وروى البخاري في صحيحه أن أنس بن مالك خادم نبيّنا ﵇ وصاحبه قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر وإن كنا لنعدها على عهد النبي ﵇ من الموبقات" (١) ورواه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري (٢)، وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنّه قال: "ما من شيء كنت أعرفه على عهد رسول الله ﵇ إلا أصبحت له منكرا، إلا أني أرى شهادتكم هذه ثابتة. فقيل: يا أبا حمزة فالصلاة؟ قال: [ق ١٠ /أ] قد فعل فيها ما رأيتم" (٣). وفي لفظ: أن ثابت البناني ﵁ قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: ما أعرف شيئًا ممّا كنتُ أعهده على عهد رسول الله ﵇ غير شهادة أن لا إله إلا [الله]. فقلت له: يرحمك فالصلاة؟ قال: أليس قد صنعتم في الصلاة ما أرى (٤).
стр. 37
وروي أنّ الزّهري قال: دخلت على أنس بن مالك ﵁ بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يرحمك الله؟ فقال: "ما أعرف شيئًا مما كنا عليه إلا هذه الصلاة، وقد ضيّعت" (١). وروي أنّ عبد الله بن بسر ﵁ صاحب رسول الله ﵇ قيل له: كيف حالنا من حال من كان قبلنا؟ قال: سبحان اللهّ لو نُشروا من القبور ما عرفوكم إلا أن يجدوكم قياما تصلّون" (٢). وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: "ذهب الناس وبقي النسناس. فقيل: وما النسناس؟ فقال: يشبهون الناس وليسوا بناس" (٣). ولقد أحس القائل:
ذهب الناس واستقلّوا وصرنا ... خلفاء في أراذل النسناس
في أناس تراهم العين ناسا ... فإذا حصلوا فليسوا بناس
وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنّه كان يقول: "
وما الناس بالناس الذين أعهدهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرفها" (٤)
стр. 38
ألا فاعتبروا قول أصحاب النبي ﵇ في زمانهم فلا شك ولا مرية أنهم لو أدركوا أهل زماننا هذا لقالوا إنهم بمنزلة قوم بدلوا دينهم وارتدوا على أدبارهم وجحدوا ما جاء به بنيهم سوى المتمسكين بما في الكتاب والسنة المتبعين بما كان عليه الرسول ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
فصل
وروي أن الحسن البصري ﵁ قيل له أخبرنا عن صفة [ق ١٠ / ب] أصحاب رسول الله ﵇، فبكى، ثم قال: "ظهرت عليهم علامات الخير في السيماء (١) والسمت والصدق، وحسنت ملابسهم بالاقتصاد وممشاهم (٢) بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، وطيب مطعمهم ومشربهم بالطيّب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربّهم، وانقيادهم للحق فيما أحبّوا وكرهوا وإعطاؤهم الحق من أنفسهم للعدو والصديق، وتحفظهم في المنطق مخافة الوزر، ومسارعتهم بأنفسهم رجاء الأجر والاجتهاد" (٣). قال الشعبي ﵁: "ما بكيت من زمان إلا بكيت عليه" (٤) ألا فاعتبروا قول الشعبي في زمانه ومات سنة أربع ومائة، وأنشدوا في المعنى:
رُبَّ يومٍ بكيتُ منه فلما ... صرتُ في غيره بكيت عليه (٥)
стр. 39
وروي أنه لما ظهرت المقالات بالكوفة ذكر ذلك لإبراهيم النخعي رحمة الله عليه فقال: "أولئك (١) رقَّقُوا قولاً (٢) واخترعوا دينا من قبل أنفسهم ليس من كتاب الله ، ولا من سنة رسول الله ﵇، فإياك وإيّاهم" (٣). وقال: "وددتُ أني لم أكن تكلمت وإن زمانًا صرت فيه فقيه الكوفة زمان سوء" (٤) ألا فهذا قول إبراهيم النخعي وهو من كبار علماء الدين وأئمة المسلمين مات سنة ست وتسعين، وهذا قول في جماعة من فقهاء زمانه [ق ١١ /أ] أنهم اخترعوا دينًا من قبل أنفسهم وبدّلوا دين محمد ﷺ فكيف به لو أدرك وعاظ زماننا، وقصاصهم وكثير من فقهائهم فيما هم فيه من إتباعهم الجهال والسفهاء الضلال، وما يفتون بلا علم، وما يظهرون من الحوادث والبدع والأهواء وسب الصحابة رضوان الله عليهم ولعنهم تدينًا وتقربًا إلى الله . والله المستعان.
стр. 40
وروي عن الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه ورضي الله عنه أن شيخه ربيعة الذي بكى يومًا بكاءً شديدًا، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: "لا ولكنه استفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم". قال ربيعة: ولبعض من بقي هاهنا أحق بالسحن من السراق" (١)، فرحم الله ربيعة. فهذا قوله وهو من العلماء والتابعين
مات سنة ست وثلاثين ومائة، فكيف به لو أدرك كثيرًا من فقهاء زماننا هذا؟ وما يفتون بغير علم. والله المستعان.
стр. 41
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: " قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله –﵇ بعد موته حداثة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به (١)،
стр. 42
قالت: ورأيتها [ق ١١ / ب] تبكي حين لم تجد رسول الله – ﵇ – حيا يشفيها عن ذلك فكانت تبكي حتى أرحمها، فسألت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حداثة وفاة رسول الله ﵇ وهم يومئذ متوافرون فما دروا ما يقولون لها وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا علم له به إلا أنه قد قال لها ابن عباس ﵄ أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما قال هشام: فلو جاءتنا اليوم في زماننا أفتيناها بالضمان قال ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ وكان هشام يقول أنهم أهل ورع وخشية الله وبعدًا من التكليف والجرأة على الله ، ثم يقول هشام: لكنها لو جاءنا مثلها اليوم لوجدت نوكى (١) أهل حمق، فيتكلفون بغير علم – وفي لفظ قال لو جاءت زماننا لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم-" (٢). هذا حديث أخرجه الحافظ أبو القاسم الطبري في سننه، وخرجته من حديث عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ألا فاعتبروا ما قال هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وكان من العلماء التابعين مات سنة خمس وأربعين ومائة، وهذا قوله في علماء زمانه من خمسمائة سنة وأكثر، فكيف لو أدرك [ق ١٢ /أ] نوكا أهل حمق وجهل وتكلّفٍ من أهل زماننا يفتون بغير علم. الله المستعان.
стр. 43
وروي أن يوسف بن أسباط رحمة الله عليه كتب إلى بعض أصحابه: "أكتر لي منزلاً ولا تكتره بين القراء، فإنني أتخوف أن أقول تفاحة. فيقول لفاحة (١)، وإذا لم أُجبهم إلى ذلك ذهبوا وتهيئوا لي بيتًا، وهيئوا فيه طنبورًا وغلامًا وخمرًا ودعوني ولم أعلم، ثم دعوا الناس وقالوا: تعالوا انظروا ما مع يوسف بن أسباط" (٢) ألا فاعتبروا خوف يوسف بن أسباط من قراء زمانه فما عسى أن تسمعوا من قراء زمانكم بعد موت يوسف. وروي عن مالك ﵁ أنه قال: في قراء زمانه مثل قراء الزمان كمثل رجل نصب فخًّا ونصبَ فيه بُرة، فجاء عصفور فوقع قريبًا منه، فقال: ما غيبك في هذا التراب؟ قال: التواضع. فقال: مما أنحنيت؟ قال: من طول العبادة. فقال: نعم الجار أنت، فلما كان المساء، وغابت الشمس دنا العصفور وأخذ البرة فخنقه النفخ، فقال العصفور: إن كان العبّاد يخنقون خنقك فلا خير في العباد [ق ١٢ / ب] اليوم" (٣) إلا فهذا قول ابن مالك بن دينار ﵀ وبه من كبار علماء التابعين وزهّادهم وعبّادهم، مات سنة خمس وعشرين ومائة، وهذا قول فيهم، فماذا عسى أن يكون حال قوم نبزوا بالقراء وبالعباد والزهاد والشيوخ والفقراء، وليسوا منهم في شيء في زمانٍ بعد موت مالك بخمس وعشرين وخمسمائة سنة وأكثر. والله المستعان. وروي أن إبراهيم ﵁ مرّ بالأوزاعي ﵀ وحوله الناس، فقال: "على هذا عهدت الناس كأنك معلم وحوله الصبيان، والله لو أن هذه الحلقة على أبي هريرة
стр. 44
رضي الله عنه لعجز عنهم"، فقام الأوزاعي وترك الناس (١)، ومات إبراهيم سنة واثنين وستين ومائة، وهذا قوله في أهل زمانه في مثل الأوزاعي ومن حوله فكيف لو أدرك رؤساء الجهّال من أهل زماننا ومن حولهم. الله المستعان. عن سفيان بن عيينة ﵁ قال: جلسنا إلى عبيد الله بن عمر ﵄ وأحطنا به، فنظر إلينا وقال: "شئتم العلم، وذهبتم بنوره، لو أدركني وإيّاكم عُمرَ لأوجعنا ضربًا، فما أنا أهل أن أحدث، ولا أنتم أهل أن تحدثوا [ق ١٣ /أ] وما مثلي ومثلكم إلا كما قال الأول افتضحوا فاصطلحوا" (٢) ألا فاعتبروا قول عبيد الله بن عمر من العلماء التابعين، وهذا قوله في طلاب العلم والأحاديث في زمانه، فكيف بجهّالٍ من أهل زماننا بِنُزُوا (٣)
بالعلماء والمشايخ والفقهاء، وليسوا منهم في شيء، مات سنة [سبع وأربعين ومئة] (٤).
стр. 45
وروي عن يونس بن عبيد ﵁ أنه قال: "يوشك لعينك أن ترى ما لم ترَ، ويوشك لأذنك أن تسمع ما لم تسمع، ولا تخرج من طبقة إلا دخلت فيما دونها حتى يكون آخر ذلك الجواز على الصراط" (١)، وقال: "ليس شيء أعزّ من اثنين درهم طيّب ورجل يعمل عمل سنة" (٢)، وقال: "من إذا تعرض عليه السنة فيقبلها لغريب، وأغرب منه الذي يعرضها عليه". وفي لفظ قال: "أصبح من إذا عُرف السنة عرفها غريباً وأغرب منه من يَعرفها" (٣) ألا فاعتبروا قول يونس وهو من كبار علماء التابعين مات سنة [تسع وثلاثين ومئة] (٤). الله المستعان.
وروي عن خير التابعين أويس بن أنيس القرني ﵁ أنه قال لهِرم بن حيّان رحمة الله عليه: "الوحدة أحبّ إليّ لأنني كثير الغم ما دمت مع هؤلاء الناس حيًّا، فلا تسأل عني ولا تطلبني" (٥)، وإنّ أهله ظنّوا أنه [ق ١٣ / ب] مجنون فبنوا له بيتًا على باب دارهم، فكانت تأتي عليه السنة والسنتان لا يَرون له وجهًا، وكان طعامه ما يلتفظ من النوى، فإذا أمسى أباعه لإفطاره، وإن أصاب حشفة حبسها لإفطاره، وكان يلتقط الخرق من المزابل للباسه.
стр. 46
وروي أن معاوية (١) بن قرة ﵀ قال: "أدركت سبعين رجلاً من أصحاب محمد ﵇ لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئًا مما أنتم عليه إلا الأذان" (٢).
وروى الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: "إذا رأيتم اليوم شيئًا مستويًا فتعجّبوا". وقال: "لو صليت مائة مسجد ما رأيت أهل مسجد واحد يقيمون الصلاة على ما جاء عن النبي ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم، ومات أحمد ﵀ سنة إحدى وأربعين ومائتين، وهذا قاله في أهل زمانه، فكيف لو أدرك أهل زماننا، وما عسى أن يقول فيهم. الله المستعان. ألا فما ذكرناه وما نذكره بعد من أقوال الصحابة والتابعين يدل على أن المنافين والزنادقة من أهل زماننا له ذكر وصية عند الناس بالتديّن والصلاح، وكثير من المؤمنين عندهم مجانين وبين ظهرانيهم مطرودين [ق ١٤ /أ] محقورون أذلاء أذلّ من اليهود والنصارى، ولتمسكهم بما كان عليه النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 47
وروى سليمان الخطابي في كتاب "حفظ اللسان" أن طاووسًا ﵁ قال: "إذا تمّت سنة ثلاث وثلاثين ومائة ظهرت شياطين سبعة من جزائر البحور، وتهيئوا بهيئة العلماء، فأحلّوا الحرام وحرموا الحلال، فلا تأخذوا العلم إلا ممّن تعرفون أو يعرف لكم" (١) ألا فاعتبروا قول طاووس وهو من كبار العلماء التابعين الذين جمعوا بين العلم والعمل، مات سنة ستّ ومائة قبل أن تجيء ثلاث وثلاثون ومائة بسبع سنة، فكيف بنا بعد اثنين وخمسمائة؟ قلت: فكيف بنا في زماننا اليوم ونحن في سنة أربع وخمسين وسبع مائة، وهذا قوله في شياطين تهيئوا في هيئة العلماء، فكيف بجهّال زماننا اتبعوا شياطينًا تهيئوا بهيئة الجهّال وضلالتهم أعظم من ضلالة شياطين تهيئوا بهيئة العلماء يتكلمون بكلام يردّون على رسول الله ﵇ ما جاء به عن الله ، ويكفرّون الناس [ق ١٤ / ب] ويوهمونهم أنّهم يتكلمون في علم الحقائق والمكاشفات وأقوام آخرون يتكلمون بالعلم وليسوا من العلماء، بل من المحدّثين ومن رؤساء الجهّال. الله المستعان.
ما أكثر ما حشوا كتبهم من الكذب على الله تعالى وعلى رسوله ﵇ وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم ألا وأنه لا يخفى حالهم على أصحاب الحديث ما فعلوا وما افتروا على الله، وعلى رسوله وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم.
стр. 48
وروى قتيبة بن سعيد بإسناده إلى ابن أبي ليلى أنه قال: "سيأتي على الناس زمان يقال له زمان الذئاب، فمن لم يكن في ذلك الزمان كلبًا أكلوه" (١). قال قتيبة: هو هذا الزمان. ومات قتيبة سنة [سنة أربعين ومئتين] (٢)
ولقد أحسن القائل:
إذا كان الزمان زمان سوء ... وكان الناس أشباه الذئاب
فكن كلبًا على من كان ذئبًا ... فإنّ الذئب ينفى بالكلاب
стр. 49
وروى الإمام الحافظ [عبد الله أحمد] (١) بن بطة (٢) ﵁ ما ذكرناه من قول الصحابة ثم قال: هذا يا إخواني رحمنا الله وإياكم [قول] (٣) أصحاب رسول الله ﷺ عبد الله بن بُسر وأنس بن مالك وأبو الدّرداء وابن عبّاس رضوان الله عليهم ومن تركت وأكثر [ق ١٥ /أ] ممّن ذكرتُ، فيا ليت شعري كيف حال المؤمن في هذا الزمان وأيّ عيش له مع أهله وهو لو عاد عليلاً لعاين عنده وفي منزله وما أعدّ له أهله للعلّة والمرض من صنُوف البدع ومخالفة السنّة والمضاهاة للفُرس والروم وأهل الجاهليّة ما لا يجوز له معه عيادة المرضى، وكذلك إن شهد أملاك رجل مسلم، وكذلك إن شهد وليمة رجل مسلم، وكذلك إن خرج يريد الحجّ عاين في هذا المواطن ما يكربُهُ ويكرثه ويسوؤه في نفسه وفي المسلمين ويغمّه، فإذا كانت مطالب الحقّ قد صارت مقابح فماذا عسى أن يكن أفعالهم في الأمور التي تطوي عنهم ذكرها إنا لله وأنا إليه راجعون.
стр. 50
ما أعظم مصائب المسلمين في الدين وقلّ في ذلك المفكّرون ولو أن رجلاً عاقلاً أنعم النظر في الإسلام وأهله لعلم أن أمور النّاس كلّها تمضي على سنن أهل الكتابين وطريقتهم وسنة كسرى وقيصر وعلى ما كان عليه أهل الجاهلية، فما من طبقة من الناس ولا صنف منهم إلاّ وهم في سائر أمورهم مخالفون لشرائع الإسلام وسنة [ق ١٥ / ب] الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ومضاهون فيما يفعلون أهل الكتابين والجاهلية، فإن من صرف بصره إلى السلطنة وأهلها وحاشيتها ومن لاذ بها من حكّامها وعمّالها وجد الأمر فيهم بالضدّ مما أمروا به ونصبوا له في أفعالهم وأحكامهم وزيّهم ولباسهم، وكذلك هو في سائر الناس من التجار والسوقة وأبناء الدنيا وطالبيها من الزّراع والصنّاع والأجراء والفقهاء والعلماء إلا من عصمه الله ومتى فكرت في ذلك وجدت الأمر كما أخبرتك في المصائب والأفراح والزّيّ واللباس والآنية والأبنية والمساكن والخدّام والمراكب والولائم والأعراس والمجالس والفرش والمآكل والمشارب وكلّ ذلك يجري بخلاف الكتاب والسنة بالضّدّ ممّا أمر به وندب إليه المؤمنون، وكذلك من باع واشترى وملك واقتنى وآجر واستأجر وزرع وزارع، فمن طلب السلامة لدينه في وقتنا هذا مع الناس عدمها ومن أحبّ أن يلتمس معيشته حكم الكتاب والسنة فقدها وكثر خصماؤه وأعداؤه ومخالفوه ومبغضوه فيها. الله المستعان فما أشد [ق ١٦ /أ] تعذّر السلامة في هذا الزمان فطرقات الحقّ خالية مقفّرة موحّشة لعدم سالكيها قد اندفنت محاجّها وتهدّمت صواياها وأعلامها، وفقد أدلاؤها، وقد وقفت شياطين الإنس والجنّ
стр. 51
على فجاجها وسبلها تتخطّف الناس عنها. الله المستعان فليس يعرف هذا الأمر ويهمّه إلا رجل عاقل مميّز قد أدّبه العلم، وشرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربّه فقد كثر المغترّون بتمويهاتها وتباهى الزائغون الجاهلون بلبسة حليّها، فأصبحنا وقد أصابنا ما أصاب الأمم الخالية قبلنا، وحلّ بنا الذي حذرنا منه نبيّنا ﷺ من الفرقة والاختلاف وترك الجماعة والائتلاف وواقع أكثرنا الذي عنه نهينا، وترك الجمهور منّا ما به أمرنا، فخلعت لبسة الإسلام، ونزعت حليته الإيمان، وانكشف الغطاء، وبرح الخفاء، وعبدت الأهواء واستعملت الآراء، وقامت سوق الفتن، وانتشر أعلامها وظهرت الرّدة، وانكشف قناعها، وقدّحت زناد الزندقة، فاضطرمت نيرانها، وخلف محمد ﵇ [في أمته] (١) بأقبح الخلف، [ق ١٦ / ب] وعظمت البليّة، واشتدّت الرزية، وظهر المبتدعون، وتنطع (٢) المتنطعون، وانتشرت البدع، ومات الورع، وهتكت سجف المشاينة، وشهرت سيوف المخاشنة بعد أن كان أمرهم هينًا وحدّهم ليّنا، وذلك حتى كان (٣) أمر الأمة مجتمعا والقلوب متألفة، والأئمة عادلة، والسلطان قاهرًا، والحق ظاهرًا، فانقلب وانعكس الزمان، وانفرد كل قوم ببدعتهم، وحربت الأحزاب، وخولف الكتاب، واتخذوا أهل الإلحاد رؤساء وأربابًا، وتحولت البدعة إلى أهل الاتفاق، وتهّور في الغشاوة العامة (٤)
стр. 52
وأهل الأسواق، ونعق إبليس اللعين بأوليائه نعقة، فأجابوه من كل ناحية مطاوعين، وأقبلوا نحوه من كل قاصية مسرعين، فألبسوا شيعًا، وتميّزا قطعًا، وشمتوا بنا أهل الأديان السالفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وما ذاك إلا عقوبة أصابت القوم عند تركهم أمر الله ، وصدفهم عن الحق، وميلهم إلى الباطل، وإيثارهم هواهم، ولله عقوبات في خلقه عند ترك أمره ومخالفة رسوله، واشتغلت نيران البدع في الدين [ق ١٧ / أ] وصاروا إلى سبيل المخالفين المعاندين؛ فأصابهم ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الماضية، وصرنا من أهل العصر الذين وردت فيهم الأخبار، ورويت فيهم الآثار، ألا فهذا هو قول الإمام أبي عبد الله بن بطة ﵁ من خمسمائة سنة فيهم. الله المستعان.
стр. 53
قال الحافظ أبو نعيم: وقد صار المتمسكون في زماننا بالسمت الأهدى، والحظ الأوفى، أغرب الغرباء، وأبعد البعداء؛ لأن الناس أصبحوا على طبقات ثلاث: متحلّ بالعلم يسوق به، اتخذ العلم مكسبًا ينحط في الأهواء، جامعًا بذلك الأسواء والأدواء. وآخر مرتكسًا في ضلالته، منتكسًا في بدعته، أصبح إليها داعيًا، وعن قبول الحق ناهيًا، لا يرى الحق إلا في وفاقه، ولا الباطل إلا في خلافه وشقاقه. وثالث بجهله راضيًا لاهيًا، وعن حظّه ماضيًا ساهيًا بالتكاثر لهجًا وبارًا، وبالتفاخر بهجًا لا يعرف معروفًا، ولا يعين ملهوفا رخصت عليه أديانهم، فخفت من الأعمال ميزانهم، وسقطت [ق ١٧ /ب] عند المحققين أوزانهم، فهم كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "همج رعاع أتباع كل ناعق" (١). يَرفُصُون مع كل زاعق ويُنساقون لكل سائق، إذا دارت رحى الظالمين والجائرين صالوا بصولتهم (٢)، فإذا أقبلت راية المضلين المبطئين، غالوا إلى ضلالتهم، فدينهم التحوّل والانتقال، ودنياهم التطاول والاعتدال، وكيف لا يعزّ المحققون وهم من بين الناس مقدّمون وعن مصاحبة الأشرار يميّزون، وبالأخيار منهم يرحلون؟ قلت: كما روي عن مرداس الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "يذهب الصالحون الأول فالأول حتى لا يبقى إلا حفالة كحفالة التمر والشعير، لا يعبأ الله بهم" (٣). وعن مسلمة (٤) الفهري ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأوَّلُ فَالأوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ، لا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بهم" (٥) قوله ﵇ حفالة التمر والشعير يعني رذالته وما لا خير فيه منه.
стр. 54
يقول كما لا يؤكل ما تبقى من حفالة التمر والشعير لا يصحب من يبقى من الناس في آخر الزمان كما جاء في الحديث عن النبي ﵇ أنه قال: "إذا تقارب الزمان [ق ١٨ / أ] انتقى الموت خيار أمتي كما ينتقى أحدكم خيار الرطب من الطبق" (١) المعنى تقارب زمان القيمة يقصد بالموت الخيار من أمّته ﵇؛ ليعجل بهم إلى أجرهم وينجون من الشر والمحن والآفات والفتن التي بين يدي الساعة، ولما صحّ عن النبي ﵇ "أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس" (٢). وروي [عن] عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ قال: "لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى" فقلت: وكيف ذلك؟ قد قال الله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فقال ﵇: " إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". أخرجه مسلم في الصحيح (٣).
стр. 55
وأخرج الحديث الآخر في الصحيح أنس عن النبي ﵇ قال: "لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله" (١). وفائدة الحديث: أن يتحرّى العبد فعل كل خير؛ ليكون من أهل الخير، فيقبض عليه، وأن لا يكره الموت عند حضوره إيثارًا للنجاة من شر آخر الزمان، والموت على الإيمان، إلا أن ابتداء هذه الفتن والبلايا والابتداع والضلال كان دخولها في الإسلام [ق ١٨ /ب] من حين قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ونجا من ذلك كل أصحاب رسول الله ﵇، وطهّرهم الله من هذه الأحوال القبيحة، وهلك وضل بذلك خلق كثير ممن جاءوا بعد الصحابة رضوان الله عليهم وهم الذين يخالفون كتاب الله وسنة رسوله ﵇، ولا يرضون بإتباعهما كما جاء وسيتحسنون حوادث وبدع مات الصحابة على السكوت عنها. فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من يحدثنا عن الفتنة. وفي لفظٍ: قال: أيكم يعقّل عن رسول الله ﵇ الأيّام التي بين يدي الساعة. وفي رواية أخرى: قال: من يحدثنا عن حديث النبي ﵇ في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا. فقال ائت؟ قال: يا أمير المؤمنين فتنة الرجل في أهله وما له يكفّرها الصوم والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: لست عن هذا أسألك؛ إنما أسألك عن الفتنة التي قبل الساعة تموج موجان البحر؟ قال يا أمير المؤمنين بينك وبينها باب مغلق. فقال عمر ﵁: أخبرني عن الباب يكسر كسرًا ويفتح فتحًا؟ ! قال: بل يكسر كسرًا [ق ١٩ / أ] فقال عمر ﵁: إذًا لا يغلق إلى يوم القيامة. وفي لفظ قال: فوضع عمر ﵁ يده على رأسه وقال: ويحيك! إنه إذا كسر لا يُغلق إلى يوم القيامة. قال حذيفة: أجل وسئل حذيفة عن الباب من هو؟ فقال: عمر رضوان الله عليه" (٢). وروي عن بن مسعود ﵁ أنه قال: "كَانَ عُمَرُ حَائِطًا حَصِينًا عَلَى الإِسْلامِ، يَدْخُلُ النَّاسُ فِيهِ وَلا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فلما قتل عمر ﵁ انْثَلَمَ (٣)
стр. 56
الْحَائِطُ فَالنَّاسُ يَخْرُجُونَ مِنْهُ وَلا يَدْخُلُونَ فيه" (١). وفي لفظ "أن عمر ﵁ كان حائطا كثيفا يدخله المسلمون ولا يخرجون منه، فمات عمر فانثلم الحائط فهم منه يخرجون ولا يدخلون". وفي لفظ آخر: قال: "عمر ﵁ كان حصنا حصينًا على الإِسلام، يدخل النَّاس فيه ولا يخرجون منه. قال: فأصبح الحسن قد انثلم فالناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه". وممّا يؤيد ذلك ما فعل المنافقون بعثمان بن عفان ﵁.
فصل
ألا فاستمعوا الآن ما روي عن نبيّكم ﵇ في صفة المؤمنين وأخلاقه (٢)، إن كنتم من أمته لتعرضوا بها صفة مشايخكم وفقهائكم وما هم عليه، فإن وافق ما قال من [ق ١٩ /ب] صفة المؤمن وأخلاقه وإلا فالقوم زنادقة ملحدون دجالون كذابون آكلون الدنيا بالدين ضالون مضلون.
стр. 57
وروى الحافظ أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (١) في كتاب الترغيب والترهيب بإسناده عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا معاذ: إن المؤمن قَيَّدَهُ القرآن عن كثير من هوي نفسه وشهواته، وحال بينه وبين أن يهلك فيما يهوى بإذن الله ، يا معاذ: إن المؤمن لا يأمن روعه، ولا يسكن قلبه، ولا يطمئن من اضطرابه، يخلف جسر جهنم، يا معاذ: إن المؤمن يتوقع الموت صباحًا ومساءًا، يا معاذ إن المؤمن يعلم أن عليه رقباء على سمعه وبصره ولسانه ورجليه ويديه وبطنه وفرجه حتى اللمحة (٢) ببصره وفتات الطينة بأصابعه، وكحل عينيه، وجميع سعيه، فالتقوى رقيبه، والقرآن دليله، والخوف محجته (٣)، والشوق مطيته، والوجل شعاره، والصلاة كهفه، [ق ٢٠ / أ] والصوم جنته، والصدقة فكاكه (٤)،
стр. 58
والصدق وزيره، والحياء أميره، وربه من وراء ذلك بالمرصاد، يا معاذ: إني أحب لك ما أحب لنفسي، وقد أنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل، ﵇، فلا أعرفك غداً توافيني يوم القيامة وآخر سعد بما آتاك الله أسعد منك" (١).
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خُذْ أَنْتَ هَاهُنَا حَتَّى
آخُذَ أَنَا هَاهُنَا، فَوَلَّى عُمَرُ نَاحِيَةَ مَكَّةَ وَسَاقَ أُوَيْسٌ إِبِلَهُ" (١).
وروى أن رجلاً سمع أويس القرني ﵁ يقول: اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة أو عارية، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس في بيتي من الرياش إلا ما على ظهري" (٢).
стр. 65
قال: "وعلى ظهره خرقة قد تردى بها". قال: "فأتاه رجل فقال له: كيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ قال: أصبحت أحب الله وأمسيت أحمد الله وما تسأل عن حال رجل إذا هو أصبح ظنّ أن لا يمسى، وإذا أمسى ظنّ أن لا يصبح، إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحًا، وإنّ حق الله في مال المسلم لم يدع له في ماله ذهبًا ولا فضة، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقًا بأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون على ذلك أعوانًا من الفاسقين حتى والله لقد رموني بالعظام وأيم الله إني لأدع أن أقوم فيهم لله [ق ٢٣ /أ] بحقه، ثم أخذ الطريق" خرجتها من كتاب "صفة أهل الصفوة" (١) لابن الجوزي رحمة الله عليه ألا أيها، فما ذكرناه عن النبي ﷺ من صفة المؤمنين، وما ذكرناه من صفة أويس ﵁ ومن صفات الصحابة والصالحين من بعدهم، فأعرضوا ذلك على صفات مشايخكم وفقرائكم، وعلى سريتهم وطريقتهم وآدابهم، فإن وافق وإلا فقهم زنادقة.
فصل
وروى الحسن البصري ﵁ قال: "قلب المؤمن من وراء لسانه إذا همّ بشيء تدبّره، فإن كان خيرًا
تكلم به وأبداه، وإن كان غير ذلك سكت عنه وأخفاه، وقلب المنافق على طرف لسانه إذا همّ بشيء تكلم به وأبداه" (٢). وقال الحسن: "ما تكلمت ولا مشيت ولا نظرت قطّ إلا تفكّرت هو ليّ أو عليّ" (٣). وحكى أن إبراهيم أدهم رحمة الله عليه رأى رجلاً يتكلم بكلام الدنيا فوقف عليه وقال: "كلامك هذا ترجو به الثواب؟ قال: لا. قال: فتأمن عليه العقاب. قال: لا. قال: فما تصنع بكلام لا ترجو عليه ثوابًا ولا تأمن عليه عقابًا عليك بذكر الله إن أردت السلامة" (٤)، ولقد أحسن القائل (٥):
أيّها الجاهل الذي ضل يسعيٍ ... في اكتساب الذّنوب سعيًا قبيحًا [ق ٢٣ / ب]
اغتنم ركعتين في ظلمة الليـ ... ل إذا كنت فارغًا مستريحًا
وإذا ما هممت بالنطق في الباط ... ل فاجعل مكانه تسبيحًا
لا تطيلنّ في كلامك سهوًا ... والزم الصمت كي تكون نصوحًا
فالتزام السكون خير من النطـ ... ق ولو كنت في الكلام فصيحًا
ألا فعليك بذكر الله ، فإن بذكر الله تطمئن القلوب.
стр. 66
وروى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: "من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه" (١). وروي أنّ العوام بن حوشب ﵁ قال: "ما رأيت إبراهيم التيمي رافعًا رأسه إلى السماء في صلاة ولا غيرها ولا سمعته يخوض في شيء من أمر الدنيا" (٢)، وقال إبراهيم التيمي: "المؤمن إذا أراد أن يتكلم نَظَره، فإن كان كلامه له تكلم، وإن كان عليه أمسك، والفاجر إنّما لسانه رِسْلًا رِسْلًا" (٣)، وفي كتاب الاستقامة لأبي عاصم النسائي بإسناده أن حسان بن عطية قال: "عثرت دابّة بصاحبها فقال تعس. فقال صاحب اليمين ما هي بحسنة فاكتبها، وقال صاحب الشمال: ما هي بسيئةٍ فاكتبها، فأوحى الله يا صاحب الشمال ما ترك صاحب اليمين فاكتب -يعني اكتب عليه سيئة-" (٤)
стр. 67
وقال النسائي [ق ٢٤ /أ] حدّثنا يعلى قال: دخلنا على محمد بن سوقة، فقال: ألا أحدثكم بحديث لعلّ الله ينفعكم به فإنه قد نفعنا، قال: قال لنا عطاء بن أبي رباح: يا ابن أخي إنّ من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى يقرؤونه، وأمرٍ بمعروفٍ أو نهي عن منكر، وإن تنطق في حاجتك في معيشتك التي لا بدّ لكل منها أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين، وعن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد، أما يستحيي أحدكم إن نشرت عليه صحيفته التي أملأ صدر نهاره وأكثر ما فيها ليس من أمر دينه، ولا دنياه" (١). بالله العجب من عقول أقوامٍ يعتقدون صلاح قومٍ يضيّعون أوقاتهم في استماع الأغاني والشبابات وفي الرقص وصحبته أحداث المرد وفي غير ذلك من البطالات ممّا ليس من أمر دينهم، ولا دنياهم، فما هذه أفعال الصالحين الزهاد، ولا فعل من يخاف يوم التناد، وإنما ذلك من قلّة علمهم، وقلّة علم محبيهم والمحسنين إليهم، وقد قال أهل الحقيقة: إن إبليس اللعين إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلّة علمه، فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه، وكلما [ق ٢٤ / ب] كثر علم الإنسان قلّ تمكنه كما روي في الأثر عن سيّد البشر ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خِيَارُ أُمَّتِي عُلَمَاؤُهَا وَخِيَارُ عُلَمَائِهَا حُلمَاؤُهَا" (٢).
стр. 68
أمته ﷺ خيار الأمم؛ لقوله تعالى ذكره: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وهم المؤمنون، ثم أخبر ﷺ أن خيار هذه الأمّة علماؤها، فالعلماء منهم خيار الخيار؛ لفضائل العلم، كما قال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] أي على سائر الخلق، ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] بمقدار تزايده عندهم وارتفاعهم فيه على من دونهم في العلم، وذاك أن خير علمهم في دين الله يعود عليهم وعلى غيرهم وفضيلة كل عالمٍ وعلو درجته بعلمه على قدر معلومه، فإن شرف العلم إلى أن ينتهي العلم بالله كما قال ﷺ : "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ"، ثم ذكر علامته فقال: "وَأَشَدَّكُمْ لَهُ خَشْيَةً" (١)، ثم أخبر عن تفاوت العلماء في كمال الخير، فقال ﷺ : "وخيار علماؤها حلماؤها" (٢)،
стр. 69
وإن الحليم هو المتثبت ذو الأناة الذي لا يستفزه الغضب، ولا تغلبه عجلة الطبع، أي تزعجه عزة العلم فالحلم إذًا جمال العالم وكماله، ولذلك [ق ٢٥ /أ] مدح الله تعالى به إبراهيم خليله ﷺ فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، وهذه صفة العالم بالله تعالى وعظمته المنتهية ودرجة الإحسان، ومن دون هذا علماء الشرع في تنوعهم وغالب الاسم ينصرف إلى العلماء بالأحكام ومعرفة الحلال والحرام فخيارهم حكماؤهم، وإنما افتقر كمال خيرهم إلى الحلم؛ لأن هذا النوع من العلم آلاته من اللغة والنحو وغيرهما قد ينشأ به من النفس كبر، كما روي في الأثر: "إن للعلم طغيانًا كطغيان المال" (١). قلت: وذلك أن صاحب المال يرى حاجة الفقر إلى ماله واستغنائه به واستقلاله عند غيره، فيطغيه كبرًا كما قال الله أن ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] أي في باطنه وظاهره، وكذلك من حوى العلم بالأحكام والمعرفة بالاجتهاد في علم الحلال والحرام يحتاج إلى علمه السلطان والعام، ويرى استقلَالُه وغناءه عن النظراء والأقران، فربما نسي بذلك رؤية منة المنعم عليه المنان فينشأ من طبعه ونفسه العجب والغية (٢) فيتكبر وهو الطغيان، وهذه شرور تذهب بهجة العلم (٣) فيحتاج إلى الحلم والأناة لئلا يعسف بطلبه علمه ويجفوا على أصحابه [ق ٢٥ / ب] وتلامذته ويتيه (٤) ويتكبر على مستفتيه بمراجعته. كما روي أن إنسانًا دخل علي فقيه فاستفتاه في مسألة وأجاب فراجعه في الجواب فنهاه وقال: مثلي لا يراجع في فتواه.
стр. 70
فخرج من عنده وكتب إليه بهذين البيتين يقول:
قُلْتُ لِلْمُعْجَبِ لَمَّا ... قَالَ مِثْلِي لَا يُرَاجَعْ
يَا قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالمَخْـ ... ـرَجِ لِمَ لَا تتواضع (١)
فهذا عالم بما عنده لكنه يصير بهذه الأخلاق الطبيعية التي لم يهذبها بالرياضة وعلم الخشية من شرار العلماء حتى أنه ربما ضنَّ (٢) بعلمه فيبتلى ببذله لأهل الدنيا وصحبة السلاطين للحشمة (٣) والجاه؛ لإدراك المنى، فليس من خيار العلماء، فإذا ضم الحلم إلى العلم تكامل خيره، فتزايد جماله، فاستنار علمه. كما روي: "ما ضمّ شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم" (٤)
стр. 71
فصار من خيار العلماء لعموم خيره وفوائد علمه للأقصى والأدنى، فيشكر نعمة الله عليه أولاً بالتواضع لله على ما أولاه. كما روي في حق العالم أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لربّه (١)، ثم بالرفق بالخلق والتأني في الأمور حتى يصير الحلم له سجيّة وخلفًا وحينئذٍ يعدّ في الحلماء، فإن بدرت منه في وقت بادرة فلا [ق ٢٦ /أ] فلا يتغير ببهاء (٢) الحلم. والله أعلم. ولمثل هذا العالم جاء في سياق هذا الحديث بعد قوله حلماء: "إلا وإن الله تعالى [يغفر] (٣) للعالم سبعين ذنبًا قبل أن يغفر للجاهل ذنبًا واحدًا، وإن العالم الرحيم يجيء يوم القيامة يضيء وجهه كما يضيء الكوكب الدري في الدنيا" (٤) وهو غريب من طريق ابن المبارك عن الثوري عن أبي الزناد عن الأعرابي عن أبي هريرة رضوان الله عليهم. والعلم هو ما قال الله وما قال رسول الله ﵇ وما جاء عنهما ومعرفة سيرة الصحابة وأقاويلهم ومعرفة فتاواهم وما كانوا عليه وليس ما عند أهل الحوادث والبدع الذين هم رؤساء الجهال علم، ولا معرفة بل ذلك جهل وضلال وغرور منهم وتزيين الشيطان لهم من سواء أعمالهم.
стр. 72
وروي عن النبي ﵇ قال لعائشة ﵂: "يا عائشة سدي مجاري الشيطان بالجوع" (١). وروي عنه ﵇ أنه قال: «مَا مَلَأَ الْإِنْسَانُ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» وتمامه حَسْبُ ابْنِ [آدم] (٢) لقمات تُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتهُ نَفْسُهُ فَثُلْثٌ لِلْطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلْشَّرابِ، وَثُلُثٌ لِلْنَّفَسِ" (٣). اعلم أن هذا ذم الشبع والنهي عن كثرة الأكل للطعام لما فيه من المضار [ق ٢٦ / ب] والاستقامة البدنية من التخمة والأدواء (٤) بالشر المنوط بامتلاء البطن، فمن ذلك التوسع في المأكل، وقل أن تسلم الكثرة من حرام، أو شبهة، ثم إن سلم طال عليه الحساب، ثم ينشأ منه حب الدنيا وقسوة القلب وظلمته بالشهوات والمنى وتسلط الشيطان على الباطن باتساع مجاري الطعام، ثم الكسل والفتور عن الطاعات وكثرة النوم.
стр. 73
وعن عيسى ﷺ أنه قال: "من شبع شبعة دخل فيه سبع آفات: لا يقدر على حفظ العلم والحكمة، ولا يجد حلاوة العبادة والرابع يقل خوفه والخامس تقل شفقته على الناس والسادس يزداد شهوة نفسه وبصره وجوارحه والسابع يدور الجائع حول المساجد والمصاحف، ويدور أهل الشبع حول الكنف والمزابل" (١).
وعن لقمان الحكيم (٢) ﵇ قال: "إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخربت الحكمة ووقفت الأعضاء عن العبادة" (٣). وعنه ﵇: "مما يوجب المقت من الله الأكل من غير جوع" (٤)، ألا ولعمري (٥)
стр. 74
إنما يمكن الشيطان من أقوام من أهل زماننا نبذوا بالعلماء وبالعباد وليسوا منهم في شيء لعدم العلم، وأنهم ما جالسوا أهل العلم ولا [ق ٢٧ /أ] ولا شمّوا ريحهم وهم كما قال أبو الفرج عبد الرحمن الجوزي رحمة الله عليه سهروا فما ناموا لتدبير الناموس وسعوا في صحة أبدانهم ولا جالينيوس وأنهم في التهافت على جمع الأحجار زباب طعم وفراش نارٍ يتشبهون بالعباد، وليسوا منهم وقد سمعوا وصاياهم ولم يحفظوا عنهم ولكثرة أكلهم وشبعهم من الألوان المختلفة التي جرى منها الشيطان إلى قلوبهم فاسدها واستحوذ عليها (١)، ولأجل جهلهم وامتلائهم من الشهوات التي غفلت قلوبهم عن الله وأقبلت بها إلى الحوادث والمكروهات كالرقص واستماع الغناء والشبابات وكل ذلك من عدم العلم وكثرة الجهل وقلة المروءة، وذهاب الخوف من الله ، فبالله العجب من حب الناس لهم وتعظيمهم إياهم، وميلهم إليهم، وما هم إلا كما أقول؟
أقول لطالبٍ بالافتقار ... من الناس: التعظم بالوقار
يروه بهيبة، قد وقّروه ... ويخشى بينهم للاحتقار
أحب مكانه فيهم وجيهًا ... مداهنته لهم بالاعتبار
تجمل بالثياب ولا تبالي ... فإن العين قبل الإخبار [ق ٢٧ / ب]
فلو لبس الحمار ثيابٍ خزٍ ... لقال الناس: يا لك من حمار
وكما روي أن الحسن البصري قال: "إن قومًا جعلوا خشوعهم في لباسهم وكبرهم في صدورهم، وشهروا أنفسهم بلباس الصوف حتى أن لابس الصوف أشدّ كبرًا من صاحب المطرف بمطرفه" (٢)، وقال غيره: ولكنهم يترفعون فيه حتى يكون إسرافًا أدق من القطن والكتّان وأكثر ثمنًا، وهي الدنيا كلما رُفعَتْ وضعها الله .
وروي أن سفيان الثوري ﵁ قال: "الزهد عندنا قصر الأمل لا أكل الغليظ ولا لبس العباء" (٣).
стр. 75
وروي أن محمد بن موسى الجرجاني رحمة الله عليه قال: سألت محمد بن كعب الصنعاني مِن الزهاد الذين لا يتزودون ولا يتنعلون ولا يلبسون الخفاف؟ فقال: سألتني عن أولاد الشيطان ولم تسألني عن الزهاد. قلت: فأي شيء الزهد؟ قال: التمسك بالسنة والتشبه بأصحاب رسول الله ﵇ (١).
قال الحافظ الدشتي رحمة الله عليه: وكان شعار (٢) عيسى ﷺ : الصوف (٣) وبقي في رهبانه إلى اليوم والزنادقة في زماننا لبسوا الصوف شعارهم، وكان الصوفيّة ظنوا أن هذا الاسم من الصوف [ق ٢٨ /أ] فاستشعروه اعتقادًا واستشعروه ملبسًا.
قال قائلهم شعرا:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا ... فيه فظنوه مشتقًا من الصوف
ولست أبيح هذا الاسم غير فتى ... صافى فصوفي حتى سمي الصوفي (٤)
ولستُ أمنحُ هذا الاسمَ غيرَ فتىً ... صافي فصوفِيَ حتَّى لُقَّبَ الصُّوفي