Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة التحقيق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الذي أنزل كتابًا غيرَ ذي عِوَج، وأرسل رسولَه بالبيِّنات والحُجَج، والصلاةُ والسلامُ على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنَّ القرآن كتابُ الله المنزل ومنهجُه القويم، وهو المعجزةُ العُظْمَى والآيةُ الكُبرى إلى يوم الدِّين، مستمرًّا في التحدِّي على مرِّ السنين، ومبكِّتا بالحجة كلَّ المعاندين، آتياً مِن أساليبِ البَلَاغةِ بالعَجَبِ العُجَاب، راقياً مِن ذُرَى الفصاحةِ مَرْقًى لا يُجاب، تحدَّى العرب في أعظمِ شيءٍ بَرَعوا به، فإنَّ العربَ الذين بُعِثَ فيهمُ النَّبيُّ ﷺ كانوا قد بلَغوا مِن الفصاحةِ والبلاغةِ وأَفانينِ الكلام الغايةَ التي ظنُّوا أنْ ليس بعدَها غاية، فتحدَّاهم أوَّلاً أنْ يأتوا بمثْلهِ فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، فلمَّا عَجَزوا تحدَّاهم بعشرِ سورٍ فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، ثُم لمَّا ظَهرَ عَجزُهم تحدَّاهم بمقدارِ سورةٍ فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] حتى أَعْجَزَ عن الإتيان بأقصر سورةٍ منه العربَ الفُصَحاء، وأَفْحَمَ مَن رام معارضتَه من البلغاء، فأطبق المعاندون على أن طوقَ البشر قاصِرٌ عن الإتيان بمثله.
стр. 2
فلا عَجَبَ أنْ تسابَقَ العلماءُ وتسارَع الفضلاء منذ فجر الدعوة إلى خدمته، وبيانِ ما دقَّ من معانيه، وفتح ما اسْتَغْلَقَ من مَبَانيه، فأَبدعوا في تفسيره الكثيرَ من المصنفات، التي كان بعضُها مطوَّلاتٍ شِبْهَ الموسوعات، وبعضُها موغلاً في الاختصار، ومنها ما أجاد وأفاد لكنْ قد شابَهُ شيءٌ من دَرَن الإسرائيليات أو دخَن الأفكار.
أمَّا هذا التفسير الذي بين أيدينا فكان وسطاً بين التفاسير بالتوسُّطِ بين الطُّولِ والقِصَر، مع نفي دَخَنَ تلك الفِكَر، وهو مع ذلك جامعٌ للفوائد، مشتمِلٌ على النكت والعوائد، بما أبدعتْهُ قريحةُ مؤلِّفه من الزوائد، وأَوْراهُ زنادُ فكره من الفرائد، هذا مع وضوحِ العبارةِ، وقوَّةِ التَّحريرِ وحُسنِ الإشارة.
وإنَّ الباحث في سيرورةِ مؤلِّفه العلَّامةِ الجليل ابنِ كمال الوزير ليجدُ عنايته الفائقةَ بتفسير القرآن الكريم، واهتمامَه البالغَ ببيان معانيهِ، والدلالةِ على مواطن الإعجاز فيه، فرسائلُه الكثيرة قد خصَّ التفسيرَ بقسطٍ منها كبير، وحتى التي ألَّفها في مسائل أخرى كالنحو مثلاً تجد جانباً كبيراً منها يتناول ما يتعلق بتلك المسألة في الآيات القرآنية.
والمؤلفُ ﵀ يمكن اعتبارُه من أصحاب المدرسة الزمخشريَّة، التي كان أساسُها "الكشاف"، وكانت منطلَقاً لحركةٍ هائلةٍ في التأليف والتفسير، والتحشية والتعليق والتحرير، وليس تفسيرُ البيضاويِّ والنَّسفيّ، وأبي السُّعود والآلوسيّ، وغيرِها، ومعها مئاتُ الحواشي والتعليقات، سوى نتائج هذه المدرسة، عدا عن أن أكثر مَن جاء بعد الزمخشريِّ قد كان له تأثُّر بهذا التفسير وإن تفاوتت الدرجات، فالمتعمِّق في "بحر" أبي حيان مثلاً يجد تأثير "الكشاف"
стр. 3
فيه واضحاً، فلا تكاد تمر بصحيفةٍ إلا وتجد فيها ذكراً للزمخشري، إمَّا مُقِرًّا أو محسِّناً أو متعقِّباً، عدا عن كثير مما نقله عنه مختاراً لكن دون تصريحٍ به.
وقد بيَّن السيوطيُّ ﵀ مكانة هذا الكتاب فقال: اشتَهر في الآفاق اشتهارَ الشمس، وجُهر به في محافل الفضلاء من غير همس، واعتنى الأئمةُ والمحقِّقون بالكتابة عليه، وتسارَع العلماء والفضلاء في المناقشة والمنافسة إليه، فمِن مميِّزٍ لاعتزالٍ حادَ فيه عن صَوْبِ الصَّواب، ومن مناقشٍ له فيما أتى به من وجوه الإعراب، ومن مُحَشٍّ وضَّح ونقَّح، وتمَّم ويمَّم، وفسَّر وقرَّر، وحبَّر وحرَّر، وجال وجاب، واستشكل وأجاب، ومن مخرِّج لأحاديثه عزا وأسند، وصحَّح وانتقد، ومن مختصرٍ لخَّص وأوجز، وكمَّل ما أَعْوز (١).
قال: وسيِّد المختصرات منه كتاب "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" للقاضي ناصر الدِّين البيضاويّ، لخَّصه فأجاد، وأتى بكلِّ مستَجاد، وماز منه أماكن الاعتزال، وطرح مواضعَ الدسائس وأزال، وحرَّر مُهِمَّات، واستدرك تَتِمَّات، فبرز كأنه سبيكةُ نُضَار، واشْتَهَرَ اشتهارَ الشمس في وسط النهار، وعَكَفَ عليه العاكفون، ولَهِجَ بذكر محاسنه الواصفون، وذاق طعم دقائقه العارفون، فأكبَّ عليه العلماء والفضلاء تدريساً ومطالعةً، وبادروا إلى تلقِّيه بالقبول رغبةً فيه ومسارعةً، ومرُّوا عليه طبقةً بعد طبقة، ودرجوا عليه من زمن مصنفه إلى زمن شيوخنا متَّسِقة (٢).
_________
(١) انظر: "نواهد الابكار" (١/ ٨ - ٩).
(٢) المصدر السابق (١/ ١٣).
стр. 4
فهذان التفسيران قد كانا أساساً لمدرسة في التفسير تعتمد الألفاظَ والتراكيب القرآنية أساساً، وتنطلق منها لبيانِ مواطنِ الإعجاز، واستنباطِ المعاني التي لا تظهر إلا لصاحب القريحة الوقَّادة، والعقل النيِّر، والعلم الغزير باللغة والنحو والمعاني وأساليب العرب في الكلام، وقد رسم معالم هذه المدرسة العلَّامة أبو السعود في خطبةِ "تفسيره"، حيث قسم التفاسير إلى قسمين:
الأول: منهج المتقدِّمين الذين اقتصروا على تمهيدِ المعاني، وتشييدِ المباني، وتبيينِ المرام، وترتيبِ الأحكام، حَسْبَما بلغهم من سيد الأنام.
والثاني: منهج المتأخِّرين المدقِّقين، الذين رامُوا مع ذلك إظهارَ مزاياه الرائقة، وإبداءَ خفاياه الفائقة؛ ليُعاين الناسُ دلائلَ إعجازه، ويشاهدوا شواهدَ فضله وامتيازه … ، فدوَّنوا أسفاراً بارعة، جامعةً لفنون المحاسن الرائعة، يتضمَّن كلٌّ منها فوائدَ شريفةً تَقَرُّ بها عيون الأعيان، وعوائدَ لطيفةً يتشنَّف بها آذانُ الأذهان، لاسيما "الكشاف" و "أنوار التنزيل"، المتفرِّدان بالشأن الجليل والنعت الجميل، فإن كلًّا منهما قد أحرز قَصَبَ السَّبْق أيَّما إحراز، كأنه مرآةٌ لاجتلاءِ وجهِ الإعجاز (١).
وإذا عُرِفَ أنَّ للمؤلِّفِ ﵀ حاشيةً على كلِّ واحدٍ من التَّفسيرينِ المذكورَينِ، ثم توَّج ذلك بتفسيره المبارك هذا، مروراً بعشرات الرسائل التي تناولت المعاني القرآنية والملامح الإعجازية، والتي كان من أهم معالمها
_________
(١) انظر: "تفسير أبي السعود" (١/ ٤).
стр. 5
تناوُلُ ما جاء في التفسيرين المذكورين، وما جادت به أكفُّ المحققين من أصحاب الحواشي عليهما؛ كالعلَّامةِ القزوينيِّ، والسعد التَّفتازانيِّ، والشَّريفِ الجُرْجانيِّ، وغيرِهم، ومناقشةُ ما حرَّروه، وتلوينُه بفكره الوقَّاد، مع زيادات كثيرةٍ وترجيحاتٍ وردود، فعند ذلك يتَبيَّن حقيقةُ هذا التفسير ومكانتُه التي يستحقُّها بين التفاسير.
لكن لا بدَّ هنا من التنبيه على حقيقةٍ مهمَّة، وهي أن هذه الطريقة في التفسير ليست بديلاً عن التفسير بالمأثور عن النبيِّ ﷺ وأصحابه والتابعين وتابعيهم، بل هي حاجةٌ لمحها المتأخِّرون للعودة بالمسلمين في تعاملهم مع الكتاب الكريم إلى العصر الأول، عصرِ البلاغة والفصاحة، والذين كانوا يفهمون القرآن بالفطرة، لكنْ لما توسَّعتْ رقعة الإسلام، ودانَ به كثيرٌ من غير العرب، واختَلَطَ الحابِلُ بالنَّابِل، وامتَزجَ العربُ بالعجَم، وبَعُدَ بالناس العهد، وتغلغلت ألسنة العجم والكُرد، حتى صارَ كثيرٌ مما في الكتاب خارِجاً عن المألُوف، وأسلُوبهُ في البيانِ غيرَ مُستَوعَبٍ ولا معروف، رام علماءُ البيان بيانَ إعجاز هذا القرآن، فاخترعوا علمَ البلاغة والمعاني، ليكون أَوْصَلَ إلى معرفة التراكيب والمباني، وأَيْسرَ لفهم مَن مِن أجل ذاك يعاني، وبها تدرَك وجوه الإعجاز، ويزول بفهمها كلُّ غموضٍ أو إلغاز.
ولله درُّ أبي السعود، فقد لخَّص كلَّ ما ذكرناه، بكلمة واحدة في قوله الذي نقلناه، حيث قال في وصف منهج المتأخرين: (الذين راموا مع ذلك إظهارَ مزاياه الرائقة .. )، فانظر إلى قوله: (مع ذلك) وقارنه بقوله قبله في وصف المتقدِّمين: (الذين اقتصروا على تمهيدِ المعاني .. )، يظهر لك حقيقة ما أوضحناه، وأن
стр. 6
المنهجين كلٌّ منهما مكمِّل للآخر وليس بديلاً عنه، وأن ما أبدعه الأواخرُ ليس إلا متابعةً لما أسَّسه الأوائل.
ولعل من غرائب التقادير أنَّ الذين انبرَوا للقيام بهذه المهمَّة، وانتدَبوا لتحقيق ذاك المرام، فألَّفوا في مباحث إعجاز القرآن المصنفات، وأبدَعوا في تقعيد علم البلاغة الأمَّهات، كان معظمهم أعجميَّ النسب، وليس من أبناء العرب.
فمؤسِّس علمِ البلاغة وهو أبو بكر عبد القاهر بنُ عبد الرحمن بنِ محمد، مصنِّف "دلائل الإعجاز" و "أسرار البلاغة"، فارسيُّ الأصل، جُرْجانيُّ الدار، وكانت قد تناثرت كتابات الناس في هذا الفن قبله؛ ولكنها على كثرتها لا تعدُّ شيئًا بجانب ما صنف، فصار يُنسب إليه وحده تأسيسُ هذا العلم وإقامةُ بنيانه، لمَّا كانت له اليد الطولى في ضبطه ونصبِ فسطاطه.
وأمَّا أبو القاسم محمود بنُ عمر بنِ أحمد الزمخشريُّ جارُ الله، صاحبُ "الكشاف" و "أساس البلاغة"، فهو قد ولد بزَمَخْشَرَ من ضواحي خُوارزم، وتوفِّي بقصبة خوارزم، وإن كان قد جاور بمكةَ زمانًا، حتى سمي: جار الله، وأصبح هذا الاسم علمًا عليه.
وكذا يوسف بن أبي بكرٍ محمدِ بن عليٍّ السكَّاكيُّ الخوارزميُّ الحنفيُّ أبو يعقوب، صاحب "مفتاح العلوم"، ولد وتوفِّي بخوارزم.
ومحمد بن عبد الرحمن القزوينيُّ الشافعيُّ صاحب: "الإيضاح في علوم البلاغة" والذي يعدُّ من أوفى الكتب في بحوث البلاغة وأوضحها نظامًا وأسلوبًا أصله من قزوين، وإن كان مولده بالموصل.
стр. 7
ولعل ما يفسر هذا الأمر هو أنهم عاينوا أكثر من غيرهم بعد الناس عن فهم كتاب الله والعيش في ظلاله كما كان عليه الأولون.
وثمة ملاحظة أخرى يجب التنبيه عليها قبل الدخول في الكتاب، وهي أن بيان النِّكات البلاغيَّة والإشارات الخفيَّة في القرآن لم يكن مقتصراً على الزمخشري والبيضاوي، بل إن كل واحد ممن صنف في هذا الفن قد كان له إضافات حسنة تستحق الوقوف عندها، ومنهم المؤلفُ ﵀، الذي أبدع الكثير من الاستنباطات التي لم ينتبه إليها الآخرون، كما سيظهر جليًّا لمن يُبحر في هذا السفر الكريم.
وهذا الذي ذكرناه هو تمهيدٌ لا بد منه للدخول في التعريف بهذا الكتاب المفيد والتفسير الفريد، الذي تعمَّق مؤلِّفه في كتب البلاغة، كما يشهدُ لذلك رسائلُه الكثيرة المؤلَّفة في هذا الشأن، كما درَس وتفهَّم كتب التفاسير وخصوصاً "الكشاف" و "البيضاوي" وحواشيهِما كما تقدم وسيأتي في هذه الدراسة، حتى جادت قريحتُه بهذا التصنيف الماتع، وخطَّت يراعُه هذا التفسيرَ الرائع، وسوف نقوم في هذه المقدِّمة بدراسة هذا التفسير من خلال الموضوعات التالية:
أولًا: تأكيد نسبة الكتاب لمؤلفه.
ثانيًا: مصادر نقلت عن هذا التفسير.
ثالثًا: بيان خصائص هذا التفسير وميزاته التي تميز بها عن غيره من التفاسير.
رابعاً: بيان منهج المؤلف الذي سلكه في تأليف تفسيره.
стр. 8
وهذا هو البحث الأهم في هذه المقدمة، ونتناول فيه:
- مصادرُه التي اعتَمد عليها وكيفيَّةُ إفادته منها، وخصوصاً "الكشاف" و "تفسير البيضاوي"، ويتضمَّن بيانَ أسلوبه في الردود والتعقُّبات.
- تفسير القرآن بالقرآن في هذا الكتاب.
- التفسير بالمأثور فيه.
- عقيدته وردوده على المذاهب الفاسدة.
- موقفه من التأويل في المتشابهات.
- منهجه في النحو.
- منهجه في الفقه.
- منهجه في القراءات.
- تعامله مع الإسرائيليات.
- ما جاء فيه من لطائف الإشارات.
خامسًا: المآخذ التي يمكن أن تذكر عليه.
سادساً: وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وما يتعلق بها.
سابعاً: عملنا في الكتاب.
ثم سأفرد في نهاية الدراسة ترجمةً للعلامة ابن كمال باشا رحمه الله تعالى.
ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا في هذا إلى رسم الصورة الحقيقية لهذا التفسير، وبيان مكانته التي يستحقُّها بين التفاسير.
стр. 9
وأسأل الله أن يتقبل عملنا هذا، وأن ينفعنا به وأهل العلم أجمعين، ولا أنسى أن أقدم شكري الكبير إلى دار اللباب للدراساتِ وتحقيق التراث والتي ساهمَ فريقها العلمي في نشر هذا الكتاب نسخًا ومقابلةً وإخراجًا، وقامت الدارُ مشكورةً بتوفير النُّسخِ الخطيِّة لهذا الكتابِ، فالله وحده يجزيهم ويثيبهم على حسنِ صنيعِهم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
* * *
стр. 10
أولًا: تأكيد نسبة الكتاب إلى المؤلف
لا شكَّ في نسبة هذا التفسير للعلَّامة ابنِ كمال باشا، حيث أشار لذلك ونبَّه عليه كثيرٌ ممن ترجمه أو نقل عنه:
ففي "الشَّقائق النعمانية": وله من التصانيف تفسيرٌ لطيفٌ حسنٌ قريبٌ من التَّمام، وقد اخترمتْه المنيَّة ولم يُكمله (١).
وذكر العبارة نفسَها الغزِّي في "الكواكب السائرة" (٢).
وفي "كشف الظنون": "تفسير ابن كمال باشا" أحمد بن سليمان بن كمال، بلغ فيه إلى سورة الصافات، وهو تفسيرٌ لطيف فيه تحقيقاتٌ شريفة، وتصرُّفات عجيبة (٣).
وفي "شَذَرات الذهب": العلَّامة الأوحد، المحقِّق الفهَّامة، صاحبُ التفسير (٤).
* * *
_________
(١) انظر: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٢٢٧).
(٢) انظر: "الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة" لنجم الدين الغزي (٢/ ١٠٨).
(٣) انظر: "كشف الظنون" (١/ ٤٣٩).
(٤) انظر: "شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٣٣٥).
стр. 11
ثانيًا: مصادر نقلت عن هذا التفسير
وقد نقل عنه جمع من كبار العلماء، وفي نقولهم زيادة تأكيد في نسبة الكتاب للمؤلف، فممن نقل عنه العلَّامة الآلوسيُّ في "روح المعاني" في كثير من المواضع، مع التصريح أحيانًا بأن النقل من "تفسير ابن كمال باشا"، كقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]: وذكر ابن كمال في "تفسيره" لبيان الموصول صفية وجُوَيْريَة (١).
وكذا نقل عنه الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي المسماة: "عناية القاضي وكفاية الراضي"، لكن يلاحظ في نقله عدة أمور:
منها: أنه لم يعين المؤلف بالاسم ولا تفسيره لكن من الواضح أن النقل من التفسير، هذا مع العلم أنه قد نقل عنه من كتب أخرى وسماه.
ومنها: أن الغالب في نقله عنه أنه ينقلُه ليردَّه ويدافعَ عن البيضاوي فيما ذهب إليه، فمن الأمثلة على ما ذكرناه:
ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢] قال المؤلف: (وقراءةُ (زيَّن) على البناء للفاعل و (الحياةُ) بالنصب (٢) على الإسناد المجازيِّ، فإنه تعالى أمهَل المزيَّن له فجَعل إمهاله تزييناً، أو زَّينها حتى استحسَنوها وأحبُّوها، ومَن قال: المزيِّن في الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل … ). ثم بيَّن كلَّ واحد منهما.
_________
(١) انظر: "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" (٢١/ ٣٨٦).
(٢) وهي قراءة شاذة كما سيأتي في مكانه.
стр. 12
وهذا الكلام تعقَّب المؤلف فيه البيضاويَّ حيث قال في "تفسيره": والمزيِّن في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، وَيدلُّ عليه قراءة (زَيَّنَ) على البناء للفاعل.
وقد نقل الشهاب في الحاشية كلام المؤلف بحرفه تقريباً ثم رده بقوله: وهذا كله من عدم التأمل؛ لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضعَ؛ كقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤] وفي مواضعَ إلى الشيطان كقوله: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وفي مواضع ذكَره غيرَ مسمًّى فاعله كما هنا، فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وإبداعها ذاتَ زينة كما في قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] فلا شك أنّ فاعله هو الله عند النحويين والمتكلمين، وإن كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] فلا شك أنَّ فاعله عندهما الشيطان … ) إلى آخر ما قال (١).
ومن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقد ذكر المؤلف في تفسيرها كلامًا نقله كلٌّ من الشهاب والآلوسي، وقد عزاه الآلوسي لبعض الأجلَّة، وبينما أطال الشهاب في تعقُّبه، اقتصر الآلوسي على القول: (وفيه ما فيه، فتأمل) (٢).
وإياه أراد الآلوسي بقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ
_________
(١) انظر: "حاشية الشهاب" (٢/ ٢٩٨).
(٢) انظر: "حاشية الشهاب" (٧/ ١٦٤)، و "روح المعاني" (٢١/ ٢٢٤).
стр. 13
فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦]: وقال بعض الكاملين: إن ما في النظم الجليل نظير قوله ﷺ : "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" يعني: بالشراء المذكور، وإن اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب والتعقيب (١).
فإن قائل ذلك هو المؤلف قاله عند تفسير الآية المذكورة.
* * *
_________
(١) انظر: "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" (٣/ ٤٠٥).
стр. 14
ثالثًا: بيان خصائص هذا التفسير التي تَميَّز بها عن غيره من التفاسير
يعدُّ العلامة المؤلِّف لهذا التفسير من كبار علماء عصره، وقد ألمَّ بجميع الفنون وصنَّف فيها، حتى قيل في وصفه: قلَّما يوجد فنٌّ من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنَّفٌ فيه (١)، أضف إلى ذلك أنه من المتأخرين الذين قد اطَّلعوا على قسطٍ كبير من التراث الإسلامي العظيم، ودرسوا كلَّ ما وصل إليهم من تفاسير وأقوالٍ لمن سبقهم من العلماء، هذا مع ما ذكرنا عنه من العناية الفائقة بتفسير القرآن الكريم، فجاء هذا التفسير خلاصةً لما أنتجه فكر هذا العلامة، فإنه كان من أواخر مؤلفاته، حيث اخترمَتْه المنية قبل إتمامه كما تقدم، فلا شك أنه قد اجتمع فيه من الخصائص ما يَندر أن يجتمع في غيره، وقد أشار لهذا مَن ذكروا تفسيره ممن تقدَّم نقلُ كلامهم، وسنذكر بعض هذه الخصائص التي لمسناها من خلال تحقيق هذا السفر الكريم، فأول هذه الخصائص:
١ - المنهج الذي اعتمده المؤلف وسار عليه في الكتاب كلِّه:
وهو المنهجُ الذي يعتمد على استيعاب فكرِ أئمَّةِ النحوِ وأبحاثِ كتبِ المعاني والدراساتِ البلاغيَّةِ، ثُمَّ استعمالِ ذلك والإفادةِ منهُ لإبرازِ خصائصِ التَّعبيرِ القرآنيِّ المعجِزِ وبيانِ مَعانيهِ.
فهو إذاً تفسير يدلُّك على مواطن الإعجاز ومعالم البلاغة في كتاب الله، من خلال الغوصِ في أعماق المعاني، والبحثِ في مدلولات الألفاظ، وليس
_________
(١) انظر: "الأعلام" (١/ ١٣٣).
стр. 15
مجرَّدَ تفسير يشرح المفردات والجمل، وينقل ما جاء فيها من المأثور والأقوال، بل يعلِّم القارئ لكتاب الله كيف يتفكَّر، ويقف عند كلِّ لفظ ويتدبَّر، ويستنبط من كلِّ عبارة، باحثاً فيها ومقارناً بين معانيها، ومنقِّراً - عند اتحاد الموضوع - عن سبب الاختلاف بين لفظٍ وآخَر، أو بين جملةٍ وقرينتها.
وبمعنًى آخَر هو تفسيرٌ يجعل القارئ لكتاب الله يقرأ بعيون الجيل الأول، ويفهم المعاني كما فهموها، ويتدبَّر الإشارات والدلالات كما تدبَّروها، ويتلمَّس عظمة هذا الكتاب كما تلمسوها، فيعيشُ في ظلاله كما عاشوا، ويغوصُ في أعماقه كما غاصوا، ويسترشد به كما استرشَدوا، فيزداد به إيماناً، وبدِينه يقيناً، بعد أن رأى وفهم، ولمس وعلم، أعظم معجزة أوتيها نبي هذه الأمة.
ومن الأساليب التي اتَّبعها المؤلف للوصول إلى هذا الغرض: التنبيهُ على الحكمة من استعمال لفظ دون آخر، أو تقديم لفظ على آخر، أو الاقتصار على لفظ دون غيره، وقد جمع كل ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤] فمَن منا لم يقرأ هذه الآية مئات المرات، ولم يَفهم - إن كان قد فهم - من قوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ أكثر من النصر أو الشهادة، لكن انظر ما ذكر المؤلف فيها، حيث قال: (لم يقل: فيُغلَبْ أو يَغلِبْ؛ إذ حينئذٍ يندرج في الأول الفارُّ من الزحف ولا أجر له، ولم يقل: فيُقتَلْ أو يَقتُلْ؛ للتنبيه على أنه يستحِقُّ الأجر بالغلبة قُتِلَ أو لم يُقتَلْ، وعلى أن حقَّه أن لا يَقصد بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحقِّ وإعزازِ الدِّين، وتقديمُ الأول للدلالة على أنه أولى وأحقُّ بالأجر، والاقتصارُ
стр. 16
عليهما للتنبيه على أن حقَّ المجاهد أن يَثبت في المعركة ولا يَفِرَّ حتى يُعِزَّ نفسه بالشَّهادة أو الدِّينَ بالظَّفَر والغلبة).
وقريبٌ من هذا تنبيهُه على استعمال لفظِ الربِّ دون غيره في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث قال: (وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقُّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة).
وعكسه: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] قال: (لم يقل: (ربًا) لأنَّ جهة توحُّده تعالى ألوهيَّةٌ لا ربوبيَّة).
ومن محاسن تنبيهاته تنبيهُه على الحكمة من النداء بـ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ في قصة إبليس مع آدم، حيث قال: (لا يخفى على الفطِن ما في هذا التعبير من الإشارة إلى أنهم مَظِنَّة الافتتان لكونهم ذريةُ من افتتن).
ومن ذلك قوله: (قال في صفةِ الحور: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] وفي صفة الولدان: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]، وأشار بذلك إلى أن الحور للصحبة دون الولدان؛ لأنَّ اللؤلؤ للنَّظر لا للذَّوق، والبَيض لهما).
ومن أحسن الأمثلة على هذا المنهج قولُه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ: (وإيلاءُ الضمير حرفَ النفي لتقويةِ الحكم وتأكيدِه، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وتقديمُ: ﴿عَلَيْنَا﴾ لمحافظةِ الفاصلةِ، وزيادةُ الباء في ﴿بِعَزِيزٍ﴾ لتأكيد النفيِ، وتنكيرُه للتقليلِ؛ أي: ليسَ لك علينا شيءٌ من جنس العزةِ).
стр. 17
فكيف استنبط من عبارة مؤلفة من أربع كلمات أربعَ حكمٍ وتعليلات، بكلام مقتضب واضح لا إخلال فيه ولا غموض، ولا شك أن ذلك نابع من اليقين بأن كتاب الله هو الكلام المعجز الذي ليس فيه حشوٌ ولا تطويل.
ومنه قوله: (﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] الإسراء: سير الليل خاصَّة، فقوله: ﴿لَيْلًا﴾ لقَطْع مجاز السير خُفيةً، كما أنَّ قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ بعدَ قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] لقطع مجاز السَّير السَّريع).
ومن الاستنباطات من الألفاظ ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] قال: (﴿فَإِذَا هُمْ﴾: فاجَؤوا الحُصولَ ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: وَجهِ الأرْضِ، فالعَربُ تسمي وَجهَ الأرضِ مِن الفَلاة: سَاهرةً؛ أي: ذاتَ سَهرٍ؛ لأنَّه يُسهَر فيها خَوفاً؛ وفيهِ إشارةٌ إلى حصولهم فيها أحياءً).
وفي تفسير ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ [آل عمران: ١٠٠] قال: (والتعبيرُ عن شاسٍ ومَن أعانه فيهِ بالفريقِ يناسبُ قصدَهم إيقاعَ التفرقة بين جمعِ المؤمنين).
وقال في قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: (أصبح) أصلُه: دخلَ في الصباحِ، ثمَّ أُطلِقَ على الصيرورة أيَّ وقتٍ كان، ففيه باعتبارِ أصلهِ دلالةٌ على خروجهم مِن ظلماتِ الضلالة إلى نور الهداية).
ومنه: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] قال: (وإنما قال: ﴿لَهُمْ﴾ تنبيهاً على غاية حماقتهم، حيث عبدوا ما يملكونه).
وكذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
стр. 18
(٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥] قال: (لفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على امتداد تلك الحالة، ويؤيده ما في عبارة المكان من الإشعار بالتمكُّن).
ومنه: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٦] قال: (في عبارة الانتقام دلالةٌ على أنَّهم أهلكوا بعذابٍ شديدٍ).
ومنها ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ [يس: ٥٧] قال: (عبَّر عن كلِّ ما يُرزقون فيها بالفاكهة؛ للتنبيه على أنَّهم مستغنُون عن حفظِ الصحةِ بالأقوات، بأنَّهم أجسامٌ محكمةٌ مخلوقةٌ للأبد، فكلُّ ما يأكلونه على سبيل التلذُّذ).
ومن ذلك: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [يونس: ٧٣] قال: (والعدولُ عن مقتضَى ظاهرِ السياقِ - وهو: المكذِّبينَ - إلى ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للتنبيهِ على أن التكذيبَ إنما يستوجِبُ نزولَ العذابِ إذا كان بعدَ الإنذارِ، فاعتبِر هذا اللطفَ، وذُق لطفَ هذا الاعتبارِ).
ومن استنباطاته الحسنة ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ قال: (هذا السؤال والذي سبق يدلَّان على أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرةَ، فإنهم لو ماتوا كافرين لكان التوبيخُ على كفرهم).
ونحو ذلك: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] قال: (أقحمَ القلبَ - والمعنى: عليكَ - لأنَّه محلُّ الوحيِ والتَّثبيت، وليُعْلَمَ أنَّ المنزَلَ محفوظٌ
стр. 19
عن المخالطة والمغالطة؛ لوصوله إلى القلب بالذَّات، لا بواسطة الصَّوت وآلة السَّمع، فافهم هذا السِّرَّ الدَّقيقَ).
والأمثلة على هذا كثيرة جدًّا، وسيرد الكثير منها في المواضع الأخرى من هذا البحث.
٢ - ومما تميز به هذا التفسير الاختصار والإيجاز اللذين اتسم بهما في جميع المسائل التي يتناولها:
فقد كان واضحاً أن المؤلف قد تعمَّد عدم الإطالة في تفسيره هذا، مع أنه رجلٌ طويل النفَس واسع المعرفة كما يظهر من كتبه ورسائله، لكنه أراد هنا التركيز على الموضوع الأساسي من هذا التفسير، وهو ما فصَّلناه في البند السابق، فإن التطويل قد يضيِّع الفائدة ويقلِّل الاهتمام.
فلا نجده في مسائل النحو مثلاً والإعراب يبالغ في سرد الوجوه أو الإطالة فيها، ولا يتصدَّى للردِّ على فلان، وتفنيدِ قولِ فلان، وتحسين قولِ آخَرَ، والرجوعِ إلى أصول المسائل النَّحوية وتفريعاتها، وعرضِ إشكالاتها، كما نجد ذلك في "البحر المحيط" مثلاً، لكنه مع ذلك لا يهمل ما فيها من أقوال وجيهة، فيعرضُها بدقَّة ووضوح مع الإيجاز غيرِ المخِلِّ.
وكذا في المسائل الفقهية قد يتعرَّض لبعض الآيات التي كانت مداراً لاستدلالات الأئمة المجتهدين، أو سبباً لاختلافهم حَسَب استنباطهم، ولعل من أسبابِ ذلك التنبيهَ على كون هذه الآية لها موقعٌ كبير في كتب الفقهاء، أو الرد على استدلال بالآية في غير مكانه، فيَعْرِض لِمَا استنبطه كلُّ مجتهد منها
стр. 20
في قالب من الإيجاز وعدم التطويل، ولا يذهب مشرِّقاً ومغرِّباً في عرض كل ما يتعلق بها، بل وما له صلة بما يتعلق بها، وباحثاً في الأحكام الفقهية والاختلافات المذهبية البعيدة عنها والقريبة، لمجرَّد أنها ذكرت حكماً فقهيًّا معيَّناً، ولا ناقلاً ما جادت به كتب التفسير والفقه والأصول، لمجرَّد ذكر مسألة فقهيةٍ في الآية، كما يلاحظ في "تفسير القرطبي" مثلاً.
وكذا في المسائل العَقَدية والمذهبية لا يفعل كما فعل الفخر الرازي ﵀ من عرض الشُّبه والردود مع الإطالة التي تضيِّع القارئ، فلا يدري هل يقرأ تفسيراً أم كتابًا في علم الكلام.
وحتى المواضيع التي تتعلق بالآية والأقوال التي قيلت فيها ليس مَعنيًّا - كما فَعل الَالوسيُّ مثلاً - بعرضها والاستفاضة فيها، وفتح حلقةِ نقاشٍ تذكر فيها الأقوال، ثم ما قيل عليها من تعقبات، ثم ما جاء في الإجابة على تلك التعقبات، ثم الردود على الإجابات، ثم الإيراد على الردود، إلى آخر تلك السلسلة، التي وإن كان فيها تفصيل للمسألة وإشباع البحث فيها لكنها ليست هي مراد المؤلف، بل مراده ما تقدم ذكره مما قد أوضحنا بيانه.
ومن مظاهر الاختصار في هذا الكتاب أنه لا يُكثر من ذكر الأعلام أو المراجع، مع احتوائه على نسبةٍ كبيرة من كلامِ مَن سبَقه من الأعلام، لكنْ لعله - والله أعلم - أراد المبالغة في العناية بغاية الكتاب التي قدَّمناها، فأهملَ كلَّ ما عدَاها؛ اختصاراً واقتصاراً على بيان الفائدة دون الحاجة إلى بيان القائل، وحتى الردودُ والتعقُّبات الكثيرة التي حفل بها الكتاب كغيره من مؤلفاته تجدُه لا يُعنى
стр. 21
فيها بالتفصيلات؛ من ذكر القائل، ثم نقلِ قوله، ثم ذكر الردِّ عليه، بل يتجه مباشرة صوبَ الردِّ بكلمات مقتضَبة لكنها كافيةٌ في أداء الغرض، والأمثلة على ما ذكرناه أكثر من تحصى، وسنسوق - إن شاء اللهُ - الكثير منها عند بيان طريقته في التعامل مع الزمخشري والبيضاوي.
٣ - ولعل من أهم ما تميز به هذا التفسير: أنه تنزه عن متابعة ما تناثر في "الكشاف" من دسائس الاعتزال، وبعض الإساءات الناشئة عن شدة الاعتداد والاختيال، ولم يقع فيها كما وقع غيره من كبار الأئمة كالبيضاوي ﵀.
فمن ذلك قول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]: كناية عن الجناية؛ لأن العفو رادف لها، ومعناها: أخطأت وبئس ما فعلت.
فتابعه البيضاوي قائلاً: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ كناية عن خطئه في الإذن، فإن العفو من روادفه.
في حين قال المؤلف في تفسيرها: (ولا يخفى ما في تقديم العفو على ذِكْرِ ما يُوْهِمُ العِتاب من تعظيم شأنه ﵇، والتنبيه على لطف مكانه، ومَن لم يتنبَّه لذلك قال: إنَّه كناية عن الجناية، ومعناه: أخطأْتَ وبئسَ ما فعلْتَ. ثم إنه لم يدرِ أنَّ الإذن المذكور مِن قَبِيل الخطأ في الاجتهاد، فهو مظنَّة الثَّواب لا العقاب، والله تعالى أعلم بالصواب).
ومعروف عن الزمخشري رده لبعض القراءات المتواترة كقراءة حمزة:
стр. 22
﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر، فقال: (والجر على عطف الظاهر على المضمر، وليس بسديد لأن الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد … ).
وقال البيضاوي متابعاً: (وقرأ حمزة بالجر عطفاً على الضمير المجرور، وهو ضعيف لأنَّه كبعض الكلمة).
وقد شنع العلماء ومنهم أبو حيان في "البحر المحيط" على الزمخشري وغيرِه ممَّن ردَّ هذه القراءة، مع أنها متواترة، وصحيحة على قول الكوفيين، وهو الصحيح في هذه المسألة كما قال أبو حيان.
وكذا فعل المؤلف مثبتاً للقراءة، ومعرِّضا في آخر كلامه بالزمخشري، فقال: (وقرئ بالجر عطفاً على الضمير المجرور، وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد).
كما أنه نزَّه كتابه عمَّا وقع فيه البيضاويُّ من ذكر الأحاديث الموضوعة في فضل السُّوَر عند نهاية كلِّ سورة، مما نبَّه على وضعه العلماء.
وكان للزمخشريِّ بالمرصاد في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] فقال: (أي: بل أتسمُّونهم شركاءَ بمجرد ظاهر القول، وإطلاق لفظة الشركاء أو الآلهة من غير أن يكون لذلك معنًى وحقيقةٌ من الألوهية والمشارَكة؛ كقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]،
стр. 23
وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسانٍ طَلْقٍ ذَلِقِ أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأَنصف مِن نفسه، ومَن زاد على هذا قولَه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقد أتى بكلمة حقٍّ أُريدَ بها باطل، يدندنُ بها مَن هو عن حِليَة الإنصاف عاطل).
معرِّضاً بالزمخشري القائل: وهذا الاحتجاجُ وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسان طلقٍ ذلقٍ أنه ليس من كلام البشر لمن عَرف وأَنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد تعقَّبه ابن المنير أيضًا بقوله: هذه الخاتمة كلمةُ حقٍّ أراد بها باطلاً؛ لأنَّه يُعرِّض فيها بخلق القرآن، فتَنبَّهْ لها، وما أسرعَ المُطالعَ لهذا الفصل أن يمرَّ على لسانه وقلبه ويستحسنَه وهو غافلٌ عما تحته، لولا هذا التنبيه والإيقاظ، والله أعلم.
كما شنَّع على الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] فقال: (وأصلُ الرجمِ: الرميُ بالحجارة، وعنِ النبيِّ ﷺ : "ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يمسُّهُ حينَ يولدُ فيستهِلُّ مِن مسِّهِ، إلا مريمَ وابنَها".
والحديثُ مذكورٌ في الصحيحينِ، ولا صارفَ عن ظاهرِهِ، فمَن تردَّدَ في صحتِهِ ثم أوَّلهُ فقد ضلَّ وأضلَّ).
وهذا تعريض بالزمخشري الذي تردَّد في صحته قائلاً: (اللهُ أعلم بصحَّته)، ثم قال في تأويله ما قال، مما هو جارٍ على طريقة أهل الاعتزال - كما قال أبو حيان - متَّهمًا أهل السنَّة بأنهم أهلُ الحشو.
стр. 24
ومنه عدمُ إعجابه بما ذهب إليه الزمخشري من تعليق قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو الوجه الذي اقتصر عليه الزمخشري، وجعله أبو حيان من روائح الاعتزال.
وهذا غيضٌ من فيضٍ، وسيأتي له أمثلة كثيرةٌ أخرى إن شاء الله.
٤ - ومن ميزات هذا التفسير أيضًا كثرة الاستنباطات والاجتهادات مما لا يوجد في أي كتاب آخر:
وهذا كثيرٌ جدًّا في هذا الكتاب، وهو نابعٌ من شخصية مؤلفه الموسوعية، ومن قوَّة عقله وعُمق نظره، وسعة علمه وحسن تحريره:
فمن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال: أي: (ولا تكونُنَّ على حالٍ سوى الإسلامِ حينَ الموتِ، فالمنهيُّ كونهم على حالٍ غير الإسلام عندَ موتهم، لا موتُهم.
ثم قال: هذا ما عندَهم، والذي عندي: هو أنَّ النهيَ المذكورَ للتحذيرِ عن الموت على حالٍ سوى الإسلامِ، والحذرُ عنه إنما يكونُ بالاحترازِ عما يُفضي إليهِ، فهو حثٌّ على الثباتِ على الإسلام في جميعِ الأزمانِ على أبلغ وجهٍ، وعلى هذا لا عدولَ عن الظاهرِ، بخلافِ ما قالوه).
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] قال: (قيل: في ذكر اسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تنبيهٌ على أنْ لا كالئ غيرُ رحمته العامة، وأنَّ اندفاع البأس عن النَّاس لا يكون إلَّا بها).
ثم تعقب ذلك بقوله: (وعندى أنَّ التَّنبيه فيه على أنَّ رحمته العامة لا تمنعه عن الغضب، فلا تغتروا بها، ولا يخفى أنَّ هذا هو الأنسب للمقام).
стр. 25
وكثيراً ما يستعمل في عرض رأيه بعد إيراده لقول غيره نحو عبارة: (هذا بحسب جليل النظر والذي بحسب دقيقه … )، كما جاء بعد ذكره لمسألةٍ في الرضاع حيث قال: (هذا بحسَبِ جليلِ النظر، والذي هو بحسَبِ دَقيقهِ: أنَّ الحرمة في الصورِ المذكورةِ بالمصاهرة دون النسب … ).
ومنه ما جاء في تفسير آية المداينة، حيث قال: (وإنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ - مع أنه مستفادٌ من التدايُن - للتعميم؛ أي: أيِّ دَينٍ كان قليلاً أو كثيرًا، أو لقطعِ احتمال معنًى آخر فإن المدايَنة قد يراد بها المجازاةُ، وأما تنوُّعه إلى المؤجَّل والحالِّ فيُعلم من قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ ومرجعُ الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لا يلزمُ أن يكون مذكوراً، بل يكفي أن يكون مفهوماً في ضمن الكلام السابق).
ثم قال: (هذا كلُّه بحسب جليلِ النظر، والذي بحسَب دقيقِه هو أنه لا بد مِن ذكر الدَّين ليتعلَّق الجارُّ به، فإنه لو لم يذكر لفُهم تعلُّقه بالتدايُن، ولا وجه له فإنَّ المبايعةَ إلى أَجَلٍ غيرُ مشروعة).
ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النساء: ١٥٧]: (شيءٍ من جنس العلم ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] استثناء منقطع، والمعنى: أنهم مستمرُّون على الشك، لكنْ قد يَلوح لهم أمارةٌ فيحصل ظنٌّ، ثم يزول ويعود الشك، وهذا أدلُّ على شدة الحيرة من استمرار الشك بلا انقطاعٍ).
стр. 26
ثم قال: (هذا ما بحسب جليل النظر، والذي هو بحسَب دقيقه: أن المراد من الشك ما يلزمه من الحيرة التي لا محيص لهم عنها، وعبارةُ (في) الدالةُ على الثبوت والتقريرِ إنما تساعد هذا.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] قال: (ولا فرقَ فيه بين المذكَّر والمؤنَّث، وتخصيصُ المحصنات لخصوص الواقعة، أو لأن قذفهنَّ كان أغلبَ.
هذا ما قالوا، وأنا أقول: أُريدَ الأنفسُ المحصنات، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فلا تخصيص).
٥ - ومن ذلك كثرة التعقبات والردود على بعض الأئمة كالبيضاوي والزمخشري:
وله فيه أسلوب حسن، وهو أنه يَقتصر على ذكر الرد، دون ذكر القائل ودون نقل كلامه بالنص، بل بالاقتصار على ما يفيد الغرض ويوضح الرد، وسيأتي عليه الأمثلة إن شاء الله تعالى.
وهذا يدل على أنه لم تكن غاية المؤلف في ذلك التشهير أو التجريح، بل بيانُ الوجه الصحيح كما يراه هو، مع ما يستلزم ذلك من التعرُّض للوجه المخالف؛ ليتميز الأمر وتكتمِلَ الصورة، لكن دون أيِّ تجريح، بل ولا تصريحٍ بنسبة المردود لقائل، مما يدل على سلامة النية وطهارة الطوِيَّة، والحرصِ على الإخلاص في الأعمال لتكون مقبولةً عند الملك المتعال.
стр. 27
٦ - ومما تميز به هذا التفسير أيضًا أنه نقل لنا كثيرًا مما أبدعه مَن تقدَّمه من العلماء الذين لم تصل إلينا كتبهم، أو لا تزال حبيسة المكتبات تنتظر من يمسح عنها الغبار وينقذها من التلف:
فمن ذلك أنه نقل الكثير عن أحد أهم الحواشي على "الكشاف"، وهو كتاب: "الكشف على الكشاف" لسراج الدين عمر بن عبد الرحمن القزويني، لكنه لم يصرِّح به في أيِّ موضع من مواضع نقله، علماً أنه قد صرَّح بالنقل عنه في "أربعينياته" وبعضِ رسائله كرسالته في وضع كاد، ورسالةِ السينات، ورسالةِ نسبةِ الجمع، وغيرها، لكنه هنا لم يصرح بذلك أبدا اتِّباعاً لمنهجه في هذا التفسير من الاقتصار على ذكر الأقوال دون عزوٍ - في الغالب - سواءٌ لهذا الكتاب أو لغيره.
ولرُبَّ سائل يسأل: إذا كان المؤلف لم ينسب الكلام، والمصدرُ غير موجود، فكيف عُرف أن النقل من هذا المصدر؟
فالجواب: أن هذا كان اعتماداً على "روح المعاني" حيث إن الآلوسي ﵀ قد أكثر كالمؤلف من النقل عن المصدر المذكور، لكنه كان في الغالب يعيِّنه باسمه، وكثيراً ما يتطابق نقله مع نقل المؤلف، ويكون النصُّ منقولاً بالحرف عندهما، فبذلك استدللنا على نقل المؤلف عن ذلك المصدر، فمِن ذلك ما نقلَه عنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، وقوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا
стр. 28
لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وغيرها كثير، وقد بيَّنَّا النقل عند هذه الآيات وغيرها كلٌّ في مكانه، وهذا كله مما هو مشترَك بينه وبين الآلوسي، وهو - مع الأخذِ بعين الاعتبار ما قدَّمناه من منهجه في عدم نسبة الكلام لقائله - يدلُّ على نقله في غير هذه المواضع عن هذا المصدر، كما يدل على نقله عن غيره، والله أعلم.
فهذا ما ألهمَنا الله إياه وعرَّفَنا من ميزات هذا الكتاب، وليس هذا كلُّ ما حفل به هذا السفر الكريم، بل هناك الكثير الذي لا يظهر إلا بخوض غماره، والتأمل في معانيه وإبداعاته.
ولننتقل إلى بحث لا يقل أهمية عنه، بل هو من أهم أبحاث هذه المقدمة، وهو بيان منهج المؤلف في هذا التفسير، والأسسِ التي بني عليها.
стр. 29
رابعاً: بيان منهج المؤلف الذي سلكه في تأليف تفسيره
وسوف نتناول في هذا البحث عدة موضوعات لعلها ترسم الصورة الحقيقية له، وتكونُ كافيةً في بيان طريقة المؤلف التي سلكها في تفسيره هذا، فأول المواضيع التي نبحثها هو:
مصادره التي اعتمد عليها وكيفية إفادته منها
فقد نقل المؤلف عن الجم الغفير من أئمة التفسير واللغة والمعاني، فأولهم الزمخشري والبيضاوي، ثم عن كثير غيرهم كالزجاج والفراء والماتريدي، وأبي علي الفارسي، والراغب والقشيري، وابن عطية والقرطبي، والمرزوقي والجرجاني والواحدي، وأبي حيان والنسفي.
وكلُّهم ممن صرَّح بالنقل عنهم، إلا أنه كان يَنقل دون تصريحٍ في الغالب، لكن يمكن معرفة المصدر من خلال المقارنة والمقابلة.
وسيكون التفصيل الأكثر في علاقته بالزمخشري والبيضاوي من خلال تفسيريهما، وكيفية إفادته منهما، وطريقته في تعقبهما.
ويمكن تلخيص تأثُّر المؤلف بهذين التفسيرين بأمرين: اختيارات وتعقبات، فهو من جانب ينقل منهما وبلفظهما التفسير والقراءات والأخبار وأسباب النزول، ويتابعهما في كثير من الوجوه الإعرابية وتوجيه القراءات والمعاني القرآنية، ومن جانب آخر يُكثر من التعقُّب عليهما وتخطئتهما إلى درجةٍ أصبح معها ردودُه وتعقباته عليهما من أبرز سمات هذا الكتاب:
فمن الأمور التي تابعهما فيها دون النظر إلى ما قاله غيرهما: ما جاء عند
стр. 30
تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، قال في إعرابها: (صفةٌ أُخرى في محلِّ الجرِّ، و (ظلماتٌ) مرفوعٌ بفاعلية الظَّرفِ بالاتِّفاق؛ لاعتمادهِ على الموصوف).
كذا نقل هذا الاتفاق عن الزمخشري في "الكشاف"، وتابعه البيضاوي في "تفسيره"، لكن بالبحث فيما قاله العلماء نجد أن القول بالاتفاق هنا قد يكون مقتصراً على الزمخشري ومتابعيه، بينما أجاز الكثير من العلماء المعتبَرين فيهما الابتداء والخبر، منهم مكيُّ بن أبي طالبٍ والعُكْبريُّ والقرطبيُّ وأبو حيان والآلوسيُّ. وإن كان أبو حيان قد استبعده بقوله: ولا حاجة إلى هذا؛ لأنَّه إذا دار الأمر بين أن تكون الصفة من قبيل المفرد، وبين أن تكون من قبيل الجمل، كان الأَولى جعْلَها من قبيل المفرد (١).
ومن الأمثلة أيضًا على متابعته لهما ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] حيث نقل بالحرف قول البيضاوي: (﴿خَيْرٌ﴾ جواب (لو)، وأصله: لأُثيبوا مثوبةً من عند الله خيراً مما شَرَوا به أنفسهم، فحُذف الفعل وركِّب الباقي جملةً اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزمِ بخيريتها، وحُذف المفضَّل عليه إجلالاً للمفضَّل من أن ينسب إليه).
وفي تفسير ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] نقل بالحرف قول
_________
(١) انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب (١/ ٨١)، و "الإملاء" للعكبري (١/ ٣٥)، و "تفسير القرطبي" (١/ ٣٢٧)، و "البحر المحيط" (١/ ٢٤١)، و "روح المعاني" (١/ ٤٨٠).
стр. 31
الزمخشري: (وقرئ: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضمتين، وضمةٍ وسكونِ الطاء، وبفتحتين، وفتحةٍ وسكونها. والخَطْوةُ بالفتح: المرةُ من الخَطْو، وهو نقلُ قدم الماشي، والخُطْوة بالضم: اسم ما بين قدمي الخاطي، وهما كالقَبْضة والقُبْضة).
ومثله في النقل عن الزمخشري قوله: (ثم إنه كنَى بمجموع قوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] عن الجماع، وقد كُني عن الجماع في جميع القرآن بلفظٍ مستحسَنٍ لا يدلُّ على معنى القبحِ مراعاةً للأدب - ولا أدبَ كأدبِ التنزيل - كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلا هاهنا فإنه كُني عنه بما دلَّ على معنى القبيح استهجاناً واستقباحاً لِمَا ارتكَبوه، ولذلك سمَّاه خيانةً).
والأمثلة على هذا كثيرة لا تحتاج إلى تدليل، ولكن أردنا أن لا نُخْلي البحث من بعض الأمثلة على نقله عن كلِّ منهما، وإنما الذي يُحتاج للوقوف عنده هو ما كان فيه مع النقل زيادةٌ أو تغييرٌ أو تعقُّب، فمن أمثلة الزيادة:
ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: (مفعول ﴿يَوَدُّ﴾، و ﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدة للاستغراق، والثانية للابتداء، وفسر الخير بالوحي، والمعنى:
стр. 32
أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم شيء منه وبالعلم وبالنصرة).
وهذا منقول بالحرف من البيضاوي، ثم قال البيضاوي: ولعل المراد به ما يعم ذلك.
وقال المؤلف: (والوجهُ تعميمُه للكلِّ؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي بالواسطة).
وقد تكون الزيادة خلال الكلام لا في آخره، ومن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] قال: (من الأنبياء ﵈، والأممِ من لدُنْ آدمَ ﵇، يعني: أنه عبادةٌ قديمة ما أَخْلَى الله تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم، ففيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ على الفعل، وتطييبٌ على النَّفْس).
وهو من البيضاوي دون قوله: (يعني: أنه عبادةٌ قديمة ما أَخْلَى الله تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم).
ومن أمثلة التغيير: ما جاء في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: (بالأداء لوقتها والمداوَمةِ عليها. والأمرُ بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يُلهيهم الاشتغالُ بشأنهم عنها).
ومثله في البيضاوي إلا أنه قال: ( … ولعل الأمر بها … )، بزيادة كلمة: (لعل).
ومن أسلوب الزمخشري في "الكشاف" طريقة (فإنْ قيل .. - أو قلتَ .. - قلتُ .. )، لكن المؤلف - ولعله من باب الاختصار - كثيرًا ما يُجمل الكلام
стр. 33
ويجعله خلواً عن الأسلوب المذكور، فمن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قال: (وتنكيرُ الرشد معناه: نوعاً من الرشد، وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو: طرفاً من الرشد حتى لا يُنتظرُ إلى تمامه، ونظم الآية: (إنْ) الشرطيةُ جواب ﴿إِذَا﴾ المتضمنةِ معنى الشرط، والجملة غايةُ الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقِهم دفعَ أموالهم إليهم بشرطِ إيناسِ الرُّشد منهم).
وقال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى تنكير الرشد؟ قلتُ: معناه: نوعاً من الرشد، وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو: طرفاً من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد. فإن قلتَ: كيف نظم هذا الكلام؟ قلتُ: ما بعد (حَتَّى) إلى ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جعل غاية للابتلاء، وهي (حتى) التي تقع بعدها الجمل … والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن ﴿إِذَا﴾ متضمنة معنى الشرط، وفعل الشرط ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جملة من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط الأول الذي هو ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم.
فانظر كيف غيَّر المؤلف ﵀ واختصر، لكن مع المحافظة على المعنى.
ومثله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ قال: (وتنكيرها لأن المطر
стр. 34
يأتي على تناوُبٍ بين البقاع، فتسيل في بعض الأودية دون بعض، وكذا في الممثَّل له ليس كلُّ قلب قابلاً بل بعضٌ منها دون بعض، ﴿بِقَدَرِهَا: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضارٍّ، أو: بمقدارها في الصِّغر والكبر).
بينما قال الزمخشري: فإن قلتَ: لم نكرت الأودية؟ قلتُ: لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. فإن قلتَ: فما معنى قوله: ﴿بِقَدَرِهَا﴾؟ قلت: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضارّ، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ لأنَّه ضرب المطر مثلاً للحق، فوجب أن يكون مطراً خالصاً للنفع خالياً من المضرة، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف.
فغيَّر المؤلف في الأسلوب، واختصر، وزاد قولاً في آخر كلامه.
لكنه في المقابل لا يقبل كلَّ ما يقوله الزمخشريُّ والبيضاوي، بل يردُّ عليهما في كثير جدًّا من المواضع، وهذا ينقلنا إلى عرضِ طريقته في التعقُّبات والردود، والتي تعدُّ من أبرز السمات في منهج المؤلف كما سيرد في الأمثلة الكثيرة التي سنسوقها:
فمن ذلك ردُّه على كلٍّ من الزمخشري والبيضاوي وشرَّاحهما تأويلاتهم في آية: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ فقال: (والمعنى والله أعلم: ولكنَّ البرَّ هذه العقائدُ الصحيحةُ والأعمالُ الصالحةُ، والوصفُ كما يُذكر في مَقام الموصوف بلا حذفٍ ولا
стр. 35
تجوُّزٍ بحسَب اللفظ كما في قولك: رجلٌ عَدْلٌ، فإن التجوُّز فيه في الإسناد دون المسنَد، كذلك يُذكر الموصوفُ في مَقام الوصف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ بحسَب اللفظ كالذي نحن فيه تنزيلاً للموصوف مَنزلتَه … ).
ثم قال: (وفي المصير إلى التقدير في مثلِ هذا المقامِ تنزيلٌ للكلام عن مَنزلته الرَّفيعة، وتغييرٌ لصورته البديعةِ، على أنه إذا قيل: ولكنَّ البرَّ برُّ من اَمن .. إلخ، يُفهم منه عدمُ الاعتبارِ لبِرِّ مَن قصَّر في بعض تلك الأعمال، وإذا قيل: ولكنَّ ذا البرِّ مَن آمَن .. إلخ، يخرج الكلام عن سَنن الانتظام، وأيضاً لو قُصد هذا لكان المناسبُ أن يقال: ولكنَّ البَرَّ، بفتح الباء).
ففي هذا رد على الزمخشري في التقديرين المذكورين، وعلى مَن تابعه كالبيضاوي والنسفي وغيرهما، ولا ندري هل غفل هؤلاء الأئمة عن الوجه الذي نحاه المؤلف في تفسير الآية، أم عرفوه لكنهم ما اعتبروه؟
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قال: (نزلت لمَّا قال المشركون أو اليهود: ألَا ترون إلى محمدٍ ﵇ يأمر أصحابه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. ففي الآية دلالةٌ على جواز النسخ، بل على وقوعه.
قيل (والقائل البيضاوي): وذلك لأن الأحكام شُرعت والآياتِ نزلت لمصالح العباد وتكميلِ نفوسهم فضلاً من الله تعالى ورحمةً، وذلك يَختلِف باختلافِ الأعصار والأشخاص؛ كأسباب المعاش، فإنَّ النافع في عصرٍ قد يَضُرُّ في غيره).
стр. 36
ثم تعقب القيل المذكور بقوله: (وكأنَّ هذا القائلَ غافلٌ عن قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أو عن دلالته على أنَّ النسخ قد يكون غضباً على قوم.
ثم إنَّ قوله: وذلك يختلف باختلاف الأعصار … إلخ، مَبناه الغفولُ عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ).
وانظر إلى قوله: (﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]: ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ فاعلُ ﴿كُتِبَ﴾، وتأنيثُها ليست بحقيقة فيجوز تذكيرها - ولا حاجة إلى ما قيل: وتذكير الفعل للفاصل، أو لأنها بمعنى: أن يوصيَ، ولهذا ذكِّر ضميرها في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ - والعامل في ﴿إِذَا﴾ مدلولُ ﴿كُتِبَ﴾ لا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾؛ لتقدُّمه عليها).
فقوله: (ولا حاجة … ) رد على البيضاوي، وقوله: (والعامل … ) نقله منه بالحرف معتمداً إياه.
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] قال: (تقبيحٌ بليغٌ لِمَا كانوا يتعاطَونه من المنكَرِ في ذلك مع اطِّلاع بعضِهم على حالِ بعضٍ، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالجهة التي ليست مشروعةً؛ كما في العقود الفاسدة، والأكسابِ الخبيثة، وأموالِ الغنيمة قبل القسمة، هذا هو الظاهر من قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾.
قيل: أي: ولا تأكلوا بعضُكم مالَ بعضٍ. ولا يخفى ما فيه من الصَّرف عن الظاهر بلا داعٍ إليه).
стр. 37
وصاحب القيل المذكور هو الزمخشري، وتابعه فيه البيضاوي.
ومن تعقُّباته على البيضاوي قولُه في تفسير: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ﴾ [النساء: ١٢]: (أي: ولواحد منهما، فلا ضرورة للحمل على الاقتصار كما ذهب إليه مَن قال: أي: وللرجل، واكتُفيَ بحُكمه عن حُكم المرأة لدلالةِ العطف على تشارُكهما فيه).
والقائل المذكور هو البيضاوي في "تفسيره".
ومن أجمل الأمثلة على تعقُّبه للبيضاوي كلامُه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] حيث قال: (ومَن قالَ في تفسيره [أي: تفسير الكظم، والقائل هو البيضاوي]: الممسِكينَ عليهِ، الكافِّينَ عن إمضائهِ معَ القدرةِ عليهِ، فلَم يُصِب في اعتبارِه القيدَ الأخيرَ؛ لأنهُ غيرُ لازمٍ في كظمِ الغيظِ، على ما يُفهَم من قولهِ ﵇: مَن كظَم غيظاً وهو يقدِرُ على إنفاذِه ملأَ الله قلبَهُ أمناً وإيماناً).
قلتُ: ومراد المؤلف ﵀: أن الكف عن إمضاء الغيظ مع القدرةِ عليه ليس داخلاً في معنى الكظم، بدلالة تقييدِه به في الحديث، ولو كان منه لَمَا قيِّد به، والبيضاوي جعله داخلاً في معنى الكظم.
ومن الأمثلة الحسنة أيضًا قولُه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١]: (إذا نالهم وسوستُه، قيل [والقائل البيضاوي]: كأنه: طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم).
стр. 38
ثم تعقبه بقوله: (ومبناه الغفول عن دلالة المس).
فنسبه إلى الغفلة هنا، وأحياناً ينسبه إلى الوهم كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] قال: (وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ منصوب بـ ﴿تُصَلِّ﴾، وبه صارت الآية محكَمة، لا بـ ﴿مَاتَ﴾ كما توهَّمه مَن قال: فإنَّ إحياء الكافر للتعذيب له دون التمتُّع، فكأنه لم يَحْيَ).
والقائل هو البيضاوي.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قال: (وهذا السؤال ظاهرٌ في غيبة الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] نصٌّ فيها، فلا وجه لمَا قيل: يجوز أن يَحضروا ويشاهِدوا ولكنْ لمَّا لم ينتفعوا بهم ولم يكن فيهم ما رَجَوا من الشفاعة لهم جُعِلوا كأنهم غُيَّبٌ عنهم، وهو أبلغ في التوبيخ؛ إذ وجودهم أضرُّ من العدم.
وأما ما قيل: يجوز أن يُحال بينهم وبينها حينئذ ليتفقَّدوها في الساعة التي علَّقوا بها الرجاء فيها. فيَرِدُ عليه: أنه حينئذ ينكشف الحال عندهم، ويعلمون أنه لا منفعة لهم في آلهتهم، بل مضرَّة، فلا احتمال للتفقُّد).
وكلا القيلين ذكرهما الزمخشري وتابعه عليهما البيضاوي.
وردَّ عليهما في تفسير قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] قال: (بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها؛ … وقد دل الباء السببية على أنهم
стр. 39
يعرفونهم بالأمارات الظاهرة، فلا وجه لِمَا قيل: وعرفانُهم ذلك يجوز أن يكون بالإلهام من الله تعالى، أو بتعريف الملائكة).
وعليهما في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١] قال: (بعضَ الملك، وهو مُلك مصر، ومَن قال: أو بعضَ ملك مصر، فكأنه غفل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]).
ومثله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] قال: (لئلا يقولوا: لولا أَرسلت إلينا رسولًا فيوقظَنا من سِنَة الغفلة، وينبِّهَنا لِمَا يجب الانتباه له. ومَن قال: وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء ﵈ إلى الناس ضرورةٌ؛ لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثرِ عن إدراك كلياتها = فلم يتنبه لعدم مساعدة الاقتصار على التبشير والإنذار لذلك، فإن الأهم حينئذ ذكر بيان الأحكام كما لا يخفى على ذوي الإفهام.
وصاحب القول المذكور هو البيضاوي.
وأمَّا ما قيل: واسمع غيرَ مسمعٍ مكروهاً، من قولهم: أسمعه فلان، إذا سبَّه، فيأباه السياق، وكونه على قصد النفاق لا يتحمله السياق لأنهم بقولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أظهروا الخلاف والشقاق).
وهذا المردود هو قول أجازه الزمخشري وتابعه عليه البيضاوي لكنه زاد عليه قصد النفاق.
стр. 40
ومثل ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: (بكلِّ معبودٍ سوى الله، ولا يلزمُ إطلاق الطاغوت على عزيرٍ وعيسى والملائكة ﵈؛ لأن عبَّادهم ما عبدوهم في الحقيقة، بل عبدوا الشيطان على ما يأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]).
ثم قال: (وبهذا التفصيل … تَبيَّن الخللُ فيما قيل: بالشيطان أو الأصنام، أو كلِّ ما عُبد من دون الله، أو صدَّ عن عبادة الله).
وفيه رد على الزمخشري والبيضاوي، حيث قال الزمخشري: (فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام)، وزاد عليها القاضي: (أو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى)، وهي عينها عبارة المؤلف.
ومن ردوده عليهما ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] قال: (وجوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: (ويقولُ: أرسلتُ رسولاً)، ولا يخفَى ضعفُهُ؛ إذ فيه إضمارُ شيئينِ: القولُ ومعمولُهُ).
والمجوِّز الزمخشري وتابعه البيضاوي.
وفي تفسير: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] قال: (عبارةُ ﴿كُلِّ﴾ للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ومَن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدِّين، ثم تكلَّف في بيانه
следующие страницы →