← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

على تقدير قوله: مالي لا أدعوهم (١)؟ فإنَّ حرصه ﵇ على إسلامهم يدلُّ عليه. * * * (٥٨) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾. ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾: البليغ المغفرة ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ هو: الموصوف بالرَّحمة. ثم استشهد على ذلك بإمهال أهل مكَّة مع إفراطهم في عداوة الرسول ﵇، فقال: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ في الدُّنيا. ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ وهو يوم القيامة، أو يوم بدر. ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾: منجًا ولا ملجأً، يقال: وألَ: إذا نجا، [و] وألَ إليه: إذا التجأ إليه. * * * (٥٩) - ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ يريد: قرى الأوَّلين من ثمودَ وعادٍ وقوم لوط وأضرابهم، إشعارٌ لهم إليها ليعتبروا. و ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْقُرَى﴾ صفةٌ أو عطفُ بيان، والخبر:

стр. 2732

﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ويجوز أن تكون ﴿الْقُرَى﴾ الخبر، و ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ جملةٌ حاليَّة، كقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢]، وأن تكون ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ نصبًا بإضمار: (أهلكنا) على شريطة التَّفسير. و ﴿الْقُرَى﴾ مجازٌ عن أهلها، وذلك خير من تقدير المضاف، ولا بدَّ من أحدهما؛ ليكون مرجع الضمائر. ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ هو مثلَ ظلم أهلِ مكَّة (١)، وفيه إشعارٌ بعلَّةِ الإهلاك تحذيرًا منها، وبهذا استدلَّ ابنُ عصفور على حرفيَّة المَّا)، وأنها ليست بمعنى (حين)؛ لأنَّ الظَّرف لا دلالة فيه على العلَّة (٢). وإنَّما تُرك مفعول ﴿ظَلَمُوا﴾ تنزيلًا له منزلة اللَّازم؛ ليذهبَ الوهمُ كلَّ مذهبٍ. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: وضربْنا ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ المُهْلَك بضم الميم وفتح اللَّام: الإهلاك. ﴿مَوْعِدًا﴾: وقتًا معلومًا لا يتأخَّرون عنه، كما ضربنا لأهل مكَّة يوم بدر. وقرئ بفتح الميم واللَّامُ مفتوحة أو مكسورة (٣)؛ أي: لهلاكهم. * * * (٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.

стр. 2733

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ مقدَّر بـ: اذكُر (١). ﴿لِفَتَاهُ﴾ هو (٢) يوشع بن نون، ابنُ أخت موسى ﵇، وإنَّما قيل: (فتاه)؛ لأنَّه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ منه العلم، والعرب تسمِّي التِّلميذ فتًى وإن كان شيخًا. ﴿لَا أَبْرَحُ﴾: لا أزال أسير، فحذف الخبر لدلالة حالهِ - وهو السَّفر - وقولهِ: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ من حيث إنها غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له. ويجوز أن يكون الخبر ﴿حَتَّى أَبْلُغَ﴾ على أن يكون أصل الكلام: لا يَبرح مسيري (٣)، فينقلب الضَّمير والفعل بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. وأن يكون (٤) المعنى: لا أبرح ما أنا عليه؛ يعني: ألزمُ المسيرَ والطَّلبَ ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغَ، كما تقول: لا أبرح المكانَ، فلا يستدعي الخبرَ. و ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: ملتقاهما، وهما: الكُرُّ والرَّسُّ بأرمينية. قاله السُّديُّ (٥). وقيل: بحرا فارس والرُّوم. ويَرِدُ عليه: أنهما لا يلتقيان، ولا يقرب أحدهما من الآخر.

стр. 2734

وفي "التَّيسير" (١): كان البحرُ الذي (٢) يعملون فيه أصحابُ السَّفينة ما بين بحر فارس إلى بحر الروم. وإذ لا اتِّصال بينهما فلا صحَّة لهذا الكلام أيضًا. ولعل (فارس) (٣) محرَّف من: فاس، وهي بالمغرب (٤) حاضرةُ البحر، من أجلِّ المدن القديمة، ويعضده ما قاله محمَّد بن كعب: إنَّ مجمعَ البحرين عند طنجة (٥)، وما قاله أبيُّ بن كعب: إنَّه بإفريقية (٦). وقول الخضر لموسى ﵉ حين سلَّم عليه: "وأنَّى بأرضك السَّلام " (٧) يدلُّ على أنَّ ملاقاتهما لم تكن بين بحر فارس والزُوم؛ لأنَّ تلك الأرض أرضُ بني إسرائيل وما يقرب منها، وهي منشأ السَّلام (٨) ومعدن الإسلام. وقرئ: (مَجْمِعَ) بكسر الميم (٩). قال الجوهري: الموضع مَجْمَعٌ ومَجْمِعٌ؛ كمَطْلَعٍ ومَطْلِعٍ (١٠).

стр. 2735

﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ الحُقُبُ: الدَّهر، وقيل: ثمانون سنة، وقيل: تسعون؛ أي: أسير زمانًا طويلًا، والمعنى: حتى بلوغ المجمع ومُضيِّ الحُقب. روي في "الصحيحين": أنَّ موسى ﵇ قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب اللهُ عليه إذ لم يردَّ العلم إليه، فأوحى إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا ربِّ، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مِكْتَلٍ، فحيثما فقَدْتَ الحوت فهو ثَمَّ، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاه يوشَعُ بنُ نونٍ، حتى إذا أتيا الصَّخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه، فسقط في البحر (١). قيل: اضطراب الحوتِ كان بعد ما استيقظَ يوشع ﵇، وتوضَّأ من عين الحياة، فانتضح الماء عليه، فعاش ووثب في الماء (٢). * * * (٦١) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾؛ أي: مجمع البحرين، و (بين): ظرف أضيف إليه على الإتباع. ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [أي: نسيا] تفقُّدَ أمره وما يكون منه [مما جعل] أمارةً على الظَّفر بالمطلوب (٣).

стр. 2736

ولا وجهَ لما قيل: نسيَ موسى ﵇ أن يطلبه ويتعرَّفَ حالَه، ويوشعُ ﵇ أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر؛ لأنَّ هذا النِّسيان منه قبل ذلك، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ الفاء فصيحة تُفصح عن مقدَّرٍ يدلُّ على حياة الحوت وسقوطه في البحر، على ما نقل فيما سبق. ﴿سَرَبًا﴾؛ أي: جَعَل سبيله في البحر كالسَّرب، وهو الثُّقب الذي يُدخل فيه فيُسلك منه إلى موضع، وفي الحديث المارِّ ذكره: "وأمسكَ اللهُ عن الحوت جِرْيَةَ الماءِ، فصار عليه مثل الطاق" (١). وأمَّا السَّارب في قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ فبمعزَلٍ عن هذا؛ لأنَّه بمعنى الظَّاهر، صرَّح به الجوهري (٢)، ودلَّ عليه بقوله: ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] مقابَلته. ونصبُه على المفعول الثَّاني، و ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ حالٌ منه، أو من السَّبيل، ويجوز تعلقه بـ (اتخذ). * * * (٦٢) - ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ مجمع البحرين، وفي الحديث المذكور: "فانطلقا بقيَّة يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد". ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ ما نتغدَّى به.

стр. 2737

﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا﴾ قيل: لم ينصَبْ موسى ﵇ في سفرٍ غيره، ويؤيِّده التَّقييد بقوله: ﴿هَذَا﴾ وقيل في الحديث المذكور: إنه ﵇ لم ينصَبْ حتى جاوز الموعد. ﴿نَصَبًا﴾: تعبًا وعناءً. قيل: عنى هنا (١): الجوع، ولا يخفى أنَّ الفعل وتعديتَه إنَّما يناسبان الأوَّل. وجه الارتباط بين الكلامَيْن: أنَّ القعود للتغدِّي يتضمَّن الاستراحة، فكأنَّه قال: آتنا غداءنا حتى نتغدى ونستريح زمانًا. * * * (٦٣) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ﴾: أعلمْتَ ما دهاني (٢) ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾؛ أي: أقَمنا عندها. ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾؛ يعني: أَمْرَ ذكرِهِ في مَعْرِضِ الاعتذار لِمَا جرى في الحوت من المعاهدة، وذلك (٣) على ما ذكر في "صحيح البخاري ": أنَّ موسى ﵇ قال له: لا أكلِّفُكَ إلَّا أنْ تخبرني بحيث يفارقك الحوت. فقال: ما كَلَّفْتَ كثيرًا (٤).

стр. 2738

﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل من الضَّمير؛ أي: ما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطان. وفي مصحف عبد الله: (وما أنسا نيه أنْ أذكِّرَكَهُ (١) إلَّا الشَّيطان) (٢)؛ أي: وسوسني وشغلني بغيره حتى نسيْتُ، والحال وإن (٣) كانت لغرابتها أجلَّ من ذلك، إلَّا أنَّه لَمَّا اعتاد مشاهدة (٤) أمثالها عند موسى ﵇ وألفها قلَّ اهتمامه بها، فهو اعتذار عن نسيانه. ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾؛ أي: اتِّخاذًا عجبًا، والمفعول الثَّاني الظَّرف. وإنَّما كان عجبًا لخروجه من المكتل، وحياته بعد كونه مشويًّا أو مأكولًا بعضٌ منه، وإمساك جريةِ (٥) الماء عليه. وقيل: سبيلًا عجبًا. وفيه: أنَّ أكثر العجائب ليس بحال السَّبيل، وأيضًا لو كان المعنى ذلك لقيل: واتخذ في البحر سبيلًا عجبًا (٦). وهو من كلام يوشع ﵇. وقيل: قال موسى ﵇ في جوابه: ﴿عَجَبًا﴾؛ أي: تعجُّبًا.

стр. 2739

وقيل: الفعل لموسى ﵇؛ أي: اتخذ موسى ﵇ سبيل الحوت في البحر. وبردُّهما تأخير ﴿قَالَ﴾ عنه. * * * (٦٤) - ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. ﴿قَالَ ذَلِكَ﴾ الإشارة إلى فَقْدِ الحوت؛ لما مرَّ في الحديث أنَّه قيل: "فحيثما فقدْتَ (١) الحوت فهو ثمَّة". ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ تقديره: نبغيه؛ أي: نطلبُه؛ لأنَّه أمارة المطلوب. ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾؛ أي: على طريقهما الذي جاءا منه. ﴿قَصَصًا﴾: اتِّباعًا لذلك الأمر، فانتصَب على المصدرَّية بإضمار (يقصَّان)، على ما أفصح عنه النَّبيُّ ﷺ في الحديثِ المارِّ ذكرُه حيث قال في تفسيره: "فرجعا يقصَّان آثارَهما حتى انتهيا إلى الصَّخرة، فإذا رجل مسجًّى ثوبًا، فسلَّم عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلام؛ فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتُكَ لتعلِّمني ممَّا عُلِّمْتَ (٢) رُشْدًا" (٣). * * * (٦٥) - ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه إضافة تشريفٍ واختصاصٍ، وهو الخَضِرُ، اسمه

стр. 2740

إيليا، شهد بذلك الحديث المذكور (١)، واتَّفق عليه الجمهور، وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّما سمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا لأنَّه جلسَ على فروةٍ بيضاءَ فاهتزَّتْ تحتَه خضراء" (٢)، والفروة هنا: وجه الأرض. قاله الخطَّابيُّ (٣). ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الرَّحمة هنا: النُّبوَّة (٤)، كما في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ممَّا يَختصَّ بنا، ولا يُعلَم إلَّا بتوفيقنا، وقد مرَّ ما يتعلَّق بـ (لدن) في (آل عمران). ﴿عِلْمًا﴾: هو علم الغيوب. * * * (٦٦) - ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ على هذه المصلحة. بدأ بالاستفهام والاستئذان، ووصف نفسه بالاتِّباع، ومدحَه بالعلم، وأظهر الرَّغبة فيما عنده من العلم، وهذا غاية التَّواضع من موسى ﵇، وتعليمٌ لِمَن طلبَ العلم من غيره، ولا يناسِبُهُ تقدير الشَّرط على أن يكون المعنى: على شرط أن تعلِّمَني.

стр. 2741

﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾: علمًا ذا رشد، وهو إصابة (١) الخير. وقرئ بفتحتين (٢)، وهما لغتان كالبُخْل والبَخَل. وهو مفعول ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، أو مصدر في موضع الحال، وذو الحال الضَّمير في ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائد المحذوف، وكلاهما منقولان من (عَلِم) الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون علَّةً لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾. وكون موسى ﵇ صاحبَ شريعة لا ينافي أن يتعلَّم من غيره ما لا حاجةَ إليه في شريعته. * * * (٦٧) - ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أراد نفي الصَّبر معه، إلَّا أنَّه بالغَ فيه حيث نفى استطاعته على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه كأنَّه لا يصحُّ ولا يستقيم، دلَّ على ذلك قوله: (٦٨) - ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ﴾ والصَّبرُ: تجرُّع مرارة حبس النَّفس ومنعِها (٣) عمَّا تُنازعُ إليه. ﴿عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾؛ أي: إنَّ صبرك على ما لا خبرة لك به مستَبْعَدٌ، وهذا كالتَّعليل للنَّفي السَّابق، ومجيئُه بالواو شائع. وفيه تدارُكٌ لِمَا عسى أنْ يُتوهَّم أنَّه نَسب إليه ﵇ عدمَ التثبُّت.

стр. 2742

قيل: فيه إبداء [عُذرٍ] له (١)، حيث لا يمكنه الصَّبر لِمَا يرى من المناكير؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ لا يجوز لهم السُّكوت عند ذلك. وفيه: أن ثالثها ليس بمنكَرٍ شرعًا ولا عقلًا، وأيضًا قد عرفْتَ أنَّ المنفيَّ نفسُ الصَّبر معه، لا استطاعتُه. و ﴿خُبْرًا﴾ تمييزٌ، أو مصدر على غير الصدر (٢)؛ لأنَّ ﴿لَمْ تُحِطْ﴾ بمعنى: لم تَخْبَره، والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وما يُختَبرُ منها. * * * (٦٩) - ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ معكَ، غيرَ منكِرٍ عليك. وتعليق الوعد بالمشيئة للاستثناء، ولا بُدَّ منه صونًا للوعد عن الخُلف؛ فإنَّه لا يجوز خصوصًا في حقِّ الأنبياء ﵈. ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ عطف على ﴿صَابِرًا﴾؛ أي: صابرًا وغيرَ عاصٍ، كقوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]؛ أي: وقابضاتٍ. أو على ﴿سَتَجِدُنِي﴾، فلا محل لها من الإعراب. وفيه: أنَّه حينئذ لا يكون مقيَّدًا بالمشيئة، ولا بُدَّ منه (٣) كيلا يلزمَ الخلف المذموم، حيث وعد أنْ لا يعصيَ له في أمرٍ، وقد أمره بترك السُّؤال، ولم يُطعه (٤) فيه.

стр. 2743

وإنَّما قلنا: فلا محل له من الإعراب مع أنَّه مَقول القول على هذا الوجه؛ لأنَّه لا تأثير للعامل في المعنى، وإنَّما أثره حينئذ مجرَّد اللَّفظ، والجملة هناك ليست واقعة موقع المفرد ليكتَسيَ حكمه محلًّا. وهذا تواضع آخر من موسى ﵇ بعد تمنُّعٍ كان من الخَضِر ﵇، ثم يحكم عليه بوجهٍ آخر على ما أفصح عنه قولُه: (٧٠) - ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ وقرئ بالنُّون الثَّقيلة (١). ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ أنكرتَهُ منِّي ولم تعلم وجهَ صحَّته. ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ حتى أنبَئّكً ببيانه. وهذا من الخضر ﵇ تأديبٌ وإرشادٌ، ولو صبرَ ودأبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثرَ من الاعتراض، فتعيَّن الفراق والإعراض (٢). * * *. (٧١) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. ﴿فَانْطَلَقَا﴾؛ أي: انطلق موسى والخضر ﵉، وأمَّا يوشع ﵇ فقد صرفه موسى ﵇ وردَّه إلى بني إسرائيل، وفي الحديث السابق ذكرُه: "فانطلقا يمشيان على ساحل البحر"، وفي الحديث المذكور:

стр. 2744

"فمرَّتْ سفينة فكلَّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما (١) بغير نول ". ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ (ركبَ) متعدٍّ، وإنَّما (٢) قيل: ﴿فِي السَّفِينَةِ﴾ إظهارًا لِمَا في ركوبها خاصَّة من بين المراكب من معنى الدُّخول. ﴿خَرَقَهَا﴾ قال ﵇ في الحديث المذكور: "فلما ركبا في السَّفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلعَ لوحًا من السفينة بالقَدُومِ". قال أبو العالية: لم يرَ الخضرَ حين خرق السَّفينة غيرُ موسى ﵇، وكان عبدًا لا يَراهُ إلَّا مَن أرادَ الله أن يريه (٣)، ولو رآه القومُ حينئذٍ لمنعوه مِنْ خَرْقِ السَّفينة (٤). ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾؛ أي: فعلْتَ ذلك وغرضُكَ إغراقُ أهلها. وقرئ بالتَّشديد للتَّكثير (٥)، وقرئ بالياء ورفع ﴿أَهْلَهَا﴾ (٦)، أي: فعلتَه لشيءٍ (٧) يُغرق أهلها، وقيل: إنها لام العاقبة، والأُولى أَولى في مقام الإنكار. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: منكرًا، مأخوذ من الأَمِر؛ لأنَّه الفاسد الذي يحتاج إلى

стр. 2745

أن يؤمَر بتركه، ومنه أَمِرَ القوم: إذا كثروا، أي: احتاجوا إلى مَن يأمرهم وينها هم، ومنه الأمر من الأمور، أي: الشَّيء الذي من شأنه أن يؤمَر فيه، ولهذا لم يكن كلُّ شيء أمراً، ومن هنا (١) ظهر وجه إيثار ﴿شَيْئًا﴾ على (أمرًا) مع ما فيه من صنعة الجناس. ولو كان الأمر هنا بمعنى العظيم - كما قيل - لروعي حسنُ التناسب (٢) لفظًا، وقيل: أمرًا إمرًا؛ لعدم المانع من جهة المعنى حينئذ. * * * (٧٢) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ظاهره تذكير للقول السابق، وباطنه تقرير لصعوبة الصَّبر معه، وإشارة إلى منكَر ارتكبه موسى ﵇، وهو عدم محافظته الوعد، فكأنَّه قصد المعارضة، ولهذا ضمَّنَ كلامه الاعتذار عن ذلك، على ما أفصح عنه قوله تعالى: (٧٣) - ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ من أمري؛ أي: بسبب نسياني. والمؤاخذة على ترك التَّحفُّظ لا على النِّسيان؛ لأنَّه غير مقدور، ولذلك لم يقل: على ما نسيْتُ، فكأنَّه قال: ما صدر عنِّي ما صدرَ إلَّا بسبب أمرٍ غير مقدور، وصيغة النَّهي كقرينها قد تجيء للالتماس، وهو المناسب للمقام. ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ الإرهاقُ: إدراك الشَّيء ممَّا يغشاه، ومنه: غلام مراهق: إذا قارب أن يغشاه حالُ البلوغ.

стр. 2746

﴿مِنْ أَمْرِي﴾: هو اتِّباعُه إيَّاه. ﴿عُسْرًا﴾، أي: ولا تُغشني عُسْرًا من أمري، يعني: ولا تعسِّر عليَّ متابعتَكَ بالمؤاخذة على ما صدرَ بسبب النِّسيان، ويسِّرها على الإغضاء. و ﴿عُسْرًا﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ (ترهق)، وقرئ بضمَّتين (١). * * * (٧٤) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾ وفي الحديث السَّابق ذكره: "ثم خرجا به من السَّفينة، فبينما هما يمشيان على السَّاحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده ". ﴿فَقَتَلَهُ﴾ فما (٢) قيل: كان قتله بفتل عنقه، أو بضرب رأسه بالحائط، مردودٌ بنصِّ الحديث الصَّحيح، وكذا ما قيل: أضجعه فذبحه. والفاء هنا للدلالة على عدم تراخي القتل عن لقاء الغلام، بخلاف خرق السفينة، فإنَّه لم يتعقَّب الرُّكوب كذلك فلم يذكر الفاء ثمَّة. ولَمَّا كان القتلُ قتلَ معصوم - حقيقةً أو ظاهرًا، على اختلافٍ في صغره - لم يتمالك (٣) أن يعترضَ، ولا دخلَ في ذلك لدلالة الفاء على عدم التَّروِّي والاستكشاف.

стр. 2747

﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ وقرئ: ﴿زَكِيَّةً﴾ (١). قال الكسائي: هما لغتان، مثل ﴿قَاسِيَةً﴾ و ﴿قسيَّة﴾ (٢) ﴿المائدة: ١٣]. وقال أبو عمرو: الزَّاكية التي لم تذنب قطّ، والزَّكيَّة: التي أذنبت وتابت. ولذلك اختار الأولى (٣). وهذا على ما قاله الجمهور: أنه كان صغيرًا غيرَ بالغ. وقال الحسن والكلبي: كان بالغًا يقطع الطَّريق، ويعضده: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أي: من غير أن قتلَتْ نفسًا، يفهم منه أنه لو كان مِن (٤) قَتْلِ نفسٍ لم يكن به بأس، والظَّاهر منه كبر الغلام لأنَّ الصَّغير لا يُقاد، ولا تنبيه فيه على أنَّ القتل لا يُباح إلَّا حدًّا أو قصاصًا، كيف ولا صحَّة للحصر على ما نبَّهْتُ عليه في تفسير سورة الأنعام. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾: منكرًا، وقرئ بضمَّتين (٥). اختلفوا أيَّما أبلغ ﴿إِمْرًا﴾ أو ﴿نُكْرًا﴾، فقيل: هنا القتل واقع وهناك مترقَّب فـ ﴿نُكْرًا﴾ أبلغ. وقيل: هذا [قتلُ واحدٍ وهناك، إهلاكُ جماعة فـ ﴿إِمْرًا﴾ أبلغ.

стр. 2748

قال ابن عطيَّة: وعندي أنَّ ﴿إِمْرًا﴾ أفظع وأهول من حيث هو متوقَّعٌ عظيمٌ، و ﴿نُكْرًا﴾ أبينُ (١) في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع (٢). ومَن غفل عن هذا قال: ولعلَّ تغيير النَّظم بأنْ جُعل خرقُها واعتراضُ موسى ﵇ مستأنفًا، وفي الثَّانية جُعل قتله من جملة الشَّرط واعتراضُه جزاءٌ؛ لأنَّ القتل أقبح، والاعتراضَ عليه أَدْخَلُ، فكان جديرًا بأنْ يُجعل عمدة الكلام (٣). فالوجه في التَّغيير ما قد عرفتَه من أن تعقيب القتل للِّقاء دون الخرق للركوب اقتضى ذلك. * * * (٧٥) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ في زيادة ﴿لَكَ﴾ مشافهةٌ بالعتاب زجرًا وإغلاظٌ ليس في الأوَّل؛ لأنَّ مُواقعةَ التَّساؤل في ثانيهِ بعد التَّقدُّم إلى ترك السُّؤال واعتذارٍ بالنِّسيان أقطع وأفظع في مخالفة ما كان أَخذ على نفسه من الصَّبر وعدم العصيان. * * * (٧٦) - ﴿سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. ﴿سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾: بعد هذه المرَّة، أو هذه المسألة.

стр. 2749

﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ وإن طلبت صحبتك، وقرئ: (فلا تُصْحِبْنِي) (١)، قال الكسائي: فلا تتركني أصحبك (٢). ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أي: بلغْتَ مِن قِبَلي مبلغًا تُعذَر به في ترك مصاحبتي. وعن رسول الله ﷺ : "رحم الله أخي موسى استحيى فقال ذلك، ولو لبث (٣) مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب " (٤). وقرئ: ﴿لَدُنِّي﴾ بتخفيف النون وضم الدال، وبالتخفيف والسكون وفتح اللَّام، وبضمِّ اللَّام وسكون الدَّال (٥).

стр. 2750

و قرئ: (عُذُرًا) بضمَّتين (١). * * * (٧٧) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾: قرية (٢) بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة (٣). وقيل: بالجزيرة الخضراء، وقيل: إنها برقة، وأما ما قيل: إنها أنطاكية، وما قيل: إنها أُبُلَّة (٤)، وبصرة، فمبناه على أن يكون أحد البحرين بحرَ فارسَ، وقد عرفتَ ما فيه. وقيل: إنها باجروان أرمينية، وذلك على (٥) ما قيل: إنَّ البحرين بنهر الكرِّ والرسِّ (٦). ﴿اسْتَطْعَمَا﴾ الاستطعام: سؤال الطَّعام (٧)، والمراد به هنا بقرينة آخر الكلام: سؤالُ الضِّيافة والقِرى. ﴿أَهْلَهَا﴾ كرَّر ذكر الأهل تعظيمًا لهم، ولأنَّ المراد من الأهل في الأوَّل:

стр. 2751

البعض، كما هو المتبادِر المعتاد، والمراد به في الثَّاني: الكل، فكان المناسبُ إعادتَه باسمه الظَّاهر؛ لأنَّ الظَّاهر من الضَّمير عوده على ما ذكر أوَّلًا بعينه، وعن النبي ﷺ : "لئامًا (١)، فطافا في المجالس فاستَطعما" (٢). ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ وقرئ: (أن يُضِيْفُوهما) (٣). يقال: ضافَه: إذا كان له ضيفًا، وأضافه وضيَّفه: أنزله وجعله ضيفَه، هذا حقيقة الكلام، ثم شاع الضِّيافة كنايةً عن القِرى والإطعام، وبهذا انطبق مقتضى المقام. ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الانقضاض: السُّقوط بسرعة، وانقضَّ: انفعل، مطاوع قضَضْتُه، وقيل: افعلَّ من النَّقض، كاحمرِّ من الحمرة. وقرئ: (أن يُنْقَضَ) (٤)، و (أن ينقاصَ) بالصَّاد المهملة (٥)، من انقاصَت السن: إذا انشقت طولًا، والإرادةُ مستعارة للمشارَفة كالهم والعزم. ﴿فَأَقَامَهُ﴾ ذكر في الحديث المارِّ ذكرُه "أنَّه قال بيده "؛ أي: أشار إليه بها، وهو الأشبه بسائر أفعاله.

стр. 2752

﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾ افْتَعَل من تَخِذَ، كاتَّبع من تَبِع، وليس من الأخذ عند البصريين، وقرئ: ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ (١)؛ أي: لأخذْتَ، واختلفوا في إظهار الذَّال وإدغامها (٢). ﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ كانت الحالُ حالَ اضطرار وافتقار إلى المَطعم، وقد أَلزمتهما (٣) الحاجة إلى آخر كسب المرء، وهو المسألة، فلم يجدا مواسيًا، فلمَّا أقام الجدار لم يتمالك موسى ﵇ لِمَا رأى مِنَ الحِرْمان ومساس الحاجة أن قال ذلك، وبما قرَّرناه تبيَّن وجه تقديم استطعامهما عن أهل القرية وإبائهم (٤) التضييف. * * * (٧٨) - ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾؛ أي: هذا الاعتراضُ الأخير سببُ فراقنا بحكم ما شرطْتَ على نفسك. وإضافة الفراق إلى البَيْن إضافةُ المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع، وقرئ على الأصل (٥).

стр. 2753

تكريرُه بالإضافة إلى أحدهما مرَّة، وإلى الآخر أخرى مع كفاية: بيننا؛ لمعنى التَّأكيد. قاله سيبويه (١). وقال ابن عباس ﵄: كان قول موسى ﵇ في السَّفينة والغلامِ لله تعالى، فلم يكن سبباً للفراق، وكان قوله في الجدار لنفسه في طلب شيءٍ من الدُّنيا فكان سببًا له (٢). ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾: سأخبرك بما في باطن ما لم تقدر أن تصبرَ عليه لكونه منكرًا، أو غير مناسِبٍ للحال بحسب الظَّاهر. والسِّين للتَّأكيد. * * * (٧٩) - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ لقومٍ ضعفاء لعارضتهم البدنيَّة كالزَّمانة والعمى والخرس، أو لعجزهم عن دفع الظلم، وهذا كما تقول لرجلٍ غنيٍّ وقع في وهلةٍ أو خَطْبٍ: مسكين؛ مرحمةً لحاله وشفقةً عليه، فلا دلالة فيه على أن المساكين تُطلق على مَن يملك مالًا إذا لم يكفه. ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ قد مرَّ ما يتعلَّق بتعيين البحر. ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلَها ذاتَ عيب، تفريع على كون السَّفينة للمساكين. وقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ كالتَّعليل للتَّفريع، ومجيئه بالواو كثير في القرآن؛ منها قوله

стр. 2754

تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، فعلى هذا نظمُ الكلام في غاية الحُسن، ومَن لم يتنبَّه له تكلَّف في توجيهه (١). ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾: أمامَهم، وقد قرئ به (٢)، أو خلفَهم وكان رجوعهم إليه. ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صحيحةٍ سالمةٍ، وقد قرئ بكلٍّ منهما (٣). ﴿غَصْبًا﴾ من صاحبها. * * * (٨٠) - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ﴾ فيه تغليبٌ. ﴿مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾: يُغْشيهما ﴿طُغْيَانًا﴾ عليهما ﴿وَكُفْرًا﴾ لنعمتهما بعقوقه (٤)، ويُلحق بهما شرًّا، ويقرنَ بإيمانهما طغيانَه وكفره (٥)، فيجتمعَ في بيت واحد مؤمنان وطاغٍ كافرٍ. أو يُعديَهما بدائه (٦)، ويضلَّهما بضلاله، فيرتدَّا بسببه، ويَطغَيَا ويكفرا بعد الإيمان.

стр. 2755

أو بممالأته إيَّاهما (١) على طغيانه وكفره حبًّا. وإنَّما خشيَ ذلك لأن الله تعالى أعلمه. وقرئ: (فخافَ ربُّك) (٢)؛ أي: كَرِه كراهةَ مَن خاف سوءَ عاقبته (٣). قيل: ويجوز أن يكون قوله: ﴿فَخَشِينَا﴾ حكايةَ قوله تعالى، ولا يلائمه. * * * (٨١) - ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾. ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾: أن يرزقَهما بدله ولدًا. ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾: طهارةً من الذُّنوب والأخلاق الرديَّة. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ والرَّحمةُ مصدران كالكُثْرِ والكَثْرةِ؛ أي: رحمة وعطفًا لديه، وقرئ: (رَحِمًا) بالتَّخفيف (٤). نتصابه على التَّمييز، و (أفعل) هنا ليس للتَّفضيل؛ لأنَّ ذلك الغلام الكافرَ فيه، والمناسب للمقام أن لا يكون فيه رُحْمًا أيضًا، على أنَّ التَّفضيل بين

стр. 2756

التَّمييزين (١) بحمل أحدهما على التَّفضيل دون الآخر، لا يخلو عن نوعِ خللٍ في حسن النَّظم. * * * (٨٢) - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة قبلها. ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾: هو كلُّ مالٍ مدخور (٢) من ذهب وفضة، وروي مرفوعًا أنه كان ذهبًا وفضة (٣). وعن قتادة: أُحِلَّ الكنز لمن قبلنا وحُرِّمَتِ الغنيمة (٤). ولا دلالة فيه على أنَّه كان للأب الصَّالح حتى يُحتاج إلى الاعتذار بأنَّ الكنز المذموم ما لا تُؤدَّى زكاته. ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ اعتداد بصلاح أبيهما، وحفظ (٥) لحقِّه فيهما. قيل: كان بينهما وبين الأب الصَّالح سبعة آباء. ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾: قوَّتهما. قال الجوهري: هو ما بين ثماني

стр. 2757

عشرة إلى ثلاثين (١). والمراد: الإدراك إلى قوَّة الرَّأي لا إلى الحُلُم. ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ يعني: أراد الله تعالى بقاءَ ذلك المال مدفونًا محفوظًا عن أيدي التغلُّب إلى زمان بلوغهما مبلغَ الرِّجال الكاملينَ في الرَّأي، القادرين على استخراج الكنز سالمًا عن تعدِّي الغير، فإنَّ الصِّبيان والرِّجال العاجزين عن التَّدبير لا يقدرون على ذلك. أسند الإرادة أوَّلًا إلى نفسه وإلى الله تعالى؛ لأنَّ التبديل بمباشرته إهلاكَ الغلام، وخلقِ اللهِ تعالى البدل، وثالثًا إلى الله تعالى وحده لأنَّه لاْ مدخل له أصلًا في بلوغ الغلامين أشدَّهما، ولأنَّ الأوَّل شرٌّ، والثَّالث خيرٌ، والثَّاني ممتزجٌ. ولك أن تقول: في إضافة الفعل إلى نفسه على صيغة الانفراد نوعُ قصور في مراعاة أدب الكلام، فلا يُلتزم (٢) إلا لعلَّة، وهي موجودة في الأوَّل ومفقودةٌ في الثَّاني، ولا مجال للإضافة إلى نفسه في الثَّالث، وتلك العلَّة صونُ جناب العزَّة أن يُعزَى إليه ما هو شرٌّ ظاهر. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: نعمةً منه، وهي المالُ الحاصل بالسُّهولة، الواصلُ إلى صاحبه بلا كُلْفةِ الكسب. وانتصابه على الحال، وقيل: مفعولٌ على أنَّ الرَّحمة بمعناها الشائع، أو مصدرٌ منصوب بـ ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ لأنَّه بمعنى: رحمهما، وأما تعلُّقه بمحذوف تقديره: فعلتُ ما فعلتُ رحمةً من ربِّك، فلا يلائمه قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾، أي: ما فعلْتُ ما رأيتَه ﴿عَنْ أَمْرِي﴾: عن رأي، إنَّما فعلتُه بأمر الله تعالى.

стр. 2758

﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أصله: تَستطع، فحذف التَّاء تخفيفًا. * * * (٨٣) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ اليهود امتحانًا، أو مشركو مكَّة. ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ هو إسكندر الملك اليوناني المقدوني، وتلقيبُه بذي القرنين لِمَا روي مرفوعًا أنَّه مَلَكَ قَرْنَي الدُّنيا شرقَها وغربها (١)، قال الشَّاعر وهو التُّبَّعُ اليماني: قد كان ذو القرنين جدِّي مسلمًا … ملكًا تدينُ له الملوكُ وتسجدُ بلغَ المشارقَ والمغاربَ يبتغي … أسبابَ أمرٍ من حكيمٍ مرشدِ (٢) وما قيل: إنه إسكندر الرُّومي ملك فارس والرُّوم، مردودٌ بأنَّه تلميذ أرسطو، ومذهبه مذهب الفلاسفة، وذو القرنين هذا لا شبهة في إسلامه وولايته، إنَّما (٣) الخلاف في نبوَّته. قال القرطبي: والظَّاهر من علم الأخبار (٤) أنَّ إسكندر اثنان:

стр. 2759

أحدهما: كان على عهد إبراهيم ﵇، وهو الذي قضى له حين تحاكموا في بئر السبع بالشام. والآخر: كان قريبًا من عهد عيسى ﵇ (١). ﴿قُلْ﴾ في جوابهم: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ﴾ من ذي القرنين ﴿ذِكْرًا﴾: خَبَرًا. * * * (٨٤) - ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أعطيناه التَّمكين فيها، وزيادةُ اللام للاختصاص. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مهمَّات الملك ﴿سَبَبًا﴾ أصل السَّبب: الحبل (٢)، ثمَّ تُوسِّع فيه حتى صار يُطلَق على ما يُتوصَّل به إلى الغرض. * * * (٨٥) - ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ الفاء فصيحة، تقدير الكلام: أراد بلوغ المغرب فاتَّبع طريقًا يوصله إليه حتى بلغ. وقرئ بقطع الألف مخفَّفة التَّاء (٣). * * *

стр. 2760

(٨٦) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾؛ أي: كثيرةِ الحَمْأة، وهي الطِّينة السَّوداء، من حَمِئَتِ البئر حَمَأً بالتَّحريك: إذا كثرَتْ حمأتُها (١). وقرئ: ﴿حامِيَةٍ﴾ (٢)؛ أي: حارَة. وقيل: لا تَنافيَ بينهما؛ لجواز أن تكون العين جامعةً للوَصْفَين، أو تكون ﴿حَمِئَةٍ﴾ من الحمأة، فخفِّفَتِ الهمزة وقُلِبَتْ ياء لانكسار ما قبلها، ويأبى عن ذلك ما جرى بين ابن عباس ومعاوية ﵄. وتفصيلُه على ما ذكره القرطبي: أنَّ ابن عباس ﵄ قال: أقرأنيها أبيٌّ كما أقرأه رسول الله ﷺ : ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، وقال معاوية ﵁: هي ﴿حامِيَةٍ﴾، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃: وأنا مع أمير المؤمنين، فجعلوا كعبًا بينهم حكمًا، وقالوا: يا كعب، كيف تجدها في التَّوراة؟ فقال: أجدها: تغرب في عينٍ سوداء، فوافقَ ابنَ عبَّاس ﵄ (٣). فإنه على تقدير التَّوفيق بين القراءتَيْن على أحد الوجهَيْن المذكورَيْن لَمَا تمشَّى الخلاف المزبور، ففيه تجهيل لهؤلاء الأعلام.

стр. 2761

وما ذكره القفَّالُ: ليس المراد أنَّه انتهى إلى الشَّمس غربًا وشرقًا حتى وصل جِرمها؛ لأنَّها تدور مع السَّماء حولَ الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عينٍ من عيونها، بل هي أكبر منها أضعافًا مضاعفة (١) = مبناه على أصولٍ فلسفيَّةٍ لا تعويل عليها (٢). ومنهم مَن تعمَّق وقال: لعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك، إذ لم يكن في مطمحِ بصره غير الماء، ولذلك قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾، ولم يقل: كانت تغرب. ويرِدُ عليه أن الوجدان يدل على الوجود، ولو كان المعنى على ما ذكر لقيل: رآها تغرب، ثم إن في إطلاق العين على البحر المحيط ما لا يخفى على ذي بصيرة. ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ عند تلك العين ﴿قَوْمًا﴾ كانوا كفَّارًا، فخيَّره فيهم بين الأمرين. ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ مَن قال: إنَّه كان نبيًّا تمسَّك بهذا الخطاب، ومَن أنكره قال: كان الخطاب على لسانِ نبيٍّ في عهده، واحتمالُ الإلهام لا يجدي؛ لأنَّ الدَّعوة إلى الحقِّ لا تكون إلَّا من نبيٍّ أو نائبه. ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ بالقتل على الكفر ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ﴾ لم يقل: لهم، دلالةً على الثُّبوت والاستقرار. ﴿حُسْنًا﴾، أي: ذا الحسنَى فيهم، دعوتهم إلى الله تعالى وتوحيده.

стр. 2762

وما قيل: خيَّر الله تعالى بين القتل والأسر، وسمَّاه: إحسانًا في مقابلةِ القتل - يأباه قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾؛ لأنَّه دلَّ على أنَّه آثر الدَّعوة، وقد كان في التخيير (١) بلفظ: ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (٢)، وإضمارِ متعلَّق التَّعذيب مع إظهار متعلَّق الحسنى، إيماءٌ إلى ترجيح الشِّقِّ الثَّاني، فنبَّه له (٣) وآثر ما يحقُّ الإيثار. * * * (٨٧) - ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾. ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾: أمَّا مَن دعوتُه فظلمَ نفسه بعدم قَبول الدَّعوة والاستمرار على الكفر. ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أتى بحرف التسويف إشعارًا بما يتخلل بين اختيارهم عدم قَبول الدَّعوة وتعذيبِهم بالقتل من الإمهال بتكرار الدَّعوة إظهارًا لإصرارهم على الكفر. وبنون العظمة في ﴿نُعَذِّبُهُ﴾ على عادة الملوك في قولهم: نحن فعلنا. ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ كان خطابه لأتباعه، فإنَّه تعالى لَمَّا خَيَّرَه بينَ الأمرَيْنِ المذكورَيْنِ أعلم بذلك أتباعه. [وقيل: فيه إشعار بأنَ التَّخْييرَ لذي القرنين ليس مِن اللهِ تعالى، إذ لو كان كذلك لكانَ التَّركيبُ] ثم يُرَدُّ إليك [فتعذبه] (٤). ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾: عذابًا منكرًا لم يُعهد مثلُه.

стр. 2763

(٨٨) - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مما يقتضيه الإيمان ﴿فَلَهُ﴾ في الدَّارين. ﴿جَزَاءً الْحُسْنَى﴾: جزاءُ الفعْلةِ الحُسنى. وقرئ منوَّنًا منصوبًا على الحال (١)؛ أي: فله المثوبةُ الحسنى مجزيًّا بها، أو على المصدر لفعله المقدَّر حالًا؛ أي: يُجزى بها جزاءً، أو على التَّمييز. وقرئ منصوبًا غيرَ منوَّن (٢)، على أنَّ تنوينه حُذِفَ لالتقاء السَّاكنين، ومنونًا مرفوعًا (٣)، على أنه المبتدأ والخبر [الجارُّ والمجرور، و ﴿الْحُسْنَى﴾ بدله] (٤). ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾: ممَّا نأمرُ به ﴿يُسْرًا﴾: قولًا ذا يسر. وقرئ بضمَّتين (٥). قيل: ويجوز أن تكون ﴿أَمَّا ﴿وَأَمَّا﴾ للتَّقسيم دون التَّخيير؛ أي: ليكن شأنك معهم إمَّا التَّعذيب وإمَّا الإحسان؛ فالأوَّل لمن أصرَّ على الكفر، والثَّاني لمن تاب. ويأباه تصدير الجواب بـ ﴿إِمَّا﴾ التَّفصيليَّة؛ لأنَّه يستدعي لسبق (٦) الإجمال، وعلى ما ذكر إجمال في الكلام السابق.

стр. 2764

(٨٩) - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾. ﴿(٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: ثم اتَّبع طريقًا، وهو الذي يوصله إلى المشرق، [وقرئ] (١) بقطع الألف مخففة التاء. * * * (٩٠) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يعني: الموضعَ الذي تطلع الشَّمس عليه (٢) أوَّلًا من معمورة الأرض. وقرئ بفتح اللَّام (٣). قال الجوهري: والمطلع أيضًا (٤): موضعُ طلوعها (٥). فلا حاجة إلى إضمار مضاف. ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾؛ أي: حجابًا يستترون به عند طلوعها، قيل (٦): لا جبلَ فيها ولا شجر ولا مأوى، ولا لهم ثوب يسترهم، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا في الأسراب - وقيل: في النَّهر - فإذا ارتفعت عنهم خرجوا إلى معايشهم. * * *

стр. 2765

(٩١) - ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: أمرُ ذي القرنين كذلك؛ أي: كما وصفناه في رِفعة المكان وبَسطة الملك. و [قيل] (١): لم نجعل لهم من دونها سترًا مثلَ ذلك السِّتر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كلِّ جنس، والثِّياب من كلِّ صنف. ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾ من العَدد والعُدد. ﴿خُبْرًا﴾ تكثيرًا كذلك؛ يعني: أن كثرة ذلك بلغت مبلغًا لا يحيط به إلَّا علم اللَّطيف الخبير. * * * (٩٢) - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثم اتَّبع طريقًا آخر، وهو المعترض بين المشرق والمغرب، آخذًا (٢) من الجنوب إلى الشَّمال. * * * (٩٣) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ هما على ما ذكره وهبٌ: جبلان متَّسعان في السَّماء أملسان، يزلق عليهما كلُّ شيءٍ (٣).

стр. 2766

وإنَّما سُمِّيا سدَّين لسدِّهما فجاج الأرض، وكانت بينهما فجوة يلج (١) فيها يأجوج ومأجوج، وهذا المكان في منقطع أرض التُّرك. وما قيل: هما جبلا أرمينية وأذربيجان؛ وهمٌ. وقرئ: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالضَّم (٢). قال الكسائي: هما لغتان، كالمَكْث والمُكْث. وقال أبو عمرو: السَّدُّ بالفتح: الحاجز بينك وبين الشَّيء، وبالضَّمِّ: الغشاوة في العين (٣). ولهذا قال مَن قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو بالفتح، وما كان من صنعة الله تعالى فهو بالضَّم. وانتصب ﴿بَيْنَ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ لأنَّه من الظروف المتصرفة. ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا﴾ اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصحَّ في ذلك شيء. ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾: لا يفقهونه من إشارة ونحوها إلَّا بجهد ومشقَّة، فإنَّ زيادة (يكاد) قد تكون لإفادة هذا المعنى، كما في ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، وذلك لقلَّة فطنتهم، وأما غرابة اللغة فلا يصح علةً لهذا.

стр. 2767

وقرئ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ (١)؛ أي: لا يُفْهِمون السَّامعَ كلامَهم، أو لا يبينونه (٢) إلَّا بمشقة لغرابة لغتهم أو لَثْغتهم. * * * (٩٤) - ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ دلَّ هذا الخطاب على أنَّه لقبُ تعظيم، وهو في المعنى الذي ذكرناه فيما سبق دون غيره من المعاني المذكورة في التَّفاسير، وقدرةُ ذي القرنين على فهم قولهم وتفهُّمهم من جملة الأسباب التي آتاه الله تعالى. ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ اسمان لقبيلتين من ولد يافث، ممنوعا الصَّرف، ولا دلالة فيه على عجميَّتهما لوجود علَّتين أخريين: التَّأنيث والعلميَّة. وقرئا مهموزين (٣). قال الأخفش: مَن همز جعل الألف من الأصل، كأنه من أجيج النَّار، ومَن لم يهمز جعل الألف زائدة وقال: يأجوج من يَجَجْت [ومأجوج من مَجَجْت] (٤). وقال أبو عليٍّ: إن همز يأجوج فهو من أجَّت النَّار، وإن لم يهمز فيمكن أن

стр. 2768

يكون خفَّفَ الهمزة فقلبت ألفًا مثل: راس، وأما مأجوج فهو مفعول من أجَّ، وإن لم يُهْمَز فيجوز أن يكون على التَّخفيف وأن يكون فاعولًا من مَجَّ (١). ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل والتَّخريب والإتلاف، قيل: كانوا يخرجون أيَّام الرَّبيع فلا يتركون أخضرَ إلَّا أكلوه، ولا يابسًا إلَّا احتملوه، وقيل: كانوا يأكلون النَّاس. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ استفهام على جهة حُسن الأدب. ﴿خَرْجًا﴾: جعلًا، نخرجه من أموالنا (٢). وقرئ: ﴿خَراجًا﴾ (٣)، قال أهل اللغة: الخَرْجُ: ما يُخرج من المال، والخَراجُ: ما يُخرج من الأرض، وقيل: كلاهما واحد كالنَّوْل والنَّوال. ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ يمنعُهم من (٤) الخروج علينا. وقرئ: ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم (٥). قال القرطبي: قال الخليل وسيبويه: الضمُّ هو الاسم والفتح المصدر، وقال عكرمة وأبو عمرو وأبو عبيدة: ما كان بخلق الله تعالى ولم يشاركه فيه أحد فهو بالضَّم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح، ويلزم أهلَ هذه المقالة أن يقرؤوا هنا

стр. 2769

بالفتح، وفيما (١) سبق [﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾] بالضَّم، وهي قراءة حمزة والكسائي (٢). والعجب أنَّ الكسائي ينكر الفرق بينهما معنى، فحقُّه أن لا يخصِّص أحدهما بموضع والآخر بموضع آخر، وأبو عمرو يعترف بالفرق وموجَبُه التَّخصيص المذكور، فكلٌّ منهما أخذَ ما هو حقُّ صاحبه. * * * (٩٥) - ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾. ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾: ما جعلني فيه مكينًا من كثرة المال والملك ﴿خَيْر﴾ مما يبذلون لي من الخَرَاج، فلا حاجة. وقرئ: ﴿مَكَّنَنِي﴾ على الأصل (٣). ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أراد معاونتهم بعمل اليد وبقوَّة البدن (٤)، والتَّخصيصُ بقوَّة العمل من ضعف الفِطْنة، فكأنه قال: رفعتُ عنكم مؤنةَ المعونة بالمال، فأعينوني بخدمةٍ بلا أجر، وهذا من تأييد الله تعالى، حيث آثر ما هو أيسرُ في حقِّهم، وأنفعُ في حقِّه، وأسرع في قضاء الحاجة. ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ الرَّدمُ: السَّدُّ المتراكِبُ، من قولهم: ثوب مُردَّم: إذا كان رقاعًا فوق رقاع. * * *

стр. 2770

(٩٦) - ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ الزُّبر - بفتح الباء وضمها -: جمع زُبرة، وهي القطعة العظيمة، ولا يلزم أن يكون من الحديد، دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ولذلك قيَّده بالإضافة إلى الحديد، وإعطاؤها من قبيل تحصيل (١) الآلة بالخدمة؛ لأنها ممَّا تحصل بمجرد العمل، فلا حاجة إلى صرف الإيتاء عن معناه إلى معنى المناولة، ولا دلالة على ذلك في قراءة: ﴿آتُونِي﴾ بكسر النَّون موصولة الهمزة (٢)، على معنى: جيئوني (٣). والباء محذوفة حذْفَها في (أمرتك الخير)؛ لأنَّه هنا (٤) في معنى الإعطاء غاية لا بعينه (٥). ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ في الكلام محذوفٌ تقديرُه: فأتوه بما طلب حتَّى إذا ساوى، يعني: البناء بَيْن الصَّدَفينِ، والصَّدفُ: الجبل المرتفع. ذكره الجوهري (٦).
следующие страницы →