← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ جاوزَ حَدَّ العبودية إلى دعوة الربوبيَّة، تعليلٌ لوجوب الذَّهاب إليه، وتحذيرٌ له من بطشه، وتنبيهٌ على صعوبة ما ابتُلِيَ به، ليتلقاه بجميل الصَّبر وحسن الثَّبات، ولهذا التجأ إليه في طلب التَّيسير والتَّأييد وتفسيح الصَّدر والتَّشجيع: (٢٥ - ٢٦) - ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾. ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ على الإبهام بإيراد ﴿لِي﴾ بعد الفعْلَيْنِ، والتَّوضيح بذكر الصَّدر والأمر، للتَّأكيد والمبالغة في طلب الشَّرح والتَّيسير. * * * (٢٧) - ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ كان في لسانه رُتَّةٌ (١)؛ لِمَا رويَ: أنَّ فرعونَ حمله يومًا، فأخذ بلحيته - وكانت مرصَّعة بالجواهر - ونتفها جاذبًا ببعض (٢) ما فيها من اليواقيت، فغضبَ وأمر بقتله، فقالت آسية ﵂: إنَّه صبي لا يفرِّق بين الجمر والياقوت، فأُحْضِرا بين يديه، فأخذ الجمرة ووضعها في فيه، فاحترق لسانه، فصار لكنته منها (٣) (٤).

стр. 2872

ولعلَّ لذلك امتاز موسى ﵇ باللِّحية من بين أهل الجنَّة، على ما ورد في حديث جابر ﵁، وهو أنَّه ﵇ قال: "أهل الجنة مُرْدٌ إلَّا موسى بن عمران، فإنَّ له لحيةً إلى سرَّته" (١). ولَمَّا كانت تلك العقدة عارضةً لآفَة حادثةٍ كان المناسب لحالها التَّنكيرَ حيث لم تكن من جنس ما هو المعهود، وكأن قطع إضافتها عن (اللِّسان) المنبئةِ عن الاتِّصال الخَلْقي أيضًا كان لذلك. وقيل: إنَّما نُكِّرَتْ لأنَّه لم يطلب الفصاحة الكاملة، وإنَّما طلب حلَّ بعضها إرادةَ أنْ يُفهَمَ عنه فهمًا جيِّدًا؛ لأنَّ أمرَ التَّبليغ لا يتيَّسر إلَّا بذلك، ولهذا علَّل بقوله: (٢٨) - ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ فإنَّ (٢) التَّبليغ إنَّما يَحسن من البليغ (٣). و ﴿مِنْ لِسَانِي﴾ صفة للعقدة، كأنَّه قيل: عقدةً من عُقد لساني، أو صلةٌ لـ (احلل). واختلف في زوال العقدة بكمالها؛ فقيل: بقي بعضها؛ لقوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقيل: زالت؛ لقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]. وفي كلٍّ من الاحتجاجَيْنِ نظر: أمَّا في الأوَّل: فلأنَّ شهادة قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ عليه لا له؛ لأنَّ فيه دلالة على أن موسى ﵇ كان فصيحًا، غايته أن فصاحة أخيه كانت (٤) أكثر،

стр. 2873

وبقيَّة اللُّكنة تنافي الفصاحة اللُّغويَّة المرادة هاهنا، بدلالة قوله: ﴿لِسَانًا﴾. وأمَّا في الثَّاني: فلِمَا مَرَّ أنَّه لم يطلب حلَّ عقدة لسانه مطلقًا، بل طلب حلَّ عقدةٍ تمنع الإفهام، فلا دلالة فيه (١) في حصول مَسْؤولِه على زوال العقدة بكمالها، نعم قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] يدلُّ على الأوَّل، فتأمَّل (٢). * * * (٢٩ - ٣٠) - ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾. ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾: ظهيرًا أعتمد عليه، مِن الوِزْرِ وهو (٣): الثِّقل؛ لأنَّه يتحمَّل عن الملِك أوزاره ومؤنه، أو من الوَزَرِ: الملجأ؛ لأنَّ الملك يعتصِم برأيه ويلجأ إليه أموره. أو: مُعينًا، من المؤازرة وهي المعاونة. فـ ﴿وَزِيرًا﴾ مفعولٌ أوَّل لـ (اجعل)، والثَّاني: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ (٤)، أو ﴿لِي وَزِيرًا﴾ مفعولاه، وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ بدل من ﴿وَزِيرًا﴾، لا عطفُ بيان؛ لأنَّه لا يخالف متبوعه في التَّعريف والتَّنكير (٥).

стр. 2874

وقوله: ﴿أَخِي﴾ عطف بيان، لا بدل (١)؛ لأنَّ إبدال الشَّيء من (٢) أقلَّ منه فاسد لا يُتصوَّر، نصَّ عليه الشَّيخ في "دلائل الإعجاز" (٣). أو ﴿وَزِيرًا﴾ و ﴿هَارُونَ﴾ مفعولاه، وقدِّم ثانيهما على أولهما عنايةً بأمر الوزارة. * * * (٣١) - ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾. ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: قوِّ به ظهري. والشَّدُّ: جمع يَستَمْسِك (٤) به المجموع، ومثله: الرَّبط والعَقْد. والأَزْرُ: الظَّهر، يُقال: آزرني فلان على أمري؛ أي: كان لي ظهرًا، ومنه: المِئْزَرُ؛ لأنَّه يُشَدُّ على الظَّهر، وكذا الإزارُ. * * * (٣٢) - ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ الإشراك: الجمع بين الشَّيئين أو أكثر في معنًى على أنَّه لهم بجَعْلِ جاعلٍ. وقد أشرك الله تعالى بين موسى وهارون ﵉ في النُّبوَّة، وقوَّى به أزره كما دعا.

стр. 2875

وقُرِئا على لفظ الخبر جوابًا للأمر (١)، ولمن قرأ بهما على لفظ الأمر للدعاء أن يقف على ﴿هَارُونَ﴾، ويجعل ﴿أَخِي﴾ مرفوعًا على الابتداء والجملة خبر. * * * (٣٣ - ٣٤) - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ فإنَّ التَّعاون يهيِّج الرَّغبات، ويؤدِّي إلى تكاثر الخير وتزايده، قدَّم التَّسبيح وهو تنزيه الله تعالى عمَّا لا يجوز وصفه به، على الذِّكْرِ وهو ثناؤه تعالى بما يليق به؛ لأنَّ التَّخلية قبل التَّحلية. * * * (٣٥) - ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾: عالمًا بأحوالنا؛ وأنَّ (٢) التَّعاون ممَّا يصلحنا، وأنَّ هارون نِعْمَ العونُ لي فيما أمرتني به، والشَّادُّ لعضدي بأنَّه أكبر منِّي سنًّا وأفصح لسانًا. * * * (٣٦) - ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾. ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ السُّؤلُ: المطلوبُ، فُعْلٌ بمعنى المفعول، كالخُبْزِ والأكْلِ؛ أي: أُعْطِيْتَ ما سألتَه، وذلك من المِنَّةِ عليه. ثمَّ ذكَّرَهَ بتقديم مِنَنِهِ (٣) عليه؛ ليعظُم اجتهاده وتَقْوَى بصيرته، بقوله:

стр. 2876

(٣٧) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ المِنَّة: نعمة تُقْطَعُ لصاحبها عن غيره باختصاصها به، يقال: منَّ عليه: إذا أنعم عليه (١) نعمةً يُقْطعه إيَّاها، وأصله: القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]. والمرَّةُ: الكَرَّة الواحدة، من المَرِّ. و ﴿أُخْرَى﴾: تأنيثُ آخر، بمعنى غير؛ أي: مِنَّةً غيرَ هذه المِنَّة. * * * (٣٨) - ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾. ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ قال الجمهور: هو وحيُ إلهامٍ، وقيل: وحي إعلامٍ؛ إمَّا ببعثِ مَلَكٍ إليها لا على وجه النُّبوَّة، كما بحث إلى مريم، أو بإراءة ذلك في المنام، أو على لسان نبيٍّ في وقتها، كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]. ﴿مَا يُوحَى﴾: ما لا سبيل إلى العلم به إلَّا بالوحي، أو: ما ينبغي أن يُوْحَى لا محالة ولا يُخَلَّ به؛ لعظم شأنه وفرط الاعتناء به. * * * (٣٩) - ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾: بأنِ اقذفيه، أو: أيِ اقذفيه؛ لأنَّ الوحي بمعنى القول.

стр. 2877

والقَذْفُ: هو الرمي البعيد المستلزِم لصلابة المَرْميِّ، واستُعير هنا لمعنى الإلقاء. ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ اليمُّ: اسمٌ للبحر العَذْب، والمرادُ منه هاهنا (١): النِّيلُ. ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ساحلُ البحرِ: شاطئه، سُمِّيَ بذلك لأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ؛ أي: يَقشره، فهو فاعل بمعنى: ذو كذا، ولَمَّا وجب وقوع ما تعلَّقَتْ به إرادته تعالى، وهو إلقاء البحر إيَّاه بالسَّاحل، ذكر بلفظ الأمر تشبيهًا للبحر بالمأمور المميِّز المطيع الممتثِل لِمَا وردَ عليه من أمرِ (٢) آمرٍ مُطاعٍ، على طريق (٣) الاستعارة بالكناية. وأخرج (٤) الجواب بقوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ مخرجَ جوابُ الأمر مجزومًا. وكرّر ﴿وَعَدُوٌّ﴾ للمبالغة، أو لأنَّ الأوَّل باعتبار الواقع، والثَّاني باعتبار المتوقَّع، والأحسن نظمًا أن ترجع الضمائر كلُّها إلى موسى ﵇ (٥)، لا لِمَا قيل: إنَّ في رجوع البعض إلى التَّابوت تنافرُ النَّظم الذي ينافي الإعجاز؛ لأنَّه ممنوع، كيف ولو كان فيه ما يخلُّ بحسن النَّظم لَمَا وقع في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]؟! ثمَّ إنَّ موجَبَ ذلك عدمُ الحُسْنِ - بل عدمُ الصِّحةِ -

стр. 2878

لا عدمُ الأحسنيَّة (١) = بل لأنَّ المُحَدَّث عنه موسى ﵇، لا التَّابوت، وإنَّما ذُكِرَ التَّابوتُ على سبيل الوعاء (٢) والفضلة، فالمُلْقَى والمَأْخُوذ هو موسى ﵇ في التَّابوت، فلا حاجة إلى نشر الضَّمائر. والظَّاهر: أنَّ البحر ألقاه بالسَّاحل فالتقطه منه آل فرعون، روي أنَّه فُتِحَ التَّابوت فإذا صبيٌّ أصبحُ النَّاس وجهًا، فأحبَّه عدوُّ الله حبًّا شديدًا، كما قال: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ ﴿مِنِّي﴾ صفة لـ ﴿مَحَبَّةً﴾؛ أي: محبَّةً كائنةً منِّي قد زرعتُها في القلوب، فلذلك (٣) أحبَّك فرعون. أو متعلق بـ ﴿وَأَلْقَيْتُ﴾ أي: أحببتُكَ ومَن أحبَّه اللّهُ أحبَّته القلوب، وعلى هذا يراد المعنى المذكور أوَّلًا بطريق الكناية، أو بطريق الإشارة. وتنكير ﴿مَحَبَّةً﴾ للتَّعظيم أو الإبهام والتعيين. ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ عطف على علَّةٍ مقدَّرة، مثل: ليُتعطَّفَ عليك، ونحوِه، أو علَّةٌ لمحذوف معطوفٍ على الجملة السابقة، أي: ولتُصنع فعلْتُ ذلك. قال الخليل: يُقال: صنعْتُ الفرسَ، وهو فرسٌ صَنِيْعٌ، وهو الذي أَحسن أهلُه القيام عليه (٤)، وسيفٌ صَنِيْعٌ: الذي قد أُحْسِنَ صَقْلُهُ. ﴿عَلَى عَيْنِي﴾: بمرأًى منِّي؛ أي: لِتُرَبَّى كما أريد، ومجازُه: أنَّ مَن صنعَ للإنسان شيئًا وهو ينظر إليه (٥) صَنَعَهُ له كما يحبُّه، ولا يتهيَّأ له خلافه.

стр. 2879

وقيل: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾؛ أي: على حفظي. * * * (٤٠) - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ ظرفٌ لـ (أَلقيتُ)، أو (تُصنع)، أو بدل من ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا﴾ على أنَّ ﴿إِذْ﴾ عبارةٌ عن الوقت المتَّسع. ﴿فَتَقُولُ﴾ للَّذين يطلبون مرضعةً يَقبلُ ثديها، وكان لا يَقبل ثديَ امرأة على ما ذُكِرَ في سورة القصص، فالفاء فصيحة؛ لترتيب المذكور على المقدَّر. ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾: على مَن يضمُّه إلى نفسه فيربِّيه، وأرادت بذلك: المرضعةَ، وإنَّما ذُكِّرَ للَفظ ﴿مَنْ﴾. ﴿فَرَجَعْنَاكَ﴾: فرددناك ﴿إِلَى أُمِّكَ﴾ وفاءً بقولنا: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧]، ويأتي التفصيل في سورة القصص، وهذه الفاء أيضًا فصيحة. ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ برؤيتك، وقد مرَّ تفسير (تقر) في سورة مريم. ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على فراقك (١). قيل: أو أنت على فراقها. ولا يتحمَّله مساق الكلام في سورة القصص (٢)، ويأباه قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: ١٣].

стр. 2880

﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾: هي نفس القِبْطيِّ الذي استغاثه عليه السِّبْطيُّ. ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ الذي نالَكَ بسبب قتْلِه خوفًا من عقاب الله تعالى واقتصاصِ فرعون، بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مَدْيَن. ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ مصدر على فُعول في المتعدِّي، كالثُّبور والشُّكور والكُفور، أو جمع فَتْنٍ أو فِتْنَةٍ على ترك الاعتداد بتاء التَّأنيث، كحُجُوز (١) وبُدُور في جمع حُجْزَة وبَدْرَة (٢). والفتنةُ: المحنةُ، وكلُّ ما يَبتلي اللهُ به عباده من نعمة أو من (٣) نقمة فهو فتنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وأكثر استعمالها في العُرف فيما يَشُقُّ على الإنسان؛ أي: اختبرناك بضروب من الاختبار. سأل سعيدُ بن جبيرٍ ابنَ عبَّاس ﵄، فقال: خلَّصناكَ مِن محنةٍ بعدَ محنةٍ، وُلدَ في عامٍ كان يُقتَلُ فيه الولدان، فهذه فتنةٌ يا ابن جبير، وألقته أمُّه في البحر، وهمَّ فرعون بقتله، وقتل قِبطيًّا، وأجَّر نفسَه عشرَ سنين، وضلَّ الطَّريق، وتفرَّقَتْ غنمُه في ليلةٍ مظلمة، وكان يقول عند كلِّ واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير (٤).

стр. 2881

والمعنى: إنَّا عاملناك معاملة المختبِر حتى خلصت للاصطفاء (١) بالرِّسالة، فكلُّ هذا من أكبر نعمه. ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهي مدينة شعيب ﵇. وعن وهب: أنَّه لبثَ عندَه ثمانيًا وعشرين سنة، عشرٌ منها مهرُ ابنته، وأقام عنده ثماني عشرة سنةً بعدها حتى ولد له أولاد (٢). والفاء لتفصيل بعض (٣) ما أُجمل من أنواع الفتنة. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ قدَّرتُه وعيَّنته (٤)، وهو ما سبق في قضائي أن أكلِّمَكَ وأستنبئك في وقتٍ قد وقَّتُّه لذلك، فما جئْتَ إلَّا على ذلك القَدَر، غيرَ متقدِّم ولا متأخِّر (٥). وقيل: هو الوقت الذي يوحَى فيه إلى الأنبياء ﵈، وهو رأس أربعين سنة، قال الشَّاعر: نالَ الخلافةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ (٦) ﴿يَامُوسَى﴾ (٧) عقيب ما هو غاية الحكاية؛ للتَّنبيه على أنه المقصود. * * *

стр. 2882

(٤١) - ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾. ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اصطفيتك لمحبَّتي وخَصَصْتُكَ بي، مثَّل حاله فيما خوَّله من الكرامة بمَن قرَّبه الملك واستخلَصه لنفسه لمحاسنَ فيه. * * * (٤٢) - ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ أمرَ أوَّلًا موسى ﵇ وحده بالذَّهاب، فلمَّا (١) سأل أن يُشرك هارونُ ﵇ في أمره أمَرهما معًا، إجابةً لدعوته على حسَب وَعْده. وضمَّن كلامه التَّنبيه على أصالته حيث غلَّبه (٢) على هارون في الخطاب، ولم يقل: (اذهبا). و (أخوك) معطوف (٣) على الضَّمير المستكنِّ (٤) في ﴿اذْهَبْ﴾، المؤكَّد بـ ﴿أَنْتَ﴾. قيل: أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقاه، وقيل: سمع بمُقْبَله (٥) فاستقبله. ﴿بِآيَاتِي﴾: بمعجزاتي. ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ أي: ولا تفتُرا، ولا (٦) تقصِّرا. والوَنْيُ: الفتور.

стр. 2883

﴿فِي ذِكْرِي﴾ أي: لا تنسياني حيث ما تقلَّبْتُما (١)، أو في تبليغ الرِّسالة؛ فإنَّ الذِّكْرَ يطلق على كلِّ عبادة، والتَّبليغُ من أجَل العبادات، أو: في تبليغ ذِكْري والدَّعوة إليَّ. * * * (٤٣) - ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ بالتكرير (٢)؛ إظهارًا للاعتناء بدعوة اللَّعين إليه، وفيه إبهام وتوضيح، ونبَّه على سبب الذَّهاب إليه بالرِّسالة من عنده بقوله: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾، أي: تجاوز الحدَّ في الفساد، ودعواه الرُّبوبيَّة. * * * (٤٤) - ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ نحو قوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩]؛ لأنَّه دعوةٌ في صورة العَرْض والمشورة والاستفهام، حذَرًا أن يحمله التَّجبُّر على أن يسطوَ عليكما، أو احترامًا له لحقِّ التَّربية. وقيل: ﴿لَيِّنًا﴾ (٣) كنِّياه، أو لقِّباه، لا بدَّ من هذه الزِّيادة كيلا يردَّه قوله: ﴿وَقَالَ

стр. 2884

مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤]، فإنَّه لو كان مأمورًا بالتَكنية خاصَّةً لَمَا خالفه (١) بالتَّلقيب. ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ متعلِّق بـ ﴿اذْهَبَا﴾، أو ﴿قَوْلًا﴾؛ أي: على أرجى (٢) الوجوه للاتِّعاظ والخشية. وقوله: (لعل) ليس لخفاء حاله عليه تعالى، لكن أمر لهما بالدُّعاءِ على الرَّجاء، فإنَّه إذا كان الدَّاعي راجيًا فهو أحرص على الدُّعاء، وذلك أبلغ في إلزام الحجَّة. وقيل (٣): يتذكر المتحقِّق (٤) ويخشى المتوهِّم؛ أي: يتذكَّر إن تحقَّق صدقَكما فيذعن للحقَّ، وإنْ لم يتحقَّق توهَّم أنْ يكون الأمر كما تصفانه. والأحسنُ أنْ يُقال: يتذكَّر المبدأ أو يخشى المعاد؛ أي: يتذكر حالة نشأته صغيرًا عاجزًا عن تدبير نفسه، وأنَّه حدث بعد أن لم يكن موجودًا، فيرجع عن دعوى القدرة والرُّبوبيَّة، أو يخشى عقابَ اللهِ تعالى في دعواه ذلك. * * * (٤٥) - ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ فرط: سبق وتقدَّم، ومنه الفارِطُ الذي يتقدَّم الوارِدَ، وفرسٌ فُرُطٌ: تسبقُ الخيل.

стр. 2885

وقرئ: (يُفْرَطَ)، من أفْرَطه: إذا حمله على العَجَلَةِ، و (يُفْرِطَ) من الإفراط (١)؛ أي: نخاف أن يعجل علينا بما يحول بيننا وبين إتمام الدَّعوة وإظهار المعجزة، أو أن يحمله حامل من استكباره وجبروته أو خوفه على الملك، أو شيطان جنَي أو إنسيٌّ من قومه القِبط المتمرِّدين، على المعاجلة بما ذكر، أو أن يفرط فيه. وإنَّما قلنا: (بما يحول)، ولم نقل: (بالعقوبة) كما قيل؛ لأنَّه مردود بقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]، فإنَّه مذكور قبل قولهما (٢) هذا، بدلالة قوله: ﴿سَنَشُدُّ﴾، وقد دلَّ على أنهما محفوظان من عقوبته. ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ أي: يتجاوزَ الحدَّ بالتَّخطِّي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي؛ لعتوِّه وجراءته عليك وقساوة قلبه، وفي إطلاق الطُّغيان مع تقييد قسيمه بقوله: ﴿عَلَيْنَا﴾ بطريق الرَّمز من حُسن الأدب والتَّحاشي عن التَّفوُّه بالعظيمة ما لا يخفى، وإنَّما أخَّره لأنَّ مَن أُمرَ بشيء فحاول دفعَه لأعذار فلا بُدَّ وأن يختم كلامه بما هو الأقوى. * * * (٤٦) - ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ المعيَّة هنا (٣) بالنُّصرة والمعونة.

стр. 2886

﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ما يجري بينكما وبينه من قولٍ أو فعلٍ، فأجازيه وأكفيكما شرَّه. والأفصح أنْ لا يُقدَّر مفعولا قوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فيكون مبالغةً في الحفظ (١)، أي: إنَّني حافظٌ ناصرٌ سميعٌ بصيرٌ، وإذا كان الحافظ قادرًا سميعًا بصيرًا تمَّ الحفظ، وحقَّتِ النُّصرة، وثبَتَ الدَّفْعُ عن المحفوظ. * * * (٤٧) - ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ خاطَبا (٢) بقولهما: ﴿رَبِّكَ﴾؛ إعلامًا له أنَّه مربوبٌ مملوكٌ إذ كان (٣) يدَّعي الرُّبوبية والمالكية. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أطلقهم عن الاستعباد، كما يقال: أرسلْتُ (٤) الصَّيد، ولا تمنعهم عن اتِّباعنا. ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بتكليف المشاقِّ. كانت بنو إسرائيل تحت مِلْكة (٥) فرعون، والقِبْطُ يعذِّبونهم بتكليف الأعمال الصَّعبة، وتعقيبُ دعوى الرِّسالة بإطلاق بني إسرائيل لِمَا فيه من إزالة المانع عن

стр. 2887

دعوتهم واتِّباعهم، وهي أعمُّ (١) من دعوة القبط، فلا دلالة فيه على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان، على أنَّ الظَّاهر ممَّا تقدَّم في سورة يونس ﵇ أنَّه ما آمن بموسى (٢) ﵇ في مبدأ أمره إلَّا أولادٌ من قومه. ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ جملة مبيِّنة (٣) لقوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾؛ لأنَّ الرِّسالة لا تثبت إلَّا بالمجيء بالمعجزة. وإنَّما وحَّد الآية ومعه آيتان لأنَّ المراد إثبات الدَّعوى بالبيِّنة، لا بيان تعدُّد الحجَّة ووحدتها، فكأنَّه قال: قد جئناك بحجَّة وبرهان على ما ادَّعينا من الرِّسالة، كقوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. ﴿وَالسَّلَامُ﴾ أي: سلامُ الملائكة الذين هم خزنة الجنَّة، والأفصح أن يكون السلام بمعنى الجنس؛ أي: جنس السَّلام وما يَستأهل أنْ يُسمَّى سلامًا، أو: السَّلامة من العذاب (٤). ﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: على المهتدين، والذي يقابله هو (٥) توبيخ خزنة النَّار، أو: والخزي (٦) والعذاب على الضَّالين المكذِّبين.

стр. 2888

(٤٨) - ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ و ﴿أُوحِيَ﴾ مبنيٌّ للمفعول، والمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله مصدرٌ ينسبك من (أنَّ) وما بعدها، تقديره: أوحي إلينا كينونةُ العذاب على مَن كذَّب وتولَّى. وتغيير النَّظم باستئناف الكلام، والتَّوكيدِ، والتَّصريحِ بالوعيد؛ لأنَّ التَّهديد في مبدأ الدَّعوة أهمُّ وأنجع. * * * (٤٩) - ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ في الكلام حذفٌ وإيجازٌ يُشْعِر بأنَّهما من فَرْط طاعتهما ومُسارَعتِهما إلى الامتثال لا ينفكُّ فعلهما عن الأمر، كاللَّازم البيِّن، فلا حاجة إلى ذكره، وهو: فأتَياه وقالا ما أُمِرا به. ثمَّ إنَّ الفاء فصيحةٌ تفصِح عن محذوفٍ بعد ﴿قَالَ﴾، تقديره: سمعْتُ قولَكما فمَن ربُّكما؟ ﴿يَامُوسَى﴾ إنَّما خاطب الاثنين وخصَّ موسى ﵇ بالنِّداء لأنَّه الأصل في الرِّسالة والدَّعوة، وهارونُ وزيرُه وتابعُه، أو لِمَا عُرِفَ مِنْ رُتَّةِ موسى ﵇ وفصاحة هارون ﵇، فأرادَ أنْ يفحِمَه، فاستدعى كلامَه دونَ كلامِ هارون لمكرِه ودهائِه، ويُشعر بذلك قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، فأجابَ بأشفى جوابٍ وأبلغِه، وأَخْصَرِه (١) لفظًا، وأَجْمَعِه معنًى، حيث (٢):

стр. 2889

(٥٠) - ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: أعطى كلَّ شيءٍ من الأنواع والأعضاء صورتَه وشكله الذي يوافق ما وُجِّهَ إليه من المنفعة، كشكل الإنسان والفرَس والعين والأُذن، أو: أعطى خلقه (١) كلَّ شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، فقدَّم ثاني المفعولَيْن لأنَّه (٢) المقصودُ بيانُه. وقيل: أعطى كلَّ حيوان (٣) نظيرَه في الخَلْق والصُّورة زوجًا. وفيه نظر؛ لأن من الحيوان ما يكون بالتولُّد، فلا يكون له زوج نظيره في الخلق والصُّورة (٤). وقرئ: (خَلَقَهُ) على الفعل الماضي (٥)، صفة للمضاف إليه، أو المضافِ على شذوذٍ، والمفعول الثَّاني محذوف؛ أي: أعطى كلَّ شيء ما يصلحه، لم يُخْلِه من عطائه ممَّا يليق به. ﴿ثُمَّ هَدَى﴾: ثم عرَّفه كيف يرتفق بما أُعطيَ، وكيف يتوصَّل به إلى كماله الصُّوري والمعنوي طبعًا واختيارًا. نعتَه بما معناه (٦): الموجِدُ لكلِّ شيءٍ على وفق حكمته (٧)، المفيضُ على الكلِّ

стр. 2890

كلَّ ما ينبغي له ويليق به من الأسباب والآلات، الهادي له إلى مصالحه واستعمالِ آلاته في تحصيل كمالاته، فهو الخالق القادر الحكيم المنعِم على الإطلاق، الغنيُّ بالذَّات، وجميع ما عداه مخلوق مربوب منعَمٌ عليه مفتقرٌ، فلذلك بُهِتَ الذي كفر وأُفْحِمَ عن (١) الاعتراض عليه، فصرف الكلام عنه وشرَع في سؤال آخر على سبيل الرَّوَغانِ عن الاعتراف بما قاله (٢) موسى ﵇ وما أجابه به والحيرةِ والمغالطة. * * * (٥١) - ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾. ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾: ما تقدَّم وخلا. والفاء تدلُّ على أنَّ السُّؤالَ مبنيٌّ على قول موسى ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، و ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾ [طه: ٤٧]. * * * (٥٢) - ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ لَمَّا (٣) سأله عن حال (٤) الأمم الخالية والرِّمم البالية من الفريقَيْن بعد الموت أجابَ موسى ﵇ بأنَّه غيبٌ لا يعلمه إلَّا اللهُ، دلَّ على الحصر معنى الحفظ المستفاد من عبارة ﴿عِنْدَ﴾.

стр. 2891

﴿فِي كِتَابٍ﴾ مثبَتٌ في اللَّوح المحفوظ، ولَمَّا كان الإثبات في اللَّوح مظنّةَ الحاجة إلى الحفظ في الكِتْبةِ دفَعه بقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ ولقد نبَّه على هذا مَن قال: لا ينسى ما عَلِمَ فيذكِّرَه الكتَابُ، ولكن ليعْلَمَ الملائكةُ أنَّ معمولَ (١) الخلْقِ موافق (٢) معلومه. ومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: ويجوز أن يكون تمثيلًا لاستحكام علمه وتمكُّنِه بما استحفظه العالم وقيَّده بالكتابة، ويؤيِّده: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. ﴿لَا يَضِلُّ﴾ مِنْ ضَلِلْتَ الشَّيءَ: إذا أخطأتَه في مكانه فلم تهتدِ له. وقرئ: (يُضِلُّ) (٣) من أضلَّه: إذا ضيَّعه، والعرب تقول لكلِّ ما ذهب على الإنسان ممَّا (٤) ليس بحيوان: ضلَّه، بغير ألف، فأمَّا إذا كان منه فتقول: أضلَّه بالألف، والأصل في الأوَّل: ضَلَّ عنه. ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ مِنْ نسيتَه: إذا ذهبتَ عنه بحيث لا يخطرُ ببالك، وهمَّا مُحالان على العالم بالذَّات. قيل: ويجوز أن يكونَ سؤالُه دخلًا على إحاطة قدرة الله تعالى بالأشياء كلِّها، وتخصيصِه أبعاضها (٥) ............................................................

стр. 2892

بالصُّور والخواصِّ المختلفة، بأنَّ (١) ذلك يستدعي علمه بتفاصيلها وجزئياتها، والقرون الخالية مع كثرة عددِهم وتمادي مددِهم وتباعُد أطرافِهم، كيف أحاط علمُه بهم وبأجزائهم وأحوالهم؟! فيكون معنى (٢) الجواب: أنَّ علمَه تعالى محيطٌ بذلك كلِّه، وأنَّه مثبَتٌ عندَه لا يضلُّ ولا ينسى. وَيرِدُ عليه: أنَّه يأباه تخصيصُ القرون الأولى مِن بينِ الكائنات، فإنَّه لو أخذها بجملتها لكان أظهرَ وأقوى في تمشية (٣) ما أراده. * * * (٥٣) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ مرفوعٌ صفةٌ لـ ﴿رَبِّي﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو منصوبٌ على المدح، وهو أفصح. ﴿مَهْدًا﴾؛ أي: كالمهد، وهو ما يُمهَد للصَّبي، مصدر سُمِّيَ به؛ أي: مَهَدها لكم، أو: مهدًا تتمهدونها. وقرئ: ﴿مِهَادًا﴾ (٤)، وهو اسم ما يُمْهَد، كالفراش لِمَا يُفْرَش، أو جمع مَهْدٍ. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ (سلكَ): من السَّلكِ بمعنى الإدخال؛ أي: جعل (٥) لكم

стр. 2893

سُبُلاً بينَ الجبال والأودية والبراري تسلكونها لحوائجكم وتقلُّبكم في البلاد لتبلغوا منافعها. وإنَّما أعيد ﴿لَكُمْ﴾ لأنَّ معناه فيما تقدَّم: لانتفاعكم، وهنا: لأَجْلكم؛ فإن غير الإنسان لا يشاركه في الانتفاع بالطُّرق بخلاف الانتفاع بتمهيد (١) الأرض، إلَّا أنَّ المقصود الأصلي (٢) انتفاع الإنسان، فلذلك خُصَّ بالذِّكر. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: مطرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ إنزاله تعالى وإخراجه عبارتان (٣) عن إرادته (٤) النُّزول والخروج؛ لاستحالة مزاولة العمل في شأنه، فالفاء للتَّعقيب (٥)؛ فإنَّ ثانية الإرادتين لا تتراخى عن الأولى، وإنْ تراخى ثاني المرادَيْن عن الأوَّل (٦)، فتأمَّل. والعدول عن لفظ الغيبة إلى صيغة التَكلُّم على الحكاية لكلام الله تعالى؛ للتَّنبيه على أنَّه مُطَاعٌ تنقادُ الأشياءُ لأمره وتذعِنُ لمشيئته وحُكْمِه، لا يمتنع عليه شيء، ومبنى التَكلُّم على الحكاية على ظهور اختصاص القدرة على ذلك بالله تعالى.

стр. 2894

﴿أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا، سُمِّيَتْ بذلك لازدواجها واقتران بعضِها ببعضٍ. ﴿مِنْ نَبَاتٍ﴾ بيانٌ وصفةٌ لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾، وكذلك: ﴿شَتَّى﴾ صفةٌ للأزواج (١)، ويجوز أن يكون صفةً للنَّبات؛ لأنَّه في الأصل مصدر، فاستوى فيه الواحد والجمع، يقال: شَتَّ الأمر شتًّا وشَتاتًا، وهو شَتِيْتٌ وشَتٌّ، وهم أشتاتٌ وشَتَّى، فأشتاتٌ جمع شَتٍّ، وشَتَّى جمع شَتِيْتٍ، ذكره المرزوقي (٢)؛ أي: متفرِّقات في الصُّوَرِ والأعراض بالاختلاف في الطَّعم والشَّكل واللَّون والنَّفع، يصلح بعضها للنَّاس، وبعضها للبهائم، ولذلك قال: (٥٤) - ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾. ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ ومن حكمته ونعمته على العباد أنَّ ما يَفضُل عن (٣) أرزاقهم ولا يصلح لهم يكون علفًا لأنعامهم. وصيغة الأمر للإباحة، وهو حال من ضمير ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على إرادة القول؛ أي: أخرجنا أصناف النَّبات قائلين: كلوا وارعوا، والمعنى: آذِنِين (٤) في الانتفاع بها، بأنْ (٥) يأكلوا بعضها ويعلفوا أنعامهم بعضها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: في الذي (٦) ذُكِرَ.

стр. 2895

﴿لَآيَاتٍ﴾: لَدَلالاتٍ (١) ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾: لذوي العقول، واحدها: نُهْيَةٌ، وهو العقل؛ لأنَّه ينهى عن المحظور، أو يُنتهى إليه في الأمور. * * * (٥٥) - ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. ﴿مِنْهَا﴾: من الأرض ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ فإنَّها أصل خلقة أوَّل آبائكم، أو: من الأغذية المتولِّدة من الأرض خلقناكم. ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ بالموت وتفتيت الأجزاء. ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ بالبعث وجمع الأجزاء على الصُّورة السَّابقة ﴿تَارَةً﴾: مرَّة ﴿أُخْرَى﴾. * * * (٥٦) - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾: بصَّرناه ﴿آيَاتِنَا﴾، أو: عرفناه صحتها ﴿كُلَّهَا﴾ تأكيد لشمول الأفراد المعهودة المعلومة (٢) من بعض الآيات النَّازلة سابقًا، والتَّعريف بالإضافة يجري مجرى التَّعريف بلام العهد. قيل: هي تسعُ الآيات (٣) المختصَّةُ بموسى ﵇: العصا، واليد،

стр. 2896

وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل (١). وَيرِدُ عليه: أن الحجر ونتق الجبل من الآيات التي جاء بها موسى ﵇ لبني إسرائيل بعد هلاك فرعون، ثم إنَّ فَلْقَ البحر ليس ممَّا كذَّبَ فرعونُ بعدَه. ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾: كذَّبها جميعها (٢) لفَرْط عناده، وأبى الإيمان والطَّاعة لعتوّه، أو: أبى أن يقبل شيئًا منها. * * * (٥٧) - ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾. ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾: مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾ تعلَّل من فَرْطِ الدَّهَشِ والحيرة بالسِّحر، وإلَّا فكيفَ يخفى عليه أنَّ ساحرًا لا يقدر على إخراج ذي سلطان مثلِه من أرضه؟ وذَكر علَّة المجيء وهي إخراجهم، وألقاها في مسامع قومه؛ ليصيروا متعصِّبين له إذ الإخراج من الوطن مما يَشُقّ. * * * (٥٨) - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾ جوابٌ لقسمٍ محذوف. ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثلِ سحرِكَ، أورد ذلك على سبيل الشُّبهة الطَّاعنة في النُبوة؛

стр. 2897

فإنَّ المعجِزَ إنَّما يتميَّز عن السِّحر بكونه ممَّا تتعذَّر معارضته دون السِّحر، فادَّعى القدرة على إتيان مثله ووعد به. ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ هو مصدرٌ بمعنى الوعد؛ لأنَّ الإخلاف لا يلائم الزَّمان ولا (١) المكان، ويؤيِّده قراءة الحسن بنصب (يومَ الزِّينة) (٢)؛ أي: إنجازُ وعدكم يومَ الزِّينة. ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ بالرَّفع على الوصف للموعد، وبالجزم على جواب الأمر (٣). ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ معطوف على الضَّمير المستكنِّ في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ المؤكَّد بـ ﴿نَحْنُ﴾. ويجوز أن يكون الموعد اسمَ مكان، ويرجع الضَّمير في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ إلى ما تضمَّنه من معنى الوعد، وعلى التَّقديرَين إنَّما يطابق الجوابُ السَّؤالَ معنًى لا لفظًا؛ لأنَّه أخبر عن الموعد بيوم الزِّينة، فلا يطابق المكان والمصدر، لكن يوم الزِّينة لا بُدَّ فيه من مكان معيَّن مشهور بين النَّاس، يجتمعون فيه للتَّعييد (٤)، وهو زمان مستلزمٌ للمكان المعلوم بذِكْرِه، والمعنى: وعدُكم وعدُ يوم الزِّينة. ﴿مَكَانًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ دلَّ عليه ﴿مَوْعِدًا﴾ لا به، لا لأنَّه مصدرٌ موصوفٌ؛ لأنَّ في الظَّرف الاتِّساع، فيكفي في العمل فيه رائحة الفعل وإن كانت ضعيفةً (٥)، بل

стр. 2898

لأنَّه يلزم حينئذ الفصل بينه وبين معموله بالوصف، وهو غير سائغٍ؛ لأنَّ المنصوب بالمصدر مِنْ تتمَّته، ولا يوصَفُ الشَّيءُ إلَّا بعدَ تمامه، هذا على قراءة الرَّفع، وأمَّا على قراءة الجزم فلا مانع عن النَّصب بـ (موعد). أو يجوز أن يكون بدلًا من ﴿مَوْعِدًا﴾ على تقدير مضاف إليه؛ أي: مكانَ موعدٍ مكانًا، وعلى هذا التقدير أيضًا تكون المطابقة معنًى. ﴿سُوًى﴾: مَنْصفًا يستوي فيه المسافةُ إلينا وإليك، وهو في النَّعت كقولهم: قومٌ عِدًى، في الشُّذوذ، وقرئ بالضَّم (١). (٥٩) - ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ كان لهم في كلِّ عامٍ يومٌ كانوا يتزيَّنون فيه ويتَّخذون فيه سوقًا، وإنَّما وعدهم ذلك اليومَ ليكونَ ظهور الحقِّ وزهوقُ الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيعَ ذلك في الأقطار، فتتوفَّرَ الرَّغبات في دين الحقِّ، ويَكلَّ حدُّ الباطل. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾؛ أي: يُجْمَع، قرئ على بناء الفاعل بالتَّاء على خطاب فرعون، والياء والضَّمير لليوم أو لفرعون (٢)، والغيبة للعادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب القومَ في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾، وجعل ﴿يُحْشَرَ﴾ لفرعون، ومحلُّه الرَّفعُ عطفًا على ﴿يَوْمُ﴾، أو الجرُّ عطفًا على ﴿الزِّينَةِ﴾.

стр. 2899

﴿ضُحًى﴾ أخَّر إلى ذلك الوقت ليكون أبعدَ عن الرِّيبة وأبينَ لكشف الحقِّ. * * * (٦٠) - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾. ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾: فأعرضَ عن موسى ﵇ على هذا الوعد. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يُكاد به؛ يعني: السَّحرة وآلاتهم. ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ الموعدَ، أخبر عن إتيانه مصدَّرًا بأداة التَّراخي، وتركَ الإخبار عن إتيان موسى ﵇ إشعارًا بأنَّه لا حاجة في إتيانه ﵇ إلى الإخبار؛ لأَنَّه على قوَّةٍ وغَلَبة، إنَّما مظنَّة المساهلة والتَّراخي في جانب فرعون؛ لأنَّه على ضعفِ قلبٍ وفتورِ عزمٍ. * * * (٦١) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ﴾: كلمةٌ تُقال لِمَنْ يستحقُّ الهَلَكَة. ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن تدَّعوا آياته سحرًا. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ منصوب بإضمار (أنْ)، وهو جواب للنَّهي، قرئ بكسر الحاء وضمِّ الياء، وبفتحهما (١).

стр. 2900

والسَّحتُ لغة أهل الحجاز، والإسحاتُ لغة أهل نجد وبني تميم، يقال (١): سَحَتهُ اللهُ وأسحته: إذا استأصله وأهلكه. وفيه دلالة على عظم الافتراء، وأنَّه يترتَّب عليه عذاب الاستئصال. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ الخيبةُ: انقطاعُ الرَّجاءِ بالامتناع على الطَّالب ممَّا أمَّل، والافتراءُ اقتطاعُ الخبر الباطل بإدخاله في جملة الحقِّ، وأصله القَطْع، مِن فَرَاه يَفريه فَرْيًا. * * * (٦٢) - ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ التَّنازعُ: محاولةُ كلِّ واحدٍ مِنَ المختلفَيْن نزعَ المعنى عن صاحبه (٢). ﴿أَمْرَهُمْ﴾ مفعول (تنازعوا) فتَعدَّى بمفعول واحد، ولو حُذفت التَّاء لتَعَدَّى إلى اثنين، تقولُ: نازعْتُ زيدًا الحديث؛ أي: اختلفوا فيما بينهم؛ أي: السَّحرة. وقيل: فرعون وقومه في أمر موسى ﵇ حين سمعوا كلامَه، فقال بعضُهم: ليس هذا من كلام السَّحرة. ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي: تشاوروا في السِّرِّ خُفْيَةً من فرعون أن يتبيَّن فيهم ضعفًا، وقالوا: إنْ كان ساحرًا فسنغلبه، وإن كان من السَّماء فله أمرٌ.

стр. 2901

و ﴿النَّجْوَى﴾ يكون مصدرً واسمًا. * * * (٦٣) - ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. ثمَّ لفَّقوا هذا القول؛ أعني: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ يعني: موسى وهارون ﵉، كأنَّهم تشاوروا في تلفيقه حذرًا من أن يَغْلِبا فيتَّبِعَهما النَّاسُ. و ﴿هَذَانِ﴾ اسم ﴿إنَّ﴾، هذا (١) لغة بلحارث بن كعب، فإنَّهم جعلوا الألف للتَّثنية، وأعربوا المثنَّى تقديرًا. وقيل: اسمها ضمير الشَّأن المحذوف، و ﴿هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ خبرها. وقيل (٢): ﴿إنَّ﴾ بمعنى: نعم، وما بعدها مبتدأ وخبر. ويردُّهما أنَّ اللَّام لا تدخل خبر المبتدأ. وقيل: أصله: إنَّه (٣) هذان لهما ساحران، فحذف الضَّمير. ويَرِدُ عليه أنَّ المؤكَّد باللَّام لا يليق به الحذف. وقرئ: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ (٤) وهو ظاهر، ولكنَّه مخالف للإمام (٥).

стр. 2902

وقرئ: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ (١) على أنَّها هي المخفَّفة واللَّام هي الفارقة، أو النَّافية واللَّام بمعنى إلَّا. ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ بالاستيلاء عليها. ﴿بِسِحْرِهِمَا﴾ نسبوه إلى هارون أيضًا؛ لشركته في أمر الدَّعوة. ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب، بإظهار مذهبه، وإعلاء دينه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦]. وقيل: أرادوا: أهل طريقتكم المثلى، وهم بنو إسرائيل؛ فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم، فهو إشارة إلى ما قال موسى ﵇: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]. وقيل: الطَّريقةُ: اسمٌ لوجوه القوم الذين هم قدوة لغيرهم. * * * (٦٤) - ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الهمزة، من أَجْمَعَ. ﴿كَيْدَكُمْ﴾ (٢) فأَزْمِعوه (٣) واجعلوه مُجْمَعًا عليه، لا يتخلَّف (٤) عنه واحدٌ منكم، كالمسألة المجمَع عليها.

стр. 2903

وقرئ: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بهمزة الوصل (١)، من جمع، ويعضده قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفِّين؛ لأنَّه أَهْيَبُ في صدور الرَّائين، قيل: كانوا سبعين ألفًا مع كلٍّ (٢) منهم حبلٌ وعصًا، وأقبلوا عليه إقبالةً واحدةً. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أي: ظفرَ وفازَ ببُغيته مَن طلَبَ العُلوَّ في أمره، وسعى سعيَه (٣)، اعتراض للتَّحريض والتَّرغيب. * * * (٦٥) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾. ﴿قَالُوا﴾ بعدما أتوا: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ قد سبق في سورة الأعراف تفسيره. * * * (٦٦) - ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ مقابلةُ أدبٍ بأدبٍ مع زيادةٍ، وهي الإسعافُ إلى ما مالوا إليه بالتَّعريض، وتغييرُ النَّظم إلى صيغة الأمر الموجِب غالبًا مع كلمة الإضراب ليستنفِدوا (٤) وسعهم وطوقهم (٥) ..................................................

стр. 2904

في إبراز مكائد السِّحر ووقائعه (١)، فيُظهر الله تعالى قدرته وسلطانه، ويقذف بالحقِّ على الباطل فيدمغه، ويسلِّط المعجزة على السِّحر فيمحقه، فكانت آيةً بيِّنة للنَّاظرين، وعبرة مقنِعة للمعتبِرين. ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ (إذا) للمفاجأة، وهي لمجرَّد الظَّرفيَّة، ناصبُها فعل المفاجأة، ولا يقع بعدها إلَّا الجملة الاسميَّة، والمفاجأة تمثيل لسرعة التَّخييل، أي: ففاجأ موسى ﵇ وقتُ تخييل حبالهم وعصيهم السَّعيَ، أو تخييلُهم سعيَ حبالهم وعصيِّهم (٢)، أو تخييلُ الله تعالى إيَّاه، أو تخييلُ السَّعي إليه، على اختلاف القراءات. ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ وقرئ: ﴿تُخَيَّلُ﴾ بالتَّاء (٣)، على إسناده إلى ضمير الحبال والعصيِّ، وإبدال ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ منه بدل الاشتمال. وقرئ بها والبناء للفاعل (٤)، وإيقاعه على ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ بمعنى: أنها مخيِّلة سعيَها. وبالياء على أن الفاعل هو الله تعالى للابتلاء والمحنة (٥). و: (تَخيَّلُ) بفتح التَّاء (٦)، بمعنى: تتخيل، وطريقُه طريقُ (تُخيَّلُ) (٧).

стр. 2905

﴿مِنْ سِحْرِهِمْ﴾: مِن أجلِ سحرِهم. ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ إنَّما قال: ﴿تَخَيَّلُ﴾ لأنَّها لم تكن تسعى حقيقة، وإنَّما تحركت (١) لِمَا قيل: إنَّهم لطَّخوا الحبال بالزَّيبق وجعلوه في داخل العصيِّ، فلمَّا حميَتِ بالشَّمس طلب الزَّيبق الصُّعود فتحرَّكَتِ العصيُّ والحبال، فظنَّ أنَّها تسعى (٢). * * * (٦٧) - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾. ﴿فَأَوْجَسَ﴾ الإيجاسُ: من الهاجس الذي يخطرُ بالبال. ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فعرَض له خوفٌ عظيمٌ من مفاجأة ما فاجأ (٣) على مقتضى الجِبِلَّة البشريَّة، إلَّا أنَّه أضمره، أي: لم يُظْهِرْ أثره (٤)، لا من أن يخالج النَّاس شكٌّ فلا يتَّبعوه؛ لأن الخوف منه ليس ممَّا يحتاط في كتمانه، فلا يظهر وجه الإطناب بزيادة الإضمار.

стр. 2906

(٦٨) - ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ ممَّا توهَّمْتَ، صيغة النَّهي للتَّشجيع وتقوية القلب، لا للنَّهي عن الخوف المذكور؛ لأنَّه ليس أمرًا اختياريًّا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ تعليلٌ لِمَا قُصِدَ بصيغة النَّهي، وتقريرٌ لغلبته، مؤكَّدًا بالاستئناف، وحرفِ التَّحقيق، وتكريرِ الضَّمير، ولفظِ العلوِّ الدَّال على الغلبة الظَّاهرة، وصيغةِ التَّفضيل، ولامِ التَّعريف. و ﴿الْأَعْلَى﴾ لمجرَّد الزِّيادة؛ لأنَّه لم يكن للسَّحرة علوٌّ حتى يكون هو أعلى منهم (١)، لا بمعنى العالي، كقول الشاعر: تمنَّى أناسٌ أنْ أموتَ وإنْ (٢) أَمُتْ … فتلكَ طريقٌ لسْتُ فيها بأوحد (٣) أي: بوحيد. * * * (٦٩) - ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. ﴿وَأَلْقِ﴾ عطف على محذوفٍ دلَّ عليه سياقُ الكلام، تقريره: أثبت (٤) في مقام الإقدام وألقِ، فالواو فصيحةٌ. ﴿مَا﴾ أبهم هنا، وعيَّن في سورة الأعراف حيث قال: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾، ومَن

стр. 2907

غفل عنه زعم (١) أن الإبهام للتَّحقير أو للتَّعظيم، وإنما قال: ﴿فِي يَمِينِكَ﴾ ولم يقل: في يدك؛ لما في لفظ اليمين من معنى اليُمن والبركة. ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾؛ أي: تأخذْ ما زوَّروه بفيها ابتلاعًا، وأصله: تتلقَّف، فحذفت إحدى التَّاءين، وتاء المضارعة تحتمل التَّأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبِّب. وقرئ بالرَّفع (٢) على الحال أو الاستئناف، وبالجزم والتَّخفيف (٣) على أنَّه مِن لقفتُه بمعنى تلقَّفته، وبتشديد التاء (٤). ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا﴾؛ أي: الذي زوَّروا وافتعلوا. ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالرَّفع على أنَّ (ما) موصولة، والنَّصب على أنَّها كافَّة، وهو مفعول ﴿صَنَعُوا﴾. وقرئ: ﴿سَاحِرٍ﴾ (٥) بمعنى: ذي سحر (٦)، أو بإطلاق السِّحر على السَّاحر مبالغةً، أو بإضافة الكيد إلى السِّحر للبيان، كقولهم: علم (٧) فقه.

стр. 2908

وإنَّما (١) وحَّد السَّاحر لأنَّ المراد به الجنس، والتَّنكيرُ للتَّحقير، لا لتنكير المضاف؛ لأنَّ المقصود من تنكيره حاصل بالإضافة. ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ أي: لا فلاح لهذا الجنس، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧]؛ أي: لا يغني جمعُهم، ولا تجدي كثرتهم، وله أيضًا وجه. ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ بسحره (٢). * * * (٧٠) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ اقتَصر هنا (٣) على حاشيتي القصَّة؛ اكتفاءً بما هو المقصود، وقد أتى بنوع تفصيل في (سورة الأعراف)، فالفاء فصيحة. ﴿سُجَّدًا﴾ للهِ توبةً عمَّا صنعوا وتعظيمًا لِمَا رأوا. قال الأخفش: مِن سرعة ما سجدوا كأنَّهم أُلقوا (٤). فما أعجبَ أمرُهم، قد ألقوا حبالهم وعصيَّهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشُّكر والسُّجود، فما أعظم الفرقَ بينَ الإلقائَيْن! روي أنَّهم رأوا الجنَّة ومنازلهم فيها في السُّجود فرفعوا رؤوسهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدِّم موسى ﵇ في الأعراف لأصالته في الرِّسالة والدَّعوة، وأخِّر هاهنا لا لكبر سنِّ هارون ﵇؛ لأنَّه لا (٥) يعارض وجهَ تقديم موسى

стр. 2909

﵇ المناسبِ للمقام رعايتُه (١)، ولا لأنَّ فرعون ربَّى موسى ﵇ في صغره، فلو قُدّمَ لتُوُهِّم أنَّ المراد فرعون، وذكر هارون على سبيل (٢) الاستتباع لأنَّ المقام لا يتحمَّله، كيف وقد سجدوا تعظيمًا لِمَا رأوا من موسى؟ وأيضًا تقديمه في موضع آخر صريح في أنَّه ليس في التَّرتيب نكتة معنويَّة = بل لمحافظة الفاصلة، والواو لا توجب التَّرتيب. * * * (٧١) - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: بالله لأجله ودعوته، وقرئ على الاستفهام للإنكار (٣). ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ في الإيمان له. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ لعظيمكم في فنِّكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأنتم تواطأتم على ما فعلْتُم. ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ شبِّه تمكُّن المصلوب في الجذع بتمكُّن المظروف في الظَّرف، فاستعير ﴿فِي﴾ لتصوير (٤) الاستقرار، وخصَّ النَّخل لطول جذوعها، والمراد تشهيرُ العقوبةِ.

стр. 2910

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ أنا على إيمانكم بربِّ موسى، أو هو (١) على ترك الإيمان به؟ وقيل: يريد نفسه وموسى ﵇، لقوله: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾، نفاجة منه (٢) وفخر باقتداره وقهره، وتوضيع واستضعاف لموسى ﵇ واستهزاء به؛ لأنَّه لم يكن من التَّعذيب في شيءٍ قطُّ. قيل: اللَّام مع الإيمان في كتاب الله تعالى لغير الله (٣)، والحقُّ أنَّها للتَّعليل ليس بصلة للإيمان، ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على ذلك؛ إذ معناه: ويصدر عنه الإيمان لأجل المؤمنين وموافقتهم ودعوتهم، وإلَّا لقيل: يؤمن بالله وللمؤمنين. ﴿وَأَبْقَى﴾: أدومُ عذابًا وعقابًا. * * * (٧٢) - ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾: لن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ موسى ﵇ به ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات الواضحات. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عطف على ﴿مَا جَاءَنَا﴾، أو قسم.
следующие страницы →