يكون صلح بين محمد وقريش إذ لم يسع محمد إليه، وقد كان في مكة أقل نفرا وأضعف قوة، وقد كان أصحابه أعجز من أن يمنعوا أنفسهم من أذى قريش ومن تعذيبهم إياهم!

стр. 102

أسباب عود المهاجرين من الحبشة ١- إسلام عمر هذه هي الحجج التي يسوقها من يقولون بصحة حديث الغرانيق، وهي حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص. ونبدأ بدفع حجة المستشرق موير؛ فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم إلى العود إلى مكة سببان: أولهما أن عمر بن الخطاب أسلم بعد هجرتهم بقليل. وقد دخل عمر في دين الله بالحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، لم يخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ ويقاتلهم في سبيله. ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسللهم إلى شعاب مكة يقيمون الصلاة بعيدين عن أذى قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. هنالك أيقنت قريش أن ما تنال به محمدا وأصحابه من الأذى يوشك أن يثير حربا أهلية لا يعرف أحد مداها ولا على من تدور دائرتها. فقد أسلم من قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أيّ واحد منهم قبيلته وإن كانت على غير دينه. فلا مفّر إذا من الالتجاء في محاربة محمد إلى وسيلة لا يترتب عليها هذا الخطر. وإلى أن تتفق قريش على هذه الوسيلة، هادنت المسلمين فلم تنل أحدا منهم بأذى. وهذا هو ما اتّصل بالمهاجرين إلى الحبشة، ودعاهم إلى التفكير في العود إلى مكة. ٢- ثورة الحبشة وربما تردّدوا في هدا العود لو لم يكن السبب الثاني الذي ثبّت عزمهم؛ ذلك أن الحبشة شبّت بها يومئذ ثورة على النجاشي، كان دينه وكان ما أبدى من عطف على المسلمين بعض ما أذيع فيها من تهم وجهت إليه. ولقد أبدى المسلمون أحسن الأماني أن ينصر الله النجاشي على خصومه؛ لكنهم لم يكونوا ليشاركوا في هذه الثورة وهم أجانب، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة غير زمن قليل. أما وقد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى، فخير لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم وأن يلحقوا بأهليهم؛ وهذا ما فعلوه كلهم أو بعضهم. على أنهم ما كادوا يبلغون مكة حتى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه، واتّفقت عشائرها وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة؛ فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم. وبهذا الكتاب عادت الحرب العوان بين الفريقين، ورجع الذين عادوا من الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم. وقد وجدوا هذه المرة عنتا من قريش إذ حاولت أن تمنعهم من الهجرة. ليس الصلح الذي يشير إليه المستشرق موير، هو إذا الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد الحبشة؛ إنما دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر وحماسته في تأييد دين الله. فتأييد حديث الغرانيق إذا بحجة الصلح تأييد غير ناهض. الاحتجاج بالآيات مقلوب أمّا احتجاج المحتجين من كتاب السيرة والمفسرين بالآيات: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) و (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ..) فهو احتجاج أشدّ تهافتا من حجة السير موير ويكفي أن نذكر من الآيات الأولى قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) لنرى أنه إن كان الشيطان قد ألقى في أمنية الرسول حتى لقد كان يركن إليهم شيئا قليلا فقد ثبّته الله فلم يفعل، ولو أنه فعل لأذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات. وإذا فالاحتجاج بهذه الآيات احتجاج مقلوب. فقصة الغرانيق

стр. 103

تجري بأن محمدا ركن إلى قريش بالفعل. وأن قريشا فتنته بالفعل فقال على الله ما لم يقل. والآيات هنا تفيد أن الله ثبّته فلم يفعل. فإذا ذكرت كذلك أن كتب التفسير وأسباب النزول جعلت لهذه الآيات موضعا غير مسألة الغرانيق، رأيت أن الاحتجاج بها في مسألة تتنافى مع عصمة الرسل في تبليغ رسالاتهم، وتتنافى مع تاريخ محمد كله، احتجاج متهافت، بل احتجاج سقيم. أما الآيات (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ... ) فلا صلة لها بحديث الغرانيق البتة، فضلا عن ذكرها أن الله ينسخ ما يلقي الشيطان ويجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، ويحكم الله آياته والله عليم حكيم. وندع هذا إلى تمحيص القصة التمحيص العلمي الذي يثبت عدم صحتها. وأوّل ما يدل على ذلك تعدّد الروايات فيها، فقد رويت، كما سبق القول على أنها: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. ورواها بعضهم: «الغرانقة العلا إن شفاعتهم ترتجى» . وروى آخرون: «إن شفاعتهم ترتجى» دون ذكر الغرانقة أو الغرانيق. وفي رواية رابعة: «وإنها لهي الغرانيق العلا» وفي رواية خامسة: «وإنهن لهن الغرانيق العلا. وإن شفاعتهم لهي التي ترتجى» وقد وردت في بعض كتب الحديث روايات أخرى غير هذه الروايات الخمس. وهذا التعدّد في الروايات يدلّ على أن الحديث موضوع، وأنه من وضع الزنادقة، كما قال ابن إسحاق، وأن الغرض منه التشكيك في صدق تبليغ محمد رسالات ربه. ودليل آخر أقوى وأقطع؛ ذلك سياق سورة النجم وعدم احتماله لمسألة الغرانيق. فالسياق يجري بقوله تعالى: (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى) «١» . وهذا السياق صريح في أن اللّات والعزّى أسماء سمّاها المشركون هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان. فكيف يحتمل أن يجري السياق بما يأتي: «أفرأيتم اللّات والعزّى. ومناة الثالثة الآخرى. تلك الغرانيق العلا. إن شفاعتهنّ ترتجى. ألكم الذكر وله الأنثى. تلك اذا قسمة ضيزى. إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان» إن في هذا السياق من الفساد والاضطراب والتناقض، ومن مدح اللّات والعزّى ومناة الثالثة الآخرى وذمها في أربع آيات متعاقبة، ما لا يسلّم به عقل ولا يقول به إنسان، ولا تبقى معه شبهة في أن حديث الغرانيق مفترى وضعه الزنادقة لغاياتهم، وصدّقه من يسيغون كل غريب ومن تقبل عقولهم ما لا يسيغ العقل المنطقيّ. وحجة أخرى ساقها المغفور له الأستاذ محمد عبده حين كتب يفنّد قصة الغرانيق. تلك أن وصف العرب لألهتهم بأنها الغرانيق لم يرد في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم. وإنما ورد الغرنوق والغرنيق على أنه اسم لطائر مائيّ أسود أو أبيض، والشابّ الأبيض الجميل. ولا شيء من ذلك يلائم معنى الآلهة أو وصفها عند العرب. صدق محمد يأبى صحة القصة بقيت حجة قاطعة، نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه من حياة محمد نفسه؛ فهو منذ

стр. 104

طفولته وصباه وشبابه لم يجرّب عليه الكذب قط، حتى سمي الأمين ولمّا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره. وكان صدقه أمرا مسلما به عند الناس جميعا، حتى لقد سأل قريشا يوما بعد بعثه: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدّقوني؟» فكان جوابهم: «نعم! أنت عندنا غير متّهم وما جرّبنا عليك كذبا قط» . فالرجل الذي عرف بالصدق في صلاته بالناس منذ نعومة أظفاره إلى كهلوته كيف يصدّق إنسان أنه يقول على ربّه ما لم يقل، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه! هذا أمر مستحيل. يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القويّة الممتازة التي تعرف الصلابة في الحق ولا تداجي فيه لأيّ اعتبار. وكيف ترى يقول محمد: لو وضعت قريش الشمس في يمينه والقمر في شماله على أن يترك هذا الأمر أو يموت دونه ما فعل، ثم يقول على الله ما لم يوح إليه، ويقوله لينقض به أساس الدّين الذي بعثه الله به هدى وبشرى للعالمين! ومتى رجع إلى قريش ليمدح آلهتهم؟ بعد عشر سنوات أو نحوها من بعثه. وبعد أن احتمل هو وأصحابه في سبيل الرسالة من ألوان الأذى وصنوف التضحية ما احتمل، وبعد أن أعزّ الله الإسلام بحمزة وعمر، وبعد أن بدأ المسلمون يصبحون قوّة بمكة، ويمتدّ خبرهم إلى بلاد العرب كلها وإلى الحبشة، وإلى مختلف نواحي العالم. إن القول بذلك حديث خرافة وأكذوبة ممجوجة. ولقد شعر الذين اخترعوها بسهولة افتضاحها، فأرادوا سترها بقولهم: إن محمدا ما كاد يسمع كلام قريش إذ جعل لآلهتهم نصيبا في الشفاعة حتى كبر ذلك عليه. وحتى رجع إلى الله تائبا أوّل ما أمسى ببيته وجاءه جبريل فيه. لكن هذا السّتر أحرى أن يفضحها. فما دام الأمر قد كبر على محمد منذ سمع مقالة قريش، فما كان أحراه أن يراجع الوحي لساعته! وما كان أحراه أن يجري الوحي الصواب على لسانه؟ وإذا فلا أصل لمسألة الغرانيق إلا الوضع والاختراع. قامت بهما طائفة الذين أخذوا أنفسهم بالكيد للإسلام بعد انقضاء الصدر الأول. وأعجب ما في جرأة هؤلاء المفترين أنهم عرضوا للافتراء في أمّ مسائل الإسلام جميعا: في التوحيد! في المسألة التي بعث محمد لتبليغها للناس منذ اللحظة الأولى، والتي لم يقبل فيها منذ تلك اللحظة هوادة، ولا أماله عنها ما عرضت عليه قريش أن يعطوه ما يشاء من المال أو يجعلوه ملكا عليهم. وعرضوا ذلك عليه حين لم يكن قد اتّبعه من أهل مكة إلا عدد يسير. وما كان أذى قريش لأصحابه ليجعله يرجع عن دعوة أمره ربه أن يبلغها للناس. فاختيار المفترين لهذه المسألة التي كانت صلابة محمد فيها غاية ما عرف عنه من الصلابة، يدلّ على جرأة غير معقولة، ويدلّ في الوقت نفسه على أن الذين مالوا إلى تصديقهم قد خدعوا فيما لا يجوز أن يخدع فيه أحد. لا أصل إذا لمسألة الغرانيق على الإطلاق، ولا صلة البتة بينها وبين عودة المسلمين من الحبشة، إنما عادوا، كما قدّمنا، بعد أن أسلم عمر ونصر الإسلام بمثل الحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، حتى اضطرت قريش لمهادنة المسلمين. وعادوا حين شبّت في بلاد الحبشة ثورة خافوا مغبّتها. فلما علمت قريش بعودتهم إزدادت مخاوفها أن يعظم أمر محمد بينهم، فأتمرت ما تصنع. وقد انتهت بوضع الصحيفة التي قرّروا فيها فيما قرروا ألا يناكحوا بني هاشم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، كما أجمعوا فيما بينهم أن يقتلوا محمدا إن استطاعوا.

стр. 105

الفصل السابع مساءات قريش إعلان عمر إسلامه وصلاة المسلمين عند الكعبة- صحيفة المقاطعة- جهود قريش في محاربة محمد- سلاح الدعاية- سحر البيان- جبر النصراني- تأثر قريش بالدعوة الجديدة- الطفيل الدوسي- وفد النصارى- ما منع قريشا أن تتابع محمدا: المنافسة، الخوف على مكانة مكة، الفزع من البعث. فت إسلام عمر في عضد قريش أن دخل في دين الله بالحميّة التي كان يحاربه من قبل بها. لم يخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤس الملأ ويقاتلهم في سبيله، ولم يرض عن استخفاء المسلمين وذهابهم إلى شعاب مكة يقيمون الصلاة فيها بعيدين عن أذى قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. وأيقنت قريش أن ما تنال به محمدا وأصحابه من الأذى لن يحول دون إقبال الناس على دين الله ليحتموا من بعد ذلك بعمر وحمزة أو بالحبشة أو بمن يقدر على حمايتهم؛ فأتمرت من جديد ماذا تصنع، واتّفقوا فيما بينهم وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب مقاطعة تامّة، فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، وعلّقوا صحيفة هذا العقد في جوف الكعبة توكيدا لها وتسجيلا. وكان أكبر ظنهم أن هذه السياسة السلبيّة، وسياسة التجويع والمقاطعة ستكون أفعل أثرا من سياسة الأذى والإعنات، وإن لم ينقطعوا عن الإعنات ولا عن الأذى. وأقامت قريش على حصار المسلمين وحصار بني هاشم وبني عبد المطلب سنتين أو ثلاثا، كانت ترجو خلالها أن تصل من محمد إلى اعتزال قومه إياه، فيعود وحيدا ولا يبقى له ولا لدعوته من خطر. فأمّا محمد فلم يزده ذلك إلا اعتصاما بحبل الله، ولم يزد أهله والذين آمنوا به إلا ذودا عنه وعن دين الله، ولم يحل دون انتشار الدعوة إلى الإسلام انتشارا خرج بها من حدود مكة. وذاع أمر الدعوة بين العرب وقبائلها بما جعل الدين الجديد يفشو ذكره في شبه الجزيرة بعد أن كان حبيسا بين جبال مكة، وما جعل قريشا تزيد إمعانا في تفكيرها كيف تحارب هذا الذي خرج عليها وسبّ آلهتها، وكيف تقف دون انتشار دعوته بين قبائل العرب، هذه القبائل التي لا غنى لمكة عنها ولا غنى لها عن مكة في التجارة المتصلة التي تصدر عن أمّ القرى وترد إليها. ولقد كان ما بذلت قريش من مجهود في محاربة هذا الخارج عليها وعلى دينها ودين آبائها، وما ثابرت وصابرت السنين الطوال للقضاء على هذه الدعوة الجديدة، يعدو ما يتصوره العقل. هدّدت محمدا وهدّدت

стр. 106

أهله وأعمامه. تهكمت به وبدعوته، وسخرت منه وممّن اتّبعه. أرسلت شعراءها تهجوه وتفري أديمه. نالته بالأذى ونالت من اتّبعه بالسوء والعذاب. عرضت عليه الرشوة، وعرضت عليه الملك، وعرضت عليه كل ما يطمع الناس فيه. شرّدت أنصاره عن أوطانهم، وأصابتهم في تجارتهم وفي أرزاقهم. أنذرته وأنذرتهم الحرب وأهوالها وما تجني وما تدمّر. وها هي ذي تحاصرهم أخيرا لتميتهم جوعا إن استطاعت إلى ذلك سبيلا. مع ذلك ظلّ محمد يشتدّ في دعوة الناس بالحسنى إلى الحق الذي بعثه الله به للناس بشيرا ونذيرا. أفان لقريش أن تلقي سلاحها وأن تصدّق الأمين الذي عرفته منذ طفولته وكل صباه وشبابه أمينا؟ أم أنها لجأت إلى سلاح غير ما قدّمنا من أسلحة النضال وخيّل إليها أنها مستطيعة به أن تكسب الموقعة، وأن تستبقي لأصنامها مكانة الألوهية التي تزعمها، وأن تستبقي بمكة متحف هذه الأصنام ومكان تقديسها ليبقى لمكة كلّ ما ينالها بسبب هذه الأصنام من تقديس؟! كلّا! لم يأن لقريش أن تذعن وأن تسلم وهي الآن أشدّ ما تكون خوفا من انتشار دعوة محمد بين قبائل العرب بعد أن انتشرت بمكة. وقد بقي لديها سلاح لجأت إليه منذ الساعة الأولى ولا يزال لها في قوّته وفي مضائه مطمع، ذلك سلاح الدعاية: الدعاية بكل ما تنطوي عليه من مجادلة وحجج ومهاترة وترويج إشاعات وتوهين لحجة الخصم، واستعلاء بالدليل على دليله. الدعاية على العقيدة وعلى صاحب العقيدة واتّهامه فيها واتّهامها لذاتها. الدعاية التي لا تقف عند حدود مكة، والتي لم تكن بحاجة إليها كحاجة البادية وقبائلها وشبه الجزيرة وسائر أهلها. كان التهديد والإغراء والإرهاب والتعذيب بعض ما يغني عن الدعاية في مكة، لكنها لم تكن لتغني عنها شيئا عند الألوف الذين يفدون إلى مكة كل عام في التجارة والحج، والذين يجتمعون في أسواق عكاظ ومجنّة وذي المجاز ليحجّوا إلى الكعبة بعد ذلك مقرّبين إلى أصنامهم، ناحرين عندها، ملتمسين منها البركة والمغفرة. لذلك فكرت قريش منذ استحرّت الخصومة بينها وبين محمد في تنظيم الدعاية عليه. وكانت في تفكيرها هذا أشد إمعانا منذ فكّر هو في مبادأة الحاجّ بدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهو قد فكر في هذا بعد السنين الأولى من بعثه؛ فهو قد بدأ نبيّا منذ بعثه إلى أن جاءه الوحي أن ينذر عشيرته الأقربين. فلما أنذر قريشا وأسلم منها من أسلم، وألح في الكفر والعناد من ألحّ، ألقى عليه أن يدعو قومه والعرب جميعا ليلقى عليه من بعد ذلك أن يدعو الناس كافة. لمّا فكر في مبادأة الحاجّ من مختلف قبائل العرب بالدعوة إلى الله، اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة يتشاورون: ماذا عسى أن يقولوا في شأن محمد للعرب القادمين إلى موسم الحج، حتى لا يختلف بعضهم على بعض ويكذّب بعضهم بعضا. واقترح بعضهم أن يقولوا: إن محمدا كاهن؛ فردّ الوليد هذا الرأي أن ليس ما يقول محمد بزمزمة «١» الكاهن ولا بسجعه. واقترح آخرون أن يزعموا أن محمدا مجنون؛ فردّ الوليد هذا الرأي بأنه لا تبدو عليه لهذا الزعم ظاهرة. واقترح غيرهم أن يتهموا محمدا بالسحر؛ فرد الوليد بأن محمدا لا ينفث في العقد ولا يأتي من عمل السّحرة شيئا. وبعد حوار اقترح الوليد عليهم أن يقولوا للحاجّ من العرب إن هذا الرجل ساحر البيان، وإن ما يقوله سحر يفرّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. وكان لهم عند العرب من الحجة على قولهم هذا ما أصابهم في مكة من فرقة وتخاذل وتناحر، بعد أن كانت مكة مضرب المثل في العصبية وفي قوّة الرابطة. وانطلقت قريش في الموسم تحذّر الحاجّ الاستماع إلى هذا الرجل وسحر بيانه، حتى لا يصيبها ما أصاب مكة فتكون فتنة تصلى نارها جزيرة العرب جمعاء.

стр. 107

النضر بن الحارث ولكن دعاية كهذه لا يمكن أن تقوم وحدها أو تقاوم سحر هذا البيان الذين يؤمنون إليه. فإذا جاء الحق في هذا البيان الساحر فما يمنع الناس أن يؤمنوا به؟ هل كان الإعتراف بالعجز وتبريز الخصم دعاية ناجعة في يوم من الأيام؟! فلتكن لقريش إلى جانب هذه الدعاية دعاية أخرى. ولتلتمس قريش هذه الدعاية عند النّضر بن الحارث. وقد كان هذا النّضر من شياطين قريش، وكان قد قدم الحيرة تعلّم بها أحاديث ملوك الفرس وعباداتها وأقوالها في الخير والشر وفي عناصر الكون. فأخذ كلما جلس محمد مجلسا يدعو فيه قومه إلى الله، ويحذّرهم عاقبة من قبلهم من الأمم التي أعرضت عن عبادة الله يخلف محمدا في مجلسه ويقص على قريش حديث فارس ودينها، ثم يقول: بماذا يكون محمد أحسن حديثا مني؟ أليس يتلو من أساطير الأولين ما أتلو! وكانت قريش تذيع أحاديث النضر من طريق الرواية دعاية على ما ينذر محمد الناس به وما يدعوهم إليه. جبر النصراني وكان محمد يكثر من الجلوس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، فكانت قريش تزعم أن جبرا النصرانيّ هذا هو الذي يعلّم محمدا أكثر ما يأتي به، فإذا كان لأحد أن يخرج على دين آبائه فالنصرانية أولى. وروّجت قريش لزعمها هذا، فنزل في ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) «١» . الطفيل بن عمرو الدوسي بهذه الضروب وأمثالها من الدعاية جعلت قريش تحارب محمدا ترجو أن تبلغ بها منه أكثر مما يبلغ منه الأذى وممن اتّبعه العذاب. على أن قوّة الحق في الصورة الواضحة البسيطة التي صوّر فيها على لسان محمد كانت تعلو على ما يقولون، وما تفتأن لذلك تزداد كل يوم بين العرب انتشارا. قدم الطفيل بن عمرو الدّوسي مكة، وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فمشت إليه قريش تحذّره محمدا وأن قوله كالسحر، يفرّق بين المرء وأهله، بل بين المرء ونفسه؛ وأنهم يخشون عليه وعلى قومه مثل ما أصابهم بمكة، وأنّ الخير في ألّا يكلمه ولا يستمع إليه. وذهب الطفيل يوما إلى الكعبة، وكان محمد هناك، فسمع بعض قوله فإذا هو كلام حسن؛ فقال في نفسه: «واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته» او اتّبع محمدا إلى بيته وأظهره على أمره وما دار بنفسه؛ فعرض محمد عليه الإسلام وتلا عليه القرآن، فأسلم وشهد شهادة الحق، ورجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فلبّاه بعضهم وأبطأ بعض؛ وما زال الطفيل بهم يدعوهم سنين متعاقبة حتى أسلم أكثرهم، وانضموا إلى النبيّ بعد فتح مكة وبعد أن بدأ النظام السياسيّ يأخذ في الإسلام صورة معيّنة. وليس الطفيل الدّوسي إلّا مثلا من كثير. ولم يكن عبّاد الأصنام وحدهم هم الذين يستجيبون لدعوة محمد. قدم عليه وهو بمكة عشرون رجلا من النصارى حين بلغهم خبره. فجلسوا إليه وسألوه واستمعوا له، فاستجابوا وآمنوا به وصدّقوه، مما غاظ قريشا حتى سبوهم وقالوا لهم: «خيّبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدّقتموه بما قال!» . ولم تثن مقالة قريش هذا الوفد عن متابعة محمد ولم تردّه عن الإسلام، بل زادتهم بالله إيمانا على إيمانهم إذ كانوا نصارى، وكانوا من قبل أن يستمعوا إلى محمد لله مسلمين.

стр. 108

أبو سفيان وأبو جهل والأخنس بل لقد بلغ من أمر محمد ما هو أعظم من هذا، بدأ أشدّ قريش خصومة يسائلون أنفسهم: أحقّا أنه يدعو إلى الدين القيم، وأن ما يعدهم وما ينذرهم هو الصحيح؟ خرج أبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والأخنس بن شريق ليلة ليستمعوا إلى محمد وهو في بيته، فأخذ كلّ منهم مجلسا يستمع فيه وكلّ منهم لا يعلم بمكان صاحبه. وكان محمد يقوم اللّيل إلا قليلا يرتل القرآن في هدوء وسكينة، ويردّد بصوته العذب آياته القدسيّة على أوتار سمعه وقلبه. فلما كان الفجر تفرّق المستمعون وهم عائدون إلى منازلهم؛ فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا! فلو رآكم بعض سفهائكم لأضعف ذلك من أمركم ولنصر محمدا عليكم. فلما كانت الليلة الثانية شعر كل واحد منهم، في مثل الموعد الذي ذهب فيه أمس، كأنّ رجليه تحملانه من غير أن يستطيع امتناعا ليقضي ليله حيث قضاه أمس، وليستمع إلى محمد يتلو كتاب ربه. وتلاقوا عند عودتهم مطلع الفجر وتلاوموا من جديد، فلم يحل تلاومهم دون الذهاب في الليلة الثالثة. فلما أدركوا ما بهم لدعوة محمد من ضعف تعاهدوا ألا يعودوا لمثل فعلتهم، وإن ترك ما سمعوا من محمد في نفوسهم أثرا جعلهم يتساءلون فيما بينهم عن الرأي فيما سمعوا، وكلهم تضطرب نفسه ويخاف أن يضعف وهو سيد قومه فيضعف قومه ويتابعوا محمدا معه. ما منعهم أن يتابعوا محمدا؟ إنه لا يريد منهم مالا ولا فيهم سيادة ولا عليهم ملكا أو سلطانا، وهو بعد رجل جمّ التواضع شديد الحب لقومه والبّر بهم والحرص على هداهم، شديد حساب النفس، حيث ليخشى إساءة المسكين والضعيف، ويرى في المغفرة لأذى يحتمله طمأنينة لقلبه وراحة لضميره. ألم يقف مع الوليد بن المغيرة يوما وقد طمع في إسلامه، والوليد سيد من سادات قريش، فمرّ به ابن أم مكتوم الأعمى وجعل يستقرئه القرآن، وألح في ذلك حتى شق على محمد إلحاحه، لما شغله عما كان فيه من أمر الوليد، فتولى عنه وانصرف عابسا، فلما خلا إلى نفسه جعل يحاسبها على صنيعها ويسائلها أأخطأ؟ حتى نزل عليه الوحي بهذه الآيات: (عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى. كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرامٍ بَرَرَةٍ) «١» . فما دام ذلك أمره فما منع قريشا أن يتابعوه، وأن يعينوه على دعوته، وخاصة بعد إذ لانت قلوبهم، وإذ أنستهم السنون ما تدفع إليه المحافظة على القديم البالي من جمود النفس، وإذ رأوا في دعوة محمد جلالا وكمالا؟! النزوع إلى الكمال ولكن! أحقّا أن السنين تنسي النفوس جمودها ومحافظتها على القديم البالي؟ إنما يكون ذلك عند الممتازين ومن في قلوبهم نزوع دائم إلى الكمال، هؤلاء ما يزالون حياتهم كلها يقلّبون الحقائق التي آمنوا من قبل بها لينفوا ما يعلق بها من زيف بالغة ما بلغت تفاهته. وهؤلاء كأن قلوبهم وعقولهم بوتقة دائمة الغليان، تقبل كل جديد من الرأي يلقى إليها، فتصهره وتنفي خبثه وتستبقي ما فيه من خير وحق وجمال. وهؤلاء يلتمسون الحقّ في كل شيء وفي كل مكان وعلى كل لسان. بيد أنهم في كل أمة وعصر هم الصفوة المختارة، وهم لذلك قلة أبدا.

стр. 109

وهم يجدون الخصومة دائما ناشئة على أشدّها بينهم وبين ذوي المال والجاه والسلطان؛ لأن هؤلاء يخافون من كل جديد أن يجني على مالهم أو جاههم أو سلطانهم، وهم لا يعرفون غير هذه الحياة حقائق ملموسة. كل ما سوى هذه حقّ إذا هو أدّى إلى مزيد منها، باطل إذا بعث إلى أصحابها أيسر ظلّ من الريبة إزاءها: ربّ المال يرى أن الفضيلة حق إذا زادت في ماله، باطل إذا حرمته إياه. وأن الدّين حق إذا عرف كيف يسخره لشهواته، باطل إذا وقف في وجه هذه الشهوات وحطمها، ورب الجاه ورب السلطان في ذلك كربّ المال سواء. وهؤلاء في خصومتهم لكل جديد يخافون منه، يستعدون السواد الذي يفيد منهم رزقه على المنادي بهذا الرأي الجديد، وهم يستعدون السواد بتقديس الصروح القديمة التي نخر السوس فيها بعد أن فرّ الروح منها. وهم يقيمون هذه الصروح هياكل من الحجر ليزعموا للسواد البريء أن الروح المقدّس، الذي لفوه هم في أكفانه، ما برح في جلاله بين محبس هذه الهياكل. والسواد ينصرهم أكثر الأمر؛ لأنه ينظر قبل كل شيء إلى رزقه، ولا يسهل عليه أن يدرك أن أية حقيقة لا تطيق أن تبقى حبيسة بين جدران معبد من المعابد بالغا ما بلغ جماله وجلاله، وأن في طبع الحقيقة أن تكون حرة طليقة تغزو النفوس وتغذوها، لا تفرّق فيها بين نفس سيد ونفس عبد، ولا يقف نظام من النظم في سبيلها بالغة ما بلغت قسوته وبطش أصحابه في حمايته. فكيف تريد من هؤلاء الذين كانوا يتسللون لواذا يستمعون إلى القرآن أن يؤمنوا به وهو يؤاخذهم في كثير ممّا يرتكبون، وهو لا يفرّق بين الأعمى ومن استغنى بكثرة المال إلا بطهارة النفس، وهو ينادي الناس جميعا: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) «١» . فإذا ظل أبو سفيان ومن معه على دين آبائهم فليس ذلك إيمانا منهم به أو بحق يحتويه، بل هو حرص على نظام قديم أقامه ثم أفاء الحظّ عليهم في ظلّه من بسطة المال والجاه ما يحرصون عليه ويحاربون الحياة كلها دونه. الحسد والتنافس وإلى جانب هذا الحرص كان يقوم الحسد والتنافس والتنازع مانعا من إقبال قريش على متابعة النبيّ. كان أميّة بن أبي الصّلت ممن حدّثوا عن نبيّ يقوم في العرب قبل ظهور محمد، حتى طمع هو في النبوّة؛ وأكلت قلبه الغيرة حين لم ينزل الوحي عليه، فلم يرض أن يتابع من ظنه منافسه مع غلبة الحكمة على شعره، حتى قال ﵇ يوما وهذا الشعر يروى أمامه: «أميّة آمن شعره وكفر قلبه» . وكان الوليد بن المغيرة يقول: «أينزّل على محمد وأترك أنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفيّ سيدّ ثقيف ونحن عظيما القريتين» وإلى هذا يشير قوله تعالى: (وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) «٢» . ولما استمع أبو سفيان وأبو جهل والأخنس إلى القرآن ثلاث ليال متتابعة في القصة التي رويناها، ذهب الأخنس إلى أبي جهل في بيته فسأله: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعنا من محمد؟! فكان جواب أبي جهل «ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا الرّكب وكنا كفرسيّ رهان قالوا: منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه؟! والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه» . وللحسد والتنافس والتنازع في هذه النفوس البدوية من عميق الأثر ما يخطئ الإنسان إذا هو حاول الإغضاء عنه أو لم يقدره حق قدره. ويكفي أن نذكر ما لهذه الشهوات على النفوس جميعا من سلطان، لنقدر أن التخلص من أثرها يجب أن يسبقه تهذيب طويل يصقل الفؤاد ويرفع حكم العقل على نزعات الهوى، ويسمو بالعاطفة وبالروح إلى مرقى يجعلك ترى الحقيقة على لسان خصمك بل عدوّك هي

стр. 110

الحقيقة على لسان حميمك ووليك، وتؤمن بأنك أكثر غنى بملك الحقيقة منك بمال قارون وجاه الإسكندر وملك قيصر. هذه مكانة قلّ من يصل إليها إلا من هدى الله قلبه للحقّ. أمّا سائر الناس فتعميهم العاجلة من مال ونشب، ويعميهم الاستمتاع باللحظة التي يعيشون فيها، عن الارتفاع إلى هذه المعاني. وهم في سبيل هذه العاجلة واقتناص تلك اللحظة يحاربون ويقاتلون، لا يحول شيء دون أن ينشب أحدهم أظفاره وأنيابه في عنق الحقّ والخير والفضيلة، وأن يدوس تحت أقدام دنسه أطهر معاني الكمال. ما بالك بهؤلاء العرب من قريش وهم يرون محمدا يزداد أنصاره كل يوم عددا، ويخشون يوما ما يكون فيه للحق الذي يعلنه السلطان عليهم وعلى من يدين لهم بالطاعة، ويمتدّ من وراء ذلك إلى العرب في مختلف أنحاء الجزيرة! دون هذا قطّ الرقاب إذا استطاعوا. قطّها. ودون هذا الدعاية والمقاطعة والحصار والتعذيب والتنكيل يصبونه على هام خصومهم صبّا. الفزع من البعث والحساب وسبب ثالث منع قريشا من متابعة محمد. ذلك فزعهم من البعث ومن عذاب جهنم يوم الحساب؛ فقد رأيتهم قوما مكبّين على اللهو مسرفين فيه، ويتّخذون من التجارة ومن الرّبا إليه الوسيلة. ولا يرى الغنيّ منهم في شيء من الأشياء رذيلة يتجافى عنها؛ ثم كان لهم من التقرب إلى أصنامهم ما يزعمون أنه يكفّر عن سيئاتهم وذنوبهم. بحسبه الرجل أن يضرب القداح عند هبل قبل أن يقدم على أمر ليكون ما تشير به عليه القداح أمر هبل. وبحسبه أن ينحر للأصنام لتمحو الأصنام سيئاته وذنوبه! هو في حلّ من أن يقتل وينهب ويرتكب الفحشاء ولا يعفّ عن الخنا ما دام قديرا على رشوة هذه الآلهة بالقرابين والنحور! وهذا هو محمد يعلن إليهم في آيات مرهبة تنخلع من هولها القلوب وتضطرب الأفئدة أن ربّهم لهم بالمرصاد، وأنهم مبعوثون في اليوم الآخر خلقا جديدا، وأن أعمالهم هي وحدها الشفيع لهم. (فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ. تَرْهَقُها قَتَرَةٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) «١» . والصاخة تجيء: (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ. وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً. يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ. وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ. وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ. كَلَّا إِنَّها لَظى. نَزَّاعَةً لِلشَّوى. تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى. وَجَمَعَ فَأَوْعى) «٢» . (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ. قُطُوفُها دانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ. يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ. ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ. إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ. فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ. وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ. لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ) «٣» . أتلوت هذا! أسمعته! ألم يأخذك الهول ويتولك الفزع! وليس هذا إلا قليلا مما كان ينذر محمد به قومه. وأنت تتلوه اليوم وقد تلوته وسمعته من قبل مرّات. وأنت تعيد إلى ذهنك إذ تتلوه ما في القرآن من تصوير جهنم: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) «٤» ، (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) «٥» .
следующие страницы →