← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وإنَّما جيء بفعل الرُّؤية والاستفهامِ ليكون في معنى أخبر إفادةً لمعنى التَّعجُّب والإنكار، وأنَّ مِن حقِّ هذه القصَّة أنْ يُخبَرَ بها كلُّ أحدٍ حتى يتعجَّب (١). وزيادة (كان) في الموضعَيْن لإفادة الاستمرار. * * * (٢٠٨) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾. ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا﴾ لم تدخل الواو على الجملة بعد إلَّا كما في: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ [الحجر: ٤] لأنَّ الأصل عدم الواو؛ إذ الجملة صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصِّفة بالموصوف. ﴿مُنْذِرُونَ﴾ أتى بصيغة الجمع لأنَّ ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ عامٌّ، فكأنَّه قيل: وما أهلكنا من القرى، والعدول عنه لإفادته الدِّلالة على أنَّ المراد الكلَّ الإفراديَّ، لا الكلَّ (٢) المجموعيَّ. * * * (٢٠٩) - ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. ﴿ذِكْرَى﴾: تذكرةً، ومحلُّها النَّصب على العلَّة، أو المصدر؛ لأنها في معنى الإنذار، أو حال من الضَّمير في ﴿مُنْذِرُونَ﴾، أو الرَّفعُ على أنَّه صفة منذرين بإضمار ذَوو، وبجعلهم ذكرى لإمعانهم في التَّذكرة (٣)، أو خبرُ مبتدأ محذوف بمعنى: هذه ذكرى.

стр. 3362

والجملة اعتراضية، فلا يجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ متعلِّقةً بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ مفعولاً لَه؛ لأنَّ مذهب الجمهور أنَّ ما بعد إلَّا لا يعمل فيما قبلَها، إلَّا أن يكون مستثنًى أو مستثنًى منه، أو تابعاً له غير معتمِد على الأداة. ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: ليس مِن شأننا الظُّلم فنعذِّبَ فيها غير مستحقِّين له. ولَمَّا قال المشركون: إنَّ الشَّياطين تلقي القراَنَ على محمَّد ﵊ نزل: (٢١٠) - ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾. ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ وإنَّما أتى بصيغة التَّكلُّف والجمعِ لأنَّه على تقدير وقوع المنفيِّ لا يكون إلَّا بزيادة كُلْفَةٍ ومشقَّةٍ مِن جماعةٍ منهم على ما بُيِّنَ عند تفصيل كيفيَّة استراق السَّمع. ردٌّ لِما زَعَمَ المشركون أنَّه مِن قَبيل ما يُلقي الشَّياطينُ على الكهنةِ. * * * (٢١١) - ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أن ينزِلوا به ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك. نفى أوَّلاً الوقوع، ثمَّ اللِّياقة، ثمَّ القدرة، ثمَّ بيَّنَ علَّة عدم القدرة بقوله: (٢١٢) - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ لكلامِ الملائكةِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾: لمنحَّونَ. والعَزْلُ: تنحية الشَّيء عن الموضع (١) إلى خلافه.

стр. 3363

وسبب ذلك ما ذُكِرَ في سورة الجنِّ من كونهم مَرْجومينَ بالشُّهبِ. * * * (٢١٣) - ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾. ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ إنَّما نهى النَّبيَّ ﵇ عن الشِّركِ في العبادة مع عدم الحاجة إليه في حقِّه تمهيداً لبيان ترتُّب العذابِ عليه على وجهٍ لا يتخلَّفُ عنه أصلاً، حيث لا يتخلَّف عنه في حقِّ (١) خيرِ الخلقِ، فكيف في حقِّ غيره؟ * * * (٢١٤) - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ خصَّهم لنفي التُّهمة؛ إذ الإنسان يُساهِلُ قرابَته، وليَعلموا أنَّه لا يغني عنهم مِن الله شيئاً؛ فإنَّ النَّجاةَ في اتِّباعه دون قربه. والعشيرة تنتظِم الفخذَ فما فوقَها. * * * (٢١٥) - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: وألِنْ (٢) جانِبَكَ وتواضَعْ، مستعارٌ مِن خفضِ الطَّائر جناحَه إذا أرادَ أنْ ينحطَّ. ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مِن عشيرتِكَ وغيرهم، ولإفادة هذا التَّعميم ذكر قولَه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإلَّا فالإيمان واتِّباعه ﵊ توأمان.

стр. 3364

(٢١٦) - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ مرتبطٌ بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وكان أصلُ الكلامِ: أنذرْ أقرباءَكَ فإنِ اتَّبعوك وأطاعوك فاخفضْ لهم جناحَك وإنْ عصَوْكَ (١) ولم يتَّبعوكَ فتبرَّأْ مِن أعمالهم، إلَّا أنَّه غيَّرَ التَّعبير في أحدِ الشِّقَّينِ تنزيلاً للمُقَدَّرِ منزلةَ المُحَقَّقِ في الجانب الغالب، وعمَّمَ حكمَه تنبيهاً على أنَّ حكم الإنذار أصلُه غيرُ مخصوصٍ، إنَّما (٢) الاختصاص بأقربائه ﵇ في صفة تقديمه، وخصَّ حكم شقِّ العصيان بهم ليظهرَ ذلك الحكم في حقِّ غيرِهم بطريقِ الأَولى. ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ لَمَّا كانَ الحكمُ في صورة الاتِّباع وجوديًّا، وفي صورة خلافه عدميًّا، أمرَ بنفسِ الحكم في الأولى، وبالإظهار قولاً في الثَّانية، وهذا مِن دقائق الاعتبار، قلَّما يتنبَّه له إلَّا ذوو الاختبارِ (٣). ﴿مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ممَّا تعملونه، أو: مِن أعمالِكم. أمرَ بالبراءة مِن عملِهم لا منهم؛ إشعاراً بانَّهم لا يُترَكون بإظهار العصيانِ، بل يُدعَون إلى الإطاعة مرَّةً بعدَ أخرى باللُّطف، إلى أنْ نزلَ الأمرُ بالعنفِ. * * * (٢١٧) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾. ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ التَّوكُّلُ: تفويضُ الأمرِ إلى مَن يملكُه. وقرئ: ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ (٤) على الإبدال من جواب الشرط.

стр. 3365

﴿عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾: على الذي يقهَرُ أعداءَك بعزَّتِه، وينصرُكَ عليهم برحمَتِهِ، يَكفِكَ شرَّ مَن يعصيْكَ منهم ومن غيرهم. * * * (٢١٨) - ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ الرُّؤيةُ: علمٌ خاصٌّ بنوع مِن المحسوسِ غيرُ متوقِّف على النَّظر، بل قد يحصل بطريقٍ آخر، فلذلك زاد موسى ﵇ قوله: ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] حين طلب الرُّؤيةَ المعهودة. ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ متهجِّداً. * * * (٢١٩) - ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾؛ أي: ويرى تقلُّبَكَ ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: في المصلِّين. أتبعَ كونَه رحيماً على رسولِه ما هو مِن أسبابِ الرَّحمةِ، وهو ذكرُ ما كان يفعلُه في جوفِ اللَّيل مِن قيامِه للتَهجُّدِ، وتردُّدِه في تصفُّح أحوال المتهجِّدين مِن أصحابه ﵃ ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون، ويعلم أنَّهم كيفَ يعبدون اللّه في خلواتِهم. وقيل: تصرُّفه فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود إذا أمَّهم، ولا يخفى ما في التعبير عن أركان صلواته ﵊ حال إمامته بالتقلب في الساجدين مما يخلُّ بشأنها، ثم إن المناسب عطفه على ﴿تَقُومُ﴾، والعدول عن سننه لكونه جنساً، وهو على ما قررناه.

стр. 3366

(٢٢٠) - ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لِمَا تقولُه وتعمَلُه (١). هوَّن عليه معاناةَ مشاقِّ ما تحمَّلَه مِن التَهجُّدِ والتَّفقُّد حيث أخبرَ برؤيته له؛ إذْ لا مشقَّةَ على مَن يعلَمُ أنَّه يعملُ بمرأًى مِن مولاه. * * * (٢٢١) - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾. ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ إنَّما قال: ﴿تَنَزَّلُ﴾ لأنَّه أكثر ما يكون في الهواء، وأنَّه تمر مَرَّ (٢) الرِّيحِ. * * * (٢٢٢) - ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: على كلِّ مَن بلغَ في الإفكِ والإثمِ الغايةَ. لَمَّا بَيَّنَ أنَّ القرآنَ لا يصحُّ أنْ يكون ممَّا تنزَّلُ به الشَّياطينُ أكَّدَ ذلك بأنْ بيَّنَ أنَّ محمَّداً ﵊ لا يصلحُ لأنْ ينزلوا عليه بوجهَيْن (٣): أحدهما: أنَّه إنَّما يكون على شرِّيرٍ كذَّابٍ كثيرِ الإثم وهم الكهَنة والمتنبِّئة، ومحمَّد ﵇ يشتمُ الأفَّاكين ويذمُّهم، فكيف تنزلُ الشَّياطينُ عليه؟! وإنَّما زادَ كلمة ﴿كُلِّ﴾ اعتباراً لِمَا في ﴿مَنْ﴾ مِن معنى العموم، وإلَّا فلا حاجةَ إليه في أصل الكلام.

стр. 3367

(٢٢٣) - ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. وثانيهِما: ما ذكرَه بقوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ أي: الأفَّاكون يلقونَ السَّمعَ إلى الشَّياطين، فيتلقَّون منهم ظنوناً وأماراتٍ لنُقصان علمِهم، فيضمُّون إليها على حسب تخيُّلاتهم أشياءَ لا تُطابق أكثرَها، كما جاء في الحديث: "الكلمة يَخطَفُها (١) الجنِّيُّ، فيقُرُّها (٢) في أذن وليِّه، فيزيد فيها أكثرَ مِن مئةِ كَذْبَةٍ" (٣). ولا كذلك محمَّدٌ ﵊، فإنَّه أخبرَ عن مغيَّباتٍ كثيرةٍ لا تُحصَى، وقد طابق كلُّها. و ﴿يُلْقُونَ﴾ حالٌ؛ أي: تنزِلُ مُلقينَ السَّمع، أو صفةُ ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ﴾؛ لأنَّه في معنى الجمع، فيكون في محل الجرِّ، أو استئناف فلا يكون له محلٌّ من الإعراب، كأنَّه قيل: لِمَ تنزلُ على الأفَّاكين؟ فقيل: لأَنَّهم يفعلون كيْتَ وكيْتَ. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أكثرُ الأفَّاكين ﴿كَاذِبُونَ﴾: يفترون على الشَّياطين ما يُوحون إليهم. واختصاصُ هذا النَّوع مِن الكذبِ بأكثرهم لا ينافي تناولَ جنس الكذبِ كلَّهم. * * * (٢٢٤) - ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وأتباعُ محمَّد ﵊ ليسوا كذلك، وهو استئنافٌ أبطلَ كونَه شاعراً.

стр. 3368

(٢٢٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شِعْب مِن القَولِ، واعتسافِهم، وقلَّةِ مبالاتهم، بالغُلُوِّ في المنطقِ (١)، ومجاور الحدِّ في القصدِ، حتى إنهم يفضِّلون (٢) أجبنَ النَّاسِ على عنترة، وأشحَّهم على حاتم، وبَهَتوا البريءَ، وفسَّقوا التَّقيَّ. * * * (٢٢٦) - ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ وذلك لغلوِّهم في أفانين الكلام، ولَهجهم بالفصاحة والمعاني اللَّطيفة، وقد ينسبون لأنفسهم ما لا يقع منهم. لَمَّا كان إعجازُ القرآن مِن جهة المعنى واللَّفظ، وقد قدحوا في المعنى بأنَّه ممَّا تنزَّلُ (٣) به الشَّياطين، وفي اللَّفظ بأنَّه مِن جنسِ كلام الشُّعراء = تكلَّمَ في القِسْمَيْنِ، وبيَّنَ منافاةَ القرآنِ لهما، ومضادَّة حالِ الرَّسول ﵇ بحالِ أربابهما. * * * (٢٢٧) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناءٌ للشُّعراءِ (٤) مِن المؤمنين الصَّالحين؛

стр. 3369

كعبد اللّه بن رواحة، وحسَّان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: كان ذكرُ اللّهِ وتلاوةُ القرآنِ أغلبَ عليهم مِن الشِّعرِ، وإذا قالوا شعرا قالوه في التَّوحيد باللّه تعالى والثَّناء عليه. ﴿وَانْتَصَرُوا﴾: وهَجَوا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: هُجُوا (١)؛ أي: رَدُّوا هجاءَ مَن هجا رسول اللّه ﷺ والمسلمين. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تهديدٌ شديدٌ؛ لِمَا في ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ مِن الوعيدِ البليغِ، وفي ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِن الإطلاق والتَّعميم، وفي: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ - أي: بعدَ الموت - من الإبهام والتَّهويل. وقرئ: (أيَّ منفلَتٍ ينفلتون) بالفاء والتَّاء (٢)، ومآلُ المعنى واحدٌ، ذكره الثعلبي (٣). ختم السُّورة بما يقطِّع أكبادَ المتكبِّرين (٤) المنذَرين (٥). * * *

стр. 3370

سُورَةُ النَّمْلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿طس تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى السُّورة. ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ عطفَه على ﴿الْقُرْآنِ﴾ كعطفِ إحدى الصِّفتَيْن على الأخرى، وتنكيرُه للتَّعظيم. وإبانته: أنَّه يبيِّنُ (١) ما أُوْدِعَ فيه مِن الحِكَمِ والأحكام، أو الصحَّة (٢) بإعجازِه. وإنَّما عرَّف القرآن ونكَّر الكتاب على عكس ما في (سورة الحجر) لأنَّهما اسمان علَمان للمنزَّلِ على نبيِّنا ﵊، ووصفان له باعتبار معناهما الأصليَّين، فأيُّهما جُعِلَ أصلاً والآخر صفةً صحَّ. و ﴿وَكِتَابٍ﴾ قرئ بالرَّفع (٣) على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامَه، على معنى: وآياتُ كتابٍ مبين. * * *

стр. 3371

(٢) - ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿هُدًى﴾ للبشر ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حالان من الآيات، والعامل فيها معنى الإشارة، أو بدَلان منها، أو من ﴿وَكِتَابٍ﴾، أو صفةٌ له، أو خبران آخران، أو خبران (١) لمحذوف؛ أي: هي هدى. * * * (٣) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ تقدَّم تفسيره في سورة البقرة. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ مِن تتمَّة الصِّلة، والواو للحال أو للعطف. وتغيير النَّظم للدِّلالة على قوَّة يقينهم وثباتهم، وأنَّهم الأوحديُّون فيه، أو استئناف كأنَّه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون (٢) بالآخرة، ويدلُّ عليه أنَّه عقد جملة اسمية وكرَّر فيها المبتدأ حتى صارَ معناها: وما يوقن بالآخرة حقَّ الإيقان إلَّا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح (٣)؛ لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمُّل المشاقِّ. * * * (٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ القبيحةَ بخلق الشَّهوة فيهم، حتى رأوا ذلك حسناً كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقد

стр. 3372

مرَّ البحث مستوفًى في إسناد التَّزيين إليه تعالى في تفسير سورة البقرة (١). ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتحيَّرون ويتردَّدون في ضلالتهم، كما يكون حال الضَّالِّ عن ا لطَّريقِ. * * * (٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ لم يؤمنوا ﴿لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ بما كان منهم (٢) مِن سُوءِ الأعمال. ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: أشدُّ النَّاس خسرانًا لفواتِ التَّوبةِ واستحقاقِ العقوبةِ. * * * (٦) - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أي: يُلقَى عليك بشدَّةٍ. ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾: مصيبٍ في أقوالِه وأفعالِه ﴿عَلِيمٍ﴾ بكلِّ شيءٍ وأحوالِه، فليس الأوَّل منهما مشتملاً على الآخر حتى يكون حقُّه التَّأخير، والتَّنكيرُ فيهما للتَّعظيم. وهذه (٣) الآيةٌ تمهيدٌ لِمَا يريدُ أنْ بعدها مِن القَصص، وما ذلك مِن لطائفِ حكمتِه ودقائقِ علمِه. * * *

стр. 3373

(٧) - ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: اذكر قصَّة إذ قال موسى، وقيل: متعلِّق بـ ﴿عَلِيمٍ﴾. ﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ الإيناسُ: الإحساسُ بالشَّيءِ مع سُكونِ النَّفسِ إليه. ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾؛ أي: عن حال الطَّريق؛ لأَنَّه قد ضلَّها. روي أنَّه لم يكن معه غير امرأته، وإنَّما وَرَدَ (١) الخطاب بلفظ الجمع لكنايته عنها بالأهل؛ إقامةً لها مقامَ الجماعة في الأُنْسِ بها والسُّكون إليها في الأمكنةِ الموحشةِ. والسِّين للتَّقريبِ، وتقليلِ مدَّة الوعد؛ كيلا تَستَوحِشَ (٢)، وفي التَّعبير بالإيناس دون الإبصار نوعُ تمهيدٍ لهذا. ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾: القطعة من النَّار، والشِّهابُ: ما يمتدُّ منها، وإضافته إليه لأنَّه يكون قبسًا وغير قبسٍ. وقرئ منونًا (٣) على أنَّ القَبَسَ بدلٌ منه، أو وصفٌ له؛ لأنَّه بمعنى المقبوس. والعِدَتان على سبيل الظَّنِّ، ولذلك عبَّرَ بصيغة التَّرجِّي في موضع آخر، والتَّرديدُ لبيانِ عدم الخلوِّ بناءً على العادة، فلا ينافي الجمع (٤)، وبيانِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما أمرٌ مهمٌّ باعثٌ للسَّعي في تحصيله.

стр. 3374

﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ رجاءَ أن تستغيثوا بها مِن البرد، والطَّاء بدل من (١) التَّاء الافتعاليَّة لأجل الصَّاد. * * * (٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾؛ أي: النَّار التي أبصرَها. ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخفَّفةٌ مِن الثَّقيلةِ، تقديرُه (٢): بأنَّه بُورِكَ، والضَّميرُ ضميرُ الشَّأنِ، وجاز ذلك مِن غير عوضٍ لأنَّ قولَه: ﴿بُورِكَ﴾ دعاءٌ، والدُّعاء (٣) يخالف غيره في أحكامٍ كثيرةٍ. أو مفسِّرةٌ؛ لأنَّ في النِّداء معنى القول. ﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: جعل البركة والخير قسمَيْن (٤): في مكان النَّار وهم الملائكة، ومَن حولَ مكانِها؛ أي: موسى ﵇ بحدوثِ أمرٍ دينيٍّ. وفي تصدير الخطاب بذلك بشارةٌ بأنَّه قد قُضِيَ له أمرٌ عظيمٌ تنتشرُ (٥) بركته في أقطار الشَّام. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ و مِن تمامِ ما نُوديَ به؛ لئلَّا يتوهَّم مِن سماع كلامه

стр. 3375

تشبيهًا، أو للتَّعجيب (١) مِن ذلك الأمرِ، أو تعجُّبٌ مِن موسى ﵇ لِمَا دهاه (٢) مِن عظمتِه. * * * (٩) - ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ الهاء للشَّأن، و ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ جملةٌ مفسِّرة له، أو للمتكلِّم (٣) و ﴿أَنَا﴾ خبره، و ﴿اللَّهُ﴾ بيانٌ له. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان للهِ ممهِّدتان لِمَا أراد أنْ يُظهِرَ على يده من المعجزة لمصلحةِ إثباتِ النُّبوَّةِ. * * * (١٠) - ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُه يُفهَم مِن التَّفصيل المذكور في سورة طه، لا على ﴿بُورِكَ﴾؛ لأنَّ الفصل بينهما بتجديد النِّداء في قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ يأباه. ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ حالٌ من المفعول، والاهتزازُ: تحرُّكٌ بحركتَيْنِ متدافِعَتَيْنِ. ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ أي: حيَّةٌ سريعةُ الحركةِ. ﴿وَلَّى﴾ و موسى ﵇ ﴿مُدْبِرًا﴾: أعرضَ عنها، وجعلها تلي ظهرَه خوفًا منها بمقتضى البشريَّة.

стр. 3376

﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾: لم يرجع، يقال: قد عقَّبَ فلانٌ: إذا رجعَ، يقاتل بعدَ أن ولَّى. فنُودِيَ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾؛ أي: مِن غيري (١) ثقةً بي (٢)، وحُذف المفعول لظهوره، أو مطلقًا على تنزيل المتعدِّي منزلةَ اللَّازم. ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: لا ينبغي لهم أن يخافوا حالَ تقريبي إيَّاهم بالخطاب، وفيه إشارة إلى أنَّ تلك الحالة كانت مقدِّمة للرَّسالة (٣). * * * (١١) - ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استثناءٌ منقطعٌ، استدرك به ما يختلج في الصَّدر (٤) مِن نفي الخوف عن كلِّهم، ومنهم مَن فَرَطتْ منه صغيرة، فإنَّهم وإنْ فعلوها أَتبعوا فعلها ما يُبطلها (٥)، ويستحقُّون مِن اللهِ مغفرةً ورحمةً. ولم يقصدْ به تعريضَ موسى ﵇ بوكزِه القِبطيَّ؛ لأنَّه ﵇ لم يكن وقتئِذٍ (٦) مرسلًا. وقيل: متَّصل، و ﴿ثُمَّ بَدَّلَ﴾ مستأنَفٌ معطوفٌ على محذوفٍ؛ أي: ومَن ظلم ثمَّ

стр. 3377

بدَّل حُسنًا؛ أي: أتى بالتَّوبة بعد سُوءٍ متبدِّلًا (١) له بالحسن؛ أي: كان ذلك منه سببًا بتبديل السَّيئة بالحسنة. وفي التَّعبيرِ عنها (٢) بالحُسْنِ مبالغةٌ في حسنها؛ لبعدِها مِن مَظنَّة شَوبِ الرِّياء والشَرك، فإنَّ العَمَلَ قلَّما يخلو عنه (٣)، وهذا البَدَلُ لَمَّا لم يحصلْ بالعمَلِ خلَصَ عنه. * * * (١٢) - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ إنَّما قالَ: ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ لأنَّه كان عليه مَدْرَعَةُ صوفٍ لا كُمَّ له. ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ فيه جمعٌ (٤) بينَ أمرَي التَّكليفِ والتَّكوينِ. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: قبحٍ، لَمَّا كانَ خروج الشَّيء مِن خِلقتِهِ وجوهرِهِ ممَّا (٥) يُستقبَحُ ويُستقذَرُ أخبرَ أنَّه لم يكنْ كذلكَ. وأمَّا احتمالُ البَرَصِ فبِمَعزلٍ عن هذا المقامِ، مثلُ ذلك لا يخطرُ بالبالِ في أمثال (٦) هذه الآيات العِظام حتى يُحتاجَ إلى دَفعِهِ (٧).

стр. 3378

﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: آيةً في تسعِ آياتٍ، وهي: العصا واليد والطُّوفان والجراد والقُمَّلَ والضَّفادع والدَّم والطَّمسة والجدب ونقصان الزَّرع (١). وأمَّا الفَلْقَ فليس منها؛ لأنَّه ﵇ لم يُبعَثْ به. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ أي: مرسلًا. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليلٌ للإرسالِ. * * * (١٣) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾ لم يقل: جاءَهم موسى ﵇ بها؛ لأَنَّها كانت خارجةً عن حيِّزِ طاقته، وفي بعضها لم يكن منه ﵇ تصرُّفٌ عاديٌّ. ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: ظاهرةً بيِّنةً، جُعِلَتْ كأنَّها تُبْصِرُ فتَهدي؛ لأنَّ العُمْيَ لا تقدرُ على الاهتداء، فضلاً عن أن تَهديَ غيرها (٢)، ومنه قولهم: كلمةٌ عَيناءُ، وكلمة عوراءُ؛ لأنَّ الكلمةَ الحسنةَ تُرشِدُ، والكلمةَ العوراءَ تُغوي، فهو مِن قَبيلِ الاستعارة المَكْنيَّة، وهي أبلغُ مِن المجازِ. ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: واضح سحريَّته، قُوبل بين المبصرة والمبين. * * * (١٤) - ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ يُقالُ: جَحَدَ حقَّه وبحقِّه بمعنًى، ذكره في "الدِّيوان" (٣).

стр. 3379

والجحودُ: هو الإنكارُ للشَّيءِ للجهلِ به، وقد يكونُ بعدَ المعرفة تعنُّتًا. والو أو في: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ للحال، و (قد) بعدها مضمَرةٌ، والاستيقانُ أبلغُ مِن ا لإيقانِ. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: جَحدوها بألسنتهم، وقد استيقنوها بقلوبهم. وفي التَّعبير بـ ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ عن قلوبهم تنزيلٌ (١) لآلةِ الإقرار منزلةَ الترجمان. ﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم ﴿وَعُلُوًّا﴾: ترفُّعًا عن الإيمان، وانتصابهما على العلِّيَّة من (جحدوا). ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهو الإغراق والإحراق في الدَّارَيْنِ. * * * (١٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ طائفةً مِن العلمِ، وهو علمُ الحُكْمِ والشَّرائع، أو: علمًا أيَّ علمٍ. ﴿وَقَالَا﴾ الواو فصيحةٌ، تُفصح عن محذوفٍ تقديرُه: ففعَلا (٢) شكرًا لله تعالى ما فَعلا ممَّا لا يفي ببيانه (٣) العبارة، وقالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أرادَ بالكثيرِ (٤) المفضلِ عليه مَن لم

стр. 3380

يؤْتَ مثلَ علمها، دلَّ على ذلك تقييدُهم بالإيمان، فإنَّ المؤمن لا يخلو عن علمٍ، وفيه إخراجٌ للكفَّار عن حيِّزِ الاعتبار، وتعظيمٌ لنعمة التَّفضيل بتوصيف المفضَّل عليه بوصفٍ جليل، ودليل على فضلِ العلمِ وشرفِ أهلِه، حيثُ شَكرَا على العلمِ وجعلاه أساسَ الفضلِ، ولم يعتبرا دونه ممَّا (١) أُوتِيا مِن الملك الذي لم يؤتَ غيرَهما، وتحريضٌ للعالِمِ على أنْ يحمدَ اللهَ تعالى على ما أتاه مِن فضلِهِ، وأنْ يتواضَعَ ويعتقدَ أنَّه وإنْ فُضِّلَ على كثيرٍ فقد فُضِّلَ عليه كثيرٌ، أو تساويا. * * * (١٦) - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ النُّبوَّةَ والملكَ، بأنْ قامَ مقامَه في ذلك بعدَ موتِه (٢)، ولهذا قال: ﴿وَوَرِثَ﴾ فإنَّ حقيقةَ الميراثِ: انتقالُ التَّركةِ مِن مِلْكٍ إلى مِلْكٍ. والتركةُ: ما بقيَ بعدَ الموتِ، واستُعير هاهنا لِما ذكر. وأمَّا العلم (٣) فقد شاركَ أباه فيه، بل ترجَّح (٤) عليه حالَ حياته على ما أفصحَ عنه قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٥) [الأنبياء: ٧٩]. ﴿وَقَالَ﴾ تشهيرًا لنعمة الله تعالى، واعترافًا بمكانها، ودعاة للنَّاس بذكرِ المعجزةِ التي هي عِلْمُ منطقِ الطَّير وغير ذلك مِن عظائمِ ما أوتيه.

стр. 3381

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ النُّطقُ والمَنْطِقُ في المتعارَف: الأصواتُ المقطعة التي يُظْهِرُها اللِّسانُ وتَعيها الآذانُ، ولا يُقالُ لغير الإنسان إلَّا على سبيلِ التَّبعِ؛ نحو: النَّاطق والصَّامت، لِمَا له صوتٌ ولما لا صوتَ له. ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ المرادُ به: كثرةُ ما أوتي، كما يُقال: فلانٌ يعلمُ كلَّ شيءٍ، ويعضدُه كلُّ أحدٍ. والضَّمير في ﴿عُلِّمْنَا﴾ و ﴿وَأُوتِينَا﴾ له ولأبيه، أو له وحدَه، وهذه النُّونُ نونُ الواحدِ المُطاعِ، فكانَ مَلِكًا مُطاعًا يكلِّم (١) أهلَ طاعته (٢) على صفته وحاله التي كان عليها. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ قولٌ واردٌ على سبيلِ الشُّكرِ، كقوله ﵇: "أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ" (٣)؛ أي: أقولُ هذا القولَ شكرًا ولا أقولُه (٤) فخرًا. * * * (١٧) - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ﴾؛ أي: جُمِعَ مِن جهاتٍ مختلفةٍ. ﴿جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأنَّ مقامَ التَّسخيرِ لا يخلو مِن نوعِ تحقيرٍ (٥).

стр. 3382

﴿وَالطَّيْرِ﴾ لو كان فيها جنسٌ آخر لذكره هنا. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يُمْنَعون عن التَّفرُّقِ والانتشار حتى يجتمعوا في مسيرهم، وذلك أحسنُ في الهيئةِ وأهيبُ في الرُّؤيةِ. * * * (١٨) - ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ ضمَّنَ ﴿يُوزَعُونَ﴾ معنى فعلٍ يصلحُ أن تكون (حتى) غايةً له؛ أي: فهُم يسيرون لُفُوفًا (١)، لا يفارق بعضهم بعضًا. ﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ هو وادٍ بالشَّام كثيرُ النَّمل، وعُدِّي ﴿أَتَوْا﴾ بـ ﴿عَلَى﴾ إمَّا لأنَّ إتيانهم كان مِن فوق، أو لأنَّه أريد معنى قطع الوادي وبلوغِ آخره.

стр. 3383

﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ تاؤها للوحدة، وهي في حكم المؤنَّث اللَّفظي، جاز أن يعامل معاملته، كتمرٍ وتمرة، فلا دلالة فيه على كونه أنثى. ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ لم يقلْ: (ادخلْنَ) لأنَّه جعلها قائلة والنَّمل مَقولًا لهم، كما يكون في أولي العقل، فأجرى خطابَهم مجرى خطابِهم. ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ هو الحَطْمُ: الكَسْرُ. ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ نهى سليمانَ ﵇ عن الحَطْمِ، والمرادُ نهيُها عن التَّوقُّف بحيث يحطمونها، كقولهم: لا أرينَّك هاهنا، فهذا استئنافٌ، أو بدلٌ مِن الأمرِ، لا جوابٌ له فإنَّ النُّونَ لا تدخله في السَّعة. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم يحطمونكم، إذْ لو شعروا لم يفعلوا. قالَتِ النَّملةُ ذلك على وجهِ العُذْرِ ووَصْفِ سليمانَ وجنودِه بالعدلِ. * * * (١٩) - ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿فَتَبَسَّمَ﴾ و الفاء فصيحة، تُفْصِحُ عن محذوفٍ، تقديرُه: سمِعَ سليمانُ كلامَها فتبسَّمَ. ﴿ضَاحِكًا﴾ شارعًا في الضَّحكِ، آخذًا فيه. ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ متعجِّبًا مِن حذرِها وتحذيرِها واهتدائِها لمصالحها ونصيحتها للنَّمل، أو فرحًا لظهور عدله. وإنَّما قال: ﴿ضَاحِكًا﴾ لأنَّ التَّبسُّم قد يكون مِن غضبٍ، وقد يكون مِن استهزاءٍ، وتبسُّمُ الضَّحكِ لا يكونَ إلَّا عن سرورٍ.

стр. 3384

فإنْ قلْتَ: الظَّاهر مِن هنا أنَّ سليمان ﵇ كان عالمًا بلسان غير الطَّيرِ مِن الحيوانات، فما وجهُ تخصيصه بالذِّكر في مَقامِ إظهارِ الشُّكرِ على ما آتاه الله تعالى مِن جلائل النِّعم؟ قلْتُ: قد أجابَ الشَّعبيُّ عن هذا حيث قال: كانَ للنَّملةِ جناحان، فصارَتْ مِن الطَّيرِ، فلذلك علمَ سليمانُ مَنطقَها، ولولا ذلك لَمَا علمَه (١). ﴿وَقَالَ﴾ سائلًا توفيقَ شكر تلك النِّعم الجليلة: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾؛ أي: يسِّرْ لي الشُّكرَ وازِعًا إيَّاه، ووزعُ الشُكر كنايةٌ عن وزعِ مُوجبِه وهو النِّعمة، فهو كلام في غاية الفصاحةِ. ﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ و أدرجَ فيه ذكر والديه تكثيرًا للنِّعمةِ. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ تمامًا للشُّكرِ واستدامةً للنِّعمةِ. ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: في عدادهم الجنَّة. * * * (٢٠) - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ حقيقةُ التَّفقُّد: تعرُّفُ فُقدانِ الشَّيء. ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ بدأَ أوَّلًا بنفسه، ثمَّ قال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ قرينُه: أحادَ بصري عنه بسببٍ؟ ولَمَّا كانَ المذكور في قوَّته نُزِّلَ منزلَتَهُ، وعُطف عليه على سبيل العطف من جهة المعنى، وكأنَّ الغالب على ظنِّه هذا الاحتمال، على ما دلَّ عليه عبارة ﴿كَانَ﴾، فلذلك قال:

стр. 3385

(٢١) - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ كَنَتْفِ ريشِه وإلقائِه في الشَّمس أو حيث النَّملُ يأكلُه، أو جعلِه مع ضِدِّه في قفصٍ. ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ ليَعتبرَ به أبناءُ جنسِه. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجَّةٍ تبيِّنُ عذرَهُ. والسُّلطانُ في الأصل: إظهارُ ما يتسلَّطُ به. والحلفُ في الحقيقةِ على أحدِ الأمرَيْنِ بتقديرِ عدم الثَّالث، لكنْ لَمَّا اقتضى ذلك وقوعَ أحدِ الأمور الثَّلاثةِ ثلَّثَ المحلوف عليه بعطفه عليهما. * * * (٢٢) - ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. ﴿فَمَكَثَ﴾؛ أي: كان غائبًا فمكَثَ، فالفاء فصيحة. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾؛ أي: لبثَ زمانًا غيرَ بعيدٍ عن وقتِ تفقُّدِه، يريد به الدِّلالة على سرعة رجوعه خوفًا منه ﵇. ولَمَّا كان المذكور في وقت (١) الإخبار عن مجيئِه عن قريبٍ رتَّب عليه قوله: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا﴾ علمْتُ مِن جميع جهاتِه شيئًا ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يعني: حال سبأ (٢). وفي مخاطبته إيَّاه بذلك تنبيهٌ له على أنَّه في أدنى خلق الله تعالى مَن أحاطَ

стр. 3386

علمًا بما لم يحطْ به؛ لتتحاقرَ إليه نفسُه، ويتصاغرَ لديه علمُه، ويكونَ لطفًا في ترك الإعجابِ الذي هو فتنةُ العلماءِ. ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ قرئ مصروفًا على آَنه اسم للحيِّ أو للأب الأكبر، وغيرَ مصروفٍ على تأويل القبيلة أو البلدة (١). ﴿بِنَبَإٍ﴾: بخبرٍ له شأنٌ. أتى بهذا النَّوعِ مِن الإطناب مِن جهة المعنى تشويقًا له حتى تنكسرَ سَورَةُ غضبِه (٢). ﴿يَقِينٍ﴾: مُحقَّق. * * * (٢٣) - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾ يعني: بلقيس بنتَ شراحيل (٣)، وإنَّما قال: ﴿وَجَدْتُ﴾ دون: رأيت، إشعارًا بغرابةِ الحالِ، حيث كانَتْ بتلكَ العظمةِ والشَّوكةِ وقربِ المكان مجهولةً لسليمان ﵇ وأصحابِه (٤).

стр. 3387

﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ الضَّمير لسبأ أو لأهلها، وإنَّما لم يقلْ: تملكها؛ لأنَّه أرادَ بيان ملكها وسلطنتها، وتعيينُ ذلك بالإضافة إلى أهل الدِّيار، لا بالإضافة إليها، ففيه أيضًا تقويةٌ لمعنى الغرابة المقصودة بعبارة النَّبأ، حيث كانت امرأةً ملكةَ قبيلةٍ عظيمةٍ. ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قد نبَّهْتُ فيما تقدَّمَ أنَّ المرادَ مِن (كلّ شيء) في مثل هذا: المبالغةُ في الكثرة، فمَن قيَّده بقوله: يحتاج إليه الملوك، فقد فوَّتَ تلكَ المبالغةَ. ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: سريرٌ كبيرٌ قَدْرًا أو قِيمةً. * * * (٢٤) - ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ﴾: يعبدونَ. ﴿لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أضلَّهم اللّه تعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ فالواو فصيحةٌ، والجملةُ معطوفةٌ على مقدَّرٍ. ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مِن عبادةِ الشَّمس وغيرِها مِن قبائحِ الأفعالِ. ﴿فَصَدَّهُمْ﴾ مِن صدَّ السَّبيلُ (١): إذا اعترضَ دونَه مانعٌ من عقبةٍ أو غيرها فأخذتَ في غيره (٢)؛ ففيه ثلاثُ معانٍ: المنعُ والدَّفع والصَّرف.

стр. 3388

﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: طريقِ الحقِّ والصَّوابِ، وإنَّما أطلقَ السَّبيلَ لأنَّ السبَّيلَ الذي لا يجوز سُلوكُه ممنوعٌ، فكأنَّه ليس بسبيلٍ. ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ليه. * * * (٢٥) - ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أي: فصدَّهم لِأَنْ لا يسجدوا، أو: زَّين لهم الشَّيطان أعمالهم لِأَنْ لا يسجدوا (١)، فحذف الجار مع (أن)، فأدغمت النُّون في اللَّام، أو: زَّين لهم الشَّيطان أعمالهم أنْ لا يسجدوا، على أنَّه بدل من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، أو: لا يهتدون إلى أنْ لا يسجدوا، بزيادة (لا). وقرئ ﴿أَلَّا﴾ بالتَّخفيف على أنها للتنبيه و ﴿يَسْجُدُوا﴾ بمعنى: يا اسجدوا (٢)؛ نداءٌ، والمنادى مضمَر؛ أي: يا هؤلاء اسجدوا لله. وعلى هذا صحَّ أنْ يكون استئنافًا من سليمان ﵇ أو من الله، والوقفُ على ﴿يَهْتَدُونَ﴾، وكان أمرًا بالسُّجودِ، وعلى الأوَّل ذمًّا على تركه، وعلى الوجهَيْن يقتضي وجوبَ السُّجودِ في الجملةِ، لا عندَ قراءتها. ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخبء: ما يخفَى في غيره، وإخراجُه:

стр. 3389

إظهارُه، وهو يعمُّ إشراقَ الكواكبِ، وإنزالَ الأمطارِ، وإنباتَ النَّباتِ، بل الإنشاء، فإنَّه إخراجُ ما في الشَّيءِ بالقوَّة إلى الفعل، والإبداع فإنَّه إخراجُ ما في الإمكان والعَدم إلى الوجوب والوجود، ومعلومٌ أنَّه يختصُّ بذاته. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (١) وصفٌ له تعالى بما يوجبُ اختصاصَه باستحقاقِ السُّجود مِن التَّفرُّد بكمالِ القُدرةْ والعِلمِ، حثًّا (٢) على السُّجود، وردًا (٣) على مَن يسجدُ لغيره. وتقديم ﴿مَا تُخْفُونَ﴾ على ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ مع أنَّ مقتضى أسلوب التَّرقي تأخيرُه عنه؛ للتَّسوية بين جُزْئَي الكلامِ في الاهتمام. * * * (٢٦) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الذي هو أوَّلُ الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتِها، فبينَ عظمِه وعظمِ عرشِها (٤) بونٌ بعيدٌ. وقرئ: ﴿الْعَظِيمِ﴾ بالرَّفع نعتًا لله تعالى (٥)). * * *

стр. 3390

(٢٧) ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾ ﵇ للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ مِن النَّظرِ بمعنى التَّأمُّل ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرْتَ. ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا أبلغ مِن: أكذبْتَ؛ لأنَّه إذا كان معروفًا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبًا لا محالة، وإنَّما استحقَّ هذه المبالغة على تقدير الكذب لأنَّه أخبر بأمرٍ عظيمٍ، وبالغَ فيه. * * * (٢٨) - ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ﴾ إنَّما أمرَه بالإلقاء لأنَّ الطَّائر لا يمكنُه تبليغُ الكتاب مقاولةً، إلَّا أنَّه ضمَّنه معنى الإيصال، ولذلك قال: ﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: اطْرَحه على وجهٍ يصلُ إليهم. ولَمَّا كانَ المقامُ مقامَ التَّأنِّي الذي يقتضي قَدْرًا مِن الزَّمان نبَّهَ عليه بقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: تنحَّ عنهم إلى مكانٍ قريبٍ، بحيث تراهم ولا يروْنَك؛ ليكون ما يفعلونه بمنظرٍ منك، على ما دلَّ عليه قولُه: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ مِن الرَّجْعِ لا مِن الرُّجوعِ؛ أي: ماذا يردُّون في مقابلةِ كتابنا. * * * (٢٩) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾؛ أي: قالَتْ ملكةُ سبأ لأشرافِ قومِها بعدما فعل الهدهدُ ما أُمِرَ به.

стр. 3391

﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾: حَسَنٌ مضمونُه، أو: مختوم، قال ﵇: "كرمُ الكتاب ختمُه" (١). * * * (٣٠ - ٣١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قيل لها: ممَّنْ هو؟ فقالت: إنَّه؛ أي: إنَّ الكتابَ. ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: وإنَّ المكتوبَ أو المضمونَ (٢). وقرئ بالفتح (٣) على الإبدال من ﴿كِتَابٌ﴾، أو التَّعليلِ لكرمه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا﴾: لا (٤) تترفَّعوا ﴿عَلَيَّ﴾ و (أنْ) مفسِّرة أو مصدريَّة، فيكون بصِلَته خبرَ محذوفٍ؛ أي: هو أو المقصودُ أنْ لا تعلوا، أو بدلٌ من ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: منقادين. قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ صريحٌ في أنَّ الدَّعوة كانت دعوة السَّلطنة لا دعوةَ النُّبوَّة.

стр. 3392

(٣٢) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾. ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾: أشيروا عليَّ ﴿فِي أَمْرِي﴾: في الأمر الذي نزل بي. والفتوى: الجوابُ في الحادثة، اشتُقَّتْ (١) على طريق الاستعارة من الفتيِّ في السّنِّ، والمرادُ هاهنا: الإشارةُ عليها بما عندهم مِن الرَّأي. وقصدُها بالرُّجوع إلى استشارتهم: تطييبُ نفوسِهم ليمالئوها ويقوموا معها (٢)، ولذلك قالت: ﴿مَا كُنْتُ﴾ في الزَّمان الماضي ﴿قَاطِعَةً﴾: قاضية ﴿أَمْرًا﴾؛ أي: ممضيةً حكمًا. ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ بكسر النون، والفتح لحنٌ؛ لأنَّ النُّون إنَّما تُفتَح في موضع الرَّفع، وهذا موضعُ النَّصب، وأصله: تَشهدونني، فحذفت النُّون الأولى للنَّصب، والياءُ لدلالة الكسرة عليها، وبالياء في الوصل والوقف (٣)؛ أي: تَحضروني؛ أي: كانت عادتي أنْ لا أبتَّ أمرًا إلَّا بحضرتكم، فكيف في هذه النَّازلة الكبرى؟! فراجعَها الملأُ بما يُقِرُّ عينَها مِن إعلامِهم إيَّاها بأنهم أولو (٤) القوة والبأس، ثمَّ سلَّموا الأمرَ إلى نظرها، وهذه محاورةٌ حسنةٌ مِن الجميعِ. * * * (٣٣) - ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾. ﴿قَالُوا﴾ مجيبينَ لها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أرادوا بالقوَّةِ قوَّةَ الأجساد

стр. 3393

والآلات، وبالبأس: النَّجدة والبلاء في الحرب؛ أي: قادرون على القتال لا فتورَ فينا ولا قصورَ لوُفور عَددنا وعُددنا، وإنَّما قدَّموا هذا الكلام لكيلا تتوهَّم العجزَ مِن تفويض الأمر إليها بقولهم: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ موكول ﴿انْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ من الحرب والصُّلح، نطيعك ونمتثِل أمرَكِ. * * * (٣٤) - ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ﴾ أتى بصيغة الجمع تنصيصًا على تعميم الحكم للأفراد؛ فإنَّ في الجنس احتمالَ الخصوص. ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ يعني: عنوةً، بقرينة قوله: ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ بالتَّخريبِ ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾: أهانوا أشرافَها لتستقيمَ لهمُ الأمور. زَّيفَتْ ما أحسَّتْ منهم مِن الميل إلى المحاربة بادِّعائهم أسبابَ الغلبة، وذكرَتْ لهم سوءَ عاقبة الحرب، وأشعرَتْ بأنَّها ترى الصُّلحَ مخافةَ أنْ يتخطَّى سليمان ﵇ خططَهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم (١). ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تأكيدٌ لِمَا وصفَتْ مِن حالِهم، وتقريرٌ بأنَّ ذلك عادتُهم الثَّابتةُ المستمرَّة، أو تصديقٌ لها من الله تعالى. * * *

стр. 3394

(٣٥) - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ورسولًا ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾ بيان لِمَا ترى تقديمه في المصالحة. ﴿فَنَاظِرَةٌ﴾: منتظر ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ بالرِّعاية أو بالإهانة، حتى أعملَ بحسب ذلك. ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾: الرَّسولُ ومَن أُرْسِلَ معَه. * * * (٣٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: الرَّسولُ، وقرئ: (فلمَّا جاؤوا) (١)؛ أي: المرسلون سليمان (٢). ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ خطاب للرَّسولِ ومَن معَه، أو الرَّسولِ والمرسِل على تغليب المخاطَب، استفهامٌ إنكاريٌّ، فالفاء في قوله: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ تعليليَّة؛ أي: فالذي أعطاني الله تعالى مِن النُبوَّة والملك وسخَّر لي الجنَّ والإنس والرِّيح والطَّير والوحش ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ فلا حاجةَ لي بهديَّتكم، ولا وَقْعَ لها عندي. ﴿بَلْ﴾ إضراب عن إنكارِ الإمداد بالمال عليه وتعليلِه (٣) إلى بيان السبب

стр. 3395

الذي حملهم عليه، وهو قياسُ حاله على حالهم في قصور الهمَّة بالدُّنيا والزِّيادة فيها. ﴿أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ والهديةُ: اسمٌ لِمَا يُهدَى، كما أنَّ العطيَّةَ اسمٌ لِمَا يُعطَى، فتضاف إلى المهدِي والمهدَى له، تقول: هذه هديةُ فلانٍ؛ تريد: الذي أهداها، أو أهدِيَتْ له. ﴿تَفْرَحُونَ﴾ لأنَّكم لا تعلمون إلَّا ظاهرَ الحياة الدُّنيا، فتفرحونَ بما يُهدَى إليكم لزيادةِ أموالِكم، أو بما تهدونه افتخارًا على أمثالِكم. * * * (٣٧) - ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. ﴿ارْجِعْ﴾ خطابٌ للرَّسولِ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى بلقيسَ وقومِها. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾؛ أي: إنْ لم يأتوني مسلمين فلنأتينَّهم ﴿بِجُنُودٍ﴾ بأنواع من الجند (١) ﴿لَا قِبَلَ﴾: لا طاقةَ ﴿لَهُمْ بِهَا﴾ وحقيقةُ القِبَلِ: المقابلةُ والمقاومةُ؛ أي: لا يقدرون أن يقابلوهم (٢). ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾: مِن ديارهم ﴿أَذِلَّةً﴾ الذُّلُّ: أنْ يذهبَ عنهم ما كانوا فيه مِن العزِّ والملكِ. ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الصَّغارُ: أنْ يقَعوا في أسرٍ واستعبادٍ. فلمَّا رجع إليها رسولُها بالهدايا، وقصَّ عليها القصَّة، قالَتْ: هو مؤَّيدٌ مِن عندِ اللهِ تعالى، وما لنا به طاقةٌ، ثم جعلَتْ عرشَها في آخر سبعةِ أبيات، وغلَّقَتِ الأبوابَ، ووكَّلت حرسًا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان ﵇: إنِّي قادمةٌ

стр. 3396

إليك لأنظرَ ما الذي تدعو إليه، وشَخَصَتْ إليه في اثني عشرَ ألف قَيلٍ (١)، تحت كلِّ قَيلٍ ألوفٌ، فلمَّا بلغَتْ على رأس فرسخٍ مِن سليمان ﵇. * * * (٣٨) - ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾ سليمانُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ أراد أن يُريَها بذلك بعضَ ما خصَّه اللهُ تعالى به مِن إجراء العجائب على يده لتطَّلع على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوَّة سليمان ﵇ حتى تصدِّقَه (٢) وتؤمنَ به، ثمَّ إنَّه قصد في ضمن هذا فائدةً أخرى على ما تقف عليها. ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وإنَّما تعرَّض بوصف الإسلام إعلامًا بأن طلبه عرشها ليس طمعًا فيه؛ فإنَّ النَّبيَّ بمعزَلٍ عن مظنَّةِ الطَّمع في مالِ مَن علِمَ أنَّه يأتيه مسلِمًا، وأمَّا ما قيل: إنَّها لو أسلمَتْ لحظرَ عليه مالُها فلا يؤتى به؛ فإنَّما يصحُّ وجهًا لطلبه عرشها قبل إتيانها مسلِمةً، لا لتقييد (٣) أمرِه بذلك القيد (٤)؟ * * * (٣٩) - ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾. ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ العِفْرِيْتُ: الخبيثُ المنكَرُ المعَفِّرُ (٥) أقرانَه، ولا اختصاصَ

стр. 3397

له بالجنِّ، ولذلك احتيج (١) إلى البيان بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾. روي عن ابن عباس ﵄: أنَّه صخرٌ الجنِّيُّ (٢). ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ صالح للفعليَّة والاسميَّة ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: مجلسَه للقضاء، وهو مِن الغداة إلى نصف النَّهار. ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على الإتيان به ﴿لَقَوِيٌّ﴾: لقادرٌ، وإنَّما عبَّرَ عن القدرة بالقوَّة للحاجة في تحصيل ما ذكر إلى القدرة بالقوَّة. ﴿أَمِينٌ﴾ آتي به كما هو لا أختزلُ (٣) منه شيئًا، ولا أبدِّلُه. * * * (٤٠) - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. ﴿قَالَ﴾ الفصلُ بينَ القولَيْنِ لأنَّ أحدَ القائلَيْنِ لم يكن مِن جملة المخاطَبِين، والظَّاهرُ أنَّه هو الثَّاني منهما، واحتمال أن يكون المراد مِن القائل الثَّاني سليمان ﵇ يردُّه كافُ الخطابِ في ﴿آتِيكَ﴾؛ فإنَّ حقَّه حينئذٍ أنْ يقولَ (٤): (أنا آتي به)، وأيضًا لا يناسبه قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾، إنَّما المناسب حينئذٍ أن يقول: فلمَّا أتى به.

стр. 3398

والمشهور أنَّه آصفُ بن بَرخيا كاتبُ سليمان ﵇، ويناسبه التَّعبير عنه بقوله: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وفي التَّوصيف به إشارة إلى أنَّه ما قدرَ على ما قدرَ (١) عليه بقوَّةٍ حيوانيَّةٍ (٢)، بل بقوَّةٍ صمدانيَّة. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الطَّرْفُ: تحريكُ الأجفانِ؛ أي: ما بينَ امتدادِ الطَّرْفِ بفتحها وارتداده بطبقها، وليس فيه وضع الطَّرْفِ موضعَ النَّظرِ (٣). ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾؛ أي: العرشَ، والفاء فصيحة؛ أي: أَذن له سليمانُ ﵇ فأتى به فلمَّا رآه. ﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾: ثابتًا غيرَ مضطربٍ لديه، وقرارُه في موضعه أمرٌ آخر وراءَ حضورِه يحتاج إلى فضلِ زمانٍ بحسَب العادة، وبهذا الاعتبار كان لعبارة ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ فضيلةٌ على عبارة (حاضرًا). ﴿قَالَ﴾ تلقِّيًا للنّعمةِ بالشُكرِ: ﴿هَذَا﴾؛ أي: حصولُ مرادي، وهو حضورُ العرشِ في طرفةِ العينِ ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ عليَّ وإحسانِه إليَّ مِن غير استحقاقٍ منِّي. ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾: ليتعبَّدني في صورة الاختبار: ﴿أَأَشْكُرُ﴾ إنعامه ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾: أَجحد. ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّه يَحطُّ به عنها عبءَ الواجب، وَيصونها عن وَصْمةِ الكفران، ويستجلب به المزيد، ويُرتبَط به العتيد (٤).

стр. 3399

﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ حذف جزاءَه، وهو: فإنَّما يكفر على نفسه؛ أي: ضررُ كفرِه عليه لا يتعدَّاه؛ لظهوره بقرينة ما ذكر في قرينه، وأقيم تعليله مقامَه. ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن الشُّكرِ، لا (١) يتضرَّر إنْ لم يُشكَرْ. ﴿كَرِيمٌ﴾ بالإنعامِ، لا يتوقَّع عوضًا ولا يفعل لغرضٍ حتى ينفعل عند عدم حصولِه، فالوصفُ المذكور مِن تمامِ التَّعليلِ. * * * (٤١) - ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا﴾ أرادَ بتنكيرِ ﴿عَرْشَهَا﴾ تغيير معاهده (٢) عندها، ولذلك قال: ﴿لَهَا﴾، لا تبديل شكلها وتغيير هيئتها؛ إذ حينئذ يكون منكرًا مطلقًا، لا منكرًا عندها فقط، وأيضًا مدارُ الاختبار على التَّغيير في الجملة، وأمَّا وجه الاختبار فسيأتي تفصيلُه. ﴿نَنْظُرْ﴾ بالجزم على الجواب، وقرئ بالرَّفع على الاستئناف (٣). ﴿أَتَهْتَدِي﴾ إلى الجوابِ الصَّواب، وقيل: إلى الإيمان بالله ورسوله، وَيرِدُ عليه: أنَّه حينئذ لا حاجة إلى التَّنكير، بل لا وجهَ له؛ لأنَّ بقاءَه على حاله أعونُ على تحصيل هذا المراد، والله الهادي إلى سبيل الرَّشاد. ﴿أَمْ تَكُونُ﴾: أم يظهرُ كونُها ﴿مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يقدرون على الاهتداء.

стр. 3400

قالوا: إنَّ الشَّياطين خافوا أنْ يتزوَّجَها سليمان ﵇، فيولَدَ له منها ولدٌ يجتمع له فِطنةُ الإنسِ والجنِّ؛ لأنها كانت بنتَ جنِّيَّة، فيخرجون مِن ملْكِ سليمان إلى ملْكٍ هو أشدُّ وأفظع، فقالوا: إنَّ في عقلِها شيئًا، وهي شَعْراءُ السَّاقين، ورجلُها كحافر الحمار، فاختَبَر عقلَها بتنكيرِ العرشِ، وتعرَّف ساقيها ورجليها باتِّخاذ الصَّرْح على ما يأتي بيانُه، فالمرادُ مِن كونِها مِن الذين لا يهتدون: كونُها مِن الطَّائفةِ الحمقى، ومن هاهنا تبيَّن وجهُ الإطنابِ، واللّه أعلم بالصَّواب. * * * (٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ الفاء فصيحةٌ، والمقدَّرُ يظهرُ بأدنى تأمُّلٍ. ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ (ها) للتَّنبيه، والكاف للتَّشبيه، و (ذا) اسم الإشارة (١)، ولم يقل: أهذا عرشك؟ ولكنْ: أمثلُ هذا عرشُكِ؟ لئلا يكون تلقينًا (٢). ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فأجابَتْ (٣) أحسنَ جوابٍ؛ فلم (٤) تقل: (هو، هو)، ولا: (ليس هو)، وذلك مِن رَجاحة عقلِها، حيث لم تقطَع في المحتمِلِ للأمرَيْنِ، أو لَمَّا شبَّهوا عليها بقولهم: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ شبَّهَتْ عليهم بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، مع أنَّها علمَتْ عرشها. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ مِن تمامِ كلامِها؛ أي: وأوتينا العلم بقدرة الله وبصحَّة
следующие страницы →