← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

(٥٠) - ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾؛ أي: الإتيانَ بالكتاب الأهدى، فحذف المفعول للعلم به، وهذا الحذف شائعٌ عند ذِكْر الداعي، وتعديتُه إليه باللام، وإلى الدعاء بنفسه، وأمَّا قولُ الشاعر: فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عندَ ذاك مُجِيْبُ (١) فمعناه: فَلَم يَستجب دعاءَهُ، على حذف المضاف، فلا تعديةَ فيه إلى الداعي. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ إذ لو اتَّبعوا حُجَّةً لأَتَوا بها. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي. ﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع الحالِ؛ للتأكيد أو للتقييد؛ لأنَّ هوى النفس قد يوافق الحقَّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسَهم. * * * (٥١) - ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ التوصيل: تكثيرُ الو صل وتكرُّره، يعني أنَّ القرآن أتاهم متتابعًا في الإنزال ليتَّصل التذكُّر، أو في النظم لتتقرَّر الدَّعوةُ بالحجَّة والمواعظُ بالمواعيد والنصائحُ بالعِبَر.

стр. 3467

﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيفلحوا. * * * (٥٢) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: مِن قَبْل القرآن، وخبر ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿هُمْ بِهِ﴾: بالقرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ نزلت في مؤمني أهلِ الكتاب. * * * (٥٣) - ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾ القرآن ﴿عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بأنَّه كلام اللّه تعالى ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾: استئنافٌ لبيانِ ما أَوجبنا إيمانهم به. ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْل نزولِ القرآن ﴿مُسْلِمِينَ﴾: كائنين على دينِ الإسلام، مؤمنينَ بمحمَّد ﵊. وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ تعليلٌ للإيمان به؛ لأنَّ كونه حقًّا مِن اللّه، حقيقٌ بأنْ يُؤمَن به، وقوله: ﴿إِنَّ﴾ بيانٌ لقوله: آمنَّا؛ لأنَّه يَحتمل أن يكون إيمانًا قريبَ العهد وبعيدَهُ، فأَخبروا أنَّ إيمانَهم به متقادِمٌ. * * * (٥٤) - ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ مرَّةً على إيمانهم بكتابهم، ومرَّةً على إيمانهم بالقرآن.

стр. 3468

﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بصبرِهم على الإيمان بالقرآن قَبْلَ نزولِهِ وبعد نزولِه، أو بصبرِهم على أذى المشركين وأهلِ الكتاب. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ يدفعون بالطاعة المعصيةَ، لقوله ﵊: "أَتْبِع الحسنةَ السَّيِّئة تَمْحُها" (١). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الخير. * * * (٥٥) - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ تكرُّمًا ﴿وَقَالُوا﴾ للَّاغين: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ متاركةً لهم وتوديعًا، ودعاءً لهم بالسلامة عمّا هم فيه. ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: لا نطلب صُحبتهم ولا نريدها. * * * (٥٦) - ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: لا تَقدِرُ على أنْ تنوِّر قلبَ مَن أحببتَ بنور الهداية، فإنَّك شفيعُ الجناية لا شريكُ الهداية. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ لقد أصاب كلّ مِن عبارتي الحبِّ والمشيئةِ محزَّها.

стр. 3469

﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: بالمستعدِّين لذلك، قال الزجَّاج: أَجمعَ المفسِّرون على أنَّها نزلت في أبي طالب وإن كانت الصيغةُ عامَّةً (١). * * * (٥٧) - ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾؛ أي: وقالوا: يا محمَّد، إنْ نتَّبعِ الهدى فنكونَ معك، أو نتَّبعِ الهدى الذي معك، وهو القرآن. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾ التخطُّف: الاستلابُ بسرعة. ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾؛ أي: نُخرَج منها في الحال. وهو تعلُّلٌ فاسدٌ منهم تعلَّقوا به عند عجزهم عن معارضته، فردَّ اللهُ عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾؛ أي: أَلم نَدفع عنهم شَرَّ العرب ولم نُمكِّن لهم ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾؛ أي: أَلم نَجعل مكانَهم في حرمٍ ذا أمنٍ لا يُسبَونَ فيه ولا يُغار عليهم، ولا يُتعرَّض لهم بمكروهٍ. ثمَّ هذا الحرمُ في موضعٍ لا ضرعَ فيه ولا زرعَ ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: يُجمَع ويُجلَب إليه مِن كلِّ شيء أَرفعُه وأَنفعه، كما يقال: ثمرة الكلام، ومعنى الكليَّةِ: الكثرةُ، كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].

стр. 3470

﴿رِزْقًا﴾ مصدر؛ لأنَّ معنى ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾: يُرزَق، أو مفعولٌ له، أو حالٌ من الثمرات إن كان بمعنى: مرزوقًا، لتخصيصها بالإضافة، كما ينتصب عن النكرة المتخصِّصة بالصفة. ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: تفضُّلًا منَّا، فإذا كان حالُهم وهم عبدةُ الأصنام هكذا، فكيف يعرِّضهم للتخوُّف والتخطُّف إذا ضمُّوا إلى حرمةِ البيت حرمةَ التوحيد؟ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: جَهَلة لا يتفطَّنون له ولا يتفكَّرون ليعلموا، وقيل: متعلِّق بقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: قليل منهم يُقرُّون بأنَّ ذلكٌ رزقٌ مِن عند اللّه، إذ لو علموا أنَّه مِن عند اللّه لعلموا أنَّ الخوفَ والأمنَ أيضًا مِن عند اللّه. ثم بيَّن أنَّ الأمر بالعكس بأنَّهم أحقَّاءُ بأن يخافوا مِن بأس ما هم عليه بقوله: * * * (٥٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾: وكم مِن أهلِ قريةٍ كانت حالُهم كحالِهم في الأمن وخَفْضِ العيش حتى أَشِروا، فدمَّر اللّهُ عليهم، وخرَّب ديارهم. و (كم) نصبٌ بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و ﴿مَعِيشَتَهَا﴾ بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل، أو بجعلها ظرفًا بنفسه، كقولك (١): زيد ظنِّي مقيمٌ، أو بتقدير ظرفِ الزمان المضاف، أصله: بَطِرَت أيَّامَ معيشتِها، أو: مفعولٌ على تضمين ﴿بَطِرَتْ﴾ معنى: كَفَرت. والبَطَر: سوءُ احتمال الغنى، وهو أنْ لا يحفظ حقُّ اللّه فيه.

стр. 3471

﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾: منازلهم باقيةَ الآثار تُشاهدونها في الأسفار. ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ حالٌ، والعامل فيه الإشارة. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ مِن السُّكنى؛ أي: لم يَسكنها إلَّا المسافر ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ لتلك المساكن مِن ساكنيها؛ أي: لا يملك التصرُّف فيها غيرُنا. * * * (٥٩) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾؛ أي: ليس في عادته أنْ يُهلك القرى ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾: في أصلها وقصَبتها (١) التي هي أعمالُها؛ لأن أهلها تكون أفطنَ (٢) وأنبلَ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ لإلزام الحجَّة وقَطْع المعذرة. أو: ما كان في حكم اللّه وسابِقِ قضائه أنْ يُهلِك قرى الأرض حتى يَبعث في أمِّ القرى - يعني: مكَّة - رسولًا، وهو محمَّد ﵊. والظاهر المناسب لعبارة ﴿وما كان ربك﴾ هو الأول. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ بتكذيب الرسل والعتوِّ في الكفر. * * *

стр. 3472

(٦٠) - ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في محلِّ النصب على الحال، وذو الحال الضميرُ العائد من الصلة إلى الموصول؛ أي: وما أُوتيتموه كائنًا من شيء ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾؛ أي: وأيَّ شيء أَصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلَّا تمتُّعٌ وزينةٌ أيامًا قلائلَ وهي مدَّة الحياة الفانية. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو ثوابه ﴿خَيْرٌ﴾ هو في نفسه مِن ذلك؛ لأنَّه لذَّة خالصةٌ وبهجة كاملة ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنَّه دائمٌ لا ينقطع. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ الباقيَ خيرٌ مِن الفاني فتستبدلونه به، وقرئ بالياء التحتانية (١)، وهو أبلغ في الوعظ (٢). * * * (٦١) - ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾: وعدًا بالجنة؛ فإنَّ حُسْنَ الوعد بحُسْن الموعود. ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾: مُدرِكه لا محالةَ؛ لعدم الخُلْف في وعده. ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الذي هو مشوبٌ بالآلام، مكدَّر بالمتاعب، مستعقِبٌ للتحسُّر على الانقطاع. ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ للحساب أو العذاب.

стр. 3473

والفاء الأولى لترتيب الإنكار المستفاد مِن الاستفهام، المعنى: أنَّه لمَّا ذكر التفاوت بين متاعِ الحياة الدنيا وما عنده، عقَّبه بقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾؛ أي: أَبعدَ هذا التفاوتِ الجَليِّ يسوَّى بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة؟ والفاء الثانية للتسبيب؛ لأنَّ لقاءَ الموعود مسبَّب مِن الوعد. و ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع. وقرئ: ﴿ثُمَّ هْو﴾ بسكون الهاء (١)؛ تشبيهًا للمنفصل بالمتَّصل. * * * (٦٢) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ نداءَ توبيخٍ، وهو (٢) عطفٌ على يوم القيامة، أو منصوب بـ: اذكُر. ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: تزعمونهم شركائي، فحُذف المفعولان لدلالة الكلام، ويجوز حذفهما في باب: ظننت، وإنْ لم يَجز الاقتصارُ على أحدهما. * * * (٦٣) - ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾. ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ أي: وجب مقتضاه وثبت، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وغيرُه مِن آياتِ الوعيد:

стр. 3474

﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾ صفةٌ له، و ﴿أَغْوَيْنَا﴾ صلة لـ ﴿الَّذِينَ﴾، والعائد محذوف تقديره: أغويناهم. و ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرٌ المبتدأ، وتقيَّد بقوله: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ (١) فاستفيد مِن الخبر ما لم يُستفد مِن الصلة، والكاف في ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ صفة مصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغَوَوا غيًّا مثل ما غَوَينا، يَعنُون: أنَّا لم نَغْوَ إلا باختيارِنا، فهؤلاء كذلك غَوَوا باختيارهم؛ لأنَّ إغواءَنا لهم لم يكن إلَّا وسوسًة وتسويلًا، فلا فرقَ إذًا بين غيِّنا وغيِّهم، فإنَّ تسويلنا وإنْ كان داعيًا إلى الكفر، فقد كان في مقابَلته دعاء اللّهِ لهم إلى الإيمان؛ بما وضع فيهم مِن أدلَّة العقل، وما بعثَ إليهم مِن الرسل، وأنزل عليهم من الكتب، فهو كقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. ويجوز أن يكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأً، و ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ خبر المبتدأ، و ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ استئنافُ إخبار مقيَّدًا بقوله: ﴿غَوَيْنَا﴾. ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم ممَّا اختاروا مِن الكفر ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ بل يعبدون أهواءَهم ويُطيعون شهواتهم، وإخلاء الجملتين مِن العاطف لكونهما مقدَّرتين بمعنى الجملة الأولى. * * * (٦٤) - ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَقِيْلَ﴾ للمشركين: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾؛ أي: آلهتكم لتخلِّصكم مِن العذاب.

стр. 3475

﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ لا لفرط الحيرة، بل لضرورة الامتثال. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لا لعجزهم عن الإجابة، إذ يومئذٍ يَنطقُ كلُّ شيء؛ بل لعجزِهم عن الاستجابة (١). ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ الضمير للتابع والمتبوع ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ جوابُ ﴿لَوْ﴾ محذوف؛ أي: لَمَا رأوا العذاب. * * * (٦٥) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ عطف على الأول، فإنه تعالى يسأل أولًا عن إشراكهم به، ثم عن تكذيبهم الأنبياءَ ﵈. ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين أُرسلوا إليكم. * * * (٦٦) - ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: خَفِيَ عليهم الأخبار والأعذار خفاءً لا يُرجى زواله، فلم يستطيعوا أنْ يُجيبوا بما فيه نجاةٌ لهم، وأتى بلفظ الماضي لتحقُّق وقوعه. ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: لا يَسأل بعضُهم بعضًا عن العذرِ (٢) والجوابِ؛ رجاءَ أنْ

стр. 3476

يكون عنده ما ليسَ عند نفسِه؛ لأنَّهم يتساوون في العَجْز عن ذلك بالسبب المذكور - على ما أفصح عنه الفاءُ التفريعيَّة - لا لفَرْط (١) الدَّهْشة كما تُوهِّم. * * * (٦٧) - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾. ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ من الشرك، و (أمَّا) هذه للإشعار بزيادة اعتناء بشأن ما دخلت عليه فيما سيقَ له الكلامُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] وتصديره بالفاء؛ لتفريعه على ما أُقيم مقام قَسيمه. ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: وجمعَ بين الإيمان والعمل الصالح. ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ يومئذٍ، و (عسى) مِن الكرام تحقيقٌ، لا ترجٍّ مِن التائب بمعنى: فلْيتوقَّع أنْ يفلح. * * * (٦٨) - ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾: المشيئة تُجامِع الإيجابَ بالذات دون الاختيار، ففيه تنصيص للرَّدِّ على الفلاسفة، كما أنَّ في إثبات المشيئة تنصيصًا للرَّدِّ على مَن زعم أنَّه تعالى يقتضي العالَم اقتضاءَ النار للإحراق (٢).

стр. 3477

﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ترك العاطف لأنَّه تقريرٌ لِمَا قبله، فإنَّ معنى ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ أي: يدخل تحت تكوينه كلُّ ما تعلَّق به اختياره، ويلزمه أن لا يكون لاختيارِ الغيرِ تأثيرٌ، وإلَّا لجاز أنْ لا يدخُل بعضُ ما اختاره اللّهُ تعالى تحت تكوينه. والخيَرة: مِن التخيُّر، يُستعمل بمعنى المصدر، كالطِّيَرة بمعنى التَّطيُّر؛ أي: ليس لأحدٍ مِن خلقه أنْ يختارَ عليه. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: تنزيهًا له أن يُزاحِم اختيارُ أحدٍ اختيارَه. ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي (١): اللّه تعالى برئٌ من إشراكهم. * * * (٦٩) - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾. ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ يقال: أكننتُ الشيءَ في صدري (٢)؛ أي: أَخفيتُه، أسند الإخفاء إلى الصدور مبالغةً. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يعلم ما أَضمروه؛ كعداوةِ رسولِ اللّه ﵊ وحسدِه، وما أَظهروه كمطاعنهم فيه. * * * (٧٠) - ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾: الذات المستحقُّ للعبادة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبودَ يستحقُّها إلَّا هو، ترك العاطف لأنَّه تقريرٌ لِمَا قبله.

стр. 3478

﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ الاختصاص المستفاد مِن تقديم الظرف باعتبار المجموع، فإنَّ الحمدَ في الدنيا وإن شاركه - تعالى - فيه غيرُه، فإنَّ المستحِقَّ للحمد لا يَلزم أن يكون مُوليًا للنِّعم، لكن الحمد في الآخرة لا يكون إلَّا له. ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ بالقضاء النافذ في كلِّ شيء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعث والنشور. * * * (٧١) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ﴾ إنَّما قال: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ لأنَّ النفعَ إنَّما هو في تقلُّب (١) المَلَوَيْن، فأيٌّ منهما استمرَّ يَنقلب نفعُه ضرًّا. ﴿اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾؛ أي: دائمًا، مِن السَّرد وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحُرُم: ثلاثة سردٌ وواحدٌ فردٌ، والميم مزيدة، ووزنه: فَعْلٌ. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالكسوف، أو بإسكان الشمسِ تحت الأرض. ﴿مَنْ إِلَهٌ﴾ كان حقُّه: هل إلهٌ؟ فذكر ﴿مَنْ﴾ على زعمهم أنَّ غيرَه آلهةٌ. ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفةُ ﴿إِلَهٌ﴾. ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ إنَّما قال: ﴿بِضِيَاءٍ﴾ و ولم يقل: بنهار، كما قال في قرينِه الآتي: ﴿بِلَيْلٍ﴾ لأنَّ النهارَ لا يَلزمه الضياءُ، على ما نبَّهت عليه آنفًا، والنَّفعُ إنَّما هو بوجود الضياء فيه، فإنه لو خَلَا عنه لانقلبَ نفعُه ضررًا، حتى قالوا: إنَّ الكسوفَ ساعةً يكون سببًا لبعض الآفاتِ مِن الزلازل وغيرها، بخلاف الليل؛ فإنَّه لا يَخلو عن النفع المذكور، مُظلمًا كان أو مستنيرًا.

стр. 3479

ولمَّا كان مبنى ما ذكر ممَّا لا يقف عليه عوامُّ الأنامِ إلَّا بالسماع عن الخواصِّ، قال هنا: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ومَن ذَكَر أنَّ ذِكْرَ السماع هنا لكثرة منفعة الضياء، فقد أَبْعَدَ. * * * (٧٢) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ أخَّر أمر النهار عن أمر الليل لأنَّه أصلٌ والنهارَ عارضٌ. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بإسكان الشمس فوق الأفق، أو بتحريك كُرَةِ الأرض على وَفْقِ حركتها، وإنَّما كان الفساد في إدامة النهار في دار التكليف ولم يكن في دار النعيم؛ لأنَّ دار التكليف لا بُدَّ فيها مِن التَّعَب والنَّصَب الذي يُحتاج معه إلى الجَمَام والراحة، وليس كذلك دار النعيم. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾: استراحةً عن متاعب الأشغال، وإنَّما تعرَّض لوصف الليل دون الضياء؛ لأنَّه نعمة في ذاته مقصودةٌ بنفسه، ولا كذلك الليل. ولمَّا كان ما ذُكر ممَّا يقف (١) عليه كلُّ مَن له بَصَرٌ، ولا يتوقَّف على أمرٍ آخَرَ، قال هنا: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. * * *

стр. 3480

(٧٣) - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. و (مِن) في قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ للسبب. ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾؛ أي: خَلَقهما لأجْلكم ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾؛ أي: في الليل، وللتنبيهِ على انفرادِ كلٍّ مِن المنفعتين في علِّيَّة كلِّ (١) واحد منهما على التوزيع، أُعيد اللامُ في قوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإنَّما حذف اكتفاءً بما ذكر في قرينِه، فيكون مِن باب اللَّفِّ والنَّشْرِ على الترتيب. وفي التعبير بالابتغاء عن كسب العبدِ إشارةٌ إلى أنَّه لا مزيدَ له على معنى الطلب، ففيه نفيٌ للتأثير مِن جهته، كما أنَّ في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ نفيًا للإيجاب منه تعالى والوجوبِ عليه. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ولكي تعرفوا نعمةَ اللّهِ في ذلك فتَشكروه عليها، تعليلٌ اَخرُ للجعل المذكور، ولذلك صدَّره بأداة العطف. * * * (٧٤) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كرَّر التوبيخ باتخاذ الشركاء ليُؤذِن بأنَّه لا شيءَ لغضب اللّه تعالى أَجلبُ مِن الإشراك به، كما لا شيءَ أَدخلُ في مرضاته من توحيده. * * *

стр. 3481

(٧٥) - ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَنَزَعْنَا﴾: أَخرجنا وأَحضرنا، يقال: فلانٌ نَزَعَ إلى وطنه؛ أي: يَحِنُّ إليه حنينًا يُطالبه بالخروج إليه. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِن الأمم الضالَّة؛ بدليل سياق الكلام ولَحاقه. ﴿شَهِيدًا﴾: شاهدًا عليهم بما أَجابوا به رسلَهم، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، وقال: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]، وهذا صريحٌ في أنَّهم غيرُ الأنبياء. ﴿فَقُلْنَا﴾ لتلك الأمم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجَّتكم على صحَّة ما كنتم تدينونَ به. ﴿فَعَلِمُوا﴾ حينئذٍ ﴿أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلهيَّة لا يُشاركه فيها أحدٌ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: وغاب عنهُمْ غيبةَ الشيءِ الضائع ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أُلوهيَّة غيرِ اللّه تعالى والشفاعةِ لهم. * * * (٧٦) - ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. ﴿إِنَّ قَارُونَ﴾: لا ينصرف للعَلَمية والعُجْمة، ولو كان (فاعولًا) مِن قرنتُ الشيءَ لانْصَرفَ. ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: كان ابنَ عمِّ موسى ﵇.

стр. 3482

﴿فَبَغَى﴾: تفريع على مقدَّرٍ يدلُّ إجمالًا على غناهُ المفرِطِ، على ما يُفصِح عنه التفصيلُ الآتي ذِكْرُه، فالفاءُ فصيحةٌ، والبَغْي: طَلَب العلوِّ بغير حقٍّ، ومنه قيل لوُلاةِ الجَورِ: بغاةٌ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: روي أنَّه قال لموسى ﵇: لكَ الرسالةُ ولهارونَ الحبورةُ (١)، وأنا في غير شيء، إلى متى أصبر؟! ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾: مِن الأموال المدَّخرة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ﴿مَا﴾ بمعنى (الذي) في موضع نصبٍ بـ ﴿آتَيْنَا﴾ و ﴿إِنَّ﴾ واسمُها وخبرُها صلةُ ﴿الَّذِي﴾، ولهذا كُسرت ﴿إِنَّ﴾. والمفاتح: جمع مِفْتَح - بالكسر - وهو ما يُفتَح به بيتُ المال أو الصندوقُ. ﴿لَتَنُوءُ﴾ يقال: ناءَ يَنوءُ نَوءًا؛ أي: حملَ على ثقلٍ ونهضَ به على مشقَّة حتى مالَ تحتَهُ، وهو لازمٌ، وصار هنا متعدِّيًا بالباء الذي في قوله: ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾: وهي الجماعة الكثيرة ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: الشِّدَّة. وقرئ: لينوء بالياء (٢)، على إعطاءِ المضاف حكمَ المضاف إليه. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ منصوب بـ (بغى)، وما بينهما اعتراضٌ في مَعرض التعليل لبَغْيه، لا بـ (تنوء)، إذ لا وجهَ لتخصيصه بذلك الوقت: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ أُريد بالفرح هنا: المرح الذي يُخرِج إلى الأَشَرِ وهو البَطَر، ولذلك قال:

стр. 3483

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ لأنَّه إذا أَطلق صفة الفَرَح فهو الخارج بالمرح إلى البَطَر، فأمَّا قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] فحَسُن بهذا التقييد (١). * * * (٧٧) - ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾ مِن الغنى ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ بصَرْفه فيما يوجبُها لك. ﴿وَلَا تَنْسَ﴾: ولا تترك تَرْك المنسيِّ ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: خُذْ مع هذا مِن دنياك ما لا بُدَّ لك منه في معاشِك فإنك غيرُ مَلوم على ذلك، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد اللّه تعالى ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ﴾ فيما وسَّع عليك وبَسَط لك. ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾: بالبغي والظلم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ بل يُبغِضهم، والاكتفاء بنفي حبِّه تعالى منهم للتنبيه على أنَّ هذا القَدْر يكفي في انزجارِ العاقل عن الفساد. * * * (٧٨) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.

стр. 3484

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾؛ أي: المالَ ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾؛ أي: على استحقاقٍ لِمَا ديَّ مِن العلم الذي فَضَلتُ به الناس؛ وهو علم التوراة، أو علم الكيمياء، أو العلمُ بوجوهِ المكاسب؛ مِن التجارة والزراعة. و ﴿عِنْدِي﴾ صفةُ لـ ﴿عِلْمٍ﴾، وزيادتُه لإفادته معنى الاختصاص له. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للمالِ، أو: أكثر جماعةً وعددًا، تعجُّب (١) وتوبيخ على اغتراره بقوَّته وكثرةِ ماله مع علمه بذلك (٢)؛ لأنَّه قَرَأه في التوراة، أو سمعه مِن حفَّاظ التواريخ، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أَلم يَقرأ في التوراة، أو: أَلم يَسمع مِن الحفَّاظ، ولم يعلم .... إلخ، أو: ردٌّ لادِّعائه العلم وتعظُّمه [به] (٣) بنفي العلمِ المهمِّ عنه؛ أي: أَعنده مثلُ ذلك العلمِ الذي ادَّعى ولم يعلم هذا حتى يقيَ نفسَه مصارعَ الهالكين؟! ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤالَ استعلامٍ، فإنَّه تعالى مطَّلع عليها، أو معاتبةٍ؛ فإنَّهم يُعذَّبون بها بغتةً، كأنَّه لمَّا هَدَّدَ بذِكْر إهلاكِ مَن قبله ممَّن كانوا أقوى منه وأَعتى، أكَّد ذلك بأنْ بيَّن أنَّه لم يكن مما (٤) يخصُّهم، بل اللّهُ مطَّلعٌ على ذنوب المجرمين كلِّهم يُعاقبهم عليها لا محالة. * * *

стр. 3485

(٧٩) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ معطوفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه مساقُ الكلام مِن عدم تنصُّحه لِمَا قيل له، وإظهارِ أسباب البَطَر، فالفاء فصيحة. ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ حالٌ مِن فاعل: (خرج)؛ أي: متزِّينًا. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على سبيل الرغبة في اليسار: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾. غِبْطةً، والغابط: هو الذي يتمنَّى مثلَ نِعَمِ صاحبِه مِن غيرِ أنْ يزولَ عنه ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ الحظُّ: الجدُّ وهو البَخْت والدولة. * * * (٨٠) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. ﴿وَقَالَ﴾ لهم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بأحوال الآخرة: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ أصلُ: ويلك، دعاءٌ بالهلاك، ثم استُعمل في الزجر والرَّدع والبعث على ترك ما لا يُرتضى. ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ في الآخرة ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ممَّا أوتي قارونُ، بل مِن الدُّنيا وما فيها، وفي حذف المفضَّل عليه تعظيمٌ للمفضَّل، كما في قوله: اللّهُ أكبرُ. ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: لا يلقَّى هذه الكلمةَ، وهي: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على الطاعات وعن المعاصي. * * *

стр. 3486

(٨١) - ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ أي: بقارون؛ أي: ساخت به الأرضُ وأذهبت في جهة السُّفْل ﴿وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. روي أنَّه كان يؤذي موسى ﵇ كلَّ وقتٍ، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاةُ فصالَحَه عن (١) كلِّ ألفٍ على واحد، فحَسَبه فاستكثره فشحَّت به نفسُه، فعمد إلى أنْ يفضحَ موسى ﵇ بين بني إسرائيل ليرفضوه، فبَرْطَلَ بغيَّةً لترميَهُ بنفسها، فلمَّا كان يوم العيد قال موسى ﵇ في خطبته: مَن سرقَ قطَعناه، ومَن زنَى غير محصَن جلدناه، ومَن زنى محصَنًا رجمناه. فقال قارون: ولو كنتَ. قال: ولو كنتُ. قال: إنَّ بني إسرائيل يزعمون أنَّك فَجَرتَ بفلانةَ، فأُحضرت، فناشدها موسى ﵇ باللّه أنْ تَصدُقَ، فقالت: جعل لي قارونُ جُعْلًا على أنْ أَرميَكَ بنفسي، فخَرَّ موسى ﵇ ساجدًا يبكي، قال: يا ربِّ، إنْ كنتُ رسولَكَ فاغْضَب لي، فأوحى إليه أنْ مُرِ الأرضَ بما شئت، فقال: يا أرضُ خُذِيه، فأخذته الأرضُ إلى ركبته، ثم قال: خُذِيه، فأخذته إلى وَسطه، ثم قال: خُذِيه، فأَخذته إلى عنقه، وكان قارونُ يتضرَّع إليه في هذه الأحوال وموسى لا يلتفتُ إليه؛ لشدَّة غضبه، ثم قال: خُذِيه، فانطَبَقت عليه، فقال الله تعالى لموسى ﵇: استغاثَ بك مرارًا فَلَم ترحمه، فَوَعزَّتي لو استَرحمني مرَّةً (٢) لرحمته، ثم قال بعض بني إسرائيل: إنَّما أَهلكه ليرث مالَهُ! فدعا اللّهَ تعالى حتى خسفَ بداره وأمواله (٣).

стр. 3487

﴿فَمَا كَانَ﴾، فالفاءُ فصيحةٌ؛ للعطف والتفريع على محذوفٍ دلَّ على مفهومه الإجماليِّ مساقُ الكلام. ﴿لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾: أعوانٍ، مرَّ تفسيره على وجه التفصيل في سورة البقرة. ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ إنَّما ذكر امتناعَ نصرِه برفع عذابِ اللّه مع أنَّه معلومٌ؛ لأنَّ المرادَ بيانُ أنَّه لم يكن الأمر على ما قدَّره مِن امتناعه بحاشيته وجندِه، فإنَّ ذلك الذي غرَّه حتى تمرَّد في طغيانه، ثم أخبر أنَّه كما لم يكن له مَن يَنصُره، لم يكن هو أيضًا ممَّن ينتصر بنفسه؛ لضعفه عن ذلك. * * * (٨٢) - ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ﴾: منزلته، لم يقل: مثلَ مكانه؛ اكتفاءً بما ذكره قبل هذا ﴿بِالْأَمْسِ﴾ استُعير لزمانٍ قريب ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ﴾؛ أي: صاروا يقول بعضُهم لبعضٍ: أَلَم تعلموا أنَّ اللّهَ. ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلمةُ تقريرٍ معناها: أَمَا ترى، أَمَا تعلم، قاله الفراء (١). وروي أنَّ أعرابيَّةً قالت لزوجها: أينَ ابنُكَ؟ قال: ويكأنه وراء البيت؛ أي: أَمَا ترَيْنَهُ؟ وقال قطرب: هما كلمتان؛ (ويك) بمعنى: ويلك، محذوف اللام، قال عنترة:

стр. 3488

ولقد شَفَى نفسِي وأَبْرَأ سُقْمها … قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنتر أَقْدِمِ (١) وهذا الحذف للتخفيف لكثرة الاستعمال. وأمَّا ما قيل: إنَّ (وي) للتعجُّب، و (كأنَّ) للتشبيه، ففيه: أنَّ التشبيه لا يناسب المقام. ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ بمقتضى مشيئته؛ لا لكرامة تقتضي البَسْط، ولا لهوانٍ يوجب القبض. ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بصَرْف ما كنَّا تمنَّيناه بالأمسِ ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ لتولِيده فينا ما ولَّده فيه (٢). ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لنعمةِ اللّه، أو: المكذِّبون برسله وبما وَعَدوا لهم مِن ثواب الآخرة. * * * (٨٣) - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: تعظيمٌ لها وتفخيمٌ لشأنها، كانه قال: تلك التي سمعتَ خبرها وبلغك وصفُها، والدار صفة، والخبر: ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾: غلبةً وقهرًا ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ ظُلْمًا على الناس، لم يعلِّق الموعود بترك العلوِّ والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميلِ القلوب

стр. 3489

إليهما، كما قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]، فعلّق الوعيد بالركون. ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ما لا يرضاه اللّه تعالى. * * * (٨٤) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ مرَّ في النمل. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾. معناه: فلا يُجزون، فوضع ﴿الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ موضع الضمير؛ لأنَّ في إسناد عمل السيئة إليهم مكرَّرًا فضلَ تهجينٍ بحالهم، وزيادةَ تبغيضٍ للسيئة إلى (١) قلوب السامعين. ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: إلَّا مثلَ ما كانوا يعملون، وحذف المثْل وأُقيم مقامه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مبالغةً في المماثلة. * * * (٨٥) - ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: أوجب عليك تلاوتَه وتبليغَه والعملَ بما فيه. ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني: مكَّة، أريد ردُّه ﵇ إليها يومَ الفتح، وإنَّما نكّر لأنَّها كانت في ذلك اليومِ مَعَادًا له شأنٌ، ومرجعًا له اعتدادٌ؛ لغلبة الرسول عليه

стр. 3490

الصلاة والسلام وقهرِه لأهله، ولظهور عِزِّ الإسلام وأهلِه، وذُلِّ الكفر وحزبِه. والسورة مكية، ولكن هذه الآية نزلت بالجُحْفَة لا بمكَّة ولا بالمدينة، حين اشتاقَ ﵊ إلى مولدِه ومولدِ آبائه. ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ وما يستحقُّه مِن الثواب والنصر، و ﴿مَن﴾ منتصبٌ بفعلٍ يفسِّره ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: وما استحقَّه مِن العذاب والإذلال، يعني به نفسَه والمشركين (١)، فهو تقرير للوعد السابق. * * * (٨٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾. ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو﴾ مرَّ تفسير الرجاء في سورة الفرقان. ﴿أَنْ يُلْقَى﴾: يوحَى ﴿إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: سيردُّك إلى معادِك كما ألقى إليكَ الكتابَ وما كنت ترجوه ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ هذا محمولٌ على المعنى؛ أي: وما ألقى عليك الكتاب إلَّا رحمةً؛ لأجل أنْ تُرحَم، أو ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (لكن) للاستدراك؛ أي: ولكنْ لرحمةٍ مِن ربك أَلقى إليك. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾: عونًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾. * * * (٨٧) - ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

стр. 3491

﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: عن قراءتها والعملِ بها ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: بعد وقتِ إنزاله. ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾: إلى عبادته وتوحيده ﴿تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بمساعدتهم. * * * (٨٨) - ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ هذا وما قبله تهييجٌ وقطعُ أطماع المشركين عن مساعدته لهم، على أنَّ العصمة لا تمنع النهيَ. والوقف على ﴿آخَرَ﴾ مهو لازمٌ؛ لأَته لو وُصل لصار ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفةً لـ ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾، وفيه مِن الفساد ما فيه. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إِلَّا ذاته، والوجه يُعبَّر به عن الذات، وإنَّما قال: ﴿هَالِكٌ﴾ لأنَّ المراد كونُه كذلك في حدِّ نفسه، وذلك ليس بمجرَّد، فإنَّ كلَّ ممكنٍ في حدِّ نفسه ليس بموجودٍ. ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾: القضاءُ النافذُ في الخَلْق. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء بالحقِّ. * * *

стр. 3492

سُوْرَةُ العَنْكَبُوتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الم﴾. ﴿الم﴾ مَرَّ فيه ذِكْرُ الأقاويلِ (١)، وسبَقَ التَّفصيل، وهنا دليلُ الاستقلال بنفسِه أو بما يُضمر معه، وهو وقوع الاستفهام بعده. * * * (٢) - ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾: قوَّةُ أحدِ النَّقيضَيْن على الآخر، كالظَّنِّ، ولا يصحُّ تعليقُهما بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل، فإذا أردْتَ الإخبار عن مضمونٍ ثابتٍ عندَك على وجهِ الظَّنِّ لا اليقين أدخلت على شرطَي الجملة فعلَ الحسبان حتى يتمَّ (٢) غرضُك. والكلامُ الدَّال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان هنا: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ فإنَّه سدَّ مَسَدَّ المفعولَيْن، كما في قوله: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤]، ونظائره؛ لأنَّ المعنى: أَحَسِبَ النَّاسُ أنفسَهم متروكين.

стр. 3493

والتَّركُ: رفضُ الشَّيء قصدًا واختيارًا، أو قهرًا واضطرارًا، ومن الأخير قولُهم: تركَةُ (١) فلانٍ: لِمَا يخلِّفُه بعدَ موته. وثاني مفعولَي ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ متروكٌ بدلالة الحال؛ أي: كما هم، أو: على ما هم عليه. و (٢) ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ بمعنى: لقولهم، متعلِّقٌ بـ ﴿يُتْرَكُوا﴾ على أنَّه غيرُ مستقِرٍّ. ﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: غيرَ مختبَرِين بما يتبيَّن به حقيقةُ إيمانهم. نزلَ في جماعةٍ آمنوا وآذاهم المشركون (٣). والمراد مِن الفتنةِ: الامتحانُ بشدائدِ التَّكليفِ؛ مِن مفارقةِ الأوطانِ، ومجاهدةِ الأعداءِ، وسائرِ الطَّاعاتِ الشَّاقةِ، وهجرِ الشَّهواتِ، وبالفقرِ والقَحطِ، وأنواعِ المصائب في الأنفسِ (٤) والأموالِ، ومصابرةِ الكفَّار على أذاهم وكيدهم. وقيل: معناه: أَحَسِبوا تركَهم (٥) غيرَ مفتونين لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾، فالتَّرْكُ أحدُ مفعولَيْن و (غير مفتونين) مِن تمامِه، و (لقولهم) هو الثَّاني كقولك: حسبْتُ ضربَه للتَّأديبِ. وفيه الفصلُ بينَ ﴿يُتْرَكُوا﴾ (٦) ومعموله.

стр. 3494

وما يحسِّنه مِن الاهتمام بشأن الخبر؛ لكونه مَصَبَّ الإنكار، مُعارَضٌ بما يقبِّحه مِن إيهام أن يتركوا غير مختبرين لعلَّةٍ أخرى. * * * (٣) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾: اختبرْنا، وهو موصولٌ بـ ﴿أَحَسِبَ﴾ أو بـ ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأمم بأنواعِ الفِتَنِ، والمعنى: إنَّ ذلك سُنَّةٌ قديمةٌ، جاريةٌ في الأزمانِ السَّالفةِ، فلا ينبغي أنْ يُتوقَّعَ خلافُها. ويجوز أن يكون كقولِكَ: ألَا يُمْتَحنُ فلانٌ وقد (١) امتُحِنَ مَن هو خيرٌ منه؛ يعني: أنَّ بعضَ الأنبياء كزكريَّا ويحيى وجرجيس ﵈ قد (٢) امتُحنوا وصَبروا. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ بالامتحانِ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمان ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه. وعلْمُ الله تعالى بالكائناتِ منزَّهٌ عن النِّسبةِ إلى الزَّمانِ وعمَّا يترتَّبُ عليها مِن التَّبدُّل والتَّغيُّر، فهو هنا كناية عن تحقُّقِ المعلوم قطعًا وظهورِه على وجهٍ أبلغ، فالمعنى: ولَيتميَّزَنَّ (٣) الصَّادقُ منهم مِن الكاذبِ. قال ابن عطاء: يتبيَّنُ صدقُ العبد مِن كذبه في أوقاتِ الرَّخاءِ والبلاءِ، فمَن شكرَ في أيَّامِ الرَّخاءِ وصبرَ في أيَّام البلاء فهو مِن الصَّادقين، ومَن بطرَ في أيَّام الرَّخاء وجزعَ في أيَّام البلاء فهو من الكاذبين (٤).

стр. 3495

ويعضدُه قراءةُ: (فليُعْلِمَنَّ اللّهُ) مِن الإعلام (١)؛ أي: ليعرِفَهُم النَّاسُ مَن هم، فحذف المفعولَ الأوَّل. ويجوز أن يكون مِن قولهم: فارس مُعْلَم؛ أي: أَعْلَمَ نفسَه في الحرب بثوبٍ أو غيره، فيكون من العلامة، فالمعنى: فليَسِمنَّهم (٢) بسِمَةٍ يُعْرَفون بها يومَ القيامةِ كبياضِ الوجهِ وسوادِه. * * * (٤) - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعةٌ؛ لفَقدِ شرط الاتِّصال، وهو أنْ لا يكون بعدَها جملة، ومعناه: (بل) للإضراب بمعنى الانتقال مِن قصَّة إلى قصَّة، لا بمعنى الإبطال والإضراب فيها؛ لأنَّ هذا الحسبانَ (٣) أبطلُ من الأوَّل؛ لأنَّ ذلك يُقدِّرُ أنَّه لا يُمتَحنُ لإيمانه، وهذا يظنُّ أَنَّه لا يجازى بمساوئه، ولهذا عقَّبَه بالذَّمِّ. ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ مِن المعاصي، وأمَّا الكُفْرَ فليس مِن جنسِ العملِ؛ لأنَّه لا يُقالُ إلَّا فيما كان عن فكرٍ وروَّيةٍ، نصَّ عليه الرَّاغبُ (٤)، فحالُ الكفرِ يُعلَم ممَّا ذُكِرَ دلالةً. ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أن (٥) يفوتونا فلا نَقدِر على أنْ نجازيَهم على مساؤبهم؛ يعني:

стр. 3496

أنَّ الجزاءَ يلحقُهم لا محالَة، واشتمال صلة ﴿أَنْ﴾ على مسنَدٍ ومسندٍ إليه سدَّ مَسدَّ المفعولَيْن. ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾ في موضِع رفعٍ على معنى: ساءَ الحكمُ حكمُهم، أو نصبٍ على معنى: ساءَ حكمًا يحكمون، والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ؛ أي: بئسَ حُكمًا يحكمونه حكمُهم هذا. * * * (٥) - ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾: يترقَّبُ ثوابَه، أو: يخافُ عقابَه، فالرَّجاء يحتمِلُهما. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ المضروبَ للثَّوابِ والعقاب ﴿لَآتٍ﴾ لا محالةَ، تعليلٌ لجوابِ الشَّرطِ المحذوفِ، تقديرُه: فليبادِرِ العملَ الصَّالح الذي يصدِّقُ رجاءَه ويحقِّقُه. وإتيانُ الوقتِ المضروبِ لهما كنايةٌ عن إتيانهما، والتَّعبيرُ عنهما بلقاءِ اللّهِ تعميمٌ (١) للتفخيم والتَّهويل، وإضافتُه إلى اللَّه في الموضعَيْن للتَّعظيم. ويجوز أن يكون على تمثيل حالِه بحالِ عبدٍ قدِمَ على سيِّدِه بعدَ زمانٍ مديدٍ وقد اطَّلعَ السَّيِّد على أحوالِه، فإمَّا أن بلقاه ببِشْرٍ بما رضيَ مِن أفعالِه، أو بسخطِه لِمَا سخطَ منها (٢). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يقولُ عبادُه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يفعلونه، فلا يفوتُه شيءٌ. * * *

стр. 3497

(٦) - ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ نفسَه بالصَّبر على مخالفتِها في طاعة اللَّه تعالى. ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّ منفعةَ ذلك ترجِعُ إليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فلا نفعَ له في طاعتِهم ومجاهدتِهم، وإنَّما كلَّفَهم رحمةً عليهم ومراعاةً لمصالحهم. * * * (٧) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التَّكفيرُ: إذهابُ السَّيئةِ بالحسنةِ كإذهابِ الكُفْرِ بالإيمان، والمعصيةِ بالتَّوبة. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إنَّما قالَ: ﴿أَحْسَنَ﴾ لأنَّ المباح حسن، ولا جزاءَ له. * * * (٨) - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾: بإيتائهما (١) فعلًا ذا حُسْنٍ، أو ما هو في ذاته حَسَنٌ لفَرْطِ حُسْنِهِ، ووصَّى حُكمُه (٢) حُكمُ أَمَر في معناه وتصرُّفه، ومعنى وصَّيْتُ زيدًا بعمروٍ: أمرتُهُ بتعهُّدِه ومراعاته.

стр. 3498

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾؛ أي: وقلنا: وإنْ جاهدَاكَ ﴿لِتُشْرِكَ بِي (١) مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني: بإلهيَّته، عبَّر عن نفيها بنفي العلم إشعارًا بأنَّ ما لا يُعْلَمُ صحَّتُه لا يجوز اتِّباعُه وإنْ لم يُعلَمْ بطلانُه، فضلًا عمَّا عُلِمَ بُطلانُه. ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك، فإنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية (٢) الخالق. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: مرجعُ المطيعِ والعاصي منكم. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالجزاءِ عليه. وفي ذكر المرجع والوعيد تحذيرٌ مِن متابَعَتْهما على العصيان، وحَثٌّ على الثَّباتِ والاستقامة في الطَّاعة، روي أنَّ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ ﵁ لَمَّا أسلم نذرَتْ أمُّه أنْ لا تأكلَ ولا تشربَ ولا تنتقل من الضِّحِّ (٣) حتَّى يرتدَّ، ولبثَتْ ثلاثةَ أَيَّام كذلك، فشكى سعدٌ ﵁ إلى النَّبيِّ ﵇، فنزلَتْ هذه الآية، والتي في سورة لقمان، والتي في الأحقاف (٤). * * * (٩) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾: في الأنبياء والأولياء بأنْ نحشرَهم معهم.

стр. 3499

(١٠) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ في الإخبار عنهم بأنَّهم مِن النَّاس تحقيرٌ لشأنهم. ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعته، و ﴿فِي﴾ للسَّببية كما في ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾؛ أي: أذاهم له للصَّرْفِ عن طاعة اللَّه تعالى. ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوفِ منه (١) فيطيعهم. ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي (٢): فتحٌ وغنيمةٌ. ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾؛ أي؛ مشايعين لكم في دينِكم، فأعطُونا نصيبنا (٣) مِن المغنَمِ. ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾ صيغة أَفعلَ هنا لمطلق الزِّيادة وإثباتِ العلم على الوجه الأبلغ، و (أو) (٤) للعطف على محذوفٍ تقديرُه: أليس اللَّه بأشدَّ عذابًا (٥) من النَّاس. ﴿بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ من الإخلاص والنِّفاق، فكيف يَتوهَّم هذا المنافقُ أنْ يَخفَى حالُه على المسلمين ولا يخبرُهم اللّهُ به وهو عالمٌ، فهذا تهديدٌ دنيويٌّ له، كما أنَّ قولَه:

стр. 3500

(١١) - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ تهديدٌ أخرويٌّ، كَنى بالعلمِ عن أثرِه، وهو الجزاء على المعلوم، وعبَّر عن الإخلاص بالإيمان، إخراجًا للإقرار باللِّسان الخالي عن التَّصديق بالجَنان عن حدِّ الإيمان. وفي اختلافِ الصِّيغتَيْنِ إشعارٌ بثبات المنافقِ على النِّفاق ومزيَّته على الكفر بزيادة التَّقرُّر في محلِّه. * * * (١٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أمرُوهم باتِّباعِ سبيلِهم، وهي طريقتُهم التي كانوا عليها في دينِهم، وأَمروا أنفسَهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمرَ على الأمرِ، وأرادوا: ليَجتمعْ هذان الأمران في الحصول، والمعنى: تعليق الثَّاني على الأوَّل على وجهِ المبالغةِ، والوعدِ بتخفيف الأوزار عنهم - إنْ كانت (١) - تشجيعًا لهم على الاتِّباع، ولهذا رَدَّ عليهم وكذَّبهم بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في ذلك، ﴿مِنْ﴾ الأُولى للتَّبيين، والثَّانية مزيدة لتأكيد الاستغراق. * * *

стр. 3501

(١٣) - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾: أوزارَ أنفسِهم بضلالِهم ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: وأوزارَ الضَّالِّين (١) بإضلالهم، وهو كما قال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]. ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: يكذبون على اللّهِ، سؤالَ توبيخٍ. واللَّام في الفعلَيْن للقَسَم، وحذف فاعلُهما - الواوُ - ونونُ (٢) الرَّفع. * * * (١٤) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ بعدَ المبعَثِ إلى حدوثِ الطُّوفان، واختيار هذه العبارة لِمَا في ذكرِ الأَلْف مِن تخييل طول المدَّة إلى السَّامع؛ فإنَّ المقصودَ تسليةُ رسولِ اللهِ ﵇، وتثبيتُه على ما يكابدُ مِن الكفرة. وجِيءَ بالمميِّز أوَّلًا بالسَّنة ثمَّ بالعامِّ لأنَّ تكرارَ لفظٍ واحدٍ في كلامٍ واحدٍ حقيقٌ بالاجتناب في البلاغة. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ هو ما أطافَ وأحاطَ بكثرةٍ وغلبةٍ، مِن سيلٍ أو ظلامِ ليلٍ (٣) أو نحوهما، والواقعُ طُوفان الماءِ.

стр. 3502

﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أنفسَهم بالكفْرِ. * * * (١٥) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾؛ أي: نوحًا ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾؛ أي: والذين حملَهم نوحٌ ﵇ في السَّفينةِ. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: السَّفينةَ؛ لأنَّها (١) بقيَتْ أعوامًا حتَّى مرَّ عليها النَّاسُ ورأَوْها، فحصل لهم العلمُ بها، أو: الحادثةَ. ﴿آيَةً﴾: علامةً أو عبرةً ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعتبرون بها. * * * (١٦) - ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عطفٌ على ﴿نُوحًا﴾ وقرئ بالرَّفع (٢) على تقدير: ومن المرسلين إبراهيمُ. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ظرفٌ لـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ففيه دلالةٌ على أنَّه لم يتهاونْ في أمرِ الرِّسالةِ حيث بلَّغ الدَّعوةَ كما أُمِرَ. ﴿وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ممَّا أنتم عليه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم مِن أهل العلمِ.

стр. 3503

(١٧) - ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ الوثَنُ: ما يُعمَل من حجر أو طين. ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾؛ أي: تَكذِبون، أو: تصنعون (١)، وقرئ: (تُخَلِّقونَ) (٢) مِن خَلَّقَ بمعنى التَّكثير في خَلَق. ﴿إِفْكًا﴾ وقرئ: (أَفِكًا) (٣)، وهو مصدر نحو كَذِب ولَعِب، والإفْكُ مخفَّفٌ عنه كالكِذْبِ واللِّعْبِ من أصلهما، واختلاقهم الإفْكَ بتسميتِهم الأوثانَ آلهةً وشركاءَ للّهِ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ استدلَّ أوَّلًا على شَرارَةِ ما هم عليه مِن حيثُ إنَّه زورٌ وباطل، ثمَّ استدلَّ عليه مِن حيثُ إنَّه لا يجدي بطائلٍ. و ﴿رِزقًا﴾ يَحتمِل النَّصب على المصدر؛ أي: لا يستطيعون أنْ يرزقُوكم، وأنْ يُرادَ المرزوق، وتنكيرُ للتَّعميم. ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندَ الأسبابِ ﴿الرِّزْقَ﴾ كلَّه، إنَّما لم يقلْ: مِن اللّهِ؛ لعدمِ الدِّلالةِ (٤) فيه على الأمرِ بترك الاعتماد على الأسباب العاديَّة. ثمَّ بيَّنَ طريقَ الطَّلبِ فقال: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: في كلِّ حالٍ ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ لِمَا مَضَى (٥) مِن الإفضالِ، مستعدِّين للقائِه بها، فإنَّه:

стр. 3504

﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بما عملْتُم مِن الشُّكر والكُفْران، والعبادة والطُّغيان، وهو وعدٌ ووعيدٌ. * * * (١٨) - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كقومِ نوح وهود وصالح ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: وإنْ تكذِّبوني فلا تضرُّونني (١) بتكذيبِكم، فإنَّ الرُّسلَ قبلي قدْ كذَّبهم أمَمُهم، وما ضرُّوهم وإنَّما ضرُّوا أنفسَهم؛ حيثُ حلَّ بهم العذابُ بسببِ تكذيبِهم، وأمَّا الرَّسول فقد تمَّ أمرُه حينَ بلَّغَ البلاغَ المبين الذي زال معه الشَّكُّ، وهو اقترانُه بآياتِ اللّهِ ومعجزاتِه. أو: وإنْ كنْتَ مُكَذَّبًا فيما بينكم فلي في سائرِ الأنبياء أُسوةٌ حيث كُذِّبوا، وعلى الرَّسول أنْ يبلِّغَ (٢)، وما عليه أنْ يُصدَّقَ ولا يُكذَّبَ، فالآية وما (٣) بعدَها مِن جُملَة قصَّة إبراهيمَ ﵇. * * * (١٩) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ وقرئ بالتَّاء (٤) على تقدير القولِ. ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: قد رأوا ذلك وعلموه. وقوله:

стр. 3505

﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على ﴿يُبْدِئُ﴾، وليسَتِ الرُّؤيةُ واقعةً عليه، وإنَّما هو إخبارٌ على حِيالِه (١) بالإعادة بعدَ الموت، كما وقع النَّظرُ في قوله: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] على البدء دون الإنشاء، بل هو معطوفٌ على جملة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾؛ أي: لإعادةَ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: سهلٌ. * * * (٢٠) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿قُل﴾ حكاية كلام اللَّه تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ على كثرتِهم واختلافِ أحوالِهم؛ لتعرفوا عجائبَ فِطرةِ اللّهِ تعالى في المشاهدَةِ، وبدأَ وأبدأَ بمعنى. ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ بعدَ النَّشأة الأولى التي هي الإبداء، فإنَّه والإعادةَ نشأتان من حيثُ إنَّ كلًّا اختراعٌ وإخراجٌ مِن العدمِ. ولَمَّا كانَ المقصودُ مِن السِّياق الاستدلالُ مِن الابتداء على الإعادة، والدَّليلُ النَّفسي أقربُ وأوضحُ من الآفاقي، ذكرَ الرُّؤيةَ في الأوَّلِ والنَّظرَ في الثَّاني، وكانَ القياسُ أنْ يُقالَ: كيفَ بدأ اللَّه الخلقَ، ثم ينشئ النَّشأة الآخرة، وإنِّما قيل: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ لأنَّ الكلامَ معَهم وقعَ (٢) في الإعادة،
следующие страницы →