﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ الحاصبُ: ريحٌ تأتي بالحصباء، وهي (١) الحصا الصِّغار كقومِ لوطٍ.
﴿مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كمدين وثمود.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كفرعون وقومه، وأمَّا قومُ نوح ﵇ فليسوا (٢) مِن المذكورين.
الغرقُ لا يكون إلَّا في الماء بخلاف الخسف، ولذلك زاد فيه قوله: ﴿بِهِ الْأَرْضَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: ليعاملهم معاملةَ الظالم فيعاقبَهم بغير جُرْمٍ، وزيادة ﴿كَانَ﴾ لبيان أنَّه ليس مِن عادته ذلك.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالتَّعريض للعذاب.
* * *
(٤١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: مَثَلُ مَن أشرَكَ باللّه الأوثانَ.
﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ التَّاءُ فيه كتاء (طاغوت)، تقع على الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث.
стр. 3519
﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾؛ أي: كمَثَل العنكبوت فيما تتَّخذُه لنفسِها مِن بيتٍ؛ فإنَّ ذلك البيت لا يدفعُ عنها الحرَّ والبرد، ولا يقي ما تقي البيوتُ، فكذلك الأوثان لا تنفعُهم في الدُّنيا والآخرة.
ولا وجهَ لِمَا قيل في تفضيل (١) بيتها: بل ذلك أوهن، فإن لهذا حقيقةً وانتفاعًا مَّا (٢)؛ لأنَّ قضية التَّشبيه عكس هذا.
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ مِن هنا ظهر أنَّ الغرضَ تشبيهُ ما اتَّخذوه مُتَّكَلًا ومعتمَدًا في دينهم بما هو مَثَلٌ عند النَّاسِ في الوهن والضَّعف، لا تشبيهُ ذواتِهم بالعنكبوت.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: يرجعون إلى علمٍ لعَلِموا أنَّ هذا مَثَلُهم، أو أنَّ دينَهم أوهنُ مِن ذلك، ويجوز أنْ يُخرجَ الكلامُ بعد تشبيهِ دينهم ببيت العنكبوت مخرَجَ الاستعارة؛ فيُرادَ ببيتِ العنكبوتِ دينَ المشركين وعبادةَ الأوثان، فيكون استعارةً مصرِّحة تمثيليَّةً.
* * *
(٤٢) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على إضمار القول؛ أي: قل للكفرة: إنَّ اللَّه يعلم.
стр. 3520
وقرئ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء (١)، حملًا على ما قبله.
و ﴿مَا﴾ استفهاميَّةٌ منصوبة بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، و ﴿يَعْلَمُ﴾ معلَّقةٌ عنها، و ﴿مِن﴾ للتَّبيين.
أو نافيةٌ و ﴿مِن﴾ مزيدة، و ﴿شَيْءٍ﴾ مفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾.
أو مصدريةٌ و ﴿شَيْءٍ﴾ مصدر (٢).
أو موصولةٌ مفعولٌ لـ ﴿يَعْلَمُ﴾، ومفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ عائدُه المحذوف.
والكلام على الأوَّلَيْنِ تجهيلٌ لهم وتوكيدٌ للمَثلِ، وعلى الآخرَيْنِ وعيدٌ لهم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تعليلٌ على المعنيَيْنِ، فإنَّ مِن فَرْط الغباوة إشراكُ ما لا يُعدُّ شيئًا بمن (٣) هذا شأنه، وأنَّ الجمادَ بالإضافة إلى القادر القاهر على كلِّ شيءٍ، البالغِ في العلم وإتقان الفعل الغايةَ، كالمعدوم، وأنَّ مَن هذا صفتُه قَادِرٌ (٤) على مجازاتهم.
* * *
(٤٣) - ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ يعني: المثلُ المذكور وأشباهُه.
﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا لِمَا بَعُدَ مِن أفهامِهم.
стр. 3521
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾: وما يعقلُ حسنَها وفائدتَها ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: الواقفون على أنَّ الأمثال والتَّشبيهات إنَّما هي الطُّرق إلى المعاني (١) المستورة حتَّى تبرزَها وتصوِّرَها للأفهام.
* * *
(٤٤) - ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ مُحقًّا؛ يعني: لم يخلقهما باطلًا، بل لحكمةٍ، وهي أنْ تكونا (٢) مساكنَ عبادِه، وعبرةً للمعتبِرين منهم، ودلائلَ على (٣) عظم قدرته، كما أشار إليه بقوله:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خصَّهم بالذِّكرِ لأنَّهم المنتفِعون بها.
* * *
(٤٥) - ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ تقرُّبًا إلى الله بقراءته، وتحفُّظًا لألفاظه، واستكشافًا لمعانيه؛ فإنَّ القارئ المتأمِّل قد ينكشِفُ له بالتَّكرارِ ما لم ينكشفْ له أوَّل ما قرعَ سَمْعَه.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: دُمْ على إقامَتِها.
стр. 3522
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قد مرَّ تفسيرُهما، والنَّهيُ مجازٌ عن المنعِ.
رُويَ: أنَّ فتًى مِن الأنصار كان يصلِّي معَ رسول اللَّه ﵊ ولا يَدَعُ شيئًا من الفواحش إلَّا ركبَه، فوُصِفَ له ﵇ فقال: "إنَّ صلاتَه ستنهاهُ"، فلم يلبَثْ أنْ تابَ (١).
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ أي: والصلاةُ أكبرُ مِن غيرِها مِن الطَّاعات، وإنَّما عبَّرَ عنها به لتستقلَّ بالتَّعليل، كأنَّه قالَ: والصَّلاةُ أكبرُ لأَنَّها ذِكرُ اللّهِ.
أو: لذكرُ اللّهِ (٢) إيَّاكم برحمته أكبرُ مِن ذكركِم إيَّاه بطاعتِه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ منه ومن سائر الطَّاعاتِ، فيجازيكم بها أحسنَ المجازاة.
* * *
(٤٦) - ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أصلُ الجدالِ: شِدَّة الفَتْلِ (٣).
стр. 3523
﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾: إلَّا بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ كمعارضة الخشونةِ باللِّين، والغضب بالكَظْم، والمشامَتة بالنُّصح.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالإفراطِ في الاعتداءِ والعِناد، فلم ينفعْ فيهم الرِّفقُ.
وقيل: معناه: ولا تجادلوا الدَّاخلين في الذِّمَّة إلَّا بالتي هي أحسنُ، إلَّا الذين ظلموا فنبذوا الذِّمَّة ومنعوا الجزية، ومجادلتُهم بالسَّيف.
﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مِن جِنس المجادلة بالأحسن، وعن النَّبيِّ ﵇: "لا تصدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تكذِّبوهم، وقولوا: آمنَّا باللّهِ وكتبِه ورسلِه، فإن كان باطلًا لم تصدَّقوهم، وإنْ كان حقًّا لم تكذِّبوهم" (١).
﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مطيعون له خاصَّة، وفية تعريضٌ باتِّخاذهم أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا مِن دونِ اللّهِ.
* * *
(٤٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثْلَ ذلك الإنزالِ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ مصدِّقًا لكتبهم بأنْ نزلَ على ما وُصِفَ فيها.
﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه، تفريعٌ على نزول القرآن على ما وُصِفَ في كتابهم، وإنَّما قالَ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ دون: آمنوا به؛ لأنَّ منهم مَن لم يؤمن بعدُ.
стр. 3524
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارةُ إلى أهل مكَّة، أو إلى عامَّة العربِ، لا إلى مَن في عهد الرَّسولِ ﵇ مِن أهل الكتاب؛ لأنَّهم داخلون فيما تقدَّم، ولا مجال لتخصيصه بمَن تقدَّم عهدَه ﵇ لأنَّ التَّفريع يأباه (١).
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ مع ظهورِها وقيامِ الحجَّة عليها، ولذلك قال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾؛ فإنَّ الجَحْدَ ليسَ مطلقَ الإنكارِ، بل الإنكارُ بعدَ المعرفةِ.
﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾: إلا السَّاترون للحقِّ بعدَ وضوحِه عندهم عنادًا (٢).
* * *
(٤٨) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: مِن قبلِ نزولِ القرآن عليك، فيُفهَم منه أنَّه ﵇ كان قادرًا على التِّلاوة والخطِّ بعدَه.
﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ عربيًّا كان أو عبريًّا أو سريانيًّا أو فارسيًّا.
﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ فإنَّ ظهورَ هذا الكتاب الجامعِ لأنواع العلوم الشَّريفة على مَن لا يقدرُ على القراءة والخطِّ (٣) خارقٌ للعادة.
وذِكرُ اليمين زيادةُ تصويرٍ للمنفيِّ، ونفيٌ للتَّجوُّز في الإسناد، وما فيه من الإطناب المعنوي لإفادة أنَّ الكتابة من أشرف الصِّناعات، فحقُّها أن تكون باليمين
стр. 3525
دون اليسار المخصوصةِ بخسائس الأمور، على ما أشار إليه النَّبيُّ ﵇ بقوله: "اليمين للوضوء واليسار للاستنجاء" (١).
﴿إِذًا﴾ تقديره: ولو كنْتَ تتلو الكتابَ وتخطُّه إذًا ﴿لَارْتَابَ﴾: لشكَّ ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ مِن أهل الكتاب، وقالوا: الذي نجده في كُتبنا أميٌّ لا يقرأُ ولا يكتبُ، وليس به.
وإنَّما سمَّاهم مبطلين لأنَّهم وجدوه في كتبهم كذلك فغيَّروه (٢).
قيل: أي: لو كنْتَ ممَّنْ يخطُّ (٣) ويُقرأُ لقالوا: لعلَّه تعلَّمَ أو التقطه مِن كتبِ الأقدمين.
وفيه: أنَّ ذلك الارتياب لا يندفع بكونه ﵇ أُمِّيًّا؛ فإنَّ التَّعلُّم مِن الغير لا يتوقَّفُ على القراءة والكتابة.
* * *
стр. 3526
(٤٩) - ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.
﴿بَلْ هُوَ﴾: بل القرآنُ ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هما مِن خصائص القرآن: كونه آياتٍ بيِّناتٍ للإعجاز، وكونه محفوظًا في الصُّدور، بخلافِ سائر الكتُبِ السَّماويَّة؛ فإنَّها لم تكن معجزات في حدود أنفسها (١)، وما كانت (٢) تقرأ إلَّا مِن المصاحفِ.
وفي قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ تشريف للحفَّاظِ، وتنبيهٌ على أنَّ حفظه حقيقةً إنَّما يكون بالوقوف على معانيه.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾: إلَّا المتوغِّلون في الظُّلم بالمكابرة بعدَ وضوح دلائل الإعجاز.
* * *
(٥٠) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على اللَّازم ممَّا تقدَّم؛ أي: لم يَعتدُّوا (٣) بتلك الآيات وقالوا:
стр. 3527
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مثلَ ناقةِ صالح، وعصا موسى، ومائدةِ عيسى، ﵈.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ينزِلها كما يشاءُ، وأمَّا ما قيل: لسْتُ أهلَها فآتيَكم بما تقترحونه، فلا يناسبُ المقامَ؛ لأنَّ الاقتراح كان من الله تعالى لا منه ﵇ ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ليسَ مِن شأني إلَّا تبليغُ ما أُمِرْتُ به مِن الإنذار والإبانةِ ممَّا أُعْطِيْتُ مِن الآيات، والاقتصارُ على ذِكْرِ الإنذارِ لزيادةِ التَّهديد لهم والوعيدِ في حقِّهم، وإلَّا فشأنه ﵇ غير مقصور على ما ذُكِرَ، بل التَّبشيرُ أيضًا من شأنه.
* * *
(٥١) - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ آيةٌ مغنية عمَّا اقترحوه.
﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: الكاملَ في جنسِه.
﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: تدومُ تلاوتُه عليهم في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، فلا يزال معهم آيةً ثابتةً لا تزولُ كما تزول كلُّ آيةٍ بعدَ كونِها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: إنَّ في مثل هذه الآية الموجودة في كلِّ مكانٍ وزمانٍ إلى آخرِ الدَّهر.
﴿لَرَحْمَةً﴾: لنعمةً عظيمةً ﴿وَذِكْرَى﴾: وتذكرةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لمن همُّه الإيمانُ دونَ التَّعنُّت.
* * *
стр. 3528
(٥٢) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ بصِدْقي (١)، وقد صدَّقني بالمعجزات، أو: بتبليغي ما أُرْسِلْتُ به إليكم ونصحي ومقابلتِكم إيَّايَّ بالتَّكذيبِ والتَّعنُّتِ.
﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو مُطَّلِع على أمري وأمرِكم، وعالمٌ بحقِّي وباطلِكم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ وهو الذي يُعبَدُ مِن دونِ اللّهِ ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ منكم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في صفقتهم حيث اشتروا الكفرَ بالإيمانِ.
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ بقولهم: أمطرْ علينا حجارةً مِن السَّماء.
﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ على مقتضى الحكمة لكلِّ عذابٍ أو قومٍ ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ عاجلًا.
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ العذابُ في الأجل المسمَّى ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بوقتِ مجيئه، فليس وقعة بدر منه (٢).
стр. 3529
(٥٤ - ٥٥) - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أعاده لربط قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ﴾ أُرِيدَ بـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ ما يوجبُها، أو نزَّل الإحاطة المقدَّرة منزلةَ المحقَّقة للقَطْع بوقوعِها، وهذا بحسب النَّظر الجليل.
وأمَّا الذي يقتضيه النَّظر الدَّقيق: فهو أنَّه تعالى مُنزَّه عن النِّسَبِ الزَّمانيَّة، فالكائناتُ كلُّها واقعةٌ في أوقاتِها (١) المعيَّنة بالنَّظر إليه تعالى، فلا تجوُّزَ في أحدِ جُزْأي الكلام.
﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّام للعهد على وضع الظَّاهر موضعَ المضمَرِ؛ للدِّلالة على موجِب الإحاطة، أو للجنس فيكون استدلالًا بحكم الجنس على حكمِهم.
ولا وقف على ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ لأنَّ: ﴿يَوْمَ﴾ ظرفُ إحاطةِ النَّار بهم.
﴿يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
وذكر (٢) ﴿أَرْجُلِهِمْ﴾ للدِّلالة على أنَّ تلك التَّغشية في حال انتصابهم.
﴿وَيَقُولُ﴾ اللّهُ، أو بعضُ الملائكةِ بأمرِه؛ لقراءة: ﴿ونقول﴾ بالنُّونِ (٣): ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: جزاءَه.
* * *
стр. 3530
(٥٦) - ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾؛ أي: إذا لم تتسهَّل العبادةُ في بلدةٍ، ولم يتيسَّرْ لكم إظهارُ دينِكُم، فهاجروا إلى حيثُ يتمشَّى لكم ذلك، والفاء في قوله:
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٌ؛ إذ المعنى: إنَّ أرضي واسعةٌ، إنْ لم تخلِصوا العبادةَ في أرضٍ فأخلِصوها في غيرها، ثمَّ حذفَ الشَّرطَ وعوَّضَ مِن حذفه تقديمَ المفعولِ، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص، ثمَّ شجَّع المهاجِرَ بقوله:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ¶٢٩¶٥٧
(٥٨ - ٥٩) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لننزلنَّهم ﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾: علاليَ.
وقرئ: ﴿لَنُثْوينَّهم﴾ مِن الثَّواء (٢)، وهو النُّزولُ للإقامة، وثَوَى غيرُ متعدٍّ، فإذا
стр. 3531
تعدَّى بزيادة الهمزة لم يتجاوز مفعولًا واحدًا، والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤُه مجرى لننزلنَّهم ولنبوِّئنَّهم، أو حذف الجار وإيصال الفعل، أو تشبيهُ الظَّرفِ المؤقَّتِ بالمبهم.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ وقرئ: (فنعم) (١)، والمخصوص بالمدح محذوف دلَّ عليه ما قبلَه.
ويُوقف على ﴿الْعَامِلِينَ﴾ على أنَّ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم الذين صبروا على أذيَّة المشركين، والهجرةِ للدِّين، إلى غير ذلك مِن المحنِ والمشاقِّ.
والوصل أجود؛ ليكون ﴿الَّذِينَ﴾ نعتًا لـ ﴿الْعَامِلِينَ﴾.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: ولا يتوكَّلون في جميع ذلك إلَّا على اللّهِ.
* * *
(٦٠) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾: وكم ﴿مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾: لا تطيقُ حملَه لضعفِها، ولا تدَّخره، وإنَّما تصبح ولا معيشةَ عندَها.
﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ثمَّ إنَّها مع ضعفِها وتوكُّلِها، وإيَّاكم مع قوَّتِكم واجتهادِكم في الكسْبِ، سواءٌ في أنَّه (٢) لا يرزُقها وإيَّاكم إلَّا اللَّه، فإنَّه لو لم يقدِّركم ولم يقدِّرْ لكم أسبابَ الكسب لكنْتُم أعجزَ مِن أضعفِ الدَّوابِّ، فلا تخافوا على معاشِكم بالهجرةِ.
стр. 3532
رُويَ أَنَّهم لَمَّا أُمِروا بالهجرة قال بعضُهم: كيف نَقْدمُ بلدةً ليس لنا فيها معيشة، فنزلَتْ (١).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولِكم: نخشى الفقرَ والضَّيعةَ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضمائرِكم.
* * *
(٦١) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ المسؤول أهل مكَّة.
﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: هم مُقرُّون بذلك، ولا يخفى ضعفُ التَّمسُّكِ بوجوب انتهاء الممكنات إلى واحدٍ واجبِ الوجود في هذا المطلبِ.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: فكيفَ يُصرَفون عن (٢) توحيده مع إقرارِهم بهذا كلِّه.
* * *
(٦٢) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: يوسِّعُه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِر﴾ يُقالُ: قَدَرَ الرِّزقَ وقتَرَهُ: إذا ضيَّقه.
﴿لَهُ﴾؛ أي: لِمَن يشاءُ، فوضعَ الضَّميرَ مَوْضِعَ (من يشاء) لأنَّه مُبْهَمٌ غيرُ معيَّن، فكان الضَّميرُ مُبْهمًا مثلَه.
وليس المراد مِن الموسَّع له والمضيَّق عليه واحدًا باعتبار الوَقْتَين؛ إذ حينئذٍ حقُّ قوله: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أنْ يُصدَّرَ بأداة التَّعاقبِ.
стр. 3533
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلمُ ما يُصلِحُ العبادَ وما يفسدُهم.
* * *
(٦٣) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ معترِفين بذلك، فكيف يشركون به ما لا يقدِرُ على شيءٍ أصلًا.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذه النِّعمةِ العُظمى، فإنَّ الماءَ مادَّةُ حياةِ كلِّ شيءٍ.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فلا يعلمون ما يقولون، وما فيه مِن الدِّلالة على بطلانِ الشِّركِ وصحَّة التَّوحيد.
وكلمة ﴿بَلْ﴾ إضرابٌ عن جهلِهم الخاصِّ في الإتيان بما هو حجَّة عليهم، يعني: أنهم مسلوبو (١) العقولِ، فلا يَبعدُ عنهم مثلُه.
وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ معترِض، ويأتي في سورة لقمان تفسيرُ هذه الآيةِ بوجهٍ آخر.
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ إشارةُ تحقيرٍ، كيف وهي لا تزنُ (٢) عند اللَّه جناحَ بعوضة.
стр. 3534
﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾؛ أي: ما هي لسرعةِ زوالِها وعدمِ النَّفعِ في مآلها إلَّا كما يَلْهَى وَيلعبُ به الصِّبيان، ويجتمعون إليه، ويبتهجون به ساعةً، ثمَّ يتفرَّقون.
واللَّهْوُ: ما يتلذَّذُ به الإنسانُ فيلهيه ساعةً ثمَّ ينقضي.
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾؛ أي: هي دارُ الحياةِ الحقيقيَّة، لعدمِ طَرَيان الموت عليها، أو كأنَّها في ذاتها حياةٌ؛ إذ ليس فيها إلَّا حياة مستمرَّة دائمة.
و ﴿الْحَيَوَانُ﴾: مصدرُ حَيِيَ، وقياسُه: حَيَيَان، فقُلِبَتِ الياء الثَّانية واوًا، ولم يقل: لهي الحياة؛ لِمَا في بناء فَعَلان من معنى الحركة والاضطراب، والحياةُ حركة والموتُ سكون، فمجيئه على بناءٍ دالٍّ على معنى الحركة مبالغةٌ في معنى الحياةِ.
ويوقف على ﴿الْحَيَوَانُ﴾ لأنَّ التَّقدير: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ الدَّارَيْن لَمَا اختاروا اللَّهو الفانيَ على الحيوان الباقي، ولو وُصِلَ لصار وصفُ الحيوان معلَّقًا بشرطِ علمِهم ذلك، وليس كذلك.
* * *
(٦٥) - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ مُتَّصلٌ بما دلَّ عليه ما قبلَه مِن شرح حالِهم بطريق الإشارة، وليس هنا محذوفٌ؛ أي: هم على ما وُصِفوا به مِن الشِّرك والعناد، فإذا ركبوا في البحر ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ في تلك الحالة.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حقيقةً، حيث لا يَدْعون معه غيرَه؛ لعلمِهم بأنَّه لا يكشف الشَّدائدَ إلَّا هو، وهذا - أي: التَّوافق بين العلم والعمل - حقيقةُ الإخلاصِ، لا
стр. 3535
صورتُه (١)، وأيضًا مساقُ الكلام في تقبيح حالِهم وكمالِ القبح في انقلابهم عن الإخلاص إلى الشِّرك بغتةً.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: فاجَؤوا المعاوَدَةَ إلى الشِّرك.
* * *
(٦٦) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللَّام فيه لام (كي)، وكذا في:
﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ على قراءة الكسر؛ أي: يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعَود إليه كافرين بنعمة النَّجاة، متمتِّعين باجتماعهم على عبادة الأصنام، وتوادِّهم (٢) عليها والتَّلذُّذِ لا غير، على خلاف عادة المخلصين من المؤمنين، فإنَّهم يشكرون نعمة اللَّه تعالى إذ أنجاهم، ويجعلون نعمة النَّجاة ذريعةً إلى زيادة الطَّاعة، لا إلى التَّمتُّع والتَّلذُّذ (٣).
وعلى هذا لا وقفَ على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ومَن جعلَه لام الأمر متشبِّثًا بقراءة السُّكون (٤) على وجه التَّهديد كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] يقفُ عليه.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سوءَ تدبيرِهم عندَ تدميرِهم.
* * *
стр. 3536
(٦٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي: أهل مكَّة ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدَهم ﴿حَرَمًا﴾: ممنوعًا مصونًا عن النَّهب والتَعدي ﴿آمِنًا﴾: يأمنُ داخلوه سواءٌ كان مِن أهلِه أو مِن غيرِهم مِن القتلِ والسَّبي.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يُختلسون قَتْلًا وسَبْيًا؛ إذ كانَتِ العربُ حولَه في تغاورٍ وتناهبٍ.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾: أبعدَ هذه النِّعمةِ المكشوفةِ وغيرِها ممَّا لا يَقدرُ عليه إلا اللَّه، بالصَّنم أو الشَّيطانِ ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ حيثُ أشركوا به غيرَه، وتقديم الصِّلتَيْن لمحافظةِ الفاصلةِ والاختصاصِ على طريق المبالغةِ.
* * *
(٦٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنْ جعلَ له شريكٌ، قائلينَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وهذا القولُ منهم باعتبار أنَّ التَّقرُّبَ لا يكون إلَّا بالطَّاعة في معنى القول بأنَّ تلك العبادةَ طاعةٌ أمروا بها، وهذا افتراءٌ منهم على اللَّه تعالى.
ثُمَّ إنَّ الافتراءَ نفسَه وإن كان لا يخلو عن كذبٍ لكنَّ المفتَرى قد يكون صادقًا، والمفتَرى هاهنا - وهو كون عبادة الأصنام طاعةً - لَمَّا كان كذبًا زادَ قولَه: ﴿كَذِبًا﴾ زيادةً (١) في تقبيحِ شأنِهم.
стр. 3537
﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾؛ يعني: الرَّسول أو الكتاب.
وفي: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ تسفيهٌ لهم حيثُ لم يتوقَّفوا ولم يتأمَّلوا قطُّ حين جاءهم، بل سارعوا إلى التَّكذيبِ أوَّلَ ما سمعوه.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ تقريرٌ لثوائهم فيها؛ أي: ألا (١) يَثْوون فيها، وقد افتروا مثل هذا الافتراء على اللَّه، وكذَّبوا بالحقِّ هذا التَّكذيب؛ أو: ألم يصحَّ عندهم أنَّ في جهنَّم مثوًى للكافرين، حتَّى اجترؤوا مثلَ هذه الجرأة.
* * *
(٦٩) - ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ أطلقَ المجاهدة ليتناولَ كلَّ ما تجب مجاهدته من الأعادي الظَّاهرة والباطنة بأنواعها.
﴿فِينَا﴾: في حقِّنا ومن أجلِنا ولوجهنا خالصًا.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: لنزيدنَّهم هدايةً إلى سُبُلِ الخير وتوفيقًا لسلوكها، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالنُّصرةِ والمعونةِ في الدُّنيا، وبالثَّوابِ والمغفرة في العُقبى.
* * *
стр. 3538
سُورَةُ الرُّومِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١ - ٢) - ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾.
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: غُلِبَتِ في القراءة المشهورة على البناء للمفعول، و ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ على البناء للفاعل، وقرئ على العكس (١)، وإضافةُ غَلَبتهم (٢) في الأولى إلى المفعول، وفي الثانية إلى الفاعل.
* * *
(٣ - ٥) - ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: أرضِ العربِ؛ لأنَّها الأرض المعهودة عندهم؛ أي: في أدنى أرضِ العرب منهم، أو: أرضِهم؛ أي: أدنى أرضِهم مِن العرب، واللامُ بدلٌ مِن الإضافة.
стр. 3539
وقيل: أدنى أرضهم إلى عدوِّهم (١)؛ أمَّا الدلالة على الإضافة فظاهرةٌ مِن ذِكْرهم، وأمَّا النهاية فلحديث المغلوبيَّة.
وعن مجاهد: هي أرضُ الجزيرة، وهي أدنى أرضِ الروم إلى فارس (٢).
وقيل: أَذْرعاتَ وبُصْرى، وهي أدنى أرضِ الشام مِن العرب.
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وقرئ بسكون اللَّام (٣)، فالغَلَب والغَلْب مصدران، كالحَلَب والحَلْب.
﴿سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ البِضْعُ: ما بين الثلاثةِ إلى العَشَرة، وفي "المجمل": ما بين الواحد إلى التسعة (٤).
روي أنَّه لمَّا بلغ مكةَ خبرُ غلبةِ فارسَ الرومَ، فرحَ المشركون وشَمتوا بالمسلمين، وقالوا: أنتم ونصارى أهلُ الكتاب، ونحن وفارسُ أُمِّيُّون، فقد ظهر إخوانُنا على إخوانكم، ولنَظهرنَّ عليكم، فنزلت (٥).
وظهرت الرومُ على فارسَ يومَ الحديبية، وذلك عند رأسِ سبعِ سنين.
وقيل: كان النصر يومَ بدر للفريقين.
والمعنى على القراءة الثانية؛ أنَّ الرومَ غلبوا على ريفِ الشام، وسيَغلبهم المؤمنون في بِضْعِ سنين، وقد غَلَبهم المسلمون في السنة التاسعة وفتحوا بعضَ بلادهم.
стр. 3540
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: مِن قَبْلِ كونهم غالبين؛ وهو وقتُ كونهم مغلوبين، ومِن بعد كونهم مغلوبين؛ وهو وقتُ كونهم غالبين؛ أي: ليس الأمر في الحالين إلَّا للّه.
وقرئ: (من قبلٍ ومن بعدٍ) على الجرِّ مِن غير تقدير مضافٌ (١)، كأنَّه قيل: قَبْلًا وبَعْدًا؛ أي: أوَّلًا وآخرًا.
﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾: ظرفٌ معمول لـ ﴿يَفْرَحُ﴾، والتنوين فيه للعوض مِن الجملة المحذوفة؛ أي: ويوم إذ يَغلبُ الرومُ فارسَ.
﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وتغليبِه مَن له كتابٌ على مَن لا كتابَ له؛ لِمَا فيه مِن انقلابِ التفاؤل وغيظِ مَن شمتَ بهم مِن كفار مكة، أو لِمَا ظهر مِن صدقِ المؤمنين فيما أَخبروا به المشركين.
وقيل: وافق ذلك يومَ بدر، وفي هذا اليوم نُصِرَ المؤمنون (٢).
﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فينصرُ هؤلاء تارةً وهؤلاء أخرى.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ينتقمُ تارةً مِن عباده بالنصر عليهم، ويتفضَّل عليهم أخرى بنصره إيَّاهم (٣).
* * *