← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 98

جامع الورع وقامع البدع

أبو بكر الدشتي

Полный текст (266 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب جامع الورع وقامع البدع تصنيف الإمام الحافظ المصنف ناصر الإسلام والسنة أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي القاسم محمد ابن محمود الدشتي الحنبلي رحمه الله تعالى آمين ت ٧١٣ هـ مخطوط يطبع لأول مرة حققه وعلق عليه أبو المنذر مَحْمُود بن مُحمَّدِ بن مُصْطَفَى المِنِياوِي عفا الله تعالى عنه وعن والديه

стр. 2

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾. أما بعد، .. فهذا جهد المقل في تحقيق مخطوط " كتاب جامع الورع وقامع البدع" وقد وجدت منه نسخة خطية على الشبكة وبحثت جهدي فلم أقف عليها مطبوعة، ورغبني عنوانها في إخراجها إلى حيز النور، والعمل على تحقيقها، وخاصة وأن مؤلفها سلفي العقيدة، ولم أقف له على أي عمل مطبوع يعرف الناس به، فاستعنت بالله لإخراجها، فالله المستعان.

стр. 3

عملي في المخطوط: ١ - قام بعض الإخوة بنسخ المخطوط، وقمت بتصحيحه حسب الطاقة، وبعد استشارة بعض إخواني من طلاب العلم الذين لهم دراية أكثر مني بخطوط المخطوطات ونسخها، فجزاهم الله خير الجزاء، وأوفاه، إلا أن بعض الكلمات أو العبارات لم أهتد لوجهها، فأثبتها كما هي، وقد أشير في الحاشية، إلى الوجه الذي يستقر عندي أنه الأقرب للصواب. ٢ - إثبات ما وجدته من زيادات وحواشي على هامش المخطوط، إلا أنه هناك بعض الحواشي لم أتمكن من قراءتها إما لبتر كلامها بنقصان التصوير، أو لسوء الخط، فلم أثبتها، وقد اجتهد وأنقل من كتب الغريب أقرب التعاريف للمعنى المضمن في الحاشية. ٣ - شرح غريب بعض الألفاظ بالرجوع إلى كتب المعاجم، والغريب. ٤ - ترجمت لمعظم الأعلام الوارد أسمائهم في الرسالة الذين ليس لهم شهرة كبيرة. ٥ - التعريف ببعض الكتب التي ينقل عنها المؤلف. ٦ - كتابة الآيات القرآنية الواردة في الرسالة مشكولة وكتابة اسم السورة ورقم الآية عقبها. ٧ - تخريج الأحاديث الواردة في الرسالة مع الحكم على أسانيدها ما أمكنني ذلك. ٨ - كنت بدأت المخطوط بتخريج الآثار من أقوال الصحابة والتابعين ومن دونهم حتى أرهقني ذلك؛ لكثرتها فقلت أكتفي في أقوال التابعين ومن دونهم بالعزو فقط ولا أشتغل بتحقيق أسانيدها؛ لأنها لا يترتب عليها عمل ولا أحكام، وقد أحكم على ما يكون الحكم فيها ظاهرا منها. ٩ - قد أزيد في المتن زيادات ولا أنبه عليها لاقتضاء السياق لها، وإنما أميزها عن أصل المخطوط بوضعها بين معكوفتين []. ١٠ - أكثر المؤلف من قول الشعر، وكان لا يقطع الأبيات، فاستعنت بالله أولا ثم بأهل الخبرة في تقطيع الأبيات وتصحيحها ما أمكن ذلك، ونظرا لسوء الخط وعدم وضوح بعض الكلمات فإنني أرسم غالبها كما جاءت في الأصل. ١١ - قدمت له مبينا بيانات المخطوط، وتوثيق نسبته للمؤلف، وترجمت للمؤلف

стр. 4

بيانات المخطوط: اسم المؤلف: شهاب الدين أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي القاسم بن بَدْران الأنمي الْكرْدِي محمد بن محمود الدَّشْتي الحنبلي. عدد أوراق المخطوط ١٢٦ لوحة في كل لوحة وجهان اللوحة الأولي وهي طرة المخطوط بها اسم المخطوط واسم المؤلف، واللوحة الأخيرة وجهان الوجه الثاني به خاتمة المخطوط، وبها ١٥ سطر، وعدد الأسطر غير منتظم بالمخطوط فبعض اللوحات يكون بكل وجه فيها ١٥ سطر، والبعض ١٦ سطر، وقد تص إلى ٢٠ سطر في بعض اللوح. وأما بالنسبة لعدد الأسطر في كل وجه فهو غير منتظم فيتراوح بين ٨: ١٣ كلمة تقريبا. صورة الوجه الثاني من الورقة الأولى: صورة الوجه الأول من الورقة الثانية: صورة الوجه الثاني من الورقة الأخيرة:

стр. 5

تحقيق نسبة المخطوط للمؤلف: والرسالة منسوبة لأبي بكر بن أبي القاسم الدشتي كما هو مدون على طرتها بخط واضح لا طمس فيه، وكما جاء في صدرها حيث جاء فيها: (قال الشيخ الإمام العالم الحافظ المفتي ناصر الإسلام والسنة أحمد بن محمد بن محمد بن محمود الدشتي ... ). ولم أقف على من نسبها له ممن ترجم له.

стр. 6

ترجمة المصنف (١): اسمه، ولقبه، وكنيته، ونسبه: شهاب الدين أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي القاسم بن بَدْران (٢) الأنمي الْكرْدِي محمد بن محمود الدَّشْتي (٣) الحنبلي. ولادته: ولد بحلب سنة أربع وثلاثين وست مائة. أقوال العلماء فيه: قال الذهبي: "نسخ الأجزاء وحفظ أصولا وأبياتا وكان مليح الخط عنده فضيلة تفرد به بأشياء وحدث بدمشق وبمصر". قال الذهبي: "تفرّد بأشياء عالية". قال الصفدي: " وتفرّد وروى الكثير، حدّث بمصر بمسند الطيالسي، ورُتّب مسمِعاً بالدار الأشرفية، ومعلِّماً بمكتب الطواشي ظهير الدين، وأكثر الطلبة عنه، وخَرَّجَ له علم الدين البِرزالي مشيخةً، وكان في الرِّواية يتعزز، ويتحلّى بالطلب وتمزّز، ويطلب نسخَ عدة أجزاء لنفسه من السامع، ويرى أن ذلك له كالقامع. ولم يزل إلى أن انقلب دست الدَّشْتي، وحار فيما نزل به الطبيب والمفتي". قال العلائي: " وقد تفرد بكثير من مسموعاته، وكان عسرا في الرواية، وربما أخذ عليها أجرا". شيوخه: كان عمه أبو محمد محمود بن أبي القاسم الدشتي المتوفى سنة ٦٦٠ هـ يعتني به، ويسمعه الكثير، فقد سمع بإفادة عمه كثيرا بدمشق , وحلب , وحران: فسمع بإفادة عمه بحلب من: عبد الله بن راوحة وابن العميرة ونفيس النحوي ويوسف بن خليل. وبحران من: المجد ابن تيمية وعيسى الخياط وأحمد بن سلامة النجار وعبد الرزاق ابن أبي الوفا. وبحماه من: شيخ الشيوخ النصاري والنفيس محمد بن الحسين بن رواحة. وبدمشق من: الحافظ الضياء ومكي بن المسلم وابن سلمة وابن الصلاح وعبد الرحمن بن الحافظ وعبد الله بن أبي عمر وعبد الحق بن خلف والبلداني. سمع على أبي الحجاج يوسف ين خليل مسند أبي داود الطيالسي وكتاب تاريخ أصبهان لأبي نعيم. _________ (١) ترجمته في: توضيح المشتبه لابن ناصر الدين (١/ ١٢٤)، المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص: ٣٦)، أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (١/ ٣٥٠)، ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد للفاسي (١/ ٣٩٣)، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر (١/ ٣٤٦)، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي لأبي المحاسن (٢/ ١٥٧)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٨/ ٥٩)، إثارة الفوائد (٢/ ٦٨٣) للعلائي. (٢) ووقع على غلاف المخطوطة ابن بشران. (٣) نسبة إلى دشتى قرية من قرى أصبهان.

стр. 7

قال الذهبي: " حدثنا عن ابن رواحة، وابن يعيش، وابن قميرة، والضّياء، وصفيّة القرشية، وعدة. وله مشيخة بانتقاء البرزالي". وسمع أيضا من القاضي شهاب الدين ابراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن أبي الدم وسيف الدين أحمد بن المجد عيسى بن الموفق في آخرين. ومن شيوخه ابن المقير حيث قال هنا: ((وأخبرنا الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن المقير البغدادي بقراءتي عليه بمكة تجاه الكعبة شرفها الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة (١))). تلامذته: أخذ عنه الخباز , والمزي , وأبو حيان , والبرزالي , والعلائي , والسبكي أكثرنا عنه على عسارة فيه وشكوى فقر، قرر مسمعا بدار الحديث ومؤدبا للأيتام. قال ابن حجر: "قلت حَدثنَا عَنهُ ابْن أبي الْمجد بِالْإِجَازَةِ وَحده قَرَأت عَلَيْهِ تَارِيخ أَصْبَهَان لأبي نعيم بإجازته مِنْهُ وَأَشْيَاء كَثِيرَة". ومن تلامذته أيضا شمس الدين الذهبي. قال الذهبي في " معجم شيوخه الكبير" (١/ ١٠٢): "سمعت منه أجزاء". أعماله: لم أقف على شيء مطبوع للمؤلف ﵀، وله: "ترجمة مجد الدين ابن تيمية" توجد منها نسخة خطية بالمكتبة المركزية، بمكة المكرمة، برقم الحفظ: ٦٩١/ ١٤، برقم تسلسلي: ٦٩٩٨٨. ونسخة أخرى بمكتبه المصغرات الفيلمية بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة، برقم الحفظ: ٤٥٧٥/ ١٤. وفاته: مات في عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة بدمشق وله ثمانون سنة غير أشهر. _________ (١) كذا بالأصل، وهو خطأ ظاهر؛ لأن المؤلف ولد في هذه السنة، ولعله قرأ عليه قرب وفاته سنة إحدى، أو اثنتين وأربعين فكان ابن سبع، أو ثمان سنين في هذا الوقت. وسوف يأتي في ترجمة ابن المقير أنه ولد سنة خمس وأربعين وخمس مائة. حدث ببغداد، ثم قدم دمشق في سنة اثنتين وثلاثين، فحدث وأقام بها نحوا من سنتين، ثم حج، وحدث بخيبر، وبالحرم، وجاور، ثم سار إلى مصر، وروى بها الكثير. مات سنة ثلاث وأربعين وست مائة.

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين قال الشيخ الإمام العالم الحافظ المفتي ناصر الإسلام والسنة أحمد بن محمد بن محمد بن محمود الدشتي جامع الورعين وقامع المبتدعين قال: أن سائلا سألني بعد أن كتب صورة المسائل: ما قول السادة العلماء وفقهم الله تعالى في قوم يجتمعون في مسجد أو غيره ويسمعون الدفوف والشبابات (١) والغناء بالألحان المطربة ويتواجدون ويرقصون ويزعمون هذا جائز ومن المندوبات، فأنكر عليهم قوم آخرون، وقالوا: هذا ما ينبغي لكم ولا يحسن بكم، وقد قال رسول الله ﷺ : "شر الأمور محدثاتها " (٢) وأن هذا من المحدثات ومن البدع والضلال وأن المساجد ما بنيت لهذا (٣) وهذا تضييع الأوقات ولم يكن هذا من فعل رسول الله ﷺ ولا من فعل أصحابه رضوان الله عليهم ولا هو مما يتقرب به أحد إلى الله تعالى ولا طريق أحد من الصالحين فالأولى بالعبد غير ذلك من الحذر والجدّ في التعبد وما أُجمع على استحبابه. فقالوا لمن أنكر عليهم: قد ورثنا ذلك عن أبائنا الأوّلين ومشايخنا المحققين العادلين وأباحه لنا الإمامين العالمين: مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليهم، ونحن لسادتنا من التابعين وفيما نحن عليه غير مبتدعين.

стр. 9

فلا شك ولا ريب أن القوم بلغهم عن أقوام من أهل البدع والضلال قبلهم أنهم كانوا يفعلون أفعالهم القبيحة الشنعاء فاستمروا على ذلك [ق ١ / ب] واعتقدوا ما اعتقد الآباء ونشأوا على ذلك وكذلك أبناء الأبناء وهلم جرا فهلك الآباء والأبناء ووقعوا في الضلالة والعماء فإذا أنكر عليهم أحد، وقال: أرجعوا عن الضلالة الظلماء إلى ما كان عيه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء فإن العلماء المحققين، والزهاد الصّادقون، والأولياء الكاشفون (١)، والفقهاء العارفون كانوا على غير ما أنتم عليه من الطريق العوجاء فإن لم تصدقوا فسألوا أهل العلم الذين هم ورثة الأنبياء.

стр. 10

قالوا: إنا وجدنا آبائنا على هذا الفعل وغدا عليه مشايخنا الكبراء فلا نترك ما كانوا عليه ولا نرجع إلى قول العلماء مضاهاة لمن قال ذلك من المشركين السفهاء ممن دعاهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إلى يوم الجزاء وإذا أخذ أحدهم من السنة الزهراء إما ببيان حديث، أو بتقليد العلماء قالوا له: أترغب عما كان عليه مشايخنا القدماء مضاهاة لقول أبي جهل وعبد الله بن أمية لأبي طالب حين دعاه النبي ﵇ إلى دين الأنبياء وخلع ما كان عيه من قبله من الآباء فتمسك بما كان عليه ورغب عما دعاه إليه خاتم الأنبياء مع إقراره أن الحق ما دعاه إليه ومات على ما كان عليه من الضلالة والعماء (١) فخسر الدنيا والآخرة، وندم حين لم ينفعه الندم ولا الدعاء حين ذل به القدم إلا أن يكون قبل ما دعاه إليه سيد الأمم وأشرف العرب والعجم ﷺ وشرف وكرم وكذلك ليندمن [ق ٢ /أ] من دعي إلى الحق الذي كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم فترك الانقياد إليه وتمسك بما كان عليه الآباء من القدماء وليعض أنامله على تفريطه فيما مضى.

стр. 11

فنسأل الله رب الأرض والسماء أن يميتنا على الدين المرتضى وأن يصرف عنا سوء القضاء ويستعملنا فيما يحب ويرضى وأن يبصر من كان منا على ضلالة بالهدى ويجنبه طريق الردى، وما ذكرت هذا الكلام إلا لعل معتبر يعتبر فيرجع عما يعتقده ويفعله متابعة منه لأهل الباطل والضلالة؛ لئلا يحشر يوم القيامة معهم ويلحقه من الخزي والندامة مثل ما يلحقهم ثم يتبرؤن منه فما تنفعه متابعتهم. و .. (١) إنما أذكر ما جاء في النهي عن الرقص والسماع بالكتاب والسنة والإجماع ورد استدلالهم في نصر الابتداع، واذكر من أخلاق نبينا المصطفى ﵇ وما جاء عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين ومن بعدهم في تبديل أشياء كثيرة من دين الإسلام وفي تغيير ما كانوا يعهدونه في عهد رسول الله ﵇ والخلفاء الراشدون، وأذكر من أخلاق الصحابة ومن أخلاق من بعدهم من الأولياء والصالحين من العلماء والمشايخ والفقهاء وصفاتهم وكلامهم وسيرهم وآدابهم وحفظ أوقاتهم نصيحة مني إذا كانت نصيحة المؤمن واجبة على المؤمن كما قال النبي ﵇: "إنما الدين النصيحة" يكررها ثلاثا (٢) وأؤدي الأمانة التي أخذها الله تعالى [ق ٢ / ب] على العلماء بقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].

стр. 12

فأبدا أولا وأقول: الحمد لله الذي بصرنا بالحق وحبّبنا لإتباع القرآن، وما نزل معه من الحكمة والبيان وبغض إلينا قوما ينتمون إلى مذهب الشيطان في استماع الأغاني وصحبة المردان، وبغضّ إلينا أقرانهم أهل الأداء المقاييس (١) المعاندين لأهل الإيمان، ونحمد الله الذي بالقدم توحّد وبالعلم والقدرة تفرد، وبكتابه المنزل على نبيه المرسل تعبد، وجعله منار دينه وسراج توحيده وضياء برهانه أسفر به قناع الزور ودرس به معالم الفجور وأبطل به لهو الحديث، وخَسأ به من كان في الحق يعيث، أنفذ به من أحب من ملابسة الشبهة إلى الصراط المستقيم وجعل سبيلهم الأثر والاتباع؛ لينجيهم من أهوال اليوم العقيم وحماهم من الإحداث والابتداع ليكرمهم بالنعيم المقيم وكره إليهم اللهو والبطالة وأنقذهم من السخافة والجهالة وأكمل عليهم المنّة وأجزل عليهم النعيم بإتباعهم الكتاب والسنة. ........... (٢) الذي نصب أعلام الرشاد وسلب التوفيق من أهل العناد، وصلى الله على أفضل العباد الهادي من أتبعه إلى سبيل الرشاد والمتبع أمر ربه بحسن الانقياد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيه إلى يوم التناد صلاة دائمة بلا فناء ولا نفاذ. أما بعد ..

стр. 13

فإنه لما كانت الهدايا تزرع الحب (١) وتضعفه وتولد الولاء [ق ٣ /أ] وتُسعّفُه أحببت أن اذكر في كتابي هذا عن الأئمة السالفين وما نقلوا من الأخبار والآثار في ذم الغناء والرقص وصحبة أحداث المرد والنساء والإنكار على فاعليه؛ لينتفعوا به ويقصروا عن غيهم في الغناء واللعب موعظة ونصيحة وهدية مني إليهم من غَرَّ بهم ولم أجد هدية أنفس من الذكرى التي تنفع المؤمنين، والنصيحة التي قال رسول الله ﵇ أنها الدين ألا وها أنا آتيكم بالهدايا السنية فاقبلوها ولا تردوها وقربوها ولا تبعدوها. وأقول: الناس يهدون على قدرهم ... وإنما أهدي على قدري (٢) يهدون ما يفنى وأهدي الذي ... بقى مد الأيام من صدري وقد سألت الله مستنصرا ... فإنه القادر في نصري وها أنا أشرع فيما أرى ... مستعصما بالله في أمري ومما حَذاني- أي: ساقني - على ذلك أيضا إحياء الشريعة وإظهار كلمة الحق واقتفاء آثار رسول الله ﵇ ومن سلف بعده من الأئمة لئلا يعدل بهم إلى مهوى وبدعة؛ لأن هذه الطائفة الضالة غلت في حب الرقص واستماع الغناء وصحبة أحداث المرد والنساء حتى اعتقدوا ذلك ديانًة وأن الرحمة تنزل عليهم عند اللعب، والملائكة تحفّ بهم حال الطرب، وكل هذا من المحدثات ومن البدع والضلالة، ومن الأمور العظام، المنكرات التي يجب على فاعلها التوبة إلى الله ،

стр. 14

ألا وهذه الطائفة من الذين أخبرنا الله بحالهم في قوله تعالى [ق ٣ / ب]: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]؛ لأنهم محجوبون عن طريق الإنابة والهداية، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] ألا وهذه الصفات كلها موجودة في هذه الطائفة أصلحها الله وقرأت كتاب أن في بعض كتب الله القديمة: (ابن آدم خلقتك فلا تلعب) (١) ألا وهذا لعب ولهو وإن لم يكن حراما، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] فإن جاءوا بأعمال ظنوها حسنات فإذا هي سيئات ألا وكذا فعلت هذه الطائفة ولقد كان رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم يكرهون زيادة أشياء من أنواع أفعال الخير لم يكونوا يستعملونها وينهون الناس عن فعلها فكيف بزيادة اللهو واللعب والبدع والحوادث التي هي شر الأمور، وروي أن الأمام أحمد بن الحسين بن محمد الرازي (٢)

стр. 15

رحمه الله تعالى قال: كلّما أحدث بعد نزول هذه الآية يعني بعد قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فهو فضل وزيادة وبدعة، قال أبو محمد الدشتي (١) ﵁ وقد قال رسول الله ﵇: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (٢)

стр. 16

وقال ابن عمر ﵄: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة " (١)، وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم [ق ٤ /أ] وترك البدع وكل بدعة ضلالة وترك المراء والجدال والخصومات في الدين وترك كلما أحدثه المحدثون والسنة عندنا أثر رسول الله ﵇ والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن وليست السنة قياس ولا تضرب بها الأمثال ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هي الإتباع وترك الهوى" (٢). وقال الجنيد (٣) ﵁ (٤):

стр. 17

الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله ﵇ ولزم طريقته، فإن أبواب الخيرات كلها مفتوحة عليه، وقال أبو علي بن الحسن بن علي الجرجاني رحمة الله عليه: أصح الطرق وأعمرها وأبعدها من الشبهات إتباع السنة قولاً وفعلاً وعزمًا وعقدًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، فقيل له: كيف الطريق لاتباع السنة؟ قال: بمجانبة البدع وإتباع ما اجتمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام والتباعد من مجالسة الكلام وأهله، ولزوم طريقة الاقتداء بذلك إبراهيم ﵇ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ألا فقد روى ابن مسعود ﵁ قال: "إِنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مُحْدَثًا فَعَلَيْكُمْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ" (١).

стр. 18

وروى الإمام علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا خير في تفقه ليس فيه تفهم، ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر" (١)

стр. 19

ألا من لم يعرف العلم لم ينفعه كثرة العمل؛ لأن العمل بلا علم يضرّ ولا ينفع وإفساد العامل بلا علم أكثر من إصلاحه كما صح وثبت أن رسول الله ﵇ قال" (عمل قليل في سنَّتي خير من عمل كثير [ق ٤ / ب] في بدعة) (١)،

стр. 20

العمل المشار إليه عمل عبادة، وذكر وطاعة كالقليل منه في صورته وعدده إذا عمل في ظل الاقتداء برسول الله ﵇ ومتابعة سنته كثير بل خير من عمل كثير في معناه ببركة قدوته ﷺ ، فأما السنة فقد قال الأزهري (١): هي الطريقة، ومنه قوله : ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] أي أهل سنن وطرائق. قال ابن عرفة (٢): المعنى أن السنة مضت فيهم بالعقوبة حين عاندوا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قلت: والسنة في كلام العرب الطريقة والصورة. قال الشاعر: نريك سنته وجه لا خفاء به أي صورة وجه.

стр. 21

وقال العلماء: السنة ما رسم ليقتدى به، فأما المعنى فهو العمل القليل في ذاته بالإضافة إلى ما هو أكثر منه إذا عمل في سنة الدين والإسلام على طريقة متابعة المصطفى ﵇ وصورة ما رسمه خير الأنام فهو خير من عمل كثير صورته وعدد في بدعة بمخالفة سنته، فهو نعم الأنام وسنته ﵇ نوعان أحدهما في الباطن وهو الإخلاص لله كما قال النبي ﵇: (يا معاذ إذا خلص يكفيك قليل من العمل) (١) الثاني في الظاهر وهو جريان العمل في العلم بمتابعة سنته ﵇ ومتابعة الأمر كما قال ﵇: (قليل العمل مع العلم كثير وكثير العمل مع الجهل قليل) (٢).

стр. 22

وروي أن رجلاً قام بعد صلاة العصر يتنفل في مسجد المدينة، فقال له سعيد بن المسيب رحمة الله عليه: لا تصل. فقال الرجل: أيعاقبني الله على الصلاة؟ فقال له سعيد: بل يعاقبك أو يعاتبك على مخالفة السنة في الصلاة (١)، فصار قليل العمل بمتابعة السنة خيرًا من كثيره بقبول [ق ٥ /أ] الله له، وتضعيف أجره وهو خير من الكثير في بدعة رادّة إياه وذهاب أجره كما قال النبي ﵇: "كل ما ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٢). أي على عامله لمكان بدعته، وكما قال ﵇ في صفة الخوارج: (سيكون (٣) أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية) (٤) وفيه: (يقرؤن القرآن لا تبلغ قراءتهم آذانهم) - أي لا ترفع في خزائن القبول، بل تردّ عليهم لمكان بدعتهم في شريعة الرسول ﷺ . وفائدة الحديث الحثّ على متابعة السنة في صالح الأعمال؛ ليعلو قدرها، ويكثر خيرها، وتجنّب البدعة والاختراع في سائر الأحوال لثنّها (٥) وسوء عاقبتها والله أعلم. وكما قال ضرار بن عمرو (٦) ﵁: (إن قومًا تركوا العلم ومجالسة أهل العلم واتخذوا محاريب فصلّوا وصاموا حتى يبس جلدهم على عظمه، ثم خالفوا السنة

стр. 23

فهلكوا ألا والذي لا إله غيره ما عمل عامل قطّ على جهل إلا كان ما يفسده أكثر مما يصلح) (١)، فقد روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: "من أم قوما بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلح" (٢). ولقد أحسن القائل: عبادة عابدٍ في غير علم ... كبنيان القصور على التراب العمل بلا علم يكون له دليل ... كقرطاس تراه بلا كتاب ومن يكثر دعاه بغير زهد ... كرمي النبل في جوف الطناب (٣) ومن طلب العلوم بغير فهم ... كمن رام التعلّق بالسحاب ومن طلب التعبد منه جهلاً ... فلا طمع له في الاقترابُ قال بعض الحكماء: وكيف يكون متقياً من لا يدري ما يُتقى. وروي أنّ سليمان بن عبد الله [ق ٥ / ب] الملك ﵀ مشى إلى طاووس اليماني ﵁ يسأله أن يدعو له دعوة، فلما دخل على طاووس لم يقم له ولا عني به ولا هاله أمره، فلما انصرف قيل لطاووس ﵁: مشى إليك أمير المؤمنين فلم تقم ولا تلو عليه، قال: أردت أن يعلم أنّ لله رجالاً يزهدون فيما أوتي من حطام الدنيا، وليس مطلوبهم إلا لله ، فلا يرجون سواه، ولا يخافون إلا إيّاه (٤). ألا فهذه سيرة المشايخ والفقراء من العلماء والعباد وبضدّ ذلك سيرة المنافقين والمرائين المعاندين الآكلين الدنيا بالدين، وقيل: من استغنى بالله أحوج الله الناس إليه. وقرأت في كتاب

стр. 24

أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إني أحبك وأريد أصحبك. فقال: "بشرط إن رأيتني قد ملت قوّمني فبقي عنده ثلاثة أيام، ولم يقل له شيئًا، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: يا أخي لك عند ثلاثة أيام لم تأمرني بأمر وعمر يعلم أنه لا يمضي عليه يوم إلا أخطأ فيه، فاذهب عنّي لا تغويني (١) " فرضي الله عن أمير المؤمنين عمر فإنه قد بين في هذا معنى الأخوة والصحبة ألا فبهدى رسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين فاهتدوا وبهم فاقتدوا بسنتهم فاكتفوا ولآثارهم فاقتفوا إن أردتم أن تربحوا ولا تخسروا وتجبروا ولا تكسروا. وأقول شعرا: من كان يرغب في النجاة فماله ... غير اتباع الهاشمي محمدًا ذاك السبيل المستقيم وغيره ... سبل الضلالة والغواية والردى فاتبع كتاب الله والسنن التي ... صحّت، فذلك الهدي طول المدى ودع [ق ٦ /أ] الجدال بكم وكيف فأنه ... باب يردّ ذوي البصيرة أرمدا فالدين ما قال النبي وصحبه ... فإذا اقتديت بهم فنعم المقتدى لا تتّبع في الدين كلّ مذبذب ... حيران لا يدري الصحاب من العدا قد خالف المختار في مسنونه ... وصحابه فعدى الهدى، ثم اعتدا

стр. 25

ذكر أخلاق نبينا ﵇: كان نبيّنا ﵇ أشع الناس وأنجد الناس وأجود الناس، قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: "كنا إذا احمرّ البأس ولقي الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتّقينا برسول الله ﵇" (١)، وكان ﷺ أسخى الناس ما سُئل شيئاً قطّ فقال: لا، وكان ﵇ أحلم الناس، وكان أشد حياء من العذارى في خدورهن لا يثبت بصره في وجه أحدٍ (٢)، وكان ﵇ لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها إلا أن تنتهك محارم الله ، فيكون له منتقم، وكان ﵇ إذا غضب في الله لم يقم لغضبه أحدًا، القريب والبعيد والقويّ والضعيف والدنيّ والشريف عنده في الحقّ سواء وما عاب طعامًا قطّ إن اشتهاه أكله وإلاّ تركه، وكان ﵇ لا يأكل متكئًا ولا على خوان (٣) ولا يمتنع من مباح (٤)

стр. 26

إن وجد تمرًا أكله وإن وجد خبزًا أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أكله، وإن وجد خبز شعير أكله، وإن وجد لبنًا اكتفى به (١)، أكل البطيخ بالرطب، وكان ﵇ يحبّ الحلوى والعسل، وقال أبو هريرة ﵁ خرج رسول الله ﵇ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير (٢)، وكان يأتي على آل محمد ﷺ الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان له تسعة أبيات، وكان قوتهم التمر والماء، وكان ﵇ يقبل الهديّة ويكافئ عليها ولا يأكل الصدقة [ق ٦ / ب] ولا يتأنّق في مأكل ولا ملبس يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد، ويخصف النعل ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويعود المرضى، وكان ﷺ أشدّ الناس تواضعًا يجيب من دعاه من غنيّ أو فقير أو دنيّ أو شريف، يحبّ المساكين ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم لا يحقّر فقيرًا لفقره، ولا بهاء (٣) مَلِكًا لِمُلْكِهِ، ولا يتواضع لغنيّ لأجل غناه وكان ﵇ يركب البعير، والفرس، والحمار، والبغل، ويردف خلفه عبده أو غيره ولا يدع أحدًا يمشي خلفه.

стр. 27

ويقول: خلوا ظهري للملائكة، ويلبس الصوف وينتعل المخصوف، وكان أحب اللباس إليه الحبرة وهي من برود اليمن فيها حمرة وبياض، وخاتمه من فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها، وكان ﵇ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، أكثر الناس تبسمًا، وأحسنهم بشرًا، ومع ذلك أنه متواصل الأحزان (١)،

стр. 28

دائم الفكر، رقيق القلب، سريع الدمعة (١)، وكان ﵇ يحبّ الطيب ويكره الروائح الكريهة يتألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بِشْرَه عن أحدٍ ولا يجفوا عليه، يرى اللعب المباح ولا ينكره، ويمزح ولا يقول لاحقًا، ويقبل معذرة المعتذر إليه له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس لا يمضي له وقت إلا في عمل لله ، وفيما لا بدّ له ولأهله منه ورعى ﵇ الغنم، وقال: ما من نبي إلا وقد رعاها، وسئلت أم المؤمنين [ق ٧ /أ] عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه" (٢).

стр. 29

وصح وثبت عن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كفّ رسول الله ﵇، ولقد خدمت رسول الله عشر سنين فما قال لي عن شيءٍ فعلته لم فعلت كذا وكذا" (١). وكذا قد جمع الله له كما قال الأخلاق ومحاسن الأفعال، وآتاه علم الأولين والآخرين وما فيه النجاة والفوز وهو أمّي لا يقرأ ولا يكتب ولا معلّم له من البشر نشأ في بلاد الجهل والصحاري آتاه الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على الأولين والآخرين، فصلوات الله عليه وعلى جميع إخوانه من النبيّين والمرسلين وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين صلاة دائمة إلى يوم الدين، ألا إن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر، عليه تعرض الأشياء على خُلقه وسيرته وهديه، فما وافق فهو الحق وما خالف فهو الباطل، ألا فمتى وجدتم من علمائكم وعبادكم وغيرهم من المشايخ والفقراء من تشبه بأخلاق نبيكم ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم وسيرتهم فيما يقولون ويفعلون لله في مواعظهم وفي محاسنهم، فاعلموا أنه متبع صادق وإلا فمبتدع منافق مخالف البُعد عنهم والحذار الحذار منهم، وأقول شعراً: اسلك طريق الصالحين [ومَنْ هُمُ] ... مِنْ سادة العلماء والأخيار واجهد لهم في الاتباع مجانبًا ... مهما حييت مسالك الأغيار وكن الحريص [ق ٧ / ب] على سلوك طريقهم ... وعلى مسير القوم بالسيار كن ذاكرًا أعمالهم ومذكرًا ... ومبكرًا فيهن بالإبكار وإذا رأيت مخالفًا لطريقهم ... فانكر عليه بمعظم الإنكار وكن المحذر من قبيح فعاله ... للمؤمنين النفع بالتذكار واهجر لكل مذبذبٍ في بدعة ... بمحبة الإبداع في الإسكار

стр. 30

عن ابن عباس ﵁ أنه قال لعمر بن الخطاب ﵃: أكثرتَ من الدعاء بالموت حتى خشيتُ أن يكون أشهى لك عند أوان نُزوله، فماذا مللت من أمّتك إمّا تعين صالحًا أو تقوم فاسدا. قال يا ابن عباس: إني قائل لك قولاً وهو إليك، قال: قلت لن يعدوني. فقال: كيف لا أحب فراقهم وفيهم ناس كلٌّ فاتح فاه للهوة (١) من الدنيا إمّا بحق لا ينوء به أو باطل لا يناله ولولا أني أسأل عنهم لهربت منهم فأصبحت الأرض مني بلاقع (٢)، فمضيت لشأني وما قلت ما فعل الفاعلون (٣). وعن ابن المسيّب أنه قال: لما نزل عمر ﵁ البطحاء جمع كومة من بطحاء فبسط عليها رداءه، ثم اضطجع ورفع يديه وقال: اللهم كبرت سنتي، ورقّ عظمي وضعفت قوّتي، وخشيت الانتشار من رعيتي فاقبضني إليك غير عاجز ولا مضيّع، ثم قدم مدينة فما انسلخ الشهر حتى مات رحمة الله عليه ورضوانه (٤).

стр. 31

وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يخطب فقال: "اللهم إنني قد سئمتهم وسئموني ومللتهم وملوني، اللهم وأرحني منهم وأرحهم مني ما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم ووضع يده على لحيته" (١) الكريمة كرم الله وجهه (٢) وحق لمن سلمت من الاغترار [ق ٨ /أ] بالزخارف بصيرته وعمرت بالألطاف والمعارف سريرته (٣)، وحسنت بين العلماء والزهاد سيرته أن يأنَّ مما يرى إلى مدبرة منتفجًا (٤) ويجرأ مما يقاسي إلى مقدّره متوجّعًا يستروح مما يرى خامره (٥)

стр. 32

بالتنفس مقتديًا بتنفسه وتفرجه بزيني الخلفاء وشريفي الشرفاء وسيدي الغرباء ونجيبي النجباء وعالمي العلماء عمر بن الخطاب وعلي ﵄ رضاءً دائمًا دوام الأرض والسماء لما ذكرناه عنهما ولما برز علي ﵁ إلى الجبانة مع كميل متنفسًا، وذلك ما روي عن كميل بن زياد النخعي ﵀ قال: أخذ الإمام علي بن أبي طالب ﵁ بيدي فأخرجني إلى الجبان، فلما أصحرنا جلس ثم تنفّس ثم قال: يا كميل احفظ عني ما أقول لك: القلوب أوعية وخيرها أوعاها الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤا إلى ركن شديد، العلم خير من المال، العلم يحرسُكَ وأنت تحرس المال، والعلم يزكوا على العمل والمال تُنْقِصُه النفقة، محبة العالم دين يُدَانُ بها في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته، العلم حاكم والمال محكوم عليه وصنيعة المال تزول بزواله، مات خُزّان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه، إنّ هاهنا - وأشار بيده إلى صدره علمًا - لو أصبت له حملة (١) بل أصبته لقنًا غير مأمون عليه يستعمل [ق ٨ / ب] آلة الدين للدنيا يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاد لأهل الحق لا بصيرة له في إحيائه، يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا ذا ولا ذاك، أو منهوم باللذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع المال والادخار، بما يكون عليه بعد موته وبال، ليسا من دعاة (٢) الدين، أقربُ شبهاً بهم الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم بحجة الله؛ لكيلا تبطل حجج الله وتبيانه، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله أجرًا، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدّونها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، بهم هجم العلم على حقيقة الأمر، فاستهلوا ما استوعر (٣)

стр. 33

منه المترفون، وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحلّ الأعلى، أولئك خلفاء الله (١) في بلاده، والدعاة إلى دينه، هاه هاه شوقاً إلى رؤيتهم، وأستغفر الله العظيم لي ولك، إذا شئت فقُم" (٢). هذا حديث خرّجته من كتاب صفة الغرباء لأبي نعيم الحافظ الأصبهاني رواه بإسناده، وقال: فإذا كان زين الخلفاء وشريف الشرفاء، وولي الأولياء وصفي الأصفياء رضوان الله عليه في وقته وزمانه (٣) يشكوا ويضج (٤) ويشتاق ويعج (٥) ويحنّ ويأنّ إلى رؤية من فقدهم من الأصحاب والخلاّن والأنّاس والأقران، واستوحش وملّ ممن شاهد من الطغاة والعميان، ويشتبه حال متّبعه وحاضريه [ق ٩ /أ] لاستعمالهم آلة الدين للدنيا وتواثبهم إلى اللذات وتتابعهم للشهوات بالأنعام السائمة، والذئاب الهائمة مع اقتباسهم من ضيائه واستباقهم إلى إيحائه وإيمائه، فكيف حال جهال زماننا الذين فارقوا العلم واتّخذوه شغلاً وضلالاً ورأوه ثقلاً وملالا فهؤلاء من سمة المحقّقين وأحوالهم أبعدُ ومن جفاة الجاهلين وأفعالهم أنتن وأنكد، فلا يغاث من ضجّ مما يرى، فإذا كان العابد الله (٦)

стр. 34

عبدالله بن غالب كان مع صحبته أعلام الصحابة كان في عصره على قومه زاريًا ومما يرى منهم إلى مولاه شاكيًا، وذلك ما روي عن عبد الله بن غالب الحداني (١) ﵀ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إليك نشكو سفه أحلامنا ونقص علمنا واقترب آجالنا وذهاب الصالحين منّا" (٢). قال أبو نعيم رحمه لله: كان هذا عجيجة وضجيجة، وفي التابعين وفور ورحى الأحوال بالاستقامة تدور، والقلوب من بقايا نوافح الألطاف تفوح والنفوس على ما عدمت من المواد تنوخ (٣)، فكيف والعقول ذاهبة، والحلوم عازبة، والعلوم راحلة، ونجومها الزهراء أفلة ومطية الأهواء وطية ومحجة الجهال وضيئة، والحق منه مدفوع والخير ممنوع، والسخيف بسخفه مائل، والعفيف عن عفّته مائل متّبع الحقّ مهان مقهور ومفارقة معان مكثور أعظم الناس من غشّهم وداهن، وأسلمهم من فارقهم وبائن المرائي فيهم متّبع مرموق، والمستمع فيهم موانق معشوق، [ق ٩ / ب] الناصح لهم معاند مطرود، والموضح لهم منابذ مردود، وسيردّ الفريقان المورد، فتعلمون ويوفون أجورهم في المشهد فلا يظلمون، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ). وروى أبو نعيم أن جارًا لجابر بن عبد الله ﵁ قال: قدمتُ من سفر فجاءني جابر فسلم عليَّ، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر ﵁ يبكي، ثم قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إِن النَّاس دخلوا فِي دين اللَّه أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا" (٤).

стр. 35

وروى البخاري في صحيحه أن أم الدرداء، قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت: ما أغضبك؟ قال: «والله ما أعرف فيهم من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعا» (١)، وروي أن أبا الدرداء ﵁ قال: "لو أن رجلا كان يعلم الإسلام وأهمه، ثم تفقده اليوم ما عرف منه شيئا" (٢). عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ذهب صفو الدنيا ولم يبق إلا الكدر فالموت اليوم تحفة لكل مسلم" (٣).

стр. 36

وروى البخاري في صحيحه أن أنس بن مالك خادم نبيّنا ﵇ وصاحبه قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر وإن كنا لنعدها على عهد النبي ﵇ من الموبقات" (١) ورواه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري (٢)، وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنّه قال: "ما من شيء كنت أعرفه على عهد رسول الله ﵇ إلا أصبحت له منكرا، إلا أني أرى شهادتكم هذه ثابتة. فقيل: يا أبا حمزة فالصلاة؟ قال: [ق ١٠ /أ] قد فعل فيها ما رأيتم" (٣). وفي لفظ: أن ثابت البناني ﵁ قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: ما أعرف شيئًا ممّا كنتُ أعهده على عهد رسول الله ﵇ غير شهادة أن لا إله إلا [الله]. فقلت له: يرحمك فالصلاة؟ قال: أليس قد صنعتم في الصلاة ما أرى (٤).

стр. 37

وروي أنّ الزّهري قال: دخلت على أنس بن مالك ﵁ بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يرحمك الله؟ فقال: "ما أعرف شيئًا مما كنا عليه إلا هذه الصلاة، وقد ضيّعت" (١). وروي أنّ عبد الله بن بسر ﵁ صاحب رسول الله ﵇ قيل له: كيف حالنا من حال من كان قبلنا؟ قال: سبحان اللهّ لو نُشروا من القبور ما عرفوكم إلا أن يجدوكم قياما تصلّون" (٢). وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: "ذهب الناس وبقي النسناس. فقيل: وما النسناس؟ فقال: يشبهون الناس وليسوا بناس" (٣). ولقد أحس القائل: ذهب الناس واستقلّوا وصرنا ... خلفاء في أراذل النسناس في أناس تراهم العين ناسا ... فإذا حصلوا فليسوا بناس وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنّه كان يقول: " وما الناس بالناس الذين أعهدهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرفها" (٤)

стр. 38

ألا فاعتبروا قول أصحاب النبي ﵇ في زمانهم فلا شك ولا مرية أنهم لو أدركوا أهل زماننا هذا لقالوا إنهم بمنزلة قوم بدلوا دينهم وارتدوا على أدبارهم وجحدوا ما جاء به بنيهم سوى المتمسكين بما في الكتاب والسنة المتبعين بما كان عليه الرسول ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين. فصل وروي أن الحسن البصري ﵁ قيل له أخبرنا عن صفة [ق ١٠ / ب] أصحاب رسول الله ﵇، فبكى، ثم قال: "ظهرت عليهم علامات الخير في السيماء (١) والسمت والصدق، وحسنت ملابسهم بالاقتصاد وممشاهم (٢) بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، وطيب مطعمهم ومشربهم بالطيّب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربّهم، وانقيادهم للحق فيما أحبّوا وكرهوا وإعطاؤهم الحق من أنفسهم للعدو والصديق، وتحفظهم في المنطق مخافة الوزر، ومسارعتهم بأنفسهم رجاء الأجر والاجتهاد" (٣). قال الشعبي ﵁: "ما بكيت من زمان إلا بكيت عليه" (٤) ألا فاعتبروا قول الشعبي في زمانه ومات سنة أربع ومائة، وأنشدوا في المعنى: رُبَّ يومٍ بكيتُ منه فلما ... صرتُ في غيره بكيت عليه (٥)

стр. 39

وروي أنه لما ظهرت المقالات بالكوفة ذكر ذلك لإبراهيم النخعي رحمة الله عليه فقال: "أولئك (١) رقَّقُوا قولاً (٢) واخترعوا دينا من قبل أنفسهم ليس من كتاب الله ، ولا من سنة رسول الله ﵇، فإياك وإيّاهم" (٣). وقال: "وددتُ أني لم أكن تكلمت وإن زمانًا صرت فيه فقيه الكوفة زمان سوء" (٤) ألا فهذا قول إبراهيم النخعي وهو من كبار علماء الدين وأئمة المسلمين مات سنة ست وتسعين، وهذا قول في جماعة من فقهاء زمانه [ق ١١ /أ] أنهم اخترعوا دينًا من قبل أنفسهم وبدّلوا دين محمد ﷺ فكيف به لو أدرك وعاظ زماننا، وقصاصهم وكثير من فقهائهم فيما هم فيه من إتباعهم الجهال والسفهاء الضلال، وما يفتون بلا علم، وما يظهرون من الحوادث والبدع والأهواء وسب الصحابة رضوان الله عليهم ولعنهم تدينًا وتقربًا إلى الله . والله المستعان.

стр. 40

وروي عن الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه ورضي الله عنه أن شيخه ربيعة الذي بكى يومًا بكاءً شديدًا، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: "لا ولكنه استفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم". قال ربيعة: ولبعض من بقي هاهنا أحق بالسحن من السراق" (١)، فرحم الله ربيعة. فهذا قوله وهو من العلماء والتابعين مات سنة ست وثلاثين ومائة، فكيف به لو أدرك كثيرًا من فقهاء زماننا هذا؟ وما يفتون بغير علم. والله المستعان.
следующие страницы →