← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

إليك لأنظرَ ما الذي تدعو إليه، وشَخَصَتْ إليه في اثني عشرَ ألف قَيلٍ (١)، تحت كلِّ قَيلٍ ألوفٌ، فلمَّا بلغَتْ على رأس فرسخٍ مِن سليمان ﵇. * * * (٣٨) - ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾ سليمانُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ أراد أن يُريَها بذلك بعضَ ما خصَّه اللهُ تعالى به مِن إجراء العجائب على يده لتطَّلع على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوَّة سليمان ﵇ حتى تصدِّقَه (٢) وتؤمنَ به، ثمَّ إنَّه قصد في ضمن هذا فائدةً أخرى على ما تقف عليها. ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وإنَّما تعرَّض بوصف الإسلام إعلامًا بأن طلبه عرشها ليس طمعًا فيه؛ فإنَّ النَّبيَّ بمعزَلٍ عن مظنَّةِ الطَّمع في مالِ مَن علِمَ أنَّه يأتيه مسلِمًا، وأمَّا ما قيل: إنَّها لو أسلمَتْ لحظرَ عليه مالُها فلا يؤتى به؛ فإنَّما يصحُّ وجهًا لطلبه عرشها قبل إتيانها مسلِمةً، لا لتقييد (٣) أمرِه بذلك القيد (٤)؟ * * * (٣٩) - ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ العِفْرِيْتُ: الخبيثُ المنكَرُ المعَفِّرُ (٥) أقرانَه، ولا اختصاصَ

стр. 3397

له بالجنِّ، ولذلك احتيج (١) إلى البيان بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾. روي عن ابن عباس ﵄: أنَّه صخرٌ الجنِّيُّ (٢). ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ صالح للفعليَّة والاسميَّة ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: مجلسَه للقضاء، وهو مِن الغداة إلى نصف النَّهار. ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على الإتيان به ﴿لَقَوِيٌّ﴾: لقادرٌ، وإنَّما عبَّرَ عن القدرة بالقوَّة للحاجة في تحصيل ما ذكر إلى القدرة بالقوَّة. ﴿أَمِينٌ﴾ آتي به كما هو لا أختزلُ (٣) منه شيئًا، ولا أبدِّلُه. * * * (٤٠) - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. ﴿قَالَ﴾ الفصلُ بينَ القولَيْنِ لأنَّ أحدَ القائلَيْنِ لم يكن مِن جملة المخاطَبِين، والظَّاهرُ أنَّه هو الثَّاني منهما، واحتمال أن يكون المراد مِن القائل الثَّاني سليمان ﵇ يردُّه كافُ الخطابِ في ﴿آتِيكَ﴾؛ فإنَّ حقَّه حينئذٍ أنْ يقولَ (٤): (أنا آتي به)، وأيضًا لا يناسبه قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾، إنَّما المناسب حينئذٍ أن يقول: فلمَّا أتى به.

стр. 3398

والمشهور أنَّه آصفُ بن بَرخيا كاتبُ سليمان ﵇، ويناسبه التَّعبير عنه بقوله: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وفي التَّوصيف به إشارة إلى أنَّه ما قدرَ على ما قدرَ (١) عليه بقوَّةٍ حيوانيَّةٍ (٢)، بل بقوَّةٍ صمدانيَّة. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الطَّرْفُ: تحريكُ الأجفانِ؛ أي: ما بينَ امتدادِ الطَّرْفِ بفتحها وارتداده بطبقها، وليس فيه وضع الطَّرْفِ موضعَ النَّظرِ (٣). ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾؛ أي: العرشَ، والفاء فصيحة؛ أي: أَذن له سليمانُ ﵇ فأتى به فلمَّا رآه. ﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾: ثابتًا غيرَ مضطربٍ لديه، وقرارُه في موضعه أمرٌ آخر وراءَ حضورِه يحتاج إلى فضلِ زمانٍ بحسَب العادة، وبهذا الاعتبار كان لعبارة ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ فضيلةٌ على عبارة (حاضرًا). ﴿قَالَ﴾ تلقِّيًا للنّعمةِ بالشُكرِ: ﴿هَذَا﴾؛ أي: حصولُ مرادي، وهو حضورُ العرشِ في طرفةِ العينِ ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ عليَّ وإحسانِه إليَّ مِن غير استحقاقٍ منِّي. ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾: ليتعبَّدني في صورة الاختبار: ﴿أَأَشْكُرُ﴾ إنعامه ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾: أَجحد. ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّه يَحطُّ به عنها عبءَ الواجب، وَيصونها عن وَصْمةِ الكفران، ويستجلب به المزيد، ويُرتبَط به العتيد (٤).

стр. 3399

﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ حذف جزاءَه، وهو: فإنَّما يكفر على نفسه؛ أي: ضررُ كفرِه عليه لا يتعدَّاه؛ لظهوره بقرينة ما ذكر في قرينه، وأقيم تعليله مقامَه. ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن الشُّكرِ، لا (١) يتضرَّر إنْ لم يُشكَرْ. ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإنعامِ، لا يتوقَّع عوضًا ولا يفعل لغرضٍ حتى ينفعل عند عدم حصولِه، فالوصفُ المذكور مِن تمامِ التَّعليلِ. * * * (٤١) - ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا﴾ أرادَ بتنكيرِ ﴿عَرْشَهَا﴾ تغيير معاهده (٢) عندها، ولذلك قال: ﴿لَهَا﴾، لا تبديل شكلها وتغيير هيئتها؛ إذ حينئذ يكون منكرًا مطلقًا، لا منكرًا عندها فقط، وأيضًا مدارُ الاختبار على التَّغيير في الجملة، وأمَّا وجه الاختبار فسيأتي تفصيلُه. ﴿نَنْظُرْ﴾ بالجزم على الجواب، وقرئ بالرَّفع على الاستئناف (٣). ﴿أَتَهْتَدِي﴾ إلى الجوابِ الصَّواب، وقيل: إلى الإيمان بالله ورسوله، وَيرِدُ عليه: أنَّه حينئذ لا حاجة إلى التَّنكير، بل لا وجهَ له؛ لأنَّ بقاءَه على حاله أعونُ على تحصيل هذا المراد، والله الهادي إلى سبيل الرَّشاد. ﴿أَمْ تَكُونُ﴾: أم يظهرُ كونُها ﴿مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يقدرون على الاهتداء.

стр. 3400

قالوا: إنَّ الشَّياطين خافوا أنْ يتزوَّجَها سليمان ﵇، فيولَدَ له منها ولدٌ يجتمع له فِطنةُ الإنسِ والجنِّ؛ لأنها كانت بنتَ جنِّيَّة، فيخرجون مِن ملْكِ سليمان إلى ملْكٍ هو أشدُّ وأفظع، فقالوا: إنَّ في عقلِها شيئًا، وهي شَعْراءُ السَّاقين، ورجلُها كحافر الحمار، فاختَبَر عقلَها بتنكيرِ العرشِ، وتعرَّف ساقيها ورجليها باتِّخاذ الصَّرْح على ما يأتي بيانُه، فالمرادُ مِن كونِها مِن الذين لا يهتدون: كونُها مِن الطَّائفةِ الحمقى، ومن هاهنا تبيَّن وجهُ الإطنابِ، واللّه أعلم بالصَّواب. * * * (٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ الفاء فصيحةٌ، والمقدَّرُ يظهرُ بأدنى تأمُّلٍ. ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ (ها) للتَّنبيه، والكاف للتَّشبيه، و (ذا) اسم الإشارة (١)، ولم يقل: أهذا عرشك؟ ولكنْ: أمثلُ هذا عرشُكِ؟ لئلا يكون تلقينًا (٢). ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فأجابَتْ (٣) أحسنَ جوابٍ؛ فلم (٤) تقل: (هو، هو)، ولا: (ليس هو)، وذلك مِن رَجاحة عقلِها، حيث لم تقطَع في المحتمِلِ للأمرَيْنِ، أو لَمَّا شبَّهوا عليها بقولهم: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ شبَّهَتْ عليهم بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، مع أنَّها علمَتْ عرشها. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ مِن تمامِ كلامِها؛ أي: وأوتينا العلم بقدرة الله وبصحَّة

стр. 3401

نبوَّتِك بالآيات المتقدِّمة مِن أمرِ الهدهد والرُّسل مِن قبل هذه الحالة الخارقة للعادة. ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ منقادِينَ لكَ مطيعينَ لأمرِكَ، وكأنَّها وقفَتْ على ما قصدَه سليمانُ ﵇ بذلك أوَّلًا وآخِرًا. * * * (٤٣) - ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. ﴿وَصَدَّهَا﴾ كلامٌ مبتدأٌ مِن اللّهِ تعالى. ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: منعَها عن التَّقدُّم إلى الإسلام عبادةُ الشَّمسِ ونشوؤها بين ظهرانَي الكفرَة، ثمَّ بيَّنَ نشأتها بينهم بقوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ وقرئ بالفتح (١) على الإبدال من فاعل (صدَّ)؛ أي: صدَّها نشوؤها بينَ أظهر الكفَّار، أو على التَّعليل فتكون لامُ التعليل محذوفًا من (أنَّ). * * * (٤٤) - ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ الصَّرح (٢): هو الموضعُ البسيطُ المنكشِفُ مِن غيرِ سقفٍ، ومنه قولهم: صرَّحَ بالأمر: إذ أفصحَ (٣) به ولم يَكْنِ عنه، وكانَ ذلك الصَّرحُ مِن زجاجٍ أبيضَ شفَّافٍ، تحتَه ماءٌ جارٍ، فيه سمكٌ.

стр. 3402

﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ اللُّجَّةُ: معظمُ الماءِ. ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضَه، والواو فصيحة عاطفة على مُقدَّو، تقديره: فشمَّرَتْ ذيلها (١)، فالمرتَّبُ على الحسبان المذكور مجموعُ المعطوفَيْن، والواو المذكورة كاشفةٌ عن هذا. وكان سليمان ﵇ على سريرِه في صدْرِ الصَّرْحِ، فرأى ساقيها وقدميها حِسانًا، فصرَفَ بصرَه ثمَّ ﴿قَالَ﴾ لها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مملَّسٌ مستوٍ، ومنه: الأمرد. ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾: من الزُّجاج. وأراد سليمان ﵇ تزوُّجَها، فكرِهَ شعرَها، فعملَ له الشَّياطين النُّوْرَةَ، فأزالته، فنكحها (٢). ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادةِ غيرِكَ ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: تابعةً إيَّاه ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه التفاتٌ مِن الخطاب إلى الغيبة، إظهارًا لباعث إسلامه له تعالى، وهو ألوهيّته المستتبِعةُ لربوبيَّة العالمين (٣). * * *

стр. 3403

(٤٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ في النَّسبِ ﴿صَالِحًا﴾ بدل (١). ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي (٢): بأن اعبدوا الله؛ أي: وحِّدوه (٣). ﴿فَإِذَا﴾ للمفاجأة ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿فَرِيقَانِ﴾ خبره ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ صفة، وهي العامل في (إذا)، والمعنى: فإذا قومُ صالحٍ فريقان؛ مؤمنٌ به وكافرٌ به يختصمون، فيقول كلُّ فريقٍ: الحقُّ معي، وقد مرَّ تفصيلُه في سورة الأعراف. * * * (٤٦) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ﴿قَالَ﴾ حين قال الفريق الكافر: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧] (٤): ﴿يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: بالعذاب الذي توعَدون به ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ قبلَ التَّوبةِ. ﴿لَوْلَا﴾: ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾: تطلبون المغفرة مِن كفركم بالتَّوبة والإيمان قبلَ نزولِ العذابِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالإجابة. * * *

стр. 3404

(٤٧) - ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾: تشاءمنا بك؛ لأنهم قُحِطوا عند مبعثِه لتكذيبِهم، فنسبوه إلى مجيئه، والأصل: (تطيَّرنا) وقرئ به (١)، فأُدغِمَتِ التَّاء في الطَّاء وزيدَتِ الألف لسكون الطَّاء. ﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ مِن المؤمنين. ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: سببُكم الذي يجيء منه (٢) خيرُكم وشرُّكم عندَ اللهِ، وهو قدَره (٣) وقِسمته، أو: عملُكم مكتوبٌ (٤) عندَ الله تعالى، فمنه نزل بكم ما نزلَ؛ عقوبةً لكم وفتنةً، وقد مرَّ أصلُ ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. ﴿بَلْ﴾ إضرابٌ مِن بيان السَّببِ إلى بيانِ سببِ السَّببِ. ﴿أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: تُخْتبَرونَ (٥) بتعاقُب السَّراءِ والضَّراءِ. * * * (٤٨) - ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: مدينةِ ثمود، وهي الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الرَّهْطُ اسمُ الجماعةِ، فكأنَّهم كانوا رؤساء يَتبعُ كلَّ واحدٍ منهم رهطٌ، كذا قال القرطبي (٦).

стр. 3405

﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾؛ أي: شأنُهم الإفسادُ الخالصُ مِن شَوبِ الصَّلاح. * * * (٤٩) - ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالَ بعضُهم لبعضٍ ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ خبرٌ في محلِّ الحال بإضمار (قد) لأنَّه ماضٍ؛ أي: قالوا متقاسمين، أو أمرَ بعضُهم بعضًا بالقسمة. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾؛ أي: لنقتلنَّه مباغتةً ليلًا ﴿وَأَهْلَهُ﴾: ولدَه وتبعَه. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾: لرَهْطه الذي له ولاية الدَّم: ﴿مَا شَهِدْنَا﴾: ما حضرنا ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ المُهْلَكُ مِن أهلَكَ يحتمِل المصدرَ والزَّمان والمكان، وكذا المَهلِكُ بكسر اللَّام (١)، وقرئ بالفتح أيضًا (٢) فيكون مصدرًا؛ أي: لم نتعرض لأهله فكيف تعرَّضنا له؟! أو: ما حضرنا موضع هلاكه فكيف تولَّيناه؟! ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما ذكرنا. * * * (٥٠) - ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ في ذلك ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾؛ أي: جزيناهم على مكرهم بتعجيل العقوبة.

стр. 3406

﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك. * * * (٥١) - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ﴿كَانَ﴾ إن كانت ناقصة فخبرُها ﴿كَيْفَ﴾، وإن كانَتْ تامَّة فـ ﴿كَيْفَ﴾ حال. ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ قرئ بكسر الهمزة على الاستئناف أو خبر محذوف، وقرئ بفتحها (١) على أنَّه خبر أو بدل من اسم ﴿كَانَ﴾، أو خبر له و ﴿كَيْفَ﴾ حال، أو يكون التَّقدير: لأَنَّا، وحُذِفَ حرف الجرِّ. ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بالصَّيحةِ. * * * (٥٢) - ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: ساقطةً منهدمةً، مِن خَوَى النَّجمُ: إذا سقطَ، أو: خاليةً، مِن الخُوِيِّ، وهي حالٌ عَمِلَ فيها ما دلَّ عليه (تلك). ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾: بظلمهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما فُعِلَ بثمودَ ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فيتَّعظون. * * * (٥٣) - ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ عصيانَه.

стр. 3407

(٥٤) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَلُوطًا﴾: واذكر لوطًا، أو: وأرسلنا لوطًا، لدلالة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ عليه، والأوَّل أنسبُ لِمَا نزلَ أوَّلًا، والثَّاني لِمَا نزلَ مكرَّرًا (١). ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلٌ من ﴿وَلُوطًا﴾ على الأوَّل؛ أي: واذكرْ وقتَ قولِ لوطٍ، وظرفٌ على الثَّاني. ﴿لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ الاستفهام للإنكار والتَّوبيخ. و ﴿الْفَاحِشَةَ﴾: الفِعلة القبيحة، والمرادُ: اللِّواطةُ، أبهم هنا ثمَّ بيَّنها بقوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ تقريرًا وتنبيهًا على أنَّ معنى الفاحشة بلغَ الغاية فيها حتى صارَ علَمًا لها، ثمَّ إنَّ في البيان المذكور تنبيهًا على أنَّ المرادَ مِن الفاحشةِ محلُّها بطريق المجاز، وإتيانُه كنايةٌ عن فِعل اللِّواطةِ. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: والحالُ أنَّ لكم الأبصار، يعني أنَّ قباحة ذلك المحلِّ مِن المحسوساتِ، فوجودُ البصر كافٍ في إدراكها (٢). * * * (٥٥) - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ آثرَ الرِّجالَ على الذُّكور ليزدادَ قُبْحُ الإتيان المذكور. ﴿شَهْوَةً﴾: للشَّهوة، ناظرٌ (٣) إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، كأنَّه قيل: القَباحة

стр. 3408

هنا في درجةٍ حَقُّ مَن له البصر أن يرغبَ عنه نفرةً، وأنتم ترغبونَ فيه شهوةً (١). ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ يعني: أنَّ اللهَ تعالى إنَّما خلقَ الأنثى للذَّكر، ولم يخلق الذَّكرَ للذَّكرِ، ولا الأنثى للأنثى، فهو مضادَّةٌ (٢) لله تعالى في حكمتِه. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تفعلون فعلَ الجاهلين بأنَّها فاحشةٌ، مع علمِكُم بذلك، أو أريد بالجهلِ: السَّفاهة والمَجَانةُ التي كانوا عليها. وقد اجتمعَ الخطاب والغيبة هنا وفي قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، فغلِّب المخاطَبَ على الغائب لأنَّه أقوى؛ إذ الأصل أن يكون الكلامُ بينَ الحاضرين. * * * (٥٦) - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ خبرُ ﴿كَانَ﴾: ﴿جَوَابَ﴾، واسمُه ﴿أَنْ قَالُوا﴾. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾؛ أي: لوطًا ومتَّبعيه، تناولَ الأمرُ له ﵇ دلالةً (٣). ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: يتنزَّهون عن القاذورات، فينكرون هذا العمل القذر، وَيغيظُنا إنكارُهم، تعليلٌ للأمر المذكور على وجهٍ يتضمَّن الاستهزاء؛ لأَنَّه على طريقةِ ﴿لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧].

стр. 3409

(٥٧) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحة ﴿وَأَهْلَهُ﴾ يعني: مِن العذابِ الواقعِ بقومِه. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾، أي: قدرنا كونها استئناف للتعليل. ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: مِن الباقينَ في العذابِ. * * * (٥٨) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قد مرَّ تفسيرُه في سورة الأعراف. * * * (٥٩) - ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أمرَ رسولَه ﵇ بتحميده، ثمَّ بالسَّلام على المصطفَين مِن عبادِه، توطئةً لِمَا يتلوه مِن الدِّلالة على وحدانيته وقدرته على كلِّ شيءٍ. وهو تعليمٌ لكلِّ متكلِّمٍ (١) في أمرٍ ذي بالٍ بأنْ يتبرَّكَ بهما، ويستظهرَ مكانهما (٢). أو هو خطاب للوطٍ ﵇ أنْ يحمدَ الله على هلاكِ كفَّارِ قومِه، ويُسلّمَ على مَن اصطفاهُ اللهُ تعالى ونجَّاه مِن هلكتهم (٣)، وعصمه من ذنوبهم. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ لا خيرَ فيما أشركوه أصلًا حتَّى يُوازنَ بينَه وبينَ مَن

стр. 3410

هو خالقُ كلِّ شيءٍ، وإنَّما هو إلزامٌ لهم وتهكُّم بحالهم؛ ليتنبَّهوا على الخطأ المُفرِط والجهل المورِّط، وليعلموا أنَّ الإيثار يجب أن يكون للخير الزَّائد. ثمَّ عدَّدَ الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، فقال: (٦٠) - ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾. ﴿أَمَّنْ﴾: بل أمْ مَن (١) ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تقريرٌ لهم بأنَّ مَن قدرَ على خلقِ العالم خيرٌ مِن جمادٍ لا يقدرُ على شيءٍ. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: مطرًا، وفي قوله: ﴿لَكُمْ﴾ تنبيهٌ على أنَّ الغيْثَ وإنْ لم يخلُ مِن الضَّرر (٢) إلَّا أنَّ المقصودَ مِن إنزالِه النَّفعُ. ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ صرفَ الكلام عن الغيبة إلى التَّكلُّم تأكيدًا لمعنى اختصاص الفعل بذاته، وإيذانًا (٣) بأنَّ إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطُّعوم والأشكال - مع حسنِها - بماءٍ واحدٍ لا يقدرُ عليه إلَّا هو وحدَه. ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالماء. ﴿حَدَائِقَ﴾ الحديقةُ: البستانُ عليه حائطٌ، مِن الإحداق، وهو الإحاطة. ﴿ذَاتَ﴾ لم يقلْ: ذواتِ؛ لأنَّ المعنى: جماعةَ حدائقَ، كما تقول: النِّساء ذهبَتْ. ﴿بَهْجَةٍ﴾: حُسْنٍ؛ لأنَّ النَّاظرَ يبتهِجُ به، ثمَّ رشحَ معنى الاختصاص بقوله:

стр. 3411

﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾: شجرَ الحدائق، ومعنى الكينونةِ الانتفاءُ، أرادَ أنَّ تأتِّيَ ذلك محالٌ مِن غيرِه. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: أغيرُه يُقرَنُ ويُجعَلُ شريكًا له. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: غيرَه، أو: يعدلون عن الحقِّ الذي هو التَّوحيد. و ﴿بَلْ هُمْ﴾ بعد الخطاب أبلغُ في تخطئةِ رأيهِم. * * * (٦١) - ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ﴾ وما بعده بدل من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ فكانَ حكمُها حكمَه. ﴿قَرَارًا﴾: دحاها وسوَّاها للاستقرار عليها. ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ ظرفٌ؛ أي: وسطَها، وهو المفعول الثَّاني (١)، والأول ﴿أَنْهَارًا﴾، و ﴿بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ مثلُه. ﴿وَجَعَلَ لَهَا﴾ للأرضِ ﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالًا تمنعُها عن الحركةِ. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذبِ والمالحِ ﴿حَاجِزًا﴾: مانعًا أنْ يختلِطا. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ التَّوحيدَ فلا يؤمنون. * * * (٦٢) - ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 3412

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الاضْطرارُ: افتعالٌ مِن الضَّرورة، وهي الحاجة المحوِجةُ (١) إلى اللَّجَأ (٢)، يقال: اضْطرّه إلى كذا، والفاعل والمفعول مُضْطرٌّ (٣)، والمُضْطَرُّ: الذي أحوجَه مرض أو فقر أو نازلة مِن نوازل الدَّهر إلى اللَّجأ (٤) إلى الله تعالى، أو المُذنِبُ إذا استغفرَ، أو المظلومُ إذا دعا. واللَّامُ للجنسِ لا (٥) للاستغراقِ، فلا يلزم منه إجابةُ كلِّ مُضْطَّرٍ. ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾؛ أي: الضُّرَّ أو الجَوْرَ (٦). ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: فيها، وذلك توارُثُهم سُكْناها، والتَّصرُّف فيها قرنًا بعدَ قرنٍ، أو أرادَ بالخلافةِ المُلك والتَّسلُّط، وهذا أتمُّ مِن الأوَّلَين وأعمُّ وأجلُّ وقعًا وأهمُّ، ولهذا فُصِل بعدَم التَّذكُّر (٧) وبُوْلِغَ فيه. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿مَا﴾ مزيدةٌ؛ أي: تذكَّرونَ تذكُّرًا قليلًا، ويجوز أنْ يُرادَ بالقلَّةِ العدمُ. * * *

стр. 3413

(٦٣) - ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾: يرشِدُكم بالنُّجومِ ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ليلًا، وبعلاماتٍ في الأرض نهارًا. والظُّلماتُ: ظلماتُ اللَّيالي، وإضافَتُها للبرِّ والبحر للملابَسةِ، أو مشتبِهاتُ الطُّرُقِ على الاستعارة. ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ مِن البِشارةِ، وقد مَرَّ في سورة الفرقان. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: قدَّامَ المطرِ. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تعالى القادرُ الخالقُ عَن مشاركةِ العاجزِ المخلوقِ، تذييلٌ كالنَّتيجة للآياتِ السَّابقةِ. * * * (٦٤) - ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إنَّما قيل لهم: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم ينكرون الإعادة؛ لأنَّه أُزيحت عليهم بالتَّمكُّن (١) من المعرفة والإقرار، ولم يبقَ لهم عذرٌ مِن الإنكار. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بأسبابٍ سماوَّيةٍ وأرضيَّةٍ. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يفعلُ ذلك.

стр. 3414

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: حجَّتكم على إشراكِكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم أنَّ معَ الله إلهًا آخر. * * * (٦٥ - ٦٦) - ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾. ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناءٌ من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾، و ﴿الْغَيْبَ﴾ وهو ما لم يقمْ عليه دليل ولا اطَّلعَ عليه مخلوقٌ - مفعولُه و ﴿اللَّهُ﴾ بدلُ مِن ﴿مَنْ﴾. والمعنى: لا يعلمُ أحدٌ الغيبَ إلَّا الله. ثمَّ إنَّ اللهَ يتعالى عن أن يكونَ ممَّن في السماوات والأرض، ولكنه جاء (١) على لغة بني تميم حيث يُجْرُون الاستثناءَ المنقطِع مُجرى المُتَّصل، ويجيزون النَّصبَ والبدلَ في المنقطِع كما في المتَّصل، يقولون: ما في الدَّار أحدٌ إلا حمارٌ (٢). نزلت الآية في المشركين حين سألوا رسول الله ﵇ عن وقتِ السَّاعةِ (٣). ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ﴾: تقدَّمَ في الأعراف. ﴿يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ﴾ أي: انتهى وتكاملَ، مِن أدركَتِ الفاكهةُ: تكاملت نضجًا.

стр. 3415

وقرئ: ﴿ادَّارَكَ﴾ (١)، أي: استَحْكَمَ، وأصله: تَدَارَك، فأُدْغِمَتِ التَّاء في الدَّال، وزيدَ ألفُ الوصل لِيَمْكُنَ التَّكلُّمُ بها. ﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي: في شأنِ الآخرة، والمعنى: أنَّ أسبابَ استحكام العلم وتكامله بأنَّ القيامةَ كائنةٌ لا رْيبَ فيه قد حصلَتْ لهم، ومُكِّنوا مِن معرفته، وهم شاكُّون جاهلون. وذلك قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ والإضرابات الثَّلاث (٢) تنزيل لأحوالِهم، وتكريرٌ لجهلِهم؛ وصَفَهم أوَّلًا بأنهم لا يشعرون وقتَ البعثِ، ثمَّ بانَهم لا يعلمون أنَّ القيامةَ كائنةٌ، ثمَّ بانَهم يخبطون في شكٍّ ومرْيةٍ فلا يزيلونه، والإزالةُ مستطاعةٌ، ثمَّ بما هو أسوءُ حالًا وهو العمى، وقد جعل الآخرةَ مبدأَ عماهم ومنشأَه، فلذا عدَّاه بـ (من) دون (عن)؛ لأنَّ الكفرَ بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التَّدبُّر والتَّفكُّر. وجازَ أنْ يكونَ وصَفَهم باستحكام العلم وتكامله تهكُّمًا بهم، وذلك حيث شكُّوا وعَمُوا عن إثباته الذي الطَّريقُ إلى علمِه مسلوكٌ، فضلًا أن يعرفوا وقتَ كونِه الذي لا طريقَ إلى معرفَتِه. ويجوز أن يكون ﴿ادَّارَكَ﴾ بمعنى: انتهى وفنيَ، مِن (٣) قولِكَ: أدركَتِ الثَّمرةَ؛ لأنَّ تلكَ (٤) غايتُها التي عندها تُعدم.

стр. 3416

وقد فسَّرها الحسنُ بـ: اضمَحَلَّ علمُهم وتداركَ، مِن تداركَ بنو فلان: إذا تتابَعوا في الهلاكِ (١). * * * (٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾؛ أي: مِن القبور أحياءً؟! وتكريرُ حرفِ الاستفهام إنكارٌ بعدَ إنكارٍ، ودليلٌ على كفْرٍ مُؤكَّدٍ مُبالَغٍ فيه، والعامل في (إذا) ما دَلَّ عليه ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾، لا نفسُه؛ لأنَّ همزة الاستفهام و (إنَّ) ولامَ الابتداء كلٌّ منها يمنعُه عن العمل فيما قبله. والضَّمير في (إنَّا) لهم ولآبائهم؛ لأنَّ كونهم ترابًا قد تناولهم وآباءَهم، لكنَّه غلبَتْ الحكاية على الغائب، و ﴿وَآبَاؤُنَا﴾ عطف على الضَّمير؛ لأن المفعول ﴿تُرَابًا﴾ جرى مجرى التَّأكيد. * * * (٦٨) - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا﴾؛ أي: البعثَ ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِن قبل محمَّدٍ ﵇. قدِّم هنا ﴿هَذَا﴾ على ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾، وفي (المؤمنين) أُخِّرَ عنه؛ ليدلَّ على أنَّ المقصودَ بالذِّكر هنا البعثُ، وثَمَّ المبعوثُ.

стр. 3417

﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما هذا إلَّا أحاديثُهم وأكاذيبُهم. * * * (٦٩) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: آخِرُ أمرِ الكافرين، وفي ذكر الإجرام لطف بالمسلمين في ترك الجرائم، كقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤]. * * * (٧٠) - ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لأجلِ أنَّهم لم يتَّبعوكَ، ولم يُسْلِموا فيَسْلَموا. ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾: في حَرَجِ صَدْرٍ ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: مِنْ مكرهم وكيدهم لك، فإنَّ اللهَ يعصمُكَ مِن النَّاسِ. * * * (٧١) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: وعدُ العذابِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ العذابَ نازلٌ بالمكذِّب (١)؟. * * * (٧٢) - ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.

стр. 3418

﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾: تبعكم، (رَدِفَ) يتعدَّى بنفسه وباللَّام (١)، ومَن وَهَمَ أنَّ تعديتَه باللَّام بتضمين معنى مثل: دنا (٢)، فقد وَهِمَ؛ لأنَّ ذلك المعنى حاصل لـ ﴿رَدِفَ﴾، ثمَّ إنَّ تعديةَ دنا وقرب بـ (من) لا باللَّام (٣). ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ استعجلوا العذابَ الموعودَ، وهو عذابُ يومِ بدرٍ. و (عسى) و (لعلَّ) و (سوفَ) في وعد الملوك ووعيدهم يدلُّ على صِدْقِ الأمر وجِدِّهِ، وعلى ذلك جرى وعدُه تعالى ووعيدُه. * * * (٧٣) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾؛ أي: إفضالِ ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ بترك المعاجلَة بالعذابِ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: أكثرهم لا يعرفون حقَّ النِّعمة فيه ولا يشكرونه، بل يستعجلون لجهلهم وقوعَ العذابِ. * * * (٧٤) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾: ما تُخفيه ﴿صُدُورُهُمْ﴾ قال الرُّماني: الإكنانُ: جعلُ الشَّيء بحيث لا يلحقُه أذًى لمانعٍ يصدُّه عنه.

стр. 3419

﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يُظهِرون، فليس تأخيرُ العذابِ لخفاءِ حالِهم، ولكن له وقتٌ مقدَّرٌ (١) * * * (٧٥) - ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ سُمِّيَ الشَّيءُ الذي يغيبُ ويخفى: غائبةً وخافيةً، والتَّاء فيها كالتَّاء في العافية والعاقبة (٢)، ونظائرهما: الرَّميَّة والذَّبيحة والنَّطيحة في أنَّها (٣) أسماءٌ غيرُ صفاتٍ، ويجوز أن يكونا صفَتَيْن، وتاؤهما للمبالغة كالرَّاوية (٤). ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيِّنٍ أو مُبيِّنٍ مَا (٥) فيه لِمَن يطالِعُه. والمرادُ مِن الكتاب: اللَّوحُ. * * * (٧٦) - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

стр. 3420

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: يبيِّنُ لهم، والقَصصُ: كلامٌ يتلو بعضُه بعضًا فيما ينبئ عن المعنى. ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كالتَّشبيه والتَّنزيه، وأحوالِ الجنَّة والنَّار، وعُزَيرٍ والمسيح. والاختلافُ: ذهابُ كلُّ واحدٍ إلى خِلاف ما ذهبَ إليه صاحبُه. وهذا تحريكٌ للمشركين على اتِّباع القرآنِ؛ فإنَّه لَمَّا كان فيه بيانٌ لأهل الكتاب، وهم يرجعون إليهم في كثير مِن أمورِهم، فكانَ حقَّهم أن يرجعوا إليه؛ لأنَّه مرجِعُ مرجعِهم، وكان منزَّلًا على مَن (١) بُعِثَ منهم. * * * (٧٧) - ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّهم هم المنتفعون به. * * * (٧٨) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ بينَ مَن آمنَ بالقرآن وبينَ مَن كفرَ. ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ أي: بعدله؛ لأنَّه لا يقضي إلَّا بالعدل، فسمي المحكوم به حُكمًا. أو: بحكمته، ويدلُّ عليه قراءة: (بِحِكَمِهِ) (٢) جمع حِكمةٍ. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يُرَدُّ قضاؤُه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمَن يُقضى له، وبمَن يُقضَى عليه.

стр. 3421

(٧٩) - ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: فلا تُبالِ بمعاداتهم ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ علَّلَ (١) التَّوكُّلَ بأنَّه على الحقِّ الأبلج، وهو الدِّين الواضح، وفيه بيانُ أنَّ صاحب الحقَ حقيقٌ بالوثوق بحفظِه (٢) على اللهِ ونصرِه. * * * (٨٠) - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ تعليلٌ آخر للأمرِ بالتَّوكُّل من حيثُ إنَّه يقطع طمَعه مِن مشايعتهم ومعاضدتهم رأسًا، وإنَّما شُبِّهوا بالموتى لعدم انتفاعِهم باستماعِ ما يُتلَى عليهم، كما شُبِّهوا بالصّمِّ في قولِه: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ثمَّ أكَّد حالَ الأصمِّ بقولِه: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لأنَّه إذا تباعدَ عن الدَّاعي - بأنْ تولَّى عنه مدبرًا - كانَ أبعدَ عن إدراك صوتِه. * * * (٨١) - ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

стр. 3422

﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ الهداية لا يلزمها الاهتداء، دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فلا جرمَ زيدَ قولُه: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ حتى يكون المنفيُّ الهدايةَ المنجيةَ عن الضَّلالة، لا مُطلَقَ الهدايةِ؛ لأنَّها غيرُ ممتنعةٍ في حقِّ العُمي. ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾: ما يُجدي إسماعُك ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: إلَّا الذين يصدِّقون أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى؛ إذ حينئذٍ يُثْبِتُ نبوَّته ﵇ فتقْبَلُ قولَه، فيجدِي إسماعُه نفعًا. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: مخلِصون، من قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]؛ أي: جعله سالمًا لله خالصًا له. * * * (٨٢) - ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ سمى معنى القول ومؤدَّاه - وهو ما وُعدوا مِن قِيامِ السَّاعة وعذابه - بالقول. ووقوعُه: حصولُه، والمراد: مشارفةُ السَّاعةِ وظهورُ أشراطِها. ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ هي الجسَّاسة، في الحديث: "طولُها ستُّون ذراعًا، ولها أربعُ قوائم وزغبٌ وريشٌ وجناحان، لا يدركها طالبٌ، ولا يفوتها هاربٌ" (١).

стр. 3423

﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: مِن أرض مكَّة؛ رُوي أنه ﵊ سُئِلَ عن مخرجها، فقال: "من أعظم المساجد حرمةً على الله" (١) يعني: المسجدَ الحرامَ. ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وقرئ: (تَكْلِمُهم) (٢)، وقال أبو الجوزاء: سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ ﵁: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أو (تَكْلِمُهم)؟ فقال: كلُّ ذلك تفعلُ؛ تكلِّمُ المؤمنَ ويمْلِمُ الكافرَ (٣). وقيل: تكلِّم بالعربيَّة وتقول: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾: خروجِها وسائر أحوالِها فإنَّها مِن آياتِ اللهِ تعالى ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾: لا يتيقَّنون، وهو حكايةُ معنى قولها، أو حكايتُها لقول الله تعالى، أو علَّةُ خروجها (٤). وقرئ: ﴿إِنَّ﴾ بالكسر (٥). * * * (٨٣) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. ثمَّ ذكرَ قيامَ السَّاعةِ فقالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾؛ أي: واذكر يومَ نجمعُ مِن كلِّ أمَّه مِن الأمم زمرةً. و ﴿مِنْ﴾ للتَّبعيضِ؛ لأنَّ أمَّةَ كلِّ نبيٍّ وأهلَ كلِّ قرنٍ شامل للمصدِّقين والمكذِّبين.

стр. 3424

و (من) في قوله: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ للتَّبيين. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ المُنزَّلة على أنبيائِنا. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يُحبَس أوَّلُهم على آخرِهم حتى يجتمعوا، ثمَّ يساقونَ (١) إلى موضع الحسابِ، وهذه عبارةٌ عَن كثرة العَدَدِ، وكذا الفوجُ عبارة عن الجماعة الكثيرة. * * * (٨٤) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾: حضروا موقفَ الحسابِ والسُّؤالِ ﴿قَالَ﴾ لهم تعالى تهديدًا: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ المنزَلةِ على رُسُلي (٢). ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ الواو للحال، كأنَّه قال: أكذَّبتم بآياتي بادئ الرَّأي مِن غيرِ فكرٍ ولا نظرٍ يؤدِّي إلى إحاطة العلم بكُنْهِها، وأنَّها حقيقةٌ (٣) بالتَّصديق أو بالتَّكذيب. أو للعطفِ؛ أي: أجمعتُم (٤) بينَ التَّكذيب وعدم إلقاءِ الأذهان لتحقيقها. ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أم أيَّ شيءٍ كنتم تعملونه بعد ذلك؟ وهو للتَّبكيت إذْ لم يفعلوا غير التَّكذيب من الجهل، فلا يقدرون أنْ يقولوا: فعلنا غير ذلك.

стр. 3425

وإنَّما جازَ دخول ﴿أَمْ﴾ على (ما) الاستفهاميَّة لهذه النكتة؛ فإنَّها خرجَتْ عن حقيقة الاستفهام إلى البَتِّ بالحكم، لا بالمعادِل بل بالأوَّل. * * * (٨٥) - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾. ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾: أُحِلَّ بهم العذابُ الموعودُ بسبب ظلمِهم، وهو التَّكذيب. ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ فيشغلُهم عن النُّطق والاعتذار، قال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]. * * * (٨٦) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ليتحقَّقَ لهم التَّوحيدُ، ويرشدَهم إلى تجويزِ الحشر وبعثةِ الرُّسل. ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بالنَّومِ والقَرارِ. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ جعلَ الإبصار للنَّهار - وهو لأهله - للمبالغة فيه بجعلِ الإبصار حالًا مِن أحوال المجعول، بحيث لا ينفكُّ عنها، وهذا من باب ما حُذِفَ مِن أحد المتقابلَيْن ما أثبِتَ في الآخر، فالتَّقدير: جعلنا اللَّيل مظلمًا لتسكنوا فيه والنَّهار مبصرًا لتتصرَّفوا فيه. ومَن غفل عن هذا قال: والتقابل مراعًى مِن حيث المعنى؛ لأنَّ ﴿مُبْصِرًا﴾ بمعنى (١): ليُبصروا فيه طُرُقَ التَّقلُّب في المكاسب.

стр. 3426

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ ولدلالتها على الأمور الثَّلاثة؛ لأنَّ المعنى: ألم يعلموا أنَّا جعلنا اللَّيل والنَّهار قِوامًا لمعاشهم في الدُّنيا؛ ليعلموا (١) أنَّ ذلك لم يُجعَلْ عبثًا، بل محنة وابتلاءً، ولا بدَّ عندَ ذلك من ثوابٍ وعقابٍ، فإذا لم يكونا في هذه الدَّار فلا بُدَّ مِن دارٍ أخرى للثَّواب والعِقابِ. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خُصُّوا بتلك الآيات لاختصاصِ الانتفاعِ بها بهم. * * * (٨٧) - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: واذكر يومَ ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: هو قرنٌ، والنَّافخُ إسرافيل ﵇، روى أبو هريرة أنَّه يَنفخُ ثلاثَ نفخاتٍ: الأولى نفخة الفزع، ثم بعده بأربعين يومًا نفخة الصَّعق (٢).

стр. 3427

فما قِيلَ: إنَّه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نُفِخَ في البوق؛ ليس بذاكَ. ﴿فَفَزِعَ﴾ الفَزَعُ والجَزَعُ أخوان، لكنَّ الفَزَع ما يعتري من الشَّيء المخيف، والجَزَعَ ما يعتري من الشَّيء المؤلم. ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الهول، وعبَّرَ عنه بالماضي للإشعارِ بصحَّة وقوعِه وأنَّه كائنٌ لا محالة، ولا حاجة إلى هذا الإشعار في الأوَّل لأنَّه منشأ الفَزَعِ، فالقَطْعُ بوقوعِ هذا يقتضي القَطْعَ بوقوعِ ذلك. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أنَّه (١) لا يفزَع (٢)، بأنْ ثبَّتَ اللهُ قلبَه، قالوا: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈، وقيل وقيل (٣). ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾: حاضرون الموقف بعد النَّفخة الثَّانية، أو راجعون إلى أمرِه. ﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغِريْنَ. * * * (٨٨) - ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا﴾ حالٌ مِن المخاطَب. ﴿جَامِدَةً﴾: واقفةً ممسكةً (٤) عن الحركةِ، مِن جمدَ في مكانِه: إذا لم يبرحْ.

стр. 3428

﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: مرًّا مثلَ مرِّ السَّحاب، والمعنى: أنَّكَ إذا رأيْتَ الجبالَ وقتَ النَّفخةِ ظنَنْتَها ثابتةً في مكانٍ واحدٍ [لعظمها] (١)، وهي تسيرُ سيرًا سريعًا كالسَّحاب إذا ضربَتْه الرِّيح، وهكذا الأجرامُ المتلاصقةُ المتكاثرةُ العددِ إذا تحرَّكَتْ لا تكاد تبينُ حركتها. ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدر عملَ فيه ما دلَّ عليه: ﴿تَمُرُّ﴾؛ لأنَّ مرورَها كمرِّ السَّحاب مِن صنعِ اللهِ، فكأنه قيل: صَنَعَ اللهِ ذلك، وذُكرَ اسمُ اللهِ لأنَّه لم يُذْكَر قبلُ. ﴿الَّذِي أَتْقَنَ﴾، أي: أحكمَ صُنْعَهُ، ولقد أصابَ عبارةُ (٢) الصُّنع والإتقان محزَّهما (٣)، وذلك أنَّ لقاءَ صورةِ الجبالِ بعدَما تخلخَلَتْ وصارَتْ كالعهن المنفوشِ دلَّ على كمالِ الإتقانِ مِن جهةِ الصُّنعِ، وهو تركيبُ الصُّور فيَ المادَّةِ. وهذا الإتقان ينتظِمُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ قويًّا كان تركيبُه أو ضعيفًا. ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤) عالمٌ بظواهرِ الأفعالِ وبواطنها، فيكافئهم على حسب ذلك. * * *

стр. 3429

(٨٩) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. ثمَّ لخَّصَ ذلك بقولِه: ﴿مَنْ جَاءَ﴾ يومَ القيامة ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ قالَ أكثرُ المفسِّرين: الحسنةُ هاهنا كلمةُ الإخلاص، والسَّيئةُ ضدُّها وهو الشِّركُ؛ لأنَّه قالَ في حقِّها: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾؛ أي: خيرٌ حاصلٌ مِن جهتِها. ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ﴾: شديدٍ؛ أي: مِن فزعٍ شديدٍ مفرِطِ الشِّدَّةِ، وهو خوفُ النَّارِ، أو: مِن فزعٍ مّا وإنْ قَلَّ. وقرئ بالإضافة إلى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (١) لأَنَّه جعل (يوم) مع (إذ) كالاسم الواحد، والمرادُ: يومُ القيامةِ. ﴿آمِنُونَ﴾ أمِنَ تعدَّى بالجارِّ وبنفسِه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]. * * * (٩٠) - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ﴾ يُقالُ: كبَّه وأكبَّه: إذا نكسَه. ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ أنفسهم، يُعبَّر عن الجملةِ بالوجه كما يُعبَّر بالرَّأس والرَّقبة عنها (٢)

стр. 3430

﴿فِي النَّارِ﴾؛ أي: ألقوا على رؤوسهم فيها (١)، ويقال لهم تبكيتًا عندَ الكبِّ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا مِن الشِّركِ والمعاصي. * * * (٩١) - ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ مكَّة خصَّها مِن بينِ البلادِ بإضافة اسمه إليها؛ لأنَّها أحبُّ بلادِه إليه وأعظمُها عندَه، وأشار إليه بقوله: ﴿هَذِهِ﴾ إشارةَ تعظيم لها وتقريبٍ دالًّا على أنَّها موطنُ (٢) نبيِّه ﵇ ومَهبِطُ وحيِهِ. ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: جعلها حَرَمًا آمنًا ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ خَلقًّا وَملكًا. وصفَ ذاته بالتَّحريم الذي هو خاصُّ وصفِها، وجعلَ دخولَ كلِّ شيءٍ تحتَ ربوبيَّتِه وملكوتِه كالتَّابعِ لِدُخولِها تحتَها، ولا خفاءَ في أنَّ إجراءَ الوصفِ على الله تعالى تعظيمٌ لشأنِ الوصف ولشأنِ ما يتعلَّق به الوصفُ، وزيادةُ اختصاصٍ له بمَن أُجْرِي عليه الوصف، وجعل ذلك كالمسلَّم المفروغ عنه، ولا كذلك لو قيل: (التي حرَّمها) ووُصِفت البلدة تخصيصًا أو مدحًا. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادِينَ له. * * *

стр. 3431

﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ مِن التِّلاوة أو مِن التُّلوِّ؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [يونس: ١٠٩]. أمرَ الرَّسول بأنْ يقولَ: أُمرْتُ (١) أنْ أخصَّ اللهَ تعالى وحدَه بالعبادةِ، ولا أتَّخذَ له شريكًا كما فعلَتْ قريشٌ، وأنْ أكونَ مِن الحنفاءِ الثَّابتين على مِلَّةِ الإسلام، وأنْ أتلوَ القرآن لأعرِفَ الحلالَ والحرامَ وسائرَ الأحكام، وما يقتضيه الإسلام. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ باتِّباعِه إيَّايَ في ذلك. ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فمنفعةُ اهتدائِه راجعةٌ إليه لا إليَّ. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بمخالفتي. وحذفَ جواب هذا لدلالة مقابِلِه عليه؛ أي: فمضرَّة ضلاله راجعةٌ إليه لا إليَّ. ولَمَّا حذفَ ذلك أُقِيمَ تعليلُه مقامَه، وهو قوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: وما أنا إلَّا رسولٌ منذرٌ، وما على الرَّسولِ إلَّا البلاغ. * * * (٩٢) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثمَّ أُمِرَ أنْ يحمدَ اللهَ تعالى على نعمة النُّبوَّةِ، أو على التَّوفيقِ للعلمِ والعملِ به (٢).

стр. 3432

﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ القاهرةَ في الدُّنيا، أو في الآخرة. ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾: فتعرفونَ أنَّها آياتُ اللهِ تعالى، ولكنْ حينَ لا تنفعُكُم المعرفَةُ. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا يغرَّنَّكُم تأخيرُ العقوبةِ؛ فإنَّه إمهالٌ لا إهمالٌ. * * *

стр. 3433

سُورَةُ القَصَصِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١ - ٢) - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أَبانَ لازمٌ ومُتعدٍّ، أي: مُبينٌ خيرَه وبركتَه، أو: مُبينٌ لِمَا أُبهم (١) بيانُه. والبيانُ: إظهارُ المعنى للنفس بما يميِّزه عن غيرِه، مشتقٌّ مِن: أَجبنتُ كذا، إذا فصلتَه منه. * * * (٣) - ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿نَتْلُو﴾: نقرأ ﴿عَلَيْكَ﴾، أي: يَقرأ جبريلُ ﵇ بأمرنا، ومفعول ﴿نَتْلُو﴾: ﴿مِنْ نَبَإِ﴾؛ النَّبأُ: الخبرُ عمَّا هو عظيمُ الشأن. ﴿مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾، أي: نتلو عليكَ بعضَ خبرِهما ﴿بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّهم هم المنتفِعونَ به (٢).

стр. 3434

(٤) - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ استئنافٌ مبيِّن لذلك البعض. ﴿عَلَا﴾: تعاظَمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: مصرَ، وإنَّما عبَّر عنه بما هو اسمٌ لجهة السُّفْل؛ إشعارًا بأنَّه أَظهرَ ضدَّ ما يليقُ بشأنه. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (١): فِرَقًا، بأنْ أغرى بينهم العداوةَ؛ كيلا يتَّفقوا، فهو كالتمهيد لِمَا استأنف بإخباره في قوله: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً﴾ هم بَنُو إسرائيل ﴿مِنْهُمْ﴾ من الشِّيَع المذكورة؛ فإنَّهم لو كانوا متَّفقين لَمَا تيسَّر له ذلك. ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ بدلٌ مِن الاستئناف السابق، وقد تقدَّم تفسيره في سورة الأعراف. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: مِن زمرة المعروفينَ بالفساد، فلذلك اجْتَرَأَ على قَتْل خَلْقٍ كثيرٍ لتخيُّلٍ فاسد. * * * (٥) - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. ﴿وَنُرِيدُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ معطوفة على ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ من حيث

стр. 3435

إنَّهما واقعان تفسيرًا للنبأ، أو حالٌ مِن ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾، ويجوز أن يتحقَّق تعلُّق الإرادة بتكوين في زمانٍ مترقَّب، وهذا لتكون نعمةُ المنَّة أوقعَ، وسلطانُ التقدير على التدبير أظهرَ. ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾: نتفضَّل عليهم بإنقاذهم من بأسه. ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإنَّما قال: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مع عدم الحاجةِ إليه هاهنا ليتمشَّى جعلُ التعريف في ﴿الْوَارِثِينَ﴾ عِوَضًا عن الإضافة إليها (١). ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: مقدَّمين في أمرِ الدنيا والدِّين. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾؛ أي: يرثون الأرضَ المعهودةَ، لمَّا كانت الوراثةُ أقوى سببٍ في الاستحقاق والتملك حيث لا يُعقَب بفسخٍ ولا استرجاعٍ، ولا يُبطَل بِرَدٍّ وإسقاطٍ، استُعيرت لاستحقاقهم بمنِّ الله تعالى. * * * (٦) - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ﴾ أصل التمكين أن تجعل للشيء مكانًا يَقعد عليه ويَرقد فيه، ثم استُعير للتسليط وإطلاقِ الأمر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أظهر في مقامِ الإضمار؛ تفخيمًا لشأن تلك الأرض. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ كان هامانُ وزيرَ فرعون ومدبِّرَ ملكه، فلذلك شَرَّكهُ في إضافةِ الجنود إليهما.
следующие страницы →