الشيطان، إن ضبط النفس أقوى مظاهر الصبر، والناظر إلى حياة محمد بن عبد الله ﵊ يراه منذ نشأته إلى بلوغه سن الشباب، إلى اكتمال رجولته يرى فيه إصرارا على خلق واحد، وعقيدة واحدة، يتزلزل كل شيء حوله، ولا يتزلزل، ولا يكون ذلك إلا من صبور.
لا تغريه جدة، ولا يجزعه فقر، لا يدفعه التكاثر حول تقديس الأوثان إلى الميل نحوها، ولا يحرضه التقليد للأقوياء على أن يخضع لصنم أو يقر له بسلطان، بل يدافع الاعتقاد فى الأصنام، يدافعه فى نفسه، ويدافعه فى مجتمعه، ويدافعه فى كل مظاهر حياته، غير متجانف لإثم، ولا راض عمن يخضعون به.
إن كل ذلك يحتاج إلى ضبط نفس، وضبط فكر، واستقامة نظر، وصبر عميق يتغلغل فى أطواء النفس، وثنايا الفؤاد، وكل هذا لا يكون إلا من صابر مصابر، يغالب الأحداث بالصبر، ويغالب الأعداء بعدم الفزع، إن الصبر أقسام يختلف كل قسم باختلاف موضوعه، والصدمات التى يلقاها الصبور.
[أقسام الصبر]
أولها- الصبر على النوازل
تنزل به، ومن نوازله نازلة الفقر، لا ترمض نفسه به، ولا يذل، ولا يخنع لذل الحاجة، بل يرضى بالقليل صابرا ساعيا جادا فى جلد ودأب حتى يمنعه الفقر من أن يتسرب لنفسه بالإحساس بالذل، أو بأن تذهب قوى النفس شعاعا من الاحتياج، وإن ذلك النوع من الصبر كان فى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فما ظهر منه ذل الاحتياج، بل كان حتى عندما تمد موائد الطعام، لا يكون أول من يمد ولا أكثر الغلمان تزاحما فيه، ولا تسابقا إليه، بل كان حريصا على ألا يفعل، ولو فاته الطعام.
القسم الثانى: الصبر على الحرمان من الأهواء والشهوات وقمعها .
وعلى دفع الخواطر الفاسدة، وعلى مقاومة ما تدعو إليه أحوال عبدة الأوثان لتحريم أمور حلال كتحريم السائبة والوصيلة والحامي، وكاستباحة المختنقة والموقوذة والنطيحة، وما كان منه شرب الخمر، وملاعبة بالميسر، واستقسام بالأزلام، فكل ذلك امتنع عنه محمد بن عبد الله ﵊، قبل أن يبعثه الله تعالي، وذلك من تحصين نفسه بالصبر، وما منحه الله تعالى من قوة احتمال.
القسم الثالث: الصبر على ما ينزل من نوازل
، وقد جاء محمد ﷺ فى الحياة ليكون صبورا وشكورا.
أول ما أدرك الحياة مميزا ماتت أمه وحملته حاضنته الحبشية إلى جده، ثم لم يلبث أن فقد الجد، وقد بلغ سن التمييز الذى يعرف الحامي، وانتقل إلى بيت عمه، وكان محدود الرزق كثير العيال، فتعلم كيف يكون الصبر حيث التزاحم، فما كان يمد يده فى زحمة الغلمان على الطعام.
стр. 212
ثم كان الصابر فى رعى الغنم، ثم كان الصابر فى كسب القوت، وهكذا كان الصبر عدته التى يعدها لنوائب الدهر، وملمات الزمان، وأخذ يحمل واحده أعباء حياته جلدا صبورا.
وإذا كان قد صابر النوازل والقل واحتمل، فقد احتمل نعمة الكثر من المال كما احتمل القل، فلم يطغ إذ جاءه المال الموفور عندما اتجر فى مال خديجة التى صارت من بعد زوجه وأم المؤمنين، فاحتمل النعمة كما احتمل النقمة، وضبط نفسه فى نعمته؛ كما ضبطها فى نقمته، فلم يكن فى الأولى جازعا؛ ولم يكن فى الثانية فرحا فخورا. وقد بين الله تعالى فى كتابه أن الذى لا ييأس فى الحرمان؛ ولا يطغى عند الجدة هو المؤمن الصابر، فقد قال سبحانه: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً؛ ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ، إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ «١» .
والصبر فى هذا المقام أجل أنواع الصبر، لأنه هو الذى يكون فى أعاظم الرجال الذين أوتوا القدرة على تحمل الأعباء. لا يأشرون ولا يبطرون فى سرائهم فيكونوا صابرين، ولا يجزعون ويهلعون فى شدائدهم فيذلوا.
وكذلك كان محمد بن عبد الله ﵊ قبل أن يبعثه الله تعالى نبيا، فكان مهيأ لأعظم رسالة فى الوجود.
١٥٧- بهذا الخلق الصابر يختار الله تعالى محمد بن عبد الله ﵊ ليكون رسوله الذى يدعو الناس إلى التوحيد فى وسط قوم صلاب شداد غلاظ، فالدعوة فيهم تحتاج إلى عزم الأمور، والصبر من عزم الأمور، بل إن عزم الأمور يحتاج إلى صبر شاق مرير، لا يتحمله إلا أولو العزم من الرجال، وأولو العزم من الرسل، كما قال تعالى مخاطبا محمدا ﷺ الصبور، والمكاره تحيط به إحاطة الدائرة بقطرها: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ «٢» .
كان لابد بعد البعثة من أن يكون علاج الأمور كلها بالصبر، صبر على المشركين فى أوهامهم، وصبر عليهم فى دعوتهم منه إلى الحق، وقد أصروا على الباطل، وصبر على سفهائهم، وصبر على أذاهم المستمر، الذى أقدم عليه ذوو الحقد والعصبية، ولم يستنكره كبراؤهم، وصبر فى الدعوة إلى الإسلام، وما يكأد طريقها، ويعرقل سيرها. ولذلك جعل الله تعالى أقوى أوصاف المؤمنين الصبر. فقال تعالى وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ «٣» .
стр. 213
ولقد كان النبى ﵊ الصابر حقا وصدقا ودعا إلى الصبر، فقد أثر عنه أنه قال: «ما من أحد تصيبه مصيبة، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون، اللهم أجرنى فى مصيبتى، وأخلف لى خيرا منها، إلا اجره الله تعالى فى مصيبته وأخلف له خيرا منها»
وإن فضيلة الصبر الجميل، وهو الصبر من غير تململ، بل فى ثبات جأش واطمئنان قلب وتحمل، هى قوة لصاحبه، فوق أن فيها تفويضا لله تعالى مع العمل من غير تخاذل، فالمفوض الصابر يؤمن بقدرة الله تعالى حق الإيمان، وأنه المغير، ولذلك طلب الرسول الصابر ﷺ ممن يصاب أن يدعو الله تعالى، ويفوض إليه أمره، فإن ذلك يعطيه جلدا واحتمالا. ولقد قال ابن القيم فى علاج النفس بحملها على الصبر بالتفويض.
«وهذه الكلمة أى التى قالها محمد ﵊ فى العلاج بالصبر، وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه فى عاجلته واجلته، فإنها تتضمن أمرين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته. أحدهما أن العبد وأهله وماله ملك لله حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير، وأيضا فإنه محفوف بعدمين: عدم قبله، وعدم بعده، وملك العبد له منحة معارة فى زمن يسير، وأيضا فإنه أليس أوجده من عدمه حتى يكون ملكه حقيقة، ألا هو الذى يحفظه من الافات بعد وجوده، وألا يبقى عليه وجوده، فليس له فيه تأثير، ولا ملك حقيقي، وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي، وتصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقى ... » .
والثانى: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله تعالى مولاه الحق، ولابد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردا، كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما حوله ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود، ففكره فى مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء، ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ «١» .
стр. 214
١٥٨- كان محمد بن عبد الله ﵊ صبورا أبلغ ما يكون الصبور، فقد كان قبل البعثة الصابر فى المنشط والمكره، والصابر فى الفقر والغني، والصابر فى العجز والمقدرة، ثم كان بعد البعثة الصابر فى أداء الرسالة، وتبليغها والدعوة إليها، صابر المشركين عند الدعوة، صابر قومه الذين جفوه، ونكروه وهم يعرفونه، وكذبوه، وهو الصادق الأمين، ورموه بالسحر كذبا، والجنون افتراء، وقالوا ما قالوا فيه وفى رسالته، وقد وسع صبره كل افترائهم، فما وهن فى دعوته، ولا يئس من إجابته، وكان يرضى فى أن يصدع بأمر ربه وهو يصبر على إنكارهم من غير أن ييأس من إيمانهم، ويدعو عليهم، فلم يقل كما قال نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً «١» بل قال: «إن قومى لا يعلمون» وقال: «إنى أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله» ، ولكل نبى من أنبياء الله تعالى فضل، وقد فضل بعض النبيين على بعض.
ولقد اذوه، واذوا أصحابه، وهو القادر على أن يقمعهم، أو يدعو عليهم بالمقت، ويسخط عليهم، وإنزال غضب الله تعالى عليهم، بل إنه كان يتلقى كل ذلك بالرجاء والاطمئنان إلى أنه مبلغ رسالة ربه، غير وان ولا مقصر، مدركا أن الله تعالى بالغ أمره، وأن العاقبة للمتقين.
كان طاغيتهم يلقى عليه فرث الجزور، وهو يصلي، فما يغضب، ولا يثور، لأن الغضب يفقد الحق قوته، والثورة تطيش حولها أحلام من يدعوهم، وهو حريص على أن يترك لهم حرية الاختيار، وتقدير الأمر فى أناة، وهدأة مدركة، والغضب يدفع إلى الملاحاة والمنازعة، وهو يريد أن ينزع من قلوبهم سخيمة الحقد الملاحي، بل يضع فى قلوبهم قوة الحقيقة تسرى فى قلوبهم، وتنساب فى نفوسهم، وهم مطمئنون من جانبه غير منزعجين.
يصبر ﵊ صبر الطبيب يعالج المريض، وقد هاج هياجه، وأرغى زبده، فيأخذه فى حكمة، عالما أن المقاومة من المرض ذاته، وأن غايته معافاة المريض، فليصبر، حتى يصل إلى هذه الغاية غير منزعج، ولا مخاصم، ولا معاند.
ولقد صبر ﵊ على استهزائهم وعلى سخريتهم، وهو اخذ نفسه بأنهم كلما سخروا منه زادت عنايته بالدعوة، وزادت قوته فى الاحتمال ورغبته فى المصابرة، غير متحمل ولا ييئس، فإن
стр. 215
الصبر يبعد اليأس ويقرب الرجاء، ويهدى للتى هى أقوم، ويوقظ الضمائر إن كانت فيها قوة الحياة، وإن الصبر للذى تشمس نفسه يكون كالسقى والرعى يحيى ولا يميت، والملاحاة تشغل النفس عن الحق، وتوجب انحياز كل إلى جانبه، فلا يرى إلا ما عنده، ويعمى عما فى الجانب الاخر، فتكون النظرة الجانبية، والنظرة الجانبية لا تفيد صاحبها.
وصبر ﵊ على الأذى ينزل بجسمه، وبأهله، ألم تره صبر على الحرمان هو وبنو هاشم عندما قاطعتهم قريش ثلاث سنين دأبا. لاقوا فيها العنف من قومهم، فما أسلموا محمدا ﵊ لأعدائه.
فكان صبر محمد ﵊ صبرين، صبر الداعى إلى الحق يحمل فى أثنائه ما يلاقى من جفوة قاطعة لما أمر الله تعالى به أن يوصل، وصبرا على أذى القريب الواصل الذى يرى أنه كان سببا فى أنه ذاق اله وأحبابه مرارة الحرمان والقطيعة.
وصبر ﵊ يوم ذهب إلى ثقيف يطلب منهم الإيمان، فاذوه، وأغروا به سفهاءهم وغلمانهم يقذفونه بالحجارة حتى أسالوا دمه الكريم، وكان الصابر الكريم عندما عرض عليه جبريل أو ملك الجبال أن يطبق الأخشبين عليهم، فطلب من ربه أن يستأنى بهم، ويقرر فى اطمئنان الصابر أنه لا يبغى إلا رضاه، فيقول لربه: إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالى.
١٥٩- ولما رأى الأذى الشديد ينزل ببعض من أسلموا، أذن لهم فى الهجرة إلى الحبشة، وهو المقيم الصابر، لا يتخلى عن دعوته، ولا يفر ممن يدعوهم، بل يصابرهم، ويلقاهم بالرفق، ولطف المعاملة، وإن لم يقابلوه بمثلها، بل يجافونه ويعادونه.
وإذا كان قد خرج من مكة المكرمة مهاجرا، فليس ذلك لأجل الخوف، أو نفاد الصبر، بل لأن الدعوة استوجبت الهجرة بعد أن استمكن لها فى يثرب، وهو إذ يخرج كان صابرا، إذ أنه يخرج من مكة المكرمة، وهى أحب أرض الله إليه، ولولا أن أهلها لم يستجيبوا واذوه ما خرج منها، فكان الصابر فى خروجه، ولم يكن خروجه جزعا وفرارا.
ولما هاجر كان المجاهد الصبور، ولقد صابر وصبر فى ثلاثة ميادين من الجهاد.
صابر فى محاربة الأهواء والشهوات، وسمى ذلك الجهاد الأكبر، ودعا المؤمنين إلى متابعته فيه.
стр. 216
وصابر فى ميدان الحرب، فكان المجاهد الثابت الذى لا تزلزله قوة، ولا يذهب تفكيره شعاعا ولو تألب عليه العرب جميعا، كما فى غزوة الأحزاب، وقد جاء المشركون من الخارج واليهود من الداخل إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً «١» ، ونجد النبى ﵊ كان فى هذه المعركة، الصابر، المصابر، الذى لم يذهب ساعة من نهار الرجاء منه، وإن كانت الشديدة قد بلغت أقصاها. وصابر ﷺ فى الداخل طوائف ثلاثا فأخذ بالرفق الضعفاء، فكان يبث فيهم روح الإيمان، وكان الضعف يبدو أحيانا منهم فى وقت يحتاج فيه إلى الجلد وقوة العزيمة، والثبات فى البأساء والضراء، وحين البأس.
وصابر المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر، ويلقون باليأس والهزيمة، ويدعون إلى التردد فى صفوف المؤمنين، ويستجيب لهم بعض الضعفاء من المؤمنين، ويصبر ﵊ على ما يثيرونه حول شخصه واله، كما خبوا ووضعوا فى الحديث الذى أشاعوه عن أم المؤمنين عائشة.
ويشير عمر بقتل كبيرهم، فيرده محمد ﷺ بأنه لا يريد أن يتحدث الناس أن محمدا ﷺ يقتل أصحابه، ويستمر صابرا حتى ينهى الشر نفسه.
وكان اليهود فى المدينة، فكان يصابرهم حتى ينكشف فسادهم، فإذا انكشف أخذهم ببعض ذنوبهم صابرا مصابرا، وإن الصبر فى الشدائد هو صبر العافى المدرك بأن غايات الأمور لا تدرك إلا بالصبر المرير، وكان إذا ادلهم الأمر لا يجزع، ولا يفزع، بل يتأنى الأمور، ويصطبر لها، معالجا أمرها فى أناة وحكمة، ويقول ﵊: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» فإذا دهمه الأمر لا ينزعج ولا يضطرب، ولا يذهب لبه وتفكيره، بل يسيطر على نفسه، ويدبر الأمر من غير هلع ولا جزع، وكان يرى أن الصبر من الإيمان.
وإن الشدائد النفسية تحتاج إلى الصبر أكثر من الشدائد المادية، وانظر إلى موقفه الصابر عندما أشاعوا قالة السوء عن حبّه أم المؤمنين عائشة، فقد تلقى الخبر، وساوره الظن، وبدا فى بعض عمله، وفى ملامح وجهه، ولكنه كان المثل الكامل فى الثبات، وتقدير الأمر، ودعا بعض خاصته للاستشارة فى هذا الإفك، وليتعرف مقدار الحق فيه، فمنهم من نفى الوقوع وأكد النفى كعمر رضى الله عنه، ومنهم من دعا إلى التحرى بسؤال جاريتها وهو علي، وقد رأى النبى ﷺ فى هدأة الصابر أن ذلك هو الأسلم والأحزم،
стр. 217
فسلكه فانتهى إلى البراءة، وما كان ذلك ليكون إلا من صبور حكيم متدبر يغلّب العقل والفكر فى وقت تطيش فيه الأفهام، وتجيش فيه العواطف، ولكن النفس، نفس محمد رسول الله ﷺ ، تسيطر عليها الحكمة دائما. وإن صبر النبى ﷺ فى البأساء والضراء وحين البأس، كان صبر من يتوقع البلاء قبل أن يقع، فعبّد نفسه لقوة الاحتمال، وقد أخبره الله تعالى بما سينزل به وبالمؤمنين ليصبروا فقال تعالى:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ «١»
ولقد قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ «٢»
وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٣» .
وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٤» .
فكان الصبر الاختيارى من غير شكوى ولا أنين عدته فى تبليغ رسالة ربه، وقد تربى عليها قبل البعثة، وكان قوته بعدها.
العادل
١٦٠- الأمانة والعدل صنوان متلازمان، فلا يمكن أن يكون الأمين غير عادل، ولا أن يكون العادل غير أمين، لأن الأمانة مراعاة الإنسان لحق غيره، لا ينكره ولا يجحده، والعدالة، تبتديء من انتصاف الإنسان من نفسه، ولذلك قرن الله طلب أداء الأمانات بالعدالة فى الحكم، فقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً «٥» .
стр. 218
ولقد اشتهر محمد بن عبد الله ﷺ بالأمانة، حتى صار اسمه «الأمين» ولما حكّموا أول من يدخل البيت فى أمر الحجر الأسود، وكان هو الداخل الأول ارتضوه حكما، وفرحوا به، وقالوا إنه الأمين، وكان فى معاملاته كلها عدلا، لا يغبن، ولا يخدع، وكان ينتصف من نفسه فى كل ما يتعلق به، كان ذلك قبل البعثة.
أهدت إليه أم المؤمنين خديجة قبل البعثة زيد بن حارثة، فكان مولى له، ولما عرفه أهله، وجاؤا إليه يريدون أن يفتدوه بثمنه، أعطاهم الرجل العدل، الحق فى أخذه، ولم يمارهم فى حقهم، بل إنه زاد فى العدل والإحسان، فقال: خذوه من غير ثمن إذا أراد الذهاب معكم، ولكن زيدا رفض أن يترك محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقبل أن يبقى فى قربه مولى، ولم يقبل الذهاب مع أسرته، وهنا يتحرك العدل مرة أخرى فى قلب محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيتخذه له ولدا، وقد كان سائغا عند العرب، كما كان سائغا عند الرومان، ويلحق المتبنى بنسب من تبناه، فكان يقال له زيد ابن محمد ﷺ ، وكان بمقتضى هذا الإلحاق قرشيا، وتزوج على أنه قرشى، حتى نزل من بعد البعثة تحريم التبنى، وعدم إلحاق الدعىّ بنسب من تبناه. وكان قد أراد محمد بن عبد الله العادل ﵊ أن يعوضه عن ترك أسرته بذلك التعويض الكريم.
ولقد كان الخصماء يتحاكمون إليه ﵊ قبل بعثته، فقد روى أن الربيع بن خيثم كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الجاهلية قبل الإسلام، وذلك لما عرف به من الصدق والأمانة والاستقامة، وكونه لا ينطق إلا بالحق، ولا يتجه إلى غيره، ولا يرضى بالباطل أبدا.
بعد البعثة:
١٦١- لقد كان ﵊ يوزع الغنائم، فيعطى كل ذى حق حقه، لا يلتفت إلى ما وراء ذلك، فلا غاية يطلبها إلا تحقيق العدل وإرادته، يعطى الرجل من الغنيمة بمقدار جهاده، وقد يعطى من يريد تأليف قلبه، وقد أسلم على حرف، فهو يعطى لعاعة من المال لمن يريد أن يتألفه، كما كان يعطى بعض القرشيين الذين أسلموا عند الفتح تأليفا لقلوبهم وليستمروا على دينهم الذى دخلوه طوعا من غير إكراه، ولكن لكثرة معاندتهم من قبل تألفهم النبى ببعض من الصدقات.
стр. 219
ولقد حدث أن قال بعض الذين فى قلوبهم ضعف إيمان للرسول ﵊:
اعدل، فرد عليه النبى ﵊ «ويلك فمن ذا الذى يعدل عليك بعدى» ولنذكر الخبر، كما فى كتب الحديث، فقد روى قتادة أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بالإسلام أتى النبى ﷺ ، وهو يقسم الغنائم فقال: «يا محمد، والله لئن أمرك الله أن تعدل ما عدلت، فقال النبى ﵊: ويلك، فمن ذا الذى يعدل عليك بعدى، ثم قال: نبى الله: احذروا هذا وأشباهه، فإن فى أمتى أشباه هذا يقرأون القران لا يتجاوز حناجرهم، فإن خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم» وروى مثل هذا فى الصحيحين مسلم والبخارى.
وإن هذا الكلام يدل على عدالة النبى ﵊ المطلقة فقد سمع القول من المعترض من غير أن يمنعه من الاعتراض، ولكن بين له أنه العادل، وأنه سيكون إرهاق من بعده، فمن عدل كعدله نجا، ومن لم يعدل فقد انحرف إلى الهاوية.
ويدل ثانيا على أن أمثال هذا ممن يرون العدل غير عدل ويحكمون بهواهم، أو بنظرهم بادى الرأى سيكونون شوكة فى جنب الحكم الإسلامي، وأن سلامة الحكم فى ردعهم ولو بالقتل وتكراره، وذلك عقابهم إذا خرجوا على الحاكم العدل وإلا لا يقتلوا، كما قال على «من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل فأصابه» .
ثم إن النبى ﵊ أردف فى هذه الواقعة ما يؤكد عدله المطلق القائم على أمانته، فقال: «والذى نفسى بيده ما أعطيكم شيئا، ولا أمنعكم إنما أنا خازن» .
وإن النبى العادل كان ينفذ الحق فى نفسه، إن ظن أنه اعتدي، كان يقسم الغنائم مرة، وبعض أعراب المسلمين يلاحيه، فرده بعود فى يده، فشكا الألم فأعطاه الرسول الأمين العادل، ليقتص منه، فعفا الرجل، واستحيا أن يفعل.
ولقد كان يخشى لفرط إحساسه بالعدالة، ألا يلقى الله خالصا من حقوق العباد، فقام، وهو مريض مرض الموت، وقد بلغ به الإعياء أشده وقال: «أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا، فهذا ظهرى فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا، فهذا عرضى فليستقد منه، ومن أخذت منه مالا، فهذا مالي، فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء فإنها ليست من شأنى، ألا وإن أحبكم إلى من أخذ منى حقا، إن كان له، أو حللنى، فلقيت ربى وأنا طيب النفس» .
ولقد كان محمد ﵊ ينهى عن الظلم بكل ضروبه، وأكل أموال الناس، وينهى عن معاونة الظالمين بكل أسباب المعاونة، وإنه يشدد فى ذلك، فهو يقول: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» وقال ﵊ «من مشي مع ظالم فقد سعى إلى النار، أو كما قال عليه
стр. 220
الصلاة والسلام، ونهى المحكومين عن أن يسكتوا عن ظلم الحاكمين، لأنه معاونة، فقال ﵊: «لا يأخذ الله تعالى العامة بظلم الخاصة إلا إذا رأوا ولم ينكروا» وأوجب حمل الظالم على العدل، وحث على ذلك فى قوة، فقال ﵊: «والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدى الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم» .
وإن هذه الأحاديث تدل على أمرين عظيمين: أولهما- شدة تمسك النبى ﵊ بالعدل والدعوة إليه والتشدد فيه، والاستمساك به، لأنه كمال فى ذاته، ويدل على استقامة النفس، حاكما كان أو محكوما، فهو الكمال المطلق إن كان- وثانيهما- أنه يدعو إلى العدل الجماعي، لأنه هو الذى يستقيم به أمر الجماعة، فلا يظلم الرجل أهله، ولا يظلم الزوج زوجه، ولا القريب قريبه، ولا الرئيس مرؤسه، ولا الحاكم محكومه، ولا المولى مولاه، وإنه ﵊ يقول فى حديث قدسى عن ربه: «يا عبادى إنى كتبت العدل على نفسى فلا تظالموا» .
١٦٢- ولقد كان ﵊ يتولى الفصل فى خصومات المسلمين فى خاصها وعامها، ويأتى فى فصله بحكم الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكانت أقضيته تقصد القضاء بحكم الله تعالي، وتنفيذ ما أمر الله تعالى به من أمر وما نهى عنه، وكانت أحكامه عادلة، لا يحابى قويا، ولا يهضم حق ضعيف.
ولما سرقت فاطمة المخزومية، وأهم قريشا أن يقطع محمد ﷺ يدها ذهب إليه حبه أسامة بن زيد فتشفع له فى ألا يقيم الحد عليها بقطع يدها، فنهره ﵊ قائلا له مستنكرا: أتشفع فى حد من حدود الله، ثم وقف خطيبا يقول:
«ما بال أناس يشفعون فى حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف قطعوه، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
فكان العدل الذى لا يمارى ولا يحابى فى حكم من أحكام الله تعالى.
وكان ﵊ ينظر فى الأمر عند الاختصام إلى لب القضية، فيتعرف المعتدي، فيحكم عليه، ولا ينظر فقط إلى المظهر، ويروى فى الصحيحين (البخارى ومسلم) أن رجلا عض يد رجل اخر، فنزع المعضوض يده من فم الاخر، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويظهر أن الذى رفع الأمر من عض أخاه، فقال النبى ﵊، منحيا باللائمة على العاض مهدرا دية أسنانه: «يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك» .
стр. 221
وهو بهذا ينظر نظر الأريب إلى موضوع القضية، ليتعرف موضوع الاعتداء، ومن الذى كان السبب، ثم فيه إشارة إلى من دفع عن نفسه الظلم، وتعين عليه ألا يدفع الظلم إلا بأذى ينزل بالاخر، فهو بريء مما يترتب على فعله، والمتسبب هو الذى يبوء بالاثم ولو كان هو الذى نزل به الأذى.
وكان ﵊ يلاحظ فى قضائه ثلاثة أمور:
أولها- العدل بين الناس والمساواة بينهم فى تنفيذ أحكام الله تعالى لا فرق بين أمير وسوقة، ولا بين شريف وضعيف، بل الجميع أمام القانون سواء. وفى المأثور «الناس سواسية كأسنان المشط» .
ثانيهما- أنه يلاحظ الأثر إلاجتماعى لحكمه، فهو يغلظ العقاب على من يكثر فساده، حماية للجماعة المسلمة من شره.
ثالثها- أنه لفرط إيمانه بالعدل يخشى أن يقع منه ظلم لأحد، بسبب من يدلون بالحجة فى فصاحة منهم وعجز غيرهم، فقد قال ﵊ وهو العدل الأمين: إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من الاخر، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقتطع له قطعة من النار» .
وفى الحق أن النبى ﵊ كان عدلا فى ذات نفسه، وعدلا فى كل ما يقوم به، وعدلا فى أحكامه، ويغلب المساواة فى كل شيء حتى فى الهدايا تهدى إليه باعتباره كبير المؤمنين، ويقول فى ذلك ابن القيم فى زاد المعاد فى هدى خير العباد. وقد جاء فى صحيح البخارى أن النبى ﵊ أهديت إليه أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها فى ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة ابن نوفل، فجاء ومعه المسور ابنه، فاستقبله، وقال يا أبا المسور خبأت لك هذا.
وهكذا نرى العدل يعم ولا يخص، وإنه كما ثبت من تاريخه قبل البعثة وبعدها لم يظلم، ولم يضيّع حقا لأحد، بل كان الحريص على حق غيره الحفيظ عليه.
وكان يعوض من يهدى من أصحابه إن تمكن من التعويض، ويهادى من يهاديه، لأن الهدية محبة، وهو ﵊ يبادل المحبة بالمحبة فهو عادل حتى فيما تبعثه العاطفة، ويدعو إليه الود.
стр. 222
الشجاع
١٦٣- يذكر بعض العلماء الشجاعة بأنها منبعثة من القوة الغضبية، ولكنها خاضعة لحكم العقل، وللحكمة، وللمعرفة، وهى السبيل إلى دفع الأذى، وإلى والنفع للجماعة، وليست مرادفة للتهور، وإن كان منبعثهما واحدا، وهى القوة الغضبية الدافعة عن النفس فى موقف التعرض للأذى، بيد أن التهور اندفاع غير محكوم بالعقل والحكمة، ولا خاضع للمعرفة، أما الشجاعة فإنها لا تصدر إلا عن تفكير سليم، ودواعى الحكمة المستقيمة.
وليست الشجاعة منافية للحذر، بل إنه مسيطر عليها، فهو يدفعها، وهو يحكمها، وقد يكون الخوف مع الشجاعة، لأن الشجاع يتردد قبل أن يقدم فيوازن بين العمل ونتائجه، والإقدام وغاياته، وهل يتعين الضرب بالسيف، وإن ذلك كله قد يصحبه، فليس الشجاع هو الذى لا يخاف قط، إنما الشجاع من يتغلب على بواعث، ويتقدم فى تدبير محكم، وصبر وقوة احتمال، ولا تتصور الشجاعة إلا مع التدبر والصبر والإحكام وتعرف الغايات والمقاصد.
والشجاعة قد تكون معنوية، وليس لها مظهر حسي، وقد تكون حسية بدافع معنوي، ورغبة فى رفع حق، وخفض باطل، والنبى ﵊ قبل البعثة كان المثل الكامل للشجاعة المعنوية، التى لا تهاب المخالفة فى الحق، فقريش كلها كانت تسجد للصنم، ومحمد ﵊ لم يسجد لصنم قط، وكان يجابه بذلك قريشا، ولا يبالي، وكانوا يحلفون باللات والعزى ومناة الثالثة إلى اخر الأسماء التى سموها، وما أنزل الله تعالى بها من سلطان، وكان هو يرد من يطلب منه الحلف بها، فيقول إنه يكرهها وما يكون ذلك إلا من شجاع قوى الإيمان بما يعتقد ويؤمن، فيختلف مع بائع فى الثمن، فيطلب منه الحلف باللات والعزي، فيرد محمد بن عبد الله ﵊ ردا قويا، بأنه يكره هذه الأسماء، فيقبل الرجل قوله من غير يمين لروعة إيمانه وشجاعته فى هذا الإيمان.
وإنه فى رحلته إلى الشام وهو فى الخامسة والعشرين كان شجاعا فى نفسه وفكره وقلبه عندما منع رجال القافلة التى أعطته زمامها من أن يسابقوا رجال قافلة أخري، واجه من معه بذلك المنع غير هياب ولا وجل، ثم خالف طريق الاخري، وسار فى طريق أخرى ليمر بقبر أمه بالأبواء، ويستعبر عليه العبرات، إذ كان لأول مرة زاره، وكان فى وعى عند موتها، إذ كان فى السادسة من عمره، ومع ذلك وصل قبل القافلة، وكان قد اختار الطريق الذى ظنه من معه وعرا، وظنه هو مسلوكا، وكان مستقيما، لأنه وصل قبل القافلة المسرعة من غير مسابقة.
стр. 223
وإن هذا الخبر فى ذاته يدل على قدرة تدبير للأمور، وتعرف لأقرب الطرق للوصول إلى الهدف، ويدل على رفق بمن معه، والابتعاد عن المسابقات غير المثمرة إلا التعب، وعلى كمال الرفق بمن فى صحبته، كما يدل على شجاعة نادرة، وقوة احتمال كاملة.
ولقد كان شجاعا فى أقصى درجات الشجاعة عندما قبل أن يكون الحكم بين قبائل العرب فى وضع الحجر الأسود، فقد تقدم وهو يعلم أن الحاكم لا يرضى كل من يحكمونه، ولكنه بتوفيق الله تعالى أرضاهم جميعا.
وهكذا كان محمد ﵊ شجاعا قبل البعثة يقول الحق ولا يخشى لومة لائم، ويجاهر به غير مستهين بمن يقاومه، بل راض بأن ينطق بالحق، وحسبه ذلك وكفى.
بعد البعثة
١٦٤- بعد أن بعثه الله تعالى بدت شجاعته كاملة، والبعثة من أول أدوارها، وفى أثنائها، وفى نهايتها تحتاج إلى شجاعة، وعندما التقى ﵊ بورقة بن نوفل ابن عم خديجة، قال له: «ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودى» . ولقاء أعداء الفكرة يحتاج إلى شجاعة وثبات جأش، وقوة احتمال، «والله أعلم حيث يجعل رسالته» فما يختار رسولا خوارا، ولا رسولا ضجرا، ولا رسولا يعتريه اليأس فى أول الصدمة، بل يستمر مصابرا مستعدا للصدمات، واحدة بعد أخري، وأحيانا تجيء متكاثفة غير متفرقة، بل مجتمعة صلبة غير متكسرة، فكان لا يتلقاها إلا شجاع النفس ذو العزمة الصادقة فى هدأة المؤمن المطمئن القلب.
لقد كان أبو جهل يرعد ويبرق، ويعمل فى إيذاء مستمر، عسى أن يجبن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه عن دعوة الحق المستمرة غير الوانية، بل كلما اشتدت وسائل الإيذاء وتعددت وتجمعت، ازداد ﵊ عملا، ما هاب وما مل، بل كان يصدع بالحق فى اطمئنان وشجاعة.
ولقد كان من أعدائه ذو البطش الشديد فما هابه ولا خافه، وإن رفق إليه فى القول، فذلك شأنه والواجب عليه، ليقرب من القلوب ولكى لا يكون فظا غليظ القلب، فبنفض الناس من حوله.
وعندما أقبل على المسلمين عمر بن الخطاب وكان جبارا مرهوبا فى دار الأرقم بن أبى الأرقم، وهو لا يزال على الشرك فزع المسلمون إلا رجلين- أحدهما- حمل سيفه ليقتله به إن أراد شرا وهو أسد الله تعالى وسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ومحمد بن عبد الله رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 224
وسلم فما فزع، بل رجا، وما اضطرب بل اطمأن، فقال: أدخلوه، فدخل والنبى الأمين ثابت مطمئن هاديء هدوء المؤمن الشجاع، فلبب عمر بقوة، حتى استكان ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم.
ومحمد بن عبد الله ﷺ كان شجاعا يستمر فى دعوته، وهو يعلم أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه. فما وهن لائتمارهم وللأذى ينزل به، وبضعفاء صحابته.
وكان الشجاع الثبت، وهو مهاجر، وقد اوى إلى غار ثور، والقوم قد أحاطوا به حاملين سيوفهم، بل كان الشجاع، وهو يقول لصاحبه الخائف على النبى ﷺ لما عساه يصيبه: «لا تحزن إن الله معنا» .
وعندما لاقى اليهود فى يثرب، وهو يعلم مكايد اليهود وإيذاءهم، ومكرهم الخبيث الذى لا يمتنعون فيه عن الغدر، وقد هموا به، وأرادوا قتله غيلة برمى حجر عليه من عل، وبدس السم فى طعامه، وما جبن، ولا سكت عن الدعوة، بل استمر يدعوهم إلى الحق وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
وإن الشجاعة المعنوية بين المنافقين كانت سياسته، فهو يصدع بالحق بينهم، كما صدع به بين أصحابه، فهو فى معاملة المنافقين يسوسهم يريد عمر أن يقتل عبد الله بن أبي، فيمنعه فى قوة غير ابه لاعتراضه ومكانة عمر فى أهل الإيمان، ويقول له مرشدا، «لا أقتلهم حتى لا يتحدث العرب أن محمدا ﷺ يقتل أصحابه» . وكان أبعد نظرا من عمر، لأنه بعد ذلك برم أهل كل منافق به واستأذنوا النبي ﵊ فى قتل من فيهم من أهل النفاق، حتى طلب ابن عبد الله بن أبى من النبى ﵊ أن يأذن له بقتله، فلم يأذن، وقال: «أين عمر، لو قتلتهم يوم طلب عمر أن أقتلهم، لأرعدت لهم أنوف تريد إليوم قتلهم» .
وكان ﵊ شجاعا كريما، عندما قبل أن يكتب صلح الحديبية كما أملى المشركون، وقد اشتد الأمر على المؤمنين، لما قالوا من يخرج من المشركين مسلما بغير رضا وليه ردوه، ومن خرج من عند محمد ﷺ مرتدا إلى مكة المكرمة لا يردوه، وغضب عمر وكثرة من المؤمنين، وقال قائلهم: لماذا نقبل الدنية فى ديننا، واشتد غضبهم عندما جاء أحد المسلمين من قريش مكبلا بالحديد فرده.
كان شجاعا وهو يعلم أنهم على خطا المخلصين، وردهم، ثم تبين بعد ذلك ما كان عليه النبى ﵊ من حكمة، عندما طلبوا هم عدم التمسك بهذا الشرط، وإلغاءه، لأنه لم يرتد أحد
стр. 225
من المسلمين، ومن خرجوا مسلمين من قريش، ولم يقبلهم ترصدوا المشركين فى متاجرهم، فأذاقوهم الويل والثبور، وقتلوا منهم، واستولوا على غنائم كثيرة من أموالهم على ما سنبين إن شاء الله تعالى.
شجاعة النبى ﵊ فى ميدان القتال:
١٦٥- كتب القتال على محمد ﵊ ومن معه، وهو كره لهم، لأن الدعوة الإسلامية لابد أن تأخذ طريقها، وأن ترد الاعتداء حتى يكون الدين لله، وتستقيم القلوب، ولا تكون الفتنة، والإكراه على ترك الهداية، والوقوع فى الغواية، بعد أن من الله تعالى عليهم بالحق، والإيمان وما كان أهل الإيمان ليستخذوا ويستكينوا ويهنوا عن نصرته، ولذلك أذن لهم فى القتال، كما قال تعالي:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ «١» .
كان لابد من القتال جهادا فى سبيل الله، ولنصرة الحق، وكان لابد أن يكون محمد ﵊ الموجه له فى كل ميادينه، والموجه له فى كل نواحيه وضروبه، ما كان محمد ﵊ القائد الذى يحارب بغيره، فيوجه إلى الميدان، ولا يتوجه هو إليه، بل كان يتجه هو إليه ليكون القدوة الحسنة فى كل أمر يدعو إليه، لا يضن بنفسه، ولا يستأثر بالراحة، ويترك غيره يعمل، بل يكون فى أول العاملين المتقين.
وكان على رأس المجاهدين، جاء فى كتاب الشفاء للقاضى عياض ما نصه: «قد حضر ﵊ المواقف الصعبة، وفر الكماة الأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما من شجاع إلا وقد أحصيت له فرة، وحفظت عنه جولة سواه ﵊» «٢» .
ولقد فهم بعض الناس من قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ «٣» أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مأمور بأن يقاتل المشركين إذا واجهوه ولو كان واحده، وذلك الأمر الخاص به الذى كلفه، وقد فهمه أولئك المفسرون من قوله تعالى: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ.
стр. 226
ومهما تكن دلالة ذلك النص فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حمل عبء الجهاد ودخول الميدان بنفسه من غير ضن بها وكان أصبر أصحابه فى الجهاد، فما فر قط من صفوف القتال، وما يختاره فى موضع أمن، ولو تولى عنه كل من حوله.
ولقد روى عن فارس الإسلام على بن أبى طالب كرم الله وجهه أنه قال: «إنا كنا إذا حمى البأس، واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتنى يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس بأسا»
وكان ﵊ هو العلم الذى نهتدى به فى الميدان، أشجع المجاهدين وأصبرهم صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويقول عبد الله بن عمر الذى شاهد الحرب، ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله ﷺ ، فهو الشجاع الرضى الكريم الصبور، الذى يقف فى الهيجاء، ويحمل سيفه، ليجيب كل هيعة.
وإنه ﵊ كان قوى الاحتمال مع شجاعة، ورباطة جأش، لقد جرح فى يوم أحد، واشتدت جراحه، وأنزفت دمه، ومع ذلك دوام على الحرب، ولم يهن ولم يستكن.
ولقد أريد قتله ﵊ فى هيجاء أحد، واضطرابها، فجاء أبى بن خلف يريد قتله، وقد أعد لذلك عدته منذ بدر الكبرى، إذ كان فى الأسرى، فلما كان أحد، ولم يكن للمسلمين جاء وقد ادرع بالحديد، لا يرى منه إلا عينه، حتى لا يصيبه سيف أو رمح، وهو يقول: أين محمد ﷺ ؟ لا نجوت إن نجا محمد، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال محمد ﷺ الذى أنزف من دمه ما أنزف، خلوا طريقه، وتناول الحربة من الحارث بن الصمة، وحملها، وانتفض بها انتفاضة تطايروا تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، فطعنه ﵊ فى عنقه طعنة تدأدأ منها من فرسه مرارا، وقيل بل كسر ضلعا من أضلاعه، فرجع إلى قريش يقول: قتلنى محمد- ﷺ وهم يقولون: لا بأس عليك. فقال: لو كان يجمع الناس لقتلهم، أليس قد قال أنا أقتلك، والله لو بصق على لقتلنى، فمات فى سرف فى قفولهم إلى مكة المكرمة «١» . وإنه فى حرب هوازن ثبت واحده، وذلك كاف لبيان مدى شجاعته وصبره.
стр. 227
١٦٦- هذه شجاعته ﵊ فى الجهاد بالسيف، وقد ذكرنا شجاعته المعنوية فى السلم، وكيف كان لا يخشى فى الحق لومة لائم، ولا يلاحظ فى أفعاله البيئة وتقاليدها، ولو كانت مستنكرة، ولو كان منشأ هذه التقاليد أنهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، بل ما يكون معروفا يعرفه، وما يكون نكرا ينكره، وهو فى ذلك قبل البعثة وبعدها على حال واحدة، ولا يهاب الرجال، بل يهاب الله تعالى واحده، ويرفق بالرجال ما كان الرفق سبيلا للهداية، فهو الهادى المرشد الداعى إلى الحق فى كل أحواله.
وهو يستجيب لداعى النجدة. حيث تكون الاستجابة واجبة، والنجدة لازمة، وحيث يكون ملهوف يغاث، لقد فزع أهل المدينة وتصايحوا لمخوف ألم، فانطلق ناس قبل الصوت، يتعرفون مكان الاستغاثة، وكل يعتقد أنه الذى سبق، ولكنهم وجدوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد سبقهم إلى الصوت، ولقوه قافلا وقد سبقهم، وقد سارع إلى الصوت على فرس لأبى طلحة ركبه النبى ﷺ الشجاع القوى الأمين، والفرس عار، لا سرج عليه، وقد سبق ﵊ والسيف فى عنقه، وقال لهم، وهو راجع: لن تراعوا» .
وهكذا كانت شجاعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كاملة فى كل ضروب الشجاعة.
وإذا كان الحق يتكلم، ولا يجمجم، وفى الميدان يتقدم كل الصفوف، ولا يحجم، وفى النجدة هو السباق إلى مواطن الإغاثة فهو فى كل أحواله الشجاع، ولكن فى غير خيلاء، ولا مفاخرة، ولا استعلاء، بل هو فى هذه الداعى إلى الحق، وإلى صراط مستقيم.
وقد روى عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «فضلت الناس بشدة البطش» والمراد البطش بالظالم، وأخذه بالقوة بعد ألا تجدى الموعظة، ويخرج من طور الجاحد، المجرد إلى طور المعتدى الأثيم، الذى يحاول أن يفتن الناس فى دينهم والفتنة أشد من القتل.
الرجل
١٦٧- إن سمات الرجال الخلقية والعقلية ينبيء عنها أو توميء إليها صفاتهم الجسمية، فأولئك الشواذ فى تكوينهم النفسى أو العقلى يبدو شذوذهم فى أجسامهم بضمور واضح مثلا فى عضلات الوجوه، أو اعوجاج فى بعض أجزاء جسومهم، واضطراب فى عيونهم، أو انحراف فى بعض الملامح، وإن ذلك يتضح كاملا، لأهل العلم بالأعصاب، والنفوس، والمتتبعين للمرضى من الشواذ.
وإن اعتدال الجسم، وتناسب أجزائه يدل فى الجملة على استقامة العقول والنفوس، وإن المزاج النفسى يصحبه غالبا مزاج جسمى كامل، متناسق فى تركيبه الظاهر والداخل. فالعناصر المؤثره كلها متناسقة منسجمة انسجاما لا شذوذ فيه، ويكون معه انسجام نفسى كامل، وعقل كامل وخلق كامل.
стр. 228
ولقد وصف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم النبيين فى حديث المعراج بما يدل على كمالهم الجسمى. وهو كمال فيه جمال. لا يكون ما يسوغ النفرة منهم أبدا. فقد روى سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى. فقال: «أما إبراهيم فلم أر رجلا قط أشبه بصاحبكم. ولا صاحبكم أشبه به منه. وأما موسى فرجل ادم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة «١» . وأما عيسى ابن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل سبط الشعر. كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس. تخال رأسه يقطر ماء. وليس به ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود» .
وإن هذه الأوصاف لأولئك الأنبياء الثلاثة، وهم من أولى العزم من الرسل، تدل على كمال التناسق الجسمى فيهم مع اختلاف فى الأوصاف الجزئية. واتفاقهم فى أصل التنسيق، وقد روى الدارقطنى من حديث أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن النبى ﵊ قال: «ما بعث الله تعالى نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت. وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا» (صلى الله تعالى عليه وسلم) .
لم يكن بدعا من الأنبياء أن يكون كل ما عليه محمد، صلى الله تعالى عليه وسلم من الخلق والتكوين مسترعيا للأنظار، هو جميل فى جسمه، كما هو جميل فى خلقه، وإنه عندما تحدى قريشا بالقران الكريم، وعاب الهتهم، وبين بطلان عبادتها، ورأوا أبا طالب عمه فكلموه. وهو يحميه دونهم.
أتوا بفتى نهد هو أجمل قريش فى زعمهم، ليكون ولدا لأبى طالب، ويسلم لهم محمد بن عبد الله ﵊ ليقتلوه، فرفض تلك المساومة على ابن أخيه، وقال فى تهكم لاذع «تعطونى ولدكم أغذوه لكم، وأعطيكم ولدى تقتلونه» وهذا الخبر يدل على أن محمد بن عبد الله ﷺ قد بلغ الكمال الجسمى، إذ سواه الله تعالى فأحسن خلقه.
ولا شك أن ذلك التناسق الجسمى له أثره فى الدعوة، والاستجابة لها إذ كان مصحوبا بإشراق روحي، وإنه مما يروى فى ذلك أنه بعد أن تجاوبت الدعوة المحمدية فى الأصداء، وعرفت فى أرجاء الجزيرة العربية، وشاع خبر المكاذبين وهم الكثرة، كالشأن فى كل دعوة جديدة تجيء على لسان رجل يأتيهم بجديد لم يألفوه، فى هذه الأثناء قابل أعرابى محمد بن عبد الله ﵊ فراعه منظره، وإشراق وجهه، وتلألؤ النور فى جبينه، فسأله: من أنت؟ فقال: محمد بن عبد الله- صلى الله عليه
стр. 229
وسلم- فقال الرجل فى إيمان مدرك: أأنت الذى تقول عنه قريش إنه كذاب!! فقال الرسول الكريم:
نعم. فقال الرجل: ليس هذا بوجه كذاب، ما الذى تدعو إليه؟ فذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقة الإسلام، فأعلن الأعرابى إيمانه.
ولقد أكثر الواصفون لتكوين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وجاء من طرق أنه كان فيه جمال يتلألأ وجهه إشراقا، ونختار من هذه الروايات وصفين جامعين: أحدهما وصف هند بن خديجة رضى الله تعالى عنه، وكان رجلا وصافا فيه دقة ملاحظة، وإدراك للصفات- وثانيهما- لأم معبد، ولنختر هذين الخبرين ففيهما الغناء.
١٦٨- حديث هند بن أبى هالة ربيب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رواه الحسن بن على رضى الله عنهما، فقد قال الحسن أول سيدى شباب أهل الجنة:
سألت خالى هند بن أبى هالة عن حلية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لى شيئا منه أتعلق به، فقال: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر «١» أطول من الربوع «٢» وأقصر من الشذب «٣» ، عظيم الهامة، رجل «٤» الشعر، إن انفرقت عقيقة «٥» فرق، وإلا لا يجاوز شعره شحمة أذنه، ذا وفرة. أزهر «٦» اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ فى غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أقنى «٧» العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع «٨» الفم أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية فى صفاء الفضة معتدل الخلق باديا متماسكا، سواء البطن والصدر، فسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس أبذر المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط، عارى الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة شسن الكفين «٩» والقدمين، سائل الأطراف سبط العضب خمصان «١٠»
стр. 230
الأخمصين، مسبح للقدمين، ينبو عنهما الماء. إذ زال تعلقا «١» ، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام» .
وإن هذا يدل على الجمال والكمال، جمال الرجولة، وكمال الإنسان، فكل ما فيه يسترعى الأنظار، ولا تنصرف عنه، ولذلك من لقيه ممن هو خالى الذهن، لا يتجه اليه بحقد أو حسد، أو ضغن يلتفت إليه، ويجد فيه مثلا كاملا للرجل، ومكانة عالية فى الخلق، والإشعار بالمودة، فهو لا يتقدم مباهيا، ولا يسبق معتزا، ولكن يسير وراءه متواضعا، متطامنا، ويلقى السلام على كل من يلقاه إشعارا له بالمودة والمحبة، حتى لا تسبق الجهامة، والمنافرة، فهو جميل التكوين والتنسيق فى جسمه مرضى اللقاء، بل محبوب اللقاء فى خلقه، وما قام بينه وبين أحد فى الجاهلية عداء، ولا كانت شحناء بينه وبين أحد منهم، ولا ملاحاة فى عصبية أو ما يشبهها من المشادات الجاهلية، بل كان الأليف المألوف، القريب إلى النفوس خصوصا النفوس المستقيمة التى لا التواء فيها ولا منافرة.
وذلك فوق ما خصه الله تعالى به من جاذبية شديدة تعلن الطيبة، وتكشف عن خبيئة نفسه الطاهرة المسالمة التى لا تنافر ولا تغاضب، ولا تصخب.
ولنقرأ وصفا، لامرأة مر عليها عابرا فى هجرته من مكة إلى المدينة، فقد قالت واصفة له. وقد سئلت عنه أم معبد:
لقد مر محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الديلمي، فسألوها هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا، وقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القري، وكانوا ممحلين، فنظر ﵊ إلى شاة فى كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد، فقالت: نحلها «٢» الجهد، فقال ﵊ أنأذنين لى أن أحلبها، فقالت إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا بالشاة فمسحها، وذكر اسم الله، فكان فى حلبه منها ما كفاهم أجمعين، ثم حلبها، وترك عندها إناءها ملان. فلما جاء بعلها استنكر اللبن، وقال: من أين لك هذا يا أم معبد، ولا حلوبة فى البيت والشاء عازب!!.
فقالت: لا، والله مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، فقال صفيه، فو الله إنى لأراه صاحب قريش الذى تطلب!!.
стр. 231
فقالت: رأيت رجلا، ظاهر الوضاءة «١» حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثلجة، ولم تزر به صلعة، قسيم وسيم، فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف، وفى صوته صحل، أحور أكحل، أزج أقرن فى عنقه سطح، وفى لحيته كثافة اذا صمت فعليه الوقار، واذا تكلم سما، وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، أبهى الناس وأجملهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب، ربعة لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين «٢» ، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، وإن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود، محشود، لا عابس ولا مفند «٣» .
١٦٤- هذا وصف من رأوه، وهو يدل على ثلاثة أمور:
[أمور]
أولها: جمال تكوينه الجسمانى
، وكمال التنسيق بين أعضائه، حتى انه لو أراد مصور أن يضع صورة لرجل مكتمل الجسم، منسق الخلق، ما وجد خيرا من هذه الصورة التى يصورها من رأوها، وكان لها روعة عند كل من رأوها، يستوى فى ذلك من خالفه وعانده، ومن أطاعه وصدقه، فهى صفات لها أثرها عند الناظر إليه، وهى تزيدا لموافق تصديقا، وتثير الحقد والحسد، ومحبة الأذى عند من يعانده استكبارا، فإن المكابر يزداد إعناتا، كلما رأى عوامل التأييد لنقيض رأيه تزداد وضوحا وإعلاما، وخصوصا إذا كان صدقا ثابتا بالمعاينة، وليست خبرا يقبل الإنكار.
وإن قريشا كانت تعلم فيه ذلك التكوين، ولذلك لما أرادت أن تعوض أبا طالب عن ابن أخيه قدمت له أنهد فتى فى قريش، ولكن أنى يكون من محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم نور الإنسانية ورسولها.
الأمر الثانى- أن قلبه الطاهر كان يشع على وجهه بالنور
، فهو إذ يمشى يحف به النور الذى أضفاه الله تعالى عليه بتطهير قلبه، وتنوير نفسه بالخير، فكان كما قالت أم معبد «وضاء الجبين متلألئا بالنور، من غير استكبار ولا استعلاء، بل كان بين الناس متطامن النفس، دان إليهم، وهو فيهم كأحدهم، لولا فضل الرسالة، وما جعله الله تعالى له من مكان ليصل القول الطيب إلى أمته» .
الأمر الثالث- شدة جاذبيته صلى الله تعالى عليه وسلم
مع الهيبة التى تفرض قولها على الناس، ومع كمال المحبة واستشراف النفس المحبة إليه، أو النفس الخالية من ضغن أو حقد، أو إعنات فى المخالفة، فإن النفس التى تكون على هذه الشاكلة توجد فيها مقاومة للتأثير النفسى الذى يتجه إلى البراءة، وإنها
стр. 232
تكون مدنسة بالشر قد سكنها الشيطان وغلبت عليها وساوسه، فالقلب لا يصدق، ويكون ممن جحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم، ولقد كان المشركون يعرفون قوة تأثيره الشخصية، فوق ما معه من حق وبينات تثبت صدق ما يأتي، ولذلك كانوا يسبقون إلى قبائل العرب ينفرونهم، لكيلا يؤثر فيهم بشخصه وقوله، وبينات الله تعالى التى أجراها على يديه، ونزل بها الوحى الإلهى.
ومع كبر ما صنعوا، لم ينفر الناس من الاستماع إليه، والانعطاف، لأن الحق بين، والحجة قائمة، والداعى تنجذب إليه النفوس، وتصغى إليه أفئدة طلاب الحق الذى لا يمتارون فيه إن وجه إليهم ودعوا إليه.
١٧٠- وكان كل شيء فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلن قوته وجماله وكماله، فكان فى شكله الشاب وقد تجاوز الستين من عمره، لم يكن فيه شيب. بل كان أسود الشعر، حتى عد الذين خالطوه من صحب وخدم شعرات شيبه فذكروا أنه لم يشب فى لحيته ورأسه إلا عشرون شعرة، وعدها خادمه أنس رضى الله عنه بأنها إحدى عشرة، حتى أنه كان يوصف بالشاب. وقد تجاوز الستين فى أصح الروايات عن سنه، وإذا كان تغيير فى بعض شعره ظن خضابا فإنه لم يكن خضابا، وإنما كان من كثرة ما يضمخ به شعره من مسك، فقد كان يحب الطيب، وقد روى عنه ﵊ أنه قال: «حبب إلى من دنياكم ثلاثة: النساء، والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة» .
ونرى أنه ﵊ جعل الصلاة من الدنيا، إذ وصفها مما حبب إليه من شئون الدنيا، لأن الصلاة مع جانبها الروحاني، ومع أن فيها ذكر الله تعالي، هى تصلح الدنيا، لأن الصلاة تربى الضمير، وترهف الوجدان، فتنهى عن الفحشاء والمنكر، وبذلك تصلح شئون الدنيا والاخرة معا.
وإنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان حريصا على الطيب يتطيب به دائما، حتى أنه كان ينبعث عرف الطيب فى مجلسه، ولقائه، وفى مظاهر حسه، وكان إذا مس رأس طفل استمر العرف الطيب فى رأسه، وإنه ليعرف أن الرسول مر فلمس طفلا بالريح الطيب.
ولا شك أن العرف الطيب تستروح به النفس، ويقبل معها الجليس، وتنجذب إليها النفوس، وإن الرائحة الكريهة تنفر، وتبعد.
وكان ﵊ يعنى بالنظافة فى المظهر، كما عنى بتطهير المخبر، كان يعنى بنظافة الحس، كما عنى بنظافة النفس، ولنترك الكلمة للقاضى عياض يبين ذلك.. فقد قال:
وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرفه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد، فقد خصه الله تعالى بخصائص لم توجد فى غيره، ثم تممها بنظافة البشرة وخصال الفطرة وقال: «بنى الدين على النظافة..»
عن أنس خادم رسول الله «ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله
стр. 233
صلى الله تعالى عليه وسلم» . وعن جابر بن سمرة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مسح خده قال فوجدت ليده بردا وريحا، كأنما أخرجها من جونة عطار، قال غيره مسها بطيب. أولم يمسها.. يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبى، فيعرف من بين الصبيان بريحها، ونام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى دار أنس، فعرق، فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك، فقالت نجعله فى طيبنا، وهو من أطيب الطيب. وذكر البخارى فى تاريخه الكبير عن جابر: لم يكن النبى ﵊ يمر فى طريق، فيتبعه أحد، إلا عرف أنه سلكه من طيبه، وذكر إسحاق بن راهواه أن تلك كانت رائحته بلا طيب، صلى الله تعالى عليه وسلم، وروى المزنى عن جابر: «أردفنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خلفه، فالتقمت خاتم النبوة بفمى، فكان ينم على مسكا» «١» .
وهنا ننظر نظرة فيما رواه إسحاق بن راهواه، أو ذكره من غير رواية، وهو أن رائحته ﵊ التى كانت طيبة كانت من غير تطييب، وإن ذلك بلا ريب جائز وممكن، فليست أمرا مستحيلا فى العقل ولا فى الشرع، فقد اختصه الله تعالى بخواص ليست فى كل الناس، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ولكن ثبت بالرواية الصحيحة أنه ﵊ كان يتضمخ بالطيب، وليس ذلك مما يعيبه، بل هو من المستحسن، وثبت أنه ﵊ كان يقول أنه فيما حبب إليه من شئون الدنيا الطيب.
ومهما يكن فإن محمدا ﵊ كان حريصا على أن يكون ريحه طيبا، لكيلا يكون منه ما ينفر جليسه، بل يجذبه ويحببه.
خاتم النبوة:
١٧١- هذه الصفات الجسدية كلها صفات كمال وجمال، وقد يشاركه بعض الناس فى بعضها، ولكن لا يشاركونه فى كلها، فلديه صلى الله تعالى عليه وسلم صفة جسمية لا يشاركه فيها أحد، وهو جزء بارز بين كتفيه، وهو من نوع جسمه، وإن كان بارزا فيه، ويظهر من مجموع الروايات أنه كان صغيرا بحيث لا يظهر من وراء الثوب ناتئا نتوا واضحا، فقيل إنه كبيضة الحمام، وقيل إنه كالتفاحة، ولا بد أن يكون كالتفاحة الصغيرة، وقد قال سلمان الفارسي، أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمامة، وقد تكاثرت الروايات فى ذلك، حتى بلغ الخبر فى ذلك حد
стр. 234
المشهور المستفيض، وكأنه وصف جسدى معلم للرسالة، لا يمارى فيه من راه، ولله تعالى ايات فى خلقه.
تقدمة صفات النبى ﷺ .
١٧٢- المنهاج الذى يسلكه الكتاب فى السيرة العطرة، سيرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكتبوا صفاته صلى الله تعالى عليه وسلم فى اخر سيرته الطاهرة، فلا يكتبوها قبل البعثة المباركة، ولكن يكتبونها بعد أن بلغ الرسالة، ومضى إلى لقائه الكريم.
ونحن قد اخترنا أن نكتب تلك الصفات قبل تكليفه أداء الرسالة، لأنا رأينا- ونرجو من الله التوفيق أن نكتبها قبل البعثة، ليعلم القارىء من الذى كلفه الله أداء الرسالة، ومن الذى اختاره ليكون بشيرا ونذيرا للناس كافة عربهم وعجمهم، وليعلم الناس أنه لم يكن فى مجموع صفاته وكمالاته كسائر الناس، وإن كان من الناس، وأنه ليس ككل واحد من البشر بجموع أخلاقه وتكوينه؛ وإن كان منهم، فهو من الناس، ولكنه فى أعلى كمال الناس، وإذا كان ليس من الملائكة، فهو أعلى من الملائكة، أليق بالرسالة، وأجدر بها من الخلق أجمعين.
وإنه بعد معرفة هذه الصفات وتعرفها، وانفراده بها من بين جيله، بل من بين الأجيال كلها، لا يستطيع أحد أن يقول: لماذا اختاره ربه دون عمرو بن هشام (أبى جهل) أو دون عمر بن الخطاب وهو من الأبرار، أو دون الصديق، وهو من الأطهار، أو دون علي، وهو من الأشداء الأبذال، لا يستطيع أحد أن يسأل: لم اختير دون هؤلاء أو غيرهم، لأن هذه الصفات الخلقية والجسمية لم تكن لأحد من هؤلاء، ولا من غيرهم، ولم يكن ذلك الإشراق المتلأليء الوضاء فى واحد منهم ولا من غيرهم، ولم يعرف لأحد من الناس الكمال فى الأخلاق إلا محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإذا كانت تلك الصفات، وما اتاه الله تعالى من فضل، وما اختصه من رحمة هى التى جعلته مستأهلا لأن يحمل أمانة الرسالة دون غيره، فإنها تكون مقدمة للرسالة، ولا تكون نتيجة لها، والمقدمة بمقتضى المنطق والعقل تسبق النتيجة، وتمهد لها، والتمهيد لا يكون بعد المقصد، بل إنه يرشح له، وينيره، ويهدى إليه.
وقد يقول قائل: إنك فى سبيل بيان صفاته الكريمة قد أتيت بأخبار عنها من بعد بعثه، واستشهدت له بعد إرساله رحمة للعالمين، وبذلك تقع فيما خالفته، وهو أنك ذكرت الصفات بعد البعثة، وموضعها قبلها على ما ذكرت من منطق!!
стр. 235
ونقول فى الإجابة عن ذلك: «إننا استعنا بالأخبار التى وردت عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد الرسالة لأنها وضحت صفاته قبل الرسالة، ولأنها ذكرها من شاهد وعاين من بعد الرسالة، وهذه الصفات التى عاينها الذين آمنوا بمحمد صلوات الله وسلامه عليه، صفات ذاتية، لم تجيء بالرسالة، ولكنها كانت قائمة بذاته الطاهرة من قبلها، فما وصفه الجسدى حادثا بعد الرسالة، ولكنه كان من قبلها، واستمر بعدها، وما كان ما اتصف به من الأمانة والصدق، والعفة، والحلم، والعفو، بأخلاق عرضت له، ولكنها كانت ككل الملكات الذاتية لا تكون عارضة، ولكن تكون مستكنة تامة، وإن أخبار النبى ﵊ ما كانت لتقوم عليها البينات النيرة الواضحة قبل الرسالة، وهو لم يكن له أصحاب يتبعون سيرته، ويدونون خليقته، ويهتمون بما كان عليه، وما كان من الممكن أن يتكشف للناس أمر هذه السجايا إلا بعد أن يختلط بهم، ويتقدم للدعوة لربه، ويلتقى بالقبائل، ويقرب المرافقين ويدنيهم، ويوجههم ويهداهم، ويصبر للمخالفين، ولا يلاحيهم، ويجادلهم بالتى هى أحسن، ويوطيء أكنافه لهم، وهو ليس فظا ولا غليظ القلب، فالأخبار التى استشهدنا بها لإثبات صفاته، وما كان عليه من خلق ذاتي، ما كانت الرسالة منشئة لها، ولكنها كاشفة الغطاء عنها، معرفة لها، وهى ذاتية قد هيأته لأن يكون المبعوث رحمة للعالمين، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «١» .
البشارات بالنبى المنتظر
١٧٣- كان العالم يموج بفتن مادية، فالحرب كانت قائمة على قدم وساق بين الفرس والرومان، ومن قبل عصر نبوة عيسى انسابت الجيوش اليونانية بقيادة الإسكندر المقدونى وراء فارس، حتى وصلت إلى الصين، وقد كان العصر من بعد عيسى عصر الاضطهاد الديني، اضطهد النصارى ابتداء، ومكث اضطهادهم زهاء ثلاثة قرون لقوا فيها من الرومان واليهود أشد ما يلاقى ذو اعتقاد فى اعتقاده، وذو إيمان فى إيمانه، حتى أن نيرون أحد أباطرة الرومان كان يطليهم بالقار، ويشعل النار فيهم، ويسير فى موكبه تحيط به تلك المشاعل الإنسانية لهؤلاء المؤمنين الصادقين فى إيمانهم الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، وقبلوا العذاب الهون، وتوقعوه، ورفضوا أن يغيروا فى سبيل دنيا يصيبونها، أو دفع عذاب ليتقوه.
وكانت مصر من أول البلاد التى دخلت فى النصرانية الأولي، ولم يغيروا ولم يبدلوا، ولذلك كانوا أشد البلاد تعرضا لأذى الرومان الذين كان سلطانهم مفروضا عليها وعلى الشام، وجاء إليهم العذاب الشديد فى عهد دقلديانوس، وذبحت فيهم مذابح سجلها التاريخ، وأرخ بها التاريخ القبطى مسجلا تلك المذابح، يذكر الرومان بما يعود عليهم بالخزى والعار، ويذكر المصريين الأولين بالافتخار، ويذكر المتأخرين من الأقباط بالاعتبار.
стр. 236
ولما دخل قسطنطين إمبراطور روما فى النصرانية فى الثلث الأول من القرن الرابع، كان ذلك سبيلا لسيطرة الانحراف فيها، وانتقل الاضطهاد من النصارى إلى اليهود فأذيقوا من العذاب كئوسا وشربوا منه، ثم جاء من بعد ذلك لون اخر من الاضطهاد، ذلك أن كنيسة روما خالفت كنيسة مصر فى بعض جزئيات عقائد النصرانية بعد أن انحرفت من الواحدانية إلى التثليث وانقلب الاضطهاد إلى داخل النصارى أنفسهم، فكان منهم الملكانيون الذين تتمثل فيهم عقيدة روما، واليعقوبيون الذين تتمثل فيهم عقيدة المصريين.
وكان ذلك الاضطراب فى العقيدة النصرانية التى حرفت، ثم انتهاؤه إلى أمر غير معقول فى ذاته، من قيل أن المسيح ابن الله، وأنه نزل إلى السموات العلا حيث الله أبوه، وتجسد إلى الأرض لتغفر خطيئة ادم لعصيانه ربه وأكله من الشجرة، فكان غريبا أن يكون تكفيرا للمعصية الأولى بالأكل بمعصية أشد وأوغل، هى قتلهم ولد الله فى زعمهم، والعقل لا يعلم ولا يدرك أن معصية أشد فى حق الله تكون تكفيرا لمعصية أقل، بل لخطأ جاء تضليلا من عدو أثيم.
ومن غرائب تلك العقيدة أنها تحاول الجمع بين الواحدانية والتثليت فيصعب التصوير، ولكن مع ذلك يصدقون على ريب من مفكريهم، وتسليم من عوامهم.
١٧٤- والعرب كانوا فى حيرة أشد، وإن كانت حياتهم لا تمكنهم من التأملات فى العقائد، ولعلهم لو تأملوا، ولم يغلب الاتباع، وقولهم إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ «١» لكانوا قادرين على الوصول إلى الصواب، أو على الأقل منهم من يصل، كما فعل الحنفاء، وأنهم كانوا قبل البعثة عددا محدودا.
لقد كانت حياتهم مضطربة بين توحيد جزئي، ووثنية جانبية، لقد كانوا يتبعون إبراهيم ويعتقدون أن الله واحده هو خالق الكون ومنشئه ومدبره، فاعترفوا بذلك بواحدانية الخلق والتكوين، ولكن مع ذلك أشركوا معه فى العبادة أحجارا لا تنفع ولا تضر، يزعمون أن العبادة لها تجعل منها شفعاء يشفعون.
ثم كانت البشائر بأن نبيا سيبعث كان يتردد فى البلاد العربية، كان يجرى على ألسنة بعض العرب، كما يروى عن قس بن ساعدة الإيادى أنه ذكر فى إحدى خطبه أن نبيا قد أدركهم زمانه، وان اوانه.
وأن البلاد العربية، وخصوصا الحجاز كانت يتجاوب فيها ذكر احتمال رسول مبعوث، تذاكره كثيرون ممن كانت لهم دراسات للديانات، مثل ما جاء على لسان قس بن ساعدة الانف الذكر، ولعله يوميء إلى أن له صلة بالنصرانية وخصوصا أنه ثبت فى القران، أن التبشير بالنبى محمد الأمى ﵊ مذكور فى التوراة والإنجيل، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ «٢» .
стр. 237
وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ «١» .
وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي، قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢» .
وقال تعالى فى بشارة عيسى ﵇ بمحمد النبى الأمين ﷺ : وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ «٣» .
وهكذا نجد النصوص القرانية الكثيرة التى جاء فيها أن محمدا ﵊ ذكر فى التوراة والإنجيل، وقد أشرنا إلى ذكره فى كل الديانات القديمة قبل تحريفها، حتى البراهمة والزرادشتية قبل التغيير والتبديل فيها.
ويهمنا أن نعرف ذكر التوراة لمحمد ﵊.
١٧٥- وقد وجدنا النصوص فى التوراة حتى بعد تحريفها، وبعد أن نسوا حظا مما ذكروا به توميء أو تشير بإشارة واضحة تكاد تكون عبارة لا إشارة- مبشرة بنبى الله تعالى محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإليك ذلك النص الذى يكاد يكون صريحا، ولكنه نص فى دلالته، سواء أكان بالإشارة أم بالعبارة:
«جاء الله من سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران (أى مكة المكرمة) . وقد فسر ابن ظفر من كتاب المسلمين فى السيرة الطاهرة، معنى النص فقال: مجيئه من سينا تكليمه لموسي، وإشراقه من ساعير- وهى جبال فلسطين إنزاله الإنجيل على عيسي، وبالقرب من هذه الجبال قرية الناصرة، حيث ولد عيسى ﵊، واستعلن من جبال فاران وهى جبال مكة، إنزال القران «٤» » .
стр. 238
ونرى من هذا أن الرموز كانت للأماكن، وبتبيين الرسل الذين بعثوا فيها، ومجيء الرب بالبداهة هو مجيء رسالاته، فإن الله تعالى لا ينزل بذاته انما تنزل هدايته، ويجيء أمره ونهيه على ألسنة رسله، وقد ذكرت أماكن ثلاثة هى سينا، وقد جاء من طريقها كليم الله تعالى موسى ﵊ ومجيء رسالة الله تعالى إلى فلسطين حيث ولد سيدنا عيسى ﵇ بالناصرة، من فلسطين انبعث نور رسالته ﵇، ومجيء رسالة الله من فاران حيث مكة المكرمة زاد الله تعالى نبيها تشريفا وتعظيما.
كانت هى ما نزل على محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويقول صاحب كتاب خير البشر فى بيان تبشير التوراة بالنبى محمد ﵊:
قرأت فى ترجمة للتوراة لموسى ﵇، جاء فيها، والله ربك مقيم نبيا من إخوتك، فاستمع له كالذى سمعت ربك فى حوريب يوم الاجتماع حين قلت: «لا أعود أسمع صوت ربى لئلا أموت، فقال الله تعالى لى. نعم ما قالوا. وسألتم لهم نبيا من إخوتهم، وأجعل كلامى فى فمه، فيقول لكم كل شيء امره به وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمى فإنى أنتقم منه» .
ونلاحظ هنا أنه ذكر أن الرسول سيكون من إخوة بنى إسرائيل، لا منهم، ولا تكون هذه الأخوة إلا من بنى إسماعيل، أخى إسحاق الأكبر، فإن هؤلاء هم الذين يقال لهم إخوة، وعيسى ومن قبله داود، وسليمان وغيرهما، لا يقال لهم إخوة بنى إسرائيل إنما يقال عنهم أبناء إسرائيل، لأنهم من يعقوب ابن إسحاق، ويقول صاحب كتاب (خير البشر) «قوله أجعل كلامى فى فمه، واضح فى أن المقصود به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن معناه أن الله تعالى يوحى إليه بكلامه (أى الله) فينطق به، أى يوحى إليه بالقران فينطق به» «١» .
١٧٦- وإذا كانت هذه الإشارات الواضحة في التوراة، فإن في الإنجيل مثلها، بل ما هو أكثر وضوحا منها، فقد ورد التبشير، بالبارقليط في الإنجيل، وإن الترجمة الحرفية لهذه الكلمة العبرية هي أحمد، فهو مطابقة من حيث المعني التبشيرى بأحمد، وقد جاء القران الكريم بالذي بشر به عيسي ﵇ اسمه أحمد، إذ قال سبحانه: «ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» وقد جاء في الأناجيل علي لسان عيسي ﵇: «إن أجبتموني فاحافظوا وصيتي، وأنا أطلب إلى أبي فيعطيكم بارقليط اخر يكون معكم الدهر كله» .
стр. 239
فهذا النص يبين أن الله تعالى سيبعث من بعده رسولا هو أحمد، يقوم بتبليغ رسالة ربه، كما يقوم عيسى ﵇، وأن شريعته باقية مع الدهر، أى أنها خالدة لا شريعة بعدها، وأن صاحبها هو خاتم النبيين.
والتعبير بالأب من تحريف النصارى لمعنى الله بعد أن غيروا وبدلوا فهو مأخوذ من الإنجيل بعد أن حرفت الديانة عن موضعها، ومع ذلك فإن كثيرين كانوا يفسرون البنوة بأنها بنوة النعمة والمحبة، كما يقول اليهود نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «١» .
وقد جاء فى الأناجيل بعد تحريف الديانة النصرانية «إن هذا القول الذى سمعتموه ليس هو لى بل للاب الذى أرسلنى لكم بهذا، وأنا معكم، فأما البارقليط روح القدس الذى يرسل أبى باسمى، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم جميع ما أقول لكم» .
ولعل الغرابة فى أن تسمى رسالة محمد بن عبد الله ﵊ أنها باسم المسيح، وأنها محرفة بلا ريب، ومهما يكن فليس المراد بالاسمية أن تكون دعوة محمد ﷺ صورة كاملة لدعوة المسيح، إنما المراد الموافقة فيما يكون دعوة للمسيح بالواحدانية، وأن دعوة محمد ﵊، هى ما كان يدعو إليه، وما يتفق مع قوله، كما قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ، ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ «٢» وروى أن عيسى ﵇ قال فى «البارقليط الذى أرسل إليكم من عند أبى روح الحق الذى يخرج من الأب فهو يشهد لى، وأنتم تشهدون لى أيضا لكينونتكم معى من أول أمرى» وهذا صريح فى أن محمدا ﵊ يشهد الكتاب الذى أنزل عليه وهو القران بأنه مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وقد سمى القران بحق روح الحق، وقد سمى كذلك كما قال الله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا «٣» .
وجاء فى الأناجيل أيضا: «البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه يسمع ما يكلمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث والغيوب «٤» » .
стр. 240
وأن فى هذا النص وصفا للنبى ﵊ بعينه من بين الرسل، وذلك الوصف هو قوله: «ويسوسهم بالحق» ولا شك أن رسالة محمد ﵊، لم تقتصر على بيان الحقائق الإلهية التى بعث بها ﵊، بل ساس الناس لتطبيقها، فأنشأ دولة، وطبق النظم القرانية تطبيقا دقيقا سليما، وإن هذه صفة كاملة لرسالة محمد ﵊، وعمله.
وإن كلمة البارقليط التى جاءت فى هذه النصوص قال علماء العبرية أن ترجمتها الحرفية كما أسلفنا أحمد، وهى فى معناها الذى يعرف السر، والحكمة، وهو قد بلغ أقصى الحمد لهذا.
١٧٧- ولقد نقل بعض الكتاب الفضلاء «١» عبارات من كتب العهد القديم، عن الزبور الذى جاء به داود ﵇، وأشعياء، وشمعون، وحزقيل.
(أ) ومما جاء فى مزامير داود «اللهم اجعل جاعل السنة يحيا» .
وجاء فيه، «إنه اذا جاءت الرحمة على شفتيك من أجل ذلك أبارك عليك إلى الأبد، فتقلد السيف، فإن بهاءك وحمدك الغالب، واركب كلمة الحق، فإن شرائعك مقرونة بهيبة يمينك، والأمم يخرون تحتك» .
ولا شك أن دلالة هذه النصوص على التبشير بمحمد ﵊ وليست هذه الإشارة بينة، كبيانها فى النقول السابقة عن توراة موسى، وإنجيل عيسى ﵉، ولكنها قد تدل بالاقتضاء، لا بالإشارة المجردة، لأن الذى أحيا السنة وهى عبادة الله تعالى واحده، إذ هى الطريقة القويمة هو محمد ﵊، بعد أن حرفت النصرانية، إلى انحراف التثليث.
وفى النص كانت الدلالة بالتضمين أيضا، إذ وصف فيه من يباركه الله تعالى بأن شريعته تقرن بهيبة يمينه، وإن شريعة محمد ﵊ تأمر بدفع الباطل بما تحمله اليمين وهو السيف، ولم تكن شريعة عيسى ﵇ كذلك، إنما كان يغلب التسامح، ولم يحمل سيفا، ولم يدع الحواريين إلى حمل السيف، بل الذى حمل السيف الذى يشير إليه نبى الله داود، ووضع الباطل تحت الأقدام، وخر الجبابرة تحت الشريعة الإسلامية في عهده، وعهد الحواريين من أصحابه هو محمد ﵊.
ولقد جاء فى الزبور عبارة لعلها أصرح من هذه العبارة فى سلطان شريعة محمد ﵊، وهذا نصها «فإذا جاز من البحر إلى البحر، ومن عند الأنهار إلى منقطع البر، وخر أهل الجزائر على وجوههم كبهم ولحس أعداؤه التراب، وجاءته الملوك بالقرابين، ودانت له الأمم بالطاعة، لأنه يخلص
стр. 241
الضعيف المغلوب البائس، ويقوى الضعيف الذى لا ناصر له، ويرحم المساكين، ويصلى، ويبارك عليه فى كل وقت، ويدوم ذكره إلى الأبد» .
وقد كان ذلك الكلام عن رجل يجيء فى المستقبل ولا شك أن هذه الأعمال لم يعملها بعد داود وسليمان إلا محمد سيد البشر ﵊، فهو ذكر هنا ﵊ بالوصف، لا بالاسم كما جاء فى الإنجيل.
١٧٨- وجاء فى كتاب أشعياء ﵇ قوله: «عبدى الذى سرت به نفسى أنزل عليه وحيى، فيظهر فى الأمم عدلى، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته فى الأسواق، يفتح العيون العور، والاذان الصم، ويحيى القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطى أحدا مشقح «١» بحمد الله حمدا جديدا، يأتى من أقصى الأرض تفرح البرية وسكانها، يهللون الله على كل شرف، ويكررونه على كل رابية، لا يضعف ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى، ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوى الصديقين، وهو نور الله الذى لا يطفأ، على كتفيه علامة النبوة» .
ويلاحظ على هذه البشارة أن الوصف فيها يكاد يكون عينيا، لا فى شريعته فقط بل فى أخلاقه وسيرته ﵊، فهو يذكر أعمال النبى ﵊، وسجاياه، كأنه راها، ثم يصف جسمه فيذكر علامة النبوة بين كتفيه، وهو خاتم النبوة الذى ذكرناه انفا.
ثم هو يذكر الاسم النبوى بما يقرب من البارقليط، فهو يقول مشقح، ومعناها محمد ﷺ ، كما أن معنى البارقليط أحمد وكلاهما من أسمائه ﵊.
وجاء فى كتاب شمعون «جاء الله تعالى بالبينات من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته»
وهنا تعيين له بالمكان، فجبال فاران هى جبال مكة، ولم يكن بعد إبراهيم فى مكة المكرمة وبين جبالها سوى محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو تعريف ليس بالاسم ولا بالوصف، ولكن بتعريف المكان.
ما كان يروج بين العرب من اخبار نبي يرسل
١٧٩- راجت فى البلاد العربية، وخصوصا حول مكة المكرمة والمدينة المنورة أقوال تذكر أن نبيا يبعث فى هذا الزمان، وروج ذلك النصارى الذين كانوا منبثين فى الجزيرة العربية، ويقيم كثيرون منها فى أطرافها، وكانوا يتناقلونها من الشام فى رحلتهم إليها تجارا، إذ يرون الرهبان منبثين فى الأديرة، ويلتقون بهم الفينة بعد الفينة.
стр. 242
واليهود فى المدينة كانوا يذكرون ذلك متحدين به الوثنيين الذين يجاورونهم، وكانوا يستفتحون به المشركين، زاعمين أنه سينصره عليهم، ويؤيد دينهم الذى يذكرون ذلك اخذيه من إشارات كتبهم. التى كانت مفسرة عندهم، حتى صارت علما توارثوه عن أسلافهم، وهو فى مطوى التركة التى أخذوها عنهم، مع أن اليهود عرفوا بأنهم يكتمون ما أنزل الله تعالى عليهم ليكون العلم حكرا عليهم، ويمكنهم من أن يكذبوا على الناس مدعين أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه، مع هذا يتناثر من أقوالهم ما يدل على أن نبيا من أبناء عمهم إسماعيل ﵇ سيبعث.
وإذا كانت الأثرة هى التى حملتهم على كتمان ما أنزل الله تعالى عن غيرهم، فالأثرة أيضا هى التى حملتهم على التحدث بخبر النبى المنتظر المكتوب عندهم فى التوراة، لأنهم كانوا فى حرب مع الأوس والخزرج الذين يجاورونهم، فكانوا يذكرون أمر النبى لهم لا ليعلنوا الحقائق، ولكن ليتغلبوا عليهم بما يسمى فى عصرنا الحرب النفسية التى تقارن الحرب المادية، لينالوا الفوز والغلب، وليتم لهم التعالى عليهم، وإعلان الاستهانة بهم ولإنذارهم بأن المستقبل معهم، وفى ذلك إلقاء بالرعب.
وقد حكى القران الكريم عنهم ذكرهم لمن كانوا يجاورونهم أمر النبى المنتظر، فقال الله تعالى:
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ «١» .
ولقد كانت نجران مملوءة بالنصارى ويظهر أنهم لم يكونوا كنصارى أوربا فى الماضى أو الحاضر، بل كانت فيهم بقية من نصرانية المسيح، ولقد كانوا بعد البعث المحمدى أقرب إلى المسلمين من اليهود والمشركين، فقد قال تعالى فيهم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ: رَبَّنا آمَنَّا، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ «٢» .
كان ينبعث من بين هؤلاء صوت قوى يخبر بأن نبيا قد ان أوانه، والناس يعيشون فى زمانه، ويظهر أنهم كانوا من بقايا المواحدين الذين لم يثلثوا، فإنه على تعاقب الأزمان كان ثمة مواحدون، وإن كانوا
стр. 243
يتناقصون قرنا بعد قرن، إن عبارات القران الكريم تنبيء عن ذلك فى قصة النصارى الذين حكم سبحانه بأنهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا بجوار العداوة المستحكمة التى أعلنها المشركون، واليهود الذين كانوا أعداء للناس جميعا.
وإنه ليروى التاريخ فى أخباره المتضافرة، والسيرة الطيبة الطاهرة، أنه لما كان اضطهاد المشركين للمؤمنين عقب مجاهرة النبى ﵊ بدعوة الحق كانت الهجرة إلى الحبشة. وقد لقى المسلمون ترحابا وإكراما من ملكها.
ولقد ثبت أن النجاشى ملك الحبشة كان مواحدا، وأنه يرى فى عيسى ابن مريم وأمه، ما نص عليه القران الكريم، وأنهما لم يكونا إلهين من دون الله.
١٨٠- ولقد سرت فكرة التنبؤ برسول قريب زمانه إلى قريش وما حول مكة المكرمة، ولقد وجد أربعة من قريش أنكروا تأثير الأوثان بالنفع والضرر، واستنكروا عبادتها وثبت أن هؤلاء الأربعة، منهم ورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل.
وقد خلصوا نجيا من عبادة الأوثان، وقد قال بعضهم لبعض: «تعلموا والله، ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين إبراهيم، ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا، فإنكم والله ما أنتم على شيء» .
وقد دخل المسيحية اثنان منهم هما ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وقد قصد إلى قيصر فتنصر، وكانت له منزلة حسنة عنده.
وأما عبد الله بن جحش، فقد بقى محيرا ملتبسا عليه، حتى جاء الإسلام.
وزيد بن عمرو بن نفيل برم بمكة المكرمة وأهلها، وأخذ يتنقل فى بلاد العرب متعرفا دين إبراهيم، وأخيرا أخذ ينتظر النبى كما أخبره بعض النصارى، وفى سيرة ابن هشام ما نصه:
«خرج (أى زيد بن عمرو) يطلب دين إبراهيم ﵇، ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كله حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء «١» كان ينتهى إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون، فسأل عن الحنيفية، دين إبراهيم، فقال إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبى يخرج من بلادك التى خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها، فإنه مبعوث الان، هذا زمانه، وقد كان شام اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئا منهما، فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة المكرمة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه.
стр. 244
وقد رثاه رفيقه ورقة بن نوفل «١» بقصيدة جاء فيها:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغى كما هيا
وإدراكك الدين الحنيف، طلبته ... ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت فى دار كريم مقامها ... تعلل فيها بالكرامة لاهيا
هذا بعض رثاء ورقة بن نوفل فى القصيدة المنسوبة إليه فى أصح الروايات، وهى تدل على أن ورقة وصاحبه كانا مع إنكار هما للوثنية يؤمنان بالبعث ويوم القيامة.
١٨١- وإن ورقة بعد أن دخل فى النصرانية، وعلم علمها، وأسرار كتبها، ودرس الأديان، ووازن بين حقائقها كان يعرف أن الزمان الذى كان يعيش فيه هو زمن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل إنه حكم بأن محمدا ﷺ هو النبى المنتظر، واستبطأ ظهوره.
وقد روى فى ذلك ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل الذى كان نصرانيا وكان قد تتبع الكتب، وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب نسطورا الذى ذكر أن أوصاف النبى ﵊ تبين أنه تبين أنه النبى المنتظر، فقال لها ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا ﷺ لنبى هذه الأمة، وقد عرفت أنه كان لهذه الأمة نبى ينتظر هذا زمانه، فجعل ورقة يستبطىء الأمر، ويقول: حتى متى؟
وقد قال فى ذلك قصيدة جاء فيها:
لججت وكنت فى الذكرى لجوجا ... لهم طالما ما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظارى يا خديجا
سطن المكتين على رجائى ... حديثك أن أرى منه خروجا
ويظهر فى البلاد ضياء نور ... يقوم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتنى اذ ما كان ذاكم ... شهدت وكنت أولهم ولوجا
«٢»
هذا كلام ورقة عندما خبرته ابنة عمه خديجة عن حال محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان ذلك عقب إخبار ميسرة غلامها عندما صاحبه فى رحلته إلى الشام فى التجارة فى
стр. 245
مال خديجة. وكان ذلك قبل أن يتم الزواج بينهما، بل كان والزواج يساور فكرتها ولم يمتد إلى تفكيره هو إلا من بعد ذلك.
علم النبوة عند سلمان الفارسى قبل أن يلقاه:
١٨٢- وإن ما تضافرت الصحاح عليه فى قصة إسلام سلمان الفارسى، وكيف علم بأمر بعث النبى ﵊ قبل أن يلقاه، وكان إذ لقيه لا غاية له إلا أن يعرفه بالأوصاف التى ذكرت له قبل أن يلقاه، بل قبل أن يبعث صلى الله تعالى عليه وسلم، وخلاصة القصة كما جاءت فى الصحاح أن سلمان رضى الله ﵎ عنه كان فارسيا من أهالى أصبهان، كان أبوه دهقان القرية «١» ، وكان أثيرا عند أبيه حريصا عليه، وقد درس المجوسية حتى كان خادم نارها الذى يوقدها، ولا يتركها، وكان أبوه ذا ضيعة عظيمة ... ويقول رضى الله عنه: «فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدرى ما أمر الناس، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ماذا يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم، ورغبت فى أمرهم، وقلت:
هذا والله خير من الدين الذى نحن فيه، فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبى، فلم أذهب إليها ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى أبى وقد بعث فى طلبى، وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أى بنى أين كنت؟ فقلت له: يا أبت مررت بأناس يصلون فى كنيسة لهم، فأعجبنى ما رأيت من دينهم فو الله مازلت عندهم حتى غربت الشمس. قال:
يا بنى، ليس فى ذلك الدين خير، ودينك ودين ابائك خير منه، قلت له: كلا والله إنه لخير من ديننا. قال فخافنى فوضع فى رجلى قيدا، ثم حبسنى فى بيته» ويظهر أن سلمان استطاع أن يخلص نجيا من قيده، فقد قال: «بعثت إلى النصارى، فقلت لهم إذ اقدم عليكم ركب من الشام، تجار من النصارى، فأخبرونى بهم إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فاذنونى بهم، فلما أرادوا الرجعة ألقيت الحديد من رجلى، ثم خرجت معهم، حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل الدين علما؟ قالوا الأسقف فى الكنيسة. فجئت إليه فقلت له إنى قد رغبت فى هذا الدين فأحببت أن أكون معك، أخدمك فى كنيستك وأتعلم منك وأصلى معك، فدخلت. ويذكر سلمان أنه كان رجل سوء يأمر بالصدقة ويرغب فيها، ثم يكتنز ما يجمعه لنفسه ولا يعطيه المساكين، حتى جمع سبع قلال من الذهب، وأنه يبغضه بغضا شديدا لصنعه، ولما مات واجتمع النصارى ليدفنوه ذكر لهم سلمان ما صنع، ودلهم على مكان كنزه، فصلبوه، ورموه بالحجارة.
стр. 246
انتقل من بعد ذلك سلمان إلى خدمة أسقف صالح، كان يدأب على العبادة ليلا ونهارا، فأقام معه زمنا طويلا، ولما حضرته الوفاة استوصاه سلمان وقال له: «إلى من توصى بى، وبم تأمرنى؟ قال: بنى والله ما أعلم أحدا على ما كنت عليه فقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل فالحق به» .
لحق سلمان بصاحبه بالموصل، فوجده على خير عظيم، ولما حضرته الوفاة قال له: «إلى من توصى بى وبم تأمرنى: قال: يا بنى والله ما أعلم رجلا على ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين «١» » .
ولما ذهب إلى رجل نصيبين وحضرته الوفاة دله على رجل بعمورية سافر إليه، ووجده خير رجل وأقام عنده خير إقامة، واتجه إلى الاكتساب فاكتسب بقرات وغنما، ولما حضرته الوفاة قال له بمن توصى بى وبم تأمرنى. «قال أى بنى، والله ما أعلم أحدا أصلح على مثل ما كنا عليه من الناس امرك أن تأمنه ولكنه أظل زمان نبى، وهو مبعوث بدين إبراهيم ﵇، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين «٢» بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق به بتلك البلاد فافعل» .
وقد شد سلمان رحيله إلى وادى القرى، ثم إلى المدينة، إذ مر به نفر من تجار كلب، فقال لهم احملونى إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتى وغنيمتى هذه، فرضوا بهذه الصفقة، ولكنهم مكروا به وغدروا فما أن بلغوا به وادى القرى حتى ظلموه، وباعوه على أنه عبد إلى رجل يهودى، ولكنه أسلم نفسه لربه الذى طوف فى الافاق يبتغى الدين الحق الذى يريد أن يعبد الله تعالى على مقتضى شريعته، وترك العيش الرافغ فى ظل أبيه، وسار فى المهامه والقفار طالبا الهداية.
رأى النخلات التى وصفها له أسقف عمورية، وفرح إذ بيع من اليهودى الذى اشتراه إلى عم له من بنى قريظة، فحمله إلى المدينة.
وفى هذه الأثناء حيث كان يقيم هو بالمدينة كان محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد بعثه الله تعالى نبيا، وما كان يعلم سلمان رضى الله تعالى عنه من أمر ذلك شيئا، لأنه شغله الرق عن أن يتتبع أخبار من بشرت به الكتب، ونقله الأساقفة، وتحدث به الرهبان.
وقد هاجر محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبينا هو فى رأس عذق «٣» لمالكه يعمل به بعض العمل، إذ أقبل ابن عم لهذا المالك فوقف عليه يسب أهل المدينة من الأوس والخزرج، ويقول: «والله إنهم الان لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة المكرمة اليوم، يزعمون أنه نبى» «٤» .
стр. 247
ويستمر سلمان فى قصته، فيذكر أنه أصابته رعدة حماسة للذهاب إلى قباء حيث سمع أن المجتمعين بقباء فيهم من يقول أنه نبى، وقد بين له أسقف عمورية أن مهاجر النبى المنتظر سيكون بهذه الأرض، فأخذ الأهبة، وذهب إلى قباء ومعه مال قليل، وهنا يلتقى العيان بالخبر، لقد أخبر فى غيبة محمد بن عبد الله ﵊ أنه نبى وسلك الفيافى والقفار ليلقاه وهو يعلم بنبئه، وجرى الحديث بينهما. يختبر به حاله، لقد رأى المكان، كما أخبر الأسقف، ولم يبق إلا أن يختبر، لقد قيل أنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وأن بين كتفيه خاتما.
عند اللقاء قال سلمان: «إنه قد بلغنى أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندى للصدقة، فرأيتكم أحق بها من غيركم» .
لم يأكل منها النبى ﷺ ، وقال لأصحابه، كلوا وأمسك يده «وبهذا تبين الوصف الذى علمه من قبل، وقال سلمان فى نفسه: هذا واحدة» فأراد أن يختبر أيقبل الهدية ليتكامل الوصف.
جمع شيئا مما يهدى، وتحول إلى رسول الله ﷺ فى المدينة، وجاءه، وقال له:
«إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها» فأكل منها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأكل معه أصحابه.
قال سلمان فى نفسه: هذه الثانية.
وسلمان علم من وصف أسقف عمورية، أن بين كتفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاتم النبوة، فأراد أن يعرفه ولم يبق إلا ذلك ليستوثق من تحقق الخبر مع الخبر.
يقول رضى الله عنه: «سلمت عليه أى على الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبى، فلما رانى رسول الله ﵊ استدبرته عرف أنى أستثبت من شيء، وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره. فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأقبلت عليه أقبله، وأبكى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تحول، فتحولت، فجلست بين يديه» «١» .
كان سلمان فى الرق، فشغله عن أن يلازم النبى ﵊، حتى أنه لم يستطع أن يحضر غزوة بدر، وأشار عليه النبى من بعد بأن يعقد عقد مكاتبة مع مالك رقبته، أى يتعهد له بمال أو بمنفعة يقدمها فى نظير عتقه، ففعل، وعاونه الصحابة فى تنفيذ عقده، وصار من بعد حرا.
١٨٣- سقنا ذلك الخبر بعد اختصاره، وهو مع الاختصار طويل، سقناه لأمرين.
стр. 248
أولهما- كيف يرضى طالب الحق بالتعب فى سبيل طلبه، هذا شاب صغير يكاد يكون غلاما، يعيش فى ظل أبيه فى عيش رافغ، وهناءة من الرزق، يرى كنيسة فيها عباد لا يعبدون النار الذى كان سادنا لها، فتستهواه عبادتهم، فيتقدم لأبيه برغبته فى أن يكون نصرانيا فيكبله أبوه بالحديد، فلا ينثنى، ويجتهد فى أن يفك أغلاله، ويلحق بهم فيكون له ما يريد، ثم يحمل نفسه عناء الانتقال من إقليم إلى إقليم حتى يصل إلى الحق الذى يريده، ويصاب بالرق فيصبر، ولا ينثنى عن غايته، ويقبل أن يعيش مظلوما فى قيد الرق صابرا محتسبا، حتى يصل إلى غايته، وهو التقاؤه بمن يطلبه حتى وجده، وكان العون من الله فى فك رقبته، إنه العابد الصابر حقا، من يوم فك قيود أبيه، فقد فك معها قيود عقله، ونفسه، وصار ديانا لله ، لا يبغى إلا رضاه، وإذا كان قد غادر أباه فقد انتهى إلى حضن رسول الحق فاحتضنه هو، وقال ﵊: سلمان منا ال البيت.
الأمر الثانى: وهو الجوهرى فى القضية أن أمر نبى منتظر كان معروفا بين العرب فى عصر النبى ﵊، وهو المقصد الأصلى من سوق القصة مع طولها، فالعرب كانت أسباب العلم برسالة النبى ﷺ معلومة عندهم، علمها طلابها، والذين صفت نفوسهم وجهلها الأكثرون لعدم الاتجاه إلى تعرفها، ولم يكن عندهم الاتجاه الدينى ليعرفوا ما لم يعرفوا من شئون الدين فى قابل حياتهم، حتى جاءهم البشير النذير يقرع بالحجة القاطعة مسامعهم، ليكون من بعد ذلك العقاب أو الثواب، قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ.
يهود تخبر عن النبى [ ﷺ ] المنتظر:
١٨٤- قد ذكرنا فيما مضى إشارة إلى أن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا من الوثنيين بنبى مرسل يكون لهم، ويكون على الوثنيين، ينصر اليهود، ذكرنا بالإشارة، ولكن فى هذا المقام لا تغنى الإشارة عن العبارة، فلابد من أن نذكر بعض الإيضاح ليتبين الباحثون من معرفة أن العصر كانت فيه البيانات الكافية التى تبين أن رسولا من قبل الله تعالى وشيك أن يظهره الله تعالى بينهم مصحوبا بحجته، مبينا باياته ودعوته.
ولم يكن ذكر النبى ﵊ لمن عاصروه من الأوس والخزرج فقط، بل كان من قبل أن تقع الحروب بين اليهود وبينهم.
فقد ثبت فى التاريخ أن تبعا أبا كريب اليمنى جاء إلى يثرب وأحنقه أن بعض أهلها قتل رجلا من رجاله، فقاتلهم، وبينا تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بنى قريظة، وهما عالمان بأصول الديانة اليهودية ومصادرها، والمخبوء من وثائقها، وقالوا له:
стр. 249
«أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد، حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك العقوبة» فقال لهما: ولم ذلك: قالا: «هى مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش تكون داره وقراره» «١» .
ولقد كانت أخبار اليهود بنبى يجيء تشيع فى يثرب، وتنتقل إلى أهلها طبقة بعد طبقة، وكان من أسباب مسارعة الأنصار للاستجابة للنبى ﵊، وكان لهم بذلك علم بالكتاب أتى إليهم من اليهود، وقد ذكر قتادة عن رجال قومه، والسبب فى مسارعتهم إلى إجابة النبى ﵊ إلى النصرة والإيمان فقال:
«إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله، وهداه لنا لما كنا نسمع عن رجال يهود، وكنا أهل شرك وأوثان، وكان عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الان نقاتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا مما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فامنا به وكفروا» «٢» .
ولم يكن اليهود يذكرون خبر النبى ﵊ مقتصرين على الخبر، بل يذكر مع ذلك الإيمان باليوم الاخر، والجزاء بالنعيم المقيم، أو بالجحيم، ويظهر أنهم لم يكونوا من الذين ينكرون البعث، ففيهم من يصدقه، ومنهم من يكفر به.
ولقد ذكر بعض من الأنصار، وهو سلمة بن سلام، فقال:
«كان لنا جار من يهود بنى عبد الأشهل، فخرج علينا من بيته، حتى وقف على بنى عبد الأشهل؛ فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان، والجنة والنار. فقالوا له: ويحك، أو ترى هذا كائنا: أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم!! قال نعم، والذى يحلف به ... فقالوا له: ويحك، فما اية ذلك! قال: نبى مبعوث نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة المكرمة واليمن، فقالوا:
ومتى نراه، قال سلمة: فنظر إلى وأنا من أحدثهم سنا فقال: «إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه» «٣» .
قال سلمة: «فو الله ما ذهب الليل والنهار، حتى بعث الله محمدا رسول الله، ﷺ وهو حى بين أظهرنا، فامنا به، وكفروا به بغيا وحسدا» .
ولقد عرف بعض اليهود وصف النبى ﵊ وفيه إنه يسبق حلمه جهله، فهو لا يحمق.
стр. 250
ولقد روى عن عبد الله بن سلام الصحابى أنه قال: لما أراد الله تعالى هدى زيد بن سمية، قال:
لم يبق شيء من علامات النبوة إلا عرفتها فى وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين، لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه، فأعرف حلمه وجهله» فذكر قصة إسلافه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم مالا فى ثمرة.
قال: فلما حل الأجل أتيته، فأخذت بمجامع قميصه وردائه، وهو فى جنازة مع أصحابه، ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت: يا محمد، ألا تقضينى حقى، فو الله علمتكم يا بنى عبد المطلب لمطل. فنظر إلى عمر، وعيناه تدوران فى وجهه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ﵊ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فو الذى بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفى رأسك، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة، وتبسم ثم قال: أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر: أن تأمرنى بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب، اذهب به يا عمر، فاقضه حقه وزد عشرين صاعا من تمر، فأسلم» .
١٨٥- هذه نقول تاريخية ثابتة تبين أن العصر الذى بعث فيه ﵊ كان عصرا يدور فيه كلام حول نبى يرسل، وقد كان لهذا الكلام مصدران:
أولهما- ما كان يحاوله الذين أرادوا إحياء ملة إبراهيم ﵇، فقد كان بعض من أهل مكة المكرمة يؤمنون بضرورة إحياء ملة إبراهيم الحنيفية السمحة، وقد وجدوا بفطرتهم أن الله لا يدع ذربة إبراهيم بورا لا هادى يهداهم، ولا مرشد يرشدهم. وقد رأيت من خرجوا على أقوامهم، واطمأن بعضهم إلى النصرانية فدخلوها، وبعضهم أخذ يطوف فى الأرض حيث يبحث عن عقائد سليمة لا تدخلها الوثنية، ومات شهيدا فى طلب الحقيقة، وذكر محمد ﷺ من بعد بعثته أن الله تعالى سيبعثه أمة واحده، فرضى الله تعالى عنه.
ثانيهما- الكتب السابقة، وأقوال الأحبار والرهبان، وعلماء الأخبار من اليهود والنصارى، فبحيرى الراهب كان قد لقى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم غلاما، وطبق الأوصاف التى لديه، ونسطورا الراهب قد لقيه وهو شاب، كانت أخبار اللقاءين تذيع وتشيع عند العرب، وفوق ذلك كان نصارى نجران وغيرهم يذكرون للناس ترقبهم لنبى منتظر، كانت أوصافه لديهم وكان محمد أكثر ذكرا، لا أنهم يريدون إعلان حقيقة، أو ابتغاء هداية، بل شفاء غيظهم، وإطفاء نار حقدهم أو التمادى فيه، فقد كانوا يعلنون ذلك عندما تحز فى أجسامهم سيوف الوثنيين، فيذكرون خبره، ويقولون: سنقتلكم معه، كما قتل عاد وإرم.