(٧٧) - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ لما كانت رؤية الأشياء طريقًا إلى العلم بها وصحَّة الخبر عنها، استعملوا (أرأيت) في معنى: أَخْبِرْ، والفاء للتعقيب، والمعنى: أَخْبِرْ بقصة هذا الكافر عقيبَ حديث أولئك.
وقوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾ جواب قَسَم مُضمَر ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ وقرئ: ﴿وُلْدًا﴾ (١)، وهو جمع وَلَد كأَسَد في أُسْد، أو بمعنى الوَلَد كالعُرْب في العَرَب.
* * *
(٧٨) - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ من قولهم: اطَّلع الجبلَ: إذا ارتقى إلى أعلاه، الهمزة للاستفهام، وهمزة الوصل محذوفة؛ أي: نَظَر في اللوح المحفوظ فرأى فيه مُنْيَتَه.
﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: موثقًا أن يؤتيَه ذلك، روي أن خبَّاب بن الأرتِّ صَاغَ للعاصِ بنِ وائل حَلْيًا، فاقتضاهُ الأجرَ، فقال: إنَّكم تزعمون أنَّكم تُبعَثون وأنَّ في الجنة ذهبًا وفضَّة فأنا أَقضيكَ ثَمَّ، فإني أُوتى (٢) مالًا وولدًا حينئذٍ (٣).
وفيه أن قوله: وولدًا، لا يناسب المقامَ ومساقَ الكلام حينئذ.
* * *
(٧٩) - ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾.
﴿كَلَّا﴾ ردعٌ وتنبيهٌ على الخطأ؛ أي: هو مُخطئٌ فيما تصوَّره لنفسه فليرتدِعْ عنه.
стр. 2837
﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾: سنُظهر له أنَّا كتبنا قوله، على طريقة قوله:
إذا ما انتَسَبْنا لمْ تَلِدْني لئيمةٌ (١)
أي: تبيَّن أني لم تَلِدني لئيمةٌ؛ لأن نفس الكَتْبة لا تتأخَّر عن القول؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
وقيل: هذا على طريقة قول المتوعِّد للجاني: سوفَ أنتقمُ منك، يعني: أنه لا يُخلُّ بالانتصار وإن تطاول به الزمان، إلا أن حرف التنفيس جرِّد هنا للوعيد.
﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ﴾: نزيده (٢) من العذاب كما يزيد في الافتراء والاجتراء، من المدد، يقال: مدَّه وأمدَّه بمعنًى.
﴿مَدًّا﴾ أكِّد بالمصدر؛ لفَرْط غضبه تعالى.
* * *
(٨٠) -) ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
﴿وَنَرِثُهُ﴾ بموته ﴿مَا يَقُولُ﴾ يعني: المالَ والولدَ بدل اشتمال من الهاء في (نرثه).
﴿وَيَأْتِينَا﴾ يوم القيامة ﴿فَرْدًا﴾ لا يَصحبه مالٌ ولا ولدٌ كان له في الدنيا، فضلًا أن يُؤتى له زائدًا.
* * *
стр. 2838
(٨١) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾: ليتعزَّزوا بهم بأن يكونوا لهم شفعاء عند الله، ووحَّد ﴿عِزًّا﴾ بمعنى المصدر.
* * *
(٨٢) - ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
﴿كَلَّا﴾؛ أي: ليس الأمر كما ظنُّوا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الضمير للآلهة؛ أي: سيجحدون عبادتهم، ويقولون: واللهِ ما عبدونا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦].
أو للمشركين؛ أي: يُنكِرون أن يكونوا قد عبدوها، كقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾: خصمًا؛ لأن الله تعالى يُنطقهم فيقولون: يا ربِّ، عذِّب هؤلاء الذين عبدونا مِن دونك، والضِّدُّ يقع على الواحد والجمع في مقابلةِ ﴿لَهُمْ عِزًّا﴾، والمراد ضدُّ العزِّ، وهو الذُّلُّ والهوان، يكونون عليهم ضدًّا لِمَا قصدوه من العزِّ، على معنى: أنها تكون معونةً في عذابهم؛ بأن تُوقَد بها نيرانهم.
أو جُعل الواو للكفرة؛ أي: ويكونون كافرين بهم بعد أن كانوا يعبدونها، وتوحيده لوحدة المعنى الذي به مضادَّتهم، فإنَّهم بذلك كالشيء الواحد، ونظيره قوله ﵇: "وهم يدٌ واحدةٌ على مَن سواهم" (١).
стр. 2839
وقرئ: (كَلًّا) بالتنوين على قلب الألف نونًا في الوقف، أو على معنى: كَلَّ هذا الرأيُ كَلًّا، و: (كُلًّا) على إضمار فعلٍ يُفسِّره ما بعده؛ أي: سيجحدون كُلًّا، سيكفرون بعبادتهم (١).
* * *
(٨٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الإرسال: التخلية، وتعديته بـ (على) لتضمين معنى التسليط، أي: خلَّيناهم (٢) مسلَّطين عليهم بالإغراء (٣)، وذلك حين قال لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].
﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾: إغراءٌ بإزعاج، وأصل الأزِّ: الحركة مع صوتٍ متَّصلٍ من أزيزِ القِدْر وغليانها، والمعنى: تزعجهم الشياطين وتسوقهم إلى المعاصي بسرعة، ومساقُ الكلام ظاهرٌ في الإمهال استدراجًا، ولذلك أتى بأداة التفريع في قوله:
(٨٤) - ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾.
﴿فَلَا تَعْجَلْ﴾، أي: تطلب العذاب قبل حينه، ولذلك قال (٤): ﴿عَلَيْهِمْ﴾.
ولمَّا كان قوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ﴾ أي: أنفاسهم ليستوفوا آجالهم - في مقام التعليل لِمَا ذكر، كان المناسب أن يكون المراد: إنَّما نمهلهم لا نُهملهم.
стр. 2840
وما قيل: أي: لا تعجل بهلاكهم؛ فإنه لم يبقَ لهم إلَّا أيام محصورة وأنفاس معدودة = بعيدٌ عن مساق الكلام وسياق المقام (١).
﴿عَدًّا﴾ فلا يزدادون عليها ولا يَنقصون منها.
* * *
(٨٥) - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ الحَشْر: الجمع من جهات متعدِّدة، ونصب ﴿يَوْمَ﴾ بـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، أو بمضمر؛ أي: يوم نَحشُر ونَسوق نَفعل (٢) بالفريقين ما لا يوصف.
﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ لاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأنٌ، ولعلَّه لأن مساق الكلام فيها لتعداد نِعَمه الجِسام وشَرْح حال الشاكرين لها والكافرين بها.
﴿وَفْدًا﴾ الوفدُ: جمع وافد، كرَكْب: جمع راكب (٣)، حالٌ من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾.
* * *
(٨٦) - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾: الكافرين سَوق الأنعام؛ لأنهم كانوا أضلَّ منها.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ عطاشًا؛ لأن مَن يَرِد الماءَ لا يَرِدُه إلا لعطشٍ، وحقيقة الوِرْد: المسير إلى الماء، فسمِّي به الواردون.
ذُكر المتقون بأنهم يُجمَعون إلى ربِّهم الذي غمرهم برحمته كما يَفِدُ الوفود على
стр. 2841
الملوك تبجيلًا لهم، والكافرون بأنهم مساقون إلى النار كأنهم نَعَمٌ عِطاش يُساقون إلى الماء استخفافًا بهم.
* * *
(٨٧) - ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ الضمير فيه للعباد المدلول عليهم بذكر المجرمين والمتقين؛ لانحصارهم فيهما.
﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: إذنًا فيها، لقوله تعالى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] من قولهم: عَهِدَ الأميرُ إلى فلانٍ بكذا، إذا أمره به، ومحلُّه الرفع على البدل من ضمير ﴿يَمْلِكُونَ﴾، أو النصب على تقدير المضاف؛ أي: إلَّا شفاعةَ مَن اتخذ، أو على الاستثناء.
وقيل: الضمير لـ ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: لا يملكون أن يشفع لهم إلَّا مَن اتخذ عند الله عهدًا بالإسلام ليستعدَّ به أن يشفع له.
* * *
(٨٨) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾؛ أي: النصارى واليهود، ومَن زعم أن الملائكة بناتُ الله، ولا وجه لإسناد هذا القول إلى الكُلِّ مع الإنكار من (١) بعضهم ووقوعِ المشاجرة فيه فيما بينهم؛ لكونه مقولًا فيما بينهم، على أن في هذا الإسناد نوعَ شَيْنٍ للمسلمين، وهم بُرآء عنه.
* * *
стр. 2842
(٨٩) - ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ على الالتفات للمبالغة في الذَّمِّ، والتسجيلِ عليهم بالجرأة على الله، والتعرُّضِ لسخطه، والتنبيه على عِظَمِ ما قالوا.
والأدُّ بالفتح والكسر (١): العَجَب، وقيل: العظيم المنكَر، من الإدَّة وهي الشِّدَّة.
* * *
(٩٠) - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾: تَقْرُب (٢) ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ وبالنون (٣)، الانفطار من فَطَره: إذا شقَّه، والتفطُّر من فطَّره: إذا شقَّقه مرةً بعد أخرى، فهذا أبلغُ منه من عِظَم هذا القول.
﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ﴾ وتسقط ﴿هَدًّا﴾؛ أي: مهدودة، أو: تهدُّ هدًّا، أو: مفعول له؛ أي (٤): لأنها تهدُّ، والهدُّ: الهدم بشدَّةِ صوتٍ، وهو تقرير لكونه (٥) إدًّا؛ أي: بلغت هذه الكلمةُ من فظاعتها ومن (٦) عِظَمها وهدمها لأركان الدِّين وقواعده مبلغًا لو تصوِّر تأثيرها بصورة محسوسة، لم يَحتمل مثلَه هذه الأجرام العظيمة التي هي قِوام العالَم، وتفتَّت من شدَّتها، أو كادت هذه الأجرام تضمحلُّ وتُخرب العالَم؛ لشدَّة
стр. 2843
غضب الله تعالى على مَن كان تفوَّه بها؛ قهرًا له وهدمًا لأركان العالَم عليه، استعظامًا لها وتهويلًا من فظاعتها.
* * *
(٩١) - ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.
﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ إمَّا منصوب بتقدير حذف اللام وإفضاء (١) الفعلِ إليه لتعليل الكيدودة أو الهدِّ؛ أي: هدًّا لأنْ دعوا، علَّل الخرور بالهدِّ، والهدَّ بدعاء الولد للرحمن، أو مجرور بدل من الضمير في ﴿مِنْهُ﴾، أي: من أنْ دعوا، أو على إضمار لام التعليل، أو مرفوع على أنه فاعل ﴿هَدًّا﴾؛ أي: هدَّها دعاءُ الولد، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: سببُ ذلك أن دعوا، وهو مِن دَعَا بمعنى سَمَّى المتعدِّي إلى مفعولين، أو مِن دَعا بمعنى نَسبَ الذي مطاوعُه: ادَّعى، بمعنى: انتَسَب.
* * *
(٩٢) - ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.
﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾: ما يتأتَّى ﴿لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ قيل: لا يليق به اتِّخاذ الولد، ولا يتطلب له لو طُلب مثلًا؛ لأنَّه مستحيل (٢).
стр. 2844
وَيرِدُ عليه: أن المحالَ قد يستلزم المحالَ، فيجوز أن ينطلب على تقدير تحقُّق الطلب المحال، فبالتعليل المذكور لا يتمُّ التقريب.
وفائدة تخصيص الرحمن بالذِّكر وتكريره مرَّة بعد أخرى: أنه اسم مختصٌّ بالواجب بالذات باعتبار إفاضته الوجود وأصول النَّعَم على الكُلِّ، كما قيل: فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤنا، فكلُّ ما عداه نعمة أو مُنعَم عليه، فلا يُجانس مَن هو مُبدئ النِّعَم، والولد يجب أن يجانس الوالد، فلا يمكن له ولد، فمَن نَسب إليه الولد فقد شبهه بخلقه وأخرجه عن استحقاق اسمِ الرحمن، ولهذا اقتصر على المفعول الثاني على تفسير ﴿دَعَوْا﴾ بمعنى: سَمَّوا، للدلالة على العموم والإحاطة بكلِّ ما جعل ولدًا؛ لاستحالة مناسبة شيء مّا من خلقه له.
* * *
(٩٣) - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ﴾ ﴿مَنْ﴾ نكرة موصوفة، صفتُها ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وخبر ﴿كُلُّ﴾: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ووحَّد ﴿آتِي﴾، ﴿آتِيهِ﴾ حملًا على لفظ (كلّ) وهو اسم فاعل من أتى، وهو مستقبَلٌ أي (١): يأتيه ويلتجئ إليه.
و ﴿عَبْدًا﴾ حال؛ أي: خاضعًا ذليلًا منقادًا.
والمعنى: ما كلُّ مَن في العالم من الثَّقَلين والمَلَك إلَّا وهو يأتي الله تعالى يوم القيامة مُقرًّا بالعبودية، وهي والبنوَّة متنافيان، حتى لو مَلَكَ الأبُ ابنَه يَعتِق عليه، وهذا تصريحٌ (٢) لِمَا عُلم ممَّا تقدَّم التزامًا.
стр. 2845
(٩٤) - ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾.
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ﴾ الإحصاء: الحَصْر والضبطُ، أي: أحاط بهم علمُه.
﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: علم تفاصيلهم وأعدادهم، فكأنه عدَّهم بأشخاصهم فرادى فرادى، والله منزَّهٌ عن الحاجة إلى العدِّ.
* * *
(٩٥) - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾: منفردًا، سواءٌ العابد والمعبود، ليس مع المعبود (١) ممَّن يعبده أحدٌ يخدمه وينفعه، ولا مع العابد أحدٌ يَشفع له ويقرِّبه وينفعه.
* * *
(٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ سيُحدِث لهم في قلوب الناس مودَّةً من غير أن يتعرَّضوا للأسباب التي يُكتسب بها مودَّة، بل اصطناعًا من الله تعالى لعباده الخاصَّة، قال (٢) قتادة: ما أقبل العبدُ إلى الله إلَّا أقبل اللهُ بقلوب العباد إليه.
وللَفظ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ هاهنا خصوصيةٌ تظهر بالتأمُّل في قوله ﵊: "إن قلوبَ بني آدم بين إصبعين من أصابعِ الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء" (٣).
стр. 2846
والسين إمَّا لأن السورة مكيَّة، وكانوا ممقوتِين (١) حينئذٍ بين الكفرة، فوعدهم اللهُ تعالى ذلك إذا دجا الإسلامُ (٢)، أو لأن الموعود في القيامة حين تُعرَض حسناتهم على رؤوس الأشهاد، فينزع ما في صدورهم من الغلِّ.
* * *
(٩٧) - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾: سهَّلناه مُنزَّلًا ﴿بِلِسَانِكَ﴾؛ أي: بلُغتك، وهو اللسان العربيُّ المبين، والفاء للسببية؛ لأن ما قبلها دلَّت على أن مقت (٣) الكفرة إيَّاهم لا يضرُّهم، وسيَحدث بدله الحبُّ، فقال له: لا تخف وبلِّغ ما أُنزل إليك مبشِّرًا ونذيرًا.
﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾: الصائرين إلى التقوى.
﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾: اللُّدُّ جمع: أَلَدَّ، وهو الشديد (٤) الخصومة في الباطل، الآخذُ في كلِّ لَديدٍ (٥)؛ أي: شِقٍّ وجانب؛ لفَرْط اللّجاج والمِراء.
* * *
(٩٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ تخويفٌ لهم وإنذارٌ، وتجسير للرسول ﵊ على إنذارهم.
стр. 2847
﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ مِن حسَّه: إذا شعر به، ومنه الحِسُّ والمحسوس ﴿مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾؛ أي: هل ترى منهم أحدًا.
﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ الركز: الصوت الخفيُّ، وأصل التركيب: الخفاء، ومنه: ركَز الرُّمحَ، إذا غيَّب طرفه في الأرض، والرِّكاز: المال المدفون.
أي: قد ذهبوا وبادوا، فلا عينَ لهم ولا أَثَر، فكذا هؤلاء إن (١) أعرضوا عن تدبُّر ما أُنزل إليك فعاقبتُهم الهلاك، فليَهُن عليك أمرُهم، والله تعالى أعلم بالصواب (٢)
* * *
стр. 2848
سُورَةُ طه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) ﴿طه﴾.
﴿طه﴾ رُوي عن مجاهدٍ والحسنِ والضَّحاكِ وعطاءٍ وغيرهم أنَّ معناه: يا رجلُ (١)؟ فإنْ صحَّ فظاهرٌ، وإلَّا فالحقُّ ما هو المذكور في سورة البقرة (٢).
وقرئ: (طَهْ) (٣)، على أنَّه أمرٌ للرَّسول بأنْ يطأ الأرضَ بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجُّده على إحدى رجليه (٤)، وأنَّ أصله: (طَأْ) فقلبت همزته هاء.
وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل ﴿طه﴾: طاها، والألف مبدلة عن
стр. 2849
الهمزة، والهاء كنايةُ عن الأرض، ويَمنع هذا الوجهُ والتَّفسير بيا هذا (١) كتبتَهما (٢) على صورة الحروف، إلَّا أن يقال: إنه اكتُفي بشطرَي الكلمتين، وعبِّرَ عنهما بالاسمين.
* * *
(٢) - ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ إن جعلْتَ ﴿طه﴾ تعديدًا لأسماء الحروف (٣)، فهو ابتداءُ كلام (٤).
وإن جعلتها اسمًا للسُّورة أو القرآن احتمل أن يكون خبرًا عنها وهي في موضع المبتدأ، ﴿الْقُرْآنَ﴾ ظاهرٌ أُوقع (٥) موقع المضمَر تفخيمًا (٦)، وأن يكون جوابًا لها وهي قسم، وإنْ جعلتَها نداءً، فهو منادى، وإن جعلتها جملةً فعليَّة أو اسميَّة بإضمار مبتدأ، أو طائفةً من الحروف محكيَّةً، فهو استئنافٌ.
﴿لِتَشْقَى﴾: لتَتعب بفرط تأسُّفك على كُفْرِ قومِكَ وتحسُّرك على أن يؤمنوا، وما عليك أنْ لا يؤمنوا إذا لم تفرِّط في أداء الرِّسالة. أو: بكثرة تهجُّدك وطول قيامك،
стр. 2850
أي: ما بُعِثْتَ لِتُنْهِكَ نفسَكَ وتذيقها المشقَّةَ الفادحة (١)، فإنَّ لها حقًّا عليك، وإنَّما بُعِثْتَ بالحنيفيَّة السَّمحة السَّهلة.
والشَّقاءُ شائع في معنى التَّعب، ومنه أشقى من رائض المُهر (٢)، وسيِّد القوم أشقاهم (٣).
وفيه إشعارٌ بأنَّ القرآن إنَّما أنزل إليك لتسعدَ (٤)، وهو الوسيلة إلى نيل كلِّ فوزٍ وسعادةٍ، فلا تجعلها مُوجِبَ الشَّقاوة.
وقيل: ردٌّ وتكذيب للكفرة؛ فإنَّهم لَمَّا رأوا كثرة عبادته قالوا: إنَّك لَتَشْقَى لترك ديننا، وإن القرآن أُنْزِلَ عليك لتشقى به.
* * *
(٣) - ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ نصب على الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن ليكون تذكرةً، أو على الحال؛ أي: إلَّا مذكِّرين، أو على المفعول له؛ أي: إلَّا لتَذكر. وإنما جيء باللَّام في ﴿لِتَشْقَى﴾ لأنَّه ليس لفاعل الفعل المعلَّل، فانتفى شرط انتصابه، وانتصب هذه لوجود الشَّرط، لا على البدل من محلِّ ﴿لِتَشْقَى﴾؛ لاختلاف الجنسين؛ إلَّا أن يُجعل التَّذكير نوعًا من الشَّقاء؛ أي: ما أنزلناه لتُفْرِط في
стр. 2851
الرِّياضة والتَّهجد، أو تتعب بالتَّأسُّف والتَّحسُّر على إيمانهم، إنَّما أنزلناه لتحتمِلَ (١) مشاقَّ التَّبليغ، ومتاعبَ التَّذكير، ومقاولةَ العُتاة الجاحدين، ومقاتلةَ أعداء الدِّين، وسائرَ تكاليف النُّبوَّة.
﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾: لمن يصير إلى الخشية، ويلينُ قلبُه ويرقُّ، ويعلمُ اللهُ أنَّه ينتفع به (٢).
(٤) - ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾.
﴿تَنْزِيلًا﴾ بدلٌ من ﴿تَذْكِرَةً﴾ إذا جُعِلَتْ حالًا، لا مفعولًا له لفظًا أو معنًى؛ إذ الشَّيء لا يُعلَّل بنفسه ولا بنوعه، أو نصبٌ (٣) على المصدر بإضمار (نُزِّل)، أو بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ (٤)؛ لأنَّ معنى: ما أنزلناه إلَّا تذكرة: أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أو على أنَّه مفعول به لـ ﴿يَخْشَى﴾؛ أي: تذكرةً لمن يخشى تنزيلًا من الله.
وقرئ بالرَّفع؛ أي: هو تنزيلٌ (٥).
﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ صلة لـ ﴿تَنْزِيلًا﴾، أو صفة له، أي: تنزيلًا كائنًا من الله.
стр. 2852
﴿الْعُلَى﴾: جمع العُلْيا، تأنيث الأعلى.
فخَّم شأنَ المُنْزَل: أوَّلًا بإسناد الإنزال إلى الواحد المتعالي، ثمَّ بتنكير ﴿تَنْزِيلًا﴾ للتَّعظيم والإبهام والتَّوضيح، حيث لم يوصَفْ (١)، ثمَّ بالالتفات من التكَلُّم إلى الغيبة لاتِّعاظ السَّامع والتَّنبيهِ على عظم شأنه بتفنُّن الكلام، ثمَّ بإجراء الصِّفات العظام العجيبة على منزِّله، وإيراد الموصول ذريعة إلى ذلك، ثم بوصف السَّماوات بالعُلَى للدِّلالة على علوِّ قَدْر خالقها، ثمَّ بإجراء صفات العَظَمة والتَّمجيد، فأكَّد الفخامة بوجوهٍ كثيرةٍ وطرقٍ مختلفةٍ، ورتَّب صفاته ترتيبًا أنيقًا، فبدأ أوَّلًا بإيجاده لأصول العالم، وقَدَّم الأرض لأنها أقربُ إلى الحسِّ، وأظهرُ نفعًا واحتياجًا إليها.
ثمَّ أشار إلى وجهِ إحداث الكائنات وتدبير أمرها، بذكر استوائه على العرش، وإجراء الأحكام وإنزال الأسباب منه، على التَّرتيب الذي اقتضتْهُ حكمتُه، وتعلَّقَتْ به مشيئتُه، فقال:
(٥) - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفع على المدح؛ أي: هو الرَّحمن، أو بدل من فاعل ﴿خَلَقَ﴾.
﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ خبر مبتدأ محذوف، وعلى الأوَّل يجوز أن يكون خبرًا بعدَ خبر.
﴿اسْتَوَى﴾ كنايةٌ عن الملك؛ لأنَّ العرشَ سريرُ الملِك، ومكانُ التَّمكُّن من ملكه، فأجريَتْ هذه العبارة مُجرى مَلَك، واستعمل (٢) في موضعه، واشتَهَر
стр. 2853
كالمترادفَيْن المتساوَييْن في إفادة المعنى المراد، مع تصوير العَظَمِة (١) الأبَّهة والسَّلطنة والتَّمكُّن في ملكه، وإنْ لم يقعدْ قطُّ على السَّرير.
* * *
(٦) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: ما تحتَ السَّبع الأرضين (٢)، فإنَّ الثَّرى: الطَّبقةُ التُّرابيَّةُ من الأرض، وهي (٣) آخر طبقاتها.
وهذه الجملة تجري مَجرى البيان من الأولى؛ لأنَّ مؤدَّى الأولى كونُه ملكًا مُطاعاً قادرًا، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلخ تفصيلٌ لذلك وتقريرٌ له.
ولَمَّا (٤) ذَكَر ما دلَّ على ملكه وكمال قدرته وإرادته عقَّبه بما دل على كمال علمه وإحاطته بخفايا الأمور وجلاياها على السَّواء؛ لتلازم تلك الصِّفات فيه، وابتناء الجميع على العلم، فقال:
* * *
(٧) - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾: ترفعْ صوتك به سواءٌ كان ذِكرًا أو دعاءً أو غيرهما، وحُذف جواب الشَّرط؛ أي: فاعلم أنَّه تعالى غنيٌّ عن جهرك، وأقيمَ تعليله مقامه وهو:
стр. 2854
﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾؛ أي: ما أسرَرْتَه إلى غيرك، وما هو أخفى منه؛ أي: ما أَخْطَرْتَه ببالك وأضمرتَه في نفسك.
أو السِّر: ما أضمرته في نفسك، وما هو أخفى منه: ما لم يخطر ببالك من الغيب المستأثَر.
هذا ما قالوا، والذي (١) عندي: أنَّ علمَه (٢) السَرَّ وأخفى كناية عن استغنائه عن الجهر بالقول، فلا (٣) حذف ولا إقامة، فهو تعليمٌ للعباد أنَّ الجهر لهضم النَّفس بالتَّضرُّع والجؤار، واستبعادِها عن مظانِّ القُرْبِ باستحقارها، لا لإعلام الله بذلك وإسماعه؛ أو نهيُ (٤) تنزيهٍ عمَّا يُؤذِنُ بالرِّياء.
ثمَّ لَمَّا عدَّد الصِّفات الكمالية، ووصفَه بما لا يمكن أنْ يُوصَفَ به غيره من صفات الألوهيَّة والرُّبوبيَّة، أفصحَ عن التَّوحيد، وصرَّح بأنَّه المنفرد بها المتوحِّد بمقتضياتها فقال:
(٨) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: هو واحد بذاته وإنْ افترقَتْ عبارات صفاته، ردًّا لقولهم: إنك تدعو آلهة، حين سمعوا أسماءه تعالى.
و ﴿الْحُسْنَى﴾: تأنيث الأحسن، وفضلها على سائر الأسماء في الحُسن لدلالتها على معانٍ هي أشرف المعاني وأفضلها.
* * *
стр. 2855
(٩) - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ استفهامُ تقرير يحثُّ على الإصغاء لِمَا يُلْقَى إليه.
﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ قفَّى خطابه بقصَّة موسى ﵇؛ ليقتديَ به في تحمُّل أعباء النُّبوَّة، والصَّبرِ على مقاساة الشَّدائد في تبليغ الرِّسالة؛ فإنَّ هذه السُّورة من أوائل (١) ما نزل، وهذه التَّقفية مرجِّحة لكون التَّذكرة نصبًا على الاستثناء المتَّصل.
* * *
(١٠) - ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.
﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرفٌ للحديث أو لـ: اذكر، أو لمضمرٍ دلَّ عليه ﴿فَقَالَ﴾؛ أي (٢): حين رأى نارًا كان كيْتَ وكيْتَ.
﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ (٣): الْبَثوا مكانكم.
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾: أبصرْتُ إبصارًا بيِّنًا لا شبهة فيه، ومنه الأُنْس لظهوره، وقيل: هو وجدان ما يؤنَسُ (٤).
стр. 2856
ولَمَّا كانَ الإيناسُ محقَّقًا أتى بكلمة ﴿إِنِّي﴾ (١)، وحقَّقه لهم ليوطِّنوا أنفسهم عليه، بخلاف الإتيان بقبس ووجدانِ الهدى على النَّار؛ فإنَّ كلًّا منهما مترقَّب متوقَّع، فمَبْنَى الأمر فيهما على الرَّجاء والطَّمع، وجاء بـ (لعل) ولم يقطع لئلَّا يَعِدَ ما لا يَستيقِنُ الوفاءَ به.
﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ القَبَسُ: النَّارُ المقتبَسَةُ في رأس عودٍ أو فتيلة أو نحوهما (٢).
وقيل: جمرة. ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧].
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّار﴾ معنى الاستعلاء على النَّار: أنَّ أهلها مشرفون عليها عند الاصطلاء بها قيامًا وقعودًا، أو مستَعْلون (٣) المكان القريب منها.
﴿هُدًى﴾، أي: هدًى مّا؛ لأنَّه إذا وجد الهاديَ فقد وجد هدًى مّا إلى الطَّريق (٤)، وإنما جاء بـ ﴿أَوْ﴾ لأنَّه بنَى الرَّجاء على أنَّه إن لم يظفر بحاجتيه جميعًا لم يَعدم واحدة منهما (٥).
* * *
(١١) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى﴾.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾: أتى النَّار، وجد نارًا بيضاء تتَّقد في شجرة خضراء.
стр. 2857
﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾: هو تكليم الله تعالى إيَّاه، و ﴿نُودِيَ﴾ بني للمحذوف، وحذف الفاعل للتَّعظيم.
* * *
(١٢) - ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ قرئ باْلفتح (١)؛ أي: نودي بأنِّي، ومَن كسر (٢) أجرى النِّداء مجرى القول؛ لأنَّه ضَرْبٌ منه.
وتكرير الضَّمير لتوكيدِ الدِّلالة، وتحقيقِ المعرفة، وإماطةِ الشبُّهة.
قيل: لَمَّا نُودِيَ: ﴿يَامُوسَى﴾، قال: مَن المتكلِّم؟ فقال اللهُ تعالى جلَّتْ عظمتُه: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾، فوسوس إليه الشَّيطان: لعلَّك تسمع كلام الشَّيطان، فقال: أنا عرفْتُ أنَّه كلام الله تعالى بأني (٣) أسمعه من جميع الجهات، وأسمعه بجميع أعضائي (٤).
قوله: (أسمعه من جميع الجهات) يردُّه قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾؛ فإنَّه صريح في سماعه النِّداء من جهةٍ وحدةٍ، لا مِن جميع الجهات.
стр. 2858
﴿فَاخْلَعْ﴾ الخَلْعُ: نزعُ الملبوس، يُقالُ: خلعَ ثوبَه عن بدنه، ونعلَه عن رجله، وقد يُنزع المسمار عن (١) موضعه ولا يكون خلعًا؛ لأنَّه غيرُ ملبوسٍ.
﴿نَعْلَيْكَ﴾ أُمر بخلعهما تعظيمًا لحضرة القُدْسِ؛ فإنَّ في (٢) الحفوة تواضعًا لله تعالى وتأدُّبًا، ولهذا كان السَّلف يطوفون بالبيت حافين.
والتَّعليل بقوله: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ دالّ على أنَّ ذلك احترام للبقعة، وتعظيم لقدسها.
وتفريع الأمر بخلع النَّعلين على النداء المذكور وإن كان باعتبار أنَّ ما في الخلع من التَّواضع لله تعالى والتَّأدُّب مقتضى النِّداء؛ لكنَّه (٣) لا يخلو عن الإشعار بأنَّ في بركة تلك البقعة مدخلًا لورود ذلك النِّداء العظيم الشَّأن فيها.
وقيل: لنجاستهما؛ فإنهما كانا من جلد حمارٍ ميِّت غير مدبوغ.
وقيل: لينال بركة الوادي المقدَّس وتمسَّ قدماه تربته (٤).
والوادي: سَفحُ الجبل، ويقال للمَجرى العظيم من مجاري الماء: وادٍ.
﴿الْمُقَدَّسِ﴾: المطهَّر.
﴿طُوًى﴾: علَم للوادي، فيكون بدلًا أو عطفَ بيان.
وقرئ منوَّنًا لوحظ فيه معنى المكان، وغيرَ منوَّنٍ لوحظ فيه معنى البقعة (٥).
стр. 2859
وقيل: هو من الطَّي، نحو: ثِنًى (١)، وهو بمعنى مرَّتين؛ أي: قُدِّسَ مرَّتين (٢) مرَّة بعد مرَّة، أو نودي ندائَيْن.
* * *
(١٣) - ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيْتُكَ للنُّبوَّة.
وقرئ: ﴿إنَّا اخترناك﴾ (٣): (إنَّا): إنَّ واسمها، و (اخترناك): جملة في موضع الخبر.
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ اللَّام متعلِّقة بـ ﴿فَاسْتَمِعْ﴾، أو بـ ﴿اخْتَرْتُكَ﴾، و (ما) موصولة؛ أي: للذي يُوحَى إليك، أو مصدريَّة؛ أي: للوحي.
(١٤) - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ بدل من (مَّا يُوحَى).
عظَّم أمرَ التوحيد (٤) وفخَّم شأنه، بالإبهام في قوله: ﴿لِمَا يُوحَى﴾، والتَّوضيح بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾، وبالإبدال الدَّالِّ على أنَّ الوحيَ مقصورٌ على تقرير التَّوحيد، الذي هو نهاية العلم المستلزمِ لتخصيص العبادة بالله، الذي هو
стр. 2860
كمال العمل (١). وبالتَّأكيد (٢) بـ (إنَّ)، وتوسيطِ الضَّمير، وتكرير معناه بالتَّهليل، والإتيان بفاء السَّببية.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ عَطْفُ الأمر بإقامة الصلاة على الأمر بالعبادة، وتخصيصُها بالذِّكْرِ مِن بينِ سائر العبادات، تنبيهٌ على فضلِها وشرفها وإنافتها على الجميع، كعطف جبريل وميكال (٣) على الملائكة، ولذلك علَّل إفرادها بالذِّكر بقوله:
﴿لِذِكْرِي﴾ فإنَّها توجب شغل القلب واللِّسان بذكر الله تعالى، فمعنى ﴿لِذِكْرِي﴾: لتذكرني (٤).
وقيل: لأني ذكرْتُها في الكتب، وأمرْتُ بها.
أو: لأذكرك بالمدح والثَّناء، وأجعلَ لك لسانَ صدقٍ.
أو: لذكري خاصَّة، غير مَشُوبٍ بذكرِ غيري، أو رياءٍ، أو عِوَضٍ (٥)، أو غَرَضٍ آخر. وهو الإخلاص.
أو: لتكون لي ذاكرًا غيرَ ناسٍ.
أو: لأوقات ذكري، وهو مواقيت الصَّلاة.
أو: لذكر صلاتي؛ لِمَا روي أنه ﵇ قال: "مَن نام عن صلاةٍ أو نسيها
стр. 2861
فليقضِها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (١)، على حذف المضاف (٢)، أو على أنَّ ذكرَ الصَّلاة ذكرُ الله تعالى (٣)، أو لأنَّ الذِّكْرَ والنِّسيانَ مِنَ الله تعالى في الحقيقة.
* * *
(١٥) - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾.
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ يعني: إنَّ القيامة كائنة (٤) لا محالة.
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قُرْبُه تعالى من إخفائها مجازٌ عمَّا اقتضته الحكمة من الإخبار بوقوعها للإنذار وقطعِ الأعذار، مع كتمان وقتها ليكونوا على وَجَلٍ في (٥) كلِّ وقتٍ، فإنَّه إظهار فيه نوع من الإخفاء.
ويجوز أن يكون من أخفاه: إذا أزال خَفَاه؛ أي: أكاد أُظهرها، وقُرْبُه تعالى من إظهارها مجاز عن إظهار بعض أشراطها، كبعثة خاتم الأنبياء ﵈، وانشقاقِ القمر، ويؤيده قراءة أبي الدَّرداء ﵁: (أَخفيها) بالفتح (٦)، مِن خفاه: إذا أظهره.
стр. 2862
قيل: إنَّه من الأضداد، والحقُّ ما روي عن أبي عليٍّ: أنَّه من باب السَّلب (١).
﴿لِتُجْزَى﴾ متعلقة بـ ﴿آتِيَةٌ﴾، وما بينهما اعتراض، أو بـ ﴿أُخْفِيهَا﴾ على المعنى الأخير.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ يعني: من النُّفوس السَّاعية، بقرينةِ قوله:
﴿بِمَا تَسْعَى﴾ السَّعيُ كنايةٌ عن الكسب.
* * *
(١٦) - ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾.
﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ الصَّدُّ: الصَّرفُ عن الخير خاصَّة.
﴿عَنْهَا﴾ عن التَّصديق بالسَّاعةِ، أو عن الصَّلاةِ.
﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ والمرادُ من نهي الكافر عن صدِّ موسى ﵇: نهيُه عن الانصداد عنها بصدِّه، وهذا كقولك: لا أَرَينَّك هنا، في النَّهي عن السَّبب للنَّهي عن المسبَّب مبالغةً (٢).
وفيه تنبيهٌ على أنَّه ﵇ لو خُلِّيَ وفطرتَه السَّليمةَ لكان مصدِّقًا بها غيرَ مُعرضٍ عنها.
стр. 2863
وبعثُه (١) ﵇ على الصَّلابة في الدِّين وشدَّة الشَّكيمة فيه، وتهييجُه عليها، فإنَّ صدَّ الكافر إيَّاه مسبَّب عن ضعف عقيدته ولين شكيمته، فنَهى عن المسبَّب للنَّهي عن السَّبب؛ أي: ينبغي لك أن تكون صلبًا في الدِّين، راسخًا في الاعتقاد.
ونبَّه بقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ على أنَّ سلوكَ طريق العقل واتِّباع الحجَّة يوجب التَّصديق بالبعث والساعة، فإنكارها والتكذيبُ بها إنَّما يكون لغلبة الهوى واتِّباعه.
والهوى: ميلُ النَّفس إلى الشَّيء بأريحيَّة (٢) تلحق فيه، وهواءُ الجوِّ ممدود، وهوى النَّفس مقصور.
﴿فَتَرْدَى﴾: جواب النَّهي، و (أنْ) مقدَّرةٌ بعد فاء الجواب، و (تَرْدى) علامةُ النَصب فيه فتحة مقدَّرة في الألف، معناه: فتهلك.
* * *
(١٧) - ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾.
﴿وَمَا تِلْكَ﴾ استفهامٌ ضُمِّنَ معنى الاستيقاظ لِمَا يُريهِ فيها من الآيات العجيبة الدَّالة على القدرة الباهرة.
قيل: الحكمة في هذا السُّؤال بسطُه، فقد كانت الهيبة قبضتْهُ، ولو تُرِكَ على ما كان عليه لعله كان لا يبقى بل يتلاشى.
стр. 2864
ولَمَّا باسط الحقَّ بسماع (١) كلامه، أخذته أريحيَّة سماع الخطاب، فأجاب عمَّا سُئِلَ، وسلك مسلكَ الإطناب.
﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من ﴿تِلْكَ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، كما في قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، وجاز أن يكون ﴿تِلْكَ﴾ اسمًا موصولًا صلتُه ﴿بِيَمِينِكَ﴾.
قيل: إنما لم يقل: (بيدك) لأنَّه كان في يساره خاتم، فلو أجمل بقي في الجواب الاشتباه (٢).
﴿يَامُوسَى﴾ تكرير لزيادة التَّنبيه والاستئناس.
* * *
(١٨) - ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ قرئ: (عَصَيَّ) (٣)، على لغة هذيل.
﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾: أعتمد عليها إذا أَعييتُ (٤) أو وقفت على رأس القطيع.
والتَّوكُّؤ على الشَّيء: التَّحامل عليه في المشي والعكوف، ومنه: الاتِّكاء، توكَّأت واتَّكأت بمعنًى واحد.
стр. 2865
﴿وَأَهُشُّ بِهَا﴾: أَخبط الورق، وقرئ: (أُهِشُّ) (١)، وكلاهما مِن هشَّ الخبزُ يَهِشُّ: إذا كان ينكسر لهشاشته.
﴿عَلَى غَنَمِي﴾ ليأكلَه.
وعن عكرمة: (أَهُسُّ) بالسِّين (٢) من الهسِّ، وهو زجر الغنم؛ أي: أنحي عليها زاجرًا لها.
قدَّم في الجواب مصلحة نفسه، ثمَّ ثنَّى بمصلحة ماشيته.
﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ المآربُ: الحاجاتُ، عاملَها وإنْ كانت جمعًا معاملةَ الواحدة المؤنَّثة، فأتبعها صفتها في قوله:
﴿أُخْرَى﴾ ولم يقل: (أُخَرُ)؛ رعيًا للفواصل، وهو جائز في غيرها، فكان فيها أجوزَ (٣) وأحسنَ.
قيل: فَهِم موسى ﵇ مِن سؤالِ ربِّ العزَّة أنَّه سيُحْدِثُ في العصا أمرًا عظيمًا، فذكرَ ماهيتها، وفصَّلَ بعضَ منافعها وخواصِّها، فلمَّا استطال الكلام استشعر سوء (٤) الأدب فأَجْمَلَ.
وقيل: إنَّما أجمل ليسأله عن تلك المآرب، فيكونَ زيادةً في إكرامه.
стр. 2866
والغرضُ مِنْ ذِكْرِ ماهيتها ومنافعها: أنَّها ليسَتْ إلَّا عصًى تنفع (١)، منافعها كسائر العيدان؛ ليكون جوابه مطابقًا لِمَا فهمه من فحوى كلام ربِّه، حتى إذا وجدها على خلاف حقيقتها وخواصِّها ممَّا ذُكِرَ من الأمور الخارقة للعادة، ظهرَ أنَّها معجزات باهرة، وآيات ظاهرة، خصَّه الله تعالى بها وأكرمه.
* * *
(١٩) - ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾.
﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ إنَّما أمره بإلقائها لأنَّه أضافها إلى نفسه بقوله: ﴿عَصَايَ﴾، فأراد أن يقطعها عنه، ويريَه الخارق بعد إخراجه من سلطانه وتدبيره؛ ليعلم أنَّه بمَحْضِ صنعِ اللهِ، لا دَخْلَ فيه لفعلِ العبدِ.
* * *
(٢٠) - ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾.
﴿فَأَلْقَاهَا﴾ أي: طرحها (٢) على الأرض، وقد مَرَّ في سورة الأعراف بيان أصل الإلقاء.
﴿فَإِذَا هِيَ﴾؛ أي: صارت في الحال.
﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ الحيَّةُ: اسم جنس (٣) يقع على الصَّغير والكبير والذَّكر والأنثى.
والسَّعيُ: المشيُ بسرعةٍ وخفَّةِ حركةٍ.
стр. 2867
قيل: لَمَّا ألقاها انقلبَتْ حيَّة صفراء بغلظ العصا، ثمَّ تورَّمت وعظمَتْ، فلذلك سمَّاها جانًّا تارةً نظرًا (١) إلى المبدأ، وثعبانًا مرَّة باعتبار المنتهى، وحيَّة أخرى بالاسم الذي يعمُّ الحالَيْن.
وكأنَّ هذا القائل غافل عن عبارة ﴿كَأَنَّهَا﴾ في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأنها صريحة في التَّشبيه وعدم كونها جانًّا حقيقة.
* * *
(٢١) - ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.
﴿قَالَ خُذْهَا﴾: تناوَلْها بيدك ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ الخوفُ: انزعاج النَّفس بتوقُّع الضَّرر.
لَمَّا رأى موسى ﵇ ذلك الأمرَ العجيب (٢) الهائل مَلَكه من الفزع والنّفار ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف، فهرب منها كما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]، فأمره الله تعالى بالإقدام على أخذها، ونهاه عن أن يخاف منها.
وقيل (٣): لَمَّا قال له ربُّه: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ بلغ من الأمن وطمأنينة النَّفس إلى (٤) أن أدخل يده في فمها وأخذ بلَحْيها (٥)، كأنَّه ضمَّن صيغةَ التَكليف صيغةَ (٦) التَّكوين،
стр. 2868
وقد حقَّقناه في تفسير (١) سورة البقرة أنَّ النَّهي كالأمر يتنوَّع إلى التَكليفي والتَّكويني.
وحكمة انقلابها وقتَ مناجاته تأنيسه بهذا المعجز الهائل حتى يلقيها لفرعون فلا يلحقَه ذعر منها في ذلك الوقت.
﴿سَنُعِيدُهَا﴾ الإعادة: ردُّ الشَّيء ثانيًا إلى ما كان (٢) أوَّل مرَّة.
﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾: هَيْأتها وحالَتها المتقدِّمة.
والسِّيرة: فِعْلَةٌ من السَّيْرِ، كالرِّكْبَةِ من الرُّكوب، يقال: سارَ فلانٌ سِيرةً حسنةً، ثمَّ اتُّسِعَ فيها، فنقلَتْ إلى معنى المذهب والطَّريقة، وقيل: سِيَرُ الأوَّلين.
فيجوزُ أنْ ينتصبَ على الظَّرف؛ أي: في طريقتها الأولى حال ما كانت عصا، أو على نزع الخافض، أو على المفعول به إن جعل أعاد منقولًا (٣) من عاده بمعنى: عاد إليه، فيتعدَّى إلى مفعولَيْن، أو بتضمين فعلها، أي: سنعيدها سائرةً سيرتَها الأولى (٤) عصًا يُنتفع بها كما كانت أوَّلًا، أو على أنَّه بدل اشتمال من الضَّمير المنصوب في ﴿سَنُعِيدُهَا﴾، أي: سنعيد سيرتها الأولى.
* * *
(٢٢) - ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾.
стр. 2869
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ يعني: بعد إدخالها في الجيب، على ما أفصح عنه في موضعٍ آخر (١).
يُقال لكلِّ ناحيتين: جناحان، كجناحَي العسكر لمُجَنِّبتَيه (٢)، وجناحا الإنسان: جنباه (٣)، استعيرا (٤) من جناحَي الطَّائر.
وسُمِّيا جناحَيْن لأنَّه يُجنحهما عند الطَّيران؛ أي: يُميلهما. والجَنْبُ فيه جنوحُ الأضلاع.
قيل: والمراد: إلى (٥) جنبك تحت العَضُد، دل على ذلك قوله: ﴿تَخْرُجْ﴾.
ويردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: ١٢] لأنَّه صريح في أنَّ المراد الدُّخول في الجيب والخروج منه.
﴿بَيْضَاءَ﴾: مشرقةً مشعَّةً.
قيل: كان موسى آدَمَ، فأخرجَ يده بيضاء لها شعاعٌ كشعاع الشَّمس يُغْشِي (٦) البصر.
﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: متعلِّق بـ ﴿بَيْضَاءَ﴾، كأنَّه قال: ابيضَّتْ مِن غيرِ سوء، والسُّوءُ: الرِّداءةُ والقُبح في كلِّ شيءٍ؛ أيْ من غير أن يُستَقبح.
стр. 2870
لَمَّا كان خروج الشَّيء عن خِلْقَته وشأن جوهره ممَّا يستقبح ويُستقذر أَخبرَ أنَّه لم يكن كذلك، وأمَّا الكناية به عن البرص فيأباها المقام؛ لأنَّه غير محتمَلٍ في مقام الإعجاز والكرامة، فلا وجهَ للاحتراز عنه.
﴿آيَةً أُخْرَى﴾: معجزةً ثانيةً.
وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ و ﴿آيَةً﴾ حالان معًا من ضمير ﴿تَخْرُجْ﴾، ويجوز أن يكون الثَّاني حالًا من ضمير الأوَّل، فيكونان من الأحوال المتداخلة، أو مفعولًا نصب بمضمَرٍ نحو: (خُذْ) حُذِفَ لِدَلالةِ الكلام عليه (١).
* * *
(٢٣) - ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾. متعلِّق بالمحذوف المذكور، أو بما دلَّ عليه الآية أو القصَّة؟ أي: دلَلْنا بها - أو: فعلنا ذلك - لنريك.
و ﴿الْكُبْرَى﴾: صفة لـ ﴿آيَاتِنَا﴾، أو مفعول ثانٍ لـ (نريك)، و ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ حال؛ أي: لنريك الكبرى من آياتنا.
* * *
(٢٤) - ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: أمرٌ بالذَّهاب بهاتَيْن الآيتَيْن إلى فرعون ودعوته.
стр. 2871
﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ جاوزَ حَدَّ العبودية إلى دعوة الربوبيَّة، تعليلٌ لوجوب الذَّهاب إليه، وتحذيرٌ له من بطشه، وتنبيهٌ على صعوبة ما ابتُلِيَ به، ليتلقاه بجميل الصَّبر وحسن الثَّبات، ولهذا التجأ إليه في طلب التَّيسير والتَّأييد وتفسيح الصَّدر والتَّشجيع:
(٢٥ - ٢٦) - ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾.
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ على الإبهام بإيراد ﴿لِي﴾ بعد الفعْلَيْنِ، والتَّوضيح بذكر الصَّدر والأمر، للتَّأكيد والمبالغة في طلب الشَّرح والتَّيسير.
* * *
(٢٧) - ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾.
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ كان في لسانه رُتَّةٌ (١)؛ لِمَا رويَ: أنَّ فرعونَ حمله يومًا، فأخذ بلحيته - وكانت مرصَّعة بالجواهر - ونتفها جاذبًا ببعض (٢) ما فيها من اليواقيت، فغضبَ وأمر بقتله، فقالت آسية ﵂: إنَّه صبي لا يفرِّق بين الجمر والياقوت، فأُحْضِرا بين يديه، فأخذ الجمرة ووضعها في فيه، فاحترق لسانه، فصار لكنته منها (٣)(٤).
стр. 2872
ولعلَّ لذلك امتاز موسى ﵇ باللِّحية من بين أهل الجنَّة، على ما ورد في حديث جابر ﵁، وهو أنَّه ﵇ قال: "أهل الجنة مُرْدٌ إلَّا موسى بن عمران، فإنَّ له لحيةً إلى سرَّته" (١).
ولَمَّا كانت تلك العقدة عارضةً لآفَة حادثةٍ كان المناسب لحالها التَّنكيرَ حيث لم تكن من جنس ما هو المعهود، وكأن قطع إضافتها عن (اللِّسان) المنبئةِ عن الاتِّصال الخَلْقي أيضًا كان لذلك.
وقيل: إنَّما نُكِّرَتْ لأنَّه لم يطلب الفصاحة الكاملة، وإنَّما طلب حلَّ بعضها إرادةَ أنْ يُفهَمَ عنه فهمًا جيِّدًا؛ لأنَّ أمرَ التَّبليغ لا يتيَّسر إلَّا بذلك، ولهذا علَّل بقوله:
(٢٨) - ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾.
﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ فإنَّ (٢) التَّبليغ إنَّما يَحسن من البليغ (٣).
و ﴿مِنْ لِسَانِي﴾ صفة للعقدة، كأنَّه قيل: عقدةً من عُقد لساني، أو صلةٌ لـ (احلل).
واختلف في زوال العقدة بكمالها؛ فقيل: بقي بعضها؛ لقوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقيل: زالت؛ لقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦].
وفي كلٍّ من الاحتجاجَيْنِ نظر:
أمَّا في الأوَّل: فلأنَّ شهادة قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ عليه لا له؛ لأنَّ فيه دلالة على أن موسى ﵇ كان فصيحًا، غايته أن فصاحة أخيه كانت (٤) أكثر،
стр. 2873
وبقيَّة اللُّكنة تنافي الفصاحة اللُّغويَّة المرادة هاهنا، بدلالة قوله: ﴿لِسَانًا﴾.
وأمَّا في الثَّاني: فلِمَا مَرَّ أنَّه لم يطلب حلَّ عقدة لسانه مطلقًا، بل طلب حلَّ عقدةٍ تمنع الإفهام، فلا دلالة فيه (١) في حصول مَسْؤولِه على زوال العقدة بكمالها، نعم قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] يدلُّ على الأوَّل، فتأمَّل (٢).
* * *
(٢٩ - ٣٠) - ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾: ظهيرًا أعتمد عليه، مِن الوِزْرِ وهو (٣): الثِّقل؛ لأنَّه يتحمَّل عن الملِك أوزاره ومؤنه، أو من الوَزَرِ: الملجأ؛ لأنَّ الملك يعتصِم برأيه ويلجأ إليه أموره.
أو: مُعينًا، من المؤازرة وهي المعاونة.
فـ ﴿وَزِيرًا﴾ مفعولٌ أوَّل لـ (اجعل)، والثَّاني: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ (٤)، أو ﴿لِي وَزِيرًا﴾ مفعولاه، وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ بدل من ﴿وَزِيرًا﴾، لا عطفُ بيان؛ لأنَّه لا يخالف متبوعه في التَّعريف والتَّنكير (٥).
стр. 2874
وقوله: ﴿أَخِي﴾ عطف بيان، لا بدل (١)؛ لأنَّ إبدال الشَّيء من (٢) أقلَّ منه فاسد لا يُتصوَّر، نصَّ عليه الشَّيخ في "دلائل الإعجاز" (٣).
أو ﴿وَزِيرًا﴾ و ﴿هَارُونَ﴾ مفعولاه، وقدِّم ثانيهما على أولهما عنايةً بأمر الوزارة.
* * *
(٣١) - ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: قوِّ به ظهري.
والشَّدُّ: جمع يَستَمْسِك (٤) به المجموع، ومثله: الرَّبط والعَقْد.
والأَزْرُ: الظَّهر، يُقال: آزرني فلان على أمري؛ أي: كان لي ظهرًا، ومنه: المِئْزَرُ؛ لأنَّه يُشَدُّ على الظَّهر، وكذا الإزارُ.
* * *
(٣٢) - ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.
﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ الإشراك: الجمع بين الشَّيئين أو أكثر في معنًى على أنَّه لهم بجَعْلِ جاعلٍ. وقد أشرك الله تعالى بين موسى وهارون ﵉ في النُّبوَّة، وقوَّى به أزره كما دعا.
стр. 2875
وقُرِئا على لفظ الخبر جوابًا للأمر (١)، ولمن قرأ بهما على لفظ الأمر للدعاء أن يقف على ﴿هَارُونَ﴾، ويجعل ﴿أَخِي﴾ مرفوعًا على الابتداء والجملة خبر.
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾.
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ فإنَّ التَّعاون يهيِّج الرَّغبات، ويؤدِّي إلى تكاثر الخير وتزايده، قدَّم التَّسبيح وهو تنزيه الله تعالى عمَّا لا يجوز وصفه به، على الذِّكْرِ وهو ثناؤه تعالى بما يليق به؛ لأنَّ التَّخلية قبل التَّحلية.
* * *
(٣٥) - ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾: عالمًا بأحوالنا؛ وأنَّ (٢) التَّعاون ممَّا يصلحنا، وأنَّ هارون نِعْمَ العونُ لي فيما أمرتني به، والشَّادُّ لعضدي بأنَّه أكبر منِّي سنًّا وأفصح لسانًا.
* * *
(٣٦) - ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ السُّؤلُ: المطلوبُ، فُعْلٌ بمعنى المفعول، كالخُبْزِ والأكْلِ؛ أي: أُعْطِيْتَ ما سألتَه، وذلك من المِنَّةِ عليه.
ثمَّ ذكَّرَهَ بتقديم مِنَنِهِ (٣) عليه؛ ليعظُم اجتهاده وتَقْوَى بصيرته، بقوله: