التاريخ لم يذكر أنها رأته، فلنفرض أنها كانت تراه من وقت بعد اخر، وإذا كان التاريخ لم يذكر الرؤية، فإن أقصى ذلك أنه لم يثبتها، ولم ينفها، فالفطرة والحنان يوجبانه، وهما أصدق خبرا، ولذلك نقرر أنها لابد كانت تراه من حين لاخر «١» .
وأنه بعد أن استغنى عن الرضاعة، وبلغ فيها حولين كاملين، يكون من الحق على المرضع أن ترده إلى أهله، وإذا كانوا يرون أن يبقى عندها فإنه يكون برجاء منها، ورضا منهم، وهذا ما فعلته، فقد قالت:
قدمنا به على أمه، ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه، قلت لها: دعينا نرجع بابننا هذه السنة الاخرى، فإننا نخشى عليه وباء مكة. فو الله مازلنا بها، حتى قالت: نعم.
رأت الخير بين يديه، فأرادت أن تبقيه ليبقى الخير، ولأنه قد نال محبتها، وأصبحت لا تستطيع فراقه كأنها التى حملته، ولم ترض الأم التى حملت به أن تتركه لشوقها إليه، ولتضمه أحضانها، فلم تسلمها ولدها لأول طلب، بل مازالت بها حتى قبلت، ولعل قبولها سببه ما ذكرته من أنها تخشى عليه وباء مكة، وتريده أن يكون مستمتعا بجو الصحراء الصافى من حمل الأسقام والأوباء فهى قد رضيت إيثارا ومحبة.
اخبار شق الصدر
٩٠- عادت حليمة فرحة ببقاء الخير والبركة ببقاء محمد فى حضانتها، وإذا كانت من قبل مرضعا وحاضنة فهى الان حاضنة، وإن ذلك يحملها عبئا اخر، وهو صيانته وحفظه، إذ كان من قبل يلازم حجرها، أو يكاد، أما الان فإنه لا يلازم حجرها، بل يغادره ليلعب، ليروح ويغدو، هنا وهناك، وإن ذلك يحتاج إلى صيانة.
وكانت تتبعه وقد خرجت مرة لتبحث عنه مع أخته من الرضاعة، وكان الحر شديدا، فتقيل كلاهما، (أى استرخى فى القيلولة) فقالت الفتاة، إنه لا يحس بحر، لأن غمامة تسير حيث يسير، وتقف حيث لا تتركه.
ونقف وقفة قصيرة عند الأخبار الواردة فى شق صدره ﵊، فقد رويت فى ذلك أخبار بعضها فى خبر قصير، وبعضها فى خبر طويل، ولا تخلو من زيادة فى بعض، ونقص فى اخر، وإن كان المعنى الأصلى متفقا فى الجميع.
стр. 107
ولنذكر واحدا منها، وهو ماروى وثبت فى صحيح مسلم عن طريق حماد وابن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه وصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، واستخرج منه علقه سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعنى، ظئره، فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه، وهو ممتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى ذلك الخيط فى صدره» وإننا نلاحظ فى ذلك الخبر أمرين:
أولهما: أن الخبر فيه أنه غسله بماء من زمزم، ويلاحظ أن الواقعة إن صحت كانت فى البادية فى مكان ناء عن زمزم، وإذا كان من ماء مع جبريل، فمن أين علم أنه من زمزم.
ثانيهما: أنه ذكر أنه كان يرى أثر الخيط فى صدره ﵊، وإذا صحت الواقعة فإن المعقول أنه عمل ملك، والملك لا يكون لعمله أثر محسوس.
ونحن نرى أن الأخبار بالنسبة للشق لا تخلو من اضطراب.
وعلى فرض أنها صحيحة، لا نقول أنها غير مقبولة، بل إنا نقبلها إن صحت، ولكن الاضطراب فى خبرها، يجعلنا نقف غير رادين، ولا مصادقين.
ومهما يكن الأمر فى قصة شق البطن، فإن الغلام الطاهر كانت تحوطه أمور خارقه للعادة لم تكن لتحدث للغلمان فى سنه عادة.
ولقد جاء فى الروض الأنف أن محمدا ﷺ عندما عادت به حليمة بعد أن حملت أمه على الرضا ببقائه عندها سنة أخرى أعادته بعد شهر أو ثلاثة خوفا عليه مما يجرى، ولقد ذكر الرواة حديث شق البطن، وأنها لما بلغها خافت على الغلام فردته إلى أمه.
قال ابن إسحاق أنها رأت أن بعض النصارى رأوه، ورأوا ما به من علامات النبوة، فطلبوا إلى حليمة أن يأخذوه عندهم فارتابت فى ذلك حليمة فردته إلى أمه خائفة عليه، ولتخلى نفسها من التبعة، وسنزيد من بعد الخبر بيانا.
٩١- هذا الكلام يدل على أنه ال إلى أمه بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من السنة الثالثة، وهو معقول لأنه لا رضاعة من بعد ذلك، والأحوال كانت توجب هذا، لما كان يصيب أمه الرضاعية من خوف عليه، بسبب الإرهاصات التى كانت تحوم حوله مما أفزعها. ولكن جاء فى الروض الأنف ما نصه:
стр. 108
«وكان رد حليمة إياه إلى أمه، وهو ابن خمس سنين وشهر فيما ذكر أبو عمرو، ثم لم تره بعد ذلك إلا مرتين إحداهما بعد تزوجه خديجة رضى الله تعالى عنها، جاءت إليه تشكو السنة، وإن قومها قد استنوا، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرين، والمرة الثانية يوم حنين» .
وإن هذين بلا شك خبران متناقضان: أحدهما يفيد أن أمه تسلمته عند بلوغه سنتين وشهرين أو ثلاثا، والثانى يقرر أنها تسلمته بعد خمس سنين وأشهر.
ولكن التوفيق بينهما ممكن بأن أخذها الأول لتضمه إليها، ويكون فى كنفها، ولا يمنع ذلك من أن تجئ حليمة إليه تأخذه عندها الفينة بعد الفينة، يستروح بنسيم الصحراء. وتتيمن به ظئره المخلصة العطوف، أما حد التسليم بخمس سنين، فهو عندما أخذته نهائيا أمه، ولم يذهب بعد إلى بنى سعد.
ولذلك قرروا أنها لم تره بعد ذلك إلا بعد أن اكتملت رجولته بتزوجه، وبعد أن أبلغ رسالته، وتذاكرت الركبان بنصرته فى يوم حنين، فقد دامت من بعد إقامته عند أمه، ورحلت به إلى يثرب لتريه قبر أبيه، ولتزوره هى وفاء لرجلها الطاهر الأمين.
لقد سلمته حليمة إلى أهله، وكان يتردد عليها برغبتها، وأجازه أهلها، وقد ذكر ابن إسحاق خبرين قد نوهنا إلى أحدهما، ولم نذكر الاخر، وقد كان السبب فى ألا يقيم عندها إقامة ممتدة، ولكن تأخذه الوقت بعد الاخر.
أولهما أن ابن إسحاق قدر أنه زعم الناس فيما يتحدثون أن حليمة ظئره لما قدمت مكة به ضلت وهى مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأمّت جده، فقالت له إنى قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكة أضلنى الناس فو الله ما أدرى أين هو؟ فقام عبد المطلب يدعو الله أن يرده، فوجده ورقة ابن نوفل بن أسد، ورجل اخر من قريش فأتيا به عبد المطلب، فقالا له: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فجعله على عنقه، وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه امنة.
وقد ذكر هذا الخبر بن إسحاق، وصدره بكلمة زعموا مما يدل على شكه، ولكن لا موضع للشك فيه، فالخبر فى ذاته مقبول، وهو يدل على عظيم حدب جده عليه، وحرص حليمة، ومحبة قريش له.
ولكن هل هذا كان فى تسليمها الأول، أو فى تسليمه فى المرات التى كان يتردد عندها، تيمنا لجواره وقربه منها، وقبول أمه لذلك ليستروح هواء البادية، وتتقى أسقامه بها.
стр. 109
الخبر الثانى قد أشرنا إليه من قبل، ورجحنا أنه السبب فى إعادته بعد شهرين من بلوغه حولين كاملين، وهذا نص كلام ابن إسحاق:
«حدثنى بعض أهل العلم: أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه أن نفرا من الحبشة نصارى رأوه حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه، وقلبوه ثم قالوا لها:
لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره. فزعم الذى حدثنى أنها لم تكد تنفلت منهم حتى أرسلته إلى أمه» .
سفر أمه به إلى يثرب:
٩٢- كانت امنة مثالا للمرأة الكاملة، وهى بعد لم تتجاوز العشرين إلا بقليل، فقد رأت أن تزور يثرب وهو معها هو وأم أيمن حاضنته بعد أمه الكريمة، وذلك لأمرين:
أولهما: أن تزور مع ولدها قبر أبيه، وفى ذلك أجل الوفاء، وأكرمه، وكأنها ترى زوجها وديعته التى أودعها إياها.
وثانيهما- أن تعرفه بقرابته من ذوى الأرحام، وهم بنو النجار، إذ تزوج منهم جده هاشم، تزوج سلمى بنت زيد بن عمرو الذى ينتهى بنسبه إلى عدى من نبى النجار، وكان بالمدينة ذا شرف ومال.
وقد تحقق لها ما أرادت، ولعل هناك باعثا اخر، وهو أنها كانت تخشى على وليدها العزيز جو مكة، ووباءه، فأرادت أن تخرج به من ذلك الجو المزدحم الأهل بالسكان، لقد كانت حليمة تأخذه من وقت لاخر، فينقى جسمه من جو مكة المتكاثف، وينال من جو البادية ما ينعش جسمه ونفسه، ويكون إرادته، ويكون فيه متصلا بالكون لا يحجبه عنه حاجب، ولا يحول دونه باب، بل هو متصل بالسماء وزرقتها والنجوم ومدارجها، والقمر وانبلاجه، فيرى الشمس سراج الوجود، والقمر منيره من غير استتار يمنعه، أو حاجز، يرى الشمس فى مشرقها، وضحاها، وأصيلها وغروبها، وشفق القمر إذ يضئ، فيشق ضوءه الظلمات وينبلج نوره، ويتغنى به الشعر، وفى ظله يتسامر المدركون لجمال منظره، ودلالته على الخلاق العليم.
سافرت به أمه لتزور قبر أبيه، وأخواله، ولتخرج به من مزاحم مكة، ومحاجزها، وهى أحب أرض الله إليها، ولكنه الوفاء، ورعاية الوليد الطاهر فى جسمه ونفسه، وأهله، ولتريه ذوى رحمه كما رأى عصبته.
стр. 110
والظاهر أنها خرجت به بعد أن أخذته من حاضنته ومرضعته بعد أن بلغ خمس سنين وأشهرا كما ذكرنا من قبل، أى أنه كان قد ابتدأ السادسة، وسار فيها أشهرا.
وقد زار أولئك الصفوة من الأخيار قبر عبد الله أبيه، والزوج الحبيب زوج امنة فعبرت العيون وسكنت الأصوات، وتناجت الأرواح على مشهد من الغلام المحس المدرك، فعرف أباه، وقد أرمس فى التراب، ورأى رمسه بنظره، وأدرك محبته من عبرات أمه، فكان منظرا مطبوعا فى نفسه، وهمسا مس قلبه ومشاعره، ولعله أول حزن مس قلبه الغض البريء.
أقام وأمه فى أطم بنى عدى بن النجار، وهو قصر بنى فى أكمة عالية كأنه الحصن، وقد كانت الأطم معروفة فى المدينة، ويظهر أن الإقامة لم تكن قصيرة، وربما كانت طويلة نسبيا، ومهما يكن فقد رسمت فى ذهن الغلام صورا وضحها الخيال ووسعها من غير مبالغة ولا إغراق عند ذكرها.
فيروى أنه قال، وقد راها بعد أن حمل أعباء الرسالة: «كنت مع غلمان من أخوالى نطير طائرا يقع عليه» (أى على أطم بنى النجار) . وقال فى الدار التى نزل بها هو وأمه: «ها هنا نزلت بى أمى، وفى هذه الدار قبر أبى عبد الله بن عبد المطلب» .
موت الطهور امنة:
٩٣- أقامت امنة بدار بنى النجار ما طابت لها الإقامة، ولم ترد الاستمرار بعيدة عن بنى هاشم وعن الجد الطيب عبد المطلب كافله، فكان لابد من العودة، فأخذت فى السير إلى مكة، ولكنها وهى عائدة إليها أدركها الموت بمكان اسمه (الأبواء) ، وهو بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، كما يقول صاحب الروض الأنف «١» . وبذلك صار محمد ﷺ يتيما من أبويه إذ ادخره الله تعالى للإنسانية هاديا بالحق، داعيا إلى الرحمة، فكان نبى الرحمة، لأن الرحمة بالناس تنبع من الالام الذاتية التى تعترض فى أثناء الحياة، فإنه لا تنبعث الرحمة بالضعفاء إلا ممن ذاق مرارة الضعف، وأى ضعف أشد من اليتم، وإن القسوة فى كثير من الأحيان تكون من الذين ينشئون فى الحلية فاكهين فى نعيم الحياة.
ولقد ماتت الأم الطاهرة، وهو يدرك الحياة، وقد ذاق حلاوة حنانها، ولطف عطفها، وهى التى كان هو لها كل الوجود، واستبشرت به، واتخذت حبه عوضا عن الحب الزوجى الذى فقدته فى باكورة زواجها، وإذا كان قد فقد أباه من قبل، فقد كان ذلك هو فى غيب الله المكنون، وقد عوضه جده
стр. 111
عطف الأب فلم يحس بألم الفقد، لأنه لم يعلمه، واستقبل الحياة بهذه الحال، ولم يجعله جده عبد المطلب يحس بالفقد الذى لم يعه، أما الأم فقد فقدها وهو فى وعى، وبعد أن ذاق حلاوة حنان الأم، وإنه لا شئ يعوض عطف الأم الرؤم، وهو حرمان من شئ موجود شعر به، وأصابته لوعته، علمته الصبر وعوده أخضر.
وزادت اللوعة، وزاد معها الصبر، أن الموت، وهما غريبان، وليس لهما إلا الصحراء، وطريق مدعثر، وشقة بعيدة، لابد من قطعها، فاجتمع ألم الغربة، وأ لم الفقد، وأ لم الانقطاع، وصار الركب فى رعاية الله تعالى الذى صنعه على عينه، وذلك ليحس مع الصبر واحتمال الالام كريم الرعاية الالهية، والعناية الربانية، ويكون له من هذا زاد نفسى يذكره عندما يلاقى الشدائد فى الدعوة إلى الحق، ومناوأة الشرك وتكاثف المشركين عليه، وتعرضه للأذى والتجائه إلى الله إذا أحس بالضعف.
وإن الذى حلمه، وحل محل أمه فى حضانته جارية حبشية، وإذا كانت لم تعطه حنان الأم، وعزة العطف، فقد كلأته وحمته.
وإن ارتباط حياته الطاهرة بأمة حبشية تزويد من الله تعالى له بزاد إنسانى. ليشعره بأن الناس سواسية، وأن كل الفضل فيمن يحسن فى عمله، لا فيمن يفاخر بنسبه، وإنها لحكمة عالية أن تكون الحاضنة التى لا يستغنى عنها محمد ﷺ أمة حبشية، لأنه تربية ربانية على المساواة الإنسانية، وأنه لا شرف إلا بالنفع، والعاطفة. لذلك لم يكن غريبا من الذى حضنته جارية حبشية أذاقته حب الأمومة. وإن كان دون حبها، وأوصلته إلى جده محوطا بعناية الله وعطفها- أن يكون نصير الأرقاء، والمانع للرق الإنسانى، فليس غريبا أن يغضب أشد الغضب، عندما يسمع بعض صحابته يعير اخر بقوله «يا ابن السوداء» ويقول فى قوة: «لقد طفح الكيل، لقد طفح الكيل، لقد طفح الكيل، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى فمحمد ابن البيضاء حضنته السوداء فكان ابنا لهما معا» .
٩٤- ذاق حب الأم، وذاق لوعة فراقه، ولذلك زار قبرها، بعد أن بلغ أشده، وصار رجلا مكتملا سويا ورسولا نبيا، جاء فى الروض الأنف «وفى الحديث أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زار قبر أمه بالأبواء. فبكى وأبكى» وهذا حديث صحيح، وفى الصحيح أيضا أنه قال: «استأذنت ربى فى زيارة قبر أمى، فأذن لى واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لى» وفى سند البزاز من حديث بريدة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حين أراد أن يستغفر لأمه ضرب جبريل ﵇ فى صدره، وقال له: لا تستغفر لمن كان مشركا، فرجع وهو حزين. وفى حديث اخر ما يصححه، وهو أن رجلا قال له: يا رسول الله أين
стр. 112
أبى؟ فقال: فى النار، فلما ولى الرجل قال ﵇: إن أبى وأباك فى النار» وليس لنا أن نقول نحن هذا فى أبويه صلى الله تعالى عليه وسلم، لقوله ﵊ «لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات» وإنما قال النبى ﵊ لذلك الرجل ما قال، لأنه وجد فى نفسه، وقد قيل أنه قال أين أبوك أنت، فحينئذ قال، وقد رواه معمر بن راشد بغير هذا اللفظ، فلم يذكر أنه قال إنه قال إن أبى وأباك فى النار.
ولا شك أن الخبر الذى يقول أن أبا محمد ﵊ فى النار خبر غريب فى معناه، كما هو غريب فى سنده، لأن الله تعالى يقول: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «١» وقد كان أبو محمد ﵊ وأمه على فترة من الرسل، فكيف يعذبون؟!! إن هذا مخالف للحقائق الدينية، لقد مات أحدهما قبل أن يبرز الرسول إلى الوجود، وماتت الاخرى وهو غلام لم يبعث رسولا، ولذلك كان الخبر الذى يقول أنهما فى النار مردودا لغرابة سنده، أولا، ولبعد معناه عن الحقيقة ثانيا.
ولعل نهى النبى ﵊ عن الاستغفار، لأن الاستغفار لا موضع له، إذ أنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبى مبعوث، وليس كاستغفار إبراهيم لأبيه الذى نهى عنه، لأن أبا إبراهيم قد خوطب برسالة إبراهيم فعلا، فهو مكلف أن يؤمن بالله، ويكفر بالأوثان.
وفى الحق أنى ضرست فى سمعى وفهمى عندما تصورت أن عبد الله وامنة يتصور أن يدخلا النار؛ لأنه عبد الله الشاب الصبور الذى رضى بأن يذبح لنذر أبيه، وتقدم راضيا، ولما افتدته قريش استقبل الفداء راضيا، وهو الذى كان عيوفا عن اللهو والعبث، وهو الذى برزت إليه المرأة تقول هيت لك، فيقول لها أما الحرام فالممات دونه، ولماذا يعاقب بالنار، وهو لم تبلغه دعوة رسول، ونفى الله تعالى العذاب إلا بعد أن يرسل رسولا، ولما تكن الرسالة قد وجدت، ولم يكن الرسول قد بعث.
وأما الأم الرؤوم الصبور التى لاقت الحرمان من زوجها فصبرت، ورأت ولدها يتيما فقيرا، فصبرت، وحملته صابرة راضية فى الذهاب إلى أخواله، أيتصور عاقل أن تدخل هذه النار من غير أن يكون ثمة رسالة تهديها ودعوة إلى الواحدانية توجهها.
إنى ضرست لا لمحبتى للمصطفى الحبيب فقط وإن كانت كافية، ولكن لأن قصة امنة جعلتنى لا أستطيع أن أتصور هذه الصبور معذبة بالنار، وقد شبهتها بالبتول مريم العذراء لولا أن الملائكة لم تخاطبها.
٩٥- ويظهر أن النبى صلى الله عليه سلم كان كلما مر بقبر أمه غلبت عبراته، ولا عيب فى ذلك، فقد قال ﵊ أن البكاء من الرحمن والصراخ من الشيطان، ولقد ذكر الرواة أنه
стр. 113
بكى عندما مر بالأبواء، وبكى من معه لتذكر أمه، ولقد قال القرطبى فى تذكرته «جزم أبو بكر الخطيب فى كتاب السابق واللاحق، والناسخ والمنسوخ، وأبو حفص عمر بن شاهين بإسناديهما عن عائشة رضى الله عنها، قالت: حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع فمر على قبر أمه، وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم إنه نزل، فقال: يا حميراء استمسكى، فاستندت إلى بيت البعير، فمكث عنى طويلا، ثم عاد إلى وهو فرح مبتسم، فقلت: يأبى أنت وأمى يا رسول الله نزلت من عندى وأنت باك حزين مغتم، فبكيت لبكائك، ثم عدت وأنت فرح مبتسم، فيم ذا يا رسول الله، فقال «ذهبت لقبر امنة أمى، فسألت أن يحييها الله تعالى، فأحياها فامنت بى» .
روى فى إحياء أمه وأبيه خبر مثل ذلك بسند فيه مجهولون.
ونحن نرى أن توافر السند الصحيح فى هذه الأخبار غير ثابت، ولكن نقول ما قاله صاحب الروض الأنف- «الله قادر على كل شيء، ولا تعجز رحمته وقدرته عن أى شيء، ونبيه ﵊ أهل أن يخصه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته صلوات الله تعالى وسلامه عليه» .
ولقد روى الحافظ ابن كثير أحاديث كثيرة فى هذا الباب، وذكر أن فيها غرابة، وذكر الخبر الذى سقناه عن عائشة رضى الله ﵎ عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، سأل ربه أن يحيى أبويه فأحياهما وامنا به ثم قال فيه: «إنه حديث منكر جدا، وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة الله تعالى- لكن الذى ثبت فى الصحيح يعارضه» «١» .
وخلاصة القول، وهو ما انتهينا إليه بعد مراجعة الأخبار فى هذه المسألة أن أبوى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى فترة، وأنهما كانا قريبين إلى الهدى، وإلى الأخلاق الكريمة التى جاء به شرع ابنهما من بعد، وأنهما كانا على فترة من الرسل، ونعتقد أنه بمراجعة النصوص القرانية والأحاديث الصحيحة لا يمكن أن يكونا فى النار، فأمه المجاهدة الصبور، الحفية بولدها. لا تمسها النار. لأنه لا دليل على استحقاقها، بل الدليل قام على وجوب الثناء عليها هى وزوجها الذبيح الطاهر.
وما انتهينا إلى هذا بحكم محبتنا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإن كنا نرجوها ونتمناها، ولكن بحكم العقل والمنطق والقانون الخلقى المستقيم، والأدلة الشرعية القويمة، ومقاصد الشريعة وغاياتها.
стр. 114
فى حضن عبد المطلب
٩٦- عادت أم أيمن بركة الحبشية إلى مكة وسلمت الغلام الطاهر إلى جده عبد المطلب، وقد بلغ السادسة من عمره الكريم العامر بالخير، وعمل الصالحات، فأدناه إليه وقربه.
وفى البيت كان الصبية من أولاد عبد المطلب، والشباب من الرجال والنساء، كان فيه حمزة وكان فيه العباس، وكانت فيه هالة زوج عبد المطلب وابنة عم أمه، فهى ذات رحم، وما كان يمكن أن تنظر إليه، كما تنظر أزواج الاباء، إلى ذرية أزواجها، بل كانت تعد كخالته، لأنها ابنة عم أمه، وهى ربة البيت الراغبة لبيت زوجها الكريم، ولذريته الأطهار، فما كانت تنظر إليه شزرا، بل كانت تحبوه من عطفها ما تحبوه لولدها، فكان فى وسط مملوء بالعطف والصلاح، فما قهره يتمه، ولا أرهقه فقد أبويه، وإن لم يكن عزه كمثل عزهما، ولا عطفه كمثل عطفهما، ولكن من حواليه، لم يبقوا عطفا يستطيعونه إلا قدموه.
وكان جده عبد المطلب يرى فيه أعلى صورة للغلمان، والتقت فيه محبتان من عبد المطلب، إحداهما محبة أبيه الذى اهتصره الموت، وعوده أخضر، ومحبة الغلام الطاهر فى ذاته، فكان يدنيه إليه، وإذا كان اليتم بطبيعته يوجد انفرادا نفسيا، واعتزالا، فإن الجد العظيم خشى أن يكون لذلك أثره فى قلب هذا الغلام الحبيب، فكان يبالغ فى تقريبه منه حتى يأنس به دائما، جاء فى السيرة لابن إسحاق: «كان يوضع لعبد المطلب فراش فى ظل الكعبة وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأتى وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: «دعوا ابنى فو الله إن له لشأنا» ثم يجلسه معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع» .
حباه عبد المطلب بالعطف الأبوى، فكان ينسبه إليه مباشرة فلا يقول ابن عبد الله، ولكن يقول ابنى، ليأتنس به ويؤنسه، ويمنع عنه الإحساس بغربته بين أولاده، ولكيلا يحس بأنه دونهم، ويفضله عليهم فى المجلس. ليمنع قهر اليتم، فألقى الله سبحانه محبة منه عليه.
إن أخشى ما يخشاه القوامون على اليتامى أن يحسوا بانفراد، فلا يألفوا الناس، فكان عبد المطلب الحكيم العطوف الكريم يبث روح الائتلاف فى هذا اليتيم.
وكأن فطرة عبد المطلب السليمة، وفراسته كانا يلهمانه أنه سيكون له شأن، وبدت إرهاصات ذلك فى منامه الذى ارتاه، ثم فى أحواله التى شاهدها، ثم فى الأخبار التى جاءت عنه وهو فى البادية عند حليمة
стр. 115
وزوجها، ولذلك كان يبدو على لسانه ما يدل على أنه يتوقع له خيرا عظيما، كما جاء فى الخبر الذى سقناه، وقد قال أيضا ابن اسحاق، مرويا بسنده، «لما توفيت امنة قبضة إليه جده عبد المطلب، وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا، وإذا نام، وكان يجلس على فراشه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: «دعوا ابنى إنه يؤسس ملكا» «١» .
وكان فى ذلك البيت قلب اخر منحه محبة الأم، ورأت فيه وجودها، تحنو عليه كأمه، وهى التى حضنته كأمه، واوت به من غربته وهى أم أيمن، وكان عبد المطلب يعتمد عليها إذا غاب عنه فى رعايته فكان يحثها على أن تبلغ أقصى الغاية فى العناية به، فيقول: لها «يا بركة لا تغافلى عن ابنى فإنى وجدته فى غلمان قريب من السدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى نبى هذه الأمة» .
ولكمال عطفه، وإيناسه، وتأليفه بكمال حنوه كان لا يأكل طعاما إلا يقول على بابنى، فيؤتى به، ولكن الله تعالى يختبر نفس الغلام بحرمان ثالث، فقد اختطف الموت أباه ولم تكتحل عيناه برؤيته، واختبره ثانيا بأن اهتصر الموت عود أمه، وقد أدرك معنى حنو الأمهات، وراها كالعود الأخضر، يذبل، ويذوى، ثم اختبره ثالثة، وقد رأى جده الكريم يتركه، فقد الأبوة القريبة، والأبوة البعيدة، وقد أحس بعظم ما فقد عند سمع المراثى فيه، وهى تعلن مكانته، ومحبته وأنه قد ابتدأت، وهو لا يزال حيا، ولكن الموت يدنو منه.
وكانت الأشعار تجيء بالرثاء من بناته، ويقول ابن إسحاق «إنه لما أحس بذلك الموت أمر بناته أن يرثينه فكن يرثينه، وهو يسمع» .
وهذا الرثاء هو أبلغ النواح، وإن ذلك الخبر يدل على أنه كان فى وعى كامل، ولم يصبه خرق الشيخوخة.
فى كنف أبى طالب
٩٧- كان اليتيم الكريم يعيش فى عزة وعطف، ورفق فى أحضان أمه الطاهرة، وحاضته البرة أم أيمن بركة هذا البيت، وكنف الشريف فى قومه السيد فى قبيلته، لم يحس بالمهانة أو القهر، بل أحس بالشرف والكرم والرفق والعطف، واستمرت هذه حاله الى أن بلغ الثمانية.
وقد مات جده، وكافله فى الثامنة من عمره، ولكنه لم يفقد عطفه وهو يعالج سكرات الموت، بل استمر قائما بحقه عليه، ولذلك عندما أحس بالموت يدب فى جسمه دبيبا، أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحياطته، وقد اختصه بهذه الوصية، لأنه كان فى قريش له مقام
стр. 116
المطلب بعد أبيه، ولأنه أقرب كل بنيه إليه، لأنه ابن شقيقه، إذ أمهما واحدة، وهى فاطمة بنت عمرو بن عائذ من بنى مخزوم.
وقد قام أبو طالب بحق الوصية، فكان يرعاه حق الرعاية، فكان يصاحبه فى غدوه ورواحه ما أمكنت الصحبة. لأنه ابتدأ يتعود عادات الشباب، ولا يغنى عنه فى هذا الدور من حياته إلا الصحبة الموجهة، فكان يصحبه لهذا، ولمحبته الشديدة له، فكان يختصه بمحبة لا يحب أولاده بمثلها، فكان لا ينام إلا بجواره فى منامه، وقد لا حظ فيه يمنا لم يلاحظه من قبل، وكان مثله، كمثل حليمة وأولادهم، إذ حل فيهم فشبعوا بعد جوع، ودرت عليهم أخلاف ناقتهم بعد أن جفت.
كان أبو طالب فى بعض الأزمة المادية، فكان عياله إذا أكلوا لم يشبعوا وإذا أكل معهم محمد الميمون شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذيهم قال لهم كونوا كما أنتم حتى يجيء ولدى، وهو محمد ﵊، فإذا جاء أكلوا معه، فكان الطعام يفضل منهم، وإذا لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب: «إنك لبار» هذا ما قصه ابن إسحاق فى سيرته «١» .
وليس عندى ما يسوغ لنا أن ننقض ذلك الكلام، فهى قدرة الله تعالى على كل شيء، وإذا اختص الله بها محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، فهى إرهاصات الرسالة وقد جرى على يديه وفى أحواله خوارق عادات أخري، أوضح وأظهر وأبين، فالضوء الذى صاحب ولادته، وارتجاس إيوان كسري، وتهدم غرفاته، وخمود نيران المجوس، والبركة التى حلت على حليمة وذريتها بقدومه، كلها أحوال خارقة للعادة هذا دونها فى الإرهاص.
ولكن جاء عن الحسن بن عرفة ما قد يوميء بالتعارض الظاهرى. فإنه روى عن ابن عباس أنه قال: كان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم، فيجلسون وينتهبون، ويكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا ينتهب معهم، فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة.
وهذا قد يوهم التعارض، وبفحص الخبرين يتبين أنه لا تعارض لأن الأول يتبين منه أن الشبع وفضول الطعام يكونان إذا كان بينهم، وليس معنى ذلك أن ينتهب كما ينتهبون، إنما معناه أن يأكل وقد عزل له طعام خاص، حتى لا يتسابق معهم فى الالتهام، إذ نفسه العفوف تأبى عليه أن يزاحم فى مد الأيدى إلى الطعام، فذلك من تأديب الله تعالى له، وما منحه عن عفة وابتعاد عن الجشع فى الطعام وغيره، كما يبدو من صفحة حياته.
وإنه يكفى أن يكون معهم فى الطعام لتكون البركة، ولعل البركة تزداد بهذا التخصيص الذى اختصه به أبو طالب فإن الله تعالى قابل ذلك التخصيص من عبده الكريم بفيض من فيضه العميم.
стр. 117
إلى العمل
٩٨- اتجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلى العمل، وقد شب عن الطوق، وإن كان لم يبلغ سن المراهقة، واتجه إلى العمل الذى يستدعى رفقا منه ورعاية، وفيه حنو على الضعفاء، اتجه إلى رعى الأغنام، وهو عمل فيه ثلاث مزايا:
إحداها: أن فيه سياسة لحيوان ضعيف يقتضى عطفا ورفقا فى سياسته.
والثانية: أنه يعاشر فيه الضعفاء من الغلمان الذين ليس فيهم استعلاء أهل الجاهلية الأولى الذين كانوا يستعلون بشرفهم.
والثالثة: أن فيه كسبا ماديا من عمل اليد، وأفضل الكسب ما كان عمل اليد.
وإنه كان يرعى الغنم فى بنى سعد، مع إخوته من الرضاعة أولاد حليمة، فكان يلهو معهم بذلك الرعى فى اخر أيام رضاعته، وأولى سنى حضانته، فكان لهوا مفيدا، وخير اللهو ما كان فيه مصلحة، وفائدة، وكان بلا شك ذلك النوع أجره فيه، إذ أنه لهو، وأجرته هى متعة اللهو الحلال المفيد.
وثبت أنه رعى الغنم فى مكة، وقد كان فى سن شب فيها عن الطوق كما أشرنا، وقد اتجه إليه غير لاه به، ولكنه عامل فيه ليكتسب حلالا، ويأكل طيبا.
ولقد ثبت فى الصحاح أنه كان يرعى الغنم فى مكة على قراريط، يأخذها من أهلها، والقراريط، هى حصته من اللبن فيما يظهر، فهو يرعاها على أن يكون له حصته من لبنها يناله، ولعله كان يتغذى بها مع أولاد أبى طالب، أو يأكل منها، ويتصدق، فينال خيرين: خير الكفاية، وخير الصدقة أو المودة.
ويظهر أن رعاية الغنم من تربية الله للنبيين، إذ تعودهم على الرفق، والعطف على الضعفاء، وحسن قيادة النافر، وتأليفه وتقريبه، وإدنائه من قطيعه.
ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم فيما ذكره ابن إسحاق بسنده: ما من نبى إلا وقد رعى الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله! فقال نبى الرحمة: وأنا.
وقد روى فى بعض الأخبار أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «بعث موسى ﵇ وهو راعى غنم، وبعث داود ﵇ وهو راعى غنم، وبعثت وأنا راعى غنم» .
стр. 118
وجاء فى الروض الأنف فى تعليل ذلك: «وإنما جعل الله تعالى هذا فى الأنبياء تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق، ولتكون أمتهم رعاية لهم، وقد رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ينزع عن قليب، وحوله غنم سود، وغنم عفر، قال ثم جاء أبو بكر رضى الله تعالى عنه فنزع نزعا ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر، فاستحالت غربا، يعنى الدلو، فلم أر عبقريا يفرى فريه» فأولها الناس بالخلافة لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عنهما «١» .
وإن هذه الرؤيا الصادقة أو مأت إلى الرعية، بأنها كالغنم العفر، للإشارة إلى أن الرعية يسوسها حاكمها بالرفق والعطف، والتوجيه من طلب الغذاء لها من غير إعنات، ينقلها من الخير إلى الخير من غير إرهاق ولا إكراه، ولا إيذاء، كما ينقل الراعى قطيعه من كلأ إلى كلأ، ومن ماء إلى ماء بالترغيب والتحبيب لا بالإيذاء والترهيب.
حماية الله تعالى
٩٩- حمى الله تعالى محمدا فى نشأته، فكفله محبوه، فلم ترهق أعصابه، ولم يرهق فى يتمه، فنبت نبتا حسنا محبوبا أليفا مألوفا، وحمى نفسه من أن تتردى فى مهاوى الانحراف.
لقد كانت طبيعة العمل الذى اختاره الرسول، لأنه أسهل الأعمال إليه أن يختلط بصبيان من طبقات مختلفة أكثرهم من طبقات الفقراء والخدم والعبيد، فأولئك الذين كانوا يؤجرون لهذا العمل الذى لا يعد من معالى الأعمال بل يعد من صغارها، ومع أنه كان مع الخدم والعبيد والغلمان، لم تنزل نفسه عن عزتها من غير استعلاء، فكان يجذبه إلى العلا شرف نسبه وطيب محتده، وما يراه فى أسرته من سمو وعلو وسيادة، وما يكمن فى طبعه الكريم من حب لمكارم الأخلاق من غير غطرسة، ولا كبرياء، ولا استهانة أو استصغار للضعفاء، ويجذبه إلى التطامن والرضا بالقليل صغر العمل فى ذاته من غير نظر إلى ثمراته، وأثره فى تربية النفس على حسن المعاملة، والرفق بالناس.
وكان الأحداث منهم خصوصا الذين انغمس ذووهم أو أولياؤهم فى الشهوات يستولى على قلوبهم حب اللهو البريء وغير البرىء، ومنهم ينزع إلى الشر من بعد، ويكون عنصر فساد فى المجتمع إذا شدا وترعرع وبلغ أشده، وإذا كان الضعف يثير الرحمة، ويدفع إلى الحب الخالص البريء، فهؤلاء يدفعون إلى المجون، والمجون يهدى إلى سيطرة الهوى وسيطرة الهوى تهدى إلى الفساد، والصحبة تجعل السقيم يعدى البرىء، وقد تعدى الصحاح مبارك الجرب، كما يقول الشاعر العربى الحكيم.
стр. 119
فكان أشد ما يخشى على محمد ﵊ فى صباه هو عدوى المجون، إذ هو محبب إلى نفوس الغلمان فى سن المراهقة، ومحمد ﵊ كان مراهقا فى هذه السن، ولكنه تربية الله فجنبه ذلك، وأبعده، ويحكى عن نفسه ﵊ والمجون يساوره، فيعصمه الله تعالى، فيقول، وهو الصادق الأمين ما روى البخارى عنه، أنه قال «ما هممت بشيء من أمر الجاهلية إلا مرتين» .
وقد ذكر ابن إسحاق أن إحدى المرتين كان فى غنم يرعاها هو وغلام من قريش، فقال لصاحبه اكفنى أمر الغنم حتى اتى من مكة، وكان بها عرس فيه لهو وزمر، فلما دنا من الدار ليحضر ذلك ألقى عليه النوم، فنام حتى ضربته الشمس عصمة من الله تعالي.
وفى المرة الاخرى قال لصاحبه مثل ذلك، وألقى عليه النوم كما ألقى فى المرة الأولى، وترى من هذا حماية الله تعالى له من الاسترسال فى الهوى، فهو فى الخطوة الأولى سد الطريق، لا بمجاهدة نفسية، لأن سنه لم تكن تقوى على المجاهدة النفسية، بل بأمر خارج عن إرادته، وهو النوم الغامر، وكان له نعمة، وتوالى ذلك النوم، حتى قويت إرادته، وكانت له عزيمة تمنع، وقوة إرادة، وبمقتضى النظام الفكرى، أنه لو لم يعصمه الله تعالى بالنعاس الذى منعه، ربما كان يسترسل فى اتباع الهوى، وبذلك تسيطر الشهوات، فكانت العصمة المانعة فى أول الخطوة، وأول الدفعة، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى كما قال ﵊ من بعد أن منحه الله تعالى الرسالة.
إلى التجارة
١٠٠- اشتهرت قريش بين العرب بالتجارة، فكان سراتها تجارا، ذلك أنها لم تكن بلد زرع، بل كانت بواد غير ذى زرع ولم يكن فى العرب صناعة تكون موردا اقتصاديا، لأنها كانت مثابة أمن للناس بوجود البيت الحرام، فكان حجاح ذلك البيت يجيئون من كل فج عميق، وكانت الأسواق تقام فى الحج، كان فيها الاتجار، وفيها تعقد ندوات الشعر، والمسابقات البيانية، فكان مع تبادل البضائع تروج بضاعة البيان.
وكان كسب أغنياء قريش من التجارة، وأوساطهم فى المال كانوا يتجرون كل على حسب طاقته، وعلى حسب ما عنده من المال، وكبار التجار منهم كالعباس بن عبد المطلب، والوليد بن المغيرة وأبى بكر، كانوا يتجرون فى الجلب من اليمن والشام.
стр. 120
وكانوا ينقلون بضائع الفرس إلى الرومان عن طريق اليمن، وبضائع الرومان إلى الفرس عن طريق الشام، فكانت لهم رحلتان: إحداهما فى الصيف يذهبون فيها إلى الشام يجلبون إليها بضائع الفرس، ويحملون فيها بضائع الرومان، والاخرى فى الشتاء يحملون منها بضائع الفرس ويحملون إليها بضائع الرومان، فكانت التجارة الخارجية سبيل ثروة كبارهم، والتجارة الداخلية مرتزق أوساطهم، وأما فقراؤهم فكان مرتزقهم من النعم الإبل والبقر والغنم.
ولذلك كان من مقتضى هذه الحياة التجارية أن يتجه محمد ﵊ إلى التجارة، عمل الأغنياء ومرتزق الأوساط، وما من المعقول أن يستمر راعى أغنام، فإنها تناسبه وهو صغير السن، أما إذا كبر، فإنه لابد أن يتجه إلى التجارة الداخلية والخارجية، وأن يعرف الأسواق التى يكون منها الاستيراد، ويكون عن طريقها التصدير، ولابد حينئذ من أن يسافر، وقد ألهمه الله تعالى أن يطلب السفر مع قافلة قريش التى تحمل البضائع إلى الشام، وتجلب منها.
سفره مع عمه
١٠١- عندما بلغ سن المراهقة وشب عن الطوق كان لابد أن يتجه إلى مرتزق قومه وهو التجارة كما نوهنا من قبل، وجد القافلة وفيها كافله وولى نفسه، عمه أبو طالب، فابتغى أن يكون مع هذه القافلة، يسير بسيرها، ويجرب الحياة عن طريقها، ويدرس شئون التجارة التى يمارسها كبار التجار بمكة، ويتعرف الأحوال، ويكون على خبرة بالحياة وما يجرى فيها.
ويظهر أن عمه كان يستصغر سنه، ويرى أن تلك الرحلة الشاقة فوق طاقته، فوق أنه لا منفعة له فيها، إذ ليس فى القافلة مال له، حتى يتعرف حاله.
ولكن شدة رغبة النبى ﵊ جعلته يستجيب لطلبه ولقد عبرت كتب السيرة عن رغبة محمد ﵊ بقولها «صب به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم- أى تعلق بالسفر- وأحب الصحبة فرق له أبو طالب وقال «لاخرجن به معى ولا يفارقنى، ولا أفارقه أبدا» .
ونقف هنا وقفة قصيرة، لماذا كان التعلق الشديد بذلك السفر؟ قد بينا ما فيه الجواب عن ذلك، وهو تعرفه التجارة وشئونها معرفة عيان لا معرفة إخبار، وأن يمهد لنفسه ممارستها، والاتجاه إليها بدل الاقتصار على رعى الغنم.
стр. 121
أما امتناع أبى طالب ابتداء كما يوهم القول، فسببه الخشية عليه من وعثاء الطريق، ولخشية الضيعة، ولذا عندما نزل على إرادته قال «لا يفارقنى ولا أفارقه» .
خرج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مع عمه للتجارة بالشام، فحلت القافلة بأرض مدينة بصرى، وبصرى كانت موطنا لصوامع الرهبان، يقيمون بها، منصرفين إلى عبادتهم، وتعرف الإنجيل والتوراة، وما يحتويان، فكان لهم مع الرهبنة والزهادة علم بالكتاب وإشارته، وتبشيراته.
ارهاص وبشارة بالنبوة:
١٠٢- قامت هذه الرحلة مشتملة على إرهاص كبير معلم بنبوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيها إعلان عن البشارة بهذه النبوة والإعلام بأماراتها.
لقد كان ببصرى راهب فى صومعة، اسمه بحيرى، وكان على علم بالكتاب، وكان نزلاء هذه الصومعة ذوى علم بالتوراة والإنجيل، يتوارثون ذلك العلم كابرا عن كابر.
وكان من طبيعة بحيرى كما هو طبيعة كل الرهبان ألا يخرجوا للقاء القوافل ولا تعرف أحوالها، ولا استضافة من فيها، لأن الرهبنة تتقاضاهم العزلة وهم لا يخرجون عن سنتها، ولا ينحرفون بأنفسهم عن أحكامها، ويظهر أن قوافل العرب تعودت هذا وتعودوها من هذا الراهب خاصة ألا يلقاهم، ولا يلقوه.
ولكنه فى هذه المرة خرج من صومعته، إذ رأى من البينات ما يتفق وما عنده من التبشير برسول يأتى من بعد عيسى اسمه أحمد. فخرج من الصومعة ليلتقى بتلك القافلة ويعرف من تنطبق عليه تلك الأمارات، ويتحقق فيه التبشير. ذلك أنهم نزلوا قريبا من صومعته، وأنه رأى غمامة تظلهم تسير حيث يسيرون وتقف حيث يقفون، وأنهم إذا اووا إلى فيء شجرة، رأى أغصانها تتهصر، وتميل حتى تظل واحدا منهم هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وجد هذه العلامات، ويظهر أنه لم يتبين ذلك الصبى، أو تبينه وأراد أن يعرف أحواله، وبقية الأمارات الدالة على أنه المذكور فى الإنجيل.
ولذلك أراد أن يزيد تعرفه بالقوم، فاتجه إلى إكرامهم، فأقام لهم وليمة عامة تشمل صغيرهم وكبيرهم، لا يتخلف منهم أحد، وأرسل إليهم يدعوهم، وقال فى رسالته لهم: «إنى صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم، وعيدكم وحركم» .
لم يكن العجب من الدعوة إلى الطعام، إنما كان العجب من أنه ترك صومعته، وخرج إليهم، ولذا قال رجل من قريش «والله إن لك يا بحيرى لشأنا اليوم، ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم» .
стр. 122
قال بحيرى: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وأحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم. فاجتمع القوم إليه، ولم يتخلف إلا محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحداثة سنه، وبقى تحت الشجرة يرعى إبلهم ويحرسها، فلما راهم لم ير الصفة التى عرف بها الرسول المنتظر فى كتبهم، فذكر لهم أنه طلب ألا يتخلف أحد منهم عن طعامه، فقالوا: يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغى له أن يأتى، إلا غلام وهو أحدثنا سنا، فتخلف فى رحالنا، قال: لا تفعلوا ادعوه، فليحضر هذا الطعام.
فقال رجل من قريش مع القافلة: واللات والعزى إن كان للؤم منا أن يتخلف محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب عن طعام من بيننا. حضر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الوليمة، واختصه الرجل بفضل من العناية فاحتضنه وأجلسه.
أخذ بحيرى يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته.
حتى إذا فرغ القوم من طعامهم، وتفرقوا قال له: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتنى عما أسألك. وإنما قال بحيرى ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو غلام لم يبعث: لا تسألنى باللات والعزى شيئا، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. عدل بحيرى عن استقسامه بهما، وقال: والله إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، فقال ﵊: سلنى عما بدا لك.
جعل بحيرى يسأله عن رحلته وهيئته وأموره، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخبره، ويقول ابن إسحاق: فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته.
ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، فى موضعه من صفته التى عنده.
فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب، فقال: ما هذا الغلام منك، قال: ابنى!! قال بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال أبو طالب: فإنه ابن أخى. قال: فما فعل أبوه؟ قال:
مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر من اليهود، فو الله لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده.
فخرج به عمه أبو طالب سريعا، حتى أقدمه مكة، وأنجز تجارته «١» .
стр. 123
١٠٣- إن هذه رواية من الروايات التى رويت فى هذه الرحلة، والتقاء بحيرى الراهب. وليس فيما ذكره بحيرى، ولا فى أصل القصة غرابة؛ لأن التبشير بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثابت عند أهل الكتاب، وقد أشرنا إلى ذلك فى مقدمة كتابنا، وليس فى القصة أمر يستحيل تصديقه، أو يتعذر تصديقه، بل إنه خبر يتفق مع ابتداء نشأة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإظلال الغمامة له ﵊، ليس فيه غرابة أو ما يظن أنه غريب فى زعم الذين يجحدون، ومن طبيعتهم جحود ما ليس ماديا ولا محسوسا، ولكن يرد عليهم جحودهم بأن شواهد الصدق فى الخبر قائمة، فخاتم النبوة كان أمرا ظاهرا في جسم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، راه الراؤن ووصفه الواصفون فإذا كانوا لا يؤمنون إلا بالمادى، فهذا أمر مادى ظاهر، وقد وجد فيه، ولم يوجد فى أحد من غيره، فكيف يمترون؟ وهناك شاهد اخر بالصدق، وهو وجود هذه الأوصاف المعروفة فى التوراة والإنجيل حتى بعد أن أصابها التحريف، وإذا كانوا قد نسوا حظا مما ذكروا به، وأفسدوا الباقى، فالبشارات تلوح معلنة وجودها، رغم أنف الجاحدين المستكبرين، فلا مجال لا رتياب مرتاب.
بقى فى كلام بحيرى أنه يخوف أبا طالب الكافل الكريم من اليهود، وفى بعض الروايات أنه يخوفه من الرومان لأنه يعرضه للأذى، والتخويف منهما معا جائز، وذلك لأن الرومان كانت الملكانية فى الطوائف المسيحية حريصة على معاداة العرب، وكل مذهب دينى غير الملكانية، ولذلك كانت العداوة شديدة اللدد بينهم وبين اليعقوبيين بمصر، وكان بينهما ما بين النصارى واليهود، بل كانوا أشد إيذاء، وحينما قربت العقيدة بين طائفتين كانت العداوة أحد، إذ كل حريص على أن يدمج الاخر فيه.
وأما اليهود فمع أنهم كانوا فى البلاد العربية يستفتحون فى يثرب على الذين كفروا بالنبى الذى ان أوانه، كانوا يكرهون أن يكون من بنى إسماعيل، لأن حسدهم يجعلهم يستكثرون أن يكون نبى من غير ذرية إسحاق ﵊.
وخاتم النبوة الذى كان فى ظهر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو لحم ناتيء بين كتفى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى نسق ليس فيه تشويه للمنظر، قيل إنه كتفاحة، وقيل إنه كرقبة العنزة، وإن كثرة التشبيهات ممن رأوه فى جسم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليست اختلافا فى أصله، ولكنه اختلاف فى عبارة الذين رأوا، والتشبيه من حيث حجمه، ونظر الذى وصفه. والرواية التى ذكرناها، هى أقصر الروايات عبارات.
وقد روى الترمذى رواية أخرى أطول، وقد جاء فيها أن بحيرى قال عندما أخذ بيد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
стр. 124
«هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال أشياخ قريش: من أين علمك، قال إنكم حين أشرفتم لم يبق لشجر، ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا تسجد إلا لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، ثم رجع فصنع لهم طعاما» «١» .
١٠٤- عاد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من تلك الرحلة التى يبدو من ثناياها أن محمدا ﵊ أراد فيها أن يعرف الشام وأحواله، والتجارة، والصفق فى الأسواق، وبدت فيه تلك البشائر النبوية، وعلم الأشياخ من قريش مكانة ذلك الصبى، وهو المحبوب بينهم كثيرا كأبيه، حتى أنه لما نبههم بخيرى إلى أنه لم يكن بينهم ويجب أن يكون بينهم، تنبهوا، وقال قائلهم، إنه للؤم إذ لم يكن بيننا، وناداه واحتضنه، شعورا بالمحبة الشديدة المخلصة، وإشعارا بالندم على ما كان عندما رأوا هذه الحال.
وأخذ عمه أبو طالب بنصيحة الراهب، وقفل به راجعا مسرعا، خشية عليه مما خشى الراهب، من أن يغتاله اليهود، أو الرومان، فعاد به إلى قومه.
وإنه فى هذه الرحلة التجارية التى رغب فيها محمد ﷺ واستجاب له أبو طالب شفقة ورقة وملاطفة، وهو يحسب أنها من رغبات الصبيان، وأجابه محبة وتدليلا، يحسب أنه لا جد فيها، ولا غاية، ولكن الصبى يظهر أنه كان يريد منها الجد، فيريد منها الاستعداد لعمل يعتمد فيه على نفسه، ولا يكون كلا على عمه المحدود فى الرزق، فهو يريد الكسب من عمل يده.
وإذا كان اليتم لم يقهر محمدا ﷺ فى نفسه، إذ أعزه الله تعالى، وأكرمه، ولم يمكن أحدا من قهره فكان اليتيم العزيز المحبوب، فإن محمدا ﷺ استفاد من اليتم الجد فى طلب الرزق غير معتمد على أحد غير ربه، فنال من اليتم محاسنه، ولم ينل اليتم منه بمساوئه.
ذلك أن الثابت أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ الاعتماد على نفسه من بعد، وقد رأينا أنه ابتدأ يرعى الغنم صبيا، فلما تجاوز الصبا إلى المراهقة اتجه إلى صناعة أشراف مكة، وهى التجارة، ولم يذكر التاريخ فى أى سن ابتدأ التجارة، ولكن الأمارات تصور لنا أنه ابتدأ فى سن مبكرة.
أولا- لأنه رغب رغبة شديدة فى أن يسافر إلى قافلة التجارة، ولا نفرض أنه طلب ذلك لمجرد متعة السفر، فإنه كان صبيا جادا، ولم يكن ممن يميلون إلى المتاع.
وثانيا: لأنه كان لا يمكنه أن يعتمد على ثراء أحد. إذ كان كافله الذى كفله، وهو أبو طالب فقيرا.
стр. 125
محمد التاجر:
١٠٥- اتجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلى التجارة منذ بلغ البلوغ الطبيعى، وقد ثبت فى المصادر التاريخية أنه زاولها مع شريك أو شركاء، وقد ثبت أنه كان شريكا للسائب بنى أبى السائب، واستراح إلى شركته، ورأى فيه ما يمازج أخلاقه، وإن لم يسم إليها، ولكنه على أى حال رأى الشريك الأمين السمح فى معاملته، فكان التاجر لا يمارى ولا يجادل فى الشراء، ولا يخفى الخبيث من البضائع، ويظهر الطيب بلا مماراة فى تجارته.
وقد التقى به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند فتح مكة، فرحب به، ووفى له بحق الرفقة القديمة فى الاتجار، وتلقاه مستبشرا مرحبا، وقال له مذكرا بماضيه ليؤنسه فى حاضره: «مرحبا بأخى وشريكى، كان لا يشارى ولا يمارى» .
ولم يذكر فى التاريخ ما كان يتجر فيه، لأن كتاب السيرة لا يعنون فى حياة النبى ﷺ الإنسانية بمقدار عنايتهم فيما يتعلق بالرسالة، وإرهاصات النبوة، وخوارق العادة الصادقة التى أحاطت بحياته فى حله وترحاله، ووجهتهم فى ذلك أنهم يجعلون موضع الاهتمام فى دراستهم هو ما امتاز به من يدرسون حياته، ومثلهم فى ذلك أن من يكتب فى حياة رجل من النبغاء يعنى بجهة نبوغه، وموضع النبوغ، ولا يعنى بالنواحى الاخرى إلا لتصوير شخصه.
وكذلك الأمر بالنسبة لمحمد رسول الله تعالى، صلى الله تعالى عليه وسلم، وله ﵊ المثل الأعلى للإنسانية، كانت عناية كتاب سيرته الشريفة، بما يتصل بالرسالة مما سبقها ولحقها، وقليل منهم ما يكون اتجاهه إلى نواحيه المتصلة به كإنسان إلا أن يكون لذلك اتصال بموضوع الرسالة.
وقد كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فى حياته الأولى راعيا للغنم، أو تاجرا مثالا للأمانة والصدق، وكان مرموقا من مكة، وأخص ما امتاز به فى حياته كلها الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، ولطف العشرة وأنه موطأ الكنف يألف ويؤلف، يفتح قلبه لكل عمل كريم، ولا يضن على أحد بالمعونة إن لزمت.
كذلك كان فى كل أعماله فى الحياة، وكذلك كان فى تجارته، حتى سمى الأمين، وصار هذا اللقب علما له مع اسمه، فإذا أطلقت كلمة الأمين، لا تنصرف إلا إليه، إذ هى لا تطلق إلا عليه، وإن كل من يعمل بأمانة، ويقول بصدق دونه فى الأمانة والصدق، وكان لذلك فى مكان يعلو به على كل من فى مكة المكرمة من غير استعلاء ولا استكبار.
стр. 126
ولكن ما الذى كان يتجر فيه؟ ما زال هذا السؤال يلح علينا ما دمنا لم نذكر مادة تجارته فيما ذكرنا، ولكن يصح أن نسد الفراغ فى هذا الجزء من تاريخه، ﵊، بأنه يتجر فى البضائع التى تتبادل داخل مكة المكرمة، ولا تذهب إلى خارجها، لأنه لم يعرف أنه خرج من مكة المكرمة مع قافلة التجار إلى اليمن أو الشام، فكانت تجارته ﵊، مع شريكه مقصورة على ذلك النطاق فى داخل المدينة، وما يفد إليها، وقد كانت فيها أسواق تمتليء بالتجار فى موسم الحج، وكون الحجيج يفدون من أقصى أرض العرب إلى أدناها لابد أن يجعل فيها بضائع ترد إليها مع الحجيج، ويأخذ الحجيج من بضائع فى مكة المكرمة يعودون بها إلى ديارهم.
وإذا كانت رحلة الشتاء والصيف لقريش فيها التجارة الخارجية التى ينقلون فيها بضائع الروم إلى الفرس وبضائع الفرس إلى الروم، فمكة المكرمة كان فيها الاتجار فى داخل البلاد العربية فى موسم الحج، ومنها بضائع الروم والفرس فى البلاد العربية، فكانت فيها الأسواق رائجة.
مشاركته فى الأمور الجامعة
١٠٦- لم ينقطع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، عن قومه فى أعمالهم الجماعية، إذا كانت تتعلق بالتعاون على خير يقومون به، فإذا كانوا على أمر جامع ذهب إليه، وشارك فيه ما وسعه المشاركة، من غير أن يرضى بباطل، أو لا يبشر بحق، بل كان دائما مع الحق يستبشر به، وضد الباطل، ينغض رأسه به، من غير صخب ولا شحناء، فما كانت الشحناء من شأنه، ولا المباغضة من خلقه، بل هو فى كل أحواله الودود الحليم، والنفس الطيبة، وكان يحضر دار الندوة إذا انعقدت، ويستمع إلى كبراء العرب، فما يرضيه من قول الحق يستشرف إليه، ويستبشر به، وما لا يكون حقا، يبدو نفوره منه، ولا يرتضيه.
جاء فى كتاب زهر الاداب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى صباه حضر ندوة قريش، وقد حضر من اليمن كبارهم فنظر إليه قيل من أقيالهم، ورأى فيه نظرات قوية أحيانا، وهادئة مستبشرة أحيانا أخرى، فقال:
مالى أرى هذا الغلام تارة ينظر إليكم بعينى لبؤة، وأخرى بعينى عذراء خفرة، والله لو أن نظرته الأولى كانت سهاما لانتظمت أفئدتكم، فؤادا فؤادا، ولو أن نظرته الثانية كانت نسيما لأنشرت أموآتاكم.
لم يكن منقطعا عن الحياة الجماعية، إذ أنه رسول الرحمة والمحبة وتأليف الجماعات، فلابد أن يكون بينهم فى الكريهة والرخاء، لا يفترق عنهم إلا إذا كان الإثم، فإنه يجانبه من غير مباغضة لأهله، بل
стр. 127
يهداهم إلى الحق واجتناب الاثام، فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس من طبعه الاعتزال، بل من طبعه الاتصال بالناس، ليعرف مواطن الصحة ومواطن المرض، فاعتزال الحياة والأحياء ليس من الطبع القوى، بل هو من الضعف العصبى، إلا أن يكون لعبادة، فإنه إن اعتزل الناس استأنس بالله، فيقدم من بعد ذلك على الناس، وقد ادخر لنفسه قوة يسير بها فى الحياة.
حرب الفجار
١٠٧- الفجار مصدر فاجر، فمصدر فاعل فعالا أو مفاعلة، كقتال ومقاتلة، ونقاش ومناقشة، والفجار معناه تبادل الفجور، أى وقع فيه كل من المتحاربين، وكان الفجور الذى تبادله الفريقان، هو أنهما أقدما على القتال فى الشهر الحرام، وابتداء القتال فيه كان حراما فى الجاهلية، ولعله بقية من بقايا إبراهيم ﵇، ولذلك جاء الإسلام بتحريم ابتداء القتال فيه أو السير بالقتال فيه إلا لضرورة، ولقد قال الله تعالى: «إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين» «١» .
والأشهر الحرم كما روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هى «ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذى بين جمادى وشعبان» وكان القتال فيها حراما ليكون الأمن والاطمئنان فى الحج إلى البيت والعودة منه، وكان رجب محرما فيه القتال، لأنه شهر عمرة مضر.
وقصة هذه الحرب، التى انتهك فيها الشهر الحرام كما جاءت فى كتب السيرة، أن رجلا من بنى هوازن اسمه عروة الرجال أجار عيرا للنعمان بن المنذر فيها تجارة وطيب وحرير، ومعنى إجارتها منع أى أحد من أن يعتدى عليها، ويقال إنها فى جواره، وتسمى هذه العير اللطيمة.
فلما كانت هذه الإجارة كبر على بعض رجال كنانة وهو البراض بن قيس، فقال غاضبا:
أتجيرها على كنانة، فقال عروة: نعم وعلى الخلق كله.
فسار الرجلان، وقد غافل البراض الكنانى عروة، وقتله، فقامت الحرب بين القبيلتين وانضمت قريش إلى كنانة، والتقت كنانة وقريش مع هوازن، واقتتلوا أربعة أيام، حضر النبى ﵊ رابعها. وكان اليوم الذى حضره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو أشدها.
стр. 128
وقد توادع الفريقان على أن يستأنف القتال بينهما من العام القادم فى عكاظ.
فلما توافقوا فى الميعاد ركب عتبة بن ربيعة جمله، ونادى:
«يا معشر مضر علام تقاتلون؟ فقالت هوازن: ما تدعو إليه؟ قال: الصلح، قالوا: كيف؟ قال فدى قتلاكم (أى ندفع الدية عليها) ونرهنكم رهائن عليها، ونعفو عن دياتنا، قالوا: ومن لنا بذلك قال: أنا. قالوا:
ومن أنت؟ قال: أنا عتبة بن ربيعة. فدفع الصلح على ذلك. وبعثوا إليهم أربعين رجلا، فيهم حكيم بن حزام، فلما رأوا الرهائن من الرجال بين أيديهم عفوا عن ديانهم، وانقضت حرب الفجار بصلح كريم» .
١٠٨- وهنا نسأل: ماذا كانت سن النبى ﷺ فى هذه الحرب؟ وماذا كان عمله فيها؟ وما الذى حمله على الذهاب اليها؟
أما من ناحية سنه، فنقول: إن ابن هشام يقول فى سيرته: «إن سنه كانت بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة» ويقول ابن إسحاق: إنه كان فى العشرين من عمره الكريم.
ولا نجد لإحدى الروايتين ترجيحا على الاخرى، إلا أن يكون سند ابن إسحاق أقوى، فلقد قال الشافعى رضى الله عنه «الناس فى السيرة عيال على ابن إسحاق» ولعله يكون مما يقوى خبر ابن هشام من السيرة أن أعمام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أخذوه فى هذا اليوم، فهذا يدل على أنه لا يزال حدثا، ومن بلغ العشرين يكون رجلا.
ومهما يكن فإنا نرى أنه كان ابن عشرين، كما يدل على ذلك ما يجىء فى حلف الفضول.
ومع أنه بلغ العشرين لم يقدم على القتال، لأنها ليست حربا عادلة، وفطرة محمد السليمة ما كانت لتسمح له بأن يقاتل فى حرب فاجرة انتهكت فيها الحرمات من الجانبين، فكلاهما اثم، فكيف يشترك الطاهر المطهر الذى رباه الله تعالى على عينه في حرب خالطها الإثم. فى سببها وفى زمانها، وفى وقائعها؟
لم يكن للنبى فى هذه الحرب إلا أنه شهدها بعد أن حمى وطيسها، وكان ذلك بسبب أعمامه الذين اشتركوا فيها، ولعله كان يود مشاهدتها، لأن له قلبا طاهرا، لا يسكن والناس فى كرب، فكان يشاهد، وإن لم يقم بعمل فيه حرب، ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم فى عمله الدافع للأذى، وليس فيه أحداث: «كنت أنبل على أعمامى» أى أمنع النبل عن أعمامى، فهو كان درعا واقية لأعمامه، فلم يغمس يده فى حرب إلا أن يكون واقيا لذوي رحمه كالئيه الذين رعوه حق الرعاية.
стр. 129
ومهما يكن الأمر فى شهوده تلك الحرب الاثمة، حتى فى نظر الذين أشعلوها، فقد كان من النظارة، ولم يشترك إلا أن يكون وقاية لذوى رحمه.
حلف الفضول
١٠٩- عاش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى مطلع حياته مع قومه يشاركهم وجدانهم، إذ كان يتجه إلى الخير، ويتجنب الشر ولا ينغمس، فهو يفعل ما يتفق مع الفطرة المستقيمة التى فطره الله تعالى عليها، والمنهاج القويم الذى هداه الله تعالى إليه وأدبه بأدبه.
ومن ذلك حلف الفضول الذى قال فيه ابن كثير إنه كان أكرم حلف وأشرفه فى العرب وقد كان ذلك الحلف، والنبى ﵊ قد بلغ العشرين، وقد أجمع الرواة على ذلك، وقالوا إنه كان بعد حرب الفجار. كان حلف الفضول فى شهر ذى القعدة، وكان الفجار قبله بأربعة أشهر، أى أن الفجار كان فى شهر رجب وهو من الأشهر الحرم، ولم يذكروا أن حرب الفجار كان والحج قائم، وشهر رجب ليس من أشهر الحج، وإن كان من الأشهر الحرم.
وقالوا أن سببه أن رجلا من زبيدة قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه بنى عبد الدار، ومخزوما وجمح، وغيرهم، فلما رأى الرجل أن حقه ضائع، وبدا القعود فيمن استعان بهم علا جبل أبى قبيس عند طلوع الشمس، وقريش فى أنديتهم حول الكعبة المشرفة فنادى بأعلى صوته منشدا:
يا ال فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائى الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال، وبين الحجر والحجر
إن الحرام لمن تمت كرامته ... ولا حرام لثوب التاجر الغدر
فالرجل يثير فيهم الحمية بذكر الظلم الواقع عليه، وأنه واقع ببطن أرض الله، وبجوار البيت المقدس الذى لا تخطف فيه الأموال وتضيع الحقوق، وأن الظلم بين الحجر، وبين الحجر الأسود الذى يقدسونه، ويشير إلى أنه محرم للعمرة....
كان أول من استجاب لنداء الله، وتقدم لإغاثته بنو عبد المطلب، فقام فى ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك أى لا يصح أن يترك.
стр. 130
اجتمعت لهذا بطون بنى هاشم، وزهرة، وتيم بن مرة فى دار عبد الله بن جدعان، وكان جوادا، فصنع لهم طعاما، وكان ذلك فى ذى القعدة الشهر الحرام.
تعاقدوا وتحالفوا ليكونن على الظالم، حتى يؤدى إليه حقه، ما بل بحر صوفة، وما رسا ثبير وحراء مكانهما، وعلى الناس فى المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول «١» .
وقد نفذ ذلك الحلف فور انعقاده، فقد مشى المتعاهدون إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدى فدفعوها إليه، وقد قال الزبير بن عبد المطلب معتزا به:
إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ... ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاقدوا وتوافقوا ... فالجار والمعتر فيهم سالم
ولقد سر النبى ﵊ لشهوده ذلك الحلف، وأعلن أنه ينفذه فى الإسلام: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ولو دعى به فى الإسلام لأجبت تحالفوا على أن يردوا الفضول إلى أهلها» .
وروى أنه ﵊ قال: «ولقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو دعى به فى الإسلام لأجبت» .
ولقد نفذ الحلف قبل بعثة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فيروى أن رجلا من خثعم قدم حاجا أو معتمرا ومعه ابنته من أوضأ الناس جمالا، فأخذها عنوة منه نبيه بن الحجاج وغيبها، فقال الخثعمى: من يعدينى على هذا الرجل؟ فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة المشرفة، ونادى: يا ال حلف الفضول، فإذا هم يفيضون إليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون جاءك الغوث، مالك، فقال إن نبيها ظلمنى فى بنتى، وانتزعها منى قسرا، فساروا معه، حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم، وما زالوا به حتى عادت الفتاة إلى أبيها.
وإن ذلك الحلف كان لازما، لأن مكة كانت بلد العرب، وثمرات العرب تجيء إليها فلا بد أن يستقر فيها الأمن، ويكون بلد الاطمئنان والمحافظة على الحقوق، ولا يكون فيها اعتداء حتى يجيء الناس إليها.
стр. 131
ولأنها يحج إليها الناس من كل فج عميق، فلا بد أن يتعاون أهلها على جعلها مكانا تقدس فيه الحقوق كما يقدس البيت، ولأنها أرض البيت الذى جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا، فلا يكون الأمن للأرواح فقط، بل يكون للأرواح، وللأموال، ولكل ما يحتاج اليه اطمئنان النفس.
الزواج
١١٠- بلغ محمد صلى الله تعالى عليه وسلم سن الزواج، ولكنه لم يتزوج فى سن مبكرة، كغيره من الشباب، بل استمر لا يتجه إلى الزواج، أو لا يفكر فيه، حتى بلغ الخامسة والعشرين، كما سنبين.
ولماذا لم يعرف أنه فكر فى الزواج من قبل هذه السن، لقد كان عفا كريما، لم يقع منه فى طفولته ما يشين الكرام، وقد عصمه الله تعالى يوم هم، وهو طفل، أن يلهو بالوقوف عند عرس لا يغشى حراما، ولكن ربما يرى فيه حراما، فصانه الله تعالى بأن ضربه فنام، فنام الليلة كلها، حتى أيقظته الشمس فى ضحاها.
وهو ليس حصورا، كما دلت على ذلك حياته من بعد، وما كان خاملا في قومه، بل هو الذى إذا خطب لا ترد خطبته، وكان فيه خلق قويم يجعل القلوب تهفو إليه، وفيه جمال يجعل الأنظار تتعلق به، وتشرئب الأعناق إليه، وقريش كلها تحبه، وترضاه صهرا.
أكان فقيرا لا يجد ما يبوء به على أهله؟ نعم إنه لم يكن غنيا، ولكنه تعود منذ نعومة أظفاره أن يكون عاملا، فرعي الغنم، ثم اتجر، وإذا كان الاتجار لم يأته موفور يرفعه إلي الثراء، فقد كان فيه الاكتفاء، فلماذا إذن تأخر فى الزواج.
إن الذى نلمسه من تاريخ حياته فى ابتدائها، حتى صار شابا ممتليء الشباب أنه ما كان يعير شهوات البدن اهتماما، فليس للنساء موضع فى تفكيره، إنما يشغل النساء والطعام القلب الفارغ، وما كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى أى دور من أدوار حياته مما يشغل قلبه لذات الجسم، وشهوات النفس، لاعن ضعف فى النفس، ولكن عن قوة فيها، وهمة عالية تتجه إلى معالى الأمور، وعزيمة صادقة، وإرادة قوية، لا تجعل للهو سلطانا عليها، بل تجعل كل العواطف تحت سلطانها، والغايات العليا هى التى تجذبها، فلا تجذبه امرأة مهما يكن فيها من جمال، ولا تستولى على نفسه غاية يتغياها تتعلق بالبدن، ولا مطلب من مطالب الجسد، وإن لم يتجه إلى الحرمان فى ذاته.
стр. 132
وكأنه لا يعيش إلا فى حياة روحية من غير حرمان، فليست نفسه مثقلة بهموم الجسد، وإن شئت تقول أنه الملك المريد المكلف الذى لا يعصى الله، لأنه يريد ألا يعصى، فهو لا يعصى لا متناع المعصية عليه، بل لأنه يكف النفس عنها، فله فى الكف فضل، وليس كالملك يمتنع عليه العصيان.
خديجة:
١١١- لم يعرف أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، يتكلم فى صغره، ولا فى باكورة شبابه فى أمر الزواج إلا بعد أن نبه إليه، وصار مطلوبا، ولم يكن طالبا، ولنذكر الأخبار كما جاءت فى كتب السيرة فيما يتعلق بزواجه من سيدة قريش، كيف ابتدأت بالمشاركة فى التجارة، ثم بالمشاركة فى الحياة.
اشتهر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، بالأمانة والخلق الكريم، وتحدثت بأمانته الجماعات المكية فى سمرها وفى مجالسها، وكان قد مارس التجارة فى دائرة محدودة فى داخل مكة على قدر طاقته، وما يملك، وإنه لقليل.
وكان لخديجة مال كثير، حتى إن عيرها التى تحمل بضائعها، كانت تعادل عير قريش كلها فى حجمها، ونفاسة ما اشتملت عليه من بضائع التجار.
وكانت حكيمة شريفة فى قومها، تحتفظ بجمال، وشباب، وكانت أرملة زوجا لرجلين قد ماتا، وما كانت تتولى تجارتها بنفسها، لأن ذلك لم يكن شأنا من شئون النساء، بل السفر والترحال للاتجار كان من شئون الرجال، لصعوبة السفر فى هذا الإبان، وكما وصف السفر عبد الله بن عباس: لولا الأثر لقلت إن العذاب قطعة من السفر وليس هو قطعة من العذاب.
كانت خديجة مع قوة شخصيتها لهذه الاعتبارات لا تذهب بتجارتها إلى الشام، وكانت تسلك إحدى طريقتين- إحداهما- أن تؤجر ناسا يكونون وكلاء عنها فى التجارة على أجر معلوم تعطيهم إياه، على مقدار ما يبذلون من جهد فى الرحلة، يبيعون ويشترون باسمها، ولا شأن لهم فى كسب التجارة، وإنما لهم أجر معلوم يأخذونه كسدت التجارة أو ربحت، وأجرهم مقدر بالأمن أو بالعمل أو بهما معا.
الثانية: طريقة المضاربة الشرعية، وذلك بأن يتجروا فى المال بعقد بينها وبينهم على أن يكون الربح بينها وبينهم، مقسوما بحصص شائعة كالربع أو الثمن أو السدس، أو نحو ذلك، وملكيتها قائمة، وإذا خسرت التجارة تكون الخسارة عليها واحدها، لأن المال باق على ملكيتها، ويسمى هذا العقد المضاربة أو القراض.
стр. 133
ولا شك أن الطريقتين كانتا تحتاجان إلى أمانة كاملة، فكانت تتحرى فى أولئك العاملين لها الأمانة، لأنهم فى عملهم ينوبون عنها، ولا تلقاهم إلا فى ذهابهم ومجيئهم وكانت مع ذلك ترسل من قبلها من يكون معهم كميسرة مولاها.
ولما كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يعمل فى تجارة محدودة، وقد بلغها أمانته، وشرفه، وعفته واستقامة نفسه، اتجهت إليه، وكان هو فى مطارح أنظارها، والظاهر أنه بمجرد أن خطر على خاطرها، لم ترض غيره بديلا، لأنه لم يكن له نظير بين العرب، فى أمانته وعفته وشرف نفسه، وخلقه الكريم، وبعده عن التدلى إلى مهوى الرذيلة.
١١٢- بينما هى تفكر فى اختياره وكيلا عنها فى رحلة القافلة التى تحمل عيرها مع غيرها كان أبو طالب عم النبى ﵊ يفكر فى أن يعرض محمدا، صلى الله تعالى عليه وسلم، عليها للعمل فى تجارتها وكيلا، ليبعد عن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، جهد السنين الشديدة التى كانت فى الأسرة.
ويظهر أنها كانت تبحث عمن تراه كفئا لحمل العبء، ويتهافت عليها الطالبون، فأشار أبو طالب على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، القوى الأمين، بأن يعرض نفسه مسارعا إلى ذلك خشية أن يسبقه غيره، ولكن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، يرى فى العرض ذلة لا يرضاها الكريم، ومثار اتهام لا يرضاه الأمين، فهو يريد عزة المطلوب، لا ذلة الطالب، ولننقل للقارئ الكريم المجاوبة التى كانت بين العم وابن الأخ:
قال أبو طالب: يا ابن أخى أنا رجل لا مال لى، وقد اشتد الزمان علينا، وألحت علينا سنون منكرة، وليس لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك، يتجرون فى مالها، ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت أكره أن تأتى إلى الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا نجد بدا من ذلك.
فيقول محمد الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: لعلها ترسل إلى فى ذلك.
فقال أبو طالب: أخاف أن تولى غيرك «١» .
стр. 134
ونرى من تلك المناقشة كيف لا يعرض شرفه وأمانته، وتكونان محل قبول أو رفض لأن الأمين حقا وصدقا، لا يجعل الأمانة ولا الشرف متجرا يتجر به، ولكن الشرف فى ذاته مطلوب، والأمانة سجية، لا يتخذها سبيلا للكسب، وليس هو غايتها، لا تطلب إلا له، ولكن تكون ثمرة طيبة، كما تثمر الأرض الطيبة، والشجرة اليانعة.
قيل أنها بلغتها هذه المحاورة بين العم وابن الأخ فطلبته، وأنها كانت تعرف صدقه وأمانته وكرم أخلاقه. وأنها ما كانت تعلم أنه يريد هذا.
وعندى أنها كانت تفكر فيه، وأن رغبتها تلاقت مع رغبة عمه سواء أعلمت بالمحاورة أم لم تعلم، وإذا أراد الله تعالى أمرا تهيأت أسبابه، وكان التوفيق بنجاحه.
أرسلت خديجة إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، تطلبه وقالت له:
«دعانى إلى البعثة إليك ما بلغنى من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك» .
إننا نلمح من ثنايا السطور أنها كانت راغبة فى أن تعهد إليه بتجارتها من ذات نفسها أو أنها لرغبتها أعطته ضعف ما كانت تعطى غيره، ولماذا ضاعفت الأجر؟ الجواب عن ذلك أنها وقع فى نفسها أن التجارة ستكون رابحة بفضل الأمانة، ولتشجعه على الحرص، وربما تكون رغبة خفية، جعلتها تعامله بما لم تعامل به غيره، وأخفت ما لا تبديه مما جرى من خير بعد ذلك.
ولقد سارع محمد ﵊، إلى عمه الحبيب يخبره بما جرى، لأنه طلبته، فسر عمه، وقال له «إن هذا رزق ساقه الله تعالى إليك» .
стр. 135
ارهاصات الرحلة
١١٣- فصلت العير، وفيها خير خلق الله تعالى، تكلؤها عنايته ، ولم تكن سفرا قاصدا بل كان فيها مشقة، وإن لم يكن فيها عنت فوق الطاقة، وكانت عير خديجة واحدها، تبلغ عير قريش كما أشرنا، حتى بلغت سوق بصرى التى بلغتها القافلة الأولى التى كان فيها محمد ﷺ مع عمه أبى طالب، وهو فى الثانية عشرة من عمره.
وروى أنه وصل إلى سوق «حباشة» وهى أرض بتهامة، ولكن الرواية الأولى هى المشهورة وهى أقرب إلى التصديق، أو هى الصادقة، لأن تهامة من أرض العرب، والرحلة كانت إلى الشام، إذ كانت العير حاملة البضائع إلى الشام، لا إلى العرب.
وكان معه ميسرة مولى خديجة، لا ليرقبه، فما كان يتصور منها ذلك بالنسبة للنبى ﵊، ولكن ليخدمه وليعينه فى حله وترحاله.
وكان خروج العير أو وصولها لأربع عشرة بقيت من ذى الحجة «١» ، وله ﵊ خمس وعشرون سنة.
وكأن هذه العير خرجت بعد قيام الأسواق التى تقام فى مكة أيام الحج، عكاظ، وذى المجاز، ومجنة، وهذا يوميء إلى أنها حملت من بضائع هذه الأسواق التى تجيء من اليمن وسائر نواحى العرب، قاصيها ودانيها، وذهبت إلى الشام محملة بها، وكانت البضائع تباع فى مكة، لتنقل من بعد إلى الشام، أو إلى اليمن.
ولما وصلت العير إلى بصرى كان السير قد بلغ منه الجهد فاوى إلى شجرة قريبة من صومعة راهب هو نسطورا، وهو غير راهب الرحلة التى كانت مع عمه، إذ الأول اسمه بحيرى، وهذا اسمه نسطورا وقد مضى على الأولى نحو ثلاث عشرة سنة، ربما يكون الأول قد مات، أو غير صومعته.
التقى الراهب بميسرة غلام خديجة، الذى كان فى معونة محمد ﵊ وخدمته، وقال له: من هذا الرجل الذى نزل تحت هذه الشجرة؟ قال: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، قال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى. وكأن هذه الشجرة منذ القدم هى منزل الأنبياء ينزلون فى ظلها وغيرهم ينصرفون، ولا يلوون عليها، وقد استبعد بعض كتاب السيرة هذا المعنى، لبعد العهد بين محمد ﵊، وعيسى ﵇، والشجرة فى نظر هؤلاء المستبعدين لا تعمر فى العادة هذا العمر الطويل، وليس من المعقول أن تخلو شجرة من أن ينزل فيها السيارة فى الطريق الطويل وفيه الظل
стр. 136
والحرور، اللهم الا إن يقال إن هذه خصوصية للأنبياء، ينصرف عن الإيواء إليها غيرهم، ويجيء إليها النبيون كأنهم مأمورون بالإيواء» .
ولهذا الاستبعاد فسر الأكثرون كلام الراهب بأنه ما نزل الان فى هذه الساعة تحت هذه الشجرة إلا نبى فهو يخص محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، بوصف النبوة باعتبار أنه هو الذى نزل الان، لأمارات عنده.
وربما نميل إلى ذلك التفسير، لأنه لا دليل على تخصيص الأنبياء بشجر أو منزل أو نحو ذلك، وإنما التخصيص فى الإكرام الشخصى. والأمارات الظاهرة فيه. «١»
وقد قيل فى هذه الرحلة إنه كلما اشتد الحر، كان ميسرة يرى ملكين يظلانه من الشمس، وبعيره يحمله.
وليس لنا أن ننفى ذلك الخارق للعادة إذا روى بسند صحيح، لا مجال للريب فيه، ولكن فى رواية ذلك كلام.
أقام محمد ﵊ فى الشام حتى باع أحمال العير الخاص بخديجة، ثم بثمن ما باع اشترى بضائع من الشام، وقفل راجعا بها إلى مكة.
والربح يتعرف بمقدار الثمن الذى تبيع به لينقله التجار فى قافلة تذهب إلى اليمن. وقد باع كل البضائع التى اشتراها فى مكة، فكان الثمن ضعف رأس المال الذى كانت المتاجر التى ذهب بها محمد ﷺ فكأن الكسب كان مثل رأس المال.
وإن ذلك بفضل أمانة محمد ﵊، وحرصه فى التجارة، وبفضل ما هو أعظم من ذلك وهو البركة التى فاضت على محمد ﷺ فيما يعمل.
الإملاك:
١١٤- إن ميسرة مولى السيدة خديجة أخبرها بما رأى من طيب نفسه، ومن لطف عشرته، ومن حسن معاملته ومن سماحته، ومن أنه موطأ الكنف يألف ويؤلف، مع شرف محتده، ومكارم
стр. 137
أخلاقه العامة والخاصة، ولعله أخبرها أيضا بما كان من لقاء الراهب، ومن إكرام الله تعالى فى الحر، وما حسبه ملكين يظلانه فى الحرور إذا اشتد، وغير ذلك من ارهاصات.
ثم ما كانت ترى من مكانة له فى قريش، ومحبة غامرة له من كل من يلقاه، فهو المحبوب المألوف.
كل هذا أوجد فيها طموحا لأن تكون زوجا له، وأن تكون أما لأطهر الأولاد من أطهر الرجال، ورغبت فى ذلك أشد الرغبة، وهى التى بعد هلاك زوجيها الأولين اللذين كان لها منهما الولد- كثر طلاب يدها من أشراف مكة، ولكنها العزوف العيوف التى ردت كل طلب مع كثرة من طلب، وعلو أقدارهم المادية فى نظر الناس، والنسبية فى نظر ذوى الأنساب.
ولكنها وجدت فى الشاب الهاشمى محمد ﷺ ما ليس فى الرجال شيبا وشبابا- فرغبت فى الإملاك منه فى غير عشق ولا هيام، ولا رعونة وطيش، ولكن فى إرادة مقدرة، وتفكير فى الماضى والحاضر والقابل، فقد علت خديجة عن حال العشاق، ولم يكن سنها، ولا شرفها، ولا مكانتها فى قريش لتسمح أن يغريها من الصفات ما يغرى الغريرات من النساء.
ولكن محمدا ﵊ هل طمع فى الزواج منها أو من غيرها؟ أو هل حدثته نفسه بمعنى من هذه المعانى، أو هاجسة من هذه الهواجس؟ إنه لم يثبت شيء من ذلك لأن محمدا ﵊ ما خلب كبده أمر من أمور اللذائذ والشهوات وما يتصل بها، ولكنه إذا نبه يتنبه، فكان لابد من منبه.
١١٥- أدركت بفطنتها وغريزتها أنه لابد من أن ينبه، فتولت هى ذلك الأمر وللنساء فيه قدرة، وإن كانت من مثل خديجة فيه مواجهة واحتشام من غير إسفاف.
أرسلت نفيسة بنت منية لتنبه محمدا ﵊ ولتجس نبضه. وقد فعلت، ولنترك الكلمة لها:
قالت: كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهى أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها، لو قدر على ذلك، طلبوها، وبذلوا لها الأموال ... فأرسلتنى دسيسا إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن رجع فى عيرها من الشام، فقلت: يا محمد- ﵊ ما يمنعك أن تتزوج.. قال: «ما بيدى ما أتزوج به، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب. قال: فمن هى؟ قلت: خديجة. قال: وكيف لى بذلك، فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا» ذهب محمد ﵊ للقائها، فواجهته بالأمر، وخاطبته بعد أن استوثقت من أنه لا يردها،
стр. 138
فقالت «يا ابن عم إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك «١» فى قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك» وعند هذا العرض الكريم أعلن القبول، وإن لم يكن ذلك القبول فى عقد، بل هو خطبة.
والسيدة الكريمة الحازمة لم تترك الأمر بينها وبينه، بل لابد من تلاقى الأسرتين بعد، وتلاقى الإرادتين، وتوافق الرغبتين، لأن الزواج اتصال أسرتين لا مجرد اتصال فردين.
ولذا قالت لمحمد ﵊: اذهب إلى عمك، فقل له عجل إلينا بالغداة.
جاء إليها أبو طالب، فقالت له: يا أبا طالب اذهب إلى عمى، فقل له: يزوجنى من ابن أخيك.
فوافق أبو طالب على أصل الزواج، وعلى أن يقوم من جانبه، وقال: «هذا صنع الله» .
١١٦- تمت الخطبة، وتراضت الأسرة، وكان يوم الزواج، وكان الصداق اثنتى عشرة أوقية من ذهب ونصف أوقية.
اجتمع رؤساء مضر، وكبراء مكة وأشرافها لإتمام العقد، وكان وكيل الزوج عمها، وأبو طالب كان المتكلم باسم محمد ﵊، وقف أبو طالب خطيبا، وقال:
الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضيء معد «٢» وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما امنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله- ﷺ لا يوزن برجل إلا رجح به، وإن كان فى المال قلا فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم- من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وقد بذل لها من الصداق ما اجله وعاجله اثنتا عشرة أوقية ذهبا ونشا «٣» ، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل.
وقد وقف بعد ذلك ورقة بن نوفل «٤» ، ويظهر أنه كان له ما يسوغ أن يعقد من قبلها وخطب قائلا فقال:
الحمد لله الذى جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم ولا شرفكم، وقد رغبنا فى
стр. 139
الاتصال بحبلكم، وشرفكم، فاشهدوا يا معشر قريش بأنى قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله- صلى الله تعالى عليه وسلم-
ولكن أبا طالب أراد أن يتكلم عمها بالقبول، لأنه أقرب إليها من ورقة فقال: قد أحببت أن يشركك عمها» فقال عمها: «اشهدوا يا معاشر قريش أنى قد أنكحت محمد بن عبد الله- صلى الله تعالى عليه وسلم- خديجة بنت خويلد، وشهد على ذلك صناديد قريش» ، ومن هذا كله يتبين أن الذى تولى تزويجها عمها عمرو بن أسد، وشركه ابن عمه ورقة بن نوفل «١» .
والمشهور بين العلماء وأصحاب السير والتاريخ أن سنه ﵊ فى وقت الزواج كانت خمسا وعشرين سنة، وكانت هى فى الأربعين من عمرها.
ولقد كانت أقوال أخرى فى سنهما عند الزواج، ولم يبلغ واحد منها مرتبة الشهرة، فقيل أن سنه ﵊ كانت الحادية والعشرين، وقيل كانت التاسعة والعشرين، وقيل كانت الثلاثين، وقال ابن جريج كانت السابعة والثلاثين.
وهذه أقوال ليس لها سند، والمشهور هو المعتمد، حتى يقوم الدليل على خلافه، وذلك فوق أن بعضها لا يتلاقى مع النسق التاريخى، ذلك أن المتفق عليه أن الزواج لم يكن فور حرب الفجار، بل كان بعده بمدة، ولو كان فى الحادية والعشرين، لكان فوره، والتقدير بالسابعة والثلاثين بعيد التصديق لأن مؤاده أن محمدا ﵊ عاش راهبا إلى أن بلغ السابعة والثلاثين، وأن بناته غير فاطمة تزوجن قبل الهجرة، وبعضهن تزوجت وطلقت ثم تزوجت، ولو كان زواجه فى السابعة والثلاثين
стр. 140
ما كن بلغن سن الزواج قبل الهجرة، وخصوصا أنه ما كان أول أولاده من أم المؤمنين خديجة أنثى، بل ولده القاسم الذى كان يكنى به، ثم ابنه الطيب ثم الطاهر، وهكذا نرى أن السياق التاريخى لا يتسق إلا مع المشهور، وهو ذو السند، ولا سند لغيره.
وأما سنها، فقد كان المشهور أربعين وقيل كانت فى الخامسة والثلاثين، وقيل كانت فى الخامسة والعشرين، ولا سند لهذه الأقوال، ولكن التاريخ يعتمد دائما على المشهور الذى له سند يعتمد عليه، ولا خلاف بين كتاب السيرة فى أن سنها رضى الله تعالى عنها، وجزاها عن الإسلام خيرا كانت أربعين، وغيرها أقوال منثورة لم يؤيدها كتاب السيرة والمحققون.
ولسنا من الذين يتجهون إلى الإغراب، لأن الإغراب إن كان سائغا فى بعض العلوم، فهو لا يسوغ قط فى التاريخ، لأن تتبع الإغراب فى التاريخ إنكار لما اشتهر، وارتضاء بما لم يشتهر من غير سند.
إن الحقائق هى الأمور المشهورة، ورد ما عداها، إلا إن قام الدليل المكذب للمشهور بما لا يقل عنه قوة، والله تعالى أعلم.
أغناه الله وواساه
١٠٧- ولد محمد ﵊ يتيما، وعاش يتيما، ثم اتاه الله تعالى اليسر العامل، وكفاه العيش الكادح، رعى الغنم ودبر التجارة، ثم بسط الله تعالى له الرزق، واتاه الزوج الوفية الرضية، فأكمل الله بها إنسانيته، وأكمل لها أمومتها، وتوافقا فى قطع فيافى هذا الوجود، وكمل كل منهما ما ينقصه بما عند الاخر، هى امرأة شريفة، ذات ثراء، وهو رجل مكتمل عامل قوى أمين، فأغناها بأمانته، وكفلها برجولته، ووجه مالها إلى الخير، بحسن نيته وطيب طويته.
وقد كان يعمل لها فى المال من قبل بأجر مضاعف، تطيب به نفسها، ويكسب مالها على يديه أضعاف ما ينتج غيره، وكان عبدا شكورا، ولو استمر فى هذه الطريق يعمل فى مالها ومال غيرها، لأدر الله تعالى عليه أخلاف الرزق، ولو كان يبتغى المال وأعراض الدنيا هذه، لنال الشباب والمال معا.
ولكنه رأى أن يعمل فى مالها بغير أجر، وأن يضاعفه بغير ثمن، وأن تكون أم ولده، لطيب عرقها وشرف نفسها، وقد تخير لنطفته، فاختار أكمل امرأة فى قريش، وأعلاها فى المكرمات كعبا، وقد اختارها الله تعالى لتكون له ردا فى شدائده، تواسيه بالكلام والعطف والحنان، فى وقت اشتد فيه
стр. 141
البلاء، وعظم الابتلاء، فأعنته المخالفون، وكان عزيزا عليه أن يعنتهم. فكان فى حاجة إلى من يأوى إليه، كما هو فى حاجة إلى من يذود عنه.
وإذا كانت امرأة نوح وامرأة لوط قد تخاذلتا عن معاونة النبيين الصالحين، فامرأة محمد ﵊ أعلت شأن النساء قاطبة، فكانت الزوج الملهمة المواسية، الودود العطوف الولود، يلقى قريشا وصدودها، وعداوتها وجفوتها، فإذا اوى إلى بيته وجد بردا وسلاما.
وإذا كان قد فقد عطف الأم الرؤم فى صدر حياته فى وقت الحاجة، فقد عوضه الله تعالى فى خديجة زوجا وأما ورفيقة الحياة.
١١٨- أغنى الله اليتيم، كان عائلا فأغنى، فهل طغى واستغنى، هل عبث وتلهى، هل اتخذ الحياة لهوا ولعبا، هل أخذ فى التكاثر، والمكاثرة! لا شيء من ذلك، إنما يفعل ذلك من اتخذ المال غاية، ولم يتخذه سبيلا للخير وعون الإنسان لأخيه الإنسان.
ومحمد ﵊ ما اتخذ المال بغية يبتغيها، ولا غاية يتطلع إليها، فما أراد التكاثر، وما عرفه فى أى دور من أدوار حياته.
إنما اتخذه وسيلة للمكرمات يقوم بها، وللخير يسديه، فكان يطعم الكل، ويعين على نوائب الدهر، ولا يجد ذا حاجة إلى العون إلا أعانه، ولا ذا خصاصة إلا سدها، ولا ذا مسغبة إلا أشبعه، ولا ذا متربة إلا رفعه، كان يبحث عن مواضع الحاجة، فيرأب ثلمتها.
تلفت فيمن حوله، فرأى كافله وحبيبه أبا طالب فى ضيق، وعيلة، فجاء إلى عمه العباس وكان ذا ثراء، وقال له: هلا أخذنا بعض ولد أبى طالب ليتخفف من ضيق، فعرضا عليه الأمر فقال اتركا لى عقيلا، وخذا من شئتما، فأخذ صلى الله تعالى عليه وسلم، عليا، وأخذ العباس جعفرا، فكان على ولده الذى تربى فى مهد النبوة.
وكل من حول محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كانوا ممدودين بعونه وفضله، وخلقه، فكأنه استولى على مال خديجة ليوزع فى الخير ثمراته وليكون خيره عميما، وفضله كثيرا.
وبينما كانت قريش تكسب بالربا والبيع الحلال، وتشبه أحدهما بالاخر، فتقول البيع مثل الربا، كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، يتجر فى الحلال، ولا يكسب من إثم، ويعين ويغيث به الملهوف، والكسب مع ذلك وفير.
стр. 142
وهنا يسأل سؤال: لماذا ابتدأ بالقل وانتهى بالكثر! والجواب أن حياة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فيها قبل البعثة البشرية الكاملة فى كل أحوالها فى سرائها وضرائها، فى كريهتها، ومنشطها، فى ضيقها ورخائها، فلم يتربه الفقر ولم يذله القل، بل صبر عزيزا، وقنع كريما، وجد ليكسب قوته، وحاول أن يخرج من ضيق الفقر بقوة العمل، من ضنك العيش ببحبوحة النفس، وغناها، فكان الفقير العزيز الكريم العامل المكتسب المبين، فلم يقل فى فقره ربى أهانن، وعاش مع الضعفاء شاعرا بضعفهم، وبإحساسهم، لا يسير وراء الأمانى والأحلام.
ثم اختبره الله تعالى بالمال، فكان الشاكر، الذى يفيض بالخير على غيره، ويعلم حق المال فى مورده، ومصرفه معا، فلا يكسب إلا من طيب، ولا ينفقه إلا فى طيب، وهو فى كسبه وإنفاقه لا يكون إلا نافعا، فكسبه طيب، وصرفه طيب.
وثبت من النظر الاجتماعى أن الكسب الطيب هو الذى يكون بطريق فيها نفع عام، فالزراعة كسب طيب، لأن فيها تقديم الغذاء والكساء مما تخرج الأرض من زروع وأثمار، والعمل باليد فيه كسب طيب، لأن فيه نفعا عاما بالصناعات النافعة، والاتجار كسب طيب، لأن فيه الجلب للناس من أماكن لا يخرجون إليها وفيه توزيع خيرات الأرض على أهل الأرض لا يحرم منها إقليم ولا يستطيل بالقوة المادية فيها طاغ.
وأخيرا محمد بن عبد الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) ضرب للناس فى بشريته قبل البعثة أعلى مثل للفقير الصابر العامل فى فقره، والغنى الشاكر الذى عاش كالضعفاء فى غناه، فكان غنى النفس فى الحالين.
١١٩- وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد أن استقامت لديه أسباب الرزق لم يتجه إلى اللذات يشتار عسلها ويترع منها، بل كان الزاهد فى غير الحلال المعروف الذى لا يتنافى مع المروءة ومكارم الأخلاق، بل كان زاهدا غير محروم، وطالبا للطيبات غير مبتغيها، لأن الابتغاء قد يدفع إلى اشتهائها.
وهناك أمر اخر، كان يجعل المال غير ذى شأن إلا بالقدر الذى يعين على مكارم الأخلاق، والنفع لبنى الإنسان، وهو ابتعاده عن كل أوهام الجاهلية، وأحقادها، ومنازعاتها.
وفى وسط بحبوحة العيش، ومن غير ترفه، قد أخذ يدرس الكون وما فيه ومن فيه، ما وراء الكون من أسرار الوجود، مبتعدا عن الوثنية، وما حولها، مستنكرا عبادتها، غير مستسلم لتوهم أن فيها تأثيرا فى الإنسان.
стр. 143
فما سجد لصنم قط، وما أغواه شر قط بل كان الطيب الوادع الأمين.
وكان قويا فى بدنه، غير مسترخ فى عضله، فهو يصارع ركامة أقوى أهل مكة فيصرعه من غير اعتداء، ما عرف عنه قبل البعثة أنه اعتدى على إنسان، وما تناول بيده مخلوقا قط، فما عرف أنه دخل فى شحناء، لأنها لم تكن من شأنه، وما أشر، وما تكبر، وما طغى.
وإذا كان موسى القوى قد أثر أنه وكز مصريا اضطهد إسرائيليا فقتله، لاعتدائه على أحد من شيعته، ولم يكن ظالما، فما عرف عن محمد أنه تناول إنسانا عدوا أو وليا بأذى قط، ولكل فضل، وقد فضل الله تعالى بعض النبيين، فما كانت قوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم على أحد، بل كانت قوته لله تعالى، وللإنسانية، ثم لقومه من غير اعتداء.
إعادة بناء الكعبة
١٢٠- ما من أمر جامع فيه خير فى ذاته، وللناس كافة، إلا اشتراك فيه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بفضل من المال والعمل، وإن قريشا، بل العرب أجمعون كان يربطهم رباط لا يهى ولا ينقطع، لأنه يتجدد انا بعد ان، وهو يتكون من عنصرين: أحدهما الكعبة المكرمة التى بناها أبو الأنبياء الخليل إبراهيم صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى أول بيت وضع للناس، والحج إليها، وإقامة المناسك فيها.
ثانيهما- اعتقادهم أن الله خالق السموات والأرض، وقد كانوا حريصين على تلك الرابطة، لا يتركونها، ولا يقطعونها، وخصوصا قريشا، إذ وجدوا فيه عزهم الذى يعتزون، وشرفهم الذى يتنافرون به أمام العرب جميعا، ويجعل لهم سيادة وحكما، وحسبهم أن العرب يتقاتلون إلا فى أرضهم، فإذا جاؤا إليهم كانوا فى حرم امن، كما من الله عليهم، فقال تعالت كلماته: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ «١» .
وقد أصاب الوهن بناء الكعبة المشرفة، فأرادت قريش أن تجدد بناءها، وكان ذلك بعد عشر سنين من تزوج محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أم المؤمنين خديجة رضى الله تعالى عنها وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد بلغ الخامسة والثلاثين، رجلا سويا.
ولم يكن قبل تزوجه كما توهم بعض الرواة من غير سند صحيح.
وبذلك كان بناء الكعبة المشرفة قبل مبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بخمس سنين إذ أن البعث كان فى الأربعين، وتجديد البناء كان فى الخامسة والثلاثين من عمره الشريف.
стр. 144
وكان التجديد ليكون على ما بناه إبراهيم ﵊، وإن قريشا أخذت لهذا البناء أهبته، واتفقت على ألا يكون البناء إلا من مال طيب لا خبث فيه، وأن يكون العمل بنية طيبة خالصة.
وقد قال فى ذلك ابن كثير: «كانت الكعبة المشرفة حرزهم ومنعتهم من الناس، وشرفا لهم» لذلك أرادوا بناءها لما خشوا عليها من التهدم، وقد قال أحد كبراء بنى مخزوم، عندما هموا ببنائها:
«يا معشر قريش لا تدخلوا فى بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغى، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس» «١» .
١٢١- هذا السياق يدل على مدى تأثرهم بالكعبة المكرمة وتعظيمهم لها، ومكانتها عندهم، ويدل أيضا على أن الكعبة الشريفة واتصالها بالخليل إبراهيم جعلت حبلهم موصولا به، وأوجد ذلك فيهم نوعا من الوجدان الحى، كان هو النبت الذى صار زرع الإيمان والتوحيد من بعد ذلك.
وإن ذلك يستدعينا أن نرجع إلى الخليل إبراهيم لنرى كيف كان البناء الأول للبيت، ثم تنزل من بعد ذلك إلى ما كان من بعد.
إن إبراهيم أول من بنى البيت، ولا يذكر التاريخ الراجح الصدق ما يشير إلى أنها قد بنيت من قبل إبراهيم ﵊، وقد قال فى ذلك ابن كثير رضى الله عنه:
«لم يجيء فى خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل ﵇، ومن تمسك بهذا بقوله تعالى «مكان البيت» ، فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر له فى علم الله المقرر فى قدره المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن ادم إلى زمان إبراهيم ... » .
ثم يقول عما قيل من أن ادم عندما نزل إلى الأرض نصب قبته فيها، وأن الملائكة قد قالوا: طفنا قبلك بهذا البيت، وأن سفينة نوح طافت به أربعين يوما: «ولكن كل هذه الأخبار عن بنى إسرائيل، وقد قررنا أنها لا تصدق، ولا تكذب» وينتهى من هذا ابن كثير إلى أن التاريخ الإسلامى لا يعرف بانيا للكعبة قبل إبراهيم ﵊، وإننا نقف حيث وقف ولا نسير وراء أوهام أو أساطير لم يوجد من التاريخ الصادق ما يوثقها، ولا من الكتب الدينية الثابتة الصحيحة ما يؤيدها، فلا نهيم فى ظنون وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً «٢» .
стр. 145
وقد بينّا أن البقعة فى ذاتها قبل البناء عليها كانت معروفة فى التواريخ القديمة، وقد أكد هذا المعنى ابن كثير، فقال إن بقعة البيت الحرام كانت معظمة من قبل بناء إبراهيم، فقال: «وكانت بقعته معظمة قبل ذلك معتنى بها، مشرفة فى سائر الأعصار والأوقات» .
وإن ذلك كلام حق إذ أن نص القران الكريم يوميء إلى أن البيت كان له مكان مقدر قبل أن يبنيه خليل الله تعالى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام، وقد قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ «١» فكلمة بوأنا توميء إلى ان الله تعالى قدر لهذا البيت مكانا من قبل، وهدى إليه إبراهيم ﵊.
وإننا إذ انتهينا إلى ما قرره ابن كثير وغيره من أن مكان البيت كان معتنى به، وكان معظما ومشرفا، قبل إبراهيم ﵊، فإنا قد نحسب أن تكون بناية قد أقيمت حوله للعناية به، ولحفظه من أن يضيع فى غيره، ولكن من هم الذين بنوه، وما مدى ما فعلوا؟ إن ذلك هو المسكوت عنه، والبحث عنه من غير وسائل معرفة من كتاب معصوم، أو تاريخ وثيق، رجم بالغيب وتظنن فى غير مظنة.
ولعل فضول العلم تجعلنا نتساءل أيهما بنى أولا، البيت الحرام أم المسجد الأقصي، فنجيب أنه من المؤكد أن البيت الحرام الذى بناه هو إبراهيم، وقيل إن الذى بنى بيت المقدس هو يعقوب حفيد إبراهيم، وقيل بنى من بعد ذلك، وقد ثبت فى الصحيحين عن أبى ذر: قلت: يا رسول الله، أى مسجد وضع أول: قال المسجد الحرام، قلت: ثم أى؟ قال: المسجد الأقصى» .
ولابد أن نتصور أنه بعد أن بناه إبراهيم خليل الله تعالي، قد جرت فيه إصلاحات كثيرة، فما كان بناء إبراهيم ﵊ ليستمر قائما غير قابل للتهدم أكثر من ألفى سنة، فلم يكن كالأهرام بناه فرعون الذى اغتصب كل القوى فى بنائه، ولكن بناه إبراهيم الخليل هو وابنه الذبيح من غير أن يجرى فيه غصب حجر أو مدر أو وبر، أو قوة أى إنسان.