يتحدرن، أبهى الناس وأحلمهم من بعيد، وأحسنهم من قريب، ربعة، لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود، محسود، لا عابس ولا مفند.
فقال بعلها: هذا والله صاحب قريش الذى تطلب، ولو صادفته لألتمسن أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
هذه قصة أم معبد. وهذه أقوالها، وقد أشرنا إلى ذلك فى صفات النبى ﷺ ، واسمها كما جاء فى كتب السيرة عاتكة بنت خلف بن معد بن ربيعة بن أضرم. وأبو معبد زوجها- اسمه أكثم بن العزى ابن معبد بن ربيعة بن أضرم، فهو من أبناء عمومتها، وقيل أنه أسلم، وهاجر.
خوارق أخرى:
٣٢٩- سار الرائد الذى سلك بالنبى ﵊ وصاحبه غير الطريق الجاد، وسار فى طريق غير مطروق، مر بأماكن كثيرة وقد حدثت فى هذه الطريق خوارق للنبى ﷺ ، وكلها يتعلق بمسير السائر فى الصحراء، وحاجته إلى الزاده والماء، فكانت الخوارق تجيء مناسبة لذلك.
وقد روى البيهقى بسند عن قيس بن النعمان قال: «لما انطلق رسول الله ﷺ ، وأبو بكر رضى الله تعالى عنه مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال ما عندى شاة تحلب، غير أن هناك عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت «١» ، وما بقى لها من لبن، فقال ﵊: ادع بها، فدعا بها، فاعتقلها النبى ﷺ ، ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بوعاء فحلب، فسقى ﵊ أبا بكر، ثم حلب، فسقى الراعى، ثم حلب، فشرب ﷺ . أخذ العجب الراعى فقال:
من أنت، فو الله ما رأيت مثلك قط، قال ﵊: «وتراك تكتم على حتى أخبرك؟ قال نعم، قال النبى ﷺ فإنى محمد رسول الله ﷺ . فقال الراعى المخلص: أنت الذى تزعم قريش أنه صابيء!! قال إنهم ليقولون ذلك، قال فإنى أشهد أنك نبى، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى، وأنا متبعك، قال النبى ﷺ : «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا» .
وقد روى هذا أيضا أبو يعلى.
стр. 457
وروى أبو نعيم بسنده عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبى معيط بمكة، فأتى رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقال ﷺ «يا غلام عندك لبن تسقينا» فقلت: إنى مؤتمن، ولست بساقيكما فقال: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟
قلت: نعم، فأتيتهما بها، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع، فدعا، فحفل الضرع. وجاء أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، وسقيانى، ثم قال للضرع أقلص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: علمنى من هذا القول الطيب: يعنى القران الكريم، فقال رسول الله ﷺ :
«إنك غلام معلم، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعنى فيها أحد» .
وهذه القصة لعلماء السيرة فيها كلام، وذلك أن ابن مسعود رضى الله عنه كان من المسلمين الذين أسلموا قبل الهجرة، وأوذوا فى سبيل الله، وهاجر إلى الحبشة، والقصة توهم أنه كان إسلامه فى أثناء رحلة النبى ﷺ .
وكلام علماء السيرة، لا يمنع أصل القصة، ولب الخوارق للعادة، فإن ذلك ثابت فى الصحاح، وربما كان الكلام منصبا على السياق، لا على أصل الواقعة وغيره ثابت بلا ريب.
وقد سقنا ذلك الكلام، وليس فيه تطويل، لأنه صدق، ولا تطويل فى نقل الصادق من الأخبار.
وإن هذا كله يدل على أن سيدنا رسول الله ﷺ قد جاء على يديه من الخوارق الحسية ما يزيد على التسع التى اختص بها موسى ﵇، إذ أحيا الموتى باذن الله، وإذ أخرجها من قبورها بإذن الله، واختلاف النوع لا يدل على ضعف الروحانية فى خوارق محمد ﷺ ، فالإسراء والمعراج خارق للعادة مادى روحى، وغوص فرس سراقة، ونبع اللبن بين أصابعه وتكرره يدل على قوة روحية لا تقل عن إحياء الموتى، ومع ذلك لم يتحد النبى ﷺ إلا بالقران الكريم أنزله عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً.
وصول النبى ﷺ إلى قباء
استمر الركب المبارك محمد ﷺ وصاحبه سائرا فى طريق وعر فى وعثاء الصحراء، وقد استطال فرارا من الطلب، وايات الله تتبعها اية، وكثرت فى الطريق، وتوالت، ليعلم النبى ﷺ بالواقع أن الله معه حيث حل وحيث ارتحل، كما علم من قبل بعين الإيمان، إذ قال لصاحبه وهو بالغار، لا تحزن إن الله معنا. فأراه الله تعالى الايات فى رحلته، كما أراه الايات فى نبوته.
وقد انتهت شدة الرحلة بالوصول إلى قباء، حيث المنعة والنصرة، وحيث لقاء أهل الإيمان الذين كانوا يترقبون شخصه، ويستشرفون لحلوله بينهم.
يقرر ابن إسحاق بسنده فى هذا عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة، قال: حدثنى رجال من قومى من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة المكرمة وتوقعنا
стр. 458
قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننظر رسول الله ﷺ ، فو الله ما يبرح حتى تعلينا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك فى أيام حارة، حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله ﷺ ، جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا ... وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أول من راه رجل يهودى، وقد رأى ما كنا نصنع، وأن ننظر قدوم رسول الله ﷺ علينا.
فصرخ بأعلى صوته يا بنى قيلة (الأنصار) هذا جدكم قد جاء، فخرجنا إلى رسول الله ﷺ ، وهو فى ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضى الله عنه فى مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ ، وركبه الناس أى (ازدحموا) عليه وما يعرفونه من أبى بكر، حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر، فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك.
نزل رسول الله ﷺ ، فيما يذكر علماء السيرة الطاهرة على كلثوم بن هند، وبعض العلماء يقول أنه نزل عند سعد بن خيثمة، وقد وفق ابن إسحاق وغيره بين الخبرين، فقال إنه ﷺ نزل عند كلثوم، ولكنه كان إذا خرج للناس وجلسوا إليه، كان ذلك فى بيت سعد.
ولقد جاءت عبارات تفيد أنه كان يختار الجلوس فى بيت سعد، لأنه كان عزبا لا أهل له، وكان منزله منزل الأعزاب من المهاجرين.
ونزل صاحب رسول الله ﷺ أبو بكر على خبيب بن أساف.
وفى قباء التقى علي بن أبى طالب برسول الله ﷺ إذ مكث ثلاث ليال وأيامها بمكة المكرمة بعد رسول الله ﷺ لرد الودائع، ثم أخذ سمته إلى يثرب، وكأنه أقام فى مكة المكرمة بعد الرسول ﵊ المدة التى مكثها النبى وصاحبه فى الغار إذ أنهما مكثا فى الغار ثلاث ليال.
ونزل على كرم الله وجهه فى المنزل الذى نزل فيه النبى ﷺ ، وهو منزل كلثوم بن هند، ويظهر أن حضوره إلى قباء كان بعد حضور النبى ﷺ بليلة على الأقل، لأنه أقام بقباء ليلة أو ليلتين، وقد ذكر ابن إسحاق أنه أقام فى قباء أربعة أيام بلياليها، فذكر أنه أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفى هذه المدة التى أقامها بقباء أنشأ مسجدها، وهو الذى أشار الله تعالى إليه فى قوله تعالى:.. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ «١» ، فهو مسجد أسس على التقوى من أول يوم أقام فيه النبى ﷺ ، وهو جدير بأن يسمى مسجد الهجرة، وأنه مسجد الذين يحبون أن يتطهروا فى عبادتهم غير مرائين ولا منافقين. ولقد كان رسول الله ﷺ وصل فى اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول، وكان يوم الاثنين، وقيل فى اليوم التالى، والأول هو الذى يرجحه الرواة.
стр. 459
دخول المدينة
٣٣١- كان دخول رسول الله ﷺ المدينة يوما مباركا على أهل المدينة المنورة، وعلى الأخلاف، وعلى الخليقة كلها، لأنه اليوم الذى انتقل فيه الإسلام من الدعوة فى مكة المكرمة وما حولها، غير معلم بنظام ثابت مقرر عام بل كانت الدعوة فى دائرة العقيدة، وبيانها، وبيان ما يتعلق بها، من غير أن تكون نظاما مفروضا يتبع وينفذ، انتقل الإسلام من ذلك الحيز إلى عموم الدعوة فعلا، للبلاد العربية، فى كل صقع من أصقاعها، ثم تجاوز حيز العرب، إلى الدول المجاورة، ومنها انساب إلى ما وراءها من إقليم إلى إقليم.
ولقد أحس أهل المدينة المنورة بما حباهم الله به من فضل، وبما اختص المدينة من شرف، إذ صارت موطن الإيواء والنصرة أولا، وموطن النظام الإسلامى ثانيا، والمكان الذى يأرز إليه الإسلام ثالثا، وأحست بأن الوثنية اذنت بأفول، وأن اليهود فيها صاروا لا يتطاولون بعلم علموه، أو كتاب سبقوهم به.
ولذا خرج الناس مهللين مكبرين بمقدم النبى ﷺ يستقبلون من يرونه فيه الهداية فرحين واجدين فى مقدمه العزة والكرامة، والإخلاص والطهر من الوثنية.
روى الشيخان البخارى ومسلم بالسند المتصل عن أبى بكر رضى الله تعالى عنه أنه قال: «خرج الناس حين قدمنا المدينة فى الطريق، وعلى البيوت الغلمان والخدم يقولون: «الله أكبر جاء رسول الله ﷺ ، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله، فلما أصبح انطلق، وذهب حيث أمر» .
وروى البيهقى فى دلائل النبوة، وأبو بكر المقرى فى الشمائل، والطبرى فى الرياض، عن ابن عائشة، واسمه عبيد الله بن محمد بن حفص، وأمه عائشة بنت طلحة، أنه صعدت ذوات الخدور تعلن تهنئة له حال دخوله:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع «١»
روى هذا الخبر فى سنن الترمذى والنسائى عن السائب بن يزيد.
стр. 460
هذا استقبال رائع- صحبه تكبير أهل المدينة لمقدم النبى ﷺ ، فقد كان هناك استقبال عملى أروع فى معناه، وهو تزاحم أهل كل بطون الأوس والخزرج، فى أن يأخذ بناقة رسول الله ﷺ ، لتكون إقامته بينهم.
جاء رجال من بنى سالم، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا فينا العدد والعدة والمنعة، وأخذوا بزمام الناقة، فقال رسول الله ﷺ «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» .
وجاء رجال من بنى بياضة. فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال ﵊: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة، اعترضه سعد ابن عبادة والمنذر بن عمرو فى رجال من بنى ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والمنعة، فقال ﵊: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضه معاذ بن ربيعة، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن رواحة، فى رجال من بنى الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك، ومنهم أم عبد المطلب جد النبى ﷺ قالوا: هلم إلى العدد، والعدة، والمنعة، فقال ﵊: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها.
فانطلقت حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت، وكان ذلك عند دار أبى أيوب الأنصارى، ويقول ابن إسحاق: لما بركت لم ينزل رسول الله ﷺ عنها، حتى وثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله، واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه. ثم نزل عنها رسول الله ﷺ فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه فى بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ حتى بنى المسجد، وبنى له دارا.
خطب لرسول الله صلي الله عليه وسلم
٣٣٢- تدل هذه الأخبار التى سقناها، على أن الأنصار الذين دخلوا فى الإسلام كانوا يرحبون بالنبى ﷺ فى بيوتهم فرادى، وجماعات، وأنهم بيوتا وبطونا كانوا يستعدون بعددهم، ويعطون العهد، على المنعة والحرب معه، من غير تحفظ ولا شرط.
ويظهر أن ذلك كان يثير غضب المشركين فيهم، وخصوصا الذين صاروا من بعد منافقين، يبطنون ما لا يظهرون أو يخفون مالا يبدون، ولقد روى أنه ما مر بأهل بيت إلا أعلنوا التأييد وأبدوا الترحيب إلا عبد الله بن أبى الذى صار من بعد زعيم النفاق فى المدينة الطاهرة.
стр. 461
ولقد ذكر موسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ ، مر فى طريقه بعبد الله بن أبى بن سلول، ينتظر أن يدعوه إلى المنزل، وهو يومئذ سيد الخزرج فى أنفسهم، فقال: عبد الله انظر الى الذين دعوك فانزل عليهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لنفر من الأنصار، فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج، ونملكه علينا.
اتجه رسول الله ﷺ من بعد نزوله فى دار أبى أيوب الأنصارى إلى ثلاثة أمور:
أولها: صلاة الجمعة فقد صلاها فى بنى سالم بن عمرو بن عوف، ويظهر أنه صلاها فى أرض فضاء، لأنه لم يكن قد بنى مسجده فيها، ومادام النبى ﷺ قد اختارها لإقامة الجمعة، فهى مسجد تقام فيه الصلوات، وخصوصا أنه ولى أمر المسلمين.
الأمر الثانى الخطبة: وقد قالوا أن رسول الله ﷺ خطب الجمعة، وقد روى فى نصها روايتان:
إحداهما- رواية ابن جرير الطبرى، والخطبة فى هذه الرواية طويلة نسبيا، ورواها البيهقى، وروايته أقصر، ولم ينص على أنها خطبة واحدة، بل روى أخرى بعدها على أنها خطبة أخرى، ولنذكر الخطب الثلاث، وإن كان فى بعض رواتها كلام، ولكنها أشبه بكلام رسول الله ﷺ ومواعظه.
الخطبة التى رواها ابن جرير:
«الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادى من يكفره، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط، وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله. فإنه خير ما أوصى به المسلم أن يحضه على الاخرة، وأن يأمره بتقوى الله تعالى فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى. وإن تقوى الله تعالى ذخر لمن عمل على وجل ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الاخرة، ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمر السر والعلانية، لا ينوى بذلك إلا وجه الله تعالى يكن له ذكرا فى عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد، والذى صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. واتقوا الله فى عاجل أمركم، واجله فى السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله تعالى توقى مقته
стр. 462
وتوقى سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضى الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا فى جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا، وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله تعالى إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم، وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا من ذكر الله، واعلموا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضى على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العلى العظيم» .
هذه الخطبة كما رواها ابن جرير، ولولا أن الحافظ ابن كثير رواها ما أقدمنا على نقلها، ولكن قال الحافظ: هكذا أورد ابن جرير، وفى السند إرسال.
ونحن نقرر ما قررنا أن ما اشتملت عليه أشبه بمواعظ النبى ﷺ ، ولكن نلاحظ أنها أطول من أكثر خطب النبى ﷺ ، ونلاحظ أن فيها تكرارا لم يعهد فى خطب النبى ﷺ ، وأن فيها ايات قرانية من الايات المدنية، مما يدل على أنها نزلت بعد هذه الخطبة، والله أعلم.
هذا ما نراه بالنسبة للخطبة التى رواها ابن جرير، وقد روى البيهقى خطبتين:
أولاهما: ما رواه عن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها النبى ﷺ فى المدينة المنورة أن قام فيهم فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
«أيها الناس قدموا لأنفسكم، تعلمن، والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولى فبلغك، واتيتك مالا فأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك، فينظر يمينا وشمالا، فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه، فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقى وجهه من النار، ولو بشق تمرة، فليفعل، ومن لم يجد فكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
والثانية أنه ﷺ قال: «إن الحمد لله أحمده، وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله فى قلبه، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، فإنه من يختاره الله ويصطفيه فقد سماه خيرته من الأعمال، وخيرته من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتى من الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته، وأصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث فى عهده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
стр. 463
وقد قال ابن كثير فى رواية هذه الخطبة أن طريقها مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها، وإن اختلفت الألفاظ.
كانت هذه الخطب على ما فى متن أولاها من نقد، وعلى أنها مرسلة، بيد أنها فى جملتها على منهاج النبى ﷺ فى دعوة المؤمنين لتقوية إيمانهم، وتغذيته بتقوى الله تعالى، كما دلت أقوال النبى قبل الهجرة على منهاجه فى دعوة المشركين إلى التوحيد.
بناء مسجده ﵊
٣٣٣- هذا هو الأمر الثالث الذى ابتدأ به النبى ﷺ إقامته فى المدينة المنورة.
لقد ابتدأ ﷺ ببناء مسجد فى قباء، وهو المسجد الذى ذكر الله سبحانه وقال فيه.. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ «١» وأنه يجىء إليه الذين يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين، ولما نزل فى بيت أبى أيوب اتجه تفكيره إلى إنشاء مسجد بالمدينة المنورة الذى هو أحد المساجد الثلاثة التى تشد إليها الرحال وهى: المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس (المسجد الأقصى) ، وهذا المسجد، أو كما قال ﵊ (مسجدى هذا) .
روى عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: بركت ناقة رسول الله ﷺ فى موضع مسجده، وهو يصلى فيه رجال من المسلمين، فكان مصلى لهم قبل أن يا بنى ﷺ فيه مسجده.
ولقد كان ذلك الموضع الذى بركت فيه الناقة مربدا لغلامين يتيمين فى المدينة المنورة من أولاد الأنصار، وكان اليتيمان فى كفالة أسعد بن زرارة الذى كان أول داع للإسلام فى المدينة المنورة قبل هجرة النبى ﷺ إليها.
ساوم رسول الله ﷺ الغلامين، أو وصيهما أو هما بحضرة وصيهما، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، ولكن الرسول ﵊ أبى إلا أن يكون بالثمن، فابتاعه منهما بعشرة دنانير.
وكان قبل شراء رسول الله ﵊ جدارا لا سقف له، وكان يصلى فيه، ويقيم الجماعات والجمعة أسعد بن زرارة، قبل مقدم رسول الله ﷺ ، وهو بمكة المكرمة وقد جاء رسول الله ﷺ ، فجعل ذلك المصلى مسجده كما أشرنا.
وقد جعله ﷺ بناء مربعا، طول كل بعد من أبعاده مائة ذراع، وقد قال ابن القيم رضى الله عنه، جعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع، وتم بناؤه باللبن، وبعضهم قال إن بعضه كان بالحجر المنصنود.
стр. 464
وقد اشترك فى بنائه كل من حضر البناء من المهاجرين والأنصار، والنبى ﷺ كان يعمل فى بنائه، وكان ينقل اللبن والحجارة بنفسه، ويقول راجزا.
اللهم لا عيش إلا عيش الاخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة.
ولقد جعلوا يرتجزون، وينقلون اللبن ويقول بعضهم فى رجزه مستحثا الهمم:
لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل.
وجعل ﵊ قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، بابا فى مؤخره، وبابا يقال له باب الرحمة، والباب الذى يدخل منه رسول الله ﷺ ، وجعل عمده بالجذوع، وذكر السهيلى أنها جذوع نخل، وسقف بالجريد، وجعلت قبلته من اللبن، وقيل من الحجارة منضودة بعضها على بعض.
وقد نخرت عمده فى خلافة الإمام عمر فجردها، واستبدل بها، ولما كانت خلافة عثمان ذى النورين رضى الله عنه بناها بالحجارة المقوسة، وسقفه بالساج، وجعل قبلته من الحجارة، وهذه رواية واحدة، وفى عهد عبد الملك بن مروان أضيفت حجرات نسائه، وكانت تسعا.
ولما كانت أيام بنى العباس، بناه المهدى ثالث ملوكهم، ووسعه وزاد فيه، وذلك فى سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه عبد الله المأمون، وأتقن بنيانه.
ونخلص من هذا الى أن سنة النبى ﷺ فى بناء مسجده، ومسجد قباء كانت بأقل كلفة لتشجيع بناء المسجد.
وكما كان مسجده الطاهر الذى هو أحد المساجد التى تشد إليها الرحال كان أيضا مسكنه، وكانت بيوته ﵊ تسعا، بعضها من جريد مطين بالطين، وسقفها جريد، وبعضها من حجارة مرصوصة بعضها فوق بعض، وسقف أيضا بالجريد، ولم يكن سقفه عاليا.
وكان سريره ﵊ خشبات مشدودة بالليف، فهل من معتبر، فذلك نبى الخليقة، فهل من الناس من يتسامى إلى حياة كحياته!!
تم بحمد الله المجلد الأول ويحوي الجزء الأول ويليه المجلد الثانى ويحوي الجزء الثاني
стр. 465
الجزء الثانى
بناء الدولة الإسلامية- معاهدة جوار مع اليهود- نقضهم لها- إجلاؤهم من المدينة- المنافقون- الإذن بالجهاد- الغزوات والسرايا- غزوة بدر- غزوة أحد- غزوة الأحزاب- الأحكام الشرعية التى شرعت.
стр. 466
[مقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله، وعلى أصحابه الذين اتبعوا هداه.
أما بعد، فهذا هو الجزء الثانى من السيرة الطاهرة سيرة خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وفيه ابتداء قيام الدولة الإسلامية التى منّ الله تعالى بها على عباده المؤمنين الذين استضعفوا، ثم مكن الله تعالى لهم فيها، وصاروا الأئمة والهداة، وبدلهم بها من الضعف قوة ومن الذلة عزة بعزة الله، وقد أذن فيها بالجهاد، وتعددت ضروبه، فجهاد للنفس، وجهاد للشرك، وجهاد لليهود، وجهاد للنفاق، وجعل الله تعالى كلمة الله والحق هى العليا.
وإنه ينتهى بانتهاء الجهاد مع المشركين ووقف أذى قريش، والصلح معهم في الحديبية الذى عده الله تعالى فتحا مبينا.
والله تعالى هو الموفق والهادى إلى طيب القول وصراط العزيز الحميد.. كتب الله لنا التوفيق.
محمد أبو زهرة
стр. 467
إنشاء دولة الإسلام
٣٣٤- هاجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وخرج من مكة المكرمة، وهى أحب أرض الله تعالى إليه، لأن بها البيت الحرام، ولأنها منزل الوحي، ولأن بها الأهل والأقربين، وأن بها ماثر إبراهيم، ولكنه انتقل مع كل هذا إلى المدينة المنورة، وما كان ذلك إلا لأنه بأمر ربه أنشأ دولة، ولأنه ما جاء لرهبانية أو روحانية مجردة، أو لتهذيب النفوس فقط، بل بعث رحمة للعالمين ولا بد من أن تقوم دولة تقيم الحق، وتخفض الباطل، وتمنع الظلم، وتجمع الإنسانية، وتنشر التعاون بين الناس، وتمحو كل الفوارق التى تجعل بعض بنى الإنسان يتحكم في الآخر، وتمنع الفساد في الأرض.
ولذلك هاجر ﵊ حيث يستطيع إقامة الدولة المؤمنة التى تتناهى عن الشر، وتتعاون على الخير، وكذلك كل رسول يأتى بشريعة تقوم عليها دولة، كما فعل موسي، إذ خرج من أرض فرعون، لينشيء من قومه قوة ترفع الحق، وحاول ذلك مع بنى إسرائيل، وحاول أن يربى فيهم روح العزة والكرامة، وهما لا يسكنان في قلب إلا إذا سكن معهما حب الإنصاف، وحب الرحمة والمؤاخاة، والرفق، فالعزيز الكريم هو الذى ينصف ويرحم، ويرفق، واللئيم هو الذي يظلم، ويشق على الناس، ولا ينزل بهم رحمة، بل عداوة وبغضاء، حاول موسى ﵇ أن يبث فيهم البأس بعد البؤس والخنوع، فقالوا له، وهو يريد بهم العزة والدفاع عن أنفسهم فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤- المائدة) .
وعيسى ﵇ الذى أثر عنه قوله «دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» لم يشن حربا، ولم يقم دولة، وإن دعا إلى الفضيلة والمحبة، والروحانية في وسط الغلظة المادية التى آل إليها اليهود، فكانوا متنابذين مع الإنسانية، ولكن خاضعون خانعون للدولة الرومانية، لا يتمردون، ولا يلاحون، ولكن يرضون بالمنزل الهون، كما قال الله تعالى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ (١١٢- آل عمران) ، فعيسى لم يحاول أن يكوّن دولة، ولكن كان داعى رحمة ومحبة، ورفق ومؤاخاة في قوم غلاظ الرقاب يثيرون العداوة والبغضاء، مع من لا قوة لهم، ويخضعون في ذلك للقوي، ويعيشون بالسعاية والإفساد.
جاء محمد ﵊ على فترة من الرسل لإقامة الدولة الفاضلة لأنه خاتم النبيين، ولأنه آخر صرح في بناء النبوة الإلهية، فكان لا بد من أن تودع رحمته في جماعة مؤمنة، وأن تكون هى حاملة تبليغ الرسالة من بعده، تقاوم في سبيلها، وتسالم في الدعوة إليها ومد مبادئها، وتنتقل الرسالة في الأجيال مع هذه الأمة التى حملت الأمانة، ومع دولة تحميها.
стр. 468
وإن قيام الدولة الفاضلة، بعمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في حياته والحواريين من بعده فيه تطبيق عملى للفضيلة والعدالة والمساواة. وإذهاب روح التفاوت والعنصرية، وبث الإيمان والفداء، ورجاء ما عند الله تعالى. ويكون ذلك حجة في الأرض على الذين يدّعون، أن قيام دولة فاضلة على مبادئ الأخلاق ليس حلما لا يتأتى تطبيقه، ولكنه عمل ثبت تحقيقه، وقامت في الوجود أعلامه، وأن الذين يفرطون في حقوق الإنسانية، يسرفون على الناس في ظلمهم زاعمين أن الفضيلة والأخلاق علاقات شخصية، ولا تصلح أن تكون أساسا للعلاقات الاجتماعية والإنسانية عامة.
وأن قيام الدولة الإسلامية حجة قائمة على الذين يزعمون أن الدين علاقة بين العبد وربه. وأنه مقصور على المساجد والكنائس والصوامع، لأنه لو كان الدين كذلك ما هاجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولارتضى البقاء في مكة المكرمة، واكتفى أن يطلب من المشركين أن يتركوه وما يعبد، وأن يتركهم وما يعبدون، ولعلهم كانوا يرتضون بذلك، وخصوصا أنهم كانوا يعلمون فيه الأخلاق الفاضلة، والصدق وشرف المحتد، والنسب الرفيع.
ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كانت رسالته أبعد من ذلك أثرا، وأعم من ذلك عملا، وإنا نقول مقالة الذين يقولون أن الدين هو العلاقة بين العبد وربه، ولكنا نعمم العلاقة بين العبد وربه، فنجعلها عامة شاملة، وليست خاصة بالصلاة والصوم، إنما علاقة العبد بربه تقتضى الرحمة بعباده، والعدل بينهم أيا كان جنسهم، وأيا كان لونهم، كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب الشيء لا يحبه إلا لله» وأن كل عمل خير فيه صلاح الجماعة من عدل يقام، وظلم يخفض، وإعلان مساواة ورفق بالناس، كل هذا عبادة إذا قصد به وجه الله، ولا يمكن أن يكون مصلح قادرا على الإصلاح، إلا إذا أخلص النية لله تعالى، وأراد نفع الناس مرضاة لله تعالى العلى القدير، فالذين يفصلون بين عبادة الله تعالى وحده، وحسن المعاملة، وتنظيم المعاملات بين الناس، يفصلون بين الدين ولازمه، والحقيقة وما يترتب عليها، والمقدمة والنتيجة.
٣٣٥- وإن العرب كانوا أصلح الناس لتجربة الدولة الفاضلة التى وضع الله تعالى في الكتاب الكريم وعلى لسان رسوله الأمين، دعائمها وأسس إقامتها، وقد سن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم السنن العملية لتطبيق أحكام الله تعالى، فبين العبادات المفروضة من صلاة وصوم، وحج وزكاة، وإن كانت الصلاة قد ابتدأت في آخر أيامه صلى الله تعالى عليه وسلم في مكة المكرمة، عند الإسراء والمعراج.
стр. 469
ووضع لهذه الدولة أسس تكوين المجتمع من الأسرة إلى الجماعة إلى العلاقات الإنسانية في السلم والحرب، ويصح لنا في هذا المقام أن نشير إلى الأهداف الاجتماعية والدولية للدولة الإسلامية بكلمات موجزات لا تغنى الإشارة فيها عن العبارة ولا الإجمال عن التفصيل.
[الأهداف الاجتماعية والدولية للدولة الإسلامية]
[تهذيب النفس]
أ- أول الأهداف الاجتماعية تهذيب الآحاد ليكون منهم وحدات متلائمة يتكون منها مجتمع، ولهذا شرعت العبادات ونفذت أحكامها، تطهيرا للمجتمع من آثامه، وتوقيا للأخيار من شرور الأشرار، فكانت الصلاة، التى قال تعالى في بيان غايتها وثمرتها إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (٤٥- العنكبوت) . وشرع الصوم لتطهر النفس وتسيطر عليها الروح، وتقوى الإرادة ولا يكون الواحد من المؤمنين خاضعا للهوى، بل يسيطر عقله على شهوته، فتكون له أمة ذلولا، ولا تكون سيدا مطاعا.
وشرع الحج للتعارف الإنسانى. وتهذيب الوجدان بالإقامة في ضيافة الرحمن. وشرعت الزكاة ليعين الغنى الفقير وليعيش الناس في وئام. فكان تطهير المجتمع إيجابيا بتزكية الروح وتطهيرها. وتنمية العلاقات الاجتماعية وبث روح الرحمة في القلوب، والتعاون بين الناس.
وقد شرعت الكفارات تطهيرا للنفوس إذا أثمت، وفتحا لباب التوبة عمليا ونفسيا. وجعل الصدقة تطهيرا من كل إثم كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «الصدقة تطفيء المعصية، كما يطفيء الماء النار» إذ كل معصية مهما تضؤل فيها اعتداء على الناس. فكان تكفيرها بمعاونة الناس.
[تكوين الأسرة]
ب- واتجه الإسلام إلى تكوين الأسرة الفاضلة. لأن الأسرة نواة البناء الاجتماعى. وهى الوحدة الأولى في إقامة دعائمه. ولذلك عنى القرآن الكريم ببيان أحكامها. وشرح الواجبات والحقوق فيها بين الزوجين. وبين الآباء والأبناء. وإن كل الأحكام الشرعية الخاصة بالعبادات والتعامل جاءت مجملة. وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تفصيلها بالعمل. لا بالقول فقط، إلا أحكام الأسرة، فقد تولى الله بيانها تفصيلا في كتابه الكريم، بين التزامات الزوجية والعلاقات الأسرية، وعلاجها إذا أصابتها آفة، وبين أحكام الميراث تفصيلا لا إجمال فيه، وأحوال الطلاق وما يتصل به.
وإن ذلك كله حجة قائمة على الذين يريدون أن يحرفوا الشرع عن مواضعه، ويجعلوا للأسرة نظاما لم يأت به كتاب الله تعالى. وهو عند الله منكر، لأنه تقليد للذين لا يعرفون مكانة الأسرة، ولا حريتها.
стр. 470
رأى عام
ج- وقامت الدولة الإسلامية التى أقامها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تنفيذا لحكم الله على تكوين رأى عام فاضل. ولذلك حث الإسلام على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واعتبرهما عنوانا للأمة الفاضلة، وإذا كان الرأى العام الذى قام في مكة المكرمة كان وثنيا، ولذلك حارب الوحدانية وأباح الخبائث. فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بهداية القرآن الكريم والوصايا الإلهية اتجه إلى تكوين رأى عام فاضل يقوم المعوج، ويمنع الخبائث، ولقد قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (١١٠- آل عمران) ، وبين أن اللعنة تكون على الذين يفسدون الرأى العام فيها فقال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٨، ٧٩- المائدة) .
وفي سبيل تكوين رأى عام فاضل، أوجب على كل مؤمن أن يستنكر الشر، ويستهجنه، ولا يقره ويستحسنه، وإلا اضطربت أمور الجماعة، وهوت سفينة الحياة.
ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «مثل المدهن في حدود الله مثل قوم استهموا في سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وبعضهم في أعلاها، فكان الذى في أسفلها يمر بالماء على الذى في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسا ينقر به أسفل السفينة، فأتوه، فقالوا: مالك؟ قال تأذيتم ولا بد لى من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه، ونجوا بأنفسهم، وإن تركوه أهلكوه، وأهلكوا أنفسهم» .
وإن الرأى العام الفاضل الذى أراد الإسلام أن يتكون هو الذى يمنع الظلم، ويقيم العدل، ولذلك يقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدى الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن بقلوب بعضكم على بعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم» .
وإن الرأى العام الفاضل تسوده الفضيلة، وتقتل فيه الرذيلة، فلا تظهر، ولذلك يحث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على الحياء الذى يجعل صاحبه لا يظهر أمام الناس إلا بالخير. فيقول ﵊ «الحياء خير كله» ويقول ﵊ «لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء» .
وإن الجماعات الإنسانية التى انحرفت، وسادتها الرذيلة، أول مظاهرها فقدان الحياء، وكذلك يدعو المسرفون على أنفسهم، وعلى أقوامهم، إلى هجر الحياء وإظهار الرذيلة، ويسمون ذلك بأسماء ما أنزل الله تعالى بها من سلطان.
стр. 471
الكرامة
وإن دولة الإسلام التى ألفها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المدينة المنورة تدعو إلى تكريم الإنسان. لأنه إنسان لا لكونه شريفا نسيبا، ولا لكونه أبيض أو أسود، ولا لكونه مسلما، بل للإنسانية فيه، ولقد قال الله تعالى في ذلك، لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ، وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا. وكرم الله تعالى الرقيق، ودعا القرآن الكريم إلى عتقهم، ومنع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يذل المالك من يملكه، أو يرهقه بأن يكلفه ما لا يطيق، وروى الإمام أحمد أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال «من لطم عبده، فكفارته عتقه» وقد سوى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بين نفس الحر، ونفس العبد، بل سوى بين نفس العبد، ونفس مالكه. فقال ﵊ «من جوع عبده جوعناه، ومن قتله قتلناه» .
العدالة
(د) وأوجب القرآن الكريم العدالة بكل ضروبها، وعدها عنوان الإسلام، ويروى في ذلك أن أكثم بن صيفى لما بلغته دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل بنيه ليعرفوا دعوته ﵊، فتلا عليهم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠- النحل) .
وإن العداله مطلوبة على الولى والعدو على سواء، ولذلك قال الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (٨- المائدة) . فالعدل حتى مع العدو المشنوء أقرب للتقوى.
والعدالة في مضمونها تشمل ما يسمى العدالة القانونية، وهى أن يكون القانون الذى يحكم به الناس واحدا، وأن يكون تطبيقه على الجميع واحدا، فلا يضار الفقير في تطبيقه، ولا يحابى الغنى في معاملته، وأساسه المساواة في التطبيق. ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى» . ولقد تأسى بهدى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أبو بكر إذ قال:
«القوى منكم ضعيف، حتى آخذ الحق منه، والضعيف منكم قوى حتى آخذ الحق له» .
وتشمل العدالة في مضمونها العدالة الاجتماعية بأن يمكن لكل إنسان من أن يعيش عيشة كريمة غير مقطوع ولا ممنوع، وأن يمكن من استغلال مواهبه فيما يفيد شخصه، وجماعته، وأن تهيأ الفرص لكل إنسان أن يعمل بطاقته جسمية كانت أو عقلية.
стр. 472
وليس معنى العدالة الاجتماعية محو الفقر وإذابته، فإن الفقر والغنى حقيقتان ثابتتان في الوجود، لا يمكن محو أحدهما، أو إذابته، كما جاء التعبير على لسان بعض الناس. إنما العدالة الاجتماعية، تقتضى محو التفرقة بين الطبقات، وأن يسيطر ناس بحكم الطبقية، وأن يستطيل غنى على فقير بحكم غناه، ولا نسيب على ضعيف بحكم نسبه، إنما الجميع سواء أمام القانون الإسلامى السامى في معناه، وتطبيقه.
ولا بد أن تتوافر العيشة الكريمة لكل مؤمن، والدولة الإسلامية المباركة تتكفل بالعاجزين، عملا بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك ضياعا، فإلىّ وعلىّ» .
ويشمل مضمون العدالة الدولية، وهى تقوم على ثلاثة مباديء متقررة في حكم القرآن الكريم، وبعمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى الوفاء بالعهد، والمعاملة بالمثل من غير أن يجارى الأعداء في انتهاكهم لحرمة الفضيلة، فإذا قتلوا النساء والذرية لا نجاريهم، وإذا انتهكوا حرمات الفضيلة لا ننتهكها، لأن دين العدل والفضيلة لا يجارى الناس في ماثمهم. وثالث الأمور في العدالة الدولية أن الأساس في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، حتى يكون اعتداء أو استعداد للاعتداء، أو محاربة لحرية الاعتقاد ووقوف ضد الدعوة الإسلامية التى تدعو إلى أن يكون الدين كله لله تعالى، بحيث لا يفتن مؤمن، ولا يعتدى على اعتقاد.
التعاون
هـ- وقامت الدولة الإسلامية على أساس التعاون، فقال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وإن كل جماعة نظمها الإسلام تقوم على أساس من التعاون، فالتعاون في الأسرة هو قوامها، فالمرأة هى السكن: وهو الحمى، والآباء والأبناء يتعاونون في شدائد الحياة، ويشتركون في سرائها.
وإذا تجاوزنا الأسرة إلى المجتمع الصغير المكون من الجيران وأهل الحى وأهل القرية، وجدنا التعاون قوام الترابط بينهم. وقد أوصى صلى الله تعالى عليه وسلم بالجيران، وأمر القرآن الكريم بالإحسان إلى الجار ذى القربى، والجار الجنب، والجار في العمل، والجار في السفر.
وإذا تجاوزنا المجتمع الصغير من الجيران وأهل الحى أو القرية واتجهنا إلى مجتمع الأمة أو الشعب، وجدنا التعاون دعامة بنيانه، تتعاون كل طوائفها في جهودها المختلفة في رفع شأنها، وكأن تلك الجهود أنهار مختلفة تلتقى عند مصب واحد، لا يذهب فيه الماء هدرا، بل ينتج الخصب وأطيب الثمار.
فكل طائفة قوة في ذاتها، فمهرة الصناع قوة، ومهرة الزراع قوة متعاونة، والعلماء يمدون الجميع بالمعارف، فتعمل كل القوى متعاونة متضافرة.
стр. 473
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أقام الدولة الإسلامية بالتعاون والتازر، وجاء القرآن مقررا ذلك المبدأ الكريم بأدق معانيه، وكانت الدولة الإسلامية التى أوصى بها القرآن الكريم، ونفذها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد أتت بمبدأ لم يسبق إليه سابق، ولم يلحقها فيه لاحق، وهو سداد دين المدينين الذين استدانوا في غير فساد أو سرف، وعجزوا عن سداد الدين، فإن ذلك مصرف من مصارف الزكاة. وبينما كان القانون الرومانى في بعض أدواره أجاز للدائن أن يسترق المدين كانت الدولة الإسلامية التى أنشأها محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بإذن الله تعالى تعمل على سد الدين عن المدينين.
ولئن انتقلنا من الأمة إلى الجماعة الإنسانية نجد أن القرآن الكريم والسنة المحمدية يوجبان أن يكون التعاون أساس العلاقات الإنسانية عامة، ويعمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في الدولة التى أقامها على التعاون الإنسانى العام استجابة لقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (الحجرات- ١٣) وإن القرآن الكريم فى سبيل دعم التعاون يقرر أن الإنسانية أمة واحدة، وتنتهى في نسبها إلى نفس واحدة، فقد قال الله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (النساء- ١) .
مع اليهود
ولقد نفذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في أوّل إقامته بالمدينة المنورة مبدأ الاتحاد الدولى والتعايش السلمى: فعقد المعاهدة مع اليهود ومع كثير من القبائل العربية.
وقد يقول قائل: ألا يتعارض مبدأ التعاون مع الحرب؟ ونحن نقول: لو كان الناس جميعا أخيارا، ولم يكن قانون الغابة مسيطرا على بعض الدول، لكانت الحرب مناقضة لمبدأ التعاون، ولكن في الدول أشرار، كما في الآحاد أشرار، وإذا كان الأشرار يمنعون من الشر بالعقوبات الرادعة، فأشرار الدول يمنعون من شرهم بالحرب المانعة، ولذلك قال : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (البقرة- ٢٥١) .
فكانت حرب الأشرار من قبيل التعاون على الخير، ودفع الإثم والعدوان، وكذلك كانت حروب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لدفع الأشرار، ومنع الملوك الغاشمين من أن يرهقوا شعوبهم بمنع حرياتهم.
стр. 474
الرحمة والمودة
ووقيام دولة الإسلام على أساس الرحمة الشاملة والمودة المقربة، ومنع البغضاء المنفرة، ولقد قامت الدولة الإسلامية على أساس الرحمة والمودة، أما الرحمة فأساسها الرحمة بالأخيار، لا بالأشرار، فليست الرحمة في الإسلام: مجرد انفعال نفسى، بل هى الرحمة بالكافة، ولقد قال بعض الصحابة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «يا رسول الله أكثرت من ذكر الرحمة ونحن نرحم أزواجنا وذرياتنا، فقال ﵊: ما هذا أريد، إنما أريد الرحمة بالكافة» . ولذلك شرعت العقوبات الزاجرة رحمة بالكافة، فقد قال ﵊ «من لا يرحم لا يرحم» وإن بعض أنواع الرأفة يشمل في أطوائه أشد أنواع القسوة، وهى الرأفة بالمجرم، ولذلك نهى القرآن الكريم عن الرأفة بالزناة، فقال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (النور- ٢) فكان من قانون الرحمة العادل أن يعاقب المذنبون.
وإن الرحمة العادلة التى تكون للآحاد، إنما تكون على الضعفاء من العبيد، والفقراء واليتامى، كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «أبغونى في ضعفائكم، إنما تنصرون وترزقون، بضعفائكم» ، ولذلك أوصى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم برحمة المرأة الضعيفة، وأوصى بالرحمة بالعبيد، وأوصى برحمة اليتامى بإصلاح أحوالهم، ورعاية أموالهم.
هذه إشارات إلى مباديء الرحمة في الدولة الإسلامية التى كونها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر القرآن الكريم.
أما المودة فهى قوام الروابط الإنسانية دعا إليها الآحاد والجماعات، ولذلك عد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إفشاء السلام الذى هو مظهر المودة، وإطعام الطعام الذى هو إدامها، عدهما أحسن الإسلام، فقال ﵊: «وأحسن الإسلام أن تطعم الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تعرف» .
نعم كان الأمر بالمودة، وجعلها قوام الأسرة، كما قال الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم- ٢١) .
وأوجب صلة الرحم مودة في القربى، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «من أراد منكم أن يبارك له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه» ، ويقول ﵊: «ليس الواصل بالمكافىء، إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة» .
стр. 475
وإن المودة ليست واجبة بالنسبة لأبناء الأمة الإسلامية وحدهم، بل هى واجبة حتى للمخالفين فى الدين ما داموا لم يعادوا المسلمين أو لم يعتدوا عليهم، ولقد بين الله تلك الحقيقة، وهى القانون الشامل في معاملة المسلمين لغيرهم، فقال الله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الممتحنة ٨- ٩) . وقال الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (المجادلة- ٢٢) .
ويروى أنه في مدة الحديبية بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن قريشا نزلت بهم جائحة فأرسل مع حاطب بن أبى بلتعة خمسمائة دينار ليشترى بها برا، ويوزعها على فقراء قريش.
بل إنه في أثناء الحرب، لا تنقطع المودة مع شعوب الدولة المحاربة من غير المقاتلين، ولا تنقطع المودة إلا مع المقاتلين أو من يشتركون في القتال بالعقل والتدبير، والترتيب والتنظيم، فأولئك هم الذين يحادون الله ورسوله.
والخلاصة أن الإسلام لا يقطع المودة، بل يصلها دائما، ويعد القاطعين لها في غير الدائرة المذكورة يقطعون ما أمر الله به أن يوصل.
[رعاية المصلحة الاجتماعية بضوابط قرآنية]
ز- المصلحة ودفع الفساد، وقد قامت الدولة الإسلامية التى بينت أسسها في القرآن الكريم، وطبقها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأرسى قواعدها عمليا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، قامت على رعاية مصالح العباد في الدنيا والآخرة على القاعدة التى ذكرت في القرآن الكريم: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص- ٧٧) .
وهكذا كانت المصلحة الجماعية هى من غايات الإسلام. على أنه يجب ملاحظة أمرين:
أولهما: [المنفعة العامة والمنفعة الخاصة]
أن الاعتبار في المنفعة منفعة المجموع أولا، وبأوفر حظ، وأن مصلحة الآحاد غير مسلوبة، بل هى تكون في مصلحة المجموع، وتنفرد عن مصلحة المجموع، إن لم يترتب عليها ضرر عام، فإن الضرر يزال، ومنفعة العامة مقدمة على منفعة الخاصة إن لم يمكن الجمع بينهما، ولذلك شرع
стр. 476
الجهاد، وحث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عليه، ولو كان فيه ضرر لآلام تنزل بالمجاهدين، ولكن تركه يؤدى إلى تهلكة الجماعة، وغلبة الشر على الخير.
الأمر الثانى: [المصلحة امعنوية]
أن المصلحة المعنوية بأداء الواجب والتزام الحقوق، وتهذيب النفس- مطلوبة كالمصلحة المادية، بل هى أشد طلبا، وأكثر رعاية في الإسلام، والمصلحة الأصلية تلاحظ قبل المصلحة العاجلة، ولذلك كانت ملاحظة العبادة قبل ملاحظة المعاش، إن الدنيا سبيل الخير في الآخرة، وإن النظر إلى الآخرة خير مالا وغاية وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (العنكبوت- ٦٤) .
وإن الإسلام لا يدعو إلى الزهد في الحياة، ولكن يدعو إلى أن يطلب المؤمن الحياة من حلالها، ويجتنب محرماتها، وما كان تجنب المحرمات إلا لأن تناولها يفوت المصالح الحقيقية التى عدها الإسلام مصالح، وما من مصلحة مضيعة، إلا ومعها تناول محرم حرمه الله تعالى لأن المحرم اعتداء على غيره.
وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتناول المباحات، وينهى عن تحريم ما أحل الله تعالى من طيبات في هذه الدنيا، ولقد استنكر الله تعالى على الذين يحرمون الطيبات ما يصنعون، فقال الله تعالى:
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (الأعراف- ٣٢، ٣٣) ويقول الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (المائدة- ٨٧، ٨٨) .
وهكذا نجد أن دولة الفضيلة لا تقوم على الحرمان، بل الحرمان المجرد نقيضها، وقد منع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر الله أن يحرم مؤمن على نفسه ما أحل الله، ولقد روى الإمام أحمد رضى الله تعالى عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «كلوا واشربوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة» .
ولقد روى أن الإمام أحمد رضى الله عنه سئل عن الورع، فقال رضى الله تعالى عنه: «الورع طلب الحلال» ، فليس في الدولة الإسلامية الفاضلة زهادة لمجرد الحرمان، وإذا كان زهد، فهو لتعويد النفس القدرة على فطمها عن الشهوات عند ما يلج داعيها.
стр. 477
وإن المصلحة في دولة الإسلام تقوم على المحافظة على النفس والدين والعقل، والنسل، والمال، ولذلك أوجب الله العقوبات على من يعتدى على مصلحة من هذه المصالح بمقدار اعتدائه، فإن كان الاعتداء على أمر لا تتحقق الحياة إلا به، فإن العقوبة تكون بقدر الاعتداء، وإن كان الاعتداء على أمر تتحقق الحياة به مع الاعتداء ولكن بمشقة، فإن العقوبة تكون دون السابقة، وإن كان الاعتداء على أمر ترفيهى أو كمالى، فالعقوبة دون العقوبة فيما سبق.
وهكذا كانت العقوبات من حدود وقصاص، لأجل مصلحة العباد، وهى كما ذكرنا رحمة بهم.
وهكذا كانت الدولة الإسلامية رحمة للعباد، ومصلحة لهم، ويتحقق فيها قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
стр. 478
أول أعمال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
٣٣٦- استطردنا إلى الكلام في الدولة المحمدية التى أقامها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر ربه، مشيرين إلى دعائم هذه الدولة، غير مفصلين النظم، ولا الأحكام، ولكن نبين مقاصدها وغاياتها بالإشارة الموجزة المبينة، لا بالعبارة المفصلة الموضحة، ليعلم الناس أمرين:
أولهما: أن المبادئ التى تقوم هذه الدولة عليها مبادئ تقبلها العقول السليمة التى لم تسيطر عليها الأهواء، ولم تتحكم فيها منازع التقليد من غير تفكير، ولا اتباع للهوى في ذاته، وإن جعلها مستمدة من أحكام القرآن الكريم والسنة المحمدية بوحى من الله تعالى لا يجعلها مضطربة، ولا مزلزلة بأهواء الناس، وهى متفقة مع مصالح الناس، ولقد سئل أعرابى: لماذا آمنت بمحمد ﵊؟ فقال الأعرابى المستقيم الفكر والنفس: «ما رأيت محمدا يقول في أمر افعل، والعقل يقول لا تفعل، وما رأيت محمدا يقول في أمر لا تفعل، والعقل يقول افعل» .
الأمر الثانى الذى جعلنا نشير إلى هذه الدولة لرد أقوال الذين يقولون على الله تعالى بغير الحق، إن الدين للعبادة، أما الدنيا فإن الناس ينظمون أمرها، فبينا أن العبادة لله تعم كل طاعاته، ومن طاعاته اتباع ما أحل وما حرم، وما نظم.
ولقد كانت التجارب الإنسانية تؤيد إقامة دولة إسلامية تمنع الظلم وتقيم الحق والعدل بين الناس.
ولقد رأينا من أقدم العصور دولا تقوم، وأخرى تهبط، والرعايا ضائعون بين الحكام المتغالبين، وبمقدار استعلاء الحكام يكون الظلم المستمر الذى يعم ولا يخص، فمن عهد الرومان والرعايا هم فرائس لمغالبة المتحكمين.
وإن القرآن الكريم الذى نظم الحكم في الإسلام يدعو إلى أن تحكم الشعوب نفسها بنفسها. وأن الحاكم مسئول أمام الله تعالى ينفذ أحكامه أولا. وأمام الشعوب لا يرهقهم ولا يظلمهم، ولا يشق عليهم ثانيا. إلا أن يكون في المشقة تنفيذ حكم الله تعالى.
الإخاء
٣٣٧- وقد ابتدأ عمله صلى الله تعالى عليه وسلم في المدينة المنورة بإيجاد الروابط التى تربط آحاد الجماعة الإسلامية، وتكون وحدة تضم بها العناصر المختلفة الأنساب والأماكن. وأن يجعل من ذلك المجتمع المختلف أنسابا وقبائل مجتمعا مؤتلفا في شعوره، تمحى فيه الفوارق، والأمور التى تفرق ولا تجمع.
стр. 479
وجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مهاجرين من بطون مختلفة، ووجد أنصارا آووا ونصروا، ولكن الدماء لم تكن قد جفت بينهم فجاء إلى ذلك الجمع الذى كان متنافرا، ليؤلف بين قلوبهم، والأمم إنما تتكون بتأليف القلوب المتنافرة، وجمعها على الحق، وأشد ما يجمع توثيقا- الإيمان بالله والخضوع لأحكامه، فى ظل أطهر من في الوجود وهو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال السهيلى في كتابه الروض الأنف: «آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين أصحابه حين نزلوا بالمدينة المنورة، ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد أزر بعضهم ببعض» .
وعندى أن ذلك أحد أغراض المؤاخاة، ولكن المؤاخاة أولا وبالذات تتجه إلى تكوين وحدة الجماعة المؤمنة، ولذلك كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أولا، وكانت بين المهاجرين بعضهم مع بعض ثانيا، وبين الأنصار بعضهم مع بعض ثالثا، أوسهم مع خزرجهم، ليقضى الرسول ﵊ على الثغرة السابقة بالألفة التى تجمع القلوب، وتزيل نفارها.
فالمؤاخاة كانت لتكون الأخوة هى العلاقة بين النسيب الشريف والمولى الضعيف، لذلك كانت المؤاخاة جاعلة: حمزة بن عبد المطلب أخا لزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
فالمؤاخاة كانت لتكون الجماعة كما ذكرنا، ولوضع مبدأ المساواة عمليا، ولنترك الكلمة لابن إسحاق يشرح ما كان فيه.
يقول ابن إسحاق في سيرته بسنده: «آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا، ونعوذ بالله تعالى أن نقول عليه ما لم يقل. «تاخوا في الله أخوين أخوين» ثم أخذ بيد على بن أبى طالب، فقال: هذا أخى، فكان رسول الله سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله تعالى، وأسد رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضروا القتال إذا حدث به حادث الموت، وجعفر بن أبى طالب ذو الجناحين، الطيار في الجنة ومعاذ بن جبل أخو بنى سلمة أخوين (وكان جعفر بن أبى طالب يومئذ غائبا بأرض الحبشة) .
وكان أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، وخارجة بن زهير.. أخوين.
стр. 480
وهكذا أخذ يحصى الأخوة بهذا التاخى بين المهاجرين والأنصار، فذكر المؤاخاة بين بلال مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع أبى رويحة.. وقد استمرت الأخوة بينهما لا تنقطع، كالشأن في كل من آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بينهم.
ولما دون أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، وأقام بها مجاهدا، قال له عمر: إلى من تجعل ديوانك، فقال: مع أبى رويحة، لا أفارقه أبدا، للأخوة التى كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد عقدها بينه وبينى، فضم إليه.
وقد أنكر ابن القيم مؤاخاة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعلى بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه، وقال في ذلك: «وقد آخى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار» وذكر ما نقلناه عن محمد بن إسحاق، ثم قال:
«وقد قيل إن نبيه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية، واتخذ فيها عليا أخا لنفسه» .
والثابت الأوّل «أن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فقط» والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار، ولو آخى بين المهاجرين، كان أحق الناس بأخوته أحب الخلق إليه، ورفيقه في الهجرة، وأنيسه في الغار، وأفضل الصحابة، وأكرمهم عليه، أبو بكر الصديق، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا، لا تخذت أبا بكر خليلا» .
وهكذا نرى الإمام ابن القيم ينكر الرواية لمجرد الاستبعاد، ولم يتعرض للطعن في الرواية، ويقصر المؤاخاة والباعث عليها على ما كان بين المهاجرين والأنصار، لأجل توثيق الإيواء، وحاجة المهاجرين إليه، ولا يحتاج إليه المهاجرون بعضهم لبعض، ولا الأنصار بعضهم لبعض.
ولقد وافق ابن القيم في هذا ابن كثير فقال فيما نقله ابن إسحاق: «وفي بعض ما ذكره نظر، أما مؤاخاة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فمن العلماء من ينكر ذلك، ويمنع صحته، ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخاة إنما شرعت لأجل ارتفاق بعضهم من بعض ولتتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد منهم، ولا لمهاجرى آخر، كما ذكره من مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، اللهم إلا أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجعل مصلحة على إلى غيره، فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجعل مصلحة على إلى غيره، فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من صغره في حياة أبيه أبى طالب وكذلك يكون حمزة قد التزم بمصالح مولاه زيد بن حارثة فاخاه بهذا الاعتبار، والله تعالى أعلم» «١»
стр. 481
وما ينكره ابن القيم نحن نثبته، ونرجح أن المؤاخاة بين المهاجرين بعضهم مع بعض والأنصار بعضهم مع بعض نقررها؛ وذلك لأن الحافظ ابن كثير لم يتكلم في صحة هذه الرواية المثبتة، ولأن قصر الباعث في المؤاخاة مجرد تمكين المهاجرين من الارتفاق من إخوانهم الأنصار قصر لا دليل عليه، بل هو أخذ من ظاهر الهجرة، والإيواء والنصرة، كما صرح بذلك القرآن الكريم.
إن المؤاخاة ليس المقصود منها فيما نحسب هذا الارتفاق فقط، ولكن آثار غير ذلك منها:
أولا: عقد الألفة بين الضعيف والقوي
، وتمكين الصحبة بين المؤمنين وألا يتعالى مؤمن على مؤمن، وناهيك بمؤاخاة حمزة الشريف النسيب مع زيد بن حارثة المولى الذى كان عبدا، ومن عليه صلى الله تعالى عليه وسلم بالعتق، وكان قد أعلاه، وجعله ابنا له، حتى حرم الله تعالى الأدعياء وقال سبحانه:
وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ (الأحزاب- ٤) فكان من حكمة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن جعله أخا لابن عبد المطلب.
وثانيا: [تطهير النفس من العصبية الجاهلية]
أن المهاجرين كانوا من قبائل مختلفة، والقرشيون منهم من كانوا من بيوت متنافسة، فكان لا بد من محو العصبية والدمج بينهم بحكم أخوة الإسلام.
ثالثا: [نسيان الضغائن والأحقاد السابقة]
أن الأنصار لم يكونوا متالفين فيما بينهم، فكانت على مقربة من هدايتهم العداوة المستعرة الأوار بينهم، بين الأوس والخزرج، فكان لا بد من العمل على نسيانها، وذلك بالمؤاخاة المحمدية.
رابعا: [تشريع نظام يبني وحدة المسلمين]
أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند ما عقد المؤاخاة كان يشرع للأمة من بعده هذا النظام الذى يجمع المسلمين، ولم يكن حكما لحادثة واقعة، ولا علاجا مقصورا على ما بين المهاجرين والأنصار، بل هو تأليف للمؤمنين ونظام متبع، وربما تكون الحاجة إليه من بعد أشد وأكبر، ولذلك كان ولاء الموالاة الذى تقرر أنه لم ينسخ، وأنه بين العرب وغيرهم من الأعاجم الذين يدخلون في الإسلام من بعد.
٣٣٨- وقد أثمرت المؤاخاة ثمرتها، وربطت بالمودة على قلوب المؤمنين، روى البخارى، ومسلم والإمام أحمد عن أنس: أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة، فاخى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: أنت أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالى، فخذه وتحتى امرأتان، فانظر أيهما أعجب لك حتى أطلقها، فقال عبد الرحمن: «باراك الله في أهلك ومالك، دلونى على السوق، فدلوه، فذهب، فاشترى وباع، فربح، فجاء بشىء من أقط وسمن، ثم لبث ما شاء الله تعالى أن يلبث فجاء وعليه ودك من زعفران، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
стр. 482
مهيم «١» ؟ فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أصدقتها، قال:
وزن نواة من ذهب. قال ﵊: أو لم ولو بشاة» .
وقد كان المهاجرون غير طامعين في غير الإيواء والكفاف، يروى البخارى عن أبى هريرة «قالت الأنصار للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال ﵊: لا ويشركوكم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا ... ولقد كان المهاجرون رضى الله تعالى عنهم يستكثرون ما منّ به إخوانهم الأنصار عليهم من أموال، فروى الإمام أحمد عن أنس أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله «ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله» قال ﵊: لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله تعالى لهم» .
وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد جعل المهاجرين يعملون ليستفيد الأنصار منهم كما آووهم ونصروهم، فإنه يروى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال مخاطبا الأنصار: «إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم، فقال الأنصار: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أو غير ذلك، قالوا وما زال رسول الله يثنى عليهم حتى قال هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم، وتقاسمونهم الثمر» .
فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «أبى إلا أن يعمل المهاجرون مع الأنصار، ويكون الثمر بينهم قسمة عادلة للأرض حصتها، وللعمل حصته» .
الألفة بين سكان المدينة المنورة
٣٣٩- كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والمهاجرين بعضهم مع بعض، والأنصار بعضهم مع بعض، تأليفا من الآحاد. وتعاونا بينهم. وهو عقد أواصر المودة الشخصية. وهى أساس للألفة الاجتماعية. والروابط الجماعية. ولكن كان لا بد أن يكون بجوار ذلك تنظيم للعلاقات القبلية أو الأسرية.
والتعاون بين البطون والقبائل، بعد التعاون بين الآحاد بالإخاء. أن يكون الاتصال بينها على أساس التعاون على الخير. ودفع الإثم بينهم، وأن يكونوا جميعا فيما بينهم متماسكين في رفعة الخير. ودفع الشر.
ولذلك اتجه النبى ﷺ إلى تأليف الجماعات التى كانت تسكن المدينة المنورة من مهاجرين وأنصار ويهود بل مشركين ممن بقوا على وثنيتهم.
стр. 483
وقد قال الحافظ ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية) : كان بها- أى يثرب- من أحياء اليهود بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكان نزولهم بالحجاز قبل الأوس والخزرج، وقد نزلوا به أيام بختنصر حين دوخ بلاد المقدس فيما ذكره الطبرى.
ثم لما كان سيل العرم، وتفرقت اليمن شذر مذر نزل الأوس والخزرج بالمدينة عند اليهود، فحالفوهم، وصاروا يتشبهون بهم لما يرون لهم عليهم من فضل العلم بالمأثور عن الأنبياء.
وبعد الهجرة قد صار اليهود حانقين على المؤمنين الذين آمنوا، وعلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم؛ لأنه مبعوث من بين أولاد إسماعيل، لا أولاد إسحاق، مع أنهم كانوا يستفتحون على الذين أشركوا به، ويرجون النصرة في بعثه، فلما جاء ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الظالمين.
ويقول ابن القيم إنه بعد الهجرة صارت المدينة المنورة بها أنواع من النفوس، فكان فيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار. وكان فيها اليهود من بنى قينقاع، وبنى النضير، وبنى قريظة. وفيها المشركون، وكان من خارجها من يناصبونه العداء. وقد قال رضى الله ﵎ عنه في ذلك:
«لما قدم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة- صار الكفار معه ثلاثة أقسام، قسم صالحهم وواعدهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه، ونصبوا له العداوة. وقسم تركوه، فلم يصالحوه، ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يئول إليه أمره، وأمر أعوانه، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره، وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه، وانتصارهم، ومنهم من دخل معه في الظاهر، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين:
وهؤلاء هم المنافقون، فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره ربه ﵎» .
كان قدوم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة في هذه الطوائف، ولكن لم تظهر هذه الأقسام في وقت واحد، فالنفاق فيما أحسب وكما تدل الوقائع التاريخية لم يظهر إلا بعد النصر في غزوة بدر الكبرى، وكما سنبين، ولما شرق بنو قينقاع بهذا النصر، وأبدوا العداوة، واعتزموا الشر، فقوتلوا حتى أخلوا، عندئذ ظهر النفاق، وإعلان الإسلام من بعض أعداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومهما يكن من أمر تاريخ ظهور بعض الطوائف، فإنه من المؤكد أنه كان أمام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مشركو قريش الذين ناصبوه العداء، وأخرجوه من داره، وإن كان الإخراج أمرا مقدورا، وأن الهجرة كانت أمرا لا بد منه كما أشرنا، وكان أمامه اليهود، وهم يساكنون أهل يثرب ولهم المقام معهم، يدنيهم المكان والجوار، ويبعدهم الاعتقاد، وأمامه الذين اعتزلوا المؤمنين، فلم يقاتلوه، ولم يمالئوا عليه أعداءه.
стр. 484
وما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتكشف القلوب ممن يريدون ظهوره على أعدائه، ومن يريدون ظهور أعدائه عليه، فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينفذ شريعة تحكم بما ظهر، وتترك لله ما بطن، وإن كانت تأمر بالاحتياط والحذر فالله تعالى منزل هذه الشريعة. يقول ﵎ في كتابه العزيز: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ (النساء- ٧١) .
التكليف الاجتماعى والاقتصادى والسياسى والحربى
٣٤٠- كتب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كتابا هو بالنسبة للمؤمنين أمر من الله تعالى بتنظيم مجتمعهم، وتعاونهم الاجتماعى والاقتصادى وتنظيم لشئون السياسة بينهم، وتأليف بين بطونهم، وقبائلهم، وتعاون على إقامة الخير، ودفع الشر، وبيان حكم الإسلام في العمل على منع الظلم والتظالم بينهم آحادا وجماعات.
وجعل ما يسرى على المؤمنين في شعوبهم وقبائلهم يسرى على اليهود وغيرهم، على أن يكون لهم ما للمؤمنين، وعليهم ما عليهم، لا يضارون في دينهم، ولا يعتدى عليهم في اعتقادهم، وعلى أن تكون الرياسة الكبرى للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولذلك كان هذا الكتاب بالنسبة لليهود عهدا عاهدهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد آن لنا أن ننشر الكتاب كما رواه ابن إسحاق، وكما روته صحاح السنة، وإليك الكتاب الشريف:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبى الأمى صلى الله تعالى عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم:
بأنهم أمة واحدة من دون الناس.
المهاجرون من قريش على ربعتهم (الحال التى هم عليها يتعاقلون) «١» ، وهم يفدون عانيهم «٢» بالمعروف، والقسط بين المؤمنين.
وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو ساعدة على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
стр. 485
وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولي، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وأن المؤمنين لا يتركون مفرجا «١» بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه «٢»
وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى وسيعة «٣» ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم.
ولا يقتل مؤمن في كافر، ولا ينصر كافر على مسلم.
وأن ذمة الله تعالى واحدة يجير عليهم أدناهم.
وأن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس.
وأن من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصرين عليهم.
وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا.
وأن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال وباءهم في سبيل الله تعالى.
وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
стр. 486
وأنه لا يجير مشرك ما لا لقريش، ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن.
وأنه من اعتبط «١» مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى ولى المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا، ولا يؤويه، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد ﷺ .
هذا كله بالنسبة للمؤمنين، وقد عاهدهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على كل ما فيها، أما ما جاء بالصحيفة خاصا باليهود فقد كان عهدا عاهدهم عليه، وعلى طرفيه الوفاء به، وقد جاء في الصحيفة بهذا النص:
عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على اليهود
٣٤١- أن اليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وأن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوقع «٢» إلا نفسه وأهل بيته.
وأن ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف، وأن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عوف، وأن ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بنى عوف، وأن ليهود بنى جشم مثل ما ليهود بنى عوف، وأن ليهود بنى الأوس مثل ما ليهود بنى عوف، وأن ليهود بنى ثعلبة مثل ما ليهود بنى عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوقع إلا نفسه وأهل بيته.
وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
وأن ليهود الشطيبة مثل ما ليهود بنى عوف، وأن البر دون الإثم.
وأن موالى ثعلبة كأنفسهم، وأن بطانة يهود كأنفسهم.
وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ ، وأنه لا ينحجز على ثار جرح، وأن من فتك فبنفسه فتك وبأهل بيته إلا من ظلم، وأن الله على أيد هذا (أى على الرضا به) .
стр. 487
وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.
وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.
وأن يثرب حرام صد لأهل هذه الصحيفة.
وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
وأنه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وأن الله تعالى على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
وأنه لا تجار قريش، ولا من نصرها.
وأن بينهم النصر على من دهم يثرب. وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم.
وأن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله تعالى على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) .
نظرة في هذه الوثيقة:
٣٤٢- هذه وثيقة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم التى نظم بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المجتمع الجديد لسكان المدينة المنورة لا فرق بين مهاجرين وأنصار، ولا فرق بين مؤمنين ويهود.
ويلاحظ فيها:
(أ) أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم النظام الجديد الذى أنشأه في المدينة المنورة صار هو الرئيس الأوّل لتنفيذ ما اشتملت عليه الوثيقة، ولذلك لم يبح لطائفة من اليهود أن تخرج في حرب إلا بإذنه، حتى لا تتورط في أمر يضطرب به أمر هذا المجتمع الذى أريد له أن يقوم على أساس التعاون في جلب الخير، ودفع الشر، يتصادقون ويتوادون ولا يتعاونون على إثم أو عدوان.
стр. 488
(ب) أنه بمقتضى هذه الوثيقة يصير اليهود الذين يقيمون بيثرب رعية واحدة، فلا تكون لهم أحكام خاصة بهم لا تسرى على غيرهم، ولا يختصون بنظم لا تنطبق على غيرهم، وذلك مع الاحتفاظ بدينهم، تراعى فيه حرمة العقيدة، وألا يكون لأحد عليهم سبيل فيها، وأن عليهم حكم الله تعالى، وللنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ألا يحكم بينهم إذا وجد مصلحة، ويبين هذا قوله تعالى في شأنهم: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ، أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً، وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (المائدة- ٤٢) .
وإن هذا يدل على أنهم كانوا خاضعين فيما يتعلق بالنظام العام كحرمة الدماء، والظلم، ولكن شئونهم الخاصة لا يحكم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيها بينهم إلا إذا جاؤا إليه، فله أن يحكم، وله أن يعرض.
ولذا لا نستطيع أن نقول إنهم كالذميين تماما في الأحكام، ولكنهم من جهة كالذميين، ومن جهة ثانية جيران، يستمتعون بحقهم في المعاملات الخاصة من غير إثم.
(ج) أن العهد كان أساسه التعاون بين العشائر بحيث تحمى كل عشيرة ضعيفها، وتعطى الفضيلة بينها وتفك أسر أسيرها، وتدفع ديات قتلاها، وذلك يشير إلى حرمة كل شخص على أهله في دائرة البر لا في دائرة الاعتداء أو الانتقام.
(د) أنه مع التعاون بين العشيرة، هناك تعاون عام بحيث يتضافر المؤمنون جميعا بل الجماعة في عون المظلوم، ولذلك عند ما كان النص على القود أوجب على المؤمنين جميعا معاونة أولياء المقتول في القصاص، وتتعاون الجماعة كلها في دفع أذى كل من يحدث حدثا أو اشتجارا، أو ما يثير العداوة والبغضاء، وأنه بهذا التعاون الفاضل تستقر الأمور على خير الجماعة، وما يجلب لها النفع، ويدفع عنها الضر، وأنه لو نفذ هذا العهد بكل ما فيه لتكونت من المؤمنين وجيرانهم مدينة فاضلة.
وأن الحلف يوجب أن يكون عدو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عدوا لليهود، فلا يجار قرشى، ولا من يناصر قريشا، فعلى اليهود ألا يوالوا المشركين؛ لأنهم أعداء الله تعالى، وأعداؤهم، وذلك لأن الميثاق يجعل أهل المدينة المنورة مسلمين ويهودا أهل ولاء واحد، عدوهم واحد، ومناصرتهم واحدة، وذلك ليكون أمن الجميع واحدا، فمن هاجم فريقا من أهل المدينة المنورة فقد هاجم المدينة كلها، وذلك بلا ريب يلزم اليهود، لأن الوثيقة أعطتهم حقوقا، وأوجبت عليهم واجبات، فإذا أخلوا بما يجب عليهم، فقد أسقطوا ما لهم من حقوق، لأن الحقوق والواجبات متقابلة. وما دام الولاء واحدا، فإنه لا يصح أن يتعاون
стр. 489
اليهود وأعداء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم على شيء دون ما نص عليه، وقد وفي النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا العهد.
فهل وفي اليهود؟!!، إن الأمور التى تجرى كفيلة بالجواب، مع ملاحظة أن الأمر يوجب الوفاء من الجانبين، وإن أخل أحدهما ذهبت الحقوق التى تضمنتها الوثيقة له، وإذا كان الإخلال فيما يتعلق بالأمور الخارجية، وهى موالاة اليهود للمشركين على المؤمنين، فإنه في هذه الحالة تزول صفة الجوار، ويكون من الواجب على من ينكث أن يترك الجوار، ويتخلى عن الإقامة في المدينة، وحل للطرف الآخر أن يخرجه طوعا أو كرها، فإن لم يفعل كان يحل له أن يحمى ظهره، ولو بقتله، لأنه صار عدوا له، وأصبح كالثعبان يكون في بطانة الرجل، فيجب أن يبعده، ولو بقتله، لأن الأمر إما سلم فيها الأمن، وإما حرب فيها الخوف.
الأذان
٣٤٣- تكونت جماعة الإسلام، ووضع صلى الله تعالى عليه وسلم نظم هذا الاجتماع، وألف القلوب فيه، بالإخاء بين المؤمنين. ووضع النظم للتأليف بين من يدخلون في الإسلام من بعد.
ثم كان عقد الوثيقة التى ألفت بين الجماعات في المدينة المنورة كما ألفت الإخاء بين الآحاد، وبين الواجب على كل جماعة ثم عقد العهد مع اليهود على أن يكون لهم ما للمؤمنين في الشئون العامة، ولهم شئونهم الخاصة، يتحاكمون فيها فيما بينهم، وإن احتكموا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فله أن يحكم بينهم بما أنزل الله تعالى في القرآن الكريم.
وبعد هذا التأليف وذاك التكوين بيّن ما يربط جماعة المؤمنين قلبيا، بعد أن سن ما ألف بين قلوبهم اجتماعيا، وذلك بتنظيم الجماعات في الصلاة والتنبيه العام بمواقيتها، والدعوة إليها، لتؤدى جماعة في أوقاتها، وذلك بالأذان، فكان شرعه في هذا الإبان.
يقول في ذلك ابن إسحاق: «فلما اطمأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة المنورة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين، واجتمع إليه أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصوم وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحى من الأنصار هم الذين تبوؤا الدار والإيمان.. وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين قدمها، إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهمّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن
стр. 490
يجعل بوقا كبوق يهود الذى يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس، فنحت ليضرب به للمسلمين» .
ويلاحظ على هذا الكلام أمران:
أولهما: أن ما ذكره من قيام الصلاة وفرضية الزكاة والصوم، وإقامة الحدود وفرض الحلال والحرام إنما كان في أوقات مختلفة من بعد ذلك، وبعضها كان قبل الهجرة، وهو فرض الصلاة، فقد فرضت في الإسراء والمعراج، كما هو مذكور في موضعه، ولعل الذى جد في المدينة المنورة هو قيامها جماعة في أمن واطمئنان، وعبارة ابن إسحاق قد توميء لذلك.
الأمر الثانى: أن كلام ابن إسحاق فيه أن خاطر البوق اليهودى خطر للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكذلك ناقوس النصارى.
ولكن روى ابن ماجه عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استشار الناس لما يهمهم من الصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى.
وهذا الخبر يخالف ما قاله ابن إسحاق في روايته من جهتين:
أولاهما: فى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذى هم بالبوق، والرسول في الرواية الثانية قد استشار، وكره ﵊ ما أشاروا به.
الثانية: أن رواية ابن إسحاق فيها ما يفيد أنه أخذ في تنفيذ فكرة الناقوس، مع أن الرواية الأولى تقول أنه كرهه، ونحن نرى أن هذه الرواية الأخيرة هى الأليق بمقام الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى الأنسب، فهى عندى أصح، والله أعلم.
ويسترسل ابن إسحاق في أمر الأذان، فيقول: «فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه «النداء» فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: «إنه طاف بى هذه الليلة طائف: مربى رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به! قلت ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك! قلت: وما هو؟ قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حى على الصلاة، حى على الصلاة، حى على الفلاح، حى على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» . فلما أخبر بها رسول الله
стр. 491
صلى الله تعالى عليه وسلم قال إنها لرؤيا حق إن شاء الله. فقم على بلال فألقها عليه، فإنه أندى صوتا منك، فلما أذن بلال سمعها عمر بن الخطاب. وهو في بيته. فخرج إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يجر رداءه، ويقول: «يا نبى الله، والذى بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذى رأى» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فلله الحمد على ذلك.
هذا سياق ابن إسحاق في هذا الاهتداء إلى صيغة الأذان. وأن ذلك كان برؤيا رآها بنصّه اثنان من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن هذا نتيجة لرواية الشورى التى استشار بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه.
وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أقر الرؤيا فكان الأذان على ذلك شرعا بإقرار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك على أن إقرار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذى شرع الأذان لا الرؤى والأحلام.
ولكن علق ابن هشام في سيرته على رواية ابن إسحاق بأن الوحى قد نزل بالأذان، وصيغته، فقال: «ذكر ابن جريج قال: قال لى عطاء: سمعت عبيد الله بن عمير الليثى يقول: «ائتمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشترى خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام: «لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا للصلاة، فذهب عمر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليخبره بالذى رأى وقد جاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الوحى بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين أخبره بذلك، قد سبقك بذلك الوحى»
وإن هذه الرواية تصرح بأن الوحى نزل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه تفصيل الأذان بأركانه وهى ليست رؤيا عبد الله بن ثعلبة بن ربيعة.
وإنا نميل إلى هذه الرواية، وذلك، لأن الأذان شعار من شعائر الإسلام، وأنه تعرف به الجماعات الإسلامية، وما يكون كذلك من العبادات لا يكون من الأمور التى تكون بشورى الناس، وقد تكون الشورى ابتداء لمعرفة طريق الإعلام، فجاء الوحى بهذا الطريق الذى يعتبر سنة، وما كانت السنة تعرف بطريق رؤى الآحاد، إنما تكون بوحى من الله تعالى، وإن الأذان لكل صلاة سنة مؤكدة، وكثيرون من العلماء يقولون إنه بالنسبة للجماعات فرض كفاية تأثم الجماعة كلها إذا تركته.
стр. 492
وإن تفصيل الأذان وبيان أجزائه التى لا يمكن أن يجزى الأذان إلا بها لا تكون إلا بأمر من الله تعالى، لأن الأذان عبادة، ولا تعرف أجزاء العبادة إلا بوحى من الله تعالى لنبيه، لا برؤيا لغيره مهما تكن مكانته في الإسلام.
الإذن بالقتال
٣٤٤- بعد أن استقر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اتجه إلى تعميم الدعوة وحماية الضعفاء من المؤمنين الذين كانوا يفتنون في دينهم، ويؤذون في اعتقادهم، وكان لا بد أن يكون ذلك بقتال المشركين الذين يؤذون المؤمنين، ولا بد من استنقاذ البيت الحرام من عبادة الأوثان، وأن تحطم الأوثان التى تحيط به.
ولذلك شرع الله تعالى القتال، فقال تعالى في كتابه المبين: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج- ٣٨: ٤١) .
كان الإذن بالقتال، وفتح باب الجهاد، وفي هذا النص الكريم بيان الباعث عليه، والنتيجة التى ينتهى إليها، وإنها لخير، ووسائل الخير تكون خيرا ولو كانت أمرا كريها، ما دام قد تعين ما هو الطريق، وإنه إذا تعين كان خيرا، ولذلك قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة- ٢١٦) .
والآية التى كان فيها الإذن بالقتال فيها إشارات بيانية تليق بالقرآن الكريم أبلغ كلام في هذا الوجود الإنسانى.
أولاها: أن فيها الإذن بالقتال، ولكنه لم يصرح بها، إذ أنه صرح بأشد ما يبعث عليه، وهو أن القتال من جانب الأعداء قد وقع فعلا، لأنه عبر بقوله «يقاتلون» بالبناء للمجهول، أى أن المشركين قاتلوا المؤمنين فعلا، فقد آذوهم وحاولوا أن يفتنوهم عن دينهم، والفتنة أشد من القتل كما قال الله تعالى، وحاولوا قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وحاولوا أن يقتلوا المبايعين في بيعة
стр. 493
العقبة الثانية، فكان التعبير بالبناء للمفعول دليلا على أن قتال المؤمنين في مقابل أنهم ابتدأوا، وهو دفع للأذى، وللفساد في الأرض، كما قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (البقرة- ٢٥١) .
الإشارة البيانية الثانية أن الله تعالى صرح بأن القتال دفع للظلم أو منع لاستمراره.
الثالثة: أن أهل الإيمان هم أهل الحق، فإن قاتلوا فهو دفاع عنه وعن التوحيد، والإيمان به، فهو قتال يحمل في باعثه، وفي ذاته، الدعوة إلى الله تعالى.
الرابعة: أن القتال الذى يكون جهادا في سبيله هو دفع الباطل، وإلا كان الفساد في الأرض، وألا يعبد الله تعالى فتهدم بيع وصلوات، ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. فالقتال نصرة الله تعالى.
وحماية للحق، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج- ٤٠) .
الخامسة: أن القتال فيه تمكين للحقائق الإسلامية، فنتيجة القتال تمكين للذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، فالقتال من نتيجته أنه يمكّن أهل الحق من الدعوة إليه بالقول وبالعمل، وبذلك تقوم شريعة الله سبحانه.
وفي هذا إشارة إلى أن غاية القتال بعد دفع الاعتداء ومنع الظلم، هى التمكين للدعوة الإسلامية، وأن يدخل الناس في دين الله تعالى مختارين من غير فتنة، ومن غير إرهاق لهم في عقائدهم.
وبذلك نأخذ من الآية الكريمة أن الباعث على الجهاد في الإسلام أمران:
أولهما: دفع الظلم ومنع الفتنة- كما قال تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة- ١٩٣) . وأن الاعتداء يرد بمثله، فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذى جاء بالحق لا يدفع إرادة الأذى بالسكوت عليه واستمراره، بل يدفع الاعتداء بمثله، كما قال تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة- ١٩٠) .
الأمر الثانى: هو التمكين للدعوة الإسلامية، بأن تزال المحاجزات التى يقيمها الملوك والحكام الظالمون بين دعوة الإسلام والاستجابة لدين الحق أو أن يعوقوه، وليس معنى ذلك حمل الشعوب على الدخول في الإسلام كرها بقوة السيف، بل إن مؤداه أن يعرفوا الإسلام، ويتمكنوا من تلقى الدعوة الإسلامية، فإذا عرفوها فقد تبين الرشد من الغى، والحق من الباطل، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولذلك قال تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، لَا انْفِصامَ لَها، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦- البقرة) .
стр. 494
أول القتال
٣٤٥- أخرج المشركون من قريش المؤمنين من مكة المكرمة، وجردوهم من أموالهم، وفتنوهم فى دينهم، فكان لابد من أن يضايقوهم كما ضايقوا المؤمنين ويردوهم عن غيهم، ويعلموهم أن الباطل لا بقاء له، بل إن للحق قوة، وأنه أبلج، ابتدأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإرسال السرايا، وهى طوائف صغيرة من الجيش على رأسها قائد من القواد، فهى تشبه كتيبة يرسلها القائد الأكبر، لتحارب، أو لتمنع الطريق عن قوم من الأعداء، أو كسرية الجيوش في هذه الأيام، وقد فهم بعض الكتاب من ذلك أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ بالسرايا تصادر عير قريش، أو طائفة من تجار المشركين، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ بالحصار الاقتصادى، ونحن نفهم من الحصار الاقتصادى الحصار الذى يفرض على موارد الجماعة كلها من رزق، أى أن الحصار يفرض على قريش كلها.
ونحسب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما كان يريد أن تصاب قريش كلها بمجاعة، فما كانت قريش كلها على طريقة أبى جهل وأبى سفيان ومن على شاكلتهما من الذين ناوؤا الدعوة ابتداء، واستمروا على غيهم إلى أن كان الفتح المبين، وكان منهم الساكتون الذين لم يعادوا، ولم يناوئوا، وإن لم يؤمنوا، وليس من شأن المباديء الإسلامية أن يؤخذ المطيع بظلم العاصى أو المعتزل بظلم الذى يرتكب الشر، وفي قريش من كان مكرها غير مختار ومظلوما مأسورا. ومنهم من كان يربطه بالمؤمنين مودة وصلة، بل بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
والحصار الاقتصادى يعم ولا يخص؛ إذ يعم من بلغوا أقصى غايات الشر، ومن سكتوا، ومن توادوا وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (فاطر- ١٨) .
ولكن هذه السرايا كانت لمناهضة زعماء قريش، إذ كانوا أصحاب المتاجر التى تحملها العير وقتا لآخر، ولأن أولئك الزعماء أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم، فكان حقا على هؤلاء أن يضايقوا الذين أخرجوهم من أموالهم معاملة بالمثل، وليأخذوا مقابلا لبعض ما أخذ منهم، وليذيقوا أولئك الزعماء وبال ما صنعوا.
стр. 495
أول السرايا
سرية حمزة رضى الله عنه:
٣٤٦- فى السنة الأولى من الهجرة، ابتدأت السرايا، وهى عدد ليس بكثيف من المجاهدين يعترضون رجالا من قريش يتجهون إلى الشام بأموال لهم. ليمنعوهم من الذهاب إلى الشام، ويستولوا على ما معهم من المال أو يقاتلوهم.
ويلاحظ أن هذه السرايا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يختار رجالها من قريش، وليس معهم من الأنصار أحد، وأوّل سرية كان قد عقدها صلى الله تعالى عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب، وخرج حمزة في رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة على سيف البحر، وكانت عدة هذه السرية ثلاثين رجلا من المهاجرين، وكذلك كانت سرايا هذه السنة، وكان لواؤها أبيض، وقد اعترضوا طريقا لعير لقريش، وكانت لكبرائهم، وكانت عدة من تعرض لهم حمزة ثلاثمائة، على رأسهم عمرو بن هشام (أبو جهل) .
تقابل الفريقان المؤمنون بقيادة أسد الإسلام حمزة، والثانية بقيادة لئيم قريش وخبيثها أبى جهل، ولكن تحاجز الفريقان عن القتال، وذلك لتوسط رجل من العرب كان موادعا الفريقين اسمه ابن عمرو الجهنى ولذلك لم يحدث قتال.
سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب:
٣٤٧- وفي شوال من هذه السنة عقد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعبيدة بن الحارث لواء أبيض، وأمره بالسير إلى بطن رابغ، فى ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصارى.
التقت هذه السرية بمشركى قريش وكانت عدتهم مائتين، عليهم أبو سفيان صخر بن حرب.
وقد كان اللقاء عند ماء يقال له الأخياء حيث كان المشركون، والمؤمنون قد بلغوا ثنية المرة ولم يكن بينهم قتال، ولكن كان بينهم رمى بالسهام.
ولقد رمى سعد بن أبى وقاص الذى كان في هذه السرية وإن لم يكن قائدها فقد رمى بسهم، فكان أوّل سهم رمى به في الإسلام.
هذا هو الترتيب الذى ذكره الواقدى في ترتيب السرايا، فذكر أن سرية حمزة كانت أولا، وأنها كانت أوّل سرية، وتليها سرية عبيدة بن الحارث.