إن هذين التهذيبين قد توافرا فى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فاتجه منذ صباه إلى معالى الأخلاق التى تليق بذوى الشرف والرياسة، ولم يتخذ الشرف سبيلا للاستطالة على غيره.
وإن يتمه وفقره، وعمله فى ميدان الأجراء الضعفاء جعله قريبا مألوفا غير متعال، يحس أنه من الضعفاء فى إخلاصهم، ومع الأشراف فى امتناعهم عن الدنية فى أعمالهم، وفى كل أحوالهم ... كان العطوف الأليف.
وإنه يلاحظ فى استقراء أحوال الناس أن الضعفاء دائما إذا لم ترنق قلوبهم بحقد، ولا حسد للناس على ما اتاهم الله من فضله، يكون فى قلوبهم إخلاص، ومع الإخلاص إشراق النفوس الذى ينزع بها إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، ذلك لأن قلوبهم لم تصبها كدرة الهوى، والشهوات واللذات التى يدفع إليها المال، أو يسهل سبيلها، واستغراق النفس بها، فيكون الإنسان قريبا من الإيمان سرعان ما يدخل قلبه الإيمان، ولذلك كان أول من يجيب دعوة الأنبياء ويؤمن بها، وأول من يجيب دعوة أى حق ويؤمن بها الضعفاء والفقراء بهذا القيد الذى ذكرناه، وهو ألا يدنس قلوبهم حقد، ولا حب انتقام، ولا حسد يطفيء موضع الإيمان فى قلوبهم.
لقد أوتى النبى ﵊ الرحمة بالضعفاء، لأنه أحس بأنه منهم، من غير أن يناله ما عساه يكمن فى نفوس الضعفاء من استكانة، ورضا بالدون من السجايا المرهقة المذلة، لأن الضعيف إذا لم يصب بالحقد أصيب بنوع من الرضا بالقليل، وعدم المطالبة بحقه الهضيم، وإن ذلك قد يجر إلى الاستخذاء، والنبى ﵊ أوتى مزايا الفقر من إخلاص واتجاه إلى الطريق المستقيم، من غير تدلى الضعفاء إلى هوان، أو إذلال، لأن علو النسب منعه، وأبعده عن ذلك، فالتقت فيه الحسنيان، حسنى النسب، والإخلاص لله سبحانه وتعالي، فكان ذلك تهيئة للرسالة الإلهية الرافعة للإنسانية.
стр. 72
النسب الطاهر
٦١- يذكر المؤرخون للسيرة الطاهرة، سيرة خير الأنام محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ولكن لا تعرف سلسلة النسب كاملة إليه، بل إن التاريخ لا يحفظ إلا عشرين منها، فهو محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، بن هاشم واسمه عمرو، ابن عبد مناف، واسمه المغيرة، ابن قصى واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، ابن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان.
وهذا التعريف بنسبه الكريم، هو المجمع عليه بين كتاب السيرة، ولقد كان ذلك التعريف كما تدل الرواية عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، فقد كان يقول: «كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذا انتهى إلى عدنان أمسك، ثم يقول: كذب النسابون، قال الله تعالى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً «١» .
وإن هذا الخبر المنسوب للنبى ﵊ يدل على صدق تلك السلسلة الكريمة أبا عن جد إلى أن ينتهى إلى عدنان، وإن حفظ النبى لهؤلاء فقط يدل على أمرين:
أولهما- الشك فيمن فوقهم، وأنه لم يصل إليه عن طريق صحيح، وأنه وصل إلى الناس عن طريق النسابين، وأن النسابين قد يدفعهم الفخر إلى الكذب والافتراء.
ثانيهما: أنه يدل على صدق هذا النسب، فما كان النبى ﷺ ليقول إلا حقا فهو الصادق الأمين، ويظهر أن ذلك القدر من النسب الرفيع هو الذى كان معلوما فى حكم المتواتر، أو المشهور عند العرب، وغيره موضع شك، والقول فيه رجم بالغيب، وأخذ بالتوهم أو الظن، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا.
وما كان أولئك معروفين إلا لأنهم أثرت عنهم ماثر، صارت مفاخر لذرياتهم، وإن كان النبى ﵊ لم يفخر قط بنسبه. ومع ذلك هو من خيار الأقوام، فقد قال ﵊:
«ولدت من خيار من خيار من خيار» فهو يذكر الخير فيهم، ومكان الشرف فى أسلافه، ويمتنع من أن يستعالى بهم، والتفاخر استعلاء واستطالة بالنسب، وقد يكون فيه شحناء، والشحناء ليست من شأنه صلى الله تعالى عليه وسلم.
٦٢- وإن الظاهر أن أولاد عدنان قد أقاموا بمكة منهم من هو فى سلسلة نسب النبى ﵊، وذلك لأن إسماعيل ﵇، كانت إقامته قرب مكة، وهو بانى الكعبة، ولأن النسابين
стр. 73
ذكروا أنه كان أولئك العشرون بها، ولأنهم كانوا معروفين فيها كابرا عن كابر، وما يعرفون إلا لإقامتهم بمكة التى قام بها الأخلاف من بعدهم، ولتقديس الكعبة ومكة، ووفود الناس إليها من كل فج عميق.
ولقد ذكروا أن بعض ذرية عدنان أقام باليمن، وأنسل فيها نسلا، وذلك لأن عدنان ولد له ولدان أحدهما معد، والثانى عك، فتزوج هذا من الأشعريين، وهم بنو أشعر الذين يقيمون باليمن، فانتقل إلى موطن زوجته باليمن، ثم كان من بعض منهم من كان بعض ولده يخرج من مكة، وينفرد بالبقاء فيها من يدخل فى سلسلة النسب، كما رأيت فى معد، وأخيه عك فهذا هاجر إلى اليمن مع أسرة زوجه، وبقى معد فيها.
وجاء معد. فكان مثل أبيه فكان من أولاده قضاعة الذى تنسب إليه هذه القبيلة، وكان نزار هو الذى استمر بمكة، حتى كان منه ولده من بعده من يدخلون فى نسبه ﵊.
وكان من أولاده ربيعة الذى ينسب إليه الربعيون، وأنمار، وإياد، وهذان كانا أبوين لقبيلتين، وكان ابنه مضر الذى كان جد النبى ﵊، وهو الذى أقام بمكة المكرمة.
وكان لمضر ولدان هما إلياس، وغيلان، ومضر خيرهما، هو الذى يدخل فى نسب النبى ﵊، ويظهر أنه فى عهد إلياس أخذ بنو إسماعيل يغيّرون ما ورثوا من شريعة إبراهيم وإسماعيل ﵉ فأنكر عليهم ما غيروا من سنن ابائهم وسيرتهم. ويقول فى ذلك صاحب كتاب «الاكتفاء» : بان فضله عليهم، ولان جانبه لهم، فأيد جميعهم رأيه، ورضوا به رضاء لم يرضوه لأحد من ولد إسماعيل، فردهم إلى سنن ابائهم، حتى رجعت سنتهم قائمة على أولها.
وجاء من بعد إلياس ابنه مدركة، واسمه عامر، وله ابنان اخران، لكن هذا كان المختار منهم، وسماه مدركة لأن إبلا كانت قد نفرت منهم، فتقاصر الولدان الاخران عن تتبعها، ونهض عامر، لردها من نفارها، وقد بعدت، فأدركها فردها، فسمى مدركة وصفا لهذا العمل، وكان لمدركة خزيمة وهذيل فكان خزيمة المختار ليكون جدا للنبى ﵊، كان جدا لهما، وولد لخزيمة- كنانة وأشد وأشدة والهون، وكان كنانة هو المختار ليكون النبى ﵊ من صلبه.
وكان لكنانة عدة أولاد، ولكن الذى اختار الله تعالى، ليجرى فى صلبه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو النضر المختار من بينهم، ويقال إن النضر هذا هو الذى جمع قريشا، ولكن الأكثرين على أنه فهر حفيده الذى هو جد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
والنضر كان له أولاد كان أنجبهم فهر جد النبى ﵊.
стр. 74
وكان فهر هو مجمع قريش، وكان يسمى قريشا، وقد كان فيه حكمة، وخلق سوي، وقد قال فى وصيته التى قالها لولده غالب الذى أعقبه فى الزعامة وهو المختار ليكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من صلبه، فقد قال لابنه غالب عندما حضرته الوفاة:
«يا بنى إن فى الحزن قبل المصائب إقلاق النفوس، فإذا وقعت المصيبة برد حرها، وإنما أقلق فى غليانها، فإذا أنا مت فبرد حر مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، وبما ترى من اثارها فى محبى الحياة، ثم اقتصر على قليلك، وإن قلت منفعته، فقليل ما فى يدك، كان خيرا لك من كثير ما أخلق وجهك.
وقد كان غالب له أولاد، وقد خلفه فى زعامة قريش لؤى، وقد كان لؤى هذا فيه كلمة كأبيه وجده، بدت وهو غلام حديث، فقد جرت مناقشة بينه وبين أبيه غالب دلت على حكمة قلبهما.
قال الغلام لأبيه: يا أبت من رب معروفا قل إخلافه، ونضر ماؤه، ومن أخلفه أهمله، وإذا أهمل الشيء لم يذكر، وعلى المولى تكبير صغيره ونشره، وعلى المولى تصغير كبيره وستره.
فقال الأب الحكيم: «إنى لأستدل بما أسمع من قولك على فضلك وأستدعى لك به الطول على قومك، فإن ظفرت بطول، فعد به على قومك، وكف غرب جهلهم بحلمك، ولم شعثهم برفقك، فإنما تفضل الرجال الرجال بأفعالها، ومن قايسها على أوزانها أسقط الفضل، ولم تعل به على أحد، وللعليا فضل أبدا على السفلى.
خلف الغلام بعد أن اكتمل رجلا أباه، وقد ولد له أولاد، كان كعب أعقلهم، وأفضلهم، وهو جد النبي، وقد كان حكيما كأبيه وجده، ويذكر رواة السيرة أنه قال هذه الخطبة:
«أيها الناس اسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج ونهار وضاح، والسماء بناء والأرض مهاد والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا، لتضربوا عن أمرها صفحا، الاخرون كالأولين، والدار أمامكم، واليقين غير ظنكم، صلوا أرحامكم واحافظوا أصهاركم، وأوفوا بعهدكم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروآتاكم، ولا تصونوها عما يجب عليكم، وعظموا هذا الحرم، وتمسكوا به، فسيكون له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبى كريم» .
هذا ما يقوله كتاب السيرة فى نسبة الخطبة إليه، وليس لنا أن نحكم بصدق النسبة أو تكذيبها، ولكن نحملهم مغبة ذلك، إن صدقا وإن كذبا.
وقد كان لكعب بن لؤى أولاد خيرهم مرة جد النبى ﵊، وقد كان أحد الرجال الذين تفاخر بهم قريش.
وقد جاء من بعد مرة كلاب، وهو جد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 75
ثم جاء من بعده ولده قصى وهو خير أولاده، وأظهرهم، وأبينهم أثرا فى قريش فهو الذى جمع الله به قريشا، وكان اسمه زيدا، فسمى مجمعا، لما جمع من أمرها، ويسمى قصيا لتقصيه أمورها، وإن قصيا على هذا جد قريب، وليس من الأجداد الذين يبعد عهداهم به ﵊، وله شأن خاص فيما يتعلق بسدانة الكعبة، ورياسة الندوة وغيرها، فلابد أن نخصه بكلمة.
قصي:
٦٣- قد ترك أبوه كلاب ولدين أحدهما قصي، والثانى زهرة، وكلاهما جد للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقصى جده ﵇، وهو الجد العصبة، وأما زهرة فهو جده لأمه، فهو الجد الرحمي، وكأن كلابا بهذا قد جمع الله تعالى له شرفين، فهو جد النبى ﵊ لأبيه ولأمه، فالتقى فيه الشرفان.
وقد طوف قصى فى بلاد العرب، فهو فى أول حياته لحق بأمه فى قضاعة، فأقام معها، وقد كان فتى قويا كريما أبيا يأبى الضيم والعار، ناضل يوما شابا من قضاعة فنضله قصي، فغضب المنضول، وحزت فى نفسه حرارة السهام، وسبة الهزيمة، فتنازعا فى القول، فقال المهزوم: ألا تلحق بأهلك فلست منا. ويظهر أنه إلى هذا الوقت ما كان يعرف أباه وشرفه، فقد عاد إلى أمه وشكا لها من مرارة القول الذى سمعه، فقالت له: أنت والله يا بنى أكرم منه نفسا ووالدا، ونسبا، وأشرف منزلا، وأنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشى، وقومك بمكة عند البيت الحرام، وفيما حوله، تفد العرب إلى ذلك البيت.
أجمع قصى بعد ذلك الخروج، واللحوق، وضاق ذرعا بالبقاء غريبا، فقالت له أمه: لا تعجل، حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج فى حاج العرب، فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض الناس «١» .
انتقل قصى إلى أسرة أبيه فى مكة بعد أن جاءت الأشهر الحرم، وخرج حاجا. وكان جلدا بهذا نسيبا، ولم يلبث أن نال سدانة البيت الحرام. ولم تكن من قبله لقريش بل كانت لخزاعة. وكان له الأمر فى إجازة الحج للناس، وكان ذلك لغير قريش، فانتزع تلك الولاية بحيلة الداهية، وقوة ذى البأس.
ولى بهذا قصى سدانة البيت، وإمرة مكة، وجمع قومه من منازلهم، واجتمعت فى يده بمقتضى الولاية سدانة البيت وإمرة مكة والحجابة والرفادة والسقاية والندوة واللواء، ومعنى الحجابة أن يملك مفاتيح
стр. 76
البيت، فلا يفتح إلا بأمره، ومعنى السقاية تولى سقاية الحج، والرفادة كانت خرجا تخرجه قريش فى كل موسم من أموالها وتعطيه قصيا، فتصنع به طعاما للحجاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد. وقد سن هذه السنة الكريمة، ودعا إإليها قريشا، وقال فى خطابه لهم بذلك:
«يا معشر قريش إنكم جيران الله، وأهل بيته. وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم» .
ومعنى اللواء ألا يعقد لقريش لواء إلا بيد قصى هذا، ومعنى الندوة دار الشورى لقريش، ثم كانت من بعد ذلك للعرب، فكانت تعقد فى دار قصي.
وقد أعطى كل هذه الحقوق التى نالها بهمته لابنه عبد الدار، ليعزه بها، وأراد أن يرفع خسيسته وينال الشرف على بنى عمه من قريش، ولذلك قال له أبوه عندما أعطاه إياها: «أنا والله يا بنى لألحقنك بالقوم، وإن كانوا قد شرفوا عليك» .
وكان عبد الدار هذا ولده البكر، وله ولد اخر هو عبد مناف، وقد شرف فى مكة بذاته، ونبل أمره، وقد ذهب كل مذهب، وأبوه حى.
وقد أراد أبوه بإعطائه عبد الدار ما أعطى أن يتعادل الأخوان فى الشرف الذى وصل إليه الأول بذاته ونبله، وتخلف الثانى فأعطاه أبوه ما يعوض تخلفه.
وعبد مناف هذا هو الجد الرابع للنبى ﷺ ، وقد أعطى الله عبد مناف أولادا أربعة هم عبد شمس جد الأمويين، وهاشم والمطلب الذى ربى عبد المطلب الذى يعد اسمه الأصلى شيبة الحمد، ونوفل جد جبير بن مطعم.
٦١- وكان أولئك الأربعة فيهم شرف ذاتى كشرف أبيهم ونبله، فلم يتركوا لعبد الدار وأولاده ما أعطاه جدهم قصي، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لفضلهم فى قومهم، وقد انقسمت قريش فى تمكين بنى عبد مناف من نزع ما بأيدى أولاد عمهم، فرأى بعضهم أنهم أولى لمكان فضلهم، وليس إمرة مكة وزعامتها عطاء يعطى من لا يستأهله، بل يوسد الأمر لمن هو له أهل، ورأى اخرون أن بنى عبد الدار أولى، لأن قصيا صاحب الحق هو الذى أعطى أباهم، ولأنه بأيديهم، ولا ينزع من يد صاحبه لغيره، ومن قريش طائفة التزمت الحياد.
стр. 77
وقد كان خلف شديد انتهى إلى صلح سديد، لأن المختلفين أزمعوا الحرب، وحيث قد بلغ الخلاف أقصاه تنبه المختلفون إذ نبهتهم العاقبة المرتقبة إلى أن يكفوا، أو يكف كل فريق عن غلوائه، فتداعوا إلى الصلح.
اصطلحوا على أن يكون فى بنى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء. والندوة فى بنى عبد الدار كما هى.
وكان هاشم أصبح بنى عبد مناف، وأنقبهم صحيفة، ولذلك كان له الشرف على إخوته، ونال مما أخذه بنو عبد مناف، وكان ينفس عليه أخوه عبد شمس ما كان له من شرف ذاتي، ومكانة عند العرب عامة، وعند قريش خاصة، وقد أعقبه فى شرفه مربى النبى ﵊ عبد المطلب ، وهنا نقف وقفة عند عبد المطلب.
عبد المطلب:
٦٥- نقف عنده وقفة قصيرة، لأنه هو الذى حضن النبي ﷺ وهو فى سن الحضانة، وعبد المطلب أمه من يثرب مهاجر النبى ﷺ ، وهى من بنى النجار بها، وقد شب فى حياته الأولى فيها، وقد تربى بينهم فى دار الغربة حتى أتى به عمه المطلب، ودخل مكة ولزم صحبته، فقيل له عبد المطلب.
وقد أعطته قريش رياستها، واستحق ذلك بقوة نفسه وقوة خلقه، وسماحته، فهو لشبابها أب ولكهولها أخ، فى طلعته يمن، وفى خلقه عزمة قوية؛ ولكن فى هدوء، وسمت طيب راض، وطيبة، ولكن فى غير هوان.
هو الذى حفر زمزم بعد أن طمرتها جرهم عندما سيطروا على مكة، وكانت لهم قوة فيها، واستمرت مطمورة عبر السنين، حتى حفرها عبد المطلب، فسقوا من مائها، وأثار ذكريات إسماعيل ﵇ بحفرها، وملأهم عزة وكرامة باستعادة بئر كانت ببركة أم إسماعيل الذى كان هو وأبوه فخر العرب، وزاده ذلك شرفا فيهم، وعلوا، وما كان لطيبة نفسه بالذى يستعالى على أحد بمناقبه، وما أعطاه الله من حسن النقيبة ويمن الطالع، بل يحمد الله تعالى على ما وفقه وهداه.
ويذكر كتّاب السير أنه حفرها برؤيا صادقة مكررة، وكأنها إلهام من الله تعالي، ألهمه إياه لصفاء نفسه، وإشراق روحه.
стр. 78
يروى على بن أبى طالب عن أبيه عبد المطلب أنه قال: إنى لنائم فى الحجر (بجوار الكعبة) إذ أتانى ات، فقال: «احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاء فقال: احفر برة، قلت: وما برة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلي مضجعى فنمت فيه، فقال: احفر المضنونة. قلت: وما المضنونة، ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى، فنمت فيه فجاءنى فقال: احفر زمزم. قلت: وما زمزم؟ فقال: لا تنزف أبدا، ولا تذم، وتسقى الحجيج الأعظم. وهى بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل. ومعنى بين الفرث والدم، أى عند المذبح الذى كانت قريش تذبح ذبائحها فيه، ومعنى قرية أى المكان الذى كان فيه نمل، ووجد الغراب ينقر عندها، وكأن هذين كانا علامة حد المكان، والاية التى تدل على صدق الاتى، فى تبشيره.
فلما بدا لعبد المطلب الماء كبّر الله تعالي، وقد كانت قريش تلاحظ عمله، وكأنها غير مصدقة لنتائج ما يحفر، فلما كبّر علموا أنه أدرك ما يريد.
ولكنهم جاؤا يشاحونه فى أن تكون العين تحت سلطانهم جميعا لا تحت سلطانه واحده، وقالوا: إنها بئر إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فى السلطان عليها، ولكنه لم يسلم لهم، بل رأى أن تكون تحت سلطانه، لأنه هو الذى حفرها، وقد نازعوه هذا الحق، ثم لما رأوا من طيبته، وراجعوا حسن نقيبته، تركوا الأمر، وما هو بمانعهم من مائها. ولكنه يسقيهم ويسقى الحجاج منها فى غير منة ولا أذي، ولكن فى عدل وحسن توزيع على أن يكون له حق السقاية فيها.
وإن وصف زمزم بأنها لا تنزف، وفيها سقاية الحجيج خبر حققه الزمن إلى اليوم، فلا يزال الحجاج يشربون منها. وهى تفيض عليهم فى سخاء. وهى عين ثرة، ومعين لا ينضب، ولا تزال فيها بركة إسماعيل، ونقيبة عبد المطلب، والدلالة على أن بيت الله تحوطه البركة كما قال تعالى فى وصفه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ «١» .
[صفات عبد المطلب]
٦٦- إن الناظر فى تاريخ عبد المطلب ينتهى بأنه كان متصفا بثلاث صفات كريمات.
الأولى- الطيبة والسماحة
، فكان موطأ الكنف قريبا من الناس أليفا محبوبا، لا يستغلظ على أحد، ولا يستكبر ولا يستعالى، يطمئن أهل مكة إليه، ويثقون به، ويرضونه حكما، ولو على نفسه.
стр. 79
الثانية- أنه كان مباركا
، لا يضع يده فى عمل إلا بارك الله تعالى فيه.. حمل المعول، فحفر بئر زمزم، وإذا لم يكن ذا مال فى قومه، فقد كان موفورا فى كرمه، مباركا له فى رزقه، وأكثر قريش فضلا عليهم، وعائدة بالخير على جمهورهم، لا يضن بخير، ولا يستأثر به، وقد وقاه الله تعالى شح نفسه.
الثالثة- عزيمته، وإصراره على ما يقوم به من خير
مهما يصادف فى ذلك من عقبات، وما يحتاج إليه العمل من خير له وللناس.
فكان قوى الإرادة ماضى العزيمة، متحملا أثر ما يقول.
ذكر علماء السيرة أنه ما كان له عند حفر زمزم إلا ولد واحد، وهو الحارث بن عبد المطلب، وكان العرب يعتزون بكثرة المال، وكثرة البنين، فكان يجرى على ألسنتهم فى مقام الفخر أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً «١» وإذا كان عبد المطلب قد قنع بما أعطاه الله تعالى من مال، وإن لم يكن كثيرا كغيره من أثرياء قريش وثقيف، فقد قنع به، لأنه كان يكفى لحفظ مروءته، وما كان حريصا على أن يجمع، بل كان حريصا على ألا يمنع، وحسبه ذلك شرفا.
ولقد كان له شوق إلى البنين ليكون أعز نفرا، والمال والبنون زينة الحياة الدنيا.
ولقد نذر نذرا فيه بقية من بقايا الجاهلية، وهو أنه إذا عاش له عشرة من البنين، لقدم أحدهم فداء عند الكعبة، وكأنه يريد أن تكون فيه قوة التقرب إلى الكعبة، كما تقرب جده إبراهيم بولده البكر إلى الله تعالي، ولكنه فعله نذرا من نفسه، ولم يفعله بأمر ربه، ولذلك كان استعداد إبراهيم قوة عبادة، ونذر عبد المطلب لا يخلوا من جاهلية، وهذا فرق ما بين أبى الأنبياء وخليل الله تعالي، وصفيه، ومن عاش فى جاهلية الوثنية، غير مستنكر لها، والله هو الذى يهب من يشاء الذكور، ويهب من يشاء الإناث، ويهب من يشاء الذكور والإناث.
اتجه الرجل القوى فى نفسه وعزمته إلى الوفاء بنذره، وقد بلغ عدد أولاده عشرة رجال، ولكن من يختاره لهذا الفداء، فأراد القرعة، فجمعهم، ودخل بهم فى جوف الكعبة، وأمرهم أن يأخذ كل واحد منهم ورقة، ويكتب فيها اسمه، وقد أخبرهم من قبل بنذره، فارتضوا طائعين غير منافرين، وبعد أن كتبوا أسماءهم وضع اسم كل واحد فى قدح، وأمر خبيرا فى القداح أن يسهم بينهم، فساهم، فكان القدح على عبد الله ابنه وأبى محمد ﷺ .
стр. 80
ومع أن عبد الله كان أحب بنيه إليه، أخذ الشفرة يحدها ليذبح أحب ولده إليه، ولكن ترامى الخبر فى أندية قريش من أن عبد المطلب يحمل شفرته ليذبح ابنه، فجاؤا سراعا إليه، ورأوه حاملا شفرته ليذبح ولده الحبيب غير وان ولا مقصر، فصاحوا فيه: ماذا تريد يا عبد المطلب، قال: إنى أذبحه، فهال الأمر قريشا، وفزع إخوته، وقد ضعفت عزمتهم وطاعتهم الأولي، ومحبة أخيهما، ولكن لم تضعف عزمة الشيخ الفادى الوفى بنذره وإن كان الفداء أحب إليه منهم جميعا، ولكنها قوة الإرادة والعزيمة، والإيمان بما يعتقد، وإن كان باطلا.
أقسم الأبناء وقريش على ألا يذبحه، وبنوا ذلك على أنه ستكون مغبته سوا على قريش خاصة، وعلى العرب عامة، قالوا له: لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه ليذبحه، فما بقاء الناس على هذا؟!
وقالت له ابنة أخته: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه (أى تبدى العذر عن النذر) فإن كان فداؤه فديناه بأموالنا.
ذهبوا إلى عرافة فى أرض الحجاز، فأشارت عليهم بأن يقدموا الدية وهى عشرة من الإبل ويقرع بينها وبين الذبيح، فإن كانت القرعة عليه زادوا فى الإبل، حتى تكون القرعة عليها.
أصاخوا إلى صوتها، وأجمعوا الأمر، ثم قربوا عشرا من الإبل وعبد الله الذبيح، فقرعوا بينها، فكان السهم على عبد الله، ثم زادوا حتى صارت عشرين، فكان القدح أيضا على عبد الله، فزادوا حتى صارت ثلاثين، ولكن خرج القدح على عبد الله أيضا، واستمرت الزيادة عشرة بعد عشرة حتى وصل العدد مائة من الإبل، ثم ضربوا القداح فخرج القدح على الإبل.
فقالت قريش: قد انتهى الأمر، ورضى ربك بالفداء يا عبد المطلب.
ولكن عبد المطلب يريد أن يستوثق من الرضا بالفداء، فزعم الرواة أنه ضرب مرة ثانية وثالثة، والقدح يخرج على الإبل، فنحرت الإبل، وتركت للناس لا يصد ولا يمنع إنسان.
٦٧- وإن دل هذا على صفة من صفات عبد المطلب، فهى تدل على صفة الرجل المريد لما يفعل، القوى فى عزمه، الصادق فى نفسه واختياره، وهو يدل على قوته فى البلاء، وتحمل الصبر على ما يكره، وإن تقاضاه الصبر ذبح أحب أولاده إليه، فاختبر، وابتلى فأحسن البلاء.
والرجل القوى ليس هو الذى يخضع إرادته لهواه، أو عزمته لشفقته، إنما القوى حقا وصدقا هو الذى يجعل الإيمان والإرادة يغلب الهوى والمحبة، وقد كان عبد المطلب القوي، ولا يمنع ذلك أن يكون
стр. 81
شفيقا محبا، فإذا امن بفكرة نفذها بقلب قوى صابر، وبنفس مطمئنة راضية، ولو كان مصدر إيمانه باطلا.
وكان قوى الجنان ثابت الجأش لا يضطرب، ولا يهن ولا يضعف عند المفاجأة، ولا تذهب نفسه شعاعا، عندما يكون الأمر المخوف.
جاءت الحبشة بملكها، وأفيالها، وأقبل على مكة جيش لجب قوى مستند بأقوى العدد، وبأكثر العدد، فانخلعت القلوب واضطربت إلا قلب عبد المطلب كبير قريش، وسيد البطحاء، وكان يحسن القول، ويرهب بقوله فى هدأة من غير هوادة فى الحق.
جاء الجيش الحبشي، واستاق إبلا لأهل مكة، ومن بينها إبل لعبد المطلب، فذهب إلى لقاء أبرهة ملك الحبش وقائد جيشهم، ومعه الرهبة والطغيان، فما اضطرب قلب كبير البطحاء، بل ذهب إليه، وكانت فيه هيبة، وله سمت كريم يهابه من يلقاه، ويطمئن إلى سماحته، فعند اللقاء وقع فى قلب أبرهة هيبته فسأل عما جاء إليه، فسأله أن يرد الإبل، فقال إنه حسبه جاء يسأل عن الكعبة، وقال مستنكرا «أراك تسأل عن إبلك ولا تسأل عن الكعبة» فأجابه فى قوة أوقع الرعب فى قلبه بإجابته «أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه» والجواب فيه إرهاب وتخويف، إذ أنه يقول له: لا تظن أنك منتصر، أو غالب، أو مقتلع البيت الذى جئت لهدمه، فإن ذلك فوق قدرتك، بل فوق طاقتك، لأنه بيت الله والله يحمى بيته، ولن تنتصر، فالله خاذلك. جواب مرهب مفزع، ولكن فى هدوء الحكيم، ورفق الذى يزن القول، ويعرف موقعه.
ولذلك كلام مفصل فى موضعه إن شاء الله تعالى.
عبد الله
٦٨- ذلك هو الجد القريب الذى تربى النبى ﵊ فى حضنه، والذى رأى أول ما رأى عزة الرجال، وحكمة الشيوخ، وعطف الأبوة التى عوضه بها عن أبيه الذى لم تكتحل عيناه برؤيته، ولابد أن نذكر كلمة عن الرجل الذى افتدته قريش كلها، وهو عبد الله أعز أولاد أبيه إليه، وأقربهم منه، لقد كان أحب أولاد عبد المطلب العشرة «١» وقد اتسم بالجمال فكان أجمل قريش وأحب الشباب إليها.
стр. 82
وكان فى خلقه طيبة نفس، واطمئنان قلب، ورضا بما يجرى به القدر مع استعداد للفداء، إن كان ما يقتضيه، لم يتردد أن يقدم نفسه لأبيه ليوفى بنذره، فاستعد لأن يذبح، فكان الذبيح الثانى بعد جده العظيم إسماعيل، وإذا كان فداء إسماعيل بذبح عظيم كان من أمر الله تعالي، لأن الله تعالى اختبر إبراهيم بما رأى فى المنام، ومادام الاختبار، فالفداء يكون بأمر الله تعالى ونهيه. أما ذبح عبد الله، فكان بنذر من عبد المطلب، فكان الفداء برأى أهل مكة، فما كان من البشر يكون منهم، وما كان من الله تعالى، ف الأم ر إليه، وكان لجمال وجهه، ولطيب نفسه، موضع اجتذاب الناس، ومحبتهم، فلم يسلموه لأبيه، وقد أراد قتله، ونجوه من يد أبيه الشفيق الحازم المريد القوى فيما يريد، وإن كان شديدا عليه.
وكان موضع اجتذاب النساء لوسامته وجاذبيته، ولكنه كان العفيف الذى لا يريد إلا الحلال، ولا يبتعد عنه، وكأنه يبتعد عن الحرام مروءة، وكرامة نفس، لا لتنفيذ أوامر إلهية، بل أمر مروءته واحتفاظ كرامته يستجيب لهما، كأوامر المصادر الدينية.
تعرضت له امرأة، راقتها وسامته، وجذبتها طيبته، فأرادته لنفسها، وربما راودته عن نفسه، ولكنه العيوف الذى لا يشتار إلا عسلا يملكه حلالا نكاحا، ولا يريده نزوة أو سفاحا، فيردها الشاب القوى الذى لا يستهواه الهوى قائلا:
أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذى تبغينه ... يحمى الكريم عرضه ودينه
صان الشاب نفسه، وصان أمانته، وصان خلقه وكرامته، فلم يتدل كما تدلى الشباب من قومه، لأنه أراد أن يعيش طاهرا كريما محبوبا، لينقل وديعة الله تعالى للإنسانية الذى ينقل رسالته إلى خلقه وذلك بزواج طاهر حلال.
الأم:
٦٩- كل فتاة فى قريش كانت تتمنى أن يكون الشاب عبد الله بن عبد المطلب شيبة الحمد أن يكون لها زوجا، وأن يكون لأولادها أبا، وقد قارب العشرين أو يزيد من عمره، عفيفا، لم يزن بريبة، ولم يعرف عنه نزوع إلى شر، بل كان ينزع إلى الخير، ولا يزيد، ولأبيه عليه حق الطاعة فى غير معصية، إذ كان له ملازما، لا يستطيع له فراقا، ولا خلافا. لأنه حب أبيه، وصفيه المختار.
وقد اختار أبوه له زوجا امنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة أخى قصي، وابن كلاب، وكان أبوها سيد بنى زهرة، كما كان عبد المطلب سيد بنى قصي، ثم سيد مكة جميعها غير منازع، لأنه
стр. 83
محمود النقيبة حكيما بين قريش لا يطيش، ولا يجبن، ولا يرهق أحدا، فكان السيد المطاع فى غير جبر، ولا إعنات، ولا تضييق، ولقد التقى الشاب مع أبيه فى الإصهار إلى بنى وهب بن زهرة، إذ أن عبد المطلب كان قد تزوج هالة بنت وهب بنت عم امنة، واختار لابنه امنة. وهى بنت عم لزوجته التى أنجب منها حمزة بن عبد المطلب «١» الذى صار فى جهاده للإسلام سيد الشهداء، وصفية أم الزبير بن العوام حوارى رسول الله ﷺ ، وبذلك التقت فى حمزة بن عبد المطلب ثلاث صلات بالنبي، أولها أنه عمه، وثانيها أنه ابن بنت عم أمه، وثالثها أنه أخوه فى الرضاعة، وفوق ذلك أنه ثانى عميه اللذين تصديا للدفاع عن النبى ﵊ فى مواجهة قريش فى مكة، ولكنه الثانى الذى دافع عنه لا بمقتضى حكم القرابة القريبة الوثيقة، بل بذلك وبحكم الإيمان بالرسالة المحمدية، والجهاد فى سبيل الله، فكان سيد الشهداء حقا.
وكذلك كانت صفية بنت عبد المطلب لها بالرسول قرابتان: قرابة العصب، وقرابة الرحم، فهى عمته أخت أبيه، وهى ابنة هالة بنت عم أمه، وكانت معه فى الرخاء وفى الكريهة، وفيها شجاعة ال عبد المطلب.
وبنو زهرة مع التقائهم فى نسب النبى فى جده كلاب كما سماه العرب، وحكيم كما سماه التاريخ لما فيه من حكمة، لم يكونوا مع بنى هاشم فى خلاف، ولا منافسة جرت إلى عداوة فى جاهلية أو إسلام، بل كانوا لهم معاونين ومناصرين وموادين، لا بقضاء يسيطر على نفوسهم، ولكن مودة تربط على قلوبهم.
ولقد قالوا فى الأخبار كان كلابا ممن يؤمن بأنه سيكون نبى من قريش، وكان يخطب قومه كل جمعة ينبههم بذلك «٢» وإن صح ذلك الخبر فمؤداه أن كلابا هذا كان من أشد المستمسكين بإبراهيم، ونبى من بنى إسماعيل، ولا يمنعنا ذلك من أن نقول أنه تأشب إيمانه بالله تعالى بعض أثارة من الوثنية الجاهلية، فنحن لا ننفى هذا عن عقلاء العرب، وذوى الأخلاق والهمة فيهم كعبد المطلب، ومن بعده ابنه أبو طالب سيد مكة، وحامى الرسول، ومانعه من الأذى.
وامنة تلتقى مع النبى ﷺ من جهة أمها برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى جد النبى ﷺ .
стр. 84
٧٠- وهنا يثور كلام يجيء فى أخبار عن عبد الله أبى رسول الله ﷺ أكانت له زوج غير امنة تزوجها قبلها أو بعدها وأن امنة إحدى اثنتين كانتا زوجين لعبد الله.
قال ابن إسحاق صاحب السيرة «فقد ذكر أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع امنة بنت وهب وقد عمل فى طين له وبه اثار من طين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به من أثر الطين فخرج من عندها فتوضأ، وغسل ما كان به من ذلك الطين» ، ثم خرج عامدا إلى امنة فمر بالمرأة فدعته إلى نفسها، فأبى عليها، وعمد إلى امنة فدخل عليها عليها وأصابها، فحملت بمحمد ﷺ ثم مر بامرأته تلك، فقال لها: هل لك؟ قالت، لا، مررت بي، وبين عينيك غرة بيضاء فدعوتك فأبيت على، وذهبت إلى امنة، فذهبت بها» «١» .
وإنا نرد ذلك الخبر، ونؤمن بأن عبد الله ما تزوج إلا امنة أم محمد خير الخلق والنور المنبثق فى هذا الوجود، وإنما نقرر ذلك:
أولا:: لأنه خبر انفرد بذكره ابن إسحاق، ولم ينقله، ولم يأت فى كتب السنة الصحاح، ولو كان عبد الله له زوج أخرى لاشتهر ذلك، ولذكر فى الأخبار، كما ذكر خبر زواج عبد المطلب المتعدد، وأولاده من كل زوجة تزوجها وبيان نسبها، ومن تنتمى إليهم، وما كان عبد الله أبو سيد الخلق بأقل شأنا من أن يعرف زواجه الأول والثانى، من عبد المطلب إن كان قد عدد الأزواج، وقد علا شرف عبد الله بأبوته لمحمد، فليس بأقل من أبيه الكريم، والسيد العظيم.
وثانيا: أن هذه الزوج المزعومة لم تذكر متى كان زواجها منه، وما أحوال ذلك الزواج لو كان حقا، وما الذى انتهى إليه، ولماذا تزوج أخرى فى هذه السن المبكرة؟
إن عدم ذكر شيء من هذا فى ذلك الخبر يجعله غير قابل للتصديق، وهو غريب فى ذاته.
وثالثا: أن المذكور فى السير أن المرأة المشار إليها كانت قد طلبت أن يصيبها، ولم تذكر زواجا، وأنه أجابها بالاستنكار، وقال البيتين المشهورين عنه اللذين يفيدان أنه لا يقبل إلا الحلال الذى يسوغه له عرضه وكرامته، وشرف أسرته، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
ورابعا: أن الخبر يحمل فى نفسه دليل بطلانه، لأنه يذكر أنه طلبها وهو مغبر بطين، فلم ترض، وكان المعقول وقد طلبها طلب الرجل لامرأته وأنها مانعته حتى يغتسل، وأنه اغتسل أن يذهب إليها،
стр. 85
وإذا عاد إليها بعد امنة وهى إحدى زوجتيه، فإنه ليس لها أن تمتنع عليه لأنها زوجه، فكيف يقال من بعد أنه رضيت به لغرة نور فى جبينه، ولو كان ذلك هو السبب، ما منعها عند إجابته وعلى ثيابه طين، لأن الأساس فى نظرها أن تصل إلى أن يكون النور فى رحمها لا يمنعها غبار طين أو نحوه.
فالخبر مضطرب فى مبناه متناقض مع العقل فى معناه، فيردّ جملة وتفصيلا.
صفات سامية فى امنة:
٧١- اتسمت امنة كما يبدو من أخبارها، أنها كانت صبورا، وكانت تشبه البتول فى سموها، وفى اصطفاء الله تعالى لها فى أن تكون أما لسيد البشر محمد ﷺ كما اصطفى مريم البتول لتكون أما للمسيح ﵇، ولكن امنة، ولدت محمدا وحملت به كسائر البشر.
وكانت شبيهة بالبتول فى الصبر، وفى خلاصها من فتن الزواج، وكونها حملت صاحب أكبر رسالة فى هذا الوجود.
إنها منحت زوجا مرموقا محبوبا تتمناه كل فتيات عصره، ولكنه سرعان ما غادرها بعد الزواج بمدة قصيرة، قدرها بعض الإخباريين بأنها ثلاثة أيام أو ثلاثة أشهر، سافر ليمتار لأهله من قريش تمرا، فذهب لأخوال أبيه بنى النجار، ومات هناك.
فهذه الأم الصبور على فراق زوجها الشاب، ولم تشتر عسل الزواج ورضيت الحرمان فى سبيل نفع قومها، إذ ذهب ليجلب لهم رزقا، والمرأة الفاضلة ترضى باغتراب من تحب إذا كان الاغتراب لنفع قومه، وإصلاح حالهم، وارتضت صابرة، أن يولد ولدها الحبيب فى غيبة زوجها الحبيب الذى لم تلبث أن نالته حتى بعد عنها، فكان الرضا بالانتساب إليه يغنى عن المتعة بقربه، واكتفت من متعة هذا الزواج الطاهر بمتعة قرة عينها ولدها الحبيب محمد ﷺ ، وعاشت مطمئنة إلى أمل اللقاء، وأن يجمع الله تعالى الشمل المتفرق كما أراد رب العالمين، ولكن الله جلت قدرته أراد اختبارها فأفقدها زوجها فى غربته، فكانت الصابرة الكريمة القائمة على تربية ولدها، الراضية بأمر ربها من غير أن يعرف عنها تململ بحياتها وعيشها.
ولما استغنى ولدها عن المراضع شدت رحالها مع وليدها، وقطعت الفيا فى والقفار فى مشقة لا يقدر عليها إلا الصابرون، وذهبت إلى يثرب لترى قبر زوجها الذى اختيرت له وهو مرمى الأنظار
стр. 86
والحبيب فى مكة وأبى القدر الحكيم إلا أن ترى بعد ذلك رمسه المدفون فيه، وهى فى كل هذا الصبور المطمئنة إلى قدر الله تعالى العادل: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» .
ومكثت هناك بجواره مدة لا تقل عن ثلاث سنين كان فيها متاع حسن بالنسبة لها، إذ كانت قريبة من زوجها الحبيب، وقد ارتضت ذلك واطمأنت نفسها، فهى الصابرة الامنة كاسمها، الشريفة كقومها، الكريمة كمحتدها.
ويظهر أنها لم ترد أن يبعد ابنها عن قومه، وهم أشراف مكة، ولم تكن التى تضن به على جده فهى تؤثره على نفسها دائما وقد احتملت المشقة وأخذت تقطع الفيافى والقفار، وليس معها إلا جارية تعينها على مشقة الطريق، وتكون لها رفيقة مع بعد الشقة، وتعاونها فى حضانة الغلام النورانى.
ولكن هذه المجاهدة فى سبيل الوفاء، والإخلاص للولد ولجده أجهدتها الرحلة فماتت، وهى عائدة إلى مكة ودفنت بالأبواء بين مكة والمدينة، وهى إذ أسلمت روحها، ودعت الدنيا تاركة عزيزها، كما ودعت أباه من قبله، ولكن وداعها الأول كان لعزيز إلى طريق الأبدية، أما وداعها من بعد، فكان لولدها العزيز، وتركه إلى طريق الحياة والجهاد فيها، ولكنها تركته إلى رعاية الله تعالى مع الجارية التى صحبتها، فرعاه الله تعالى وصنعه تعالى على عينه، حتى وصل إلى جده العظيم فى قومه فاحتضنه.
وهنا نقف وقفة قصيرة، لننظر إلى تلك المجاهدة الهادئة الصبور، فإذا قلنا إنها عاشت كالعذراء إذ لم يكن إلا أنها حملت سر هذا الوجود، وكأنها أودعت أمانة النبوة لتحتفظ بها، وكأنها كالبتول العذراء، بيد أن هذه لم تصطفها الملائكة، عزاء من رب العالمين، إذ اختارها وتعهدها نبى وأقامها فى المحراب وكانت فى رعاية ظاهرة، وأما امنة بنت وهب فقد خوطبت بلسان الفطرة المستقيمة، وعلمت بحكم الباعث فى نفس طاهرة أنها حملت أمانة، واستمرت الأمانة معها فى رعاية الله تعالي، وهى حاملة ما حملت غير وانية ولا مقصرة، ولا هادى يهديها إلا ما انبعث فى نفسها من نور الفطرة، والإحساس بعبء الأمانة.
стр. 87
الجنين المبارك
٧٢- إن أحداث هذا الوجود تسير علي مقتضى ناموس كونى ثابت عند رب العالمين، قد أراده الله تعالى بحكمته وتخيره بإرادته، وأقامه بقدرته، وليس للمصادفة حكم عند الله، وإنما حكمها لا يتجاوز ما عند الناس، لأنهم يربطون الأسباب بمسببات بحكم العادة، ويطبقون عليها نظام قانونهم المحسوس المعلوم، فإذا خالفه قالوا إنه مصادفة، وهذا نظر الذين يدركون الماديات، ولا يدركون ماوراءها، ويحكمون بالمحسوسات، ولا يحكمون بأن ثمة سلطانا قاهرا لخالق الأسباب والمسببات، وأنها لا تقيد إرادته، بل هو الذى يقدرها بحكمته.
وقد صرح سبحانه بأن أهل القرى لو آمنوا واتقوا لأنزل لهم الرزق مدرارا، فقال تعالت كلماته، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «١» .
وصرح سبحانه بأنه أنزل الرجز على الذين ظلموا من ال فرعون، وقد ربط الله تعالى ذلك بعصيانهم، فقال تعالت كلماته فى قصصهم وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ. وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ. فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ «٢» .
وإن هذه النصوص الكريمة تدلنا دلالة قاطعة على أن الله ينزل البركات لمن استقاموا على الطريقة، إن سلكوا طريق الوصول إلى الخير وتوكلوا عليه سبحانه حق التوكل، وأنه يصيب الأقوام بالرجز والحرمان والبلايا إن هم طغوا وبغوا، فى ترتيب محكم سنه وأراده، وإن خالف ما نعلم من الأسباب والمسببات.
لسنا نقول مقالة قدماء الصين من أن الكون يضطرب، وما فى السماء يختلف إذا عصى ابن الأرض وأفسد ولم يصلح، فإن ذلك كلام قوم وثنيين يؤمنون بالمحسوس، ولكنا نقول مقالة المؤمنين، إن
стр. 88
مدبر الكون يجرى الأمور على مقاديرها بما قدره سبحانه وأراده، وعلى ما ارتضاه من نظام لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» .
٧٣- سقنا هذا الكلام لتوضيح أن محمد بن عبد الله قد كان وجوده بركة على قومه من وقت أن علقت به أمه إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وأن البركة التى اتاها الله تعالى لقومه مباشرة من وقت العلوق به فى بطن أمه، كانت خيرا على الإنسانية كلها، لأنها حمت البيت الذى كان أول بيت للناس، وهو كعبة المسلمين. وهو المكان المقدس الذى قدسته الأديان كلها كما أسلفنا من قبل.
وقد كان إنقاذ البيت، وهو فى بطن أمه، إذ أن أبرهة ملك الحبشة واليمن أراد اقتلاع البيت من مكة وهدمه، وأن يا بنى بدله فى اليمن ليكون ذلك البيت الجديد هو مزار العرب، ومثابتهم وأمنهم كما كان البيت، وفى ذلك مصادمة لدعوة إبراهيم ﵇، إذ يقول رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ «٢» .
وقد استعد بخيله ورجله من قبل الحمل بالنبى، وساور مكة وأمه حامل به، وقد ردهم الله مدحورين ببركة الجنين الذى بعثه الله تعالى برسالة تشرف البيت الحرام وتحميه، ولنعرج على ذلك بكلمة موضحة موجزة.
أصحاب الفيل
٧٤- ال أمر اليمن إلى رجل من الحبشة اسمه أبرهة، وصار لها حاكما بأمره، وبنى بها كنيسة فخمة بصنعاء سماها القليس، وأراد أن يحج إليها العرب، وخاصة النصارى منهم، فلم يؤثروها على البيت الحرام، ولم يستبدلوها به، وبعد بنائها بعث إلى النجاشى بالحبشة، وهو لا يزال يعتبر نفسه تابعا، وجاء فى هذا الكتاب «إنى بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليك حج العرب» .
ولكن رجلا من العرب أدرك هذا المراد. فأراد تحقيرها، وأحدث فيها شيئا استهانة وسخرية.
فلما رأى أبرهة احتقار العرب لها، واستمرارهم على الذهاب إلى البيت الحرام من غير وناء ولا تقصير لم يجد بدا لتنفيذ إرادته إلا أن يهدم البيت الحرام بجيش يسيره مجهزا بأعظم عدة، وخرج بالفيل الذى يستخدمونه فى الحرب مع الإبل والخيل.
стр. 89
أفزع ذلك العرب وأعظموه، ورأوا مدافعته حقا عليهم، فنفر منهم نفر بقيادة بعضهم وهاجموا أبرهة، ولكنه هزمهم، ومضى قاصدا البيت الحرام، لا يقاومه أحد من العرب إلا هزمه، واستمر سائرا لا يلوى على أحد من العرب إلا أخضعه.
وصل إلى الطائف، وقد رأوا ما حل بغيرهم فمالأوه، وخصوصا أنهم كانوا ينفسون على قريش ما كسبوه من شرف لقيامهم على سدانة البيت، وحاولوا أن يجعلوا مكان تقديسهم بيتا بنوه للات إلههم المزعوم.
أهم الأمر من بمكة من قريش وكنانة وهذيل، وسائر من كان بها، وعلموا أنه لا قبل لهم بمقاومته لما عنده من قوة، ولأن الانتصارات المتتالية فى طول طريقه إلى مكة زادته قوة، وزادتهم خوفا، فسكتوا حتى يكشف المخبوء فى قدر الله تعالى.
ولعل الفزع قد غلب عليه مما علم من منزلة للبيت فى الكتب المقدسة، ومنها كتب النصارى التى أشارت إلى ذلك، فلم يرد أن يستمكن من البيت عنوة، بل أراد أن يسلمه له أهله، لا ليزيد بناءه، بل ليهدمه، فإن فعلوا كان ذلك مبررا فى زعمه.
ومهما يكن فإنه قد تردد فى القتال، أو أراد أخذه بسلام، فأرسل رسولا إلى مكة، وقال له: سل من سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له «إن الملك يقول لكم إنى لم ات لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا له بحرب، فلا حاجة لى بدمائكم: فإن هو لم يرض إلا حربى فأتنى به» .
ذهب الرسول إلى مكة، وعلم أن سيد البلد وشريف مكة هو عبد المطلب بن هاشم فبلغه الرسول، فأجابه عبد المطلب إجابة سليمة، ولكن فى طيها إيمان بالله رب البيت، وذلك لا يخلو من إرهاب بقوة الله.
قال عبد المطلب للرسول: «والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه» .
كان هذا الكلام السهل اللين يخفى فى نفسه إنذارا شديدا لرجل كتابى نصراني، لأنه بهذا الكلم اللين ينبهه إلى أنه لا يحارب أحدا من أهل مكة إنما يحارب الله، ويهدم بيتا بناه بأمر الله أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، فهو مع هذا اللين يتضمن تهديدا يروّع من كان عنده اعتقاد بالله، وإيمان برسالته.
وقد كان بلا ريب لذلك الكلام وقعه، ومن الكلام الهادىء ما يفعل فى النفوس ما لا تفعله المقاومة بالسيوف، وخصوصا إذا كان الكلام لمن تعود الانتصار فى الحروب، وهزيمة من يدافعه، إذ فى هذا الكلام تهديد بحرب لم يألفها ولم يعرفها، وهى حرب الله، وحرب أبى الأنبياء.
стр. 90
٧٥- استاق جيش أبرهة إبلا لعبد المطلب، وقد طلب هو لقاءه فلقيه ليؤكد ما قاله لرسوله بالقول المتضمن فعلا، إذ قرر أن يطالبه برد الإبل التى استاقها جيشه بعلمه أو بغير علمه.
التقى عبد المطلب المهيب غير المرهوب بعد أن علم أبرهة قوله.
ولقد كان عبد المطلب من أوسم الناس وأجملهم وأشدهم هيبة، فلما راه أبرهة أجله وأكرمه، فنزل عن سرير ملكه وجلس بجواره، ثم قال له بلسان الترجمان:
قل حاجتك. فقال للترجمان: حاجتى أن ترد لى إبلى، مائة بعير أصابها، فقال أبرهة: كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتنى. أتكلمنى فى مائة بعير لك، وتترك بيتا هو دينك ودين ابائك قد جئت لهدمه لا تكلمنى فيه.
فقال عبد المطلب- يضع أبرهة أمام الله تعالى وجبروته الذى فوق كل جبروت: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال أبرهة، وقد غلب عليه الفزع: ما كان ليمتنع منى. قال عبد المطلب: أنت وذاك.
لا شك أن عبد المطلب يهدده بالله، أولا بتأكيد أن الله مانع البيت، وثانيا بأن قال له أنت وذاك، كان التهديد واضحا، وإن كان هادئا، ولعل الذى قوى وقعه هدوءه، فالهدوء يخاطب النفس فتعتبر، وخصوصا لمن تعود الانتصار المادى الذى يكون فيه إيمان فى الجملة بالغيب، وأبرهة نصرانى.
عندئذ تحقق رجاء عبد المطلب فى ربه، وتحقق أمر الله ببركة الجنين الذى حله فى بطن أمه، وهو سيد الخلق محمد ﷺ .
أرادوا بالفيل أن يسير متجها إلى البيت الحرام، فوقف ولم يسر إليه وحبسه الله تعالى عنه، فوجهوه إلى اليمن، فاتجه، فوجهوه إلى الشام فاتجه، ثم أرادوا أن يوجهوه إلى البيت، فامتنع «١» ، ولهذا كانت إرادة الله أن ينجو البيت ببركة الجنين المستكن فى الغيب المستور.
ولو أن أبرهة اعتبر واعتزم العودة إلى اليمن لرضى من الغنيمة بالإياب، ولكنه اعتزم تنفيذ نيته، فلم يبق إلا أن يأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، فأرسل الله تعالى طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، كما قال فى سورة الفيل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ.
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «٢» .
стр. 91
أتتهم رياح عاصفة، ومعها طير جاء جماعة بعد جماعة، ترميهم بحجارة صلبة شديدة قوية تنفذ فى الجسم، لا تبقى فى ظاهره، بل تدخل فى باطنه، وراء جلده، وقد جعلتهم كعصف مأكول، أى كبقل أكل لبه، وبقى قشره، وقد قال علماء الأخبار أن تلك الحجارة الصلبة التى أرسلها الله تعالى بريح عاصف كانت صغيرة تشبه حب العدس، وأن الطير كان يحملها فى منقاره، وفى رجليه.
ولقد قال بعض الكتاب إنهم أصيبوا بالجدرى قرح أجسامهم، ولعل جرثومة ذلك الداء الوبيل كانت فى الأحجار التى رمتها الطيور التى جاءتهم وباء وبلاء، وإهلاكا، وقد كادوا من الشر كيدهم، ودبروا بالفساد أمرهم، وتحدوا بيت الله وهو أول بيت وضع للعبادة، والذى كرمه الله وباركه.
وليس عندى ما يمنع أن يكونوا قد أصيبوا بالجدرى بما رماهم الله تعالى به، فقد قال ابن إسحاق فى سيرته «حدثنى يعقوب بن عيينة أنه أول ما رميت الحصبة والجدرى بأرض العرب كان فى ذلك العام» هذا كلام مقبول إذا قلنا أن الحجارة كانت تحمل معها جرثومة هذه الأمراض الفتاكة، ولكن ما لا يقبل هو القول بأن الطير هى جراثيم ذلك المرض، لأن هذا يكون مخالفا لنص الاية الكريمة، إذ أن نص الاية الكريمة يفيد أن الطير رمتهم بحجارة قوية شديدة.
٧٦- إن ذلك العذاب الأليم الذى أصابهم فى الدنيا، فبعد أن أرسل الله تعالى عليهم الطير الذى جاء جماعة بعد جماعة، ورماهم بالحجارة الجامدة التى كانت تنفذ إلى جسمهم، وتضع فيه جراثيم الأمراض الوبيلة كالحصبة والجدرى، وصاروا يتساقطون فى الطرق، ويهلكون كل مهلك، وقد وصف حالهم ابن إسحاق فقال: «خرجوا يتساقطون ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة فى جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة بعد أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها منها مدة (صديد) تمت قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون» .
عاد من حيث خرج، ولكن فرق ما بين العودة والخروج، إنه فى الخروج، كان قويا فى بدنه مغرورا فى نفسه يصحبه جيش لجب، يحسب أن لن يغلبه أحد، وقد غلب من قاومه حتى إذا جاء إلى رحاب الله يتحدى الله تعالى فى بيته، ويريد هدمه، وقد جعله الله تعالى مباركا، عاد مذموما مدحورا، مقصوص الجناح، لا مجازا ولكن حقيقة، فقد تقرح جلده، وتساقط، وذهب تدبيره كله فى ضلال العماء.
وقد استجاب الله تعالى لعبد المطلب، وهو اخذ بحلقة باب الكعبة يقول:
لا هم أن العبد يمنع ... رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدرا محالك
стр. 92
كانت واقعة الفيل هذه وامنة الطاهرة كالبتول حاملة قد أودعها الله تعالى خير الخلق محمدا ﷺ فكان مباركا على العرب، وعلى الناس أجمعين من يوم أن حملت به أمه.
وما حملت به كرها، وما كان فصاله كرها، فما كانت تحس بشدة فى حمله، وما أحست بشدة فى فصاله، ولقد قالت السيدة امنة الطاهرة: «لقد علقت به، فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل منى خرج معه نور، ثم وقع على الأرض معتمدا على يديه» .
ولد الهدى
٧٧- سبقت محمدا فى الوجود بركاته، فقد ولد كما يقول أكثر الرواة بعد خمسين يوما من مغادرة الفيل وأصحابه مدحورين، بعد أن أباد الله تعالى أكثرهم، وقد ابتلعتهم الأرض، بعد أن غرهم الغرور.
وقبل أن نخوض بالقول فى مولده ﷺ ، نقول أنه ولد وأبوه غائب، ذلك أننا ألمحنا فى القول أنه ترك زوجه وقد ذهب فى عير ليمتار لأهله، وليتجر فى كسب رزقه، فسافر فى عير لقريش، وكان الوفى الأمين، فانتهز فرصة ذهابه إلى يثرب، وزار قبر جده هاشم الذى كان يهشم الثريد، الذى يأكل منه الحجيج، ولكنه لم يعد من غربته، بل أصابه المرض فى بيت بنى النجار، وعاد العير الذى كان معه، وتركوه حزانى على تركه مدنفا بمرض عضال فى بيت بنى النجار أخوال أبيه، وأصهار جده الكريم، وعادوا إلى مكة، وأخبروا أباه الذى حدب عليه، وزوجه الصبور التى صبرت على غيبته، وجمل لها الصبر لأنها كانت ترجو لقاءه، ولكن حرمت من هذا، ففظع الأمر عليها، ولكنها الصبور مع رقة صباها.
وإن عبد المطلب أرسل إلى ابنه الحبيب كبير أولاده الحارث، فذهب إليه، وقد رأى فراق نفسه، وقيل أن الموت سرى إليه، ولم يجده أخوه إلا ميتا.
فإذا كان الأب قد ثكل ابنه الحبيب فتجلد، فقد فقدت الأم الزوج الحبيب، فكان منها الصبر المرير، ولكنه مع ذلك كان الصبر الجميل، وهو الصبر الحبيس الخالى من الضجر والأنين.
ولادته قبل وفاة أبيه:
٧٨- أكثر الرواة على أنه ولد ﷺ بعد وفاة أبيه عبد الله، ولكن روى أنه توفى بعد أن وضعت امنة حملها، ومنهم من أقصر المدة ومنهم من أطالها، حتى أوصلها إلى نحو ثلاث سنين، فقد قال ابن حزم الظاهرى ما نصه:
стр. 93
«ولد ﷺ بمكة، إذ مات أبوه، وهو لم يستكمل ثلاث سنين، وماتت أمه، وهو لم يستكمل سبع سنين» .
وإن هذا القول يتقارب مع من يقول أن أباه ﵇ مات بعد ولادته ﵊ بنحو ثمان وعشرين شهرا، ولكن كلام ابن حزم يومىء إلى مدة أطول، لأن الثمانية والعشرين شهرا هى سنتان وثلث، ولا يقرب من ثلاث سنين.
فقد روى عن عوانة بن الحكم أنه قال هو وأبوه أن عبد الله توفى بعد ما أتى على رسول الله ثمانية وعشرون شهرا، وقد قيل: توفى بعد ولادته بسبعة أشهر.
وإننا نستبعد كل الاستبعاد أنه توفى والنبى عنده نحو ثلاث سنين، كما نستبعد أنه ولد من بعده، لإجماع الرواة على أنه ﵊ استرضع فى بنى سعد، وهو يتيم، ومن كان أبوه حيا لا يعد يتيما، وإذا كانت الرضاعة أقصى مدتها فى الغالب حولان كاملان لمن يريد أن يتم الرضاعة، وقد أرسل إلى المراضع فى أولها أو بعد مضى وقت قصير من الولادة، فلا يمكن أن يسمى عند أخذه وأبوه حى يتيما، وإجماع الرواة على وصفه باليتم عندما أخذته حليمة التى أرضعته.
وإن الذى رجحه الرواة- وعليه الكثرة الكاثرة- أن أباه توفى وأمه حامل به. وقد قال ابن كثير فى تاريخه «والمقصود أن أمه حين حملت به توفى أبوه عبد الله وهو حمل فى بطن أمه على المشهور» .
وقد روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبى صعصعة، قال: «خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام فى عير من عيرات قريش، ففرغوا من تجارتهم، ثم انصرفوا فمروا بالمدينة، وعبد الله بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالى بنى عدى بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا.. فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفى ودفن.. فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وجدا شديدا، ورسول الله ﷺ حمل، ولعبد الله يوم توفى خمس وعشرون سنة» .
ويؤخذ من هذا الكلام أن رحلة عبد الله إلى التجارة كانت فور زواجه أو بعده بقليل كما توميء عبارة ابن كثير. وأن عمره يوم الوفاة كان خمسا وعشرين، وكانت رحلته بعد الزواج بقليل، ويستفاد من هذا أنّ الزواج كان بعد العشرين وقرب الخامسة والعشرين.
ولقد قال الواقدى فى وفاة عبد الله وكونه قبل ولادة ابنه الكريم: «هذا هو أثبت الأقاويل فى وفاة عبد الله عندنا» وهو المشهور، كما نقل الحافظ بن كثير رضى الله ﵎ عنه «١» .
стр. 94
ظواهر تعلن مكانته
٧٩- تكريم الله تعالى له ظهر وهو جنين كما رأيت. وظهر وأمه حامل به، وكأن وجوده على ظاهر الأرض كان أمرا خارقا للعادة، فى بركته على قومه برد أصحاب الفيل وكيدهم فى تضليل، وفى الحمل به، إذ لم يصبها شيء من أعراض الحمل الشاقة، وكأنه مر فى قلبها مرور الماء فى الميزاب، وإن طال حتى مدة الحمل.
ثم كانت الأمور تسير سيرا يدل على أمور ربانية أكنها الغيب لذلك المولود الجديد.
فأبوه يلقى وديعة الله فى امنة الصبور المطمئنة، وما كان الزواج إلا ليلقى هذه الوديعة، ويعزب عنها مسافرا مغتربا، وقبضه الله تعالى بعد أن ألقى هذه الوديعة، وكأنه خلق بما يشبه كلمة الله تعالى «كن فيكون» «١» .
وينزل من بطن أمه مكتملا، كأنه تجاوز السنة، وهو قد نزل فى المهد، لم يتناوله حجر النساء، فأمه الصادقة تقول أنه وقع على الأرض معتمدا على يديه كما نقلنا، وهو فى هذا شبه الساجد، وقال بعضهم أنه نزل جاثيا على ركبتيه.
وعندما ولد أرسلت أمه الكريمة إلى جده عبد المطلب تبشره بولد قد رزقه، فقالت فى رسالتها:
«قد ولد لك غلام فأت فانظر إليه» . وقد أضافته إليه مسرية له عن حزنه لموت ولده عبد الله الذى وجد عليه وجدا شديدا، فلما جاءها أخبرته بالولادة، وبرؤية صادقة تعددت روايتها مما يدل على مكانته، وبذلك سرّت عن نفس حميها، وهى الحزينة، ولكنها الصبور التى تواسى غيرها فى مصاب أبيه، ومصابها، وإن كان أعظم وأشق احتمالا ولكنه الان قد يسهل احتماله إذ وجد ما يعوض، وهو المولود الذى يسمو على كل الخليقة، وهو سيدها، وهو محمود الوجود، وهو حمد الكون وتسبيحه، وإذا كان الله تعالى قد أعطى به البركة على قومه، فقد كانت إرهاصات التكريم تبدو وهو جنين أيضا فى بطن أمه. لقد رأت أمه فيما يرى النائم رؤيا صادقة، والرؤيا إلهام من الله تعالى، أو توجيه منه سبحانه يشعر بها من تصفو نفسه، وله اتجاه روحى، ورأت حين حملت به كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وقد ورد ذلك فى حديث عن رسول الله ﷺ صحيح النسبة.
قد ذكر ابن إسحاق أن كانت تحدث أنها أتيت حين حملت به فقيل لها: «إنك حملت بسيد هذه الأمة، فاذا وقع إلى الأرض فقولى:
أعيذه بالواحد ... من شر كل حاسد «٢»
ثم سميه محمدا..
стр. 95
وقد يقول قائل، وكيف نثبت التكريم بالرؤيا وقد تكون أضغاث أحلام، وهى لا تثبت شيئا، فنقول فى الإجابة عن هذا السؤال العارض، إن الرؤيا الصادقة تشبه الإلهام أو كأنها وحى، أو هى جزء من الوحى كما روى عن النبى ﷺ أنه قال: «الرؤيا الصادقة جزء من أربعة وأربعين جزا من النبوة» وثبت فى الصحاح أن أول ما جاءت به إرهاصات الوحى كانت الرؤيا الصادقة «فما كان يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» .
هذا ما تقوله الحقائق الدينية فى الرؤيا الصادقة، ويقول الذين يتكلمون فى الأرواح فى هذا الزمان أن الرؤيا الصادقة سبحات روحية فى الملكوت الأعلى.
وإنه بلا ريب هناك فرق ثابت بين الرؤيا الصادقة وأخلاط الأحلام التى تكون صورة لحال مادية أو عصبية للنائم، كتخمة تصيبه من كثرة الطعام، أو أن يكون مخمورا، أو أن يكون مضطرب الأعصاب، أو مضطرب النفس، أو مشغولا بأمر من أمور المادة أو الشهوة، فإن هذا يكون أخلاطا لا تخبر عن شيء، ولا يصدق فى شيء، وهى التى تسمى أضغاث أحلام، والتى لا يكون لها تأويل، ولا يعبرها خبير.
وإذا كان من الناس من ينكر الرؤيا الصادقة، ويكذب الأحلام بإطلاق، ويقول أنها صورة للعقل الباطن، فذلك لأنه لا يمكن أن يدرك معنى الرؤيا الصادقة، إذ لم يجربها، لأن الله تعالى لم يؤته قوة روحية ولم يؤته طاقة نفسية يستطيع أن يتغلب بها على خواطر اللذات والشهوات وهو لا ينام إلا مخمورا، أو مبطونا، أو تكون نفسه واقعة فى الأهواء والشهوات، فيكون ليله كنهاره، ونومه كصحوه، وحياته كلها صورة للمادة فى النوم واليقظة على سواء.
٨٠- وترى من هذا الكلام الذى سقناه من بشارات التكريم فى منام أمه البتول الطاهرة الصبور أن تسميته محمدا ﷺ ، كان بأمر من الاتى الذى أتاها فى هذه الرؤيا.
وقد توافقت مع رؤيا أخرى راها سيد قريش عبد المطلب الذى كان قد اشتهر بالنسك فى قومه، وإن لم يكن نسكا فيه حرمان، بل نسك فيه ما يجمل بالمروءة، وقد كان صادق الرؤيا، قيل لعبد المطلب:
لم سميته محمدا؟ فقال شيخ قريش الطيب: «أنه رأى فى منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف فى السماء، وطرف فى الأرض، وطرف فى المشرق وطرف فى المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها» .
стр. 96
وأراد عبد المطلب أن يعرف مدى هذه الرؤيا التى راها، فسأل من يعبر له رؤياه، فقيل له إنه يكون مولود من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض «١» . اجتمعت رؤياه، ورؤيا الأم الرؤم التى قصتها على الجد الكريم عندما بلغت بالمولود الذى بلغته بأنه مولوده فارتضى الاسم الذى أفهمت به رؤيا الأم وهو محمد.
صلوا عليه وسلموا تسليما ... فالله قد صلى عليه قديما
وحباه بالخلق العظيم فأبشروا ... يا مادحين لذاته تكريما
لم يكن هذا الاسم معروفا عند العرب، ولقد ذكر علماء السيرة أنه لم يسم به أحد فى الجاهلية إلا ثلاثة تسموا بهذا الاسم فى عصر ولادة النبى ﵊.
وقد قال صاحب كتاب الروض الأنف فى ذلك: «لا يعرف من تسمى بهذا الاسم قبله ﷺ إلا ثلاثة طمع اباؤهم حين سمعوا بذكر محمد ﷺ وقرب زمانه، وأنه يبعث فى الحجاز أن يكون ولدا لهم. ذكرهم ابن فورك فى كتاب الفصول، وهم محمد بن سليمان بن مجاشع جد الفرزدق الشاعر، والاخر محمد بن أحيحة الجلاح، والاخر محمد بن حمران بن ربيعة. وكان اباء هؤلاء قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبى ﷺ ، وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملا، فنذر كل واحد منهم إن ولد له ولد سماه محمدا.
سقنا هذه القصة لنثبت منها ندرة الذين سموا ولدا لهم محمدا، إذ لم يكن معروفا ذلك الاسم عند العرب، ونكاد نوافق على حصر العدد فى ثلاثة، وإذا فرض وكان أكثر فإنه لا يتجاوزه بكثير، سواء أصح السبب الباعث على التسمية أم لم يصح، فإن تلك التسمية لم تعرف إلا قرب مولد النبى ﷺ ، وإنا نميل إلى صدق هذا الباعث لأن التبشير برسول اسمه أحمد كان معروفا فى أوساط أهل الكتاب اليهود والنصارى، وإن أنكر أكثر اليهود رسالة محمد ﷺ ودعوته لهم: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ «٢» ، وَجَحَدُوا بِها، وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ «٣» .
وقد اختيرت هذه التسمية من الله تعالى، ولنذكر إشارة إلى ما فى هذه التسمية من معنى يفهم بمقتضى قراءة اللغة، ذلك إن صيغة التفعيل تدل على تجدد الفعل وحدوثه وقتا بعد اخر بشكل مستمر متجددا انا بعد ان، فيقال إذا تكرر ذلك الفعل. وعلى ذلك يكون محمد أى يتجدد حمده انا بعد ان بشكل مستمر حتى يقبضه الله تعالى إليه. وذلك لأنه تكون منه فعال الخير المتجددة وقتا بعد اخر، فهو
стр. 97
لاينى عن فعل الخير الذى يقتضى ثناء وحمدا، ولا عن قول الصدق الذى يقتضيه، ولا عن الجهاد فى الحق الذى يستمر عليه إلى أن ينشر الحق وهو شرع الله تعالى ويخلد إلى يوم القيامة.
وكان من أسماء النبى ﷺ أحمد- وهو الاسم الذى بشر به فى الإنجيل، وبشر به موسى ﵇، وهو أفعل تفضيل من الحمد والثناء، فهو كثير الحمد، وكثير الثناء والذكر لله تعالى.
ولعله لم يكن التبشير فى الإنجيل وعلى لسان موسى ﵇ إلا بأحمد، إلا لأنه اشتهر بذلك فى حياته وخصوصا بعد أن بعث، وكثرت دعوته، ولأنه اسم لا يشاركه فيه أحد، ولو نادرا، فيكون التبشير متجها إليه.
تاريخ مولده:
٨١- الجمهرة العظمى من علماء الرواية على أن مولده ﵊ فى ربيع الأول من عام الفيل فى ليلة الثانى عشر منه، وذلك لأن الفيل وجيشه ساروا إلى مكة فى المحرم، وولد النبى ﷺ بعد مقدم الفيل بخمسين يوما، وبذلك أجمع الأكثرون على أنه ولد بعد مساورة جيش أبرهة بخمسين يوما.
وقد وافق ميلاده بالسنة الشمسية نيسان (أغسطس) «١» ، فقد ولد فى العشرين منه، وقد جاء ذلك فى الروض الأنف فقد قال: «ذكر أن مولده ﵊ كان فى ربيع الأول وهو المعروف، وقال الزبير كان مولده فى رمضان، وهذا موافق لمن قال أن أمه حملت به فى أيام التشريق، والله أعلم.
وذكروا أن الفيل جاء مكة فى المحرم، وأنه ﷺ ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يوما، وهو الأكثر والأشهر ... وأهل الحساب يقولون وافق مولده من الشهور الشمسية نيسان (أى أغسطس) فكانت لعشرين مضت «٢» ويلاحظ هنا أمران:
أولهما: أن هناك رواية تقول أنه ولد فى رمضان، وأنه على مقتضى هذه تكون البعثة فى رمضان، وأول نزول القران، وأول نور الإسلام ظهر على وجه الأرض فيه بمولد محمد ﷺ ، وفيه يوم الفرقان إذ جعل الله تعالى كلمة الشرك السفلى وكلمة التوحيد هى العليا، وفيه زوال دولة الأوثان ويأس الشيطان من أن يعبد فى هذه الأرض بفتح مكة المكرمة، وطرح الأوثان من فوق ظهرها، وحطمها.
ولولا أن هذه الرواية ليست هى المشهورة لأخذنا بها، ولكن علم الرواية لا يدخل الترجيح فيه بالعقل.
стр. 98
ثانيهما: أن صاحب الروض الأنف يذكر فيما نقلنا أن الأشهر أنه ولد بعد خمسين يوما من قدوم جيش أبرهة، ولكن هناك قول اخر مشهور وهو أنه ولد بعد خمس وخمسين، كما فى رواية أبى جعفر محمد الباقر، إذ يذكر أن الفيل قدم فى النصف من المحرم، فيكون المناسب لليلة الثانية عشرة هو أن يكون قد مضى خمسة وخمسون ليلة «١» .
وإن ذلك يتفق من التقدير الشمسى بعشرين من نيسان، ولذلك نختار هذا إذا كانت روايته وثيقة، وإن ذلك الاختلاف اليسير فى ليلة مولده ﵊ لا يضر لأنه ﵊ وجد وشاهد الوجود الإنسانى وكان شهيدا على أمته حفيظا على شرعها، يشهد للمؤمنين بشرعه ويشهد على العصاة الخارجين، وأمته شاهدة على الناس بالحق، تبين للمنحرفين، وتهدى السالكين.
وروايات الميلاد جاءت على ألسنة من عاصروها، وما يعتمد على المشاهدة أو المعاصرة قد يختلف فيه العلم، فيذكر كل إنسان ما يعلم، وإن كانت الحقيقة لا تختلف، والمؤرخ يتعرفها من وراء الاختلاف اليسير، والله هو العليم.
إرهاصات النبوة يوم مولده:
٨٢- وضعت امنة الطاهرة حملها الطاهر الذى لم يثقل، فأضاء الوجود ببزوغ شمس هذا الوجود، وقد ذكرت الروايات فى كتب السيرة أمورا كثيرة ظهرت غب ولادته، أو قارنت الولادة:
(أ) فقد قالوا أنه خرت الأصنام، وتزايلت عن أماكنها، وتمايلت على وجوهها، لأنه جاء هادمها، وليس ذلك منها بإرادة، ولكنها بإرادة القاهر الحاكمة على كل شىء.
(ب) ظهر النور حتى أضاء قصور الشام.
(ج) جاء فى سيرة ابن اسحق «كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت كان يهودى قد سكن مكة يتجر فيها، فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال فى مجلس قريش: يا معشر قريش. هل ولد فيكم الليلة مولود، فقال القوم: والله ما نعلمه، فقال: الله أكبر أما إذا أخطأتم فانظروا واحافظوا ما أقول لكم، ولد هذه الليلة نبى هذه الأمة الأخير بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات» .
وروى ابن إسحاق عن حسان بن ثابت «قال إنى لغلام تبعة ابن سبع سنين أو ثمانى سنين، أعقل ما رأيت وسمعت، إذا بيهودى فى يثرب يصرخ ذات غداة يا معشر يهود فاجتمعوا إليه وأنا أسمع، قالوا: ويلك مالك، قال قد طلع نجم أحمد الذى يولد الليلة» .
стр. 99
وحسان بن ثابت قد ولد قبل النبى ﵊ بسبع سنين فإنه كانت سنه عند هجرة النبى ﵊ إلى يثرب ستين سنة، والنبى ﷺ كانت سنه ثلاثا وخمسين.
وهكذا تواردت أخبار من جهات مختلفة عن اليهود بأنهم أدركوا مطلع ولادة النبى ﵊، ونحن نؤمن بأن اليهود كان عندهم من علم التوراة ما يجعلهم يعلمون أن النبى الأمى سيبعث من العرب، وكانوا يستفتحون به على المشركين الذين كانوا يجاورونهم فى المدينة، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «١» .
(د) ذكر مخزوم بن هانيء المخزومى أن إيوان كسرى ارتجس ليلة مولد النبى ﷺ ، وسقطت منه أربع عشرة غرفة، وخمدت نيران فارس التى يعبدها المجوس، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة.
ورأى أحد رجال كسرى فى منامه أن إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة والفرات فى بلاده، فلما قص الرؤيا على كسرى أفزعه، فتصبر وإن لم يصبر، فجمع كبار دولته وقال لهم: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ قالوا: لا إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد إليهم كتاب بخمود النار، ثم أخبرهم بما رأى أحد رجاله وبما هاله وقد تأولوا هذه الرؤيا، وخمود النيران بأن حدثا يكون من بلاد العرب.
٨٣- ونقف وقفة قصيرة، أمام هذه الروايات التى تواردت من مزايلة الأصنام عن أماكنها وتمايل وجوهها، وإضاءة الضوء ساعة مولده، وارتكاس إيوان كسرى، وخمود نار فارس التى لم تخمد منذ ألف سنة، فنقرر أن العبرة فيها بصدق الرواية لا بكون هذه الأخبار مقبولة فى العقل فإن حكم مؤرخ بعدم صدق الرواية رددناها.
ونقول فى الرواية أن المحققين فى علم الرواية لم يجدوا مساغا لتكذيبها فإن الحافظ بن كثير يروى فى هذا روايات كثيرة يعلن شكه فى صدق بعضها، ويسكت عن سائرها، وقد نقلنا ما لم يشك فيه، فحق علينا أن نقبل منها ما قبل، ونرد منها ما ذكر أن فيه ريبا، وخبر الصادق يقبل، مادام لم يعرف عليه كذب، والأحكام تبنى على أخبار الصادقين، ولو كان فيها احتمال الكذب لأنه احتمال غير مبنى على دليل، ومجرد الاحتمال لا يمكن أن يكون سببا لرد أقوال الصادقين، وإلا ما حكم قضاء، ولا أدين متهم، ولا ثبت حق، ولا دفع باطل، ولذلك لا يسعنا الا أن نقبل ما لم يجر فيه طعن.
وأما من ناحية قبول العقل، فإنا قد بينّا أن خوارق العادات تجىء بتقدير الله تعالى الذى لا يتقيد بالعادات ولا بما يجرى بين الناس من أسباب ومسببات، فإنه خالق الأسباب والمسببات، فقد يكون الرجز والمحق والخسف والزلزال لفساد قام به بعض الخلق، وذكرنا الايات الدالة على أن الله تعالى يلقى
стр. 100
بالنعم على من يتقى ويعمل صالحا وقد تلونا من قبل قوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «١» وذكرنا أن الرجز والعذاب قد يكون بسبب فساد ارتكبه بعض الأقوام، كما أنزل الله تعالى من الرجز على فرعون وملئه، بما كانوا يفسدون فى الأرض.
فالذين يدعون أن هذه الأخبار غير مقبولة فى العقل، إنما ينظرون إلى الأسباب والمسببات العادية التى تجرى فى أعمال بنى الإنسان، ولو علوا بأنظارهم إلى ما فى الكون من كسوف وخسوف وما فى الرياح من مثيرات، وما فى الأرض من زلزال وخسوف ما وجدوا لذلك تعليلا إلا أن تكون إرادة الحكيم العليم القاهر فوق كل شيء الذى لا يسأل عما يفعل، وأنه يفعل ما يفعل لحكم يريدها، ومصالح يقدرها، وقد ربطها بأمور يعلمها، وهو علام الغيوب، وتقديره هو تقدير العليم الخبير.
وإذا كان الله تعالى قد أراد الكرامة لمحمد ﷺ وأراد أن يعلم من يطيفون به من أهل وقوم ما كرمه الله تعالى به، وهو سينادى بالحق، فإن ذلك هو المعقول، وغيره هو المردود، لأنه مخالف لما قدره الله تعالى لهذا الإنسان الذى سيعلم الإنسانية كلها.
٨٤- ولا يصح لعاقل أن يقول أن هذه أوهام سيطرت، وخيالات خيلت، وظنون ظنت، لمجرد أنها خالفت مجارى العادات، وما ألف الناس فى كل مولود، فليس ككل مولود.
ومع ذلك فنحن نرجح صدقها، ولا نلزم الناس بالإيمان بها، فليس من الإيمان أن نؤمن بأن إيوان كسرى ارتجف، ولا النار خمدت، ولا أن الوجود قد استنار عند ما شرف هذا الوجود، لأن هذه الأمور ليست جزا مما دعا النبى ﷺ إلى الإيمان به، إذ أن ما يجب الإيمان به هو ما دعا إليه، وما تكلم به عن الله ، وما نطق به القران الكريم، وحكم به الديان.
ولو رجعنا إلى ما كتبته الأناجيل الحاضرة فى مولد عيسى ﵇ وما ألزمت الأناجيل به النصارى الذين يؤمنون بهذه الأناجيل التى يزعمون صدقها- لوجدنا أن ما تذكره السيرة النبوية لا يعد شيئا كثيرا بالنسبة لما ذكرته الأناجيل وأوجبت الإيمان به، ولنقبض قبضة يسيرة مما جاء فى هذه الأناجيل وما زعمته بالنسبة لولادة المسيح ﵇:
(أ) جاء فى إنجيل متى فى الإصحاح الثانى أنه لما ولد يسوع المسيح ظهر نجمه فى المشرق، وبواسطة ظهور نجمه عرف الناس محل ولادته.
стр. 101
(ب) وجاء فى إنجيل لوقا فى الإصحاح الثانى: لما ولد يسوع المسيح رتل الملائكة فرحا وسرورا، وظهر من السحاب أنغام مطربة.
(ج) وجاء فى ولادة المسيح أيضا فى أحد الأناجيل، لما ولد يسوع المسيح أضيء الغار بنور عظيم أعيا بلمعانه عينى القابلة، وعينى خطيب أمه يوسف النجار.
(د) وجاء فى إنجيل لوقا الإصحاح الثانى «وعرف الرعاة يسوع، وسجدوا له» .
(هـ) وجاء فى إنجيل متى الإصحاح الثانى أيضا «ولما ولد يسوع فى بيت لحم اليهودية فى أيام هيرودس الملك، إذ المجوس من الشرق قد جاؤا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود من اليهود» .
هذه قبضة مما عند النصارى فى أناجيلهم، ولا شك أن ما يذكر عند ولادة الرسول من أخبار صادقة هى دون ما يذكره هؤلاء عن مولد عيسى ﵇.
وإنه من الحق أن نقرر أن الفارق بين ما يقولون فى مولد عيسى ﵇ وما يقوله الرواة الصادقون من ناحيتين:
الأولى- أن ما يذكر فى الأناجيل عن حال عيسى ﵇ أكثر غرابة، وما يذكر لنبينا ﵇ أقل غرابة بكثير.
الناحية الثانية أننا لا يجب علينا دينا وإيمانا أن نذعن لهذه الأخبار وإن كانت صادقة، ولكن المسيحيين يعتقدون صدق ما فى أناجيلهم، من لم يصدقها يكون كافرا بها.
وإذا كان ذلك هو الحق الذى لا ريب فيه، فليس لأحد من الذين كتبوا فى النبى ﵊ أن يثيروا غبارا حول ما ذكر عند ولادته ﵊. وإلا فعليهم أن يثيروا عثيرا بل أكواما من التراب، حول ما قيل عند ولادة السيد المسيح ﵇، ولكن رضى الله عن عبد الله بن عباس الذى يقول: إن الإنسان يرى الشظية فى عين أخيه، ولا يرى الخشبة فى عينه هو، وما ذلك إلا لعدم الإنصاف.
стр. 102
إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم
٨٥- الغذاء الأول للجنين بعد ولادته هو الرضاعة، والرضاعة تكون من الأم، لأن لبنها يسير مع نموه سيرا مطردا، فكلما كبر الغلام فى المهد كبرت دسامة اللبن، حتى يستغنى بالغذاء، ولذلك كانت الرضاعة من الأم أولى المطلوبات من الأمومة، فقد قال تعالى فيما شرع من أحكام: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ «١» فكان بمقتضى الفطرة أن تكون امنة الأم الرؤم هى التى تتولى إرضاعه. ولكن كان لابد من وجود من يعينها بلبنه، فقد أرضعته معها ثوبية وهى جارية لأبى لهب عم النبى ﷺ ، وقد ناوأه العداوة لما بعث رسولا ورحمة للعالمين، ولكن قد كان محبا لأخيه عبد الله، ولابنه النبى الكريم محمد، وكانت ثوبية أول من أعلم أبا لهب بولادة ابن أخيه محمد، فأعتقها لهذه البشرى الكريمة، وكان هذا له خيرا يحتسب، ولكن أخفاه كفره، وانضمامه إلى المخالفين المؤذين للنبى ﵊، وضعفاء المؤمنين.
أعانت ثوبية امنة فى إرضاعه، وقد أرضعت أيضا حمزة بن عبد المطلب، وقد كان هذا سببا من الأسباب التى من أجلها طلب عبد المطلب لمحمد المراضع.
وعلى ذلك نقول إن طلب المرضع للنبى ﵊ من مراضع البادية له أسباب ثلاثة:
أولها: عدم كفاية لبن أمه لتغذيته، ولعل من بعض أسباب ذلك ما نالها من حزن دفين عميق صبرت عليه من غير تصبر، وهو موت زوجها الحبيب الطيب، ولم يزله ألم قريش كلها لوفاته وأ لم أبيه وأ لم إخوته، وإن خففته فإن المشاركة فى الأسى تخففه ولا تزيله.
ثانيها: أنه كان من عادة أشراف قريش أن يعطوا أولادهم للمراضع فى البادية، ولا يرضع نساؤهم، كما هو ظاهر الان في كبراء الحضر أو ذوو اليسار فيهم، فإنه لا يرضع نساؤهم الأولاد، وإن كانوا لا يرسلونهم إلى الريف.
ثالثها: أن الغلمان إذا رضعوا فى البادية اكتسبوا غذاء طيبا، وهواء ليس معكرا بما فى جو المدر، فأهل الوبر أقرب إلى الهواء النقى النظيف من أهل المدر.
стр. 103
ولقد قال فى هذا صاحب الروض الأنف، وأما دفع قريش وغيرهم من أشراف العرب أولادهم إلى المراضع، فقد يكون ذلك لوجوه أحدها تفريغ النساء إلى الأزواج ... وقد يكون ذلك منهم لينشأ الطفل فى الأعراب، فيكون أفصح للسانه، وأجلد لجسمه ... وقد قال ﵊ لأبى بكر حين قال له: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله، فقال: وما يمنعنى وأنا من قريش، وأرضعت فى بنى سعد. فهذا ونحوه كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات، ليتربوا على تحمل الأجواء، ويتنسموا نسيم البادية، ويعرفوا عاداتها، ويخشوشنوا بخشونتها، ولا ينشئوا فى حلية المدينة، غير متعرضين لما تقتضيه الحياة من تحمل الأعباء، وما تفرضه مقتضياتها من شدائد ليكون منها الأشداء.
٨٦- جاءت المراضع إلى مكة من بنى سعد بن بكر يردن الرضعاء يرضعنهم. وكان من عادة العرب ألا تأخذ المرضع أجرا على الرضاعة، وإن كن يقبلن من ال الطفل الهدايا والرعاية. فتسد بعض حاجاتهم، ويرين من العار أن يكون لهن أجر منتظم، وسرى بينهم المثل السائر «تموت الحرة، ولا تأكل من ثديها» .
ومنهم كما جاء فى الروض الأنف من كن يقبلن الأجرة، إذا ألحت بهن الحاجة.
ولقد كان محمد يتيما لم يترك أبوه شيئا يعد ثروة، فقد ترك خمسة جمال، وبعض الشياه، وأمة اسمها أم أيمن التى حضنته بعد وفاة أمه الكريمة فكان يتيما فقيرا.
وقد حضرت المراضع ترجو أن يعهد إليهن بمن يرضعنه راجيات من هذه الرضاعة الهدايا أو رضخا من المال، لا أجرة يؤجرن بها أثداءهن، فإذا كن يرجون، فإنهن لا يرضعن إلا أولاد ذوى اليسار، ولذلك أعرضن عن اليتيم الفقير، وبذلك خرج كل المرضعات بطفل من ذوى اليسار، إلا حليمة بنت أبى ذؤيب، وكان زوجها معها، واسمه الحارث بن عبد العزى بن رفاعة.
وكانت المرضعات كما قال الواقدى عشرا كلهن عاد بالأولاد إلا حليمة، فلما رأتهن جميعا أخذن أطفالا، ولم يبق إلا اليتيم الطاهر محمد بن عبد الله، أخذته راجية الخير، وإن لم ترج العطاء، ولنتركها تحدثنا كيف قبلته، فإنها تصور لنا طيب نفسها، وما أفاضه الله تعالى عليها من خير بسبب بركة اليتيم الكريم، فهى تقول:
стр. 104
٨٧- «فى سنة شهباء لم تبق لنا شيئا خرجت على أتان لى قمراء معها شارف «١» . كانت والله ما تبض «٢» . بقطرة، ولا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذى معنا من بكائه من الجوع، ما فى ثديى ما يغنيه، وما فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمت «٣» بالركب، حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما معنا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ ، فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أننا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى، فكنا نقول ما عسى أن تصنع أمه وجده!!
فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى.
فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم اخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فلاخذنه.
قال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره.
فلما أخذته رجعت إلى رحلي، فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، حتى ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك.
وقام زوجى إلى شارفنا فإذا إنها لحافل.
فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة.
قلت: والله إنى لأرجو ذلك، ثم خرجنا، وركبت أتانى وحملته عليها معي، فو الله لقطعت بالركب ما يقدر على شيء من حميرهم، حتى أن صواحبى ليقلن: يا بنت أبى ذؤيب ويحك، اربعى علينا، أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها. فأقول لهن: بلى والله إنها لهى.
قالت: ثم قدمنا منازلنا من بنى سعد، ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت والله، غنمى تروح عليّ حين قدمنا به معنا- شباعا لبنا، فنحلب ونشرب منها.. حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم، ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمى شباعا لبنا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير.
стр. 105
٨٨- إذا كان محمد قد أقدم باليمن والبركات على أهل مكة، يرد أبرهة وفيله، وجيش اليمن مدحورين، عادوا، فبركته بعد ولادته تسير معه حيث سار. لقد رضيت باليتيم، وصاحبها قبله، وكلاهما طيب النفس مطمئن القلب. مستعين بالله تعالى قانع بما يعطيه، فجزاها الله تعالى جزاء حسنا فأطعمهم من جوع، ودر عليهم الأثداء الجافة، فأضاف إلى لبنها لبنا كفاه هو وصبيها وأخصب كلؤهم بعد إجداب، وامتلأت أضراع غنمها، فكان الخير العميم والفضل العظيم.
وقد يسأل سائل: لم كان هذا، ويستغرب، ولكن لا غرابة لمن يؤمن بالله تعالى فإن له تقديرا فوق تقدير العباد، ونظاما فوق نظامهم، ولماذا يستغرب من لا يؤمن إلا بالمحسوس، ويربط بين الأسباب العادية ومسبباتها.
وإن الذى نقف عنده هو أن هذا الغلام الذى صنعه الله على عينه، ولد يتيما، ولكن لم يذق قهر اليتامي، ولا ذل اليتيم، بل كان بين أحضان من يحبونه، فأول حواضنه أم رؤم لم تر فى الوجود نورا إلا نوره، وغمرها حبه، وغمرته بعاطفتها، فكان كل حبها له، لم يشركه فيها زوج إذ فقدته فال حبه إليه، فكان له صفوا خالصا، لم يرنق بشركة، والتقى فى عاطفتها حب لزوج كريم لم تنعم برفقته، وابن حبيب محبب فيه كل ما فيه، وكانت الحاضنة الثانية أم أيمن التى كانت ميراثه من أبيه، أحبته كما تحب الأم ولدها وكانت له بعد أمه رفيقة به أضافت إليه من حنانها ما عوضه، وإن لم يكن العوض كالأصل، ولا البديل كالبدل.
ثم كانت الحاضنة الغربية التى صارت برضاعه أما كأمه، خلق فيها رب العالمين محبته، وجعله يمنا وبركة لترى فى محبته حب الله، ولترى فى عاطفتها عليه رزق الله تعالى.
والحواضن الطيبات الطاهرات هن اللائى يدر منهن العطف الإنسانى، فمنهن يتلقى العواطف الاجتماعية والأنس الإنسانى، ولذلك نشأ محمد ﵊ إنسانا محبا يألفه كل من يعرفه.
وإذا كان قد فقد الأب، فقد قيض له الجد، وإذا كان قد فقد الأم فى باكورته، فقد تغذى من عطف أم أيمن، واستقى منها أكرم العواطف، وهذا كله فوق ما أودعه الله إياه من خلق كريم عظيم.
٨٩- أخذت حليمة ترضعه حولين كاملين، وهو فى حضنها مع ولدها لا يفترقان، لا تضن عليه بعطف ولا محبة، ولا تخص ابنها بفضل منهما بل هما على سواء.
فما بلغ الحولين حتى استغنى عن اللبن وأخذ فى الغذاء حتى كان غلاما جفلا، أى قويا ممتلئا يستغنى بالطعام. ولم يذكر التاريخ أكانت تلتقى به أمه، أم تركته إلى البادية مطمئنة عليه!!، ولكن إذا كان
стр. 106
التاريخ لم يذكر أنها رأته، فلنفرض أنها كانت تراه من وقت بعد اخر، وإذا كان التاريخ لم يذكر الرؤية، فإن أقصى ذلك أنه لم يثبتها، ولم ينفها، فالفطرة والحنان يوجبانه، وهما أصدق خبرا، ولذلك نقرر أنها لابد كانت تراه من حين لاخر «١» .
وأنه بعد أن استغنى عن الرضاعة، وبلغ فيها حولين كاملين، يكون من الحق على المرضع أن ترده إلى أهله، وإذا كانوا يرون أن يبقى عندها فإنه يكون برجاء منها، ورضا منهم، وهذا ما فعلته، فقد قالت:
قدمنا به على أمه، ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه، قلت لها: دعينا نرجع بابننا هذه السنة الاخرى، فإننا نخشى عليه وباء مكة. فو الله مازلنا بها، حتى قالت: نعم.
رأت الخير بين يديه، فأرادت أن تبقيه ليبقى الخير، ولأنه قد نال محبتها، وأصبحت لا تستطيع فراقه كأنها التى حملته، ولم ترض الأم التى حملت به أن تتركه لشوقها إليه، ولتضمه أحضانها، فلم تسلمها ولدها لأول طلب، بل مازالت بها حتى قبلت، ولعل قبولها سببه ما ذكرته من أنها تخشى عليه وباء مكة، وتريده أن يكون مستمتعا بجو الصحراء الصافى من حمل الأسقام والأوباء فهى قد رضيت إيثارا ومحبة.
اخبار شق الصدر
٩٠- عادت حليمة فرحة ببقاء الخير والبركة ببقاء محمد فى حضانتها، وإذا كانت من قبل مرضعا وحاضنة فهى الان حاضنة، وإن ذلك يحملها عبئا اخر، وهو صيانته وحفظه، إذ كان من قبل يلازم حجرها، أو يكاد، أما الان فإنه لا يلازم حجرها، بل يغادره ليلعب، ليروح ويغدو، هنا وهناك، وإن ذلك يحتاج إلى صيانة.
وكانت تتبعه وقد خرجت مرة لتبحث عنه مع أخته من الرضاعة، وكان الحر شديدا، فتقيل كلاهما، (أى استرخى فى القيلولة) فقالت الفتاة، إنه لا يحس بحر، لأن غمامة تسير حيث يسير، وتقف حيث لا تتركه.
ونقف وقفة قصيرة عند الأخبار الواردة فى شق صدره ﵊، فقد رويت فى ذلك أخبار بعضها فى خبر قصير، وبعضها فى خبر طويل، ولا تخلو من زيادة فى بعض، ونقص فى اخر، وإن كان المعنى الأصلى متفقا فى الجميع.
стр. 107
ولنذكر واحدا منها، وهو ماروى وثبت فى صحيح مسلم عن طريق حماد وابن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه وصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، واستخرج منه علقه سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعنى، ظئره، فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه، وهو ممتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى ذلك الخيط فى صدره» وإننا نلاحظ فى ذلك الخبر أمرين:
أولهما: أن الخبر فيه أنه غسله بماء من زمزم، ويلاحظ أن الواقعة إن صحت كانت فى البادية فى مكان ناء عن زمزم، وإذا كان من ماء مع جبريل، فمن أين علم أنه من زمزم.
ثانيهما: أنه ذكر أنه كان يرى أثر الخيط فى صدره ﵊، وإذا صحت الواقعة فإن المعقول أنه عمل ملك، والملك لا يكون لعمله أثر محسوس.
ونحن نرى أن الأخبار بالنسبة للشق لا تخلو من اضطراب.
وعلى فرض أنها صحيحة، لا نقول أنها غير مقبولة، بل إنا نقبلها إن صحت، ولكن الاضطراب فى خبرها، يجعلنا نقف غير رادين، ولا مصادقين.
ومهما يكن الأمر فى قصة شق البطن، فإن الغلام الطاهر كانت تحوطه أمور خارقه للعادة لم تكن لتحدث للغلمان فى سنه عادة.
ولقد جاء فى الروض الأنف أن محمدا ﷺ عندما عادت به حليمة بعد أن حملت أمه على الرضا ببقائه عندها سنة أخرى أعادته بعد شهر أو ثلاثة خوفا عليه مما يجرى، ولقد ذكر الرواة حديث شق البطن، وأنها لما بلغها خافت على الغلام فردته إلى أمه.
قال ابن إسحاق أنها رأت أن بعض النصارى رأوه، ورأوا ما به من علامات النبوة، فطلبوا إلى حليمة أن يأخذوه عندهم فارتابت فى ذلك حليمة فردته إلى أمه خائفة عليه، ولتخلى نفسها من التبعة، وسنزيد من بعد الخبر بيانا.
٩١- هذا الكلام يدل على أنه ال إلى أمه بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من السنة الثالثة، وهو معقول لأنه لا رضاعة من بعد ذلك، والأحوال كانت توجب هذا، لما كان يصيب أمه الرضاعية من خوف عليه، بسبب الإرهاصات التى كانت تحوم حوله مما أفزعها. ولكن جاء فى الروض الأنف ما نصه:
стр. 108
«وكان رد حليمة إياه إلى أمه، وهو ابن خمس سنين وشهر فيما ذكر أبو عمرو، ثم لم تره بعد ذلك إلا مرتين إحداهما بعد تزوجه خديجة رضى الله تعالى عنها، جاءت إليه تشكو السنة، وإن قومها قد استنوا، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرين، والمرة الثانية يوم حنين» .
وإن هذين بلا شك خبران متناقضان: أحدهما يفيد أن أمه تسلمته عند بلوغه سنتين وشهرين أو ثلاثا، والثانى يقرر أنها تسلمته بعد خمس سنين وأشهر.
ولكن التوفيق بينهما ممكن بأن أخذها الأول لتضمه إليها، ويكون فى كنفها، ولا يمنع ذلك من أن تجئ حليمة إليه تأخذه عندها الفينة بعد الفينة، يستروح بنسيم الصحراء. وتتيمن به ظئره المخلصة العطوف، أما حد التسليم بخمس سنين، فهو عندما أخذته نهائيا أمه، ولم يذهب بعد إلى بنى سعد.
ولذلك قرروا أنها لم تره بعد ذلك إلا بعد أن اكتملت رجولته بتزوجه، وبعد أن أبلغ رسالته، وتذاكرت الركبان بنصرته فى يوم حنين، فقد دامت من بعد إقامته عند أمه، ورحلت به إلى يثرب لتريه قبر أبيه، ولتزوره هى وفاء لرجلها الطاهر الأمين.
لقد سلمته حليمة إلى أهله، وكان يتردد عليها برغبتها، وأجازه أهلها، وقد ذكر ابن إسحاق خبرين قد نوهنا إلى أحدهما، ولم نذكر الاخر، وقد كان السبب فى ألا يقيم عندها إقامة ممتدة، ولكن تأخذه الوقت بعد الاخر.
أولهما أن ابن إسحاق قدر أنه زعم الناس فيما يتحدثون أن حليمة ظئره لما قدمت مكة به ضلت وهى مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأمّت جده، فقالت له إنى قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكة أضلنى الناس فو الله ما أدرى أين هو؟ فقام عبد المطلب يدعو الله أن يرده، فوجده ورقة ابن نوفل بن أسد، ورجل اخر من قريش فأتيا به عبد المطلب، فقالا له: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فجعله على عنقه، وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه امنة.
وقد ذكر هذا الخبر بن إسحاق، وصدره بكلمة زعموا مما يدل على شكه، ولكن لا موضع للشك فيه، فالخبر فى ذاته مقبول، وهو يدل على عظيم حدب جده عليه، وحرص حليمة، ومحبة قريش له.
ولكن هل هذا كان فى تسليمها الأول، أو فى تسليمه فى المرات التى كان يتردد عندها، تيمنا لجواره وقربه منها، وقبول أمه لذلك ليستروح هواء البادية، وتتقى أسقامه بها.
стр. 109
الخبر الثانى قد أشرنا إليه من قبل، ورجحنا أنه السبب فى إعادته بعد شهرين من بلوغه حولين كاملين، وهذا نص كلام ابن إسحاق:
«حدثنى بعض أهل العلم: أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه أن نفرا من الحبشة نصارى رأوه حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه، وقلبوه ثم قالوا لها:
لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره. فزعم الذى حدثنى أنها لم تكد تنفلت منهم حتى أرسلته إلى أمه» .
سفر أمه به إلى يثرب:
٩٢- كانت امنة مثالا للمرأة الكاملة، وهى بعد لم تتجاوز العشرين إلا بقليل، فقد رأت أن تزور يثرب وهو معها هو وأم أيمن حاضنته بعد أمه الكريمة، وذلك لأمرين:
أولهما: أن تزور مع ولدها قبر أبيه، وفى ذلك أجل الوفاء، وأكرمه، وكأنها ترى زوجها وديعته التى أودعها إياها.
وثانيهما- أن تعرفه بقرابته من ذوى الأرحام، وهم بنو النجار، إذ تزوج منهم جده هاشم، تزوج سلمى بنت زيد بن عمرو الذى ينتهى بنسبه إلى عدى من نبى النجار، وكان بالمدينة ذا شرف ومال.
وقد تحقق لها ما أرادت، ولعل هناك باعثا اخر، وهو أنها كانت تخشى على وليدها العزيز جو مكة، ووباءه، فأرادت أن تخرج به من ذلك الجو المزدحم الأهل بالسكان، لقد كانت حليمة تأخذه من وقت لاخر، فينقى جسمه من جو مكة المتكاثف، وينال من جو البادية ما ينعش جسمه ونفسه، ويكون إرادته، ويكون فيه متصلا بالكون لا يحجبه عنه حاجب، ولا يحول دونه باب، بل هو متصل بالسماء وزرقتها والنجوم ومدارجها، والقمر وانبلاجه، فيرى الشمس سراج الوجود، والقمر منيره من غير استتار يمنعه، أو حاجز، يرى الشمس فى مشرقها، وضحاها، وأصيلها وغروبها، وشفق القمر إذ يضئ، فيشق ضوءه الظلمات وينبلج نوره، ويتغنى به الشعر، وفى ظله يتسامر المدركون لجمال منظره، ودلالته على الخلاق العليم.
سافرت به أمه لتزور قبر أبيه، وأخواله، ولتخرج به من مزاحم مكة، ومحاجزها، وهى أحب أرض الله إليها، ولكنه الوفاء، ورعاية الوليد الطاهر فى جسمه ونفسه، وأهله، ولتريه ذوى رحمه كما رأى عصبته.
стр. 110
والظاهر أنها خرجت به بعد أن أخذته من حاضنته ومرضعته بعد أن بلغ خمس سنين وأشهرا كما ذكرنا من قبل، أى أنه كان قد ابتدأ السادسة، وسار فيها أشهرا.
وقد زار أولئك الصفوة من الأخيار قبر عبد الله أبيه، والزوج الحبيب زوج امنة فعبرت العيون وسكنت الأصوات، وتناجت الأرواح على مشهد من الغلام المحس المدرك، فعرف أباه، وقد أرمس فى التراب، ورأى رمسه بنظره، وأدرك محبته من عبرات أمه، فكان منظرا مطبوعا فى نفسه، وهمسا مس قلبه ومشاعره، ولعله أول حزن مس قلبه الغض البريء.
أقام وأمه فى أطم بنى عدى بن النجار، وهو قصر بنى فى أكمة عالية كأنه الحصن، وقد كانت الأطم معروفة فى المدينة، ويظهر أن الإقامة لم تكن قصيرة، وربما كانت طويلة نسبيا، ومهما يكن فقد رسمت فى ذهن الغلام صورا وضحها الخيال ووسعها من غير مبالغة ولا إغراق عند ذكرها.
فيروى أنه قال، وقد راها بعد أن حمل أعباء الرسالة: «كنت مع غلمان من أخوالى نطير طائرا يقع عليه» (أى على أطم بنى النجار) . وقال فى الدار التى نزل بها هو وأمه: «ها هنا نزلت بى أمى، وفى هذه الدار قبر أبى عبد الله بن عبد المطلب» .
موت الطهور امنة:
٩٣- أقامت امنة بدار بنى النجار ما طابت لها الإقامة، ولم ترد الاستمرار بعيدة عن بنى هاشم وعن الجد الطيب عبد المطلب كافله، فكان لابد من العودة، فأخذت فى السير إلى مكة، ولكنها وهى عائدة إليها أدركها الموت بمكان اسمه (الأبواء) ، وهو بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، كما يقول صاحب الروض الأنف «١» . وبذلك صار محمد ﷺ يتيما من أبويه إذ ادخره الله تعالى للإنسانية هاديا بالحق، داعيا إلى الرحمة، فكان نبى الرحمة، لأن الرحمة بالناس تنبع من الالام الذاتية التى تعترض فى أثناء الحياة، فإنه لا تنبعث الرحمة بالضعفاء إلا ممن ذاق مرارة الضعف، وأى ضعف أشد من اليتم، وإن القسوة فى كثير من الأحيان تكون من الذين ينشئون فى الحلية فاكهين فى نعيم الحياة.
ولقد ماتت الأم الطاهرة، وهو يدرك الحياة، وقد ذاق حلاوة حنانها، ولطف عطفها، وهى التى كان هو لها كل الوجود، واستبشرت به، واتخذت حبه عوضا عن الحب الزوجى الذى فقدته فى باكورة زواجها، وإذا كان قد فقد أباه من قبل، فقد كان ذلك هو فى غيب الله المكنون، وقد عوضه جده