صلى الله تعالى عليه وسلم قال إنها لرؤيا حق إن شاء الله. فقم على بلال فألقها عليه، فإنه أندى صوتا منك، فلما أذن بلال سمعها عمر بن الخطاب. وهو في بيته. فخرج إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يجر رداءه، ويقول: «يا نبى الله، والذى بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذى رأى» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فلله الحمد على ذلك.
هذا سياق ابن إسحاق في هذا الاهتداء إلى صيغة الأذان. وأن ذلك كان برؤيا رآها بنصّه اثنان من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن هذا نتيجة لرواية الشورى التى استشار بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه.
وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أقر الرؤيا فكان الأذان على ذلك شرعا بإقرار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك على أن إقرار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذى شرع الأذان لا الرؤى والأحلام.
ولكن علق ابن هشام في سيرته على رواية ابن إسحاق بأن الوحى قد نزل بالأذان، وصيغته، فقال: «ذكر ابن جريج قال: قال لى عطاء: سمعت عبيد الله بن عمير الليثى يقول: «ائتمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشترى خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام: «لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا للصلاة، فذهب عمر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليخبره بالذى رأى وقد جاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الوحى بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين أخبره بذلك، قد سبقك بذلك الوحى»
وإن هذه الرواية تصرح بأن الوحى نزل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه تفصيل الأذان بأركانه وهى ليست رؤيا عبد الله بن ثعلبة بن ربيعة.
وإنا نميل إلى هذه الرواية، وذلك، لأن الأذان شعار من شعائر الإسلام، وأنه تعرف به الجماعات الإسلامية، وما يكون كذلك من العبادات لا يكون من الأمور التى تكون بشورى الناس، وقد تكون الشورى ابتداء لمعرفة طريق الإعلام، فجاء الوحى بهذا الطريق الذى يعتبر سنة، وما كانت السنة تعرف بطريق رؤى الآحاد، إنما تكون بوحى من الله تعالى، وإن الأذان لكل صلاة سنة مؤكدة، وكثيرون من العلماء يقولون إنه بالنسبة للجماعات فرض كفاية تأثم الجماعة كلها إذا تركته.
стр. 492
وإن تفصيل الأذان وبيان أجزائه التى لا يمكن أن يجزى الأذان إلا بها لا تكون إلا بأمر من الله تعالى، لأن الأذان عبادة، ولا تعرف أجزاء العبادة إلا بوحى من الله تعالى لنبيه، لا برؤيا لغيره مهما تكن مكانته في الإسلام.
الإذن بالقتال
٣٤٤- بعد أن استقر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اتجه إلى تعميم الدعوة وحماية الضعفاء من المؤمنين الذين كانوا يفتنون في دينهم، ويؤذون في اعتقادهم، وكان لا بد أن يكون ذلك بقتال المشركين الذين يؤذون المؤمنين، ولا بد من استنقاذ البيت الحرام من عبادة الأوثان، وأن تحطم الأوثان التى تحيط به.
ولذلك شرع الله تعالى القتال، فقال تعالى في كتابه المبين: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج- ٣٨: ٤١) .
كان الإذن بالقتال، وفتح باب الجهاد، وفي هذا النص الكريم بيان الباعث عليه، والنتيجة التى ينتهى إليها، وإنها لخير، ووسائل الخير تكون خيرا ولو كانت أمرا كريها، ما دام قد تعين ما هو الطريق، وإنه إذا تعين كان خيرا، ولذلك قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة- ٢١٦) .
والآية التى كان فيها الإذن بالقتال فيها إشارات بيانية تليق بالقرآن الكريم أبلغ كلام في هذا الوجود الإنسانى.
أولاها: أن فيها الإذن بالقتال، ولكنه لم يصرح بها، إذ أنه صرح بأشد ما يبعث عليه، وهو أن القتال من جانب الأعداء قد وقع فعلا، لأنه عبر بقوله «يقاتلون» بالبناء للمجهول، أى أن المشركين قاتلوا المؤمنين فعلا، فقد آذوهم وحاولوا أن يفتنوهم عن دينهم، والفتنة أشد من القتل كما قال الله تعالى، وحاولوا قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وحاولوا أن يقتلوا المبايعين في بيعة
стр. 493
العقبة الثانية، فكان التعبير بالبناء للمفعول دليلا على أن قتال المؤمنين في مقابل أنهم ابتدأوا، وهو دفع للأذى، وللفساد في الأرض، كما قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (البقرة- ٢٥١) .
الإشارة البيانية الثانية أن الله تعالى صرح بأن القتال دفع للظلم أو منع لاستمراره.
الثالثة: أن أهل الإيمان هم أهل الحق، فإن قاتلوا فهو دفاع عنه وعن التوحيد، والإيمان به، فهو قتال يحمل في باعثه، وفي ذاته، الدعوة إلى الله تعالى.
الرابعة: أن القتال الذى يكون جهادا في سبيله هو دفع الباطل، وإلا كان الفساد في الأرض، وألا يعبد الله تعالى فتهدم بيع وصلوات، ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. فالقتال نصرة الله تعالى.
وحماية للحق، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج- ٤٠) .
الخامسة: أن القتال فيه تمكين للحقائق الإسلامية، فنتيجة القتال تمكين للذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، فالقتال من نتيجته أنه يمكّن أهل الحق من الدعوة إليه بالقول وبالعمل، وبذلك تقوم شريعة الله سبحانه.
وفي هذا إشارة إلى أن غاية القتال بعد دفع الاعتداء ومنع الظلم، هى التمكين للدعوة الإسلامية، وأن يدخل الناس في دين الله تعالى مختارين من غير فتنة، ومن غير إرهاق لهم في عقائدهم.
وبذلك نأخذ من الآية الكريمة أن الباعث على الجهاد في الإسلام أمران:
أولهما: دفع الظلم ومنع الفتنة- كما قال تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة- ١٩٣) . وأن الاعتداء يرد بمثله، فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذى جاء بالحق لا يدفع إرادة الأذى بالسكوت عليه واستمراره، بل يدفع الاعتداء بمثله، كما قال تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة- ١٩٠) .
الأمر الثانى: هو التمكين للدعوة الإسلامية، بأن تزال المحاجزات التى يقيمها الملوك والحكام الظالمون بين دعوة الإسلام والاستجابة لدين الحق أو أن يعوقوه، وليس معنى ذلك حمل الشعوب على الدخول في الإسلام كرها بقوة السيف، بل إن مؤداه أن يعرفوا الإسلام، ويتمكنوا من تلقى الدعوة الإسلامية، فإذا عرفوها فقد تبين الرشد من الغى، والحق من الباطل، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولذلك قال تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، لَا انْفِصامَ لَها، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦- البقرة) .
стр. 494
أول القتال
٣٤٥- أخرج المشركون من قريش المؤمنين من مكة المكرمة، وجردوهم من أموالهم، وفتنوهم فى دينهم، فكان لابد من أن يضايقوهم كما ضايقوا المؤمنين ويردوهم عن غيهم، ويعلموهم أن الباطل لا بقاء له، بل إن للحق قوة، وأنه أبلج، ابتدأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإرسال السرايا، وهى طوائف صغيرة من الجيش على رأسها قائد من القواد، فهى تشبه كتيبة يرسلها القائد الأكبر، لتحارب، أو لتمنع الطريق عن قوم من الأعداء، أو كسرية الجيوش في هذه الأيام، وقد فهم بعض الكتاب من ذلك أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ بالسرايا تصادر عير قريش، أو طائفة من تجار المشركين، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ بالحصار الاقتصادى، ونحن نفهم من الحصار الاقتصادى الحصار الذى يفرض على موارد الجماعة كلها من رزق، أى أن الحصار يفرض على قريش كلها.
ونحسب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما كان يريد أن تصاب قريش كلها بمجاعة، فما كانت قريش كلها على طريقة أبى جهل وأبى سفيان ومن على شاكلتهما من الذين ناوؤا الدعوة ابتداء، واستمروا على غيهم إلى أن كان الفتح المبين، وكان منهم الساكتون الذين لم يعادوا، ولم يناوئوا، وإن لم يؤمنوا، وليس من شأن المباديء الإسلامية أن يؤخذ المطيع بظلم العاصى أو المعتزل بظلم الذى يرتكب الشر، وفي قريش من كان مكرها غير مختار ومظلوما مأسورا. ومنهم من كان يربطه بالمؤمنين مودة وصلة، بل بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
والحصار الاقتصادى يعم ولا يخص؛ إذ يعم من بلغوا أقصى غايات الشر، ومن سكتوا، ومن توادوا وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (فاطر- ١٨) .
ولكن هذه السرايا كانت لمناهضة زعماء قريش، إذ كانوا أصحاب المتاجر التى تحملها العير وقتا لآخر، ولأن أولئك الزعماء أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم، فكان حقا على هؤلاء أن يضايقوا الذين أخرجوهم من أموالهم معاملة بالمثل، وليأخذوا مقابلا لبعض ما أخذ منهم، وليذيقوا أولئك الزعماء وبال ما صنعوا.
стр. 495
أول السرايا
سرية حمزة رضى الله عنه:
٣٤٦- فى السنة الأولى من الهجرة، ابتدأت السرايا، وهى عدد ليس بكثيف من المجاهدين يعترضون رجالا من قريش يتجهون إلى الشام بأموال لهم. ليمنعوهم من الذهاب إلى الشام، ويستولوا على ما معهم من المال أو يقاتلوهم.
ويلاحظ أن هذه السرايا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يختار رجالها من قريش، وليس معهم من الأنصار أحد، وأوّل سرية كان قد عقدها صلى الله تعالى عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب، وخرج حمزة في رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة على سيف البحر، وكانت عدة هذه السرية ثلاثين رجلا من المهاجرين، وكذلك كانت سرايا هذه السنة، وكان لواؤها أبيض، وقد اعترضوا طريقا لعير لقريش، وكانت لكبرائهم، وكانت عدة من تعرض لهم حمزة ثلاثمائة، على رأسهم عمرو بن هشام (أبو جهل) .
تقابل الفريقان المؤمنون بقيادة أسد الإسلام حمزة، والثانية بقيادة لئيم قريش وخبيثها أبى جهل، ولكن تحاجز الفريقان عن القتال، وذلك لتوسط رجل من العرب كان موادعا الفريقين اسمه ابن عمرو الجهنى ولذلك لم يحدث قتال.
سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب:
٣٤٧- وفي شوال من هذه السنة عقد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعبيدة بن الحارث لواء أبيض، وأمره بالسير إلى بطن رابغ، فى ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصارى.
التقت هذه السرية بمشركى قريش وكانت عدتهم مائتين، عليهم أبو سفيان صخر بن حرب.
وقد كان اللقاء عند ماء يقال له الأخياء حيث كان المشركون، والمؤمنون قد بلغوا ثنية المرة ولم يكن بينهم قتال، ولكن كان بينهم رمى بالسهام.
ولقد رمى سعد بن أبى وقاص الذى كان في هذه السرية وإن لم يكن قائدها فقد رمى بسهم، فكان أوّل سهم رمى به في الإسلام.
هذا هو الترتيب الذى ذكره الواقدى في ترتيب السرايا، فذكر أن سرية حمزة كانت أولا، وأنها كانت أوّل سرية، وتليها سرية عبيدة بن الحارث.
стр. 496
ولكن ابن إسحاق يذكر أن أوّل راية السرية كانت سرية عبيدة بن الحارث، لا سرية حمزة، ويقول في ذلك: (وبعض الناس يقول راية حمزة أوّل راية عقدها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد من المسلمين، ذلك أن بعثة حمزة وبعثة عبيدة كانتا معا فشبه ذلك على الناس) .
هذا ما ذكره ابن إسحاق، ولكن الواقدى لا يذكر أنهما كانا معا، بل يذكر أن واحدة كانت في الشهر السابع بعد الهجرة، وهى سرية حمزة، والثانية كانت في الشهر الثامن بعدها وهى بعثة عبيدة.
وهناك اختلاف آخر بين رواية الواقدى ورواية ابن إسحاق، فالواقدى يقول إن حمزة التقى بأبى جهل، وابن إسحاق يقول، إنه التقى بعكرمة بن أبى جهل.
وابن كثير يظهر من لحن قوله أنه يرى رواية الواقدى أثبت على ما سنبين إن شاء الله تعالى.
سرية سعد بن أبى وقاص:
٣٤٨- وفي ذى القعدة من سنة الهجرة- أى على رأس عشرة شهور من الهجرة- أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سعد بن أبى وقاص في سرية؛ لأنه علم ﵊ أن عيرا لقريش ستمر بها، فأرسل سعدا في عشرين من المهاجرين ساروا إلى مكان اسمه الخزار، وقد عينه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على ألا يتجاوزوه، ويقول سعد رضى الله تعالى عنه: «خرجت في عشرين رجلا على أقدامنا، فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحنا الخزار صبح خامسة، وكان رسول الله ﵊ قد عهد إلى ألا أجاوز الخزار، وكانت العير قد سبقتنا قبل ذلك اليوم» وعلى ذلك لم يلق سعد أحدا من قريش، ولم يأمره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بمتابعتهم؛ لأنه يظهر أنه ﵊ كان يريد مباغتتهم في الطريق، والمفاجأة تفزع العدو فينال منه، والملاحقة لا تكون فيها هذه المفاجأة، ولأنهم كانوا راجلين، فلا يوغلون في الصحراء حيث لا مركب لهم.
والواقدى يذكر في روايته أن سرية سعد كانت عدتها عشرين أو واحدا وعشرين، كما نقل عن سعد رضى الله عنه، ولكن ابن إسحاق يقول: إنه خرج ومعه ستمائة من المهاجرين.
ولعل رواية الواقدى أوضح وأقرب إلى المعقول، لأنه ثبت أن العير كان بها نحو ستين رجلا ويناسبهم عشرون وأنهم راجلون.
٣٤٩- والسرايا الثلاث على كلام الواقدى كانت في السنة الأولي، وقد حدد مواقيتها، فالأولى كانت في رمضان، والثانية كانت في شوال، والثالثة كانت في ذى القعدة.
стр. 497
ولكن قال أبو جعفر بن جرير رضى الله عنه في تاريخه، وعند ابن إسحاق أن هذه السرايا الثلاث كانت في السنة الثانية من الهجرة.
ونلاحظ أن ابن إسحاق لم يعين أكان في السنة الثانية أم كان في الأولي، ولكن قد يفهم ذلك لأنه ذكرها بعد غزو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أولى غزواته، وكانت في ودان، وهى كانت في صفر من السنة الثانية، وقد صرح بذلك ابن إسحاق، وذكر بعدها السرايا الثلاث، وإذا كانت الأحداث ترتب في الذكر بترتيب زمنها، فإنه تكون هذه السرايا في السنة الثانية، ولكن نلاحظ أن ابن إسحاق في سيرته يتكلم في بعض الوقائع في غير وقت وقوعها. لمناسبة اقتضت ذكرها في غير أوانها.
وعلى فرض أن ابن إسحاق يعد هذه السرايا في السنة الثانية، فإن الحافظ ابن كثير رجح ما قاله الواقدى، ويقول: «والواقدى ﵀ عنده زيادات حسنة، وتاريخ محرر غالبا، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه، كما بسطنا القول في عدالته وجرحه في كتابنا الموسوم بالتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل، ولله الحمد والمنة»
٣٥٠- وهناك ملاحظة أخرى غير ملاحظة الزمن، والروايات فيه، وهى تتعلق بقريش، ومقدار استمساكها في اعتقادها.
ذلك أن الذين كانوا يخرجون لحماية عيرهم كان منهم من هو مؤمن، ولكن يكتم إيمانه، وكانوا يخرجون في متاجر قريش عساهم يجدون سبيلا لأن يلحقوا بالمؤمنين إذا كانت الهجرة قد فاتتهم عند خروج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنها لن تفوتهم من بعد، فإنه قد حدث عند التقاء سرية عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب بعير قريش، التى انصرف الفريقان فيها، ولم يتقاتلا، فر من قريش إلى المسلمين ابن عمرو البهرانى حليف بنى زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنى حليف بنى نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين ولكنهما توصلا بالكفار إلى المسلمين، فوصلا إلى المسلمين بطريق المشركين ليأمنا الإيذاء والشر.
خروج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للجهاد
٣٥١- أذن للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالقتال، كما تلونا في الآية الصريحة بالإذن وهى قوله تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ إلى آخر هذه الآيات التى تلوناها من قبل.
стр. 498
عندئذ أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأهبة، وأخذ يرسل السرايا سرية بعد سرية، ثم كانت الغزوات، ونرى في اصطلاح مؤرخى السيرة أنهم يطلقون السرية على كل بعث يبعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعدد من المؤمنين قل أو كثر. (وفي الغالب لا يكون كثيرا) إلى لقاء المشركين، ولم يخرج ﵊ مع ذلك الجيش، أما الغزوة فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج فيها مجاهدا بنفسه، سواء أقاتل بالفعل أم لم يقاتل.
وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ الجهاد بالسرايا الثلاث التى بعثها في رمضان وشوال وذى القعدة، وهى سرية حمزة بن عبد المطلب، وسرية عبيدة بن الحارث، وسرية سعد بن أبى وقاص.
ثم ابتدأت الغزوات في السنة الثانية.
وقد اختلف المؤرخون في عدد غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وما كان اختلافهم في أصل الوقائع أو عددها، إنما كان سبب الاختلاف هو اختلافهم في خروج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع الجيش أو عدم خروجه أيعد غزوة أو سرية.
وعند التحقيق نجدهم متفقين على العدد، واختلفوا قليلا في وصف الخروج، وكلمة مغازى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عامة تشتمل على الغزوات والسرايا.
وعدتهم كما روى الإمام أحمد في مسنده ثلاث وأربعون، فقد روى عن قتادة أن مغازى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث وأربعون، أربع وعشرون بعثا، وتسع عشرة غزوة، خرج في ثمان منها بنفسه، بدر وأحد والأحزاب، والمريسيع، وخيبر، وفتح مكة المكرمة، وحنين.
وروى عن الزهرى في هذه الغزوات الثمانى أنه قال: هذه مغازى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قاتل فيها يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل بنى المصطلق وبنى لحيان في شعبان سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبر سنة ست، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، ثم قاتل يوم حنين، وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان، ثم حج أبو بكر سنة تسع، ثم حج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر.
ومن هذا السياق التاريخى يتبين أن الغزوات تسع عشرة، والبعوث أربع وعشرون، وأن الغزوات منها ما كان فيه قتال بين المؤمنين والمشركين، ومنها ما لم يكن فيه قتال، أو جاء شبه الانهزام لخطأ كان من المقاتلين، وقد يكون انتصار للمؤمنين بغير قتال، بل كان برعب وريح، كما كان في الخندق فإنه لا يعد فيها قتال، ولو كانت الهزيمة للمشركين، وإنما كان القتل والقتال في بنى قريظة، وقد كانت هناك
стр. 499
غزوات لا قتال فيها، وأولى غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن فيها قتال، ومنها الأبواء، والعشيرة، وغطفان، وبدر الأولى، ومن أعظم الغزوات التى لم يقاتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيها الحديبية فقد كانت فتحا لابتداء سلام بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقريش، ولذلك قال الله تعالى فيها: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً. وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (الفتح- ١: ٣) .
الحرب الفاضلة أو حرب النبوة
٣٥٢- لم يكن في السرايا التى بعث بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قتال، بل كانت نتيجتها سلما، وما كان الفريقان يلتقيان إلا ليفترقا في سلام، وإن لم يكن ذلك دائما، إلا ما كان من رمية رماها سعد بن أبى وقاص في سرية عبيدة بن الحارث. ومع أنه لم يكن في هذه السرايا قتل ولا قتال كانت ذات فائدة، لأنها أعلمت قريشا أن الإسلام صارت له قوة، فإما أن يسارعوا إليه، ولا يكونوا آخر الناس، وإما أن يسارع القصاص، والرد على ما سبقوا به من الاعتداء. أو من جهة أخرى يشعرون بأن قوة الإسلام ستنقذ المؤمنين الذين لا يزالون يفتنونهم عن دينهم الذى ارتضوه والفتنة أشد من القتل. كما ذكر الله في كتابه الكريم. ومن جهة ثالثة يحسون بأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم سيضايقهم بالحق كما ضايقوه بباطلهم. وكما يضايقون أصحابه من المستضعفين في ديارهم، وذلك بمصادرة أموالهم كفاء لما أخرجوا المسلمين من ديارهم وأموالهم.
فكانت هذه السرايا الأولى في السنة الأولى من الهجرة إشعارا لهم بأن الإسلام قد أمده الله تعالى بالقوة، ليرهبوه ما داموا لم يسالموه، بل إنهم لم يرغبوه.
وكانت كذلك غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأولى في الأبواء والعشيرة، وغطفان، وبدر الأولى، فقد كانت خالية من القتل والقتال، بل كانت لهذا الإشعار.
حتى إذا شعرت قريش بهذه القوة المؤمنة، وكونوا جيشا كثيفا، وساروا به ولم يسبق عيرا، وبدا أنهم يرومون الحرب، إذ استعدوا لها، وأرادوا الاعتداء بها، كان القتال، لأنهم كانوا المهاجمين، وما كان محمد ﵊ لينتظر حتى يغزوا المدينة المنورة بجيشهم، بل لابد أن يلقاهم، لأنه ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، كما قال بطل الجهاد على كرم الله وجهه الذى رباه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلمه الحكمة وفصل الخطاب.
стр. 500
ولكن قد يسأل سائل: لماذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم محاربا. ونقول في الجواب عن ذلك إنه لم يكن بدعا من الرسل في ذلك، لأن موسى وهو من أولى العزم من الرسل حارب، ودعا بنى إسرائيل إلى الإيمان، ولكنهم ارتدوا على أدبارهم فانقلبوا خاسرين، وقالوا وحال الذلة والجبن تدفعهم فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (المائدة- ٢٤) .
والمذكور في التوراة التى بأيديهم أن موسى ﵇ حارب ملوكا، واخترق بجيشه ديارهم، وداود ﵇ حارب وقاتل. وكذلك ابنه سليمان.
وإذا كان عيسى ﵇ لم يقاتل، فلأنه ما شرع له القتال، وكأنه كان تمهيدا للبعث المحمدى إذ أن بينهما مدة ليست كبيرة، تبلغ نحو ستمائة سنة أو تزيد قليلا.
وأن رسالة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كانت للناس كافة، للأحمر والأسود والأبيض، فكانت لابد أن تجتاز الأقطار، وتصل الدعوة قوية إلى الأمصار، وأن ذلك لا يكون إلا بالاستعداد للقتال. إذ أن العالم كان محكوما بالملوك الغاشمين، والرؤساء الظالمين.
وإن شريعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جاءت بمباديء هى ضد الحاكم، وقد قاتلوه عليها، فكان لا بد أن تكون قوة مانعة من الظلم دافعة بالحق، فكان لا بد من الحرب أو الاستعداد لها.
وإن الناس لا يستقيم أمرهم إذا لم تكن للمبادئ العادلة قوة تحميها بالحق من غير اعتداء، وفضيلة الإسلام ليست فضيلة خانعة ضعيفة مستسلمة، ولكنها فضيلة قوية دافعة للشر، حاملة على الخير، فليس فيه «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر» ، وإنما فيه فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ (البقرة- ١٩٤) .
وفيه العفو والصبر، إذ يقول فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا (البقرة- ١٠٩) والعفو لا يكون إلا بعد أن يكون الأمر للإسلام، فلا عفو إلا عن مقدرة، ويكون عزا ولا يكون استسلاما، فقد قال ﵊: «ما زاد عبد بعفو إلا عزا» وأمر بالصبر، فقال سبحانه وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (النحل- ١٢٦) وإن الصبر يوجب ألا يندفع الجيش إلى القتال، بل يصابر، عسى أن يكون الصلح، وألا تخرج السيوف من أغمادها. كما كان يفعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان يوصى جيوشه بذلك.
وإن الصفح الجميل عمن آذوا أهل الإيمان يحتاج إلى صبر وقوة نفس، فليس الصبر فقط في لقاء الأعداء، إنما يكون في ذلك، وفي فطم النفس عن شهوة الانتقام.
стр. 501
وإن حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، كما سنرى حرب فاضلة فيها الرفق وفيها الفضيلة، وإن اشتجرت السيوف، وتلاقى الناس بالحتوف، فهى تعلم الناس كيف تكون الفضيلة، والسيوف تقطر دما، وكيف تكون المرحمة في الحرب، وهى في أصلها أمر مكروه في ذاته، فإذا دخلتها الرحمة، فإنها تكون كالنسيم العليل في الحر اللافح، وكالظل في الحرور. وقبل أن نتكلم في غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نتكلم في بيان الفضيلة فيها، وإنا نأخذ ذلك من أوامر القرآن الكريم للمجاهدين وعمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في سيرها وفي انتهائها، وفي وصاياه ﵊ لجيوشه. وقد كان أصحابه من بعده يتبعونها ويحكمونها غير منحرفين عنها.
الفضيلة في الحرب
٣٥٣- إن الرحمة من الفضائل الإنسانية العالية، ورحمة الإسلام ليست انفعالا نفسيا وقتيا.
ولا شفقة أو رأفة شخصية تكون على الفاضل والآثم، والبر والفاجر، بل إن رحمة الإسلام هى الرحمة بالعامة وقد تكون الحرب رحمة بالعامة، بل إنها يجب أن تكون كذلك ما دامت حربا فاضلة، كما تلونا من قبل قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ. فالشفقة على الظالم والامتناع عن الاقتصاص منه ليست من الرحمة في شيء، لأنها تخفى في ثناياها قسوة على المظلوم، ولذلك قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم» .
فالحرب الإسلامية شرعتها الرحمة، وأظلتها الرحمة، وأنهتها الرحمة، وإذا كان من الرحمة بجسم الإنسان أن تقطع بعض الأجزاء المئوفة، حتى لا تفسد الجسم، فإن من الرحمة بالناس أن تقطع عناصر الفساد، لأنها تئوف الجماعة، وأن يرد الاعتداء بقطع عناصره لسلامة الناس، وأن يعيشوا آمنين، وكلمة الحق تسرى بينهم ولا محاجزات تحول دون النطق بها.
ولنتكلم في حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، معتمدين على كتاب الله تعالى، وعلى السنة النبوية.
فالباعث عليها. كما نص القرآن الكريم رد الاعتداء على المسلمين، فقد قال تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وقال تعالى:
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة- ١٩٣) وبين سبحانه أن يعامل المعتدون بمثل اعتدائهم. قال تعالى: فَمَنِ
стр. 502
اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وذلك بعد قوله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ (البقرة- ١٩٤) .
ونجد من هذه النصوص أن ابتداء الاعتداء كان من المشركين، وأنه كان لاعتداء المشركين على الحرية الدينية وفتنة المؤمنين في عقائدهم ليحملوهم على تركها. وإننا إذا أمرنا برد الاعتداء بمثله، طلب منا مع ذلك طلبان جليان آخران وهما: النهى عن الاعتداء، فنهينا عن الاعتداء، والاعتداء بأن نقاتل من لم يبدأنا بالقتال، ولم يمنع الدعوة الإسلامية من السير في طريقها، والطلب الثانى أمرنا بالتقوى، وهو التزام الفضيلة، فإن كانوا يعتدون على الأعراض لا نجاريهم، وإن كانوا يمثلون بالقتلى لا نمثل بقتلاهم كما سنبين إن شاء الله تعالى.
لقد علمنا مما قصصنا من السيرة الطاهرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مكث يدعو إلى الإسلام ثلاث عشرة سنة توالى فيها الأذى على المؤمنين، وخصوصا ضعفاءهم، ولم يسلم من أذاهم إلا من يكون ذا بطش يخشى بطشه كعمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب، ومع ذلك لم يسلموا من الأذى تماما، بل كانت سلامتهم نسبية.
ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يسلم من آذاهم، حتى رموا عليه وهو ساجد فرث جزور، حتى لقد هموا بقتله ﵊، ليلة الهجرة، وقد هاجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهاجر من كان عنده قدرة على الهجرة.
ترك المهاجرون ديارهم وأموالهم فرارا بدينهم الذى ارتضوا، والمشركون سادرون في غيهم. وترك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ضعفاء، لا قدرة عندهم على الهجرة، وهم يعذبون أشد العذاب، فهل من مقتضى الرحمة أن يترك هؤلاء يعذبون، ويلقى بهم في المحابس، إنه لا بد من أن يذوق الذين يؤذونهم وبال أمرهم.
وننتهى من هذا ومن النصوص السابقة إلى أن الباعث على الحرب دفع الاعتداء، ومنع الأذى المستمر، وعقوبة الظالمين، وتأمين الدعوة الإسلامية حتى لا تكون فتنة في الدين، ويتبع الناس الدليل، ولم يتبعوا الحكام الذين يرهقونهم ويسومونهم الخسف والهوان.
هذا هو أمر القتال في شبه الجزيرة العربية، الذى ابتدأ في قريش. ثم عمم أجزاءها عند ما اجتمعت القبائل على حربه في غزوة الأحزاب، أو غزوة الخندق، وأرادوا اقتلاع الإسلام من قصبته في المدينة الطاهرة، فنزل قوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (التوبة- ٣٦) .
стр. 503
أما بالنسبة لغير من كانوا في الجزيرة العربية، فقد أرسل إلى الملوك والرؤساء الكتب على أيدى رسل من حكماء أصحابه، أرسل إلى هرقل، وإلى عظيم مصر، وإلى كسرى وغيرهم من الملوك. وبعض أمراء البلاد النائية من البلاد العربية.
ولكن لم يجب إلى الإسلام من غير العرب أحد، ومنهم من أساء الرد، ومنهم من أحسن في الإجابة، ولكن لم يجب داعى الله تعالى إلى الإسلام، ومنهم من لم يرد بالقول، ورد بالعمل، وأعلن برده العداء كالمشركين، فكسرى همّ بأن يرسل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من يقتله، وهرقل قتل واليه على الشام من أسلم من أهل الشام. ولذلك اتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الشام، فكانت غزوة مؤتة، ثم غزوة تبوك، ثم وصيته بإنفاذ جيش أسامة بن زيد إلى الشام.
وبهذا نرى أن الباعث لحرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو دفع الأذى، وتمكين الدعوة، ولم يكن ثمة إكراه على الدين، لأن الله تعالى يقول: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ولم يثبت أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أكره أحدا على الدين، بل ثبت أنه أراد بعض الأنصار أن يكره ولده على الإسلام، فنهاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك.
قبل المعركة:
٣٥٤- وكانت الفضيلة تتجلى في حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند ما أخذ يرسل الجيوش إلى الجهات النائية، فقد كان ﵊ يأمر جيشه بالتأنى قبل أن يتقدم للقتال، وكان يدعو المؤمنين إلى ألا يتمنوا القتال، لأنه امتحان القلوب وهدم الأجسام، فكان ﵊ يقول: «لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا» .
وإذ تعين القتال خيّرهم بين الإسلام، أو أن يعاهدوه، ليأمن الاعتداء من جانبهم، وذلك ما يشبه فى العصر الحاضر ميثاق عدم الاعتداء، أو أن يكون القتال، وأنهم إذا قبلوا العهد أمن جانبهم، وأمن أن تسير الدعوة في طريقها، وأن يخلو له وجه الناس، ويقنعهم بالحق، فمن اهتدى فلنفسه، ومن أساء فعليها.
وإننا إذ نتجه إلى ذلك الوادى المقدس يسترعى انتباهنا دعاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند القتال الذى يدل على شعوره صلى الله تعالى عليه وسلم بوحدة الإنسانية ووحدة الخالق، فهو يقول في دعائه ﵊ «اللهم إنا عبادك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم» ، وما كان ذلك الجزء الأخير إلا لأنهم معتدون على الحق، وعلى الحرية الدينية بفتنتهم الناس عن
стр. 504
دينهم، وجحود بالحق. ولقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا على منع القتال حتى عند أخذ الأهبة، فهو يقول لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن قائدا:
«لا تقتلوهم حتى تدعوهم، فإن أبوا فلا تقاتلوهم، حتى يبدأوكم، فإن بدأوكم، فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلا ثم أروهم ذلك، وقولوا لهم: هل إلى خير من هذا سبيل، فلأن يهدى الله على يديك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت» .
ونجد من هذه الوصية أن نية السلم قائمة والجيشان قد تلاقيا، فالقائد المسلم لا يقاتلهم إلا بعد أن يدعوهم إلى العهد الذى يكون فيه تأمين حرية الدعوة، ثم هو لا يبدأ القتال، بل يتركهم يبدأون القتال، وحتى بعد هذا البدء لا يقاتلهم حتى يقتلوا فعلا ثم يبين لهم العبرة في ذلك الدم الذى أراقوه ظلما وعدوانا، فإن لم يعتبروا لم يبق إلا السيف ليحكم بأمر الله بينه وبينهم والله خير الفاصلين.
فى المعركة:
٣٥٥- والرفق ملازم المعركة ذاتها، كما كان في ابتدائها، ذلك أنها حرب نبوة، وليست مغالبة ولا تناحرا، ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم في وصف دعوته وحربه: «أنا نبى المرحمة، وأنا نبى الملحمة» ، وفي الحق أن المرحمة والملحمة متلاقيتان، فما كانت الملحمة إلا لأجل المرحمة، إذ الرحمة الحقيقية في هذا العالم هى في قطع الفساد ومنع الشر، وإذا كانت الملحمة فقد تعينت سبيلا للمرحمة.
وإنه كان يصاحب حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند ابتداء المعركة العمل على تأليف القلوب حتى وقد اشتجرت السيوف؛ ولذلك يوصى ﵊ جنده وقد أرسلهم للقتال بقوله: «تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل مدر أو وبر أن تأتونى بهم مسلمين أحب إلى من أن تأتونى بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم» .
هى حرب رفيقة تتسم بالتأليف، لا بالتقتيل، وبالمحافظة على الأنفس والرجال إلا أن تكون ضرورة ملجئة، فقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يوصى بألا يقوم الجيش بإتلاف زرع أو قطع شجر أو قتل الضعاف من الذرية والنساء، والرجال الذين ليس لهم رأى في الحرب، ولم يشتركوا فيها بأى نوع، ومن ذلك قوله في إحدى وصاياه:
стр. 505
«انطلقوا باسم الله وعلى بركة الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم «١» ، وأصلحوا وأحسنوا إن الله تعالى يحب المحسنين» .
وفي معنى هذه الوصية وصية أخرى، وهى قوله ﵊ «سيروا باسم الله في سبيل الله تعالى، وقاتلوا أعداء الله ولا تغلوا (تخونوا) ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا» .
ويقول ﵊ لخالد بن الوليد: «لا تقتل ذرية ولا عسيفا» (أى عاملا) .
وبهذه الوصايا يتبين أن الحرب النبوية الفاضلة لا يصح أن تكون إتلافا وإفسادا، وتحللا من القيود الإنسانية، ولذلك لا يباح في القتال كل شيء، ولا يفعل ما يفعله القواد في هذه الأيام من إهلاك الحرث، والنسل، وإفساد الزرع وإلقاء السم فيه ليتسمم الأحياء.
وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شدد في منع قتل الأطفال والشيوخ الذين لا يحاربون وليس لهم رأى في الحرب، والنساء، لأن القتال الذى كان من المسلمين إنما كان لدفع الاعتداء والقصاص من المعتدين ماداموا مستمرين أو على نية الاعتداء، وأولئك ما كانوا يقاتلون ولا يعتدون، وليس في طاقتهم أن يقفوا محاربين الدعوة الإسلامية أن تسير في طريقها.
وقد مر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على القتلى فرأى امرأة مقتولة، فقال ﵊: ما كانت هذه لتقاتل. وأرسل إلى خالد بن الوليد يأمره بألا يقتل عسيفا ولا ذرية.
ولقد كان ﵊ يغضب إذا بلغه أن جنده قتلوا صبيانا، ولقد بلغه أن بعض الأطفال قتلهم جند المسلمين، فوقف ﵊ يقول لجنده: «ما بال أقوام تجاوز بهم القتل حتى قتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية ... ألا لا تقتلوا الذرية» .
وكان ﵊ يمنع قتل العمال، وكرر منع قتل العسفاء وهم العمال الذين يستأجرون للعمل، لأن حربه ﵊ لم تكن لقتل الأقوياء القادرين، إنما كانت لمنع اعتداء الذين يحملون السلاح، أو يدبرون الاعتداء، والعمال ليسوا كذلك، إذا لم يكن عملهم لتهيئة أسباب القتال.
стр. 506
وكان ﵊ ينهى عن التخريب، فكان يمنع قطع الشجر لأنه لا ضرورة توجب قطعه إلا أن يتخذه العدو مستترا له، ليجعل منه كمينا يكمن فيه لجيش المسلمين، فما كانت حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تسمح بالتخريب.
الفضيلة:
٣٥٦- ليست حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كحرب الأنذال اللؤماء الذين يضعون السيف في موضع البرء وموضع السقم، إنما هى حرب الخلق القوى الذى لا يضع السيف إلا حيث يكمن الداء، ويستقر، ليقتلع الشر من مكمنه، فلا يقتل إلا من اعتدى وحمل السيف، أو دبر الأمر لمن يحمله.
ولذلك كانت الفضيلة هى المسيطرة في كل أدوارها في ابتدائها وسيرها وانتهائها، وإنها إذ كانت لرد الاعتداء بمثله، فهى مقيدة بالفضيلة لما ذكرنا من أن الله تعالى أمرنا بالتقوى عند رد الاعتداء، فالمعاملة بالمثل مع التقيد بالتقوى توجب على جيش الإيمان ألا ينتهك حرمات الفضيلة لأجل المعاملة بالمثل، فإذا تعارضت الفضيلة مع المعاملة بالمثل كان الواجب مراعاة الفضيلة لأنها المبدأ الذى لا يقبل التخلف كيفما كانت الحال.
وقد يعجب بعض الناس من الفضيلة تحكم في وسط السيوف، وحيث تستباح النفوس، فإنها حيث استبيحت لا يبقى شيء يحترم، ولكنا نقول إنها حرب النبوة المقيدة بقانون السماء، قام بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليعلمها للناس، فإنه مادامت الحرب في نظام الوجود الإنسانى، فإنه لا بد من أن تقيد بالفضيلة، وأن يتولى تعليمها خاتم النبيين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو آخر صرح في نبوة السماء، وأن حرب النبوة هى حرب الفضيلة التى تدفع الرذيلة دفعا. وليس من المعقول أن يكون الباعث عليها الدفاع عن الحق والفضيلة، وتنتهك الحرمات من أهلها في الميدان مجاراة لأراذل المعتدين، فإذا كان العدو منطلقا من كل القيود الخلقية فجيش الفضيلة مقيد بالفضيلة، فإذا كان العدو يهتك الأعراض إن استمكن، أو يقتل النساء والولدان والشيوخ الذين لا يستطيعون حيلة، فإن جيش الإسلام المؤمن لا يجاريهم لأنه مقيد بالفضيلة والخلق القوى.
وإذا كان العدو يمثل بالقتلى، ويشوه أجسامهم بعد القتل، فإن جيش الفضيلة لا يفعل لقول القائد الأعظم المعلم الأوّل للحروب الفاضلة: «إياكم والمثلة»
стр. 507
ولقد قتل المشركون في غزوة أحد حمزة بن عبد المطلب عم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وحبيبه، وأدنى قرابته إليه، وسيد الشهداء كما سماه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومثلوا بجسمه الطاهر، ومع منزلته منه ﵊ لم يفكر بأن يمثل بأحد من قتلاهم فيما جد من بعد ذلك.
وإذا كان الأعداء يجيعون الأسرى، أو يقتلوهم بالعطش، فإن جيش المسلمين يعد من أقرب القربات إطعام الأسير، تحقيقا لقوله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين في إيمانهم: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (الإنسان- ٨) .
احترام الكرامة الإنسانية:
٣٥٧- وإذا كانت الفضيلة لابد من احترامها في أثناء الحرب، للأمر بتقوى الله تعالى عند رد الاعتداء بمثله، فمن الفضيلة المحافظة على الكرامة، بقوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (الإسراء- ٧٠) ، فكرامة العدو محترمة ككرامة الولى على سواء، وقد يعد بعض الناس ذلك أمرا غريبا، حيث كانت السيوف متشابكة، إذ أن هذا ليس وقت التكريم، بل هو وقت التقتيل، ولكن لا غرابة، فهى ليست حرب انتقام، ولكنها قمع للشر، ومنع لاستمراره، ولا استمرار يتصور من مقتول.
ولذلك أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بدفن قتلى قريش، لم يترك جثثهم نهبا لوحوش الأرض وسباع الطير، أمر ﵊ بوضع جثث القتلى من قريش في القليب وهو بئر جافة.
ولقد نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الإجهاز على جريح، كما نهى عن تعذيب القتلى، إذ ضعفت قوة الجريح عن أن يقاوم، وذلك كله لاحترام الإنسانية، ولأن القتال ليس القصد منه إلا إضعاف قوة الطغاة، ودفع الاعتداء وليس منها الانتقام.
وأن المعاملة بالمثل التى تفرضها قوانين الحرب، والتى تفرض بحكم رد الاعتداء به لا يسير به المسلم إلى أقصى مداه ولو انتهكت الفضيلة والكرامة الإنسانية، بل إن المسلم بأمر الله تعالى مأمور بالتقوى عند رد الاعتداء، وكانت حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هى المثل السامى في تنفيذ ذلك لأنه الذى يتعلم منه الإنسان إن حارب أخاه الإنسان، فعندئذ يكون قانون الأخلاق هو الذى يحكم لا قانون الغابة.
стр. 508
انتهاء الحرب
٣٥٨- كانت حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تنتهى بأحد أمور ثلاثة:
أولها- الموادعة- وقد كانت عهود الموادعة التى كان يبرمها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مرغوبا فيها منه صلى الله تعالى عليه وسلم استجابة لقول الله : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (الأنفال: ٦١) ولقول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً (البقرة: ٢٠٨) ولأن الأصل في العلاقة هو السلم، والحرب لا تكون إلا إذا دفعت إليها ضرورة رد الاعتداء بمثله مع التزام الفضيلة كما ذكرنا، وإذا كانت الموادعة فقد زالت ضرورة الحرب، والضرورة تقدر بقدرها.
وقد عقد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم موادعات، كما عقد صلحا، وعقد من بعده صاحباه أبو بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما معاهدات صلح آخذين بهديه، مقتبسين من نوره، وكلها كانت تبدو فيها الرغبة في الصلح من جانب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يدخل في الحرب إلا بعد عرض الصلح، حتى تتحقق ضرورة الحرب.
وإن الموادعة لا يفرضها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم القوة، إن كان هو الغالب، بل يفرضها بالسماحة وإدناء القلوب النافرة.
ولعل أوضح الأمثال في الدلالة على ذلك صلح الحديبية، فقد ذهب إلى مكة المكرمة ومعه جيش كثيف في عدده، قوى في رجاله، مستعد في عدته، ليحج بيت الله الحرام، ولكن ما إن عرضت فكرة المهادنة، حتى سارع ﵊ إليها وقبل من الشروط ما لا يقبله إلا السمح الكريم، وفيها كما يدل ظاهرها من الإجحاف بالمسلمين ما كان لغير نبى أن يقبله، ولكنه قبله راضيا. ولنذكر الخبر فيها، كما روته الصحاح في السنة:
روى البخارى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج في ذى القعدة من العام السادس ليحج إلى بيت الله الحرام. على ألا يقاتل إلا إذا منع، فلما بلغ قريشا عزمه ﵊، ومجيئه مع أصحابه، جمعوا له الجموع ليصدوه، ومن معه، فلما علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، وقد لبس لباس الحج ونواه ومعه الجيش الكبير- جمع أصحابه، وقال: «أشيروا على» ، فقال أبو بكر:
«يا رسول الله خرجت قاصدا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد. فمن صدنا عنه قاتلناه» فقال الرسول ﵊: «امضوا على بركة الله» حتى إذا أشرف على مكة المكرمة قال: «والله لا يسألوننى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» .
стр. 509
ولما جاءت رسلهم إليه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لهم: «إنا لم نجيء لقتال، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأخذت بهم. فإن شاؤا ما رد لهم، وأخلوا بينى وبينهم» .
عرض ﵊ الموادعة، وهو القوى بجيشه، وبنصر الله الذى هو فوق كل شيء، فقبلوا المهادنة بشروط كان جلها كما يرغبون:
أولها- أن يعود ولا يحج في عامه هذا، وأن توضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، وأن يعتمر الرسول ﵊ وأصحابه في العام القابل.
وثانيها- أن من قدم المدينة المنورة من قريش مجتازا إلى الشام فهو آمن على دمه وماله.
وثالثها- أن من أتى محمدا ﵊ من مكة المكرمة مسلما من غير إذن وليه رده عليهم.
ورابعها- أن من جاء ممن مع محمد ﵊ مرتدا عن دينه لم يردوه إليه.
هذه كلها شروط كتبت برغبة قريش.
وهناك شرط واحد لمصلحة الدعوة الإسلامية، وهى غاية الغايات، وذلك الشرط أن من قدم مكة المكرمة من أصحاب محمد ﵊ حاجا أو يبتغى الرزق فهو آمن على دمه وماله.
وهناك شرط أساسى لمصلحة الطرفين، وهو أن من أراد أن يدخل في عقد مع محمد ﵊ دخل، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش دخل.
وربما تكلمنا عن تفصيل لهذا الكلام عليها في موضعها.
الأمر الثانى الذى تنتهى به الحرب- هو الصلح بإنهاء القتال، لا بالموادعة المجردة فيه، والصلح حينئذ يكون على أساس العدالة والوفاء بكل ما يلتزم كلا الطرفين فيه من حقوق، ويكون ذلك عهدا يجب الوفاء فيه بكل الشروط الجائزة شرعا، وأن العهد الذى لا يكون فيه الدخول في الإسلام تكون قبل الحرب عند التخيير بين الإسلام أو العهد أو الحرب، فيكون مانعا للحرب من أن تقع، لا أن يكون منهيا لها بعد وقوعها.
أما الصلح المنهى للحرب بعد وقوعها، فيكون بإعلان الإسلام في ربوع الديار التى كان النصر فيها للمؤمنين.
стр. 510
والأمر الثالث الذى ينهى الحرب هو الانتصار للمؤمنين، والاستسلام من الكافرين، وهو النوع الثالث من الصلح الذى ذكرناه آنفا.
معاملة المهزومين
٣٥٩- تبدو السماحة المحمدية، والرفق على أهله في الحرب النبوية عند هزيمة العدو واستسلامه، ويلاحظ أنه في حرب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يهزم المؤمنون هزيمة فيها استسلام قط، إذ أنه لم ينتصر خصوم الإسلام انتصارا ساحقا قط في عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والراشدين من بعده.
وإنه لما هزم المسلمون في غزوة أحد لم يستسلموا، لأن الاستسلام فيه ذلة، والإسلام دين العزة والكرامة، فلا يمكن أن يستسلم المؤمنون بقيادة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، بل إنه ﵊ جمع متفرق الجيش، وأراد أن يتبع به المشركين، فلما علموا هم بذلك مضوا في طريقهم قافلين، ورضوا من الغنيمة بالإياب، إذ علموا أنه مؤيد من عند الله، وأنه يجاهد في سبيله.
وإذا كانت الحرب تنتهى باستسلام العدو فمحمد ﵊ في حرب النبوة لا يقول مقالة الغاشمين، ويل للمغلوب، بل تكون العدالة، وتكون السماحة والرفق المحمدى.
كانت آخر حرب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع قريش هى التى انتهت بفتح مكة المكرمة للإسلام والمسلمين، وهنا يلتقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع من آذوه، وأعنتوا أصحابه، وساموهم سوء العذاب، ومنهم من مات من شدة التعذيب، وقد هموا بقتله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنهم كانوا يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
التقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بهم، وبكبير حرب الشرك أبى سفيان، فنشر ﵊، وهو الغالب والمسيطر، راية الأمان عليهم، فنادى مناديه ﵊: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن» .
وهكذا كان انتصار النبى ﵊ الرفيق الرؤف الرحيم نشرا للأمان في ربوع مكة المكرمة حول بيت الله الحرام. ولما التقى بالملأ من قريش، قال لهم: «ما تظنون أنى فاعل بكم؟! قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال لهم: أقول ما قاله أخى يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء» . أى حرب تنتهى بهذه السماحة وذلك
стр. 511
الرفق غير حرب النبوة التى قام بها محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وللناس في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسوة حسنة.
الأسرى
٣٦٠- لعل أبلغ ما يدل على أن الحرب النبوية التى دافع بها صلى الله تعالى عليه وسلم عن المؤمنين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، هى حرب لتعليم الناس أن الخلق الكريم يلازمها، وأن الفضيلة تظلها في كل أدوارها، هو معاملة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للأسرى، لقد كان رفيقا بالأسرى لا يهدر آدميتهم، ولا يعرف تاريخ الإنسانية محاربا كان رفيقا بأسراه كمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم يوصى بالأسرى، ولما أسر من أسر في غزوة بدر، نزلوا في بيوت الأنصار، وكأنهم في ضيافة لا في أسر، وذلك لقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «استوصوا بالأسرى خيرا» ولماذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يوصى بالأسرى، ويبالغ في الإيصاء بهم؟ والجواب عن ذلك أنهم يؤسرون ونيران الحرب مستعرة، وربما كان بعضهم من قتل الكثير من جيش المسلمين فيكون الاعتداء عليه متوقعا وغليظا لشدة الغيظ، وانبعاث الرغبة في الانتقام، كما فعل الأوربيون والأمريكان فيمن سموهم مجرمى الحرب، فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يضرب الأمثال السامية في تلك الحرب النبوية منع إيذاء الأسرى وأمر بإكرامهم منعا لتلك الروح الانتقامية الغليظة.
وقد أخذ المسلمون في أسرى بدر بتلك الوصية الكريمة، حتى إن الذين قد نزلوا في ديارهم كانوا يؤثرونهم على أنفسهم وأولادهم بالطعام.
وإن أولئك الكرام كانوا في جهادين: أولهما جهاد السيف ونيران الحرب ملتهبة، حتى إذا انطفأت كان الجهاد الثانى، وهو ضبط النفس لتكظم الغيظ، لئلا يكون منها ما لا يرضاه الله بالنسبة للمغلوبين، وخصوصا الأسرى.
لقد تلونا فيما مضى من قولنا قول الله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً، وَيَتِيماً وَأَسِيراً (الإنسان: ٨) وإن الإسلام يوجب بالنسبة للأسير أمرين:
أولهما: أنه ليس لجيش الإسلام أن يأسر حتى يثخن في الأرض بأن يثقل جيش العدو بالجراح، ولا تكون له قدرة على مواصلة القتال، وقد قال الله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (الأنفال- ٦٧) .
стр. 512
الأمر الثانى: أن القرآن الكريم الذى كان ينفذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ويبينه كما قال : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ أن هذا القرآن الكريم يذكر بالنسبة للأسرى أمرين لا ثالث لهما، وهما إما المن عليهم بإطلاق سراحهم، وإما الفداء بالمال أو الرجال، فقد قال الله : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ، وَإِمَّا فِداءً، حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها (محمد- ٤) .
وكما أشرنا: أن الفداء قد يكون بالرؤوس، فيطلق من أسارى المسلمين في نظير أن يطلق المسلمون من أسرى الأعداء. وقد يكون بالمال.
وإذا كان الأسير فقيرا ولا مال له، فإنه يتعين تسريحه، ويكون ذلك من الصفح الجميل الذى أمر الله نبيه به بقوله: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (الحجر: ٨٧) ، وعن أخذ الأمور بالعفو كما قال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
(الأعراف- ١٩٩) .
حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عبادة
٣٦١- أعظم العبادات الجهاد في سبيل الله ، وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد علم المؤمنين الصلاة، وقال: «صلوا كما رأيتمونى أصلى» فقد علمهم الحرب الفاضلة أيضا، بل علم الإنسانية كلها الحرب الفاضلة، ولسان حاله ﵊ يقول: «حاربوا في سبيل الفضيلة وبالفضيلة كما رأيتمونى أحارب» فحرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أدت مقصدها، وهو جعل كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، ولا تزال المثل السامية التى صورتها الحرب المحمدية قائمة تهدى وترشد العالمين، ولقد عد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أعلى درجات الزهادة والعبادة الجهاد، ولذلك قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «الجهاد سنام الدين» .
وقد منع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الرهبانية. وقال «لا رهبانية في الإسلام» وبين أن رهبانية الإسلام هى الجهاد، فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «فى كل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد» ، وقد علل ذلك الإمام السرخسى بأن فيه العشرة مع الناس، والتفرغ عن عمل الدنيا والاشتغال بما فيه سنام الدين، وفيه أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وهو صفة هذه الأمة.
وأنه يتشابه المجاهد مع الراهب في ثلاثة أمور، ويختلفان في أمر.
أما الأمور المتشابهة فهى:
стр. 513
أولا- اعتزال الناس جملة، والخروج عن الحياة التى يحياها الناس لأنفسهم آكلين شاربين متمتعين بحلاوة الحياة وما فيها.
وثانيا- أن الراهب يعتزل النساء، والمجاهد التقى الذى نال شرف الجهاد ومعناه يعتزل النساء وينقطع عن الأولاد في مدة الجهاد، وهم فلذات كبده.
وثالثا- أن كليهما قد قدم نفسه لله الراهب بالعبادة ليسمو في نظره إلى الروحانية التى تقربه من الله في زعمه. والمجاهد قد قدم نفسه فعلا لله ليحمى الحق الذى أمر الله بنصرته، وترى أن المشابهة قائمة، وإن اختلف القصد في كليهما.
ومن هنا كان موضع الافتراق، فالراهب يعتزل الناس لأجل نفسه وعبادته الانفرادية، أما المجاهد فيعتزل الناس، ليحمى الناس، وينفذ أمر ربه، فالأوّل عبادته في دائرة وجوده الشخصى لا تعدوه، والثانى عبادته في دائرة النفع العام. والأوّل لا تخلو عبادته من أثرة، والثانى عبادته كلها إيثار.
وإن الإسلام منع الرهبنة، لأنها فرار من الحياة ومتاعبها، ولذلك تعتبر القوانين الأوربية الرهبان في حكم الأموات، والرهبنة موت اختيارى، والإسلام لا يريد للمتعبد هذا الموت ولا ذلك الفرار، ولكنه يريد المؤمن نافعا للناس، حيا في وسط الأحياء، حاميا لهم من المضار، جالبا لهم المنافع، إذ ليست العبادات الإسلامية سلبية، بل هى إيجابية، هى المشاركة في رفعة النوع الإنسانى، ولذلك يعد كل نفع للأحياء صدقة، فقد قال ﵊: «ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان أو دابة إلا كتب له به صدقة» وإنه ليس معنى ذلك أن الروحانية في الإسلام لا وجود لها، بل إن لها المقام الأوّل، ففى الصوم والصلاة والحج روحانية، بل كلها روحانيه، وفي الاعتكاف روحانية، ولكن روحانية الإسلام ليست انقطاعا عن الحياة والأحياء، بل هى مع ما فيها من سمو نفسى، وتجرد من الجسم وأهوائه وشهواته، هى لتحسين العلاقات الإنسانية، وأن يكون المؤمن مألفا يألف الناس، ويألفونه.
стр. 514
الخلاصة
٣٦٢- هذه كلمة تقدمنا بها عند الكلام في حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لنرد بها قول الذين يتقولون الأقاويل في حرب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ويزعمون أن الحروب والدمار ليست من أعمال النبيين، وهى فرية افتروها، فإنه مادام الإنسان ابن الإنسان، فإنه لا بد من مغالبة.
ومن وقت أن امتنع إبليس عن السجود لآدم استكبارا أو استعلاء، والمعركة بين الخير والشر قائمة، والعداوة مستحكمة بين الرذيلة تعتدى والفضيلة تدفع، ومن وقت أن نزل آدم وذريته إلى الأرض، وإبليس الذى قال لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (ص- ٨٢، ٨٣) ، من هذا الوقت وقد تحقق قول الله : اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (طه: ١٢٣) والنزاع بين الخير والشر قائم. وليس من الفضيلة أن يترك الشر يرتع ولا يدفع، ولذلك قال الله : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (البقرة- ٢٥١) .
وإن أولئك الذين يعترضون على قتال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يتصورون الحرب إلا مغالبة بشرية كما تتغالب الوحوش على فريسة تأكلها، أو على غابة تحتلها. ولا يتصورون لفرط ماديتهم أن الحرب تكون لإعلاء الحق وخفض الباطل، وكذلك كانت حروب النبيين موسى وداود، وسليمان، وغيرهم من الأنبياء، وما كان قتالهم شرها إلى الدماء، فمعاذ الله وتنزهت ذاته الكريمة فلا يرسل إلا ملكا كريما.
وننتهى من هذا إلى تقرير هذه الحقائق التى بدت من البحث واضحة نيرة:
الحقيقة الأولى: أن حرب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، كانت أمرا لا بد منه، ليقيم الحق ويخفض الباطل، وما كانت رسالته تدعو إلى استخذاء الخير أمام الشر، وما كانت دعوتهم لتسير في مسارها إلا إذا أزالت الحواجز التى كانت تحاجز دونها، ليتم التبليغ. والناس بعد ذلك يختارون الهداية أو يستمرون على الغواية: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (الزمر: ٤١) .
الحقيقة الثانية: أن حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كانت حربا فاضلة مثالية تعلم الإنسان أنه قد يكون محاربا وهو فاضل، وأن الإنسانية تحترم، والسيوف مشتجارة.
الحقيقة الثالثة: أن حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومن يتبعونه في هديه، ويتخذونه
стр. 515
أسوة في حربه وفي سلمه هى عبادة، لأن رفع الحق، والحرب لرفعه هو في ذاته عبادة، فليست عبادة الإسلام عكوفا في الصوامع من غير عمل نافع، بل كل عمل نافع فيه عبادة إذا نواها المؤمن: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى..» .
أدوار الحرب المحمدية
٣٦٣- كان لا بد قبل أن نخوض في حروب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأدوارها، والمعارك التى خاضها- من أن نسبق بالقول في أوصاف حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن ذكر الحرب قد يفزع، ويرهب، فكان من الضرورى أن نعرف القارئين بأنها ليست كحرب الناس تستمد أحكامها من الغلب بالمخلب والناب، وأنها حرب نبوة تدفع إليها الفضائل الإنسانية، ويظلها الحق والخلق الكريم في الباعث عليها، وفي ابتدائها، وفي سيرها، وفي الانتهاء منها، وفي معاملة المغلوبين، ليتميز الخبيث من الطيب، ولكيلا يتطاول ملحد في دين الله على مقام الرسالة، ومكان الهداية، ويقع في القول بغير حق ويفترى بالباطل، فنضع الحقائق بين يديه، فإن شاء استنار بها، وإن طمس الله تعالى على بصيرته فما له من هاد، ويكون كما قال الشاعر:
كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وبعد هذه التقدمة نقول أن حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخذت أدوارا ثلاثة:
الدور الأوّل: توجه ﵊ للتصدى لمتاجر قريش ليشعرهم بقوة الحق، وليحملهم على منع الفتنة في الدين، وليدركوا نور الحق بعد أن تبين نوره قويا وهاجا، وليعلموا أنه لا ملجأ لهم من الله إلا إليه.
والدور الثانى:
تلقيه لمن يهاجمون المدينة المنورة لينالوا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه. ظانين أنهم بذلك يقتلعون الإسلام من جذوره ولينالوا منه نيلا، قد ابتدأوه في مكة المكرمة، وحاولوا أن يقطعوا شجرته في المدينة المنورة، حاسبين أنه قد استغلظ سوقها.
وفي هذا الدور كانت بدر الكبرى، وأحد، والخندق أو الأحزاب، ومعها كان إجلاء بنى قينقاع، وبنى النضير، وبنى قريظة.
الدور الثالث:
كان في الخروج إلى العرب الذين قاتلوه كافة، فكان حقا عليه أن يقاتلهم كافة، كما أمره الله بقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة- ٣٦) وفي تلك الغزوات كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعمم
стр. 516
الدعوة إلى الإسلام، لأنه ﵊ كان يخيرهم بين الإسلام، ويبين حقيقته وأركانه، وبين القتال، وإذا اختاروا السلم كان، وإن اختاروا الحرب، وهزموا، وجدوا في رفق المعاملة ولين القوى وعطفه ما لم يحتسبوا، فيألفونه، ويدخل الإيمان في قلوبهم.
وإنه في هذا الدور قد أخذت الحرب تنتقل من جزيرة العرب إلى خارجها، لأن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ يدعو الملوك ورؤساء الدول إلى الإسلام، أو أن يفتحوا الطريق أما الدعوة الإسلامية، فما آمن منهم إلا النجاشى ملك الحبشة، ومنهم من لم يجب، ومنهم من أساء في الرد، ومنهم من أجاب جوابا رقيقا ولكنه لم يؤمن.
وحدث أن ملك الروم قد قتلت جيوشه من أسلم من أهل الشام، فتعرض المسلمون لفتنة دينية كالتى كانت في مكة المكرمة، وأمر الله بالقتال لأجلها، فقال الله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة- ١٩٣) ، ولذلك كانت غزوة مؤتة، وغزوة تبوك من بعدها.
وقد تجمع اليهود الذين أجلاهم من المدينة المنورة في خيبر، لينقضوا على المدينة المنورة، فكان لابد أن يساورهم، قبل أن يساوروا المدينة المنورة. وهكذا ...
الدور الأوّل
٣٦٤- وإن هذا الدور يصح أن نقسمه إلى قسمين: أحدهما لم يلق فيه حربا، ولا قتالا، بل كان اللقاء ينتهى بالمسالمة، وكان فيه تأليف للقلوب النافرة. وتقريب الإسلام من العقول والنفوس، وفيه بيان لقريش أن الإسلام قد أعزه الله سبحانه وتعالي، وأن المسلمين صاروا فوق منالهم، والناس يستقبلونه، وقد أرادوا أن يحولوا بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وبينهم.
والقسم الثانى كان فيه قتل وقتال.
وفي القسم الأوّل كانت غزوات أربع خرج فيها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قبل غزوة بدر الكبرى التى هى ابتداء القسم الثانى من هذا الدور.
وتلك الغزوات التى لم يكن فيها قتال هى غزوة الأبواء، وتسمى ودان وغزوة بواط، وغزوة العشيرة وغزوة بدر الأولى، وكانت بينهما سرية عبد الله بن جحش. والغزوات الثلاث الأولى كانت في الطريق بين المدينة المنورة ومكة المكرمة، وأما بدر فكانت قرب المدينة المنورة، وإن كانت على هذا الطريق.
стр. 517
غزوة ودان: [الأبواء]
وأما ودان فقد كانت في صفر في السنة الثانية، وودان قرية كبيرة من أمهات القرى، وقريب منها الأبواء. وكانت الغزوة بينهما، ولذا صح أن تسمى بكل واحدة منهما. وهما على مقربة من الجحفة، وبين المدينة المنورة، وتبعد عن المدينة المنورة بنحو ثلاثة وعشرين فرسخا.
وقد كان خروج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في جمع من المهاجرين ليس فيهم أنصارى وسبب الخروج أنه علم أن عيرا لقريش قد خرجت، فترصد لها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لكن وصل بعد فصل العير عنها، ولقى بنى ضمرة، فتوادع معهم على أن ينصروا المسلمين إذا دعوهم إلى النصرة وأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن على المسلمين نصرهم على من يعتدى عليهم.
وكان الذى تولى العقد عن بنى ضمرة مخشى بن عمر «١» الضمرى وكان سيدا في قومه فى زمانه، وقد خلف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سعد بن عبادة على المدينة المنورة.
وقد أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقية صفر، وكانت غيبته عن المدينة المنورة خمس عشرة ليلة «٢» .
غزوة بواط:
٣٦٥- فى ربيع الأوّل بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن عيرا لقريش مقبلة من الشام، أميرها أمية بن خلف فيها مائة رجل، ومعها ألفا بعير وخمسمائة، فخرج إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جمع مائة من المهاجرين وخلف عنه في المدينة المنورة سعد بن معاذ، وحمل لواءه سعد ابن أبى وقاص، وبواط- بفتح الواو- جبل من جبال جهينة من ناحية رضوى.
ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عند ما وصل إلى هذا المكان لم يلق كيدا.
غزوة العشيرة «٣» :
٣٦٦- فى جمادى الأولى من هذه (السنة) علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام، فخرج ﵊ لملاقاتها، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال
стр. 518
لها ذات السباق، فصلى عندها فكانت مسجده، وصنع للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم طعام فأكل وأكل أصحابه، ثم استقى له من ماء يقال له المشيرب، وأخذ يتابع البحث عن تلك الشعاب المتعرجة، ثم اعتدل في الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها، جمادى الأولى، وليالى من جمادى الآخرة.
ولكن العير قد سبقت ولم يدركها، فلم يلق حربا، ولكنه عاد بتأليف القلوب، فوادع بنى مدلج ومن معهم من حلفاء لهم، فإذا كان لم يدرك العير، ولم يكسب منها مالا، فقد كسب قلوبا، وألفها، وذلك هو أوّل أعمال الرسالة المحمدية.
وقد خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على المدينة المنورة أبا سلمة الأسدي، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، ويذكر ابن إسحاق أنه في هذه الخرجة، كنى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على بن أبى طالب كرم الله وجهه بكنية (أبو تراب) فيقول: ويومئذ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، (لعلى- أبو تراب) قال: فحدثنى يزيد بن خيثم ... عن عمار بن ياسر، قال كنت أنا وعلى بن أبى طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع، فلما نزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقام بها شهرا، فصالح بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة، فوادعهم فقال لى على بن أبى طالب رضى الله عنه: هل لك يا أبا اليقظان أن هؤلاء النفر من بنى مدلج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون، فأتيناهم، فنظر إليهم ساعة، فغشينا النوم، فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض، فنمنا فيه، فو الله ما أهبّنا إلا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحركنا بقدمه، فجلسنا. وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعلى: يا أبا تراب، لما عليه من التراب، فأخبرنا بما كان من أمرنا، فقال: ألا أخبركم بأشقى رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول فقال ﵊: أحيمر ثمود الذى عقر الناقة، والذى يضربك يا على، على هذه، ووضع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم- يده على لحيته» .
وقد علق على ذلك الخبر ابن كثير، فقال: «وهذا حديث غريب من هذا الوجه، له شاهد من وجه آخر في تسمية على أبا تراب، كما في صحيح البخارى: أن عليا خرج مغاضبا فاطمة، فجاء المسجد، فنام فيه، فدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسأل عنه، فقالت: خرج مغاضبا، فجاء ﵊ إلى المسجد فأيقظه، وجعل يمسح التراب عنه، ويقول: «قم يا أبا تراب» .
ونستطرد في ذكر هذه الكنية النبوية الشريفة، فنقول أنها كانت أحب كنية إلى على كرم الله وجهه في الجنة، لأنها تسمية من حبيبه وكافله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأنها اقترنت
стр. 519
بمسحه بيده الكريمة التى أزال بها التراب عن بدنه، كما أزال الغبار عن الحقائق الإنسانية بالشرع الذى حمله وبلغه للخلق.
والخبران متلاقيان كما ذكر الحافظ ابن كثير. فإنهما يدلان على أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ناداه بذلك النداء الحبيب إليه في عدة مواطن.
ولقد فسق ناس عن أمر ربهم، فأذاعوا بين من تبعوهم على غيهم أن هذه الكنية تدل على الحط من مكانة على عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فساء قولهم كما ساء فعلهم.
وفي هذه الغزوة كما أشرنا وادع بنى مدلج وحلفاءهم بنى ضمرة، وقد ذكر السهيلى في الروض كتاب الموادعة بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وبنى ضمرة، وهذا نصه كما جاء فيه:
كانت نسخة الموادعة فيما ذكر غير ابن إسحاق «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لبنى ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا في دين الله ما بل بحر صوفة- وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دعاهم لنصرة أجابوه. عليهم بذلك طاعة الله تعالى وذمة رسوله، ولهم النصر على من بر منهم واتقى» .
بدر الأولى:
٣٦٧- أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في العشيرة ليالى من جمادى الأولي، وبعض ليال من جمادى الآخرة كما ذكرنا، ثم عاد إلى المدينة المنورة، ولكنه لم يقم فيها إلا ليالى قلائل حتى أحس بشبه غارة أزمعتها قريش على المدينة المنورة لتوهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لا تزال عندهم همة للقتال ولم تكفكف عزيمتهم تلك الإنذارات التى قام بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن أرسله، فقد أغار كرز بن فهر القرشى على سرح المدينة المنورة أى على فنائها فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليه واستعمل على المدينة المنورة زيد بن حارثة، وسار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى بلغ واديا يقال له صفوان من ناحية بدر، ولكن كرزا ومن معه نجوا بأنفسهم، فلم يدركهم جيش الإيمان والفضيلة، ثم رجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة فأقام بها بقية جمادى ورجب وشعبان، وتسمى هذه الغزوة التى لم يلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قتالا فيها بغزوة بدر الأولى، وهى في مقابل غزوة بدر الكبرى التى سماها الله في كتابه الكريم يوم الفرقان، إذ جعل الله تعالى فيه الكلمة العليا لله والحق والإيمان، والكلمة السفلى للشيطان والكفر، ولقد كان حامل لوائه في بدر الأولى سيف الله على بن أبى طالب.
стр. 520
سرية عبد الله بن جحش:
٣٦٨- قد علمت أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند ما جاء إلى المدينة المنورة سالم الذين يقيمون فيها، وعقد معهم الأحلاف البرة من جانبه ﵊، وقد رأيت أن غزواته صلى الله تعالى عليه وسلم الأولى لم يكن فيها قتال ولكن كان فيها سلم ومواثيق تؤخذ، وتأليف بين القلوب النافرة ولو استمرت على كفرها، إذ أن وراء التأليف أن تخلص النفوس بطلب الحق، فتشرق من غير أن يدخلها ظلام النفرة.
ومن القبائل من كانت تجيء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تلقى بالمودة من غير نفاق ولا ريبة، ومنهم قبيلة جهينة فقد روى الإمام أحمد بسنده عن سعد بن أبى وقاص، أنه قال: «لما قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة جاءته جهينة، فقالوا: إنك قد نزلت بين أظهرنا، فأوثق حتى نأتيك وقومنا، فأوثق لهم فأسلموا فبعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في رجب، وكنا مائة، وأمرنا أن نغير على حى من بنى كنانة إلى جنب جهينة فأغرنا عليهم، وكانوا كثيرا، فلجأنا إلى جهينة، فمنعونا وقالوا لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقلنا إنما نقاتل من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال بعضنا لبعض ما ترون، فقال بعضنا: نأتى نبى الله فنخبره، وقال قوم: بل نقيم هاهنا، وقلت أنا (عبد الله بن جحش) فى أناس معى، لا بل نأتى عير قريش، فنقتطعها، وكان الفيء إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له، فانطلقنا إلى العير، وانطلق أصحابنا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمر الوجه، فقال: أذهبتم من عندى جميعا، ورجعتم متفرقين، إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة لأبعثن عليكم رجلا ليس بخير كم أصبركم على الجوع والعطش» .
هذه رواية عند الإمام أحمد، وليس في سنده من عرف الطعن فيه، وقد روى مثله مع بعض زيادة فى السند البيهقى في دلائل النبوة، وزاد في متن الحديث أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم استنكر القتال في الشهر الحرام.
والحديث برواية الإمامين أحمد والبيهقى يدل على ثلاثة أمور:
أولها- ما جاء من أن جهينة آمنت إذ بدت البينات، واستعدت لنصرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وثانيا- أن المسلمين لم يقاتلوا فعلا، وإن هموا بالقتال، وترددوا عند ما نبهوا إلى الشهر الحرام.
стр. 521
والأمر الثالث- أنه كانت ثمة عير لقريش على أهبة القدوم، ولعل هذا هو الباعث على السرية، ومهما يكن من أمر هذه الرواية التى اتفق عليها إمامان من أئمة الحديث، فإن الأمر الذى أشارت إليه تلك الرواية هو أن السرية سارت بإمرة عبد الله بن جحش، ولكن الذين كانوا فيها على رواية ابن إسحاق كانوا ثمانية ولم يكونوا مائة، وقد عدهم بأسمائهم، وكانوا من المهاجرين، ولم يكن أحد من الأنصار، كشأن كل البعوث والغزوات التى سبق ذكرها، ولعل هذا العدد المحدود. قد قرره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن رأى الاختلاف، ولعل عدد المائة كان من أسبابه، وكلما قل العدد بعد الاختلاف، وفي الفرقة الهلاك كما قرر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. على أن النص لا يدل على قصر العدد على ثمانية، إنما يدل على أن فيهم هؤلاء المذكورين مع عدد ليس بالقليل، وقد ذكر ابن إسحاق أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كتب كتابا لعبد الله بن جحش أمير السرية وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فلما ساربهم يومين فتح الكتاب، فإذا فيه: إذا نظرت في كتابى. فامض حتى تنزل نخلة بين مكة المكرمة والطائف فترصد بها قريشا، وتعلم من الناس أخبارهم، فلما نظر في الكتاب، قال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بما في الكتاب، وقال قد نهانى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق معي، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض.
وإن هذا التخيير يدل على أن العدد لم يكن ثمانية، وإلا ما كان ذلك التخيير، فإنه لا يكون إلا في عدد كبير ولو نسبيا، ولا يمكن في العادة أن يكون في ثمانية.
ولعل ذلك التخيير، ما كان من قبل الافتراق، إذ قد يكون سببه وهنا في بعض القلوب، فأراد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ألا يسير إلا من اعتزم وأراد، واستولى على قلبه، وذهب عنه الوهن أو احتماله. سارت السرية بإمرة أميرها، سالكة طريق الحجاز.
ولكن ضل عنهم سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان وكانا من الثمانية المقدمين، وكان معهما بعير يعتقبان في ركوبه «١» .
ولكن القافلة سارت، وكان رجاء في أن يهتديا إليها.
مضى عبد الله مع من بقى من أصحابه، حتى وجد عيرا فيها من قريش ومواليهم الحضرمى ابن عبد الله بن عباد، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومى، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان مولى المغيرة بن شعبة.
стр. 522
لما رأى السرية أصحاب العير، هابوا لقاءهم، ولكنهم رأوا عكاشة بن محصن من سرية النبوة قد حلق رأسه فأمنوا وقالوا عمّار «أى ناوون العمرة، لا بأس عليكم منهم» .
تشاور الصحابة من أهل السرية، وقد كانوا في آخر رجب، وهو رابع الأشهر الحرم التى بينها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأنها ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذى بين جمادى وشعبان.
ترددوا أيقاتلون في الشهر الحرام، أم يتركونهم، هذه الليلة، وحينئذ يدخلون الحرم، فيمتنعون عليهم، ولا يمكن انتظارهم هذه الليلة الباقية، من رجب الحرام.
وانتهت الشورى بالإجماع على القتال، فرمى أحد السرية عمرو بن الحضرمى فقتله. وأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان، وأفلت من القوم، نوفل بن عبد الله.
وعادت السرية بالعير والأسيرين حتى قدموا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
القتال في الشهر الحرام:
٣٦٩- قدمت السرية إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالعير والأسيرين، ولكن مع ذلك كان قتال في الشهر الحرام ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحريص على احترام الحرمات قد تأثم من ذلك، فقال لهم ﵊: «ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام» ، ووقف توزيع العير، وحبس الأسيرين، فأسقط في أيدى القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وكان الكلام اللائم من إخوانهم الذين لم يشتركوا في القتال، ولم يبلوا بلاءهم.
أما الأسيران فوقف ﵊ إطلاقهما حتى يعود سعد بن أبى وقاص وصاحبه، فلما عادا أطلقهما.
وقد قامت قائمة من التشنيع على محمد ﵊، جاهر بها المشركون من قريش، وما حركهم احترام الحرمات، والمناسك، وإنما حركهم العير التى أخذت في مقابل ما أخذوا من أموال المهاجرين، وحركهم الغيظ من أن يكون لمحمد ﵊ قوة تتولى تأديبهم والقصاص منهم، وأنه قد ابتدأ أمر جديد قد انبلج فجره، فظهروا بمظهر المدافعين عن الحرمات، وأن محمدا ﵊ ينتهكها وهم يصونونها، ونسوا أنهم هم الذين فتنوا المسلمين عن دينهم، وانتهكوا حرمات البيت الحرام، ونسوا أنه حرم الله الآمن غير مفرقين في هذا الإيذاء بين شهر حرام وشهر حلال.
стр. 523
واليهود قد وجدوها فرصة لائحة تشفى غيظهم، فأخذوا ينثرون من أفواههم ما تنغر به قلوبهم من إحن وعداوة للإسلام أخفوها ابتداء، ولكن بدت من أفواههم رغم أنوفهم. وما تخفى صدورهم أكبر.
حدث هذا، والمجاهدون الأطهار تكاد نفوسهم تذهب حسرات حتى نزل قول الله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ، قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا (البقرة- ٢١٧) .
كانت هذه الآيات الكريمات بردا وسلاما للمؤمنين، وردا قاطعا حاسما للكافرين، وإنه ليس لأولئك الذين انتهكوا الحرمات، من كفر بالله وبالمسجد الحرام وصد عن سبيل الله ، وقتل فى البيت الحرام- أن يتكلموا في انتهاك الأشهر الحرم.
على أنه يجب أن يعلم أن الذين ابتدأوا بالقتال هم المشركون، فقد أغاروا ابتداء على فناء المدينة المنورة، نعم إنهم لم ينالوا مأربا، وفروا فرارا، فهل كان لأهل الإيمان أن يتركوهم ليعيدوا الكرة عليهم، لا يمكن أن يتركوهم ليغزوهم في عقر دارهم.
ومهما يكن من الأمر، فقد كانت هذه الغزوة إرهاصا لبدر الكبرى، فقد كانت العير هى التى استولى عليها المؤمنون.
لماذا كانت هذه الغزوات:
٣٧٠- قد خرجت غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث مرات، وخرجت أربع سريات لم يحصل قتال في السرايا، ولا في الغزوات إلا سهما أرسله سعد بن أبى وقاص في سرية عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب، وسهما قتل ابن الحضرمى في سرية عبد الله بن جحش، وكانت سهما عائرة، لأخذ العير، ولا يمكن أن يسمى ذلك قتالا، إنما يسمى محاولة لأخذ مال هو من بين ما اغتصبه المشركون من المؤمنين، إذ أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
إذا لم يكن قتال بمعنى كلمة قتال التى تكون مفاعلة من الجانبين، فلماذا كلف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نفسه ورجاله مئونة هذا الخروج؟ ونقول في الإجابة عن ذلك:
أ- أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خرج من مكة المكرمة، وهو هضيم، أو شبه مطرود في ظاهر الأمر، وما هو إلا ليجمع قوة الحق، فكان لابد أن يعمل على إظهار ما أيده الله به من قوة، تستطيع أن تشعر الظالمين بأن للحق شوكة، وأنهم إذا لم يتركوا الدعوة في طريقها رغبا، فإنهم لا بد أن
стр. 524
يتركوها رهبا، ولا بد للحق في هذه من صولة تكف أذى الباطل، أو على الأقل تجعل الباطل يتردد عند إنزال أذاه، وأنه إن لم يخش صوت الضمير، فإنه يخشى صلصلة السيوف. فكانت هذه السرايا، وتلك الغزوات مظاهر من صولة الحق ليتركوا الدعوة إلى الحق تسير في سبيلها، ولتستيقظ ضمائر كانت نائمة، فمن الضمائر ما لا يستمع لصوت الحق الوادع الرفيق، ولكنه يستيقظ إذا رأى جلجلة القوة، فيخفف من حدة الأذى، ويتبع ذلك أن يسير في طريق الهداية إن لم يكن الضلال قد كتب عليه.
ب- وإنه إذا لم يكن قتال، فقد كان هنا دراسة للمؤمنين في البلاد العربية يتعرفون وهادها، وجبالها، ويدرسون مجاهلها، فيعرفها من لم يكن يعرفها، ويلتقون فيها بالأعراب في أخبيتهم، ومساكنهم، وفي ذلك إعلان الدعوة لمن لم يكن يعلمها، وتوجيه العقول إليها وتوضيحها وبيانها.
وإن في هذه الجولات التى كان يجولها أولئك المؤمنون في السرايا التى بعث بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تعرفا لمساير عير قريش، وما كانت إلا للتجار الأغنياء فيهم، فما كان للشعب فيها إلا النزر اليسير، وما كانت تلك البعوث التى تتبع عير قريش لأخذها، إلا ليكون هذا بدل ما اغتصبوا، وقد قلت من قبل، إن ذلك لم يكن حصارا اقتصاديا، كما يجرى في عبارات الكاتبين والمحاربين والسياسيين في هذا الحصار. كالذى تجرى كلماته في عصرنا يقصد به التضييق على الأمة التى يعادونها في موارد رزقها، فلا يرسل إليها طعام، ولا المواد الضرورية للحياة والعمران، بحيث يعم الضيق الشعب كله، وما كان ذلك في سرايا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا في غزواته إنما كان الاتجاه إلى محاربة التجار الذين كانوا يقومون بالتجارة، وجلهم أو كلهم ممن حاربوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم واشتركوا في إيذاء أصحابه، وإخراجهم من أموالهم وديارهم، فما كان فعله ﵊ حربا اقتصادية تعم البرىء والسقيم، بل هو مصادرة لمال ظالم اغتصب أموال المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله كما تلونا الآيات من قبل ذلك.
ج- وإن غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع ما فيها من نشر الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة كان فيها تأليف للقلوب، ففيها عقدت اتفاقات على النصرة والإيواء، ففى غزوة الأبواء (ودان) اتفق ﵊ مع بنى ضمرة على أن ينصروه إذا دعاهم إلى النصرة وينصرهم إذا دعوه.
وفي غزوة العشيرة عقد مع بنى مدلج، وحلفائهم من بنى ضمرة اتفاقا على المناصرة بينه ﵊ وبينهم ووثقه بكتاب كتب، كما نقلناه من قبل من الروض الأنف للسهيلى.
стр. 525
وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يغز لحرب، فقد غزا قلوبا، وألفها لتكون قوة لأهل الحق، وليدخل الإيمان إلى قلوبهم، لأن تالف القلوب هو السبيل إلى دخول الحق إليها لكيلا تنفر، فتعمى.
ويلاحظ أن هذه البعوث كلها كان جنودها من المهاجرين، فأمراؤها من المهاجرين، وغزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان الجنود فيها من المهاجرين، ولم يكن فيهم من الأنصار أحد، فلم يندب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أحدا من الأنصار إلا في بدر، ولماذا كان ذلك! لا بد أنه كان مقصودا منه صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يجيء إذا اتفاقيا من غير قصد له بالذات.
والجواب عن ذلك:
أولا: إن المهاجرين هم الذين أوذوا في أبدانهم وكراماتهم من أولئك المشركين، فهم أشد الناس رغبة في القصاص ممن آذوهم والقصاص شريعة لحكمهم، فكانوا أولى بلقاء قريش من غيرهم، ولأنهم هم الذين استضعفوا وأراد المشركون إذلالهم، فكانوا في لقائهم بالمشركين وفرارهم منهم أشد تبيينا لبيان أن الحق قد علا، وأنهم مكن لهم في الأرض، وإن ذلك يكون أروع وأوقع، وماذا تكون حال الصناديد من قريش إذا رأوا عمار بن ياسر وقد أوذى هو وأبوه وماتت أمه تحت حر العذاب، حتى قال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» ، فماذا يكون وقع ذلك في نفوس الغلاظ إذا رأوا عمارا العملاق واقفا لهم بتمكين الله .
ثانيا: إن الذين أخرجوا من أموالهم وديارهم هم المهاجرون، فكانوا أحق الناس بأن يطالبوا بمالهم الذى اغتصب، وديارهم التى خربت، وأن يكفوا عن أهليهم وضعفائهم الذين لم يهاجروا شر أولئك العتاة أو يعطوهم وبال أمرهم جزاء بما اكتسبوا.
ثالثا: وهو عمدة الأسباب وقوتها- أن عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان على الإيواء والنصرة وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وذرياتهم، ولم يكن في ذلك النص على أن يخرجوا معه في حرب، وإن فهم ضمنا أنهم يكونون معه في الحرب والسلم، فلم يرد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخرجوا معه في غير ما نص عليه العقد نصا صريحا لا تأويل فيه، ولذا لم يدعهم إلى الخروج معه في هذه الغزوات وتلك السرايا، وكان في المهاجرين غناء بالنسبة لهذا الغزو المحدود.
ولذلك لما جد الجد، وجاء جيش كثيف من المشركين عدته تجاوزت الألف استشارهم، لتكون الإجابة رضا بأن يشتركوا في الحرب، وتلك الاستشارة كانت عند الإقدام من قريش برجلها وعتادها وفرسها، فكانوا عند رجاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيهم، وعلى ما دفعهم إليه إيمانهم، وهو أوثق العهود.
стр. 526
تحويل القبلة وفرض الصوم
٣٧١- لم يكن عمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الحرب وإرسال البعوث، وعقد المعاهدات، وتنظيم شئون المدينة المنورة وما حولها. لم يكن ذلك عمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقط، بل كان عمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع ذلك تنظيم الدولة بوحى من الله ، فما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، فأصل الجهاد بوحى من الله ، ولكن الترتيبات الجزئية والترتيبات التنفيذية، وكل ذلك إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ليقوم بمثله من بعده عند انقطاع الوحى، وله في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسوة حسنة، ولم يكن تنظيم الدولة فقط، بل كانت التكليفات التى يتلقاها عن الله من العبادات، والتكليفات الاجتماعية التى من شأنها أن تربى روحا قوية لتجعل من أتباع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قوة متحدة، فى نظام اجتماعى متماسك قوى تربطه أشد عناصر الترابط الاجتماعى الذى يكون مجتمعا متكافلا.
ولذلك كانت الفترة ما بين جمادى الآخرة، أو بالأحرى ما بين رجب ورمضان، أو الشطر الأكبر منه كانت تلك الفترة زمان شرعية أمور من العبادة، تتصل بتقوية النفس وتقوية المجتمع.
وفي هذه الفترة شرع تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة، وفي هذه الفترة فرض صوم رمضان، وفرض مع صوم رمضان صدقة الفطر، وهما فرضان اجتماعيان كما سنبين.
وتحويل القبلة إيذان من الله بإزالة الأصنام، أو الأخذ في أسباب هذه الإزالة.
تحويل القبلة إلى الكعبة الشريفة
٣٧٢- عند ما فرضت الصلاة بعد الإسراء والمعراج على أنها خمس صلوات، وإن كان لها ثواب خمسين صلاة، إن أقيمت على وجهها، كانت قبلة المسلمين إلى الشام إلى بيت المقدس، ولكن تتوسط الكعبة الشريفة، فيكون الاتجاه إلى الكعبة الشريفة على ناحية بيت المقدس، فكان المصلى يجمع في صلاته بين القبلتين بأمر ربه.
ولما هاجر إلى المدينة المنورة لم يكن الجمع ممكنا، بل لا بد من استدبار إحدى القبلتين، وقد ترك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة، والكعبة الشريفة تحيط بها الأوثان، ولم يكن ثمة ما يؤذن من الأمور بزوالها، فكان استقبالها لا يخلو من استقبال الأوثان المحيطة بها، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان حريصا على أن تكون الكعبة الشريفة هى القبلة، وحريصا على أن تزول الأصنام عنها.
стр. 527
وقد أمره الله بأن تكون القبلة إلى بيت المقدس مؤقتا، لأن الله لم يؤذن بأن تخرج الكعبة الشريفة عما هى عليه، ولعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم علم بأمر ربه رأى أن استقبال بيت المقدس، واستدبار الكعبة الشريفة أمر مؤقت وأن النهاية إلى الكعبة الشريفة، وأن الاتجاه إليها إيذان بذهاب دولة الأوثان، وطهارة البيت الحرام.
ولذلك كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يضرع إلى الله أن يقرب الوقت الموعود بالعودة إلى الكعبة الشريفة، لأن العودة إلى الكعبة الشريفة عودة إلى كعبة إبراهيم أبى الأنبياء، ولأن الاتجاه إليها إيذان بنصر الله ، وإيذان بإزالة الأوثان بعد زمن طال أو قصر، وإن كان في عمر السنين والحساب ليس كثيرا.
وفي هذا الوقت كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يضرع إلى الله أن يقرب البعيد، وكان اليهود يتوهمون أن جعل القبلة إلى بيت المقدس معناه أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم لا يكون خارجا عن أنبياء بنى إسرائيل، وهو وهم باطل سكن في نفوسهم التى تتخيل ثم تخال ثم تعتقد، كشأن أصحاب الديانات الذين لا يؤمنون بالديانة إلا على أن تكون أمانى لهم أو تتفق مع أمانيهم.
قبيل بدر كان الإيذان بزوال دولة الأوثان التى كان يومها يوم الفرقان، قد أذن الله بتحويل القبلة إلى الكعبة الشريفة، أو بالأحرى إعادة القبلة إلى الكعبة الشريفة، إذ نزل قول الله :
«سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ»
(البقرة- ١٤٢: ١٤٥) .
كان تحويل القبلة إلى الكعبة الشريفة، بهذا النص وهو يدل على أمرين:
стр. 528
أحدهما: أن أهل الكتاب هم الذين كانوا يقولون: ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها، وأنهم كانوا فرحين، إذ أن المؤمنين كانوا يتبعون قبلة بيت المقدس.
ثانيهما: أن نص الآية يشير إلى أن جعل القبلة إلى بيت المقدس كان حكما مؤقتا يزول بزوال سببه، ولذلك لا نعتقد أنه نسخ، ولكنه انتهاء حكم مؤقت بانتهاء وقته المعلوم، وقد بين الله ذلك.
بقى أن تعرف الميقات الذى كان فيه التحويل!! لقد رويت في هذا روايات ظاهرها الاختلاف، ولكن الاتفاق على أنها كانت بعد جمادى الآخرة، والاختلاف أكان ذلك التحويل في رجب أم كان فى شعبان فروى عن قتادة وزيد بن أسلم وعبد الله بن عباس أن ذلك كان في رجب، وروى أنه كان في شعبان، وكلام ابن إسحاق يوميء إلى ذلك، إذ يقول إنها كانت بعد سرية عبد الله بن جحش، وما كانت في آخر رجب ويقول في هذا المقام:
«قال ابن إسحاق كانت بعد غزوة عبد الله بن جحش، ويقال صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم. وحكى هذا القول ابن جرير عن ابن عباس، وناس من الصحابة.. قال الجمهور الأعظم: إنما حولت في النصف من شعبان، على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة.. وعن محمد بن سعد الواقدى أنها حولت يوم الثلاثاء في النصف من شعبان.
ومهما يكن فقد ذكر الحافظ ابن كثير، أنه يميل إلى هذه الرواية التى تقول إنها في النصف من شعبان وذلك لأنه رأى الجمهور الأعظم، كما يقرر ابن كثير، وما كان الجمهور ليتجه إلى رواية إلا إذا ثبتت لديه صحتها، ورأينا دائما أن ما يتلقاه الناس وفيهم العلماء بالقبول لا يرد إلا إذا ثبت بدليل قاطع أو راجح بطلانه.
وإننا قد رأينا أن نصف شعبان يحتفل به المسلمون على أساس أنه يوم مبارك، والاحتفال به يتفق مع كونه اليوم الذى تحولت فيه القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة، وكلاهما مقدس، إذ هو فرحة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وعلى أننا نلاحظ أن ابن كثير قدر المدة بين الهجرة، أو مقدم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بثمانية عشر شهرا، وإنه باستقراء عدد الأشهر من وقت مقدم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى منتصف شعبان لا يكون قد مضى ثمانية عشر شهرا، ذلك أن الهجرة كانت في ليلة الثانى عشر من ربيع الأوّل، فإذا احتسبنا ربيع الثانى وجمادى الأولى والآخرة، ورجبا يكون سبعة عشر شهرا وأياما.
стр. 529
صوم رمضان
٣٧٣- هذا ما يتعلق بالقبلة، أما فريضة صوم رمضان، فقد روى ابن جرير أن ذلك كان في شعبان كما كان فيه تحويل القبلة إلى الكعبة الشريفة، فهو شهر مبارك.
وقد روى أن فريضة الصوم أخذت ثلاثة أدوار:
الدور الأوّل:
كانت عند ما قدم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة، فقد وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عنه، فقالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى، فقال ﵊: نحن أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر الناس بصيامه. هذا هو الدور الأوّل، وقد يفهم منه أن ذلك كان باجتهاد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ونحن لا بد أن نقدر مع ذلك وحى الله ، وإلا ما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليأمر الناس بعبادة إن لم يكن قد نزل وحى الله بذلك.
الدور الثانى:
عند ما نزل قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة- ١٨٣، ١٨٤) .
وقد قال ابن كثير في هذا الدور أنه كان المؤمن بخيار بين أن يصوم، وبين أن يفطر، وهذا نص قوله في هذا الدور، فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا، فأجزأ عنه. وفي ذلك نظر سنبديه، إن شاء الله تعالى بعد ذكر الدور الثالث .
الدور الثالث:
هو فريضة الصيام في شهر رمضان، فقد قال الله : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (البقرة- ١٨٥) .
ويذكر ابن كثير في هذا الدور حالين:
إحداهما: أنهم كانوا يأكلون ويشربون حتى يناموا، فإذا ناموا امتنعوا.
стр. 530
والحال الثانية: وهى الأخيرة أن الله أباح لهم الرفث إلى نسائهم وأن يأكلوا ويشربوا حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وقد بين الله هذه الحال الأخيرة بقوله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ، وَعَفا عَنْكُمْ، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ، وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (البقرة- ١٨٧) .
ولنا أن ننظر في كلام الحافظ ابن كثير من نواح عدة:
الأولى: أنه ذكر أنه عند فريضة الصوم كان المؤمن مخيرا بين أن يصوم، وأن يفطر، ويقدم فدية طعام مسكين، ولعله فهم هذا من قول الله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ونحن نرى متبعين للسلف أو على الأقل لبعضهم أنه لم يكن تخيير بين الصوم والإفطار- أولا، لأن ذلك ينافى الفريضة، وقد ثبتت الفريضة مؤكدة في قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ (البقرة: ١٨٣، ١٨٤) . فقد تأكدت الفريضة بالتعبير عنها «بكتب» وبيان أن فريضة الصيام شريعة أزلية، دائمة كتبت على المؤمنين، كما كتبت على غيرهم، ثم أفاد كلام الله أنها ذريعة إلى تقوى الله، وتقوى الله مطلوبة في كل الأحوال.
الثانية: أن الله فرض على المترخص بالسفر أو المريض أن يصوم في أيام أخر، فدل على أن الأيام محدودة معلوم وقتها، وعلى أنها لا تفوت وتترك إذا كانت أعذار، بل يجب أن تقضي، ولو كان ثمة تخيير لذكر التخيير هنا وما وجب القضاء في أيام أخر، ويكون ذلك للمسافر أو المريض المقيم.
والثالثة: أن آية كتب عليكم الصيام، فى سياقها شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (البقرة: ١٨٥) فلا يعقل أن تكون آيتان في نص واحد، إحداهما ناسخة والآخرى منسوخة، بل المعنى المتسق هو أن يكون قول الله شهر رمضان بيانا للأيام المعدودة.
والرابعة: أن قول الله : «يطيقونه» ، معناها الذين يبلغون أقصى الطاقة في الصوم، ولا قبل لهم بالإعادة من بعد، فإن عليهم الفدية، وقد روى أن هذا النص ينطبق على الشيخ والشيخة