وإنَّما سُمِّيا سدَّين لسدِّهما فجاج الأرض، وكانت بينهما فجوة يلج (١) فيها يأجوج ومأجوج، وهذا المكان في منقطع أرض التُّرك.
وما قيل: هما جبلا أرمينية وأذربيجان؛ وهمٌ.
وقرئ: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالضَّم (٢).
قال الكسائي: هما لغتان، كالمَكْث والمُكْث.
وقال أبو عمرو: السَّدُّ بالفتح: الحاجز بينك وبين الشَّيء، وبالضَّمِّ: الغشاوة في العين (٣).
ولهذا قال مَن قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو بالفتح، وما كان من صنعة الله تعالى فهو بالضَّم.
وانتصب ﴿بَيْنَ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ لأنَّه من الظروف المتصرفة.
﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا﴾ اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصحَّ في ذلك شيء.
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾: لا يفقهونه من إشارة ونحوها إلَّا بجهد ومشقَّة، فإنَّ زيادة (يكاد) قد تكون لإفادة هذا المعنى، كما في ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، وذلك لقلَّة فطنتهم، وأما غرابة اللغة فلا يصح علةً لهذا.
стр. 2767
وقرئ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ (١)؛ أي: لا يُفْهِمون السَّامعَ كلامَهم، أو لا يبينونه (٢) إلَّا بمشقة لغرابة لغتهم أو لَثْغتهم.
* * *
(٩٤) - ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.
﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ دلَّ هذا الخطاب على أنَّه لقبُ تعظيم، وهو في المعنى الذي ذكرناه فيما سبق دون غيره من المعاني المذكورة في التَّفاسير، وقدرةُ ذي القرنين على فهم قولهم وتفهُّمهم من جملة الأسباب التي آتاه الله تعالى.
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ اسمان لقبيلتين من ولد يافث، ممنوعا الصَّرف، ولا دلالة فيه على عجميَّتهما لوجود علَّتين أخريين: التَّأنيث والعلميَّة. وقرئا مهموزين (٣).
قال الأخفش: مَن همز جعل الألف من الأصل، كأنه من أجيج النَّار، ومَن لم يهمز جعل الألف زائدة وقال: يأجوج من يَجَجْت [ومأجوج من مَجَجْت] (٤).
وقال أبو عليٍّ: إن همز يأجوج فهو من أجَّت النَّار، وإن لم يهمز فيمكن أن
стр. 2768
يكون خفَّفَ الهمزة فقلبت ألفًا مثل: راس، وأما مأجوج فهو مفعول من أجَّ، وإن لم يُهْمَز فيجوز أن يكون على التَّخفيف وأن يكون فاعولًا من مَجَّ (١).
﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل والتَّخريب والإتلاف، قيل: كانوا يخرجون أيَّام الرَّبيع فلا يتركون أخضرَ إلَّا أكلوه، ولا يابسًا إلَّا احتملوه، وقيل: كانوا يأكلون النَّاس.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ استفهام على جهة حُسن الأدب.
﴿خَرْجًا﴾: جعلًا، نخرجه من أموالنا (٢).
وقرئ: ﴿خَراجًا﴾ (٣)، قال أهل اللغة: الخَرْجُ: ما يُخرج من المال، والخَراجُ: ما يُخرج من الأرض، وقيل: كلاهما واحد كالنَّوْل والنَّوال.
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ يمنعُهم من (٤) الخروج علينا.
وقرئ: ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم (٥).
قال القرطبي: قال الخليل وسيبويه: الضمُّ هو الاسم والفتح المصدر، وقال عكرمة وأبو عمرو وأبو عبيدة: ما كان بخلق الله تعالى ولم يشاركه فيه أحد فهو بالضَّم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح، ويلزم أهلَ هذه المقالة أن يقرؤوا هنا
стр. 2769
بالفتح، وفيما (١) سبق [﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾] بالضَّم، وهي قراءة حمزة والكسائي (٢).
والعجب أنَّ الكسائي ينكر الفرق بينهما معنى، فحقُّه أن لا يخصِّص أحدهما بموضع والآخر بموضع آخر، وأبو عمرو يعترف بالفرق وموجَبُه التَّخصيص المذكور، فكلٌّ منهما أخذَ ما هو حقُّ صاحبه.
* * *
(٩٥) - ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾.
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾: ما جعلني فيه مكينًا من كثرة المال والملك ﴿خَيْر﴾ مما يبذلون لي من الخَرَاج، فلا حاجة.
وقرئ: ﴿مَكَّنَنِي﴾ على الأصل (٣).
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أراد معاونتهم بعمل اليد وبقوَّة البدن (٤)، والتَّخصيصُ بقوَّة العمل من ضعف الفِطْنة، فكأنه قال: رفعتُ عنكم مؤنةَ المعونة بالمال، فأعينوني بخدمةٍ بلا أجر، وهذا من تأييد الله تعالى، حيث آثر ما هو أيسرُ في حقِّهم، وأنفعُ في حقِّه، وأسرع في قضاء الحاجة.
﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ الرَّدمُ: السَّدُّ المتراكِبُ، من قولهم: ثوب مُردَّم: إذا كان رقاعًا فوق رقاع.
* * *
стр. 2770
(٩٦) - ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ الزُّبر - بفتح الباء وضمها -: جمع زُبرة، وهي القطعة العظيمة، ولا يلزم أن يكون من الحديد، دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ولذلك قيَّده بالإضافة إلى الحديد، وإعطاؤها من قبيل تحصيل (١) الآلة بالخدمة؛ لأنها ممَّا تحصل بمجرد العمل، فلا حاجة إلى صرف الإيتاء عن معناه إلى معنى المناولة، ولا دلالة على ذلك في قراءة: ﴿آتُونِي﴾ بكسر النَّون موصولة الهمزة (٢)، على معنى: جيئوني (٣).
والباء محذوفة حذْفَها في (أمرتك الخير)؛ لأنَّه هنا (٤) في معنى الإعطاء غاية لا بعينه (٥).
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ في الكلام محذوفٌ تقديرُه: فأتوه بما طلب حتَّى إذا ساوى، يعني: البناء بَيْن الصَّدَفينِ، والصَّدفُ: الجبل المرتفع. ذكره الجوهري (٦).
стр. 2771
وقرئ بضمَّتين، وبالضَّمِّ والسُّكون (١)، وبالفتح والسُّكون (٢)، وبفتح الأوَّل وضمِّ الثَّاني (٣)، والكلُّ بمعنًى واحد.
﴿قَالَ انْفُخُوا﴾؛ أي: على زبر الحديد بالأكيار.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾؛ أي: جعل النَّفخُ ما نُفِخَ فيه كالنَّار بالإحماء.
﴿قَالَ آتُونِي﴾ فيه القراءتان اللَّتان في ﴿آتُونِي﴾ المتقدمة.
﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: نحاسًا مُذابًا من القِطر؛ لأنَّه إذا أذيب قَطَرَ كما يقطر الماء، منصوب بـ ﴿أُفْرِغْ﴾، وتقديره: آتوني قطرًا أفرغ عليه قطرًا، فحُذف الأوَّل لدلالة الثَّاني عليه؛ إذ لو أُعمل الأوَّل لقيل: أفرغه؛ إذ لا يُضمر في الثَّاني على الفصيح.
* * *
(٩٧) - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ حذف التاء تخفيفًا لقربها من الطَّاء، وقرئ بالإدغام (٤)، وهو على غير حدِّه؛ إذ لا يصحُّ إلَّا أن يكون قبل الإدغام متحرِّك أو حرف مدٍّ ولين، ولذلك قال أبو علي: هي غير جائزة (٥).
وقرئ بقلب السِّين صادًا (٦).
стр. 2772
﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: أن يَعْلوه بالصُّعود لارتفاعه وانملاسه.
﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لصلابته وثخانته.
* * *
(٩٨) - ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
﴿قَالَ هَذَا﴾ إشارة إلى السَّدِّ ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ على عباده.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾، أي: فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي، تفريع على ما ذُكِرَ؛ يعني لَمَّا كان وجوده رحمة ينعدم عند انتهاء زمان الرَّحمة بانقضاء المستحقِّين لها.
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: مدكوكًا مبسوطًا مسوًّى بالأرض، وكلُّ ما انبسط بعد ارتفاعه فقد اندكَّ، ومنه الجملُ الأدكُّ: المنبسط السَّنام.
وقرئ: ﴿دَكَّاءَ﴾ بالمدِّ (١)، أي: أرضًا مستوية.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ كائنًا لا محالة، وهو آخر القصَّة.
* * *
(٩٩) - ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.
﴿وَتَرَكْنَا﴾: جعلنا ﴿بَعْضَهُمْ﴾ بعض الخلق (٢) ﴿يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ﴾ يضطرب ﴿فِي بَعْضٍ﴾ فيختلطون إنسُهم وجنُّهم (٣) حيارَى.
стр. 2773
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّور﴾ هذه النَّفخة نفخة الإنشاء، لا نفخةُ الإفناء، دلَّ على ذلك الفاء التَّعقيبيَّة في قوله:
﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ للحساب والجزاء، وما هو لقيام السَّاعة إنَّما هو نفخة الإفناء.
* * *
(١٠٠) - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾.
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ﴾: وأبرزنا لهم.
﴿عَرْضًا﴾ أشار بتنكيره إلى خروجه عن حدِّ التَّعريف والبيان.
* * *
(١٠١) - ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾: عن آياتي التي يُنظر إليها، فأُذكَرُ بالتَّوحيد والتَّعظيم.
﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: استماعًا (١) لذكري وكلامي لفرط صممهم عن الحقِّ، وهذا أبلغ من إثبات الصَّمم لهم؛ لأنَّ الاسم قد يستطيع السَّمع إذا صيح به (٢).
* * *
(١٠٢) - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.
стр. 2774
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: (أفظنَّ الذين كفروا)، وقد قرأ كذلك ابن مسعود ﵁ (١)، معطوف على قوله: ﴿كَانَتْ﴾ ﴿وَكَانُوا﴾ دلالةً على أن الحسبان ناشئ من التَّعامي والتَّصامِّ، وأُدخل عليه همزةُ الإنكار ذمًّا على ذمٍّ، وقطعًا له عن المعطوف عليهما لفظًا لا معنًى؛ للإيذان بالاستقلال المؤكِّد (٢) للذَّم في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، من وضع الظاهر مقام المضمَر زيادة للذَّم.
﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي﴾: هم (٣) مَنْ عُبِدَ من الملائكة والمسيح وعزيرٍ ﵈.
﴿مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أنَّهم لا يكونون أولياء كما حكي عنهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١].
[وقرئ] (٤): (أَفَحَسْبُ الذين كفروا) (٥)؛ أي: أفكافيهم (٦) ومُحْسِبُهم أن يتخذوهم أولياء، على الابتداء والخبر، أو على الفعل والفاعل؛ لأن النَّعت إذا اعتمد الهمزة ساوى الفعلَ في العمل.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ استئناف لبيان خطأ حسبانهم، وفي جعل جهنَّم نزلًا
стр. 2775
لهم - وهو ما يقام للنَّزيل (١)؛ أي: الضيف - تهكُّمٌ بهم، وتنبيهٌ على أنَّ لهم وراءها من العذاب ما تُستعذب وتُستلذُّ جهنَّم بالنِّسبة إليه.
* * *
(١٠٣) - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ نصب على التَّمييز، وجُمع لتنوُّع أعمالهم.
* * *
(١٠٤) - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ضاع وبطل لكفرهم وإنكارهم الحشر.
قيل: هم الخوارج أهلُ حَرُوراءَ.
وقيل: هم الرُّهبان أصحاب الصَّوامع.
ويردُّهما قوله تعالى بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إذ ليس منهما مَن يكفر بلقاء الله تعالى والبعث والنَّشر.
ومحله الرَّفع على الخبر المحذوف، فإنَّه جواب السُّؤال، أو الجرُّ على الوصف، أو على البدل، أو النصب (٢) على الذَّم.
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ لعُجبهم واعتقادهم أنَّهم على الحقِّ.
* * *
(١٠٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ بدلائله المنصوبةِ على التَّوحيد والنُّبوَّة، أو: بالقرآن.
стр. 2776
﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث على ما هو عليه، أو: لقاءِ عذابه.
﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بكفرهم فلا ينتفعون بها، لا بنيل الثَّواب ولا بتخفيف العذاب.
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾: فلا نضع لهم ميزانًا لوزن (١) أعمالهم؛ لانحباطها.
وقيل: فنزدري بهم ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا.
وَيرِدُ عليه: أنَّ حقَه حينئذ أن يعطف بالواو عطفَ أحدِ الفرعين على الآخر، لأنَّ منشأ الإزدراء بهم كفرُهم بآيات الله تعالى ولقائه، لا حبوطُ أعمالهم.
* * *
(١٠٦) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر ذلك، وقو له: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ جملةٌ مبيِّنة له.
ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأً، والجملة خبره، والعائد محذوف؛ أي: جزاؤهم به، أو ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ بدلُه، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره، أو ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ خبره، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ عطف بيان للخبر.
﴿بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾؛ أي: بسبب ذلك، وقد تقدَّم تفسيره الهزو (٢).
* * *
(١٠٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ﴾ فيما سبق مِن حكم الله ووعده.
стр. 2777
﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قد مرَّ معنى النزل وما فيه من التَّنبيه. و ﴿الْفِرْدَوْسِ﴾: البستان الذي يجمع محاسن كلِّ بستان. قاله الزَّجَّاج (١).
وروي مرفوعًا أنَّه أوسط الجنَّة وأعلاها (٢).
* * *
(١٠٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصبٌ (٣) على الحال، ولَمَّا كان ما ذكر في سابق تقديره تعالى لم يحتج هاهنا إلى تقدير.
﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾؛ أي: لا يطلبون عنها التَّحوُّل؛ إذ لا مزيد عليها حتى تنازعَهم إليه أنفسُهم، بل فيها جميع ما تشتهي أنفسهم، وهذه غاية الوصف.
والتَّحوُّلُ: التَّنقُّل من موضعٍ إلى موضعٍ، والاسم: الحِوَل. ذكره الجوهري (٤).
وفيه تأكيد الخلود؛ لأنَّهم إذا لم يريدوا الانتقال عنهما لا يُنْقَلون (٥)؛ لعدم الإكراه فيها.
* * *
стр. 2778
(١٠٩) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ هو في الأصل: الحاوي شيئًا بعدَ شيءٍ على اتِّصال، وصار اسمًا لكلِّ ما يُمَدُّ به الشَّيء على العموم، والمراد هنا: الحِبر، وهو اسم خاصٌّ لِمَا في المِحبرة.
﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾: لكلماتِ علمه وحكمته.
﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾: لنفد جنسُ البحر؛ أي: لم يبقَ منه شيء؛ لتناهيه.
﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ قرئ بالتَّاء والياء (١).
﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ لعدم تناهيها، وفي نفاده قبل نفادها لا يلزم تحقُّق نفادها بعد نفاده، ولذلك يقع الطَّلاق الواحد إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ.
﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾: بمثلِ البحر الموجود مَددًا لنفد أيضًا، والكلمات أيضًا غيز نافدة؛ ضرورةَ أنَّ كلَّ ما يدخل تحتْ الوجود متناهي (٢) المقدار، فلا بُدَّ مِنْ نفاده، بخلافِ ما لا نهاية له فإنَّه يستحيل نفادُه.
و ﴿مَدَدًا﴾: تمييز، وهو مثلُ المداد، وقرئ: (مِددًا) بكسر الميم (٣)، جمع مِدَّة، وهي (٤) ما يَستمدُّه الكاتب فيَكتبُ به.
стр. 2779
وقرئ: (بمثله مدادًا) (١).
وسبب نزوله: أنَّ اليهود قالوا: في كتابكم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وتقرؤون: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فنزلَتْ. يعني أن ذلك خيرٌ كثيرٌ، ولكنَّه قطرةٌ من بحر كلمات الله تعالى (٢).
* * *
(١١٠) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في العجز عن الإحاطة عن كلماته (٣)، إلَّا أنِّي أفارقكم بنزول الوحي عليَّ، وبعضِ الإحاطة بسببه.
﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ نبَّه على الوحدانيَّة؛ لأنَّهم كانوا كفارًا بقولهم: عزيرٌ ابن الله، ثمَّ حضَّ على ما فيه النجاة بقوله:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الرَّجاء: توقُّع الخير في المستقبل، وهو الطَّمع أيضًا، لكنَّه يُستعمل في الأمور المحمودة.
وفرِّق بين الرَّجاء والاغترار: بأنَّ الرَّجاء يكون لمن مهَّد أسباب المرجوِّ، والاغترار لمن أخلَّ بها.
стр. 2780
والمراد من لقاء الله تعالى: كرامتُه، وتقدير المضاف على أن يكون الكلام: (حُسْنَ لقاء ربِّه) لا يغني عن هذا التَّجوُّز، وهذا يغني عنه.
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ لائقًا لذلك الرَّجاء.
﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قال ابن جبير: لا يرائي في عمله، ولا يبتغي إلَّا وجهَ ربِّه خالصًا لا يخلط به غيره (١).
روي: أن جندب بن زهير قال لرسول الله ﷺ : إنِّي أعمل العمل لله تعالى، فإذا اطَّلع عليه أحدٌ سرَّني؟ فقال: "إن الله لا يقبل ما شُوْرِكَ فيه" فنزلَتْ تصديقًا له ﵇ (٢).
وعنه ﵇: "اتقوا الشِّركَ الأصغرَ" قالوا: وما الشِّركُ الأصغرُ؟ قال: "الرياء" (٣).
стр. 2781
والآية جامعة لخاصَّتي العلم والعمل، وهما التَّوحيد والإخلاص في الطَّاعة.
وقرئ: (تشرك) بالتَّاء (١)، التفاتًا من الغيبة إلى الخطاب، ثم عاد إلى الالتفات من (٢) الخطاب إلى الغيبة في ﴿رَبِّهِ﴾ (٣). والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 2782
سُورَةُ مَرْيَمَ ﵍
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) - ﴿كهيعص﴾.
﴿كهيعص﴾ قد سبق القول فيه (١).
* * *
(٢) - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾.
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبرُ محذوفٍ؛ أي (٢): هذا ذِكْر، أو خبرُه محذوفٌ؛ أي: فيما يُتْلَى عليك ذكرُ.
وقرئ: (ذَكَّرَ) مشدَّدًا على الماضي من التذكير، ونصبِ (رحمةَ) (٣)؛ أي: هذا المتلوُّ ذكَّرَ رحمةَ ربِّك.
стр. 2783
و: (ذَكِّر) على الأمر (١)، وهذا صريحٌ في عدم اتصاله بما قبله، فالوجه أن يُعرب الباقون موافقًا لهذا؛ لأن الأصل في القراءات التوافق.
﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول الرحمة، أو الذكر، على أن الرحمة فاعلُه على الاتِّساع، كقولك: ذَكَرني جودُ زيد.
﴿زَكَرِيَّا﴾ بدل منه، أو عطف بيان له.
* * *
(٣) - ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف للرحمة، دلالةً على أن وقت ندائه هو وقت رحمة ربِّه لم يتخلَّف عنه.
﴿نَادَى رَبَّهُ﴾ النداء قد يُستعمل في مطلَق الخطاب، كما في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم: ٢٤] فلا تَنافيَ في قوله: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ بين الصفة والموصوف.
أي: دعا دعاءً سرًّا (٢)؛ لأن (٣) الإسرار والجهر (٤) عند الله سِيَّان، وعندنا الإسرارُ أبعدُ من الرياء وأقرب إلى الصفاء، وأخفاهُ لئلا يُلام على طلب الولد في أوانِ الكِبَر، فإنه كان حينئذٍ متجاوزًا إلى الهَرَم، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
стр. 2784
(٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي﴾ استئناف لتفسير النداء ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾ الوَهن: الضعْف، وقُرئ بالحركات الثلاث (١)، وتخصيص العَظْم؛ لأنَّه دعامة البَدَن وأصلُ بنائه؛ فتطرُّق الضعف إليه موجبٌ لتطرُّقه إلى كل البدن، ولأنه أصلبُ ما فيه، فإذا وهنَ كان ما وراءَه أوهنَ، وتوحيدُه لأن المراد الجنس، ولو جمع لكان قصدًا إلى معنًى آخر، وهو أنه لم يَهِن منه (٢) بعضُ عظامه ولكن كلُّها، وذلك ليس مقصودًا بحسب المساق، وما زاد على المقصود يُعدُّ لُكْنةً (٣) وفضولًا.
ولما اقتضى المقامُ تعريف الحقيقة في العَظْم دون الرأس احتيج إلى زيادة قوله: ﴿مِنِّي﴾ هنا دون قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؛ أي: استولى الضعفُ على الظاهر والباطن، وذكر هذا يزيد الدعاء توكيدًا؛ لِمَا فيه من الاتِّكال على حول الله تعالى (٤) وقوَّته، والتبرِّي عن الأسباب الظاهرة، شَبَّه الشيبَ بشُواظ النار، لا في بياضه وإنارته فقط، بل فيهما وفي أن النار كما تشتعل في الجسم وتسري فيه حتى تُحيله إلى غير حاله المقدَّم، كذلك الشيب يأخذ في الرأس ويسري شيئًا فشيئًا حتى يُحيله إلى غيرِ لونِه الأول، وشبَّه انتشاره في الشعر وفشوَّه فيه وأَخْذَه منه كلَّ مأخذٍ باشتعال النار في سرعة التهابه وتعذُّر تلافيه.
стр. 2785
ولا بدَّ في التشبيه الثاني من اعتبار معنى السرعة في وجه الشَّبَه، إذ به يُعلم كون الشيب في وقته، فتتمُّ الكناية عن المعنى المراد وهو الدخول (١) في سنِّ الشيخوخة، فإن الشيب قد يأخذ من الرأس كلَّ مأخذٍ قبل ذلك إلا أنه يكون على تدريجٍ ومهلٍ.
ثم أخرج الأول مخرج الاستعارة المَكْنيَّة، والثاني مخرج الاستعارة التصريحيَّة، وأصل الكلام: اشتعل الشيبُ في الرأس، لا: اشتعل مشيبُ الشعر في الرأس؛ لأن الشيب: مخالطة الشعر الأبيض بالأسود، فترك تلك المرتبة إلى ما هو أبلغ منها من جهات:
أولها: إسناد الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شمول الاشتعال.
وثانيها: الإجمال والتفصيل في طريق التمييز.
وثالثها: تنكير ﴿شَيْبًا﴾ لإفادة التعظيم.
واكتفى باللام عن الإضافة لا اعتمادًا على علم المخاطب، وإلَّا لما ذكر ﴿مِنِّي﴾ فيما سبق، بل اعتمادًا على أن المتبادِر من العطف على المقيَّد اعتبارُ القيد فيه.
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: كنتُ مستجابَ الدعوة قبل اليوم سعيدًا غيرَ شقيٍّ فيه، يقال: سَعِدَ فلانٌ لحاجته، إذا ظفر بها، و: شَقِيَ، إذا خاب ولم ينلها، يعني: أنه تعالى عوَّده بالإجابة وأطمعه فيها، ومن حقِّ الكريم أن لا يخيب مَن أَطْمَعه (٢).
стр. 2786
وفيما ذكر تذكُّر لعادات تفضُّله تعالى في إجابة أدعيته، وتوسُّلٌ به، وذلك نِعْمَ الوسيلة، وتحسينُ الظَّنِّ بالإجابة، فإن له تأثيرًا فيها: "قال الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي" (١).
* * *
(٥) - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾: ابنُ العمِّ والعَصَبةُ، وجمعه: الموالي.
﴿مِنْ وَرَائِي﴾ قال أبو عبيدة: أي: من جهة الموت الذي هو قدَّامي، قال الشاعر:
أيرجو بنو مروانَ سمعي وطاعتي … وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيا (٢)
كأنه لم يَرَ فيهم من الخِلال ما يَصلحون به للقيام مقامه في الدِّين.
وقرئ: (خَفَّت) (٣)، وتعلُّقُ الظرف به ظاهرٌ، يعني: أنهم خَفُّوا قُدَّامه ودرَجوا ولم يبقَ منهم مَن به تقوٍّ واعتِضادٌ.
стр. 2787
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ العاقر: التي لا تلد لكِبَر سِنِّها، وفي عبارة (كانت) دلالةٌ على أنها استمرَّت مدَّة على تلك الحالة.
والظاهرُ من تقديم هذا القول أنه أراد الولد منها، وقد مَرَّ وجهه في سورة آل عمران، ويناسب هذا أن يكون المراد من ﴿يَعْقُوبَ﴾ أبا امرأته.
﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ اختراعًا منك بلا سبب؛ لأني وامرأتي لا نَصلح للولادة ﴿وَلِيًّا﴾ ابنًا يلي أمرك بعدي.
* * *
(٦) - ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾.
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قرئ: برفعهما، صفة لـ (ولي)، أي: هب لي ولدًا وارثًا منِّي العلمَ ومن آلِ يعقوب النبوَّةَ، ومعنى وراثةِ (١) النبوَّة: أنه يصلح لأَن يُوحى إليه، ولم يُرد أنَّ نفس النبوَّة تُورَث.
وبجزمها (٢) على أنه جوابٌ للدُّعاء.
ورَدَّ أبو عبيدة قراءةَ الجزم، وقال: لأن معناه: إن وهبتَ وَرث، وكيف يُخبر الله تعالى بهذا وهو أعلم به [منه] (٣)؟!.
﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعقوبُ (٤) بن ماثانَ أخو عمرانَ أبو مريمَ.
стр. 2788
وقرئ: (يرثُني وارثَ آل يعقوب)، على الحال من أحد الضميرين (١).
و: (أُويرِثٌ) بالتصغير (٢)، لا لصغره؛ لأنَّه (٣) لا يناسب المقام، بل للمدح، كقول حباب (٤) بن المنذر: أنا جُذَيْلُها المُحكَّك وعُذَيقُها المرجَّب (٥).
стр. 2789
و: (وارثٌ من آلِ يعقوب) (١) على أنه فاعل (يرثني)، وهذا يسمَّى التجريد؛ لأنَّه جرِّد عن المذكور أولًا مع أنه المراد.
﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ومرضيًّا في أخلاقه وأفعاله، أو: راضيًا عنك (٢) وبحكمك.
* * *
(٧) - ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.
﴿يَازَكَرِيَّا﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وقلنا: يا زكريا، دلَّ على ذلك قوله في سورة الأنبياء: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ كانت البشارة بواسطة المَلَك على ما نصَّ عليه في سورة آل عمران.
﴿بِغُلَامٍ﴾ وفيه بشارةٌ بثلاثة أمور: الولدِ، وكونهِ ذكرًا، وبلوغهِ الحُلُم، واختلفوا في بقائه بعد أبيه، والظاهر من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أنه بقي بعده.
﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ تولَّى اللهُ تعالى تسميته؛ تشريفًا له.
﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ لم يُسمَّ أحدٌ بيحيى قبله، وفيه دلالة على أن في التخصيص باسمٍ مستحسنٍ نوعَ تشريفٍ للمسمَّى، وقد سبق معنى ﴿يَحْيَى﴾ وبيان اشتقاقه (٣).
* * *
стр. 2790
(٨) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.
﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ استفهامٌ تعجُّبي يدلُّ على التصديق بوقوع المخبَر به والاعترافِ بكمال قدرته عليه؛ لأن التعجُّب إنما ينشأ من استغرابٍ مقارنٍ للتصديق به؛ لتضمُّن الاستخبار أنه يُولَد له على هذه الحالة أو بعد الإحالة.
فاندفع ما قيل: لِمَ استَبعد واستَعجب؟ وأجيب: بأنه ليجاب (١) بما أجيبَ به، فيزدادَ المؤمنون إيقانًا ويرتدع المبطلون.
وليتَ شِعري مَن المراد من الموقنين والمبطلين وقد كان دعاؤه مخفيًّا عن الغير؟!
ثم إنه ﵇ فَهِمَ من البشارة المذكورة أنَّه يرى بلوغ يحيى ﵇ أوانَ الحلم، فازداد به التعجُّب، ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ دون: أنى يكون لي ولد، وأنَّه يُولد من امرأته التي طلب الولد منها، ولهذا قال:
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٢) هو اليُبسُ والجَساوةُ في المفاصل والعظام - كالعود اليابس - من أجل الكِبَر والطَّعْن في السِّنِّ العالية.
* * *
стр. 2791
(٩) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.
﴿قَالَ﴾ المَلَك المبلِّغ للبشارة تصديقًا له: ﴿كَذَلِكَ﴾: الأمر كذلك ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾؛ أي: بأن أردَّ عليك قوَّة الجِماع وأفتقَ رَحِمَ امرأتك للعُلوق (١).
وقرئ: (وهو عليَّ هَيِّنٌ) (٢) على العطف على محذوف، أي: أجعله (٣) وهو عليَّ هيِّن.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ أراد خَلْق مادَّته لا خلق صورته؛ لأنَّه عن شيء، فلا يناسب السباق واللحاق (٤)، ولهذا قال:
﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِن قبل خَلْقك بشرًا ﴿وَلَمْ تَكُ﴾ حينئذٍ ﴿شَيْئًا﴾ بل كنتَ لا شيئًا محضًا، وليس فيه تعرُّضٌ للخلافية المشهورة.
* * *
(١٠) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: عَلَامةً أعلم بها أنه علقَ؛ لأزيد في الشكر وفي دعاء (٥) السلامة.
стр. 2792
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: علامتُك أن تمتنِعَ من كلام الناس دونَ ذكرِ اللهِ تعالى.
﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ دلَّ ذكر الليالي هنا والأيامِ في سورة آل عمران على أنَّ المنع من كلام الناس استمرَّ ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ للتجرُّد للذِّكر والشكر.
﴿سَوِيًّا﴾ حالَ كونك سويَّ الخلق، سليم الجوارح، ما بِكَ خرسٌ ولا بَكَمٌ.
* * *
(١١) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
﴿فَخَرَجَ﴾ مُشرِفًا ﴿عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾؛ أي: المسجد، وكانوا ينتظرون فتحه ليصلُّوا فيه بأمره على العادة.
﴿فَأَوْحَى﴾: أشار ﴿إِلَيْهِمْ﴾ لقوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾: صلُّوا، و ﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرة ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ طَرَفَي النهار.
* * *
(١٢) - ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
﴿يَايَحْيَى﴾ على تقدير القول ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾: التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ، أَخذُه: قَبولُه، وكون أخذِه بقوَّةٍ العملُ به كما هو حقُّه.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ يعني: الحكمةَ وفَهْم التوراة ﴿صَبِيًّا﴾ قيل: دعاهُ الصبيانُ إلى اللعب، فقال: ما للَّعب خُلِقنا.
* * *
(١٣) - ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾.
стр. 2793
﴿وَحَنَانًا﴾ شفقةً ورحمةً للناس، وإنما قال (١): ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ مع أنَّ الكُلَّ من عند الله تعالى، للدلالة على أنَّ شفقته ﵇ كانت زائدة على ما في جِبِلَّة (٢) الناس، خارجةً عن المعتاد.
﴿وَزَكَاةً﴾ وطهارةً من الذنوب، فلم يُعْهَد بذنب.
﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مستمرًّا على الإطاعة والتجنُّب عن المعاصي.
* * *
(١٤) - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾، أي: محسِنًا إليهما في الغاية.
﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ الجبَّار: الذي يُعاقِب على غضب نفسِه لا على استحقاقِ الجاني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠].
والعَصِيُّ: المبالِغ في العصيان، وهو مخالفةُ الأمر، فإن الظاهرَ المبالغةُ في النفي دون المنفي، والعدول عنه للإشعار بأن شأن النفوس القويَّة البلوغُ إلى الغاية في كلِّ صفة بها، ممدوحةً كانت أو مذمومةً.
* * *
(١٥) - ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ تحيَّةٌ من الله تعالى ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ أتى هنا بصيغة الماضي، وفي قوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ بصيغة المضارع؛ لأن مساق الكلام بعد ولادته وقبل موته.
стр. 2794
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ مطلق البعث يعمُّ ما في القبر، إلا أنه حينئذٍ لا يُطلَق عليه الحيّ، فقوله: ﴿حَيًّا﴾ لتعيين بعث الآخرة (١).
قال ابن عيينة (٢): أوحشُ ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يُبعث (٣). فهذه فجاءات ثلاث، لا فجاءةَ أعظمُ منها، ويحيى ﵇ يُحيَّى بالسلام (٤) في هذه المواطن العظام.
* * *
(١٦) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ يعني: قصَّتها.
﴿إِذِ﴾ ظرف لمضاف مقدَّر، وقيل: (إذ) بمعنى (أَنْ) المصدرية، وتقديره: واذكر مريم انتباذَها، على أن (انتباذَها) بدلٌ من ﴿مَرْيَمَ﴾.
وأما ما قيل: إنه بدل من قصَّةِ مريم بدلَ الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، أو بدلَ الكُلِّ لأن المراد من الظرف الأمر الواقع فيه= فلا يَرِدُ عليه أنَّ الزمان إذا لم يكن خبرًا عن الجثَّة ولا حالًا منها ولا وصفًا لها لا يكون بدلًا منها.
﴿انْتَبَذَتْ﴾؛ أي: انفردت وقعدت نبذةً، أي: ناحيةً؛ وهذا إذا جلس قريبًا منك حتى لو نبذتَ إليه شيئًا وصل إليه، ولذلك احتاجت إلى ضرب الستر بينها وبينهم (٥)، ويُرشِد إلى هذا قولُ: ﴿مِنْ دُونِهِم﴾.
стр. 2795
﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا﴾ انتصابه على تضمين الانتباذ معنى الإتيان، أو على الاتِّساع.
﴿شَرْقِيًّا﴾ شرقيَّ بيت المقدس، أو شرقيَّ دارها، ولذلك اتخذ النصارى المشرقَ قبلةً.
* * *
(١٧) - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾.
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾: سترًا تستَّرت به عن أهلها؛ بدلالة قوله: ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾.
قيل: قعدت في مَشْرقة (١) للاغتسال من الحيض، فاحتجبت بشيء يسترها.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾؛ أي: جبرائيل ﵇، والإضافة للتشريف.
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾؛ أي: تصوَّر لمريم ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ معتدل الخَلْق، حَسَن الصورة (٢)، وإنما مثّل كذلك لا للاستئناس بكلامه وتهييج شهوتها فتنحدرَ نطفتها إلى رَحِمها، إذ حينئذٍ لا يكون مَثَلُه كمَثَل آدم ﵇ في الخَلْق بلا واسطةِ نطفة، بل لئلَّا تنفرَ عنه، فتسمع كلامه وتُبتلى به فتظهر عفَّتها.
ولمَّا رأت رجلًا قد دخل عليها فجأةً في الخلوة، ظنَّت أنه يريدها بسوء، وعلمت أنها لا تقدر على دفع ذلك، فاستعاذت بالله:
(١٨) - ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾.
стр. 2796
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ استئناف على تقدير سؤال، وفي ذكر الرحمن تذكيرٌ ليوم الجزاء، فإنه تعالى رحيم الدنيا ورحمن الآخرة.
﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تتَّقي الله وتخشاهُ فلا تَقْرَبني، فحذف الجزاء لدلالة الحال عليه، وهذا كقول القائل: إن كنت مؤمنًا فلا تَظلمني، أي: ينبغي أن يكون إيمانُك مانعًا لك من الظلم (١).
* * *
(١٩) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.
﴿قَالَ﴾ جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ في عبارة الرسول إشارة إلى أن توسُّطه في الخبر دون الأَثَر، وأتى بالرَّبِّ مضافًا إليها؛ لنوعٍ من الدلالة في أول الكلام على أن الرسالة لإيصالِ النعمة والإحسان الخاصِّ بها من بين العباد، ولما كان في مفهوم الخبر باعتبار هذا المعنى مظنَّةُ الاستبعاد أكَّده بـ: ﴿إِنَّمَا﴾.
﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ حكاية لقول الله تعالى، دلَّ على ذلك قراءة: ﴿ليهب﴾ بالياء (٢)، ويناسبه وصف الرسالة، وفي عبارة الهبة إشارة إلى أن ما أعطيَ لها يصل إليها بسهولة.
﴿غُلَامًا﴾ قد مرَّ ما فيه من وجوه البشارة.
стр. 2797
﴿زَكِيًّا﴾: طاهرًا من الأدناس، أو ناميًا على الخير والبركة.
* * *
(٢٠) - ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: ولدٌ (١).
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جعل المسَّ هاهنا بقرينة المقابَلة عبارةً عن النكاح الحلال.
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة (٢) تبغي الرجال؛ أي: تطلب الشهوة من أيِّ رجلٍ كان.
ولا يكون الولد عادةً إلا من أحد هذين (٣).
و (البغي) فعول، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وكسرت الغين إتباعًا، ولذا لم يُلحق تاءَ التأنيث.
أو: فعيل، ولم يلحقها التاء لأنها بمعنى مفعولة وإن كانت بمعنى فاعلة، فإنه قد يشبَّه به، نحو: مِلحفةٌ جديدٌ.
* * *
(٢١) - ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾.
стр. 2798
﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾: الأمرُ كذلك من خلق غلامٍ منكِ بغير أبٍ ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾؛ أي: إعطاء الولد بلا أبٍ عليَّ سهلٌ.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ تعليلٌ معلَّلُه محذوف، أي: وفعلنا ذلك لنجعله ﴿آيَةً لِلنَّاسِ﴾: علامةً لهم وبرهانًا على كمال قدرتنا ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ على العباد يهتدون بإرشاده.
﴿وَكَانَ﴾ خلقه ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ تَعلَّق به قضاءُ الله تعالى في الأزل.
فلما اطمأنَّت إلى قوله، دنا منها فنفخ في جَيْبِ درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها.
* * *
(٢٢) - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾.
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾؛ أي: الموهوبَ (١) ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾؛ أي: فاعتزلت وهو في بطنها، والجارُّ والمجرور في موضع الحال ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ بعيدًا من أهلها.
* * *
(٢٣) - ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
﴿فَأَجَاءَهَا﴾ جاء بها، ذكره الجوهريُّ (٢).
وقيل: ألجأها، وهو منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغيَّر بعد النقل إلى معنى الإلجاء، ونظيره: آتى، حيث لم يستعمل إلا في معنى الإعطاء.
стр. 2799
وفيه نظرٌ، قال الجوهريُّ: وآتاه، أي: أتى به، ومنه قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي: ائتنا به (١).
﴿الْمَخَاضُ﴾ وقُرئ بالكسر (٢)، وكلاهما مصدرُ مَخَضَت المرأةُ: إذا تحرَّك الولد في بطنها للخروج.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ كأنها طلبت شيئًا تستند إليه وتتعلق به كما تتعلَّق الحامل لشدَّة وجع الطَّلْق. والجِذْع: ساقُ النخلة اليابسة الذي لا سَعَفَ عليه ولا غصن (٣).
ولعلَّه تعالى ألهمها ذلك ليريَها من آياته ما يسكِّن روعها، ويُطعمَها الرُّطَب الذي هو طعام النُّفساء، والتعريف للجنس، ولا مساغ للعهد؛ لأن شرطه أن يكون معروفًا عند المخاطب، وهو مفقود هاهنا.
﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ ليس تمنِّي الموت لِمَا عَرَضتْها من شدَّة وَجَع الطَّلْق (٤)، إذ لا حاجة حينئذٍ إلى قوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ بل لأنها خافت أن يقع بسببها قومُها في البهتان والنسبة إلى الزنى، وتمنِّي الموت من جهة الدِّين جائز.
وقرئ: ﴿نَسْيًا﴾ بالفتح (٥)، وهما لغتان كالوِتْر والوَتْر، وهو الشيء المتروك لا يُذكر كأنه منسيٌّ، وقيل: ما شأنه أن يُنسى ولا يُطلب، كالذِّبح لِمَا يُذبح.
стр. 2800
وقيل: هو بالفتح مصدر، وبالكسر اسمٌ للمنسيِّ المتروك، كالقَشر والقِشر.
* * *
(٢٤) - ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
﴿فَنَادَاهَا﴾ كانت المناداة مخاطبةً لها، يعضده قراءةُ: (فخاطبها) (١).
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ وهو جبريلُ ﵇؛ لأنَّه كان في مكان أخفضَ عنها، أو كان هاهنا بمنزلة القابلة، أو: عيسى ﵇؛ لأنَّه خاطبها مِن تحت ذيلها.
وقُرئ: ﴿مِنْ﴾ بالكسر (٢)، والفاعل مضمَر وهو عيسى أو جبريل ﵉، على أن الهاء في ﴿تَحْتِهَا﴾ للنخلة.
﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾: أي لا تحزني، أو: بأن لا تحزني ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ جَدولًا، هكذا روي مرفوعًا (٣).
قال ابن عباس ﵄: كان ذلك نهرًا قد انقطع ماؤه، فأجراه الله تعالى لمريم (٤).
والنهر يُسمَّى سريًّا؛ لأن الماء يَسري فيه.
стр. 2801
فإن قلتَ: ما تقول في قول الحسن: ﴿سَرِيًّا﴾: سيدًا (١)، من السَّرو، يعني عيسى ﵇؟
قلتُ: ليس بقولٍ حسنٍ؛ لأنَّه مخالفٌ للتفسير المرفوع.
وفي المثل: إذا جاء نهرُ اللهِ بَطَلَ نهرُ مَعْقِل.
* * *
(٢٥) - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الهَزُّ: تحريكٌ مخصوصٌ تتبعه الحركتان المتدافعتان إلى الجانبَين المتقابلَين، وتعديته بـ (إلى) لتضمُّنه معنى الجذب، وفائدته: التوطئة لما قصد بقوله: ﴿عَلَيْكِ﴾، فإن الهَزَّ إذا لم يكن بالمدِّ لا يكون سقوط الثمر على الهازِّ (٢).
والباء في قوله: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ متعلِّق بالبطش الثابت اقتضاء.
﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾ في ﴿تُسَاقِطْ﴾ تسع قراءات (٣): ﴿تُسَاقِطْ﴾ بإدغام التاء، و: (تَتَساقَط) بالفكِّ، و: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بطرح الثانية، و: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بالياء وإدغام التاء، و:
стр. 2802
﴿تُسَاقِطْ﴾، و: (تُسْقِط) و: (يُسْقِط) بالتاء والياء من أسقط، و: (تَسْقُط) و: (يَسْقُط) بالتاء والياء من سقط؛ بالتاء للنخلة، والياء للجِذع أو للرُّطَب (١).
﴿رُطَبًا﴾ تمييز أو مفعول ﴿جَنِيًّا﴾؛ أي: مجنيًّا، وهو الطريُّ بغباره، البالغُ نهايةَ النُّضج.
* * *
(٢٦) - ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
﴿فَكُلِي﴾ من المجنيِّ ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السَّريِّ ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بالولد الرضيِّ، و ﴿عَيْنًا﴾ تمييز؛ أي: طِيبي نفسًا بعيسى ﵇، وارفضي عنكِ ما أحزنك.
وقرئ: (وقِرِّي) بالكسر (٢)، وهو لغة نجدٍ، واشتقاقُه من القَرِّ، فإنَّ دمعة السرور باردةٌ، ودمعة الحزن حارَّة، ولذلك يقال: قرَّة العين وسُخْنتُها للمحبوب والمكروه.
أو: من القرار، فإن العين إذا رأت ما يَسُرّ النفس، سَكَنَت إليه من النظر إلى غيره.
﴿فَإِمَّا﴾ أصله: إنْ ما، ضمَّت (إنْ) الشرطيَّة إلى (ما) وأدغمت فيها ﴿تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾؛ أي: فإنْ رأيتِ آدميًّا يسألك عن حالك.
﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: إمساكًا عن الكلام؛ أي: صمتًا، وقد قرئ به (٣)، وكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام.
стр. 2803
وقيل: صيامًا حقيقة، وكان صومهم فيهْ الصمت، وإنما أُمرت به لأن عيسى ﵇ يكفيها الكلام بما يُبرئ به ساحتها، ولئلَّا تجادل السفهاء، وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة، وقد تُسمّى الإشارة كلامًا وقولًا، ويجوز أن يكون إخبارها به وقولها:
﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قبيل دخول (١) اليوم؛ أي (٢): لا أكلِّم آدميًّا وإنما أُكلِّم الملائكة، وذلك أن العدول من (أحدًا) إلى ﴿إِنْسِيًّا﴾ يفيد بدلالة المفهوم هذه الدقيقة، ويدمج فيه معنى (٣) كرامة أخرى وهي رفعة منزلتها.
* * *
(٢٧) - ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.
﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ بعيسى ﵇، الباء للتعدية كما في: ذهب به، لا بمعنى (مع).
﴿قَوْمَهَا﴾ بعد ما طهرت من نفاسها ﴿تَحْمِلُهُ﴾ حالٌ منها، فلمَّا رأوه معها ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ بديعًا منكرًا، والفَرْي: القَطْع، كأنه يقطع العادة.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ كان أخاها من أبيها ومن أفضل بني إسرائيل مي مَا كاَنَ ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ﴾ عمران ﴿امْرَأَ سَوْءٍ﴾ زانيًا.
стр. 2804
﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ حنَّةُ ﴿بَغِيًّا﴾ زانيةً؛ تقريرٌ لأن ما جاءت به (١) فريٌّ، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحشُ.
* * *
(٢٩) - ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى ﵇؛ أي: كلِّموه ليجيبكم.
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾ المعهود ﴿صَبِيًّا﴾ حال، معناه: أنه كان من أهل المهد وإن لم يكن في تلك الحالة في المهد، كما يقال: صبيّ يرتضع، وإن كان لا يرتضع حالةَ الإخبار عنه، ولهذا زيدت لفظة ﴿كَانَ﴾ للتأكيد.
* * *
(٣٠) - ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ لما أُسكِت بأمر الله لسانُها الناطق، أَنطقَ الله لها اللسانَ الساكتَ.
﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الإنجيل ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ عن الحسن: أنه كان في المهد نبيًّا، وكلا مه معجزته (٢).
وقيل: معناه: أن ذلك سَبَق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه وُجد.
* * *
(٣١) - ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.
стр. 2805
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾: نفَّاعاً حيث كنت، أو: معلِّمًا للخير.
﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ لمَّا كان الأمر بهما مؤجَّلًا عبَّر عنه بالتوصية (١)، فإن الوصية التقدُّم في الأمر الذي يكون بعدما وقِّت له ﴿مَا دُمْتُ﴾ أي: مدَّةَ حياتي.
* * *
(٣٢) - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: بارًّا بوالدتي، وقرئ بالكسر (٢) على أنه مصدر وصف به، منصوب بفعلٍ دلَّ عليه (أوصاني)؛ أي: وكلَّفني بِرًّا، ويؤيِّده القراءة بالكسر والجرّ (٣) عطفًا على (الصلاة).
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾ وقد سبق تفسيره ﴿شَقِيًّا﴾: عاصيًا.
* * *
(٣٣) - ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ التعريف للجنس، وفيه تعريض بضدِّه على أعدائه، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] فإنه تعريض بأن العذاب على مَن كذَّب وتولَّى.
﴿وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قد سبق بيانه.