انتقل من بعد ذلك سلمان إلى خدمة أسقف صالح، كان يدأب على العبادة ليلا ونهارا، فأقام معه زمنا طويلا، ولما حضرته الوفاة استوصاه سلمان وقال له: «إلى من توصى بى، وبم تأمرنى؟ قال: بنى والله ما أعلم أحدا على ما كنت عليه فقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل فالحق به» .
لحق سلمان بصاحبه بالموصل، فوجده على خير عظيم، ولما حضرته الوفاة قال له: «إلى من توصى بى وبم تأمرنى: قال: يا بنى والله ما أعلم رجلا على ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين «١» » .
ولما ذهب إلى رجل نصيبين وحضرته الوفاة دله على رجل بعمورية سافر إليه، ووجده خير رجل وأقام عنده خير إقامة، واتجه إلى الاكتساب فاكتسب بقرات وغنما، ولما حضرته الوفاة قال له بمن توصى بى وبم تأمرنى. «قال أى بنى، والله ما أعلم أحدا أصلح على مثل ما كنا عليه من الناس امرك أن تأمنه ولكنه أظل زمان نبى، وهو مبعوث بدين إبراهيم ﵇، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين «٢» بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق به بتلك البلاد فافعل» .
وقد شد سلمان رحيله إلى وادى القرى، ثم إلى المدينة، إذ مر به نفر من تجار كلب، فقال لهم احملونى إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتى وغنيمتى هذه، فرضوا بهذه الصفقة، ولكنهم مكروا به وغدروا فما أن بلغوا به وادى القرى حتى ظلموه، وباعوه على أنه عبد إلى رجل يهودى، ولكنه أسلم نفسه لربه الذى طوف فى الافاق يبتغى الدين الحق الذى يريد أن يعبد الله تعالى على مقتضى شريعته، وترك العيش الرافغ فى ظل أبيه، وسار فى المهامه والقفار طالبا الهداية.
رأى النخلات التى وصفها له أسقف عمورية، وفرح إذ بيع من اليهودى الذى اشتراه إلى عم له من بنى قريظة، فحمله إلى المدينة.
وفى هذه الأثناء حيث كان يقيم هو بالمدينة كان محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد بعثه الله تعالى نبيا، وما كان يعلم سلمان رضى الله تعالى عنه من أمر ذلك شيئا، لأنه شغله الرق عن أن يتتبع أخبار من بشرت به الكتب، ونقله الأساقفة، وتحدث به الرهبان.
وقد هاجر محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبينا هو فى رأس عذق «٣» لمالكه يعمل به بعض العمل، إذ أقبل ابن عم لهذا المالك فوقف عليه يسب أهل المدينة من الأوس والخزرج، ويقول: «والله إنهم الان لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة المكرمة اليوم، يزعمون أنه نبى» «٤» .
стр. 247
ويستمر سلمان فى قصته، فيذكر أنه أصابته رعدة حماسة للذهاب إلى قباء حيث سمع أن المجتمعين بقباء فيهم من يقول أنه نبى، وقد بين له أسقف عمورية أن مهاجر النبى المنتظر سيكون بهذه الأرض، فأخذ الأهبة، وذهب إلى قباء ومعه مال قليل، وهنا يلتقى العيان بالخبر، لقد أخبر فى غيبة محمد بن عبد الله ﵊ أنه نبى وسلك الفيافى والقفار ليلقاه وهو يعلم بنبئه، وجرى الحديث بينهما. يختبر به حاله، لقد رأى المكان، كما أخبر الأسقف، ولم يبق إلا أن يختبر، لقد قيل أنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وأن بين كتفيه خاتما.
عند اللقاء قال سلمان: «إنه قد بلغنى أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندى للصدقة، فرأيتكم أحق بها من غيركم» .
لم يأكل منها النبى ﷺ ، وقال لأصحابه، كلوا وأمسك يده «وبهذا تبين الوصف الذى علمه من قبل، وقال سلمان فى نفسه: هذا واحدة» فأراد أن يختبر أيقبل الهدية ليتكامل الوصف.
جمع شيئا مما يهدى، وتحول إلى رسول الله ﷺ فى المدينة، وجاءه، وقال له:
«إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها» فأكل منها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأكل معه أصحابه.
قال سلمان فى نفسه: هذه الثانية.
وسلمان علم من وصف أسقف عمورية، أن بين كتفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاتم النبوة، فأراد أن يعرفه ولم يبق إلا ذلك ليستوثق من تحقق الخبر مع الخبر.
يقول رضى الله عنه: «سلمت عليه أى على الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبى، فلما رانى رسول الله ﵊ استدبرته عرف أنى أستثبت من شيء، وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره. فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأقبلت عليه أقبله، وأبكى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تحول، فتحولت، فجلست بين يديه» «١» .
كان سلمان فى الرق، فشغله عن أن يلازم النبى ﵊، حتى أنه لم يستطع أن يحضر غزوة بدر، وأشار عليه النبى من بعد بأن يعقد عقد مكاتبة مع مالك رقبته، أى يتعهد له بمال أو بمنفعة يقدمها فى نظير عتقه، ففعل، وعاونه الصحابة فى تنفيذ عقده، وصار من بعد حرا.
١٨٣- سقنا ذلك الخبر بعد اختصاره، وهو مع الاختصار طويل، سقناه لأمرين.
стр. 248
أولهما- كيف يرضى طالب الحق بالتعب فى سبيل طلبه، هذا شاب صغير يكاد يكون غلاما، يعيش فى ظل أبيه فى عيش رافغ، وهناءة من الرزق، يرى كنيسة فيها عباد لا يعبدون النار الذى كان سادنا لها، فتستهواه عبادتهم، فيتقدم لأبيه برغبته فى أن يكون نصرانيا فيكبله أبوه بالحديد، فلا ينثنى، ويجتهد فى أن يفك أغلاله، ويلحق بهم فيكون له ما يريد، ثم يحمل نفسه عناء الانتقال من إقليم إلى إقليم حتى يصل إلى الحق الذى يريده، ويصاب بالرق فيصبر، ولا ينثنى عن غايته، ويقبل أن يعيش مظلوما فى قيد الرق صابرا محتسبا، حتى يصل إلى غايته، وهو التقاؤه بمن يطلبه حتى وجده، وكان العون من الله فى فك رقبته، إنه العابد الصابر حقا، من يوم فك قيود أبيه، فقد فك معها قيود عقله، ونفسه، وصار ديانا لله ، لا يبغى إلا رضاه، وإذا كان قد غادر أباه فقد انتهى إلى حضن رسول الحق فاحتضنه هو، وقال ﵊: سلمان منا ال البيت.
الأمر الثانى: وهو الجوهرى فى القضية أن أمر نبى منتظر كان معروفا بين العرب فى عصر النبى ﵊، وهو المقصد الأصلى من سوق القصة مع طولها، فالعرب كانت أسباب العلم برسالة النبى ﷺ معلومة عندهم، علمها طلابها، والذين صفت نفوسهم وجهلها الأكثرون لعدم الاتجاه إلى تعرفها، ولم يكن عندهم الاتجاه الدينى ليعرفوا ما لم يعرفوا من شئون الدين فى قابل حياتهم، حتى جاءهم البشير النذير يقرع بالحجة القاطعة مسامعهم، ليكون من بعد ذلك العقاب أو الثواب، قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ.
يهود تخبر عن النبى [ ﷺ ] المنتظر:
١٨٤- قد ذكرنا فيما مضى إشارة إلى أن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا من الوثنيين بنبى مرسل يكون لهم، ويكون على الوثنيين، ينصر اليهود، ذكرنا بالإشارة، ولكن فى هذا المقام لا تغنى الإشارة عن العبارة، فلابد من أن نذكر بعض الإيضاح ليتبين الباحثون من معرفة أن العصر كانت فيه البيانات الكافية التى تبين أن رسولا من قبل الله تعالى وشيك أن يظهره الله تعالى بينهم مصحوبا بحجته، مبينا باياته ودعوته.
ولم يكن ذكر النبى ﵊ لمن عاصروه من الأوس والخزرج فقط، بل كان من قبل أن تقع الحروب بين اليهود وبينهم.
فقد ثبت فى التاريخ أن تبعا أبا كريب اليمنى جاء إلى يثرب وأحنقه أن بعض أهلها قتل رجلا من رجاله، فقاتلهم، وبينا تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بنى قريظة، وهما عالمان بأصول الديانة اليهودية ومصادرها، والمخبوء من وثائقها، وقالوا له:
стр. 249
«أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد، حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك العقوبة» فقال لهما: ولم ذلك: قالا: «هى مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش تكون داره وقراره» «١» .
ولقد كانت أخبار اليهود بنبى يجيء تشيع فى يثرب، وتنتقل إلى أهلها طبقة بعد طبقة، وكان من أسباب مسارعة الأنصار للاستجابة للنبى ﵊، وكان لهم بذلك علم بالكتاب أتى إليهم من اليهود، وقد ذكر قتادة عن رجال قومه، والسبب فى مسارعتهم إلى إجابة النبى ﵊ إلى النصرة والإيمان فقال:
«إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله، وهداه لنا لما كنا نسمع عن رجال يهود، وكنا أهل شرك وأوثان، وكان عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الان نقاتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا مما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فامنا به وكفروا» «٢» .
ولم يكن اليهود يذكرون خبر النبى ﵊ مقتصرين على الخبر، بل يذكر مع ذلك الإيمان باليوم الاخر، والجزاء بالنعيم المقيم، أو بالجحيم، ويظهر أنهم لم يكونوا من الذين ينكرون البعث، ففيهم من يصدقه، ومنهم من يكفر به.
ولقد ذكر بعض من الأنصار، وهو سلمة بن سلام، فقال:
«كان لنا جار من يهود بنى عبد الأشهل، فخرج علينا من بيته، حتى وقف على بنى عبد الأشهل؛ فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان، والجنة والنار. فقالوا له: ويحك، أو ترى هذا كائنا: أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم!! قال نعم، والذى يحلف به ... فقالوا له: ويحك، فما اية ذلك! قال: نبى مبعوث نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة المكرمة واليمن، فقالوا:
ومتى نراه، قال سلمة: فنظر إلى وأنا من أحدثهم سنا فقال: «إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه» «٣» .
قال سلمة: «فو الله ما ذهب الليل والنهار، حتى بعث الله محمدا رسول الله، ﷺ وهو حى بين أظهرنا، فامنا به، وكفروا به بغيا وحسدا» .
ولقد عرف بعض اليهود وصف النبى ﵊ وفيه إنه يسبق حلمه جهله، فهو لا يحمق.
стр. 250
ولقد روى عن عبد الله بن سلام الصحابى أنه قال: لما أراد الله تعالى هدى زيد بن سمية، قال:
لم يبق شيء من علامات النبوة إلا عرفتها فى وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين، لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه، فأعرف حلمه وجهله» فذكر قصة إسلافه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم مالا فى ثمرة.
قال: فلما حل الأجل أتيته، فأخذت بمجامع قميصه وردائه، وهو فى جنازة مع أصحابه، ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت: يا محمد، ألا تقضينى حقى، فو الله علمتكم يا بنى عبد المطلب لمطل. فنظر إلى عمر، وعيناه تدوران فى وجهه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ﵊ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فو الذى بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفى رأسك، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة، وتبسم ثم قال: أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر: أن تأمرنى بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب، اذهب به يا عمر، فاقضه حقه وزد عشرين صاعا من تمر، فأسلم» .
١٨٥- هذه نقول تاريخية ثابتة تبين أن العصر الذى بعث فيه ﵊ كان عصرا يدور فيه كلام حول نبى يرسل، وقد كان لهذا الكلام مصدران:
أولهما- ما كان يحاوله الذين أرادوا إحياء ملة إبراهيم ﵇، فقد كان بعض من أهل مكة المكرمة يؤمنون بضرورة إحياء ملة إبراهيم الحنيفية السمحة، وقد وجدوا بفطرتهم أن الله لا يدع ذربة إبراهيم بورا لا هادى يهداهم، ولا مرشد يرشدهم. وقد رأيت من خرجوا على أقوامهم، واطمأن بعضهم إلى النصرانية فدخلوها، وبعضهم أخذ يطوف فى الأرض حيث يبحث عن عقائد سليمة لا تدخلها الوثنية، ومات شهيدا فى طلب الحقيقة، وذكر محمد ﷺ من بعد بعثته أن الله تعالى سيبعثه أمة واحده، فرضى الله تعالى عنه.
ثانيهما- الكتب السابقة، وأقوال الأحبار والرهبان، وعلماء الأخبار من اليهود والنصارى، فبحيرى الراهب كان قد لقى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم غلاما، وطبق الأوصاف التى لديه، ونسطورا الراهب قد لقيه وهو شاب، كانت أخبار اللقاءين تذيع وتشيع عند العرب، وفوق ذلك كان نصارى نجران وغيرهم يذكرون للناس ترقبهم لنبى منتظر، كانت أوصافه لديهم وكان محمد أكثر ذكرا، لا أنهم يريدون إعلان حقيقة، أو ابتغاء هداية، بل شفاء غيظهم، وإطفاء نار حقدهم أو التمادى فيه، فقد كانوا يعلنون ذلك عندما تحز فى أجسامهم سيوف الوثنيين، فيذكرون خبره، ويقولون: سنقتلكم معه، كما قتل عاد وإرم.
стр. 251
بهذا انتشر خبر مجيء النبى ﵊، وتوقع المفكرون مجيئه وأن زمانه قد حان، فجاء مصدقا لما بين يديه من الكتب التى لم تحرف، رحمة للعالمين، وهاديا للحق، ونصيرا له، وقد أيده الله تعالى بالحجة الباهرة.
أخبار الكهان:
١٨٦- تذكر كتب السيرة أن الكهان قد بشروا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد كان فى نيتنا أن نعرض عن ذلك الكلام، لأنه فتح لباب الأوهام فى سيرة سيد الأنام، نبى الحق والعقل وبعث المدارك نحو الحقيقة، من غير أن يسيطر عليها وهم، أو يتغلغل فيها خرافة ليست قائمة على حكم العقل، أو الخبر الصادق المنقول باسناد صحيحة.
ولأن هذه الأخبار عن الكهان ليست ثابتة بسند صحيح يطمأن إليه، ولأنه لم يثبت أن النبى ﵊ قبل البعثة كان يلجأ إلى الكهان، أو يطمئن إلى أقوالهم، ولأنه إذا كان الكهان قد قالوا شيئا فى البشارة بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وكانت صادقة، فإن ذلك قد يكونون علموه من الكتب السابقة أو أصحابها، وقد كانوا قبل البعثة علماء العرب، وربما يكونون قد أخذوا يبثون ما عندهم فى شكل الكهانة، وفى سجع الكهان الذى نهى عنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد بعثته.
كنا نوينا ترك الكلام فى الكهانة، لأن الضرر فى ذكرها أكبر من نفعها.
ولكنا حملنا على الكتابة فيها.. أولا- لأن بعض كتاب السيرة من المحدثين تعرضوا لها مصادقين، وأن المستشرقين قد اتخذوها ذريعة لربط الدعوة المحمدية بالكهان، وللربط بين القران المنزل رحمة للعالمين وسجعهم، ولأن بعض الكاتبين توهم تبعا لهم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يديم السماع للكهان قبل البعثة. فوجب التصدى.
١٨٧- ونبتديء من الكلام في أخبار الكهان بخبر نسب إلي سيف بن ذي يزن الحميري، وقيل إنه من هواتف الجان فقد جاء في كتاب هواتف الجان، وإليها تنسب كهانة الكهان، جاء في هذا الكتاب ما نصه بعد أن التقي بعبد المطلب: «أيهم المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم «١» قال: نعم. ادن مني، فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم: قال «مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناما سهلا، وملكا ربجلا، يعطى عطاء أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء اذا ظعنتم» .
стр. 252
بعد هذا مكثوا شهرا لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه ثم قال: «يا عبد الله إنى مفض إليك من سر علمى ما لو يكون غيرك لم أبح به، ولكنى رأيتك معدنه، فأطلعتك طليعة، فليكن عندك مطويا، حتى يأذن الله تعالى فيه، فإن الله تعالى بالغ أمره. إنى أجد فى الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذى اخترناه لأنفسنا، واحتجّناه دون غيرنا، خبرا عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاء للناس عامة، ورهطك كافة ولك خاصة» .
فقال عبد المطلب: مثلك سر وبر، فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر.
قال سيف بن ذى يزن ساجعا سجع الكهان: «إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة وله به الزعامة إلى يوم القيامة» .
قال عبد المطلب: - أبيت اللعن- لقد أتيت بخبر ما اب به وافده، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياى ما أزداد به سرورا.
قال ابن ذى يزن.: «هذا حينه الذى يولد فيه، أوقد ولد. اسمه محمد ﷺ يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد تاه مرارا؛ والله باعثه جهارا، وجاعل منا أنصارا يعزيهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس من عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان، ويخمد النيران، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
قال عبد المطلب: عز جدك وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك، فهذا نجارى، فهل الملك سار لى بإفصاح، فقد أوضح لى بعض الإيضاح.
قال ابن ذى يزن «والبيت ذى الحجب، والعلامات على النقب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب» .
فخر عبد المطلب ساجدا، فقال: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك.
قال عبد المطلب: كان لى ابن، وكنت به معجبا، وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه، امنة بنت وهب. فجاءت بغلام سميته محمدا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه» .
قال ابن ذى يزن: «إن الذى قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فانهم له
стр. 253
أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإنى لست امن أن تدخل عليهم النفاسة من أن تكون لكم الرياسة، فيطلبون الغوائل، وينصبون له الحبائل، فهم فاعلون أو أبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مجتاحى قبل مبعثه، لسرت بخيلى ورجلى حتى أصير بيثرب دار مملكته، فإنى أجد فى الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن بيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أنى أقيه الافات وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، ولكنى صارف ذلك إليك عن غير تقصير لمن معك» «١» .
١٨٨- هذا كتاب ما فيه بلا ريب حق من حيث البشارة بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولعله إن صدقت النسبة إلى سيف بن ذى يزن يكون مصدره ما وصل إليه من علم، فقد كان نصرانيا متعرفا، ولم يكن وثنيا أميا. ولا يمكننا أن نقول أن ابن ذى يزن من الكهان، وإن وجد الموضوع فى كتاب هواتف الجان، ويقال إن الكهان كانوا يخاطبون بهواتف الجان، ونقول إن فيه سجع الكهان، وإن لم يستغرقه، بل كان فيه بعضه، ولعل هذا من صنيع الكهان، وقد أرادو أن يجعلوه من الكهان بعبارات السجع فيه أولا، وجعله فى كتاب هواتف الجان ثانيا.
وفى الواقع أن الحديث كما ذكر ممن له علم بالكتاب وكان مستفيضا مشهورا.
ومن ذلك ما روى بالأسانيد الصحيحة عن بعض المضريين قال:
شارفنا الشام، ونزلنا على غدير به شجرات، فسمع كلامنا راهب، فأشرف علينا فقال: «إن هذه لغة ما هى بلغة هذه البلاد، فقلنا: نعم. نحن قوم من مضر، قال: من أى مضر؟ قلنا: من خندف.
قال: أما إنه سيبعث وشيكا نبى خاتم النبيين، فسارعوا إليه، وخذوا بحظكم منه ترشدوا، فقلنا ما اسمه، قال اسمه محمد ﷺ «٢»
وإنه بلا ريب نرى هذا الخبر الذى سقناه يتلاقى مع خبر ابن ذى يزن، بيد أنه لا سجع فيه، ولا ينسب إلى هواتف الجان بل ينسب لراهب من الرهبان نسبه إلى ما عندهم من كتب، لا إلى هواتف من الجان.
١٨٩- فنحن إذا وجدنا فى عبارات الكهان ما يوميء إلى ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فليس من هواتف الجان، أو من علم الكهان وليس مصدره الكهانة، ولكنهم علموه مما يجرى على ألسنة الرهبان، وما تنطق به كتبهم. وما عرف من علم.
стр. 254
ومن ذلك مثلا قول سطيح الكاهن: إذا كثرت التلاوة، وغاضت بحيرة ساوة، وجاء صاحب الهراوة.... مع غيره.
وقال ابن كثير إنه يعنى النبى ﵊، ونرى أولا- أن النبى ما جاء بالهراوة بل جاء برد اعتداء الباطل على الحق بالسيف لا بالهراوة، وثانيا- أنه على فرض أن المراد النبى ﵊ فذلك مما شاع بين العرب من أنه سيكون نبى منتظر، وأن أهل الكتاب يذكرونه بينهم خاصة، ويعلنونه عند الاقتضاء للعامة، سواء فى ذلك اليهود والنصارى وإن كان إعلان النصر أوضح وأبين، واليهود يعلنونه عند الشديدة تنزل بهم فى حروبهم مع الوثنيين، يعلنون مجيء النبى ﵊ كما جاء فى كتبهم تثبيتا لأنفسهم وتخذيلا لخصومهم وتعلقا بالرجاء، وتشفيا من الأعداء بالمستقبل، فكان السبق لأعدائهم، والتخلف لهم، فكان به المال لغيرهم والحال عليهم، وهم الأخسرون دائما إن شاء الله.
هل كان محمد ﵊ يسمع اخبار الأحبار والرهبان والكهان
١٨٩- إن محمدا ﵊ كان يعيش فى مكة المكرمة وهى مدينة أمية لا تقرأ كتابا، ولا تتدارس علما، وكان كأهلها، لا يجلس إلى درس ولا إلى معلم، وإذا كان بعض أهله يعلم القراءة والكتابة، فما كان محمد صلي الله عليه وسلم يعلمها، وما يمتاز به على أهل مكة المكرمة هو خلقه وقوة إدراكه وابتعاده عن عبادة الأوثان واستنكارها، وكراهية الأوثان والحلف بها، من غير أن يكاره قومه، ويعلن بغضهم، بل ما كان يبغض غير قومه، بل كان الودود الألوف، وإن كان لا يسايرهم فيما يفعلون، بل كان ينكر ويستنكر، ولا يلاحى ولا يغاضب، ولا ينافر.
وإن أقصى ما كان يريد معرفته من الديانات هو ديانة إبراهيم، لأن اثاره قائمة بينة؛ وبعض الديانة كان يتبع مع انحراف فى بعضها، وهو الحج، وكانوا يتفاخرون بانتسابهم إلى إبراهيم، وهو يعلم أنه جدهم ونبى مرسل، ويريد محمد ﷺ مع تركه الأوثان أن يعرف ما كان يأمر به إبراهيم عن ربه، وقد علم هو أنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذى ليس بوالد، ولا ولد.
أما غيره من الأنبياء كموسى وعيسى وداود وسليمان، وخصوصا ما كان من دقائق علمهم كالنص على رسول يجيء من بعد موسى وعيسى، وكونه من جبال فاران، أى جبال مكة المكرمة، كما تعبر كتبهم، أو تشير إليه من غير إيضاح واضح، وخصوصا عندما عراها التحريف ونسوا حظا مما ذكروا به.
стр. 255
وإن النبى ﵊ كان يتحدث عنه، ولا يتحدث هو معهم، وإنه عندما التقى ببحيرا الراهب صغيرا كان قومه يتحدثون عنه، ولم يعرف التاريخ أنهم ذكروا له ما حدث به الراهب.
وكذلك الأمر فى رحلته الثانية بعد أن صار شابا سويا، كان الحديث عنه، ولم يثبت أن الحديث كان معه.
وهكذا إذا كان يتلقى الكلام فى نبى منتظر، فإنه يتلقاه كما يتلقى قومه، ولم يعرف أنه كانت له عناية خاصة بتاريخ النصارى؛ ولا بأخبار اليهود ولا بشيء من ذلك، بل عنايته فى مطلع حياته بكسب الرزق؛ وفى شبابه الأول بالتجارة، ثم بعد أن توافر له الرزق انصرف إلى العبادة والتحنف الليالى والشهور، وفى كل أحواله كان كثير التأمل، يدرس الخالق من خلقته، والمنشيء مما أنشأه.
ولكن كتاب الفرنجة يدعون أن محمدا ﵊ كان قبل البعثة يتتبع أخبار اليهود، ويستمع إلى ما يحدث به أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وأنهم يرمون بهذا إلى أمرين:
أحدهما: إثبات أن محمدا ﵊ ما وصل إلى ترك الأوثان إلا بتعاليم اليهود والنصارى، وأنه ما وصل إليها بمنطقه وفطرته وبقايا ديانة إبراهيم ﵇، وكأنهم يريدون أن يصوروا ما كان دون زيد بن نفيل وورقة بن نوفل، وقد ثبت أنه كان يكره اللات والعزى وهو فى الثانية عشرة من عمره، وقد ثبت ذلك فى أخبار بحيرا الراهب.
وثانيهما: ادعاء أن القران الكريم أخذ أخبار النبيين وقصصهم من التوراة والإنجيل، وأن العلم بهذا علم تلق، وليس بوحى من الله تعالي، مع أنه من الثابت أن قصص الأنبياء فى القران هو الصادق الذى لا يمترى فيه، وغيره فيه الفساد والضلال كخبر سكر لوط، ومواقعته ابنتيه، وكزنى داود بامرأة قائد جيشه فهى أكاذيب ليست فى القران الكريم.
وقد تبعهم بعض المغترين بهم من الكتاب عن نية حسنة، ولم يدركوا خبيئة نفوسهم، وخبث تفكيرهم.
ألا فليتركوهم واستنباطهم، وليتتبعوا أخبار النبى ﵊ من كتب السيرة الدقيقة البعيدة عن الأوهام، وليتركوا اتباع الاستنباط الفاسد، من غير خبر تاريخى يؤيده، ولا سند صادق يزكيه.
وليعلموا أن النبى ﵊ كان بعيدا عن الأحبار والرهبان، وما كان يصدق كهانة الكهان، ونهى بعد البعثة عن الاستماع إلى الكهان، وكان يستنكر سجع الكهان، ويستنكر تصرف من يحاكيهم.
стр. 256
خاتم النبيين
البعثة المحمدية
стр. 257
التجلى الأعظم
[التزام النبي ص بأمرين قبل أن يبعث]
١٩١- كان محمد ﷺ قبل أن يبعثه الله رحمة للعالمين ملتزما أمرين:
أولهما -
أنه لم يكن صاحب لهو ولا عبث، كان كذلك غلاما، ثم شاديا، ثم بعد ذلك عاكفا زاهدا، منصرفا عن الناس إلا ما يوجبه حق المجتمع عليه، من عطاء يقدمه لمحتاج، أو معاونة لمستعين، أو إغاثة لملهوف، أو حمل لكل، أو قرى لضيف، أو صلة لرحم، وغير ذلك. فكان المتحمل للواجبات، المعتزل، الذى يؤثر العزلة عن الاندماج فى غمار الناس، حتى لا يصيبه شيء مما يخبثون به، لأنه الطاهر الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكانت حياته الأولى مرشحة لحياته الثانية، واية على أنه ذلك الرجل الذى يستنكر المنكر، ولا يفاحش أو يخاصم أو يجادل، اية على أنه الرسول المنتظر، والنبى المرتقب، وهو فى أحواله فى اختلائه واجتماعه- الأليف المحبوب، الذى قدرته قريش كلها حق قدره.
الأمر الثانى -
أنه قد اتخذ منسكا ينسك فيه، وهو غار حراء، بعد أن أكثر من العبادة، والعكوف على عبادة الله، وقد رأى قريشا يعكفون على أصنام لهم.
وإن الظاهر من حال قريش الذين استمرؤا عبادة الأوثان أنه لم يكن فيهم غير الحنفاء- من يتفكرون فى عبادة، أو يختلون ليعبدوا أوثانهم، فإن ذلك لم يثبت تاريخيا، ولم تذكر واقعة له تنبئ عن ذلك، وإن ما يحيط بهم، وما يثبت من حالهم يدل على أنهم لم يعملوا التفكير فى أمر عبادة، بل كانوا يتبعون ما وجدوا عليه اباءهم من غير تفكير ولا تدبر، ولو أن بعضهم كان يعمد إلى الاختلاء والاعتزال لكان كثيرون منهم يخرجون عن عبادة الأوثان إلى عبادة الديان، إذ أن تأملا يسيرا كان يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن ضلال الوثنية إلى هداية الواحدانية، ولكنهم قوم ماديون، يقولون إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ «١» ، ويقولون: ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ «٢» .
وإذا كان قد جرى على بعض الأقلام أن الاختلاء للعبادة كان نسكا عندهم يعبدون فيه الأوثان وينفردون لذلك، فإنما هو كلام من قوم لا يريدون بالإسلام إلا خبالا، ولا يريدون بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم علوا، ولا يذكرون فيه قول الحق خالصا، بل يموهون فيه ويلبسون الحق بالباطل.
стр. 258
١٩٢- كان محمد بن عبد الله ﷺ يجتهد فى العبادة، ومن وقت أن اطمأن إلى رزقه، ونظم تجارته فى مال خديجة بأن يعمل غيره تحت إشرافه، ولم يكن ثمة حاجة إلى خروجه بنفسه للتجارة، فلم يذكر أنه خرج بنفسه، بعد خروجه وهو فى الخامسة والعشرين من عمره.
وكلما تقدمت به سن الشباب ازداد نسكا واختلاء وانصرافا عن الملاذ والشهوات فى غير تحريم الحلال، أو إبعاد لطيب من طيبات، بل كان يأكل ويشرب فى غير سرف ولا مخيلة، كما بيّن فى شريعته التى أرسل بها رحمة للعالمين.
وقد اتخذ لنفسه شهرا من أشهر السنة يختلى فيه بغار حراء، وكان حراء نسكا للعرب فى جاهليتهم، كما جاء فى البداية والنهاية لابن كثير، فقد قال «وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج إلى حراء فى كل عام شهرا ينسك فيه، وكان من نسك قريش فى الجاهلية» «١» أى أنه كان من الأماكن التى تعتبرها قريش من النسك فى الجاهلية، ولعلهم كانوا يضيفونها إلى نسك الحج، وقد رأى محمد ﷺ أن هذا خير مكان لعبادته، لأنه لا يطرق طول العام، ولم يكن كالبيت الحرام، إذ يطاف بالكعبة المشرفة فيه كل يوم، ويظهر أنه بمضى الزمان قد هجر اتخاذه نسكا، ولعله كان مما أضيف إلى مناسك من غير شريعة إبراهيم ﵇، وليس بحث هذا ذا جداء فى موضوعنا.
جاءت الصحاح بأنه كان ﵊ يتحنث (أى يتعبد على الحنيفية السمحة) الليالى ذوات العدد، وكان يتخذ دائما شهر رمضان من كل عام يتزود لذلك، ويبتدى بالذهاب إلى البيت الحرام يطوف به، ويتصدق بالصدقات العظيمة ويطعم الطعام، ثم يذهب إلى غار فى جبل حراء، لم يكن فى سفحه، بل كان أعلى من ذلك. ولا يصل إليه قاصده إلا بمرتقى صعب، وليس بالسهل، والناظر إليه الان لا يجد الوصول إليه بغير شق النفس مما يدل على أن الله تعالى أعطى محمد بن عبد الله ﵊ بسطة فى الجسم، وقوة احتمال، ورغبة صادقة فى العبادة، لا يقوى عليها إلا أولو العزم من العباد.
حتى إذا أتم الشهر وهو رمضان عاد إلى بيته، وقبل أن يأوى إليه يمر بالبيت الحرام، فيطوف، ويتصدق بما بقى معه من زاد، ويطعم الطعام مما بقى له، ثم يأوى إلى خديجة زوجته الطاهرة.
стр. 259
وإن السياق فى كل الصحاح من أخبار السيرة يستفاد منها أنه كان يتزود بالزاد، ويذهب منفردا ليتم له الاعتكاف بعيدا عن الأهل والصحاب، ولا يكون إلا فى حضرة الحبيب الذى لا شريك له وهو الله .
هذا هو المستفاد من معنى الاختلاء والاعتكاف، ولأنه كان يصرح بأنه يغدو صادرا عن أهله فى الشهر، ويعود دائما إلى أهله بعد أن ينقضى الشهر.
ولكن روى عن ابن إسحاق فى سيرته عبارة تفيد أنه كان يذهب إلى الغار بأهله، وإليك عبارة ابن إسحاق «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره للكعبة الشريفة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله تعالى من ذلك. ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله تعالى به ما أراد من كرامته، من السنة التى بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله» «١» ، وإن هذا الكلام يدل على أن الإيحاء. وهو كان فى الليله التى كانت فيها البعثة النبوية- لم يكن أهله معه، وفيما قبل ذلك كان يكون أهله معه، إذ أنه يصرح بأنه كان يخرج لجواره، ومعه أهله، ولكن لا تجد هذه العبارة فى غير ما نقله ابن إسحاق بل إن معنى الاختلاء والاعتكاف ربما لا يكون متناسقا مع وجود أهله معه، إذ أن معنى الاعتكاف للعبادة يقتضى الابتعاد عن الأهل، والاتجاه إلى الله تعالى واحده.
ولهذا نحن نميل إلى رد ما قاله ابن إسحاق، وإن لم يكن ثمة ما يسوغ لنا أن نقول أنه ربما كان يذهب مع أهله ولا يبقون معه، بل يذهبون فى صحبته، ثم يتركونه من بعد فى واحدته وعبادته.
١٩٣- والان نسوق الخبر، كما جاء فى صحيح البخارى وغيره من صحاح السنة.
يروى البخارى عن عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة رضى الله ﵎ عنها أنها قالت: «أول ما بديء به الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء» «٢» .
стр. 260
وهذه الرواية التى ساقها البخارى عن حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للخلوة أقرب الروايات، وهى أرجحها وأصدقها، وهى تدل على أمور ثلاثة:
أولها- أن الوحى جاء إليه وهو فى غار حراء، ولم يكن معه أهله، وأنه كان يتزود، ولم تذكر أنه كان يصاحبه أهله.
وثانيها- أنه كانت تصفو نفسه وروحه.. وتخلص لله.
وثالثها- أن صفاء النفس أدى إلى صدق رؤياه.
وهنا يثار أمران:
أولهما- من أى وقت ابتدأت ملازمة الخلوة شهرا من كل عام.
ثانيهما- بأى شيء ابتدأ الوحى، ونزول الروح القدس عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، أكانت مواجهته له صلى الله تعالى عليه وسلم بالرؤيا الصادقة أم المشاهدة فى الصحو، لا فى المنام، لذلك موضع من البيان، نوجزه ولا نفصله.
أما أولهما- وهو من أى وقت ابتدأت خلوته صلى الله تعالى عليه وسلم. فإنا نقول فى ذلك أنه من المتفق عليه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نشأ وهو متجه إلى ربه لا يعبد سواه، وأنه التزم أن يكون عابدا من وقت أن بلغ سنا يدرك فيها معنى العبادة، ويعرف فيها حق الخالق على المخلوق، وقد كان يعبد الله تعالى بالتأمل فى خلقه، والتدبر فى ملكوته، واهتدى إليه، وأن يهتدى ابتداء إلى طريق عبادته، فإن ذلك فوق طاقة المعقول، ولابد فيه من المنقول، وقد أشرنا إلى أنه كان يحاول معرفة ديانة إبراهيم التى كانت بقاياها فى البلاد العربية، وخصوصا فى مكة المكرمة، حيث بيت الله الحرام الذى هو أول بيت وضع للناس، وبناه إبراهيم بمكة مباركا وهدى للعالمين فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً «١» .
ورجحنا فى صدر كلامنا أن يكون قد وصل بالصفاء النفسى، وربما بالرؤيا الصادقة إلى صلاة إبراهيم، فلا عبادة من غير صلاة، فما دامت هناك عبادة لمحمد ﵊، صارت رتيبة له، فلابد أن يكون قد اهتدى لصلاة إبراهيم.
стр. 261
وإنه إذا كان قد سار فى طريق التأمل والعبادة، وفى وسط ذلك الديجور المظلم من عبادة الأوثان، لابد أن يختلى محمد ﷺ عنهم لينصرف إلى ربه، ولكيلا يكون فى قلبه غيره، ولكى يعبده كأنه يراه، وقد وصل بقلبه المشرق إلى درجة الإحسان، فالاختلاء إذن كان أمرا لابد منه، ليكون لله واحده.
ولكن ذلك النظام الرتيب الذى التزمه، بأن يعبد الله منفردا بعبادته طول العام، ثم يختلى خلوة العابد شهرا من كل عام، هو شهر رمضان، فى أى وقت ابتدأ؟ الظاهر من عبارات الصحاح من الأخبار أن ذلك لم يكن فقط عام البعث المحمدى، بل ذلك العام اختتم بأن الحق نزل عليه، وجاءه روح القدس رسولا من عند ربه، فلابد أن يكون قبل ذلك النظام الرتيب، ونحسب أنه قبله بأعوام، لا نستطيع أن نحدس بها، وإن كان يتسابق إلى عقولنا، أنها مدة لا تقل عن خمس سنين، من وقت تمام بناء البيت الحرام، ووضعه الحجر الأسود بيده الكريمة، وإن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.
١٩٤- بقى أن ننظر فى الأمر الثانى، وهو بأى شيء ابتدأ الوحى، لقد قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله ﵎ عنها «إن الوحى ابتدأ بالرؤيا الصادقة، فكان لا يرى الرؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» وإن ذلك لا يدل على أن ابتداء إنباء الله تعالى لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم كان بالرؤيا الصادقة.
ولكنه يدل على أن ابتداء الإشراق الإلهى، والاتصال الربانى كان بالرؤيا الصادقة، والرؤيا الصادقة، وإن كانت جزا من الإلهام الإلهى، وليست هى الوحى الذى يقام عليه التكليف بالنسبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال ﵊: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزا من الوحى» فليست بالنسبة للنبى ﵊ هى الوحى، وإن كانت بالنسبة لإبراهيم ﵇ كانت وحيا كاملا، وبالبناء عليها هم بأن يذبح ولده إسماعيل ﵇، حتى هداه رب العالمين، كما قال تعالى:
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ «١» فكانت الرؤيا إنباء.
إن المقرر لدى المؤرخين للسيرة الطاهرة أن الوحى ابتدأ بخطاب روح القدس جبريل ﵇، ولكن جاء فى سيرة ابن إسحاق أن أول خطاب لجبريل لمحمد ﵊ كان برؤيا صادقة فى المنام، ثم صحا يحفظها ﵊.
فقد جاء فى سيرة ابن هشام: «وجاء جبريل ﵇ بأمر الله تعالى، قال رسول الله ﷺ ، فجاءنى وأنا نائم بنمط «٢» من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ. قال: فغتنى به،
стр. 262
حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ، فغتنى به. حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال اقرأ قال فقلت ماذا أقرأ ما أقول ذلك الا افتداء لى أن يعود لى بمثل ما صنع بى. فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ. بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «١» قال فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى، فكأنما كتبت فى قلبى كتابا، فخرجت حتى إذا كنت فى وسط الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، قال: فوقفت أنظر إليه، وما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف عنه وجهى فى افاق السماء فلا أنظر فى ناحية فيها إلا رأيته كذلك، فمازلت واقفا ما أتقدم أمامى، وما أرجع ورائى، حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، فبلغوا أعلى مكان، ورجعوا إليها وأنا فى مكانى ذلك، ثم انصرف عنى» .
وإنه لا شك ثمة فرق جوهرى فى الخبرين:
١٩٥- فالخبر الذى جاءت به الصحاح يفيد بأن الالتقاء بالأمين جبريل ﵇ كان فى صحو لا فى منام، والثانى يفيد أن الالتقاء كان فى المنام، لا فى الصحو، وإن كانت رؤيا كأنها الصحو، لأنه بعد أن استفاق من نومه تذكر كل ما قال لم ينس منه حرفا واحدا، فكان وحيا بلا ريب، والاختلاف بين الخبرين فى الرواية لا فى أصل المعنى، فهما متلاقيان غير متخالفين.
ومع هذا التلاقى فى المعنى، فإن هناك اختلافا فى الواقعة، أكانت فى نوم، أم كانت فى يقظة، وإن الكثيرين من العلماء قالوا مادام المعنى واحدا فى الروايتين وليستا متعارضتين، فإن التوفيق يكون بتكرار الواقعة، وقعت فى النوم، ووقعت فى اليقظة، فهى قد ابتدأت اللقاات بين محمد ﷺ وروح القدس فى المنام، ثم كانت فى اليقظة والمنام، كان تمهيدا للمجاهرة فى اليقظة.
وقد وفق ذلك التوفيق ابن كثير فى البداية والنهاية وبناه على أن قول أم المؤمنين فى رواية للبخارى أول ما بديء به الوحى بالرؤيا الصادقة، فقد قال:
«فقول أم المؤمنين عائشة أول ما بديء به الوحى الرؤيا الصادقة، فكان لا يروى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوى ما ذكره ابن إسحاق: ابن يسار عن عبيد بن عمر الليثى أن النبى صلى الله تعالى عليه
стр. 263
وسلم قال: «فجاءنى جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ، فقلت ما أقرأ، فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى وذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة، لما يأتى بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا فى مغازى موسى بن عقبة عن الزهرى أنه رأى فى المنام، ثم جاءه الملك فى اليقظة. وقد جاء فى كتاب دلائل النبوة لأبى نعيم الأصبهانى أن ذلك شأن الأنبياء جميعا يأتيهم الوحى ابتداء فى المنام، حتى اذا تهيئوا للقاء الوحى عيانا، جاء إليهم. فقد نقل عن علقمة بن قيس أنه قال:
«إن أول ما يؤتى به الأنبياء فى المنام، حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحى» «١» .
وهكذا ننتهى إلى حقيقة ثابتة متفقة مع مجموع النقول، وتتلاقى مع العقول، وهى أن الالتقاء بالروح القدس ابتداء فى المنام، ثم لما ألف محمد ﵊ الرؤيا المنامية الصادقة، ويظهر أنها فى وضوحها وجلائها تشبه رؤية اليقظة إذ كانت تجىء مثل فلق الصبح كما أخبرت أم المؤمنين عائشة، حتى إذا كان الأنس بروح القدس، وامتلاء النفس بالروحانية كانت المشاهدة فى اليقظة، لأن ذلك مقام خطير عظيم، لا تقوى عليه النفوس إلا بعد أن تصقل صقلا روحيا.
وقد يقول قائل: إن كلام أم المؤمنين عائشة يستفاد منه أن الميل إلى الاختلاء للعبادة كان بعد الرؤيا الصادقة، وقد يوهم ما قلنا بأن الصفاء النفسى بالعبادة قد سبق الرؤيا الصادقة.
ونقول فى الإجابة عن ذلك بأن الصفاء الروحى كان فى قلب النبى ﵊ من يوم مولده، وهو فى المهد صبيا؛ فإذا كان عيسى ﵇ تكلم فى المهد صبيا، فإن محمدا ﵊ قد أدرك فى المهد صبيا، وإن الصفاء الروحى قد لازمه طول حياته، فقد كان فى صفاء ولابد أن يستمر إلى شبابه الباكر، ثم إلى ما بعده، فالرؤيا الصادقة كانت من إرهاصات الرسالة، وكانت من الوحى، ثم كانت فى المرحلة الأخيرة منها، وحيا بما يراه من خطاب الوحى بالأمين جبريل، وهى ما ذكره ابن إسحاق.
وإذا كان لنا أن نستفيد من تقديم الرؤيا الصادقة على الخلاء، فكان تحبيب الخلاء له ثمرة لرؤيا صادقة تكررت حتى كان منه الاختلاء بنفسه.
ولقد قلنا من قبل أنه كان يتعرف البقية من ديانة إبراهيم ليصلى، ونحن فى هذا الموضوع من بحثنا عثرنا على الضوء الذى نهتدى به فى تعرفه للصلاة على ديانة إبراهيم، وظننا من قبل احتمال أن يكون
стр. 264
ذلك بالرؤيا الصادقة، وظننا ذلك ظنا، والان ندركه راجحا رجحانا يقرب من اليقين، فصلى الله تعالى على محمد العابد صبيا وكهلا، ومن الصالحين.
التقى بالروح القدس:
١٩٦- روح القدس هو جبريل ﵇، كما قال تعالى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وكما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ «١» .
لقد جاء إليه جبريل ﵇، وهو فى غار حراء «٢» يتعبد الله تعالى، حيث علا قلبه إلى المقام القدسى، فارتفع من الأرض، إلى ملكوت الله تعالى، فصارت نفسه صالحة لتلقى نور السماء، فنزل رسول أمين من رب العالمين. إلى رسول الخلق أجمعين ليحمل رسالة ربه، ويبلغها للعالمين، من رب غفور، وقد توالى النزول.
ولكن متى ابتدأ؟ قالوا إنه فى الأربعين من عمر محمد بن عبد الله ﷺ ، وهى أشد العمر، وهى سن النضج فى الروح، وفى البدن، وفى العقل، فهى سن القدرة على الاحتمال، وقد قال الله تعالى فى هذه السن حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ «٣» وإذ قد بلغ محمد بن عبد الله ﷺ هذه السن، فقد أوزعه الله إليه، وجعله له خالصا، وقد تهيأ لذلك، وأنشأه صفوة خلقه، وجعله نبيا رسولا.
стр. 265
كان الالتقاء بالروح القدس على مرتين أولاهما تمهيد لاخراهما، كانت الأولى، وهى كاملة، وإن كانت فى منام هو كالصحو، إذ لا يقل عنه وضوحا، وقد تلقى فيه أول القران الكريم فوعى ما وعى، وحفظ ايات ربه الأولى، ولما ذهب عنه النوم الصافى كان يحفظ كل ما حفظ، لا ينسى منه شيئا.
ولما رأى الوجود ببصره، كما كان فيه ببصيرته التقى بالذى راه فى منامه، راه وهو شهيد، وقد استأنس بالرؤيا التى صدقها، وخاطبه مرة أخرى فى عالم الشهادة، ولولا أنه قد استأنس به ابتداء فى الرؤيا الصادقة، لعظمت المشقة عليه، وهنا فى هذه المرة أدرك أنه ينادى بالرسالة من قبل الله تعالى، وأنه شرفه بها، وكان ﵊ فى هذين اللقاءين محفوفا بالنور القدسى، وإن كان شديدا على النفس البشرية التى عاشت فى الأرض، ولو كانت بصفائها متطلعة إلى النور الربانى الذى يملأ أطوارها، ويحيط بثناياها.
وفى هذا اللقاء النورانى نزل أول القران الكريم، وكانت ليلته ليلة القدر التى فرق فيها الأمر وأبرم برسالة محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كما قال : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ «١» على كلام فى ذلك سنتصدى لبيانه.
ويقول الرواة أن ذلك كان فى الليلة السابعة والعشرين من رمضان بعد أربعين سنة من عام الفيل، وقيل أنها كانت الرابعة والعشرين من ذلك الشهر المبارك، ومهما يكن اختلاف الرواة فى تعيينها فإنها كانت فى رمضان كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٢» على كلام فى ذلك أيضا.
قلق الزوجة الصالحة:
١٩٧- بإلهام المرأة الصالحة الذكية القلب، الطاهرة النفس أحست خديجة زوج محمد بن عبد الله ﷺ بما فيه زوجها من مشقة، فانزعجت عليه على غير عادة، وقد ألفت منه الغيبة فى شهر رمضان، وكانت هى التى تزوده بزاد المادة، والله تعالى يزوده بزاد التقوي، انزعجت، فأخذت تسأل عنه، وهى تعلم أنه فى غار حراء، لأنها أحست أنه فى جهاد روحى، جهاد من ينزع من الأرض، ليتصل بالسماء.
стр. 266
وبينا هى قلقة مضطربة لغيبته على غير عادة إذ هو مقبل قد تغير لونه، يرجف فؤاده، فزال قلقها، وان استغربت حاله- وقالت:
يا أبا القاسم، أين كنت، فو الله لقد بعثت رسلى فى طلبك، حتى بلغوا مكة المكرمة ورجعوا لى.
وقد حدثها بما رأى فى رؤياه، وما شاهد فى عيانه، وفؤاده يرجف وهو يقول: «زملونى» فزملوه حتى ذهب منه الروع، وهو يقول «خشيت على نفسى» .
وعندئذ جاء دور الزوجة الرفيقة الصالحة فى القول، فقالت بمنطق الفطرة، وهو أن من أحسن لا يجازى إلا إحسانا «كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتقرى الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر» رأت فى زوجها الأمين الطاهر كل هذا، وبإحساس الفطرة، رأت أنه لا يمكن أن يكون ثمر الطيب إلا طيبا. ويقول ابن إسحاق، إنها قالت بعد أن علمت الخبر، وقالت ما قالت: «أبشر يابن عم، واثبت فو الذى نفس خديجة بيده، إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة» وما قالت ذلك إلا وقد تواردت الأخبار بأن نبيا سيبعث فى هذا الزمان.
إلى ورقة بن نوفل:
١٩٨- لا أدرى أهى فرحة بما توقعته من خير عظيم يجيء لزوجها ونور عميم ينبثق من بيتها، أم هى فرحة اللقاء دائما يدفع إلى الحركة، ومهما يكن فقد وجدت منها رغبة إلى العمل فى الموضوع الذى طرأ، وتوقعت منه أن يغير مجرى حياتها، قامت فجمعت ثيابها، ثم انطلقت مع محمد بن عبد الله عليه أفضل السلام وأتم السلام إلى ورقة بن نوفل، وكان من الحنفاء الذين هجروا عبادة الأوثان واختاروا أن يعبدوا الله.
واختار النصرانية، إذ كان يعرف العبرانية، فدرسها منها، ودرس التوراة، فعلم الديانتين من الينابيع الأصلية، ويظهر أنه علمها ديانة واحدانية لا ديانة تثليث، لأنه دخيل عليها، ولأن نصرانية الشرق التى كانت فى العراق وأطراف الجزيرة العربية كانت تتبع نسطورس الذى أنكر أن يكون المسيح إلها أو ابن الله، إذ كان يعتقد أن عبارة الابن التى وردت فى بعض كتبهم أضلتهم، وإن ماضى حياته ما كانت تسمح لنا أن نقول أنه مثلث، لأنه ترك عبادة أحجار لا تضر ولا تنفع، فكيف يعتنق تثليثا غير متصور فى العقل.
لقد بلغ علم الرجل بالعبرية أنه كان يكتب بها ويقرأ ويدرس، فكان على علم بالبشارات التى جاءت فى التوراة والإنجيل بالنبى ﵊. وهى تبشر برسول اسمه أحمد.
стр. 267
وقد بلغ الشيخوخة فنضج فكره، وقد جاءت إليه ابنة عمه خديجة بنت خويلد. وكان بصره قد كف، قالت خديجة فى هذا اللقاء: يابن عم اسمع من ابن أخيك. فأخبر النبى ﵊ ورقة بما رأى وعاين. قال ورقة: هذا الناموس الذى كان ينزل على موسى، يا ليتنى كنت فيها جذعا، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك، قال محمد بن عبد الله ﷺ متعجبا، كيف ينطق بالحق، ويخرجوه؟ قال: «أو مخرجى هم» . وتلك هى براءة الفطرة، قبل أن يمرسه الله تعالى بشدائد الدعوة، وقبل أن يلقى الباطل فى طغواته بالحق فى نوره.
قال ورقة الذى علم أخبار النبيين، وما لقوا من بأساء وضراء وشدائد: «نعم (أى هم مخرجوك) لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك هذا أنصرك نصرا مؤزرا» .
إن هذه كلمة ورقة، وهى ثمرة الدراسة المبينة لتجارب الأنبياء.
وهنا قد يسأل سائل: لماذا ذكر موسى ﵇، وهو التوراة، ولم يذكر الإنجيل الذى نزل على عيسى ﵇؟ والجواب عن ذلك أن التوراة كانت فيها شريعة قائمة عمل بها النبيون من بعد موسى ﵇،. وجاء عيسى لإحيائها بعد أن أهمل اليهود تعاليمها، ولم يطبقوها لغلظ رقابهم، فجاء عيسى لإعلان حقائقها، وروى عنه أنه قال: «جئت لإحياء الناموس» ، ولقد جاء النص فى كتب النصارى أنه يؤخذ بشريعة التوراة، ما لم يجيء نص فى الإنجيل يخالفها.
ولم يكتب الله تعالى للشيخ ورقة بن نوفل أن يحضر المعركة التى قامت بين الحق والباطل، فلم يلبث أن توفى ولم يحضر الدعوة المحمدية، إذ أنه قد مكث مدة، حتى أمر محمد ﷺ بتبليغ رسالة ربه، وأن يصدع بما يؤمر.
فترة غياب روح القدس:
١٩٩- علم النبى ﵊ أنه يحمل تكليفا كبيرا، وأنها منزلة كبيرة يعلو فيها بإنسانيته، فأصبح المرهوب محبوبا مرغوبا، بعد أن خشى من لقاء روح القدس، جبريل ﵇، صار يتمنى أن يلقاه. ليلقى أمر الله تعالى، ويستجيب له، ويحمل الأمانة التى اختاره الله تعالى لها.
لقد كان يتوقع أنه سيراه بعد أن يعود إلى الغار، لكنه لم يجيء إليه وفتر عنه، فظن فى نفسه الظنون، ولعله ظن أن ما اعتراه من خوف فى اللقاء الأول نحى تكليفه القيام برسالة، ولقد كان حريصا على الاستجابة للدعوة إلى الحق، والحريص على القيام بأمر يستعجله، ويستبطيء غيابه، ولعله خشى أن يكون ما أخبره به العالم الخبير ورقة بن نوفل لم يصادف الحق، ولعله تكون الرؤيا التى راها، والمشاهدة التى عاينها
стр. 268
تشبه ما يدعى للكهان، وهى أمر يبغضه، ويستنكره. لعل هذه الخواطر وغيرها أقلقته فاستبطأ الوحي، وتمناه، وعلم أنه لا يستقر مرة إلا إذا عاد الوحى إليه، شق ذلك الانقطاع على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، خشية على النعمة التى توقع أن ينعم الله تعالى به عليها.
ويقول فى ذلك ابن إسحاق «ثم فتر الوحى فتر من ذلك، حتى شق عليه صلى الله تعالى عليه وسلم فأحزنه» .
ذكر البخارى فى صحيحه أنه كان يذهب إلى غار حراء ينتظر حيث ينزل عليه الروح القدس جبريل ويقول فى ذلك «ثم فتر الوحى، حتى حزن النبى ﵊ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة لكى يلقى نفسه تبدى له جبريل، فقال:
يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال مثل ذلك» وهكذا حتى انتهت فترة الانقطاع.
وقد جاء فى الصحيحين عن جابر بن عبد الله «سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فجنبت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلى فقلت زملونى» فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ «١» ثم حمى الوحى وتتابع «٢» .
وإن هذا يدل على أن الفترة التى انقطع فيها جبريل عن محمد بن عبد الله ﵊ شوقا لأن يعود الوحى، وإن شوقه إلى تلقى الوحى بعد هذه الفترة جعله محبوبا مرهوبا، أو على الأقل لا يكون فزعه منه، كفزعه الأول الذى كان عقب الرؤيا بالمعاينة لجبريل ﵇.
مدة الفترة:
٢٠٠- لقد اختلفت الروايات فى مدة الفترة التى انقطع فيها الوحى، ما بين رواية تذكرها طويلة، وأخرى تذكرها قصيرة. فقد جاء فى المواهب اللدنية أنها بلغت ثلاث سنين، ولا شك أن هذه مدة طويلة نستبعدها، وإن كانت قد ذكرت فى كتب السيرة، والسبب فى استبعادنا لها- أنها لا تتفق مع كون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان فى مشقة شديدة من تلك الغيبة حتى إنه كان يرتفع إلى شواهق الجبال ليتردى من أعلاها، وكان يتكرر ذلك، وإن الله تعالى أجل من أن يلقى بمن اختاره رحمة للعالمين
стр. 269
يعيش فى ذلك القلق والاضطراب تلك المدة الطويلة من غير أن يعرف له غاية ينتهى عندها، وفوق ذلك، فإن الاستعداد لأمر خطير لا يستمر تلك المدة الطويلة، بل هى قد تحمل على النسيان بين اللقاءين، وإن المصادر الأصلية، والأحاديث لم تذكرها، فلم يذكرها ابن اسحاق، ولم يروها البخارى.
ولقد قال السهيلى إن المدة سنتان ونصف، وقيل إنها سنتان، وقيل فيها مدد مختلفة أقلها ثلاثة أيام وأكثرها أربعون، وقد روى أن ابن إسحاق جزم بأن الذين قالوا ثلاث سنين أو سنتين قولهم وهم.
وإن الذين قالوا إنها ثلاث سنين استندوا إلى ما جاء فى تاريخ الإمام أحمد، ويعقوب بن سفيان عن الشعبى أنه قال: «الفترة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، وكان يعلمه الكلمة» .
وهذه الرواية لا نحسب أنها عالية مما يوجب الريب، فأولا: نذكر أن إسرافيل هو الذى كان يعلمه فى مدة ثلاث السنين، ولم يثبت ذلك، بل الثابت أنه من أول تلقى نور السماء اتصل به جبريل الأمين روح القدس، وثانيا: أن الشعبى تابعى ولم يذكر من الذى نقل له هذا من الصحابة، وقد أنكره كثير من الرواة، فقد قال الواقدى إنه لم يكن من الملائكة من قام بالاتصال بالنبى ﵊ إلا جبريل ﵇.
وفى الجملة أنه بعد ذلك البيان نرى أن تقدير مدة الفترة بالسنين أيا كان مقدارها غير معقول ولا مقبول، وليس له سند صحيح حتى يكون منقولا، حجته النقل. وإنما الذى نعتقده أن المدة لابد أن تكون فى دائرة الأشهر، ولعلها خمسة أشهر وبعض، على ما نشير من بعد.
٢٠١- إلى هنا ذكرنا اللقاء الأول للوحى النبوى، الذى أفاض الله به تعالى على محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن لا ننتهى من هذا الجزء، وننتقل إلى ابتداء التبليغ، والقيام بعبء الدعوة، والجهاد فى سبيلها، من وقت أن صدع بأمرها، قبل أن نحقق الأمر، فى ثلاثة أمور تحدث العلماء فى أمرها:
أولها: الشهر الذى نزل فيه الوحى، أهو رمضان، وهو ما ذكرته كتب السيرة وما رجحناه وانتهينا إليه، وسقنا سيرة الرسول ﵊ الطاهرة عليه، وكان يصح ألا نذكر سواه، ولكن لم نرد أن نترك أمرا اختلف فيه العلماء من غير تمحيص، وبيان الصادق منها، وقد قيل إنه ربيع الأول، وقيل إنه رجب، فلابد من إزالة الشبه من حول الحق الصريح.
стр. 270
ثانيها: أول نزول القران الكريم، أهى اية: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ «١» أم هى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ «٢» . وسننتهى ان شاء الله تعالى بالتوفيق.
ثالثها: أنواع الوحى الذى خوطب به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
الشهر الذى نزل فيه الوحى:
٢٠٢- جاء فى كتاب (زاد المعاد فى هدى خير العباد) ، للإمام ابن القيم ما نصه:
«لما كمل له أربعون أشرقت عليه أنوار النبوة، وأكرمه الله تعالى برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصه بكرامته، وجعله أمينه بينه وبين عباده، ولا خلاف أن مبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يوم الاثنين، واختلف فى شهر المبعث، فقيل لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قول الأكثرين، وقيل: بل كان ذلك فى رمضان؛ واحتج هؤلاء بقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ «١» قالوا أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته وأنزل عليه القران فى رمضان جملة واحدة فى ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم أنزل منجما بحسب الوقائع فى ثلاث وعشرين سنة ... » .
وإن هذا الكلام يستفاد منه بصريح اللفظ أن النبى ﵊ بعث فى سنة ٤١ من عام الفيل عند الأكثرين، وإذا كان النبى ﵊ قد ولد باتفاق المؤرخين فى عام الفيل، فيكون النبى ﵊ قد بعث بعد أن بلغ الأربعين وتجاورها بسنة، ولكن يظهر أن أنوار النبوة كما قال ابن القيم أشرقت عليه قبل أن يبلغ الحادية والأربعين، وتكون أنوار النبوة سابقة على البعث، ببضعة أشهر، إذ أن كلامه يفيد بصريحه أن أنوار النبوة جاءت فى الأربعين، لا بعد مرور سنة الأربعين كاملة.
والمشهور الذى عليه الجمهور هو أنه بعث فى سنة الأربعين فى رمضان فى اليوم السابع والعشرين من رمضان، وهذا هو المشهور، وهو الراجح، وقيل فى السابع، وقيل فى الرابعة والعشرين.
وإننا نستطيع التوفيق بين هذه الروايات، فنقول:
إن أول مجيء الوحى كان فى السابعة والعشرين من رمضان سنة ٤٠، ولكن التكليف بالتبليغ كان فى شهر ربيع فى الثامن من ربيع، ويكون الفارق الزمنى بين الأمرين هو أربعة أشهر (شوال وذو
стр. 271
القعدة وذو الحجة، والمحرم، وسبعة أيام من ربيع) ، أى أربعة أشهر وبعص الشهر، وإن ذلك يهدينا إلى مدة الفترة التى انقطع فيها الوحى النبوى، والتى كانت شاقة، وقد جاء هذا بالإشارة لا بالعبارة فى شرح المواهب اللدنية، فقد جاء فيها ما نصه: «وجمع بين النقلين» أى النقل بأنه بعث فى رمضان، والنقل الذى يقول إنه فى ربيع، بما ما فى ذلك حديث عائشة «أول ما بديء به الوحى الرؤيا الصادقة» فيكون نبيء فى شهر ربيع بالرؤيا الصادقة، ثم أتاه جبريل فى رمضان «١» .
ونرى أن صاحب المواهب نقل عن ابن حجر فى فتح البارى ذلك التوفيق، ولكنا نوافقه فى أصل التوفيق، ونخالفه فى استنباطه فى القول بالرؤيا الصادقة كان فى ربيع سنة ٤١ ونزول جبريل كان فى رمضان سنة ٤١ أيضا، وذلك لأن الذين قالوا إن النزول كان فى رمضان، قالوا وقد بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأربعين لا الحادية والأربعين، وللتوفيق الكامل نقول أنه كان فى رمضان سنة ٤٠ كانت الرؤيا الصادقة، التى أعقبها لقاء جبريل، وقد ذكره بما رأى وكان تصديقه بالمعاينة ثم فتر الوحى من بعد ذلك فترة شقت على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان نزول القران الكريم وتتابعه، وهذا يعطينا بيان مدة الفترة، الذى ذكرناه ظنا، ونراه الان رواية صادقة، وأنه ملتقى الروايات التى يبدو فيها تضارب، ولكنه يتكشف بهذا أنه لا تضارب، بل تلاق بين النصوص.
أول ما نزل من القران الكريم:
٢٠٣- إن السياق الذى ذكرناه انفا وهو الذى أجمع عليه رواة السيرة، أن جبريل روح القدس ﵇ خاطب محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد رؤياه الصادقة بما جاء فى وحى الرؤية تماما، فقال له اقرأ، فقال لا أقرأ.. إلى اخر المذاكرة الروحية بينهما، التى انتهت بأن نقل عن ربه قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ... «٢» .
وإذا كانت هذه من القران الكريم، ومن ينكر ذلك فعليه أن يتوب، فإنها بلا ريب أول القران الكريم نزولا، واذا كنا قد انتهينا إلى أن أول القران الكريم نزولا كان فى رمضان، وأن أول الوحى كان فى رمضان، فرمضان شهر القران الكريم، كما هو شهر الوحى، وكما قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٣» .
стр. 272
هذه حقائق سائغة، لا ريب فيها، ولا اختلاف، ولا تثير ريبا ولا خلافا.
ولكن الروايات تجىء بما يفيد ظاهرها المعارضة بينها وبين ذلك الحق الصادق الذي لا ريب فيه، ولا مجال للريب فيه، ولنذكر بعض هذه الروايات لنبين أنه لا تعارض فى حقيقة الأمر.
لقد ثبت فى الصحيحين البخارى ومسلم عن يحيى بن أبى كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أى القران أنزل قبل غيره فقال: «يا أيها المدثر» فقلت: واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ؟
فقال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فنوديت فنظرت من بين يدى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى، فلم أر شيئا، ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو على العرش فى الهواء، فأخذتنى رعدة، أو قال وحشة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثرونى فأنزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وفى رواية أخرى ما يشير بأن هذه الاية ليست الأولى، وليس ما فيها أن رؤية جبريل روح القدس الأولى، فقد قالت: فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض «١» فجنبت منه فرقا- إلخ، وهو ذكر لما تضمنه الضمير فى الرواية الأولى التى تقول: «فإذا هو على العرش فى الهواء» .
وإن هذا يفيد بلا ريب أن الوحى جاء ابتداء فى غار حراء، وفيها نزل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ثم جاء ثانيا وليس أولا كما توهم أبو سلمة نزول الوحى «يا أيها المدثر» .
وإن نظرة فاحصة تبين لنا أن أول القران الكريم نزولا هو اقرأ، كما هو الأصل الذى لا مراء فيه، ولكن فترة الوحى هى خمسة أشهر وبعض الشهر، ثم جاء فيها الوحي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ... وقد انتهينا إلى أن الفترة ابتدأت بعد أن نزل قوله تعالى اقْرَأْ فى رمضان من سنة ٤٠ هـ، وانتهت الفترة فى ربيع سنة ٤١ هـ من عام الفيل.
والحق أن الروايات غير متضاربة للمتأمل البصير، فإن أول ما نزل بالقران الكريم لم يكن فيه الأمر بالتبليغ، بل كان فيه اللقاء بروح القدس، والإعلام بالقران الكريم، ويمغزاه الأول، وهو تعليم الخلق، وبيان الحق، وأنه كتاب الله تعالى، يقرأ باسمه ويعرف به ذكره، أما تكليف القيام بالتبليغ، فقد جاء فى قوله تعالي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ.
وإلى هذا أشار ابن كثير، فقال فى الرواية التى جاءت فى البخارى عن عبد الرحمن بن أبى سلمة: «لا ينفى هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... ثم التقى به جبريل بعد نزول قوله تعالي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، ثم حمى الوحى وتتابع- أى تدارك شيئا بعد شيء- وقام حينئذ رسول الله صلى الله تعالى
стр. 273
عليه وسلم فى أداء الرسالة أتم القيام، وشمر عن ساق العزم، ودعا إلى الله تعالى القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فامن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد.
مراتب الوحى وشكله:
٢٠٤- نتكلم فى هذا الجزء من البحث عن الوحى الذى كان ينزل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والذى ابتدأ بالرؤيا الصادقة وتتابع، وجاء شيئا فشيئا، حتى تم القران الكريم نزولا، فى مدى ثلاث وعشرين سنة كاملة.
لقد جاء النص القرانى بطرق خطاب الله تعالى لأنبيائه، فقال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا «١» .
ولا شك أن هذه طرق لحصر خطاب الله تعالى لمن يختارهم من خلقه لخطابه، فمن أى كان الخطاب لمحمد بن عبد الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ ونجيب فى هذا المكان؛ لأننا فى مقام أول نزول الوحى، فلنسر فى مداه إلى نهايته.
يذكر ابن القيم فى كتابه (زاد المعاد) أن للوحى سبع مراتب، فلنعرج على كل واحدة بكلمة موضحة فى إيجاز، وربما نجد المقسم لا يشمل ذلك العدد، لأن بعضها يدخل فى بعضه، فالحدود فى الأقسام غير فاصلة.
المرتبة الأولى:
الرؤيا الصادقة: وقد كانت تلك المرتبة قائمة عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى إذا كان البعث المحمدى كانت الرؤيا الصادقة هى أول ما نزل به القران الكريم، كما جاء فى سيرة ابن إسحاق، ثم تأكدت الرؤيا بمخاطبة روح القدس جبريل ﵊، فكانت مصدقة بالخطاب.
وقد كانت هذه الرؤيا توجب التكليف أحيانا، كما جاء فى قصة خليل الله تعالى إبراهيم ﵇ فى قصة الفداء، إذ قال تعالى حكاية عن قول إبراهيم: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ.
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى، قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَما، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ «٢» .
стр. 274
ونرى من هذا أن خليل الله تعالى إبراهيم ﵇، فهم من هذه الرؤيا تكليفه ذبح ابنه، فقبل التكليف صابرا، محتملا، وهو ابنه البكر، واستجابة دعوته ﵇، وكان ذلك البلاء المبين حقا، فقد استجاب للطلب إبراهيم، وقبل الاستجابة إسماعيل صابرا، فكانا من المحسنين، ونعم الصابرون.
والمرتبة الثانية ،
عبر عنها ابن القيم بأنها ما كان يلقيه الملك فى روعه وقلبه، وهذا التعبير يستفاد منه أن الملك هو الوسط بين الله ورسوله، فهو ينفث فى روع الرسول، وبأمر الله تعالى، فكان بذلك وحيا، وكان بطريق الملك، ولقد مثل له ابن القيم بقوله ﵇: «إن روح القدس نفث فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب» والفرق بين الوحى بهذا المعنى والوحى بلقاء جبريل وروح القدس، أن لقاء جبريل عيانا فى حال المخاطبة. إنما فى هذه الحال، فاللقاء فى النفس وفى القلب والعقل، وربما نعد حينئذ أن يكون هذا من إرسال رسول، ولو كان بإلهام الله تعالى المجرد، وهو ما نميل إليه إذا استيقن الرسول أن ذلك إلهام من الله تعالى، فإنه كلام الله تعالى بالوحى المجرد من غير توسط رسول.
المرتبة الثالثة:
مخاطبة الملك، حتى كان يتمثل رجلا، فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه متمثلا فى رجل يظنه النبى ﷺ من الإنس لا من الملائكة. فقد كان يأتيه فى صورة دحية الكلبى، كما روى ذلك النسائى بسند صحيح من حديث ابن عمر، ولقد قيل أن مجيء جبريل على صورة دحية الكلبى كان بعد بدر، ويقول ابن القيم وكان دحية رجلا وسيما، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن «١» لتراه، وإن مجيء جبريل فى صورة رجل، ليس معناه أن جبريل الأمين نزع من روحانيته، أو ذهبت عنه الروحانية، إنما هو لا يزال روحا، والذى ظهر به هو ظهور للروح فى صورة جسدية، ومعانى الملك لا تزال ثابتة قائمة، ولا يوجد ما يمنع عقلا أن تظهر الروح فى صورة إنسان له جسد.
ودحية لا شأن له فى هذا التغير الصورى، بل هو حى فى جسده يأكل ويشرب، ويمارس الحياة الإنسانية كاملة.
وكون روح القدس جبريل يظهر فى جسد لا يقتضى أن يتحول الجسد إلى ملك، ولا أن يتحول الملك إليه، وهى روح ليست حيوانية، ولا ثمرة للحيوية الإنسانية، حتى إذا تركت الجسد لا تفارقه الحياة، لأنها ليست أمرا عضويا، ولكنها روح ملك تفيض فى جسم يخلقه، أو تظهر فى جسم يخلقه الله تعالى، وهو الخلاق العليم، فإذا غاب الملك غاب معه الجسد الإنسانى.
стр. 275
المرتبة الرابعة:
أنه كان روح القدس جبريل يأتيه مخاطبا له مثل صلصلة الجرس، ويقول ابن القبم كان أشده عليه، ويقول فى وصفه ابن القيم: «فيلتبس به الملك، حتى أن جبينه ليتفصد عرقا فى اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض، إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحى مرة كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه، حتى كادت ترضها» .
وقد روى البخارى عن زيد: أرسل الله على رسوله، وفخذه على فخذى، فثقلت علي، حتى خفت أن ترض فخذى. وقد جاء فى الصحيحين والموطأ عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كيف يأتيك الوحى، قال: أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشدها على، فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا، ليكلمنى، فأعى ما يقول.
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الملك فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا «١»
ولا نريد أن نحاول توضيح هذه المرتبة، فإن تلك مراتب روحية لا نسمو إلى إدراك حقيقتها، ولكن نحاول أن نتصورها فقط، من غير تعرفها كاملا، فلا يعرفها إلا من عالجها، ولم يعالجها إلا المصطفون الأخيار الأبرار.
إن الذى فهمناه من ذكر فى هذه الحال أن روح القدس الطاهر يختلط بالنبى ﵊ ويمازج روحه وجسده، ويخاطبه بصوت قوى صارخ، فيه عنف كعنف صلصلة الجرس، يسمعه ﵊، ولا يسمعه غيره، ويحس فى نفسه، ولا يحس غيره، ويكلمه بكلام مفهوم، وإن كان فى صوت قوى، وكل ما فيه من خطاب قوى، ويكون باختلاطه بروح النبى، وبممازجته جسمه محدثا ثقلا جسميا ضاغطا على ما يكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالسا عليه، وإن الرسول ليعرف ما يقول، ويحفظه ويعيه ولا يجلهه، حتى إن انفصل عنه لا ينفصل إلا وقد وعى كل ما أراد أن يبلغه عن الله تعالت قدرته، وعظمت منته.
وقد روى العسقلانى فى المواهب أحاديث موضحة وشاهدة لهذه المرتبة من الوحى.
ومنها روى الطبرانى عن زيد بن ثابت قال كنت أكتب الوحى لرسول الله صلى تعالى عليه وسلم وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقا شديدا مثل الجمان «٢» ، ثم سرى عنه، وكنت أكتب، وهو يملى على، وربما وضع فخذه على فخذى حال الكتابة، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تنكسر حتى أقول لا أمشى على رجلى، ولما نزلت عليه سورة المائدة كاد ينكسر عضد ناقته «٣» .
стр. 276
وذكرت الناقة هنا لأن النبى ﵊، خطب خطبة الوداع فى عرفة وهو واقف، ونزلت اية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «١» فى هذا اليوم، وكان راكبا على الناقة.
المرتبة الخامسة:
قال فيها ابن القيم: «أنه يرى الملك فى صورته التى خلق عليها، فيوحى إليه ما شاء أن يوحيه» وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله تعالى فى سورة النجم.
يشير إلى قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى «٢»
فيفسر ابن القيم تلك الرؤية الروحية بأنها رؤية جبريل بحقيقته، وهى فيما أحسب رؤية بنور البصيرة، وبقوة الروح، لا بنور البصر، ولا بشكل جسمى، لأن جبريل روح، فكيف يراه إلا أن يكون محسوسا، وبذلك لا تفترق هذه الحال عن الرؤية المشخصة مع أنها غيرها.
ولقد قال عبد الله بن مسعود: لم ير الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم جبريل على صورته التى خلق عليها إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يريه نفسه، فسد الأفق، وأما الاخرى فليلة الإسراء عند سدرة المنتهى.
المرتبة السادسة:
ما أوحاه الله تعالى إليه وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها. ومؤدى كلام ابن القيم أن هذه المرتبة من الوحى هى التلقى عن الله مباشرة، لا بطريق الرؤيا الصادقة فى المنام، ولا يقتضى ذلك رؤية، لأنه قد يكون الله يكلم العبد المختار للرسالة من عباده من وراء حجاب، ليكون الكلام مع الله تعالى من غير رؤية لذاته العلية، فقد سئل ﵊:
هل رأيت ربك، «فقال إنه نور، فأنّى أراه» وإن هذا التفسير الذى اخترناه يتلاقى مع المرتبة السابعة التى سنذكرها، وإذا أردنا التمييز فإننا نقول إن هذه هى من الله مباشرة من غير توسط، وهو ما كان ليلة المعراج، فالذى نتصور على مقدار ما يقرر ابن القيم، أنه ليس بكلام تكلمه رب العالمين، ولكن وحى مباشر.
المرتبة السابعة:
هى الكلام من وراء حجاب، وقد قال فيها ابن القيم: «كلام الله إليه أى الرسول ﷺ بلا واسطة ملك، فكلم الله تعالى موسى بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة
стр. 277
لموسى قطعا بنص القران الكريم، وثبوتها لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فى حديث الإسراء، وبهذا التفسير يتبين أن السابعة داخلة فى السادسة، وليست كل واحدة منهما مرتبة قائمة بذاتها «١» .
وفى الحق فإن هذه المراتب متداخلة، والمراتب كلها مذكورة فى القران الكريم، فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ... «٢» .
دعوة الحق
٢٠٥- بعد أن فتر الوحى نحو ستة أشهر أو دون ذلك قليلا، جاء التكليف بالتبليغ،. وتحمل عبء الرسالة الإلهية إلى الخلق أجمعين ناداه ربه بالأمر بأن يرفع من ثيابه ما كان يجر، ولا يكتفى بالتعبد فى غار حراء، وإن كان ذلك كافيا لتهذيب نفسه، وتصفية روحه، وأن يكون متصلا بربه خفية وتضرعا. فإنه لا يكفى لرسول أمين، بل لابد أن يتكلم عن ربه أمام العالمين، وتكون معه العبادتان:
العبادة الفردية بتهذيب ذاته وتقوية روحه، وتوجيه نفسه إلى الله واحده الذى لا يغيب عنه شيء فى السماء ولا فى الأرض، والعبادة الجماعية بأن يتقدم لدعوة الحق ودعوة الناس إلى الانصراف لعبادة الله واحده.
وإصلاح الخلق، والسير بهم فى المحجة الواضحة التى ليلها كنهارها. وهذه غاية الرسالة الكبرى التى حملها خاتم النبيين محمد بن عبد الله ﵊.
أمره الله تعالى بعد أن ناداه النداء المؤكد: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ «٣» .
تضمنت هذه الايات الكريمات، الإنذار بالعذاب الشديد إن استمروا، وبالدعوة إلى عبادة الله تعالى، وتطهير الثياب ظاهرا وباطنا، وبترك الفساد وهجر الشر، وعبادة الله تعالى هى السبيل لدفع الشر، ومنع الأذى، وفى الجملة هذه الايات التى تعد أول طلب لتبليغ الدعوة تشتمل على ثلاثة أمور هى خلاصة الدعوة المحمدية، أو ترمز لكل نواحيها التكليفية. أولها- الإيمان بالعقاب والحساب، وقد أشار إليها بالأمر بالإنذار ففيه إشارة إلى اليوم الاخر وما يكون فيه من حساب وجزاء إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. والأمر الثانى تربية النفس الإنسانية بالعبادة والصبر، وتطهير القلوب بالخلوص لله ، وتكبيره واحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وقد أشار إلى ذلك بقوله تعالى
стр. 278
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، والأمر الثالث- إماطة الأذى عن الجماعة التى يعيش فيها.
ونفعها، وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ.
وبذلك يتبين أن الايات الكريمات رمزت إلى خلاصة الحقائق الإسلامية التى يقام عليها الإسلام، وهى الواحدانية والإيمان باليوم الاخر وتطهير النفوس ودفع الفساد، وجلب النفع.
مراتب الدعوة:
٢٠٦- ذكر ابن القيم فى زاد المعاد أن مراتب الدعوة خمس مراتب:
الأولى النبوة:
فلا يدعو إلى الحق الذى نزل من عند الله تعالى إلا نبى وقد اعتبرها ابن القيم المرتبة الأولى، ونحن لا نعتبرها كذلك، إنما نعتبرها كيان الدعوة، فلا دعوة إلى الإيمان برسالة إلا من نبى مرسل، فهى دعامة، وليست مرتبة يبتدأ بها، بل هى الأصل ولب الدعوة.
المرتبة الثانية: إنذار العشيرة الأقربين
، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال سبحانه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «١» وقد بدأ النبي ﵊ دعوة عشيرته، فدعا بنى عبد مناف وقال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: ما علمنا منك كذبا، فقال ﵊: «إنى رسول الله إليكم بين يدى عذاب شديد، وإنها للجنة أبدا وللنار أبدا. أو كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم.
والمرتبة الثالثة: إنذار قومه
، وقد سلك محمد ﵊، ذلك المنهاج الذى انتقل فيه من الحيز الضيق إلى ما هو أوسع، ثم إلى ما هو أعم، فانتقل من إنذار عشيرته الأقربين إلى قومه من قريش قريبهم وبعيدهم.
وقد أنذر ﵊ فى هذه المرتبة سكان مكة المكرمة وما حولها.
المرتبة الرابعة: عبر عنها ابن القيم بقوله ،
إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله إلا كانوا به مؤمنين، وهؤلاء هم العرب فى الجزيرة العربية قاصيهم ودانيهم، سكان المدر منهم وسكان الوبر، وبذا عمت دعوة كل من ينطق بالعربية من غير تفرقة بين قريب وبعيد.
والمرتبة الخامسة: تبليغ الدعوة إلى غير العرب
من الرومان والفرس والشام ومصر والحبشة برسل أرسلهم وبكتب كتبها، ثم بث الدعاة، وجهز الجيوش التى تدافع من هجموا أو حاولوا
стр. 279
الهجوم، أو حاجزوا بين الإسلام ودعوته، وحالوا بين الشعوب ومعرفته، فكان الجهاد ليتبين الرشد من الغىّ، والهدى من الضلال، ومن بعد ذلك يختارون عن بينة، فقد قال تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، لَا انْفِصامَ لَها، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «١» .
وقد سلك النبى ﵊ تلك المراتب، وإن كانت التفرقة بين الرتبة الثانية والثالثة دقيقة إذ لا تكادان تنفصلان، والمرتبة الأولى لا تعد مرتبة للدعوة، ولكنها مرتبة التهيئة لها، ولعله يريد منها ما كان من نزول قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... إلى اخر الايات الكريمات، التى نزلت فى أول لقاء النبى ﷺ بروح القدس جبريل ﵊، إلى نهاية الفترة التى قدرناها بما دون ستة الأشهر وتنتهى عند نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٢»
٢٠٧- وقد كانت الدعوة من بعد ذلك خفية، يلتقى بالأولياء والأصدقاء المقربين، والصفوة المختارة من الصحب الأبرار، وهذه هى المرتبة الثانية.
وإنما كانت الدعوة ابتداء خفية لتتكون خلية الإسلام، وإن الخلايا يكون بذر البذور فيها بالكتمان لأن الجهر يبددها قبل أن تتكون حتى ينمو عودها وتتكون سوقها.
فكل فكرة جديدة لابد أن يلتقى حولها قلوب مؤمنة بها ويتولى من بعد ذلك إعلانها والمجاهرة بها، ثم لابد من تكوين من يتقدمون الدعوة، ومثل الدعوة الخفية، كمثل تكوّن الجنين فى بطن أمه، فإنه لا يظهر للوجود حيا حياة كاملة، صالحا لأن يقاوم دواعى الفناء، والأخذ من عناصر البقاء والتغذى بكل أسباب القوة، فكذلك الدعوة إلى كل فكرة، تقتضى التدبير الخفى، ثم الإعلان الجلى.
ولذلك كانت الدعوة الأولي، ثم كانت المراتب التى تليها.
ولقد يقول الرواة إن الاستخفاء كان نحو ثلاث، كانوا يستخفون بها فى العبادة والمذاكرة، وقالوا إنها كانت فى دار الأرقم بن أبى الأرقم.
ولكن يجب أن نعلم أن الاستخفاء فى هذه الفترة ليس الاستخفاء بالدعوة، فقد كان النبى ﵊ يعلن ما جاء به من نذير، وما فى جعبته من تبشير، ولكن الذى يستخفى به هو إقامة العبادة التى دعا إليها رب العالمين، ولذلك كان اضطهاد المؤمنين من الضعفاء واضطهاد النبى ﵊ قبل أن يسلم حمزة وعمر، وخروج المسلمين صفوفا معلنين الإسلام مجابهين المشركين متحدّين قوة الشرك بقوة الله تعالى وقوة الحق، والصبر المستعذب، وإن كان مريرا.
стр. 280
ثم من بعد ذلك كانت المجاهرة الكاملة التى تشق الصفوف المشركة بنور الحق، وإشراق الإخلاص، إذ أمر الله تعالى أمرا جازما قاطعا إذ قال تعالت كلماته فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «١» .
وقد أخذ ﵊ من بعد نزول هذه الاية يجاهر المشركين، ويجادلهم بالقران الكريم، ويصابرهم فى اطمئنان المؤمن بالحق فيما يدعو إليه، يجادلهم بالقران الكريم يتلوه عليهم، ويتحداهم أن يأتوا بمثله، وهم يتهددونه وينذرونه وأهله، ويقاطعون بنى هاشم، إلى اخر ما سنقرر من بعد.
وبنو هاشم ما عدا أبا لهب ومعهم بنو المطلب يسيرون معه صفا واحدا اعتبارا للقرابة عند الأكثرية منهم ولأجل الحق عند غيرهم.
حتى إذا مات أبو طالب الذى كان عالى الصوت باسم القرابة والمحبة، أخذ محمد ﵊ يدعو القبائل فى مواسم الحج، وفى وفودها، حتى إذا صار للإسلام الكلمة العليا فى الجزيرة العربية فاضت الواحدانية بالنور على من وراء البلاد العربية إلى الأقاليم التى تصاقبها إقليما بعد إقليم.
أول من أسلم
٣٠٨- اتجه محمد ﵊ إلى تكوين الخلية الأولى للإسلام، فاتجه إلى الذين يعاشرونه ابتداء،. وكان يعاشره ثلاثة: أولهم أم المؤمنين خديجة، السكن، والمواسية، والحانية، والرقيقة، وأم أولاده، والرفيقة الرؤم، والثانى على بن أبى طالب، وقد كان فى كلاءة النبى ﵊ وكفالته، وهو له المؤدب والمربي، ذلك أن أبا طالب كان كثير العيال قليل المال، وعند ابن أخيه محمد ﵊ فضل يسار ومال من عمله فى التجارة فى مال خديجة، وعند العباس عمه مال وفير، إذ كان من أثرياء قريش.
ولقوة إحساس محمد ﷺ وصلة رحمه وما عنده من مودة فى القربى ذكر حال عمه للعباس واقترح أن يأخذ كل منهما ولدا من أولاد أبى طالب يكفله، فكان من نصيب محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على كرم الله وجهه، وعندما جاءت الدعوة الإسلامية، ونزل الوحى الإلهى كان على فى العاشرة.
وثالث الثلاثة زيد بن حارثة بن شرحبيل، وكان عربيا من بنى كلب.
стр. 281
كان الرق قد جرى عليه بالطريقة الجاهلية، إذ قد أخذته جماعة من الفرسان وهو ابن ثمانى سنوات، وباعوه فى سوق من الأسواق، وال أمره إلى خديجة أم المؤمنين، ثم وهبته لرسول الله ﷺ ، فكان عبدا له على مقتضى ما كان عليه الناس إبان ذاك.
وقد جزع أبوه عليه جزعا شديدا، وبكى لفقده، وقد قال فى ذلك شعرا جاء فيه:
بكيت على زيد وما أدرى ما فعل ... أحى فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدرى وإنى لسائل ... أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل
ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة ... فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل «١»
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل «٢»
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فياطول ما حزنى عليه وما وجل
سأعمل نص العيس فى الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل «٣»
حياتى أو تأتى على منيتى ... فكل امرئ فان وإن غره الأمل «٤»
أخذ يبحث عنه فى طول بلاد العرب، حتى عثر عليه عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل البعثة، ومحمد بن عبد الله ﷺ عدو الرق بفطرته لم يرد أن يحتجنه عنده غير مختار، فخيره بين أبيه والمقام عنده، وقال: إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك.
ولكن الشاب قد اختار له، فاختار أن يقيم مع محمد ﷺ وهو يلمح نور النبوة عن الحرية مع أبيه واله، ولكن أباه أخذ يلومه، فقال له: «يا زيد تختار العبودية على أبيك وأمك» فقال ابن الكريم. «إنى قد رأيت من هذا الرجل شيئا، وما أنا بالذى أفارقه أبدا» .
عند ذلك الوفاء أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده، وقام إلى الملأ من قريش، فقال:
اشهدوا أن هذا ابنى وارثا ومورثا.
رأى أبوه ذلك فطابت نفسه، وكان يدعى زيد بن محمد، فلما ألغى التبنى وقال تعالى فى المتبنين:
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ «٥» .
стр. 282
الإسلام فى بيت النبوة:
٢٠٩- كان أول الإسلام فى بيت النبوة، وأول الدعوة كانت فى بيت محمد ﵊، وقد كان الذين يكونونه، وبلغوا حد الإدراك المميز للحقائق الدينية فى الجملة، هم هؤلاء الثلاثة خديجة بنت خويلد الزوجة الطاهرة الوفية الأمينة الحانية على زوجها وثانيهم على بن أبى طالب الذى كان فارسا، وهو الذى رباه النبى ﵊، وثالثهم المولى المخلص الذى أزال محمد بن عبد الله ﷺ عنه الرق، ورفعه إلى شرفه من ذؤابة قريش، حتى كان يقال زيد بن محمد حتى ألغى الله تعالى التبني، ولكنه ألغاه وزيد شريف بالإسلام والإيمان، وشريف بحريته واحترام نسبه الأصلي، الذى لم يرنق برق.
لقد امنت خديجة منذ أن التقى محمد بن عبد الله ﷺ بروح القدس، جبريل ﵇، وعاد إليها يرجف فؤاده، وأخبرها ورقة بن نوفل بمكانة محمد ﵊، وأنه رسول هذا الزمان، وأنه لا نبى بعده.
امنت به منذ الابتداء، وكان إيمانها أمنا وسلاما، فقد كانت هى السكن الذى يأوى إلى ما فيه من رحمة وسط عنف المعارضة، وشدة المقاومة، وكما قال ابن هشام فى سيرته: «وازرته على أمره، وكانت أول من امن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء به، فخفف الله تعالى بذلك عن نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله تعالى عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس» رضى الله ﵎ عنها.
وإنها بذلك صارت لها منزلة فوق منزلة نساء الأنبياء أجمعين، بل صارت لها منزلة فى الذروة بين نساء العالمين حتى صارت ثالثة بين فضليات النساء فى الخليقة، وهى مريم العذراء التى خاطبتها الملائكة من السماء، وبضعة رسول الله ﷺ وبضعتها، فاطمة الزهراء.
وقد أرسل الله تعالى لها تحية طيبة مباركة من السماء، فقد أمر الله تعالى نبيه أن يخبرها على لسان جبريل بأن الله تعالى يقرئها السلام، وروى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بأن يبشر خديجة ببيت من قصب (والقصب هو اللؤلؤ المجوف) لا صخب فيه ولا نصب.
إنها أقامت بيتا للنبى ﵊ فيه الهدوء والبركة والأمن والسلام يلقى فى خارجه غبار الصخب، وعناء النصب، فكتب الله تعالى لها بيتا فيه الراحة التامة، وفيه الرونق، وفيه الجمال، فيلتقى فيه جمال المنظر، بلطف الهدوء بعد اللغوب.
стр. 283
ولقد أحست بمنزلتها عند الله تعالي، وخصوصا عندما أقرأها السلام بذاته الكريمة فقد ردت التحية فقالت مقال المؤمنة «الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام» فالتقى الإيمان الصادق، بالتنزيه لله، فجعلت الرد على جبريل، أما الله فهو السلام، وهو واهب السلام، فتعالت ذاته، ويقول فى التعليق على ردها شارح المواهب اللدنية «هذا من وفور فقهها، حيث جعلت مكان رد السلام على الله تعالى الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق وما لا يليق» ومع كون هذا إدراكا سليما أقول إنه إحساس عميق وإيمان صادق بالله.
إسلام على:
٢١٠- كان على رضى الله تعالى عنه فى العاشرة من عمره، وقد تجاوز سن التمييز الأولى، وصار له إدراك فى المعانى الدينية. وذلك هو نظر علماء الإسلام من بعد. إذ أنهم اتفقوا على صحة إسلام الصبى المميز. واعتبار إسلامه وإن اختلفوا فى اعتبار ردته إذا تقرر إسلامه ابتداء. أو بوراثته للإسلام.
كان على رضى الله تعالى عنه وكرم الله وجهه فى سن التمييز عند بعثة النبى ﵊. وفيه ذكاء يسبق به أقرانه ومن فى سنه، وهو فوق ذلك فى مهبط الوحي، ومنزل النبوة، وما لا يصل إليه بالإدراك يصل إليه بالمحاكاة والقدوة الصالحة، وقبس النبوة يهديه. ونورها يسطع فيما حوله.
ولقد قالوا إنه ابتدأ نور الهداية باتخاذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أسوة حسنة يقلدها ويحاكيها، ويتبع اثارها، ويقتفى مسالكه صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: «ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة المكرمة. وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبيه أبى طالب، ومن جميع أعمامه، وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله تعالى أن يمكثا.
ولكن عين أبى طالب كانت تتلفت حول ابنه وابن أخيه وحبيبه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك؛ رمقتهما- وهما يصليان، فاتجه إلى محمد ﵊، فقال له: يابن أخى ما هذا الدين الذى أراك تدين به. فقال: أى عم هذا دين الله ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت أى عم: أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعاننى عليه» .
دعاه محمد ﵊ إلى أمرين: أولهما الإيمان بهذا الدين. وثانيهما إعانة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد أجابه فى الثانية ولم يجبه فى الأولى فقد قال له: أى ابن أخي، إنى لا أستطيع أن أفارق دين ابائى وما كانوا عليه. ولكن والله لا يخلص إليك شىء تكرهه.
стр. 284
هذا ما كان بينه وبين ابن أخيه. وهو ينبيء عن نخوة كريمة، وتعصب لما كان عليه اباؤه تعصبا غير حسن فى ذاته. ولا من مثله من كبر عقله، وقوة نفسه. ولكن ذلك ما أراد الله تعالى لحكمة، ليرى الناس مثلا من أقوياء الرجال، يكون عظيما فى ذاته، ويكون مع ذلك مشركا، فهو عال فى نفسه، ليس كبيرا فى اعتقاده.
أما ما كان من أمره مع ابنه، فقد اتجه إليه يقول له: «أى بنى ما هذا الدين الذى أنت عليه. فقال له: يا أبت، امنت بالله وبرسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته» .
وهنا نجد أبا طالب الحر الكبير فى نفسه فى معاملة ابنه، كما رأيناه مع ابن أخيه، فقد قال غير مضيق ولا متزمت، ولا ضائق الصدر، أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.
وروى ابن إسحاق مع ما ذكر رواية فيها زيادة إذ قال:
«إن على بن أبى طالب رضى الله ﵎ عنه جاء بعد ذلك بيوم أو يومين وهما يصليان (أى خديجة والرسول) فقال: أيا محمد ما هذا! قال النبى ﵊: دين الله تعالى الذى اصطفى لنفسه بعث به رسله، فأدعوك إلى الله تعالى واحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزي، فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاصد أمرا حتى أحدث به أبا طالب، فكره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يفشى عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال ﵊ له: «يا على إذا لم تسلم، فاكتم» فمكث على تلك الليلة، ثم إن الله أوقع فى قلب على الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى جاءه، فقال: «ماذا عرضت على يا محمد» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «تشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى وتبرأ من الأنداد» ففعل على ذلك وأسلم، ويروى أنه كتم إيمانه عن أبى طالب، ولكنه لما علم قال له: «وازر ابن عمك وانصره» .
هذه زيادة ذكرها ابن اسحاق فى رواية أخري، وهى لا تتعارض مع الرواية الأولي، ولكن تزيد عليها، فمؤداها أن على بن أبى طالب، كشأن من يكون فى سنه رأى أن يعرض الأمر على أبيه كالشأن فى كل أمر ذى شأن يعرضه الصبى على أبويه قبل أن يقدم عليه، ثم وقع فى قلبه الإيمان بما جاء به ابن عمه، طيب النفس رضيا، وكان أن تبعه فى صلاته فى شعاب مكة المكرمة.
أول أسرة فى الإسلام:
٢١١- أسلم من بعد ذلك أو مقارنا لذلك مقارنة زمنية «زيد بن حارثة، وهو الذى اختار محمد ابن عبد الله ﵊ على أبيه واختار أن يعيش فى كنف محمد ﵊ رقيقا،
стр. 285
على أن يعيش فى أسرته حرا طليقا، فلابد أن يكون من أول الناس إسلاما، فانضم إلى الأسرة النبوية غير متلكيء، ولا متلعثم، ولا مضطرب، بل دخل مسرعا، غير متلوم.
اجتمع شمل الأسرة الكريمة على الإيمان، ولازم محمد ﷺ فى صلاته أم المؤمنين خديجة، وصفيه المجتبى على بن أبى طالب، ولقد جاء تاجر زائرا مكة المكرمة، ولنترك له الكلمة يقص ما رأى:
عن يحيى بن عفيف قال: «جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلقت فى السماء وأنا أنظر إلى الكعبة. أقبل شاب، فرمى ببصره إلى السماء. ثم استقبل الكعبة. فقام يستقبلها. فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه. فلم يلبث حتى جاءت امرأة.
فقامت خلفهما، فخر الشاب ساجدا. فسجدا معه. فقلت: يا عباس. أمر عظيم. فقال: أتدرى من هذا؟ فقلت: لا. فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى. أتدرى من هذا الغلام؟
قلت لا. قال: هذا على بن أبى طالب. أتدرى من هذه المرأة التى خلفهما؟ قلت: لا أدرى! قال:
هذه خديجة زوج ابن أخى. وهذا حدثنى أن ربك رب السموات والأرض أمر بهذا الذى تراهم عليه.
وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة، وكانوا الثلاثة المطهرين السابقين إلى الإسلام، ومعهم زيد بن حارثة فكان الرابع.
ويلاحظ فى هذه الأخبار الصادقة أن أولئك أسلموا من غير أن يطالبوا بدليل، بل كانوا المصادقين لما عرفوا من الحق فى ذاته. فأى قلب خال من شوائب الهوى والغرض يسوى بين الإيمان بحجر لا ينفع ولا يضر والإيمان بالواحد الأحد الفرد الصمد، الذى ليس بوالد ولا ولد، ثم مع ذلك الحق الذى يدرك بأدنى تأمل من قلب سليم- ما عرف به الداعى من خلق صادق. وفضل كبير، وعقل مدرك سليم، ثم لا يكون فى كلامه ارتياب مرتاب.
فالذى دفع إلى إيمان تلك الأسرة الطيبة إدراك للحق فى ذاته، وإيمان بصدق ربها، ومن بعد ذلك صفاء فى نفوس أهلها، وأنّى يكون قلب أصفى من قلب أم المؤمنين خديجة، وعلى بن أبى طالب.
النور يشرق من بيت النبوة
٢١٢- فاض النور من بيت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وانبثق البثق الكبير خارج البيت، ولكنه لم يكن بعيدا عن محمد ﵊، فقد ذهب يضيء قلوب أصدقائه، والذين وصلت نفوسهم بنفسه، وإن لم يكونوا له أقرباء قرابة بعيدة أو قريبة، ولكنهم كانوا من قبيله وقومه، ثم كانت