← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم تعقب القيل المذكور بقوله: (وكأنَّ هذا القائلَ غافلٌ عن قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أو عن دلالته على أنَّ النسخ قد يكون غضباً على قوم. ثم إنَّ قوله: وذلك يختلف باختلاف الأعصار … إلخ، مَبناه الغفولُ عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ). وانظر إلى قوله: (﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]: ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ فاعلُ ﴿كُتِبَ﴾، وتأنيثُها ليست بحقيقة فيجوز تذكيرها - ولا حاجة إلى ما قيل: وتذكير الفعل للفاصل، أو لأنها بمعنى: أن يوصيَ، ولهذا ذكِّر ضميرها في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ - والعامل في ﴿إِذَا﴾ مدلولُ ﴿كُتِبَ﴾ لا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾؛ لتقدُّمه عليها). فقوله: (ولا حاجة … ) رد على البيضاوي، وقوله: (والعامل … ) نقله منه بالحرف معتمداً إياه. وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] قال: (تقبيحٌ بليغٌ لِمَا كانوا يتعاطَونه من المنكَرِ في ذلك مع اطِّلاع بعضِهم على حالِ بعضٍ، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالجهة التي ليست مشروعةً؛ كما في العقود الفاسدة، والأكسابِ الخبيثة، وأموالِ الغنيمة قبل القسمة، هذا هو الظاهر من قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾. قيل: أي: ولا تأكلوا بعضُكم مالَ بعضٍ. ولا يخفى ما فيه من الصَّرف عن الظاهر بلا داعٍ إليه).

стр. 37

وصاحب القيل المذكور هو الزمخشري، وتابعه فيه البيضاوي. ومن تعقُّباته على البيضاوي قولُه في تفسير: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ﴾ [النساء: ١٢]: (أي: ولواحد منهما، فلا ضرورة للحمل على الاقتصار كما ذهب إليه مَن قال: أي: وللرجل، واكتُفيَ بحُكمه عن حُكم المرأة لدلالةِ العطف على تشارُكهما فيه). والقائل المذكور هو البيضاوي في "تفسيره". ومن أجمل الأمثلة على تعقُّبه للبيضاوي كلامُه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] حيث قال: (ومَن قالَ في تفسيره [أي: تفسير الكظم، والقائل هو البيضاوي]: الممسِكينَ عليهِ، الكافِّينَ عن إمضائهِ معَ القدرةِ عليهِ، فلَم يُصِب في اعتبارِه القيدَ الأخيرَ؛ لأنهُ غيرُ لازمٍ في كظمِ الغيظِ، على ما يُفهَم من قولهِ ﵇: مَن كظَم غيظاً وهو يقدِرُ على إنفاذِه ملأَ الله قلبَهُ أمناً وإيماناً). قلتُ: ومراد المؤلف ﵀: أن الكف عن إمضاء الغيظ مع القدرةِ عليه ليس داخلاً في معنى الكظم، بدلالة تقييدِه به في الحديث، ولو كان منه لَمَا قيِّد به، والبيضاوي جعله داخلاً في معنى الكظم. ومن الأمثلة الحسنة أيضًا قولُه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١]: (إذا نالهم وسوستُه، قيل [والقائل البيضاوي]: كأنه: طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم).

стр. 38

ثم تعقبه بقوله: (ومبناه الغفول عن دلالة المس). فنسبه إلى الغفلة هنا، وأحياناً ينسبه إلى الوهم كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] قال: (وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ منصوب بـ ﴿تُصَلِّ﴾، وبه صارت الآية محكَمة، لا بـ ﴿مَاتَ﴾ كما توهَّمه مَن قال: فإنَّ إحياء الكافر للتعذيب له دون التمتُّع، فكأنه لم يَحْيَ). والقائل هو البيضاوي. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قال: (وهذا السؤال ظاهرٌ في غيبة الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] نصٌّ فيها، فلا وجه لمَا قيل: يجوز أن يَحضروا ويشاهِدوا ولكنْ لمَّا لم ينتفعوا بهم ولم يكن فيهم ما رَجَوا من الشفاعة لهم جُعِلوا كأنهم غُيَّبٌ عنهم، وهو أبلغ في التوبيخ؛ إذ وجودهم أضرُّ من العدم. وأما ما قيل: يجوز أن يُحال بينهم وبينها حينئذ ليتفقَّدوها في الساعة التي علَّقوا بها الرجاء فيها. فيَرِدُ عليه: أنه حينئذ ينكشف الحال عندهم، ويعلمون أنه لا منفعة لهم في آلهتهم، بل مضرَّة، فلا احتمال للتفقُّد). وكلا القيلين ذكرهما الزمخشري وتابعه عليهما البيضاوي. وردَّ عليهما في تفسير قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] قال: (بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها؛ … وقد دل الباء السببية على أنهم

стр. 39

يعرفونهم بالأمارات الظاهرة، فلا وجه لِمَا قيل: وعرفانُهم ذلك يجوز أن يكون بالإلهام من الله تعالى، أو بتعريف الملائكة). وعليهما في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١] قال: (بعضَ الملك، وهو مُلك مصر، ومَن قال: أو بعضَ ملك مصر، فكأنه غفل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]). ومثله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] قال: (لئلا يقولوا: لولا أَرسلت إلينا رسولًا فيوقظَنا من سِنَة الغفلة، وينبِّهَنا لِمَا يجب الانتباه له. ومَن قال: وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء ﵈ إلى الناس ضرورةٌ؛ لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثرِ عن إدراك كلياتها = فلم يتنبه لعدم مساعدة الاقتصار على التبشير والإنذار لذلك، فإن الأهم حينئذ ذكر بيان الأحكام كما لا يخفى على ذوي الإفهام. وصاحب القول المذكور هو البيضاوي. وأمَّا ما قيل: واسمع غيرَ مسمعٍ مكروهاً، من قولهم: أسمعه فلان، إذا سبَّه، فيأباه السياق، وكونه على قصد النفاق لا يتحمله السياق لأنهم بقولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أظهروا الخلاف والشقاق). وهذا المردود هو قول أجازه الزمخشري وتابعه عليه البيضاوي لكنه زاد عليه قصد النفاق.

стр. 40

ومثل ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: (بكلِّ معبودٍ سوى الله، ولا يلزمُ إطلاق الطاغوت على عزيرٍ وعيسى والملائكة ﵈؛ لأن عبَّادهم ما عبدوهم في الحقيقة، بل عبدوا الشيطان على ما يأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]). ثم قال: (وبهذا التفصيل … تَبيَّن الخللُ فيما قيل: بالشيطان أو الأصنام، أو كلِّ ما عُبد من دون الله، أو صدَّ عن عبادة الله). وفيه رد على الزمخشري والبيضاوي، حيث قال الزمخشري: (فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام)، وزاد عليها القاضي: (أو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى)، وهي عينها عبارة المؤلف. ومن ردوده عليهما ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] قال: (وجوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: (ويقولُ: أرسلتُ رسولاً)، ولا يخفَى ضعفُهُ؛ إذ فيه إضمارُ شيئينِ: القولُ ومعمولُهُ). والمجوِّز الزمخشري وتابعه البيضاوي. وفي تفسير: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] قال: (عبارةُ ﴿كُلِّ﴾ للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ومَن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدِّين، ثم تكلَّف في بيانه

стр. 41

فقال: إذ ما من أمر دينيٍّ إلا وله سندٌ من القرآن بوسطٍ أو بغير وسطٍ، ولم يَدْر أن عبارة التفصيل لا تتحمَّل هذا التأويل. وقوله: (ومَن لم يتنبه لهذا .. ) أراد به البيضاوي. وهناك ردود خفيَّةٌ مَطْويَّة في ثنايا الكلام لا يُتنبَّه إليها إلا بالمقارنة والمقابلة، وهي أكثر من أن تُحصى، فمن ذلك: ما جاء في تفسير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] قال: (رُوي أنَّ سريَّةً لرسول الله ﷺ غزت أهل فدك، فهربوا وبقي مرداسٌ ثقةً بإسلامه، فلما رأى الخيلَ أَلجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد، فلمَّا تلاحَقوا وكبَّروا كبَّر ونزل وقال: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسول الله، السلامُ عليكم. فقتله أسامةُ ﵁ واستاق غنمه، فنزلت). ثم قال: (ولا دلالة فيه على صحة إيمان المكرَه، وإنَّ ما رُوي ليس من الاجتهاد المعهودِ في شيء). ردَّ على البيضاوي في قوله: وفيه دليل على صحة إيمان المكره، وأن المجتهد قد يخطئ، وأن خطأه مغتفر. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ذكر سبب النزول، وهو أنه فقِدَت قَطيفةٌ حمراءُ من الغنائمِ يوم بدرٍ؛ فقالَ بعضُ مَن كان مع النبيِّ ﷺ : لعلَّ رسولَ الله ﷺ أخَذَها، فنزَلَتْ. ثم عقبه بقوله: (وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا).

стр. 42

وهذا رد على الزمخشري والبيضاوي في جعل القائل منافقاً. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] قال بعد أن ذكر تفسيرها: (ولا يجوز أن يكون معناه: إلا في السَّفر؛ لأن السفر ليس بمرخَّصٍ فيه، والمصيرُ إلى أن المعنى: إذا لم يَجد الماء وتَيمَّمَ، ارتكابٌ لتعسُّفٍ ظاهرٍ). وفيه رد على البيضاوي القائل: أي: لا تقربوا الصلاة جنباً في عامة الأحوال إلا في السفر، وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم. ومثله في تفسير: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال: (أي: مدعوًّا عليك بـ: لا سمعتَ؛ لصممٍ أو موت، أو: اسمع غيرَ مُجابٍ إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمَعٍ كلامًا ترضاه … وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال في نهاية كلامه: (وليس هنا دليل على وجوب الوقوف فيه). وفيه رد على البيضاوي حيث قال: وفيه دليل على وجوب الوقوف بها؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾. وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: (استئنافٌ تعليليٌّ، فلا وجه لتقدير: ولكن). وفيه رد على البيضاوي في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ إذ الإِكراه في

стр. 43

الحقيقة إلزامُ الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه، ولكن ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ … وكذا في تفسير ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: (بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريراً لقيوميته كما قيل لاتَّحد مع ما قبله في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ). والكلام رد على ما قاله البيضاوي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقرير لقيوميتَّه، واحتجاج به على تفرده في الألوهية. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]: (بسبب ظلمهم، وهو تعنُّتهم في السؤال، فلا دلالة فيه على استحالة المسؤول). رد للبيضاوي في قوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها، وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا. وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] قال: (ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بمضمر يفسره الظاهر، و ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفة له، ولا يجوز أن يكون حالاً عن المستكنِّ في ﴿هَلَكَ﴾ لأنَّه تفسير غيرُ مقصود).

стр. 44

وهو رد على البيضاوي في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفة له [يعني: لـ ﴿امْرُؤٌ﴾] أو حال من المستكن في ﴿هَلَكَ﴾. قلت: ومعنى كون ﴿هَلَكَ﴾ تفسيراً غير مقصود: أنه مفسر للرافع لـ ﴿امْرُؤٌ﴾، ولذلك فهو غير مقصود. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ [هود: ٤٥]: (أُريدَ النداءُ في نفسهِ، ولا دلالةَ في عطفِ قوله: ﴿فَقَالَ﴾ على تقديرِ الإرادةِ؛ فإنهُ من قَبيلِ عطفِ المفصَّلِ على المجمَلِ، بل نقولُ: لا وجه لتقديرِها؛ لأن الإخبارَ عنها خلوٌ عن فائدةِ الخبرِ ولازِمها). رد على الزمخشري والبيضاوي؛ إذ الأول قال: فإن قلتَ: فإذا كان النداء هو قوله: ﴿رَبِّ﴾، فكيف عطف ﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ على ﴿نَادَى﴾ بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء كما جاء قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] بغير فاء. واختصر كلامه البيضاوي بقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ: وأراد نداءه، بدليل عطف قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ فإنه النداء. وكثيرًا ما كان يأتي التنبيه على الردود في حواشي النسخ الخطية: فمن ذلك قوله: (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] الذي يجبُ أن يُحمَلَ عليهِ). جاء في هامش بعض النسخ الخطية: (من قال: أي: لا يهتدي إلى تأويله، فقد ضل؛ لأن الاهتداء لا يجوز إسناده إليه تعالى. منه). وفيه ود بل تشنيع على الزمخشري القائل للعبارة المذكورة.

стр. 45

وكذا قوله: (﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا﴾ وقتَ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] عودَنا، هذا هو الذي يقتضيه المساق، وتقدير الخذلان من خذلان التقدير). جاء في هامش إحدى النسخ: (دس الزمخشري هنا مذهبه الباطل ولم يتفطن البيضاوي. منه). والمراد قول الزمخشري: فإن قلتَ: فما معنى قوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والله تعالى متعال أن يشاء ردَّةَ المؤمنين وعودَهم في الكفر؟ قلت: معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثاً، والعبث قبيح لا يفعله الحكيم. وتابعه البيضاوي مختصراً كلامه بقوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا: وما يصح لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ خذلانَنا وارتدادنا. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] قال البيضاوي: والإمام اسم لمن يُؤتمُّ به، وإمامته عامةٌ مؤبدة، إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان من ذريته مأموراً باتباعه. بينما قال المؤلف: (وإمامتُه ﵇ مؤبَّدةٌ؛ إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان مأموراً باتِّباعه). وجرى التنبيه في هوامش النسخ على الحذف الذي أحدثه المؤلف في عبارة البيضاوي بالقوله: (لم يقل كما قال القاضي: إلا كان من ذريته .. إلخ؛ لأنَّه مع استدراكه في مقام التعليل محل مناقشة. منه).

стр. 46

ومن ذلك قوله: (﴿فَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]). جاء في هوامش بعض النسخ: (مَن زاد على هذا قوله: (المؤمن) فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. منه). وهو رد على قول البيضاوي في "تفسيره": أي: فإن كان المؤمن المقتول. ومما كثر فيه الردود وجرى التنبيه عليه في هوامش النسخ ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] قال المؤلف: (نُهوا عن تَمنِّي ما فضَّل الله به بعضَ الناس على بعضٍ من الجاه والمال والعلم، مع قطع النظر عن كونه ذريعةً إلى التحاسد والتباعد؛ لأن ذلك التفضيلَ قسمةٌ من الله تعالى على ما اقتضتْه حكمتُه، فليَرْضَ كلُّ واحد بما قُسم له، علماً بأنه هو الذي فيه صلاحه. ولا يَذهَبْ عليك أن موجَبَ هذا أن يكون التمنِّي المذكورُ منهيًّا سواءٌ كان مقارِناً للطلب أو لم يكن، فمَن وفِّق بالتعليل المذكور ثم قال: وأنَّه تَشَهٍّ لحصول الشيء له من غير طلب وهو مذموم؛ لأن تَمنِّيَ ما لم يقدَّرْ له معارضةٌ لحكم القدر، وتمنيَ ما قدِّر له بكسبٍ بطالةٌ وتضييعُ حظًّا، وتمنيَ ما قدِّر له بغيرِ كسبٍ ضائعٌ وباطلٌ (١) = لم يكن على بصيرةٍ. ثم إنَّ قوله: معارضةٌ لحكم القدر، مبناه الغفولُ عما بُيِّن في موضعه من أنه لا حكم للقدر، وإلا يلزمُ الجبرُ وَيبطل التكليف. _________ (١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٧١ - ٧٢).

стр. 47

ثم إن الشقَّ الأخير في معرض المنع؛ إذ يحتمل أن يكون ما قدِّر له بغير كسبٍ مشروطًا بالتمني فلا يلزم المحذور المذكور). وقد جرى التنبيه في هامش إحدى النسخ أن الكلام رد على البيضاوي، وهو كما قال، وهذا نص كلامه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ومن الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير، والمقتضي للمنع كونه ذريعةً إلى التحاسد والتعادي، معربةً عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنَّه تشهٍّ … - إلى قوله - ضائعٌ وباطلٌ. ونحوه: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] قال: (ينتظرون تجدد حال بكم). جاء في هامش إحدى النسخ (نافعًا كان أو ضارًّا، ومن قال: وقوعَ أمر بكم، فقد خصه بالثاني لأن الوقوع إذا تعدَّى بالباء يختص به على ما ذكره الجوهري، ولا وجه لتخصيص المذكور. منه). قلت: والقائل المشار إليه هو البيضاوي. ومن الأمثلة الحسنة أيضًا قول المؤلف: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] حينئذٍ، أو في الدنيا، والمراد بالسبيل: الحجة، ولا متمسَّك فيه لأصحاب الشافعي على فساد شراء الكافر المسلم، ولا للحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد). جاء في هامش إحدى النسخ: (والمفهوم من كلام القاضي خلاف ذلك. منه).

стр. 48

قلت: فقد قال القاضي: واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلمَ، والحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد، وهو ضعيف لأنَّه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الإِيمان قبل مضي العدة. ومن ذلك قوله في شرح الكلالة: (وهو في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلَال، فاستُعيرت لقرابةٍ لا يقارنُها النسبة). جاء في هامش بعض النسخ: (من قال: ليست بالبعضية، لم يُصب لأنَّه حينئذ تخرج الأم والجدة من الكفالة. منه). والقائل المذكور هو البيضاوي، ولفظه: .. فاستعيرت لقرابة ليست بالبعضية؛ لأنها كالة بالإِضافة إليها … فانظر إلى هذه الدقة العجيبة عند المؤلف في اختيار الألفاظ، وكيف ينقل العبارة بحرفها لكنه يدقق في كل لفظة فينتقي كلمة يراها هي الأنسب بدل أخرى رآها لا تناسب المقام. وهذا منهج مطرد عند المؤلف، وقد ورد في هذا الكتاب الكثير من أمثاله، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ قال: (وفيه دلالةٌ على أن إرادةَ اللهِ تعالى يصحُّ تعلُّقها بالإغواءِ، وأنَّ خلافَ مراده تعالى غيرُ واقعٍ). فجاء في هامش إحدى النسخ: (عبارة القاضي: محال، ولا دلالة في الكلام المذكور على الاستحالة، منه). وعبارة القاضي: ( .. وأن خلاف مراده محال)، فوضع المؤلف كلمة (غير واقع) بدل كلمة: (محال) للتعليل المذكور في الهامش.

стр. 49

ومثله ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: (رُوي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسري ببني إسرائيل، فأَتْبعهم فرعون وجنوده مشرقين، فلما تراءى الجمعان وهم على شاطئ البحر أوحى الله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فضرب فظهر فيه اثنا عشر طريقًا يابسًا، فسلكوها حتى جاوَزوا البحر، ثم وصل إليه فرعونُ ورآه منفلِقًا اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين). فجاء في هامش إحدى النسخ: (فيه رد للقاضي في قوله: وصادفوهم في شاطئ البحر). وفي هامش أخرى: (فيه رد للقاضي في قوله: فصبحهم). وعبارة البيضاوي: (فصبحهم فرعون وجنوده، وصادفوهم على شاطئ البحر). ومن أمثلة هذا النهج أيضًا ما جاء عند تفسير: ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١] قال: (كانَ الظاهرُ أن يقالَ: ثم يوفَّى ما كسبَ؛ ليتَّصِلَ بقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لفظًا، وإنما عدَلَ عنهُ … ) فعند كلمة: (كان الظاهر) جاء في هامش بعض النسخ: (عبارة القاضي: وكان اللائق، ولا يخفى أنها ليست لائقة لمقامها. منه). ومن ذلك قوله: (والواو في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢] للحال، وغيرُ الله ينتظِمُ الجنَّ والملَك … ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ من جهة فصاحة اللفظ وبلاغةِ النَّظْم وصحةِ المعنى؛ لأن الخطيب الفصيح

стр. 50

البليغ إذا كثُر كلامه اختلَّ نظامه، واختلفت أقسامُه، خصوصًا إذا تطاولت في تفاريق كلامه أيامُه؛ لنقصان قُدرة غير خالق القُوى والقُدَر). فجاء في هامش بعض النسخ: (من قال: لنقصان القوة البشرية، لم يدر أنه لا يكفي في تمام التقرير على ما نبهت عليه. منه). والقائل المذكور هو البيضاوي. وإن مَن يعرف أسلوب المؤلف وينقِّب في ثنايا كلامه يجد أن الكتاب قد امتلأ بالردود والتعقُّبات - كالتي مرت ونحوِها - كما هو شأن كتاباته كلها، فهو أبعد ما يكون عن التسليم لأحد مهما كانت مكانته العلمية، ولعله مِن هنا تستمِدُّ كتاباته تلك المكانة، وهو كونه ليس مجرد ناقل بل محقِّقٌ باحث دأبُه إعمالُ الفكر والعقل، والبحثُ عن مواضع النظر في كلام السابقين. * * * تفسير القرآن بالقرآن عند ابن كمال باشا لقد عُني العلماء بتفسير القرآن بالقرآن عنايةً كبيرة، حتى عَدُّوه أصحَّ طرق التفسير، كما قال بعضهم: إن أصح الطرق في التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكان فإنه قد فُسِّرَ في موضع آخر، وما اخْتُصِر من مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر. لكن ينبغي التنبيه هنا على أن تفسير القرآن بالقرآن - فيما عدا ما فسره النبيُّ ﷺ من ذلك - هو نوعٌ من أنواع التفسير بالرأي، فإن عملية التفسير المعتمِدةَ على الفهم والاجتهاد بين الآيتين، والحكمَ بأن إحداهما مبيِّنةٌ للأخرى، أو

стр. 51

مفصِّلةٌ لمجمَلها، أو مطلِقةٌ لمقيِّدها، أو ناسخةٌ لحكمها، إنما هو من قبيل التفسير بالرأي. وثمة أمرٌ آخر لا بد من التنبيه عليه أيضًا، أن تفسير القرآن بالقرآن عن طريق الاجتهاد قد يدخله الاختلاف؛ لِمَا جُبل عليه البشر من اختلاف العقول، فالآية التي يجتهد عالم في تفسيرها بآية أخرى قد يجتهد غيره فيفسرها بغيرها، كما أنه ليس كلُّ مَن حمل آيةً على أخرى يُقبل قوله بحجةِ أنه من تفسير القرآن بالقرآن، فإن هذا الأسلوب قد يستعمله أحيانا أهل البدع لتقرير بدعتهم، كما فسر بعض المعتزلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] بأنها تنتظِر ثواب ربها، وينفون رؤية الباري، ويستشهدون لذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولو لا قولهم بعدم رؤية الباري لما حملوا هذه الآية على تلك. وبالعودة إلى هذا التفسير الذي بين أيدينا نجد أن لتفسير القرآن بالقرآن عند هذا العلَّامة نكهةً خاصة، وأسلوبًا متميزًا، فليس أسلوبه مقتصرًا على تفسير الآية بآية أخرى أو آيات، ولا منحصراً في بيان الرابط بينهما، لكنه يذهب إلى أبعد من هذا، حيث يجعل الآيات مكمِّلة لبعضها، وكأنها بمجموعها موضوعٌ واحد، بحيث تؤدِّي كلّ آيةٍ جزءًا من الغرض، ليتكامل باجتماعها الموضوع: فمن ذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] هذا في حقِّ القَذَفة، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥] في حقِّ المشركين،

стр. 52

فلا منافاة، ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعترفونَ بها بإنطاق الله تعالى، على ما نطَق به قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] بغير اختيارهم على ما دلَّ عليه قولهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وفي ذلك مزيد تهويلِ العذاب. فانظر إلى هذا الجمع العجيب والدمج الغريب، والذي لا تجده عند غير هذا العلامة. ومن ذلك قوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل من ثمرتها، دلَّ هذا على أن المراد من الأكل في قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] بدايتُه، كما دلَّ هو على أن المراد من الذوق هنا نهايتُه، فالقرآن يفسِّر بعضه بعضًا). ومن أمثلة عنايته بتفسير القرآن بالقرآن قوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: إلا عبد أُرسلت بشيرًا ونذيرًا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] متعلّق بالبشير، ومتعلَّق النذير محذوف للتعميم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]). وبعدها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: من جنسها؛ لقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]). ومنه قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى: بشارةً ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] متعلِّق بـ ﴿وَبُشْرَى﴾، ومن حيث المعنى متعلِّق ب ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أيضًا" لقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣]). وتجده أحيانًا يربط بين الآيتين من خلال اختيار وجه في الأولى

стр. 53

استدلالًا بما في الثانية، ومن أجمل الأمثلة عليه ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] قال: (هذا ليس بنفي للخرور، بل هو إثباتٌ له ونفيٌ للصَّمم والعَمى .. يعني: أنَّهم إذا ذكِّروا بها خَرُّوا سُجَّدًا وبُكيًّا، سامعينَ بآذانٍ واعيةٍ، مُبصرين بعيونٍ باصرةٍ لِمَا أُمروا به ونُهُوا عنه، لا كالمنافقين وأشباههم، دليله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فإن القرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا). فانظر إلى روعة الاستنباط، وجمال الاستدلال، وحسن الاختيار. وأحياناً يكون الأمر على عكس الطريقة السابقة، يعني يردُّ على قولٍ في آية وبفنِّده بدلالةِ آيةٍ أخرى: فمن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] حيث قال المؤلف: (قيل: وإسناد المكر إلى الله تعالى للمزاوجة والمشاكَلة، ولا يجوز إطلاقها عليه تعالى ابتداءً؛ لِمَا فيه من إيهام الذَّم، وكأن هذا القائل غافل عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]). وأكثر ما يكون هذا في القصص القرآنية: ومن أمثلة ذلك ما جاء في آخر تفسير قصة اَدم في سورةْ البقرة، حيث قال: (وأمَّا ما قيل: إنه أخطأ في اجتهاده، حيث ظنَّ أن الإشارة إلى عينِ تلك الشجرةِ فأكل غيرها من ذلك النوع، وكان الإشارةُ إلى النوع، فمردودٌ بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا

стр. 54

رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ الآيةَ [الأعراف: ٢٠]؛ لأنَّه صريح في أنه كان الإزلال في المنهيِّ عنه). ومن الأمثلة الحسنة عليه ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] حيث قال: (وكونُ السجود لله تعالى على أن يكون آدمُ ﵇ قِبلةً يَردُّه قوله تعالى نقلًا عن إبليس: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة كالكعبة شرَّفها الله تعالى). وفي تفسير ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] أوردَ قيلًا وردَّه بالطريقة نفسِها فقال: (وقيل: قام عند الباب فناداهما. ويردُّه قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٥] لأن الوسوسة لا تُجامِع النداء). ثم قيلًا ثانيا فقال: (وقيل: أَرسل بعضَ أتباعه فأزلَّهما. ورجِّح هذا الوجهُ بأنهما يَعْرفانه، وَيعْرفان ما عنده من العداوة والحسد، فيستحيل في العادة أنْ يقبَلا قوله). قال: (ويردُّه قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] لأنَّه صريحٌ في مباشَرة الشيطان للإزلال، والله أعلمُ بحقيقة الحال). وعند تفسير: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] قال: (قيل: والمراد: إلى جنبك تحت العَضُد، دل على ذلك قوله: ﴿تَخْرُجْ﴾. ويردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: ١٢] لأنَّه صريح في أنَّ المراد الدُّخول في الجيب والخروج منه).

стр. 55

وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣]: مِن تعلُّمه .. وقيل: من العمل به في معارضة المعجزة؛ لِمَا روي ألَهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا، ففعلَ، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر؛ لأنَّ السَّاحر إذا نام بطل سحرُه، فأبى إلَّا أن يعارضوه. ويردُّه قوله تعالى: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، فإنَّه ظاهر في الرِّضا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]، فإنَّ الظَّاهر منه عدمُ علمهم بشأن موسى ﵇. ومثلُه في رد بعض الأخبار الواردة في تفسير آيةٍ بدلالةِ آيةٍ أخرى ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١ - ١٢] قال: (قيل: لَمَّا نُودِيَ: ﴿يَامُوسَى﴾، قال: مَن المتكلِّم؛ فقال اللهُ تعالى جلَّتْ عظمتُه: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾، فوسوس إليه الشَّيطان: لعلَّك تسمع كلام الشَّيطان، فقال: أنا عرفْتُ أنَّه كلام الله تعالى بأني أسمعه من جميع الجهات، وأسمعه بجميع أعضائي). ثم تعقبه بقوله: (قوله: أسمعه من جميع الجهات، يردُّه قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]؛ فإنَّه صريح في سماعه النِّداء من جهةٍ واحدةٍ، لا مِن جميع الجهات). والخبر المذكور أورده البيضاوي وغمز فيه الآلوسي بقوله: في صحة الخبر خفاء، ولم أر له سندًا يعوَّل عليه.

стр. 56

ومن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ قال: (وأمَّا ما قيل: الباء مزيدة، والمعنى: فاتبعهم فرعون جنودَه. فمبناه الغفول عن قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ [يونس: ٩٠]، ثمَّ إنَّ فيه إيهامَ عدم اتِّباع فرعون بنفسه). ومن ردِّ الأقوال بالآيات أيضًا: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ قال: (قيلَ: (أوجسَ) بمعنى: أضمَرَ. ويردُّه قولُه تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢]. وأحيانا يستعمل الأسلوبين، أعني إثبات قول وإبطال آخر بدلالة آياتٍ أُخَر: ومن أمثلته قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي: بالماء لأنَّه أقرب لفظًا ومعنًى، لا إلى البلد على أن الباء للظرفية؛ لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فإن جميع أنواعها لا يخرج في البلد، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] صريح في المعنى الأول، والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا). وفيه ردٌّ خفي على البيضاوي في تجويزه عود الضمير إلى البلد، حيث قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ بالبلد أو بالسحاب أو بالسَّوق أو بالريح، وكذلك: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ ويحتمل فيه عود الضمير إلى الماء … ). وفي تفسير: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ قال: (أي: نخاف أن يَعْجَل علينا بما يَحول بيننا وبين إتمام الدَّعوة وإظهار المعجزة … ).

стр. 57

ثم قال: (وإنَّما قلنا: (بما يحول)، ولم نقل: (بالعقوبة) كما قيل؛ لأنَّه مردود بقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]، فإنَّه مذكور قبل قولهما هذا، بدلالة قوله: ﴿سَنَشُدُّ﴾، وقد دلَّ على أنهما محفوظان من عقوبته). والأمثلة على هذا كثيرة لا تنتهي، ولكن ما ذكرناه كافٍ في بيان المراد، والتعريفِ بسعةِ علم المؤلف، وقوةِ عقله، وأسلوبه الفريد في جمع الآيات والربط فيما بينها. * * * التفسير بالمأثور عند ابن كمال باشا ونعني به: كلَّ ما جاء عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين من تفسير للقرآن. وقد رسم ابن تيمية معالم التفسير بالمأثور فقال بعد أن ذكر أن أصح الطرق في التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن: فإن أعياك ذلك فعليك بالسنَّة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كلُّ ما حَكم به رسول الله ﷺ فهو مما فَهِمَه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]،

стр. 58

ولهذا قال رسول الله ﷺ : "ألا إنِّي أوتيت القرآن ومثله معه " (١) يعني السنة. والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى … والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة … وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك؛ لِمَا شاهدوه من القرآن، والأحوالِ التي اختصُّوا بها، ولمَا لهم من الفهم التامِّ، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين؛ مثل عبد الله بن مسعود … إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر" فإنه كان آية في التفسير … (٢). ولكن لا بد هنا من التنويه على أمر هام، وهو: أن السنة بالنسبة إلى القرآن لها تعلقان: خاصّ وعام: فالأول: هو ما روي عن النبي ﷺ من تفسير لبعض الآيات بعينها، كقوله: "إنَّ في الجنَّةِ لشجرةً يسيرُ الرَّاكبُ في ظِلِّها مئةَ سنةٍ، واقرءوا إِنْ شِئْتُم ﴿وَظِلٍّ _________ (١) راوه أبو داود (٤٦٠٤) من حديث المقدام بن معدي كرب وضي الله عنه. (٢) انظر: "مقدمة في أصول التفسير" (ص: ٣٩ - ٤٤).

стр. 59

مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٥] " (١)، وكحديث أنس أن النبي ﷺ قرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٢] ثُم قال: "أتَدْرُود ما الكوثرُ؟ " فقُلنا اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: " فإنَّه نهرٌ وعَدنيهِ ربِّي ، عليه خَيْرٌ كثيرٌ … " (٢). فهذا وأمثاله مما صح عن النبيِّ ﷺ لا يقدم عليه شيء - والله أعلم - ولو كان من تفسير القرآن بالقرآن؛ لأن هذا نقليّ وذاك يدخله الاجتهاد كما قدمنا. وأما الثاني: فهو السنن القولية والفعلية الواردة عن النبي ﷺ ، والتي هي بمجملها تفسير للقرآن وتبيين له، لكن تعلُّقها بالآيات عامّ غيرُ مباشر، وربطُها بها يكون عن طريق الاجتهاد، مثال ذلك: قوله : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] بعض المفسرين المتأخرين حملوا هذه الآية على حديث سليمان أنه قال: "والله لأطوفنَّ الليلة على مئة امرأةٍ، تلد كلُّ امرأةٍ منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فنسي فطاف بهن، فلم تأت امرأة منهن بولد إلا واحدة بشق غلام "، فقالوا: إن هذا هو الجسد الذي أخبر الله عنه، والرسول ﷺ لم يربط هذا الحديث بالآية، وإنما أخبر بخبرٍ عن سليمان ﵇، فحَمْلُ الحديثِ على الآية ليس من فعل الرسول ﷺ ، وإنما من عمل المجتهد، فهذا النوع يدخله الاجتهاد، _________ (١) رواه البخاري (٣٢٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁. (٢) رواه مسلم (٤٠٠).

стр. 60

فالمفسِّر هو الذي اجتهد في بيان أن هذا الحديث - الذي لم يرد من الرسول ﷺ على سبيل التفسير؛ لأنَّه لم يذكر آيةً يفسرها مفسِّر وموضِّح لمعنىً في هذه الآية. ومما ورد في هذا الكتاب من التفسير بالمأثور ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] قال: (أي: تحسُّرٌ أو هُلْكٌ، روى عثمان عن النبي ﷺ : "الويل جبل في النار"، وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁: "واد في جهنم".). وكلاهما ضعيف كما بيِّن في محله، ولعل هذا هو السبب في أن المؤلف أخرهما. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قال: (وهي صلاةُ العصر؛ لمَا روي أنه ﵇ قال يوم الأحزاب: "شَغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ الله بيوتَهم نارًا".). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾: ذكر من معانيه: لا تفتنِّي ببناتِ الأصفر؛ قال: لِمَا رويَ: أنَّ جدَّ بنَ قيسٍ قال: قد علمَتِ الأنصارُ أني مستَهْترٌ ببنات الأصفر - يعني: نساء الرُّوم - فلا تفتنِّي بهنَّ، ولكن أُعِيْنُك بمالٍ فاتركني). كما أنه قد حوى قَدْرًا لا بأس به مما نقل عن الصحابة وخصوصًا ابن عباس ﵄، وفيه أيضًا آثار عن بعض التابعين كمجاهد وعكرمة والحسن البصري وغيرهم.

стр. 61

لكننا إذا ما قارنَّا هذا التفسير بالتفاسير التي تصنَّف ضمن التفسير بالمأثور كـ"تفسير الطبري" و"تفسير ابن كثير" و"الدر المنثور" فسوف نجد أنه ليس من التفاسير التي يمكن أن تصنف في هذا الباب، ولعل السبب في ذلك هو ما قدَّمناه من منهج المؤلف المعتمِد على إبراز النواحي البلاغية والجمالية واستنباط المعاني الكثيرة من الألفاظ والعبارات، وهذا الأسلوب كما بينَّا فيما سبق ليس بديلًا عن التفسير بالمأثور ولكنه رديفٌ له ومُعينٌ على فهم القرآن كما فهمه الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعيهم. * * * عقيدة المؤلف والرد على الشبه والأباطيل والمذاهب المنحرفة من المعروف عن المؤلف ﵀ التزامُه بعقيدة أهل السنة والجماعة ودفاعُه عنها، وإبطالُ المذاهب الفاسدة، والأقاويل الباطلة، وتفنيدُها لكن بالحجة والبرهان لا بسلاطة اللسان. وقد أكَّد انتماءه لأهل السنة عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فقال: (ونحن معاشرَ أهل السُّنَّة نقول بما هو مُوجَب النَّص: مِن أنَّ الإيمان النَّافع مجموعُ الأمرين، فلا حجَّة فيه للمخالف … ). وهو في تفسيره هذا لم يَدَعْ آية فيها ردُّ على أهل الباطل، أو إبطالٌ لتأويلهم الفاسد، إلا بيَّنها وبيَّن مذهب أهل الحق فيها، فهو يردُّ على الحشوية والجبرية والكرَّامية والمعتزلة وغيرهم، وللأخيرينَ عنده موقع

стр. 62

خاص في إبطال تأويلاتهم الفاسدة، وسنؤخر إيراد الأمثلة عليهم حتى آخر هذه الفقرة لكثرتها: فمِن رده على الحشوية قولُه في آخر تفسير قصة آدم في سورة البقرة: (ولا متمسَّك للحشويَّة في هذه القصَّة على عدم عصمةِ الأنبياء ﵈؛ لأن مبناه على أن يكون آدم ﵇ حينئذ نبيًّا، وأن يكون النهي تكليفًا، وأن لا تكون التوبة إلا عن معصيةٍ، وواحدٌ منها غيرُ مسلَّم). وبين ضلال المعطِّلة والدهرية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] قال: (أي: الجهَّال من المعطِّلة والدَّهريَّة، والمشركين الذين لا كتاب لهم). كما رد على الدهرية في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فقال: (ففيه إشارةٌ إلى قوَّة تصديقهم برسول الله ﷺ ، ووفورِ اعتقادِهم بنبوَّته، حيثُ صدَّقوه في أخبارٍ لا طريق إلى العلم بصِدْقها لا بالحسِّ ولا بالعقل، لا بالبديهة ولا بالكسب. وعدمُ التعرُّض للتَّصديق بالمبدأ للتنبيه على أنَّ شأنَه تعالى أظهرُ الأمور، بحيثُ كان التصديقُ به تصديقًا بأجلى المعلومات، فلا يناسب ذكره في مقام المدح بالتَّصديق بأخفى المجهولات. وفيه نعيٌ على الدَّهْرية على أبلغ وجهٍ). وعلى الجبرية فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾

стр. 63

[الأعراف: ٣٠]: (بإبطالهم الاستعدادَ الأصلي والقابليةَ الفِطْريةَ لا باقتضاءِ القضاءِ الأزلي كما زعمت الجبريةُ؛ لأن القضاء تابعٌ للمقضيِّ لا متبوعٌ له). وفنَّد إحدى شُبَه الزمخشريِّ بأنها على طريقة الجبرية المنافية لمذهب الحق مشنِّعًا عليه فيما ذهب إليه، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] فقال: (ولا دلالة فيه على استقلال العبد في أفعاله؛ إذ يكفي في استحقاقه الملامةَ أن يكون لقدرته الكاسبة مدخلًا فيه [أي: في فعله]، ومَن قال أهو الزمخشري]: وهذا دليل على أنَّ الإنسان هو الذي يختار الشَّقاوة والسَّعادة ويحصِّلهما لنفسه، وليس من الله إلَّا التَّمكين، ولا من الشَّيطان إلَّا التَّزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبِرة (١) لقال: فلا تلوموني ولا أنفسَكم فإنَّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه - فقد خلَّط في كلامه، وخَبط في تمشية مرامه؛ فإنَّ ما ذكره أوَّلًا يساعده فيه أهل الحقِّ، وما ذكره ثانيًا - وهو مذهب الباطل - لا يساعده الشَّيطان أيضًا، وقد نبَّهْت فيما سبق على أنَّه لا دلالة في كلامه عليه، وما ذكره أخيرًا إنَّما يتَّجه على الجبريَّة، لا على أهل الحقِّ القائلين: لا جبرَ ولا تفويضَ، بل أمرٌ بين ذلك). وفي تفسير: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قال: (وكون الأمور مقدَّرةً لا تتغير، لا يصلحُ علَّةً لفساد مكرهم؛ لِمَا قرَّرناه في مواضعَ مِن أنَّه لا تأثيرَ في التَّقدير كما زعمتْه الجبريَّة). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ _________ (١) يعني: أهل السنة الملقبين عند الزمخشري بالمجبرة، وقد بيناه في موضعه.

стр. 64

أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قال: (وفي الآية دلالةٌ على وقوع الحساب، فيكون حجةً على مَن أنكره من المعتزلة والروافض). وأما الردود على المعتزلة فقد حفل بها هذا التفسير؛ ولعل ذلك لكثرة تأويلهم للقرآن لإثبات مذهبهم، وخفاءِ دسائسهم في كثير من الأحيان، وقد يكون من أسباب ذلك أيضًا شدة التصاقه بـ "كشاف " الزمخشري الذي دسَّ فيه كثيرًا من التأويلات الموافقة لمذهبه، فكان لزامًا على المؤلف الوقوفُ عند كلِّ شبهة، وردُّ كل تأويل يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، فلم يترك آيةً فيها ردٌّ على المعتزلة إلَّا وَقَفَ عندها واسْتَنْبَطَ منها ما يفنِّد مذهَبَهم، أو أبرز ما ينفي فاسدَ تأويلهم، وأظهر الحجة لأهل السنَّة عليهم، وهذه الردود منها ما كان من خلال الردِّ على الزمخشري، ومنها ما هو ردٌّ مباشر عليهم: فمن ذلك ما جاء في تفسير: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] قال: (وفي عبارة الفضل إشارة إلى أنَّه لا يجبُ على الله تعالى أن يرزقَ عبادَه، وإنَّما ذلك تفضُّلًا، ففيه رَدٌّ على المعتزلة). ومنه ردُّه عليهم معرِّضًا بالزمخشري في قوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] حيث قال: (وهو حجَّةٌ على مَن منع إيتاءَ اللهِ الملكَ الكافرَ من المعتزلة. والجواب بأن المراد إيتاءُ الأسباب لا يَشْفي كما لا يَخْفَى على ذوي الألباب، وكذا ما قيل: ملَّكه امتحانًا إذ ما من قبيحٍ إلا ويمكن أن يكون فيه غرضٌ صحيح مثل الامتحان). فقوله: (والجواب بأن … ) تعريض بالزمخشري حيث ذكر في "الكشاف"

стр. 65

هذين الجوابين في صرف الآية عن ظاهرها دفاعًا عن مذهبه في الاعتزال القائم على وجوب رعاية الأصلح. ونحوه قوله في تفسير: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]: (أي: بواحدة، هذا بحكم الوعد، لا باقتضاء العدل كما توهَّمه المعتزلة؛ إذ لا حقَّ للخلق على الخالق). يردُّ بذلك على الزمخشري في قوله: ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل. ومن بيان دسائسهم قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهر له ظهورَ المرئيِّ للرائي بأنْ خلق الله تعالى فيه حياةً وحسًّا، وهذا المعنى هو المرويُّ عن ابن عباس ﵄، وهو الموافق لمساق الكلام، المطابقُ لأصل أهل السنَّة والجماعة، ومَن صرَفه عن الظاهر فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال). ومثله في تفسير: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١١٥] قال: (ليَخلقَ فيهم الضَّلالة، ومَن قال: يسمِّيهم ضلَّالًا؛ فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال). وكثيرًا ما يشنِّع عليهم واصفًا إياهم بالزَّيغ والضلال كما في تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: الذي لا يغني من الحقِّ شيئًا ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: وما أنتم إلا تخمِّنون وتقدِّرون أنَّ الأمرَ كما زعموا، وليس كذلك " لِمَا مَرَّ مِن بطلان مبنَى ذلك الظنِّ، فلا متمسَّك فيما ذكر لأهل

стр. 66

الزَّيغ والضَّلال من أصحاب الاعتزال، ولا حاجة إلى التَّوجيه والتَّأويل بتقييد المشيئة أوَّلًا؛ أي: فيما مرّ، وإجرائها على إطلاقها آخرًا؛ أي: فيما يستمرّ). ولعل من أشد ما رد به على الزمخشري ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] حيث قال: (ومن غلاةِ أصحابِ الضلالِ مَن قال: زعمَت المشبِّهةُ والمجبِرةُ أن الزيادةَ النظرُ إلى وجه اللهِ تعالى، وجاءت بحديثٍ مرقوع: "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نودوا: أن يا أهلَ الجنةِ! فيُكشفُ الحجابُ فينظُرون إليهِ … ".). ثم قال: (قوله: مرقوعٌ، صحَّ بالقاف عندَهُ، ومعناهُ: مرقوعٌ مُفترًى، وأما عند أهل الحقِّ فقد صحَّ بالفاءِ، رواهُ أبو بكر الصدِّيقُ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ، وابن عباسٍ، وعكرمةُ، وقتادَةُ والضحَّاكُ، وابن أبي ليلى، ومقاتل. أورده مسلمٌ في "صحيحه" عن صهيبٍ ﵁ عنِ النبي ﷺ ، وأوردَه البخاري في "صحيحه" بلا إسنادٍ، وصححهُ أحمد بن حنبلٍ، والترمذِيُّ، وابن ماجَه. فالحديثُ متفقٌ على صحتِهِ، وذلك المتعصِّبُ طعن في الحديثِ الصحيحِ، والخبرِ الحقِّ الصريح، ترويجًا لاعتقادِه الفاسد، وتصحيحًا لمذهبه الباطلِ، وصحَّفَ المرفوعَ فجعله مرقوعًا ليرقِّعَ به مذهبَهُ المخروقَ، هيهاتَ، اتَّسع الخرقُ على الراقع، والحقُّ الواقعُ ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨]. وهذا ردٌّ صريح على الزمخشري بأقسى العبارات. وقول الزمخشري: (المشبِّهة والمجبِرة) يريد أهل السنة القائلين بجواز

стр. 67

رؤيته تعالى ووقوعها في الآخرة، خلاف المعتزلة القائلين بامتناع ذلك. وقد شنَّع غير المؤلف أيضًا على الزمخشري في ذلك، ومنهم الآلوسي الذي قال: وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله: (إن الحديث مرقوع) بالقاف؛ أي: مفترى، لا يصدر إلا عن رقيع، فإنه متفق على صحته، وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال. نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا رفع فيه صريحا). وأخيرًا فمن أجمل ما رأيت من تحريراتِ المؤلف أنه ردَّ على اليهود والنصارى والثنوية والمجوس والمعتزلة في آية واحدة، حيث قال في تفسير الآية (١١١) من سورة الإسراء: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على الخلوص ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ﴾ كما زعم اليهودُ والنصارى ومشركو العرب في العُزَيْر والمسيح ﵇ والملائكةِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما زَعَمت الثَّنَويَّة ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ كما قالت المجوس: إنَّه تعالى لم يَخلُق الظُّلمة، ولا كما قالت المعتزلة: إنَّه تعالى غيرُ خالقٍ لأفعال العباد. * * * موقف المؤلف من التأويل في آيات الصفات اتَّفَقَ السَّلَفُ والخلَفُ على تنزيهِ الله تعالى عن ظواهِرِ المتشابهاتِ المستحيلةِ على الله تعالى، ثُم اختَلفوا بَعْدُ؛ فأَمْسَكَ أكثرُ السَّلَفِ عن الخوضِ في تعيينِ المُرادِ مِن ذلك المُتشَابِه، وفَوَّضوا عِلْمَه إلى الله تعالى، وهذا أَسْلَمُ لأنَّ مَن أَوَّلَ لم يَأمَنْ مِن أنْ يَذكُرَ معنًى غيرَ مُرادٍ له تعالى فيقعَ

стр. 68

في ورطةِ التَّعيِين وخَطَرِه، وخاضَ أكثرُ الخَلَفِ في التأويلِ، ولكنْ غيرَ جازِمِينَ بأنَّ هذا مرادُ الله تعالى مِن تلك النصوصِ، وإنما قَصَدُوا بذلك صَرْفَ العامَّةِ عن اعتقادِ ظواهِرِ المتشابِه والردَّ على المُبْتَدِعةِ المتمسِّكِين بأكثر تلك الظَّواهرِ المُوافِقةِ لاعتقاداتهم الباطلةِ (١). والمؤلف ﵀ على مذهب الخلف القائلين بالتأويل، وهذا واضح في تفسيره، بل بيَّنه هو بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكلَ عليهم بالتَّوفيق للنَّظر الصَّحيح، وللكشف بنور هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق التَّأويل لِمَا يتشابه بالتطبيق على الأصول المحكمة، فلا يلحقهم حيرة ولا يعتريهم شبهة. ومن أوضح الأمثلة على مذهب المؤلف هذا ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حيث قال: (بيانٌ لشمول علمه وإحاطتهِ وسعتهِ وبَسطته، وأنَّه لم يَضِقْ عن السماوات والأرض، على سبيل التمثيل والتخييل، وتصويرِ الأمر المعنويِّ بالصورة الحسِّيَّة، ولا كرسيَّ ثمةَ ولا قعودَ ولا قاعدَ؛ كقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] من غيرِ تصوُّر قبضةٍ وطيٍّ ويمينٍ). قلت: كذا نقل المؤلف هذا القول عن الزمخشري، وظاهر سياقه اختياره، وكذا يظهر من صنيع البيضاوي حيث قدَّمه، وساق ما بعده بصيغة: (قيل)، على عادته في تضعيف الأقوال حيث يؤخرها ويقدم لهاب (قيل). _________ (١) انظر: "مرقاة المفاتيح " (١/ ٣٥٤).

стр. 69

وهذا القول هو الذي عليه أكثر الخلف كما ذكر الآلوسي حيث قال: وهذا الذي اختاره الجمُّ الغفير من الخلف فرارًا من توهُّم التجسيم، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك، لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم … لكن الآلوسي ﵀ تعقب ما ذهبوا إليه بقوله: وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية، فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة، وتوهُّم التجسيم لا يعبًا به، وإلا لَلَزم نفي الكثير من الصفات، وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له، وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علمًا، وفوَّضوا علمه إلى الله تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه (١). * * * منهج المؤلف في القراءات أما عن أسلوبه في القراءات فنهجُه أقرب إلى نهج الزمخشري من عدم ذكر صاحب القراءة مع عدم العناية بالتمييز بين المتواتر والشاذ، فتجدُه يذكر ما يَرِدُ من القراءات المتواتر منها والشاذ متداخلةً مع بعضها، بينما نجد البيضاوي يُعنى كثيرًا بنسبةِ كلِّ قراءة لأصحابها من السبعة أو العشرة. ويظهر إصرار المؤلف على هذا النهج من خلال نقله كثيرًا من قراءاتِ السبعة أو العشرة عن البيضاوي أو النسفي مع حذف القارئ: _________ (١) انظر: "روح المعاني" (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨).

стр. 70

ومثال ذلك عند البيضاوي: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ١٢٨] قال: (أن يتصالَحا بأنْ تحطَّ له بعضَ المهر أو القَسْم، أو تَهبَ له شيئًا تستميلُه، وقرئ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ مِن أَصلَحَ بين المتنازعَين … ). فهذا الكلام منقول بالحرف من البيضاوي، لكن البيضاوي ﵀ قال: (وقرأ الكوفيون: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ فجعلها المؤلف: (وقرئ … ) وحذف الكوفيين، والكوفيون هم عاصم وحمزة والكسائي من السبعة. وانظر هنا كيف تابع البيضاوي أيضًا بالتصدير بقراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو من السبعة. ومن ذلك قوله: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ بكسر النون، والفتحُ لحنٌ؛ لأنَّ النُّون إنَّما تُفتَح في موضع الرَّفع، وهذا موضعُ النَّصب، وأصله؛ تَشهدونني، فحذفت النُّون الأولى للنَّصب، والياءُ لدلالة الكسرة عليها، وبالياء في الوصل والوقف). والكلام منقول من "تفسير النسفي "، والقراءة بالياء عزاها النسفي ليعقوب، لكن المؤلف حذف كلمة يعقوب مع أنه نقل باقي الكلام بحرفه. لكن الغالب في القراءات عنده النقل عن الزمخشري سواءٌ المتواترُ والشاذُّ، وكذا توجيهُها، فمن ذلك ما نقله عنه في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ نقل عنه نحو صحيفة كاملةٍ ما جاء في هذه الآية من قراءات مع توجيه كلِّ قراءة منها. ولا ضرورة للإكثار من الأمثلة فأغلبُ القراءات فيه كذلك، لكن سنقف عند أمر آخر، وهو عدم سكوته على ما وقع من الزمخشري من ردٍّ لقراءاتٍ

стр. 71

ثابتة متواترةٍ لمجرد الرأي أو مخالفة قاعدة نحوية هي عنده مقدَّمة على القراءة المتواترة: فمن أشد ما ردَّ به عليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ كلامَه في قراءة ابن عامر: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للمفعول، وهو القتل، ونصبِ الأولاد، وجرِّ الشُّركاء على إضافة القتل إليه، والفصلِ بينهما بغير الظَّرف، حيث قال: (فقد رُدَّتْ بأن ذلك غير مقبولٍ في مقام الضَّرورة .. فكيف به في غيره؟). وهذا الكلام هو بعض ما قاله الزمخشري في رد قراءة ابن عامر. ثم تعقب كلام الزمخشري بقوله: (لكنَّه مردودٌ؛ لأنَّه مختلفٌ فيه بين النَّحويين على ما ذكره أبو حيَّان، ووقوعه في قراءة متواترة دلَّ على الصِّحة؛ لأنَّ العربيَّة تَثبت بالقرآن، وفَهمُ العكس مِن عكس الفهم … واعتقاد الضَّعف في مثل تلك القراءة مِن ضعف الاعتقاد، مبناه عدمُ الاعتماد على القراءة والطَّعنُ في الإسناد، ولا يخفى ما فيه من الفساد). لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤلف رغم كلامه المذكور كان أكثر اعتدالًا ممن ردوا على الزمخشري، فقد شنع عليه العلماء رده لقراءةٍ متواترة، حتى قال أبو حيان: اعْجَبْ لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربيٍّ صريح محضٍ قراءةً متواترة … واعجب من سوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيَّرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا .. إلى آخر ما قال. وكان الآلوسي ﵀ أكثر شدة في الرد حيث قال: وقد ركب في هذا

стр. 72

الكلام عمياء وتاه في تيهاء، فقد تخيل أن القراء أئمةَ الوجوه السبعة اختار كلٌّ منهم حرفًا قرأ به اجتهادًا لا نقلًا وسماعًا كما ذهب إليه بعض الجهَلة، فلذلك غلَّط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبيِّن منشأَ غلطه، وهذا غلط صريح يُخشى منه الكفر والعياذ بالله تعالى، فإن القراءات السبعةَ متواترةٌ جملةً وتفصيلًا عن أفصح مَن نطق بالضاد ﷺ ، فتغليطُ شيء منها في معنى تغليط رسول الله ﷺ ، بل تغليطِ الله ، نعوذ بالله سبحانه من ذلك. قلت: والعجب من البيضاوي على إمامته تأثر بما ذهب إليه الزمخشري، فقال متابعًا له - كما ذكر الشهاب - في تضعيف هذه القراءة: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر. ومن تعقباته على الزمخشري ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، حيث قال: (وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجع أكثر. فدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً). وفيه رد على الزمخشري في قوله: هي لغة مرذولة. كما رد عليه في طعنه بقراءة حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر، فقال: (وقرئ بالجر عطفًا على الضمير المجرور، وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد).

стр. 73

وقد تقدم تفصيل الكلام فيها. وما ذكرناه كاف في بيان المراد، والله وليُّ السداد. * * * الإسرائيليات في تفسير ابن كمال باشا الإسرائيليات: جمع إسرائيلية، نسبةً إلى بني إسرائيل، وهي معارف اليهود وثقافتهم المتمثلة بالتوراة وشروحها، والأسفارِ وما اشتملت عليه، والتلمودِ - وهي التوراة الشفهية، وهو مجموعةُ قواعدَ ووصايا وشرائع دينية وأدبية ومدنية، وشروح وتفاسير وتعاليم وروايات كانت تتناقل وتدرَّس شفهيًّا من حين إلى آخر - وشروحِه، والأساطيرِ والخرافات، والأباطيلِ التي افترَوها أو تناقلوها عن غيرهم، وهذه كلُّها كانت المنابعَ الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعض كتب التفسير والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابع إن كان فيها حق ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدق ففيها كذب صُرَاح، وإن كان فيها سمين ففيها غثٌّ كثير، فمِن ثَم انجرَّ ذلك إلى الإسرائيليات، وقد يتوسع بعض الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلها شاملة لما كان من معارف اليهود، وما كان من معارف النصارى التي تدور حول الأناجيل وشروحها، والرسل وسيَرهم، ونحو ذلك؛ وإنما سميت إسرائيليات لأن الغالب والكثير منها إنما هو من ثقافة بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم. والحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات أو من النصرانيات هو شيء

стр. 74

قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات؛ إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب (١). وقد كثر في كتب التفسير إيراد الإسرائيليات وأكثرها كما تقدم طامات لم ينبِّه ناقلوه على أصله، ولم يوقف على قائله، فكانت مثارًا للشك والطعن والتقوُّل على الإسلام ونبيِّه ﷺ . ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام لا حجةَ في ذكرِ أيٍّ منها: فمنها: ما علِمنا صحته بشرعنا، فما جاء به شرعُنا أولى بالذكر. ومنها: ما علمنا كذبه لكونه خالف ما عندنا، فلا يجوز ذكره. ومنها: ما هو مسكوت عنه، فلا نكذبه ولا نصدقه، وتجوز حكايته، لكن لا فائدة فيه تعود على الدين، وإنما لجأ إليه كثير من المفسرين لملء الفراغات التي يتركها القرآن في القصص بأسلوبه المعجز المترفِّع عن إيراد التفصيلات التي لا لزوم لها، بل قد تشتِّت الذهن وتصرف عن العبرة التي سيقت القصة لأجلها. ومن أهم ملامح هذا التفسير إعراضُه شِبْهُ التام عن الإسرائيليات وتجنُّبُه لذكرها مع ما تحويه من التفاصيل التي لا لزوم لها، وقد أوضح منهجه هذا بقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]: (اختلَفُوا في عدَدِه ولا فائدةَ في تعيينِه). _________ (١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ١٢ - ١٤).

стр. 75

فأعرَضَ عما اختلفوا فيه عندما رأى أن لا فائدة فيه، بالإضافة إلى عدم ورود شيء يبيِّن ذلك في شرعنا. وأشار أيضا إلى هذا المنهج في تفسير سورة الصافات فقال في تفسير قصة يونس ﵇: (واختُلفَ في مُدَّةِ لبثه في بطن الحوت، ولا طائلَ تحتَ ذِكْرِه). فهذه الإسرائيليات بما تحويه من التفصيلات لا حاجة لها عند أمثال المؤلف ممن أوتي العلم الواسع والذهن الثاقب والنظر العميق، فهو قادر بما اَتاه الله تعالى من النظر والاستنباط أن يستخرج التفاصيل من ثنايا الألفاظ وخفايا التراكيب. فلذلك تجده يُهملها حتى في المواضع التي لم يَخْل منها كتاب من كتب التفسير المعروفة، معتمدًا على الاستنباط من ثنايا الألفاظ، وما تُخفيه من دلالات لا تظهر إلا لمن آتاه الله الذوق في الفهم والقدرة على الاستنباط كما سنراه من خلال ذكر بعض الأمثلة عليه: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾ وقال: (العجلُ: ولدُ البقرة، سمِّي بهِ لتعجيل أمرِه بقرب ميلادِه، ولا يخفى لطفُ موقعِه بعد ما فُهمَ من قولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ من معنى العجلةِ). ومنه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ٤٦] قال: (وذكرَ الناسَ لبيان أن المرادَ التكلُّمُ المعتادُ، فإن الصبيَّ قد يقدر على التكلُّمِ مع أبويهِ وهو طفلٌ، فتكلُّمه مطلقًا في تلك الحالِ ليس بخارقٍ للعادة).
следующие страницы →