← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الجزء الأول نشأته- شبابه- بعثته مصابرته المشركين اتصاله بالقبائل هجرته صلى الله عليه وسلم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة محمد رسول الله وخاتم النبيين لله الحمد على ما أنعم، وله الفضل فيما أكرم، إذ أكمل الدين، وأتم الرسالة الإلهية، بإرسال محمد ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، فأكمل الهداية، وأبلغ الغاية، وكشف المحجة، وبين الجادة، ورفع راية الاسلام القوى العزيز، المكين، وحمل الحواريون من أصحابه ما حملهم الله، فقاموا بواجب التبليغ، وأدوا الأمانة التى حملوها، فكانوا منارا مقتبسا من نوره، فرضى عنهم، ورحم الإنسانية بما اقتبسوا من معانى الرسالة المحمدية. يا رسول الله: إن الله خلقك بشرا سويا، ولكنك فوق سائر البشر، واثارك التى حملتها الأجيال من بعدك فوق القدر، ونحن معشر المتبعين لك إن كان فينا شرف هذا الاتباع إنما ندرك بالتصوير أمثالنا. فمن خواطرنا ومنازع نفوسنا نتعرف نفوس غيرنا، ونحكم على أحوالهم، وإن حاولنا أن ندرك من هو أعلى منا، فإنه يجب أن يكون علوه على مرأى أنظارنا، وفى مطالع افاقنا، فعندئذ نحاول وقد نصل، ولكنك يا رسول الله فى علو لا نصل إليه، وفى سماك لا نراه، وليس منا من يضاهئك حتى نتمثله ونتخيله، فأنّى لأمثالنا أن يكتب فى شأنك، وأن يعلو إلى شأوك، إن ذلك أمر فوق المنال، ويعلو على مدارك الخيال. ومن أجل هذا نضرع إلى الله أن ينالنا بغفرانه، إن تسامينا محاولين الوصول إلى الكتابة فيك، فالمعذرة قائمة، والقصور ثابت، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. يا رسول الله: قد كتبنا فى أئمة أعلام، قد قبسوا من نورك قبسة أو قبسات، أدركنا نورهم، ووفقنا الله تعالى إلى ما نحسب أننا وصلنا فيه إلى ما يفيد، وبمقدار ما قبسوا كنا ندرك ما به شرفوا، وما به أصابوا. واهتدوا. فلما جئنا إلى ساحتك. وحاولنا أن ندخل إليها، غمرنا النور، وكف أبصارنا الضوء المنير، فأنّى ندرك، وأنّى نرى، وقد صرنا كذى رمد غمره ضوء الشمس، أما ما هو أعلى، فأصابتنا الحيرة، ولا هادى لنا يخرجنا منها، إلا أن تكون الهداية من الله تعالى كما أمر إذ قال سبحانه: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ «١» فليس لنا إلا أن نلجأ إليه ضارعين أن يهدينا لتصوير شخصك الطاهر المطهر، أو لتقريبه إذا كان التصوير فوق طاقتنا، وأعلى من أن نصل إليه، فإن التقريب يحل عند العجز محل التسديد، والعجز مغفور، والقاصر معذور، والله عفو غفور.

стр. 3

يا رسول الله: إننا نكتب فى العظماء لنصور نواحى عظمتهم، ولكل عظيم ناحية واحدة من نواحى العظمة، فالاتجاه إلى تلك الناحية هو مفتاح عظمته، فتسهل معرفته، ولكنك يا رسول الله فوق عظمة الأشخاص، لأن وجوه عظمتك تعددت، حتى يعجز المحصى عن الإحصاء، والمستقرئ عن الاستقراء، وإذا نفدت الطاقة أقر مطمئنا بعجزه، ومؤمنا بأن وجودك فى هذا الوجود معجزة البشر، فإذا كنت من البشر، ولست فى كونك إلا بشرا، فلست إلها، ولست ملكا من الملائكة، فإنك فى مقام أعلى من سائر البشر ومن الملائكة، صانك ربك، وحفظك ورباك على عينه، حتى كنت وحيدا بين الغلمان، بما كلأك الله به وحماك، وصبيا فريدا بين الصبيان، وكنت الشاب الأمين عن رجس الجاهلية بين الشباب، فكل شىء فى حياتك الأولى كان من الخوارق التى علت عن الأسباب والمسببات، فلم تكن أثر تربية موجهة، ولا أثر بيئة حاملة، ولا أثر شرف رفيع، وإن كان محققا، ولكنك كنت صنيع الله، فكنت معجزة بشخصك وكونك ووجودك، فيك البشرية، وفيك المعجزة الإلهية اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «١» . يا رسول الله يا خير البشر: كنت ذا الخلق القويم، والسياسى الحكيم، والقائد العظيم، والحاكم الرفيق، والمربى لأمتك بالشورى، والوحى ينزل إليك، وكنت الرؤف بأمتك، والمحارب الرحيم، وحامل لواء السلام فى مرحمة النبى، وعزة القوى، أنشأت جماعة مؤمنة ابتدأت بها بذرا صالحا، وأخذ ينمو فى بيئتك الطاهرة، مختفيا فى خلايا الإيمان، حتى أخرج شطأه، فظهر متعرضا لمقاومة الحدثان، قويا فى تكوينه حتى استغلظ واستوى على سوقه، وصار قوة الحق فى الأرض، وكنت كما قال الله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ «٢» وكل ذلك بتوجيه ربك، وإلهام نفسك، وعلو فكرك، وقوة قلبك، فمن أى ناحية يدرس حياتك الدارس، وقد كان كل شىء فيك قويا عظيما، كما قال فيك ربك، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٣» . اللهم ربى، ولا خالق سواك، ولا إله غيرك.. وليس كمثلك شىء، وأنت السميع البصير، خلقت محمدا من البشر، وجعلته سيد البشر، وأرسلته رحمة للعالمين، وإذا كان وجوده وما أحاط به خارقا للأسباب والمسببات فقد أرسلته بمعجزة لا تزال تتحدى الخليقة إلى يوم الدين.

стр. 4

ربى العظيم: لقد تطاولت فاعتزمت أن أكتب فى سيرة نبيك وخاتم أنبيائك محمد ﷺ ، فاغفر لى يا رب ذلك التطاول، إنك أنت الغفور الرحيم، وأمدنى بعونك وتوفيقك فى هذا المقام الذى يعلو عن طاقتى، وتعجز فيه قدرتى إن لم يكن منك العون. رب لا تخزنى، فإنه لا قدرة لى إلا بتوفيقك، ولك الفضل، والمن، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ «١» . وإنى قد اتجهت إلى القصد فى القول. فمهما يكن الإطناب، فإنه لا يصل إلى الغاية ولا يبلغ الشأو. ولذلك اجتهدنا فيما هو تحت سلطان قدرتنا، ومع ذلك استطال بنا القول، وإن لم ندرك النهاية، فهى فوق قدرة عاجر مثلى، ولقد قسمت الكتاب إلى ثلاثة أجزاء: أولها- ذكر حياة النبى ﷺ من ولادته التى حاطتها الخوارق، وحياته التى كانت كلها إرهاصات بالنبوة، حتى بعثه الله تعالى بشرا رسولا، وأوذى هو وحواريوه فى الله، وصبر وصابر، حتى كانت الهجرة التى أنشئت بها مدينة الإسلام، ودولة الإيمان. والثانى- فى جهاده، وقمع الشرك، وفتح الطريق للدعوة المحمدية، وإزالة المحاجزات من طغيان الظالمين، وفتنة المؤمنين، حتى تسير الدعوة فى طريقها من غير عوج، وفى طريق معبد لا يحاجزه الشر، ولا يدعثره الإيذاء. وإن هذا الجزء ينتهى بصلح الحديبية، حيث يئس الشرك من أن ينال من أهل الإيمان، وعجز عن أن يغزو المؤمنين، وصارت الكلمة العليا فى الجزيرة العربية للإيمان، وسارت الدعوة فى كل مسار. والجزء الثالث من بعد الحديبية، وفيه تجرد النبى ﷺ لليهود الذين كانوا شوكة فى جنب العرب، وأخذ الإسلام يعم جزيرة العرب، ويخرج إلى أقطار الأرض، فكانت مؤتة، وكان الفتح العظيم الذى يئس فيه الشيطان أن يعبد فى هذه الأرض، وأخذ الإسلام يغزو ما حول العرب بكتب النبى ورسله، والسرايا يبثها، وبالخروج إلى الروم الذين قتلوا المؤمنين من أهل الشام فى أرضهم، فكان لابد من تأمين الدعوة، وإزالة الفتنة، وهذا الجزء ينتهى برحلة النبى ﷺ من هذه الدنيا بروحه إلى السموات العلا. اللهم انفعنا بهديه، واهدنا سبله، إنك تهدى من تشاء، وإنك على كل شىء قدير. محمد أبو زهرة

стр. 5

[تمهيد] الاضطراب الفكرى: ١- فى القرن الخامس الميلادى وما يليه، كان العالم الإنسانى يموج بالشر، وتضطرب النفوس، واستحكمت الأهواء، وتفرق بنو الإنسان، حتى صار القانون السائد المسيطر، الحق هو القوة، والقوة هى الحق، فشاهت الأفكار، وتقطعت الأسباب. وصار ابن ادم ينقض ما أبرمته الفطرة، ويحل الرابطة الإنسانية الجامعة، وعجز العقل عن أن يحكم بين الناس، بل إنه اتخذ العقل مطية لتبرير الباطل، وتزييف الحق، والعبث بالميراث الإنسانى للنبيين من بعد إبراهيم وموسى وعيسى، وشوهت المفاسد تعاليم موسى وعيسى، وغيرهم من الأنبياء المرسلين، فالنصارى قد استسلموا لحكم الأباطرة وزكوه، بل أيدوه، وتفرقوا، وصار بأسهم بينهم شديدا، وأغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. فالملكانيون تحكموا فى اليعقوبيين، حتى نفروا منهم. واليهود شوهوا تعاليم موسى ﵇ فضربت عليهم الذلة والمسكنة، وصاروا مع فساد قلوبهم، لا وجود لهم إلا بمعونة قوى يريد أن يكون غالبا لهم ولغيرهم، وتسربلوا سربال العداوة لبنى الإنسان جميعا، إذ يعطون لأنفسهم من الصفات العقلية، والمزايا الدينية ما ليس فيهم وينكرونه فى غيرهم، حتى زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم شعب الله المختار، وزعموا لغيرهم المنزلة الدون، وكانوا يقولون عن العرب الذين نكبوا بمعاشرتهم.. لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ.. «١» ، فهم يأخذون منهم بالحق والباطل، ولا يعطونهم شيئا لأنه لا سبيل لهم بحق، ولا بغيره. ٢- وكان الأقربون والأبعدون، والقاصون والدانون فى اضطراب فكرى، وعجز العقل البشرى عن أن يحل مشاكل هذا الوجود. فتاه العقل فى معرفة أصل الوجود، ولم تستطع الفلسفة الأيونية أن تحل مشكلة أصل الوجود، ولا أن تصل إلى منشئه، مما أثبت أن العقل مهما يؤت لا يستطع أن يفسر سر الظواهر، فهو يعرف مظاهر الأشياء، ولا يعرف الأسرار المستكنة الباعثة، يعرف مظاهر الحرارة والكهرباء ولا يمكن أن يعرف ما يحركها، إلا إذا اتجه إلى معرفة المؤثر من الأثر، والمنشىء مما أنشأ. ولكنه- وقد غمر بالمحسوسات، ومظاهر القوى، دون أن يعرف مصدرها، عمى عن الأصل وشغل بالفرع، فتاه فى هذه السماء، وصار فى عمياء، لا يعرف المبتدأ وإن عرف مظاهره. ومع ظهور الأديان السماوية، واختتامها بالإسلام لا يزال العقل، وهو مأسور بما يحس، لا يعرف ماوراء المحسوس، وكل ما تراه من سيطرة العقل ونفاذه لا يتجاوز المظاهر واستخدامها، وهو يجهل باعثها، ولا يعرف منشئها إلا إذا كان ينفذ من المظهر إلى المنشئ المكون.

стр. 6

وإنه لا يمكن معرفة الكون على حقيقته إلا بالإيمان بمن أنشأه، وإن الأديان السماوية تدعو إلى معرفة المنشىء مما أنشأه، ومعرفة الخالق من المخلوق، فهى تدعو إلى دراسة الخلق لمعرفة من أنشأه. تدعو إلى دراسة الكون، وتعرّف مظاهره لمعرفة من وراء هذه المظاهر، ولم يكن ذلك شأن الدارسين للكون فى الماضى، ولا من يدرسون مظاهره المجردة فى الحاضر، وإنما يهمنا الماضى الذى كان قبل محمد ﷺ ، وما كان عليه الوجود. ٣- تلك كانت حال العقيدة فى الفلسفة الأيونية، والفلسفة اليونانية التى ورثتها، ولما جاء سقراط زعيم هذه المدرسة وكبيرها، أراد أن ينزل بالفلسفة من السماء إلى الإنسان، ودعا إلى ترك البحث عما وراء الطبيعة ومظاهرها، وأراد أن يعمل ما يجدى وما ينفع فى السلوك الإنسانى، بدل أن يهيم فيما وراء الطبيعة من غير هاد يهدى، ولا مرشد يرشد. أخذ يدرس نظام التعامل الإنسانى، ومقياس الفضيلة الذى يميزها عن الرذيلة، ليميز به الحق من الباطل، وخطأ السلوك واستقامته؛ ليعرف ما هو فاسد وما هو صالح. ودعا إلى ذلك، واختلف هو وتلاميذه، فمن قائل إن القياس هو المعرفة وهو ما اختاره سقراط، ومن قائل إنه الحكمة والعدالة والشجاعة والعفة. والفضائل كلها ترجع إلى هذه العناصر، وقد اختار ذلك أفلاطون، ومن قائل إنه اللذة أو المنفعة، فما هو نافع، ولو نفعا شخصيا فهو خير، وما لا نفع فيه فهو شر، ومن قائل إن الخير وسط بين رذيلتين. وهكذا كانت المتاهات العقلية فى إدراك أسس التعامل الإنسانى، كالحيرة فى معرفة العقيدة الصحيحة، فالعقل لم يستطع أن يصل إلى قانون التعامل المستقيم، كما لم يصل إلى إدراك سر الوجود، بل كان يهيم فى نظريات من غير أن يصل إلى حقائق ثابتة. وفى وسط ذلك الديجور ظهرت السوفسطائية التى تشكك فى حقائق الوجود، فمنهم من أنكرها، ومنهم من شك فى كل شىء، ومنهم من قال إن الحق فى الأشياء هو ما يعتقده كل امرىء فى ذات نفسه، وتسمي العندية، فليس للأشياء حقيقة، وإنما الأمر فيها إلى اعتقاد وجودها. وهكذا كان الضلال المبين بسبب الاعتماد على العقل المجرد فى وسط تلك الفلسفة التى لا تهدى، بل يضل فيها الفكر، كما يضل السارى فى ظلمات الليل. المجوسية: ٤- ولو غادرنا اليونان ومن سبقوهم إلى الفرس ومن وراءهم فإنا واجدون عجبا، فإنا نجد بجوار الفلسفة اليونانية التى سرت إليهم فلسفة أخرى، أرادت أن تنظم التعامل الإنسانى وتحل مشكلة أصل

стр. 7

الوجود بأوهام توهموها، وأساطير اكتتبوها، فكانت الزرادشتية التى تفرض أن الوجود له إلهان إله الخير وإله الشر، وأن كليهما يتنازع النفس الإنسانية والكون وما فيه. وإن هذا- بلا ريب- باطل لا أصل له من دين، ولكن قد يقال إنه تحريف لدين سماوى، كان يدعو لعبادة الله تعالى واحده، ولا مانع من ذلك عقلا، وقد وجد فى بعض كتب ذلك بقايا تبشر بمحمد ﵊، وقد قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ «١» . ولكن نجد بجوار ذلك مذهبا اجتماعيا خطيرا يدعو إلى القوة، وأنه لا عبرة بالضعفاء، وأنهم لا يصلحون للبقاء، فالحق مع القوى دائما، والباطل مع الضعيف دائما، فقانون الحياة يعمل للأقوياء على الضعفاء، ويجب أن يبقى الأقوياء، وأن يفنى الضعفاء، فلا إيمان بالعدل، وإنما الإيمان بالقوة. المانوية: ٥- ثم كان بفارس أيضا مذهب يحسب أن الوجود الإنسانى كله شر يجب ألا يبقى، بل يجب العمل على إفناء الإنسان، وهو مذهب (مانى) وعقيدته تسمى المانوية، فهو مذهب يدعو إلى الفناء. ولذلك يمنع الزواج، حتى لا يكون تناسل، وينتهى ذلك الإنسان الذى اعتبر وجوده لعنة فى الأرض، ومادام الإنسان فى الإنسال مستمرا، فإن اللعنة الإنسانية مستمرة، وكأنه يحسب أنه نزل إلى الأرض بخطأ ارتكبه أبوه، فالخطيئة باقية بوجوده. المزدكية: ٦- وبعد ذلك جاء المذهب المخرب، كان مذهبا اخر يحل الواحدة الإنسانية، والعلاقة الفاضلة، وهو مذهب (مزدك) الذى انتشر فى فارس، وأساسه إباحة النساء، فلا زواج ولا ارتباط، بل يسافد الإنسان كما يسافد الحيوان من غير أى قيد من رابطة حافظة للأنساب، وراعية للطفولة المقبلة، كما أباح الأموال، فلا ملكية تحمى إنسانا، من إنسان، بل كل الأموال مباحة للجميع من غير أى نظام، فهو يمنع القيود فيها كما يمنع القيود فى النساء. وجملة هذا المذهب أنه يبيح الانطلاق من كل قيد، كما أن الحيوان فى البادية أو الغابة منطلق، لا يقيد إلا بقوة غير التى ترسم له حدا لا يتعداه. والوهم الذى قام عليه ذلك المذهب أنه زعم أن الشحناء والبغضاء تتوالدان من احتياز النساء بالزواج أو نحوه، واحتياز المال بالملكية، ويحسب أنه إذا زالت روابط الزوجية، وزالت الملكية للأموال يكون الناس فى

стр. 8

سلام دون خصام، وياليته اعتبر الإنسان كالحيوان لأنه مع زوال الملكية والعقود الرابطة للعلاقة بين الذكر والأنثى فى الحيوان لم تزل القوة الغالبة والافتراس بين الحيوانات المتحدة فى الجنس والأرومة والمختلفة القوة والقدرة على التسلط والعدوان. ومهما يكن فقد انتشر ذلك المذهب فى فارس، وضاعت الأنساب، واعتنقه بعض الأكاسرة، وساد وسار مدة حكم هذا الكسرى. ولكن زال ملكه، قبيل مبعث النبى ﷺ ، فانظر كيف تأذّى بهم ما سمّوه حكم العقل. البراهمة: ٧- ولو أننا تجاوزنا فارس إلى ماوراءها من أرض المشرق، فإنا واجدون الهند، وما فيها، وهنالك نجد ديانة تقوم على التفرقة الإنسانية بين الطبقات، فالناس ليسوا سواء فى الحقوق والواجبات، بل يقرر دين البراهمة التفرقة بين الناس من حيث العبادة والزلفى لبراهما، إلههم الأكبر؛ فقد انقسم الناس من حيث مهنهم التى تتوارث، والتى تصير المهنة عندهم أصلا نسبيا ينتقل من الأصول إلى الفروع، ومن الفروع إلى فروعهم فقسموا إلى أربع طبقات: [طبقات الناس في عقيدة البراهمة في المجتمع الهندي] الطبقة الأولي: هى أعلاها وهى طبقة البراهمة ، وهم رجال الدين الذين يبينون أحكامه، ويزعمون أنهم خلقوا من رأس إلههم (براهما) ولذلك كانوا أعلى الناس، لأنهم خلقوا من أعلى الإله. وهم فى زعمهم خلاصة الجنس البشرى، وعقله المتفكر، ورأسه المدبر، لأن الرأس عنوان ذلك كله، فهم علاوة الجسم. الطبقة الثانية: طبقة الجند ، ويزعمون أنهم خلقوا من مناكب إلههم (براهما) ويديه، وهم لهذا الحماة والغزاة وموطن القوة. ومرتبتهم دون مرتبة البراهمة، وهى تليهم مباشرة. الطبقة الثالثة: طبقة الزراع والتجار ، وهم مخلوقون من ركبتى إلههم، والمسافة بينهم وبين الطبقة السابقة لها كبيرة، وهى قريبة من الطبقة التى تليها مباشرة لتقاربهما فى التكوين والخلق. الطبقة الرابعة: طبقة الخدم والرقيق، وهؤلاء خلقوا فيما يزعمون من قدمى إلههم فهم أحط الطبقات، وأبعدها، لأنها البعيدة عن رأس (براهما) . وهناك دون هذه الطبقات طبقة أبناء الزنى والمحرومين أو المنبوذين، والذين يتناولون الأعمال الحقيرة فى المدن، ويسمون من ليسوا من الهنود (أبليج) ومعناها أنجاس، فكل من ليس هنديا نجس.. ويلحق بتلك الطبقة من المنبوذين.

стр. 9

ونجاسة أولئك ليست نجاسة معنوية فقط، بل هى نجاسة حسية فى زعمهم، حتى أن الأجنبى لو شرب من كوب ماء حطموه، وألقوا بحطامه فى الأرض. ويلاحظ فى هذه الطبقات أنها تتوارث، فلا يرتقى ابن طبقة إلى أعلى منها، ولا ينحدر من هو فى الأعلى إلى الأدنى. والفضائل تتفاوت بتفاوت الطبقات، ففضائل البرهمى أن يكون وافر العقل ساكن القلب صادق اللهجة، ظاهر الاحتمال، ضابطا لنفسه، مقيما للعدل، بادى النظافة، مقبلا على العبادة، مصروف الهمة إلى التدين. ويجب أن يكون الجندى مهيبا شجاعا، ذلق اللسان، سمح اليد، غير مبال بالشدائد، حريصا على لقاء الخطوب، وتيسيرها. ويجب أن يكون الزراع والتجار عاكفين عليها، يرعى الزراع شئون السوائم وتربيتها، ويقوم التاجر بشئون التجارة، ومعرفة الأسواق، وما تتقاضاه الخبرة من صفق فى البياعات والتمرس بشئونها وتعرف أحوالها. ويجب أن يكون الخدم والأسارى والأنجاس مجتهدين فى الخدمة، والتحبب إلى الناس، لأن ذلك أليق بما ينبغى أن يكونوا عليه من اداب، وهذا الذى يتفق مع أعمالهم فى الجماعات. ويقول أبو الريحان البيرونى فى كتابه (ما للهند من مقولة، مقبولة فى العقل أو مرذولة) بعد بيان الطبقات ما نصه: «وكل من هؤلاء إذا ثبت على رسمه وعادته نال الخير فى إرادته إذا كان غير مقصر فى عبادته غير ناس فى جل أعماله، وإذا انتقل عما عهد إليه إلى ما عهد إلى طبقة أخرى- كان اثما بالتعدى» . هذه نظم وعبادة فيها وثنية، وإذا ضربنا صفحا عن الوثنية فيها واتجهنا إلى النظم العملية، فعجب كيف يقبل شعب مهما تكن درجة التفكير فيه تلك الطبقية المقيتة، ويسير عليها على دين واجب الطاعة، ومن أجل هذه الطبقية كان التأخر النفسى والاجتماعى. هل للبرهمية أصل سماوى: ٨- لا شك أنه لا يوجد فى دين سماوى التفرقة الطبقية التى يعتبرها البراهمة فى القديم فى ضمن دينهم الذى انتشر بها قبل المسيح، ولا تزال بقاياها قائمة، وإن خفت حدتها بفعل الزمان، وبطبيعة الاتصالات الإنسانية العامة، وشيوع فكرة المساواة بين الناس علما، وإن كان العمل لا يزال يتخاذل عن تعميم المساواة بين الناس بحكم الخضوع المزعوم لقضايا العقل الذى يحسبون أنهم يطبقونه.

стр. 10

ولكن يفيد كلام أبى الريحان البيرونى احتمال أن يكون لأصل البرهمية رسالة سماوية، ويرجح هذا الاحتمال بدليلين ينشأ عنهما، وبهما يكون احتمالا ناشئا عن دليل، ولمثل هذا الاحتمال قوة فى الاستدلال. [الأدلة على سماوية الأصل البرهمي] أولهما: أن الرسل المذكورين فى التوراة والقران ليسوا هم الرسل واحدهم، بل يوجد غيرهم، فقد قال تعالى: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ «١» ويقول : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ «٢» فوجود ديانة سماوية بين الهنود الذين كانت فيهم ثقافة وإدراك أمر راجح، بل أمر يقارب المقطوع به بمقتضى النصوص القرانية. ثانيهما: ما يذكره أبو الريحان البيرونى فى كتابه (ما للهند من مقولة، مقبولة فى العقل أو مرذولة) من أن خواص الهنود مواحدون، وأن عوامهم هم الذين دخلت الوثنية فى مزاعمهم، فهو يقول فى هذا المقام: «اعتقاد الهند فى الله أنه الواحد الأزلى، من غير ابتداء ولا انتهاء، المختار فى فعله القادر، الحكيم المحيى المدبر المنفرد فى ملكوته عن الأضداد، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شىء. ولنورد لك شيئا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشىء المسموع فقط: قال السائل فى كتاب ياتنجل: من هذا المعبود القوى؟ قال المجيب: هو المستعالى بأزليته وواحدانيته عن فعل لمكافأة عليه براحة تؤمل وترتجى، أو شدة تخاف وتتقى، والبرىء من الأفكار، لتعاليه عن الأضداد المكروهة، والأنداد المحبوبة، والعالم بذاته سرمدا. إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم، وليس الجهل بحجة عليه فى وقت ما أو حال. ثم يقول السائل بعد ذلك: فهل له من صفات غير ما ذكرت؟ فيقول المجيب: العلو التام فى القدر لا فى المكان، فإنه يجل عن التمكن، وهو الخير المحض التام، وهو العلم الخالص عن دنس الهوى والجهل. قال السائل: أفتصفه بالكلام أم لا. قال المجيب: إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم.. قال السائل: فإذا كان متكلما لأجل علمه فما الفرق بينه وبين العلماء الذين تكلموا من أجل علومهم. قال المجيب: الفرق بينهم وبينه هو الزمان، فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين، ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم، فكلامهم وإفادتهم فى زمان، إذ ليس للأمور الأزلية بالزمان اتصال، فالله عالم متكلم فى الأزل، وهو الذى كلم براهما وغيره من الأوائل على أشكال شتى، فمنهم من ألقى إليه كتابا، ومنهم من فتح الواسطة بابا، ومنهم من أوحى إليه، فقال بالفكر ما أفاض عليه. قال السائل: فمن أين هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله فى الأزل، وإذ لم

стр. 11

يجهل قط فذاته عالمة، لم تكتب علما لم يكن له، كما قال فى فيد الذى أنزل على براهما: احمدوا وامدحوا من تكلم بفيد. وكان قبل فيد، قال السائل: كيف نعبد من لم يلحقه الإحساس؟ قال المجيب: تسميته تثبت إنيته، فالخبر لا يكون إلا عن شىء.. والاسم لا يكون إلا لمسمى، وهو إن غاب عن الحواس فلم تدركه، فقد عقلته النفس، وأحاطت بصفاته الفكرة، وهذه هى عبادته الخالصة» . هذه نقول البيرونى فى كتابه عن الكتب المقدسة الهندية، وهو يدل على ثلاثة أمور: أولها: أن هذه الكتب تدل على واحدانية الله ، وتنزهه عن مشابهة الحوادث، فهو ليس كمثله شىء وهو السميع البصير العالم المتكلم، والمتصف بكل كمال، لا يتلاقى فيه مع صفات أحد من البشر. فواحدانيته فى الخلق والتكوين، وصفاته العلية، وخلوصه سبحانه بالعبودية لا ريب فيها فى كتب البرهمية الأصلية. الأمر الثانى: أن الرسل جاءت إليهم، وقد ذكر أن النصوص الدينية فى التوراة والإنجيل والقران، لا تمنع ذلك بل إنها تؤيده، كما تكون من الايات الكريمات. وإن براهما- لم يكن إلها، ولا شىء فيه من الألوهية إلا أنه كان رسولا من عند الله تعالى. والعبارات التى نقلها لنا البيرونى من كتبهم صريحة فى ذلك صراحة مطلقة. الأمر الثالث: أن هناك كتابا منزلا تلقاه براهما من ربه، من غير نظر إلى كون ذلك الكتاب حرف فيه الكلم عن مواضعه كما حدث للتوراة والإنجيل، أم لم يحرف، والراجح أنه حرف لتقادم العهد، بدليل أنه وجد عندهم تشبيه ونحل لبراهما وصف فيها بالإله، لا وصف الرسول عند عامتهم. كتبهم: ٩- للبراهمة كتب كما دلت على ذلك عبارات البيرونى، وأقدم ما عرف من كتبهم الفيدا، ولم يعرف المؤرخون عصره على وجه التحقيق والضبط، وأقصى ما تأكد لديهم أن الفيدا كانت موجودة قبل القرن الخامس عشر قبل ميلاد المسيح ﵇، فقد كانت مع الفاتحين الاريين على أنها من أصول ديانتهم.. والفيدا مجموعة من الأشعار ليس فى كلام الناس ما يماثلها فى نظرهم، ويقول جماهيرهم: «إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها» ويقول البيرونى أن خاصتهم يقولون أن فى مقدورهم أن يأتوا بمثلها ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراما لها. ولم يبين البيرونى وجه المنع: أهو منع بمعنى التحريم، بمعنى أن فى استطاعتهم أن يأتوا بمثلها ويتجهوا إلى ذلك، ولكنهم كلفوا ألا يأتوا، أم أن هذا المنع إنما

стр. 12

هو صرف لهم عن أن يأتوا بمثلها، فهم قادرون على أن يأتوا، ولكنهم صرفوا عن ذلك كما يقول بعض الجهلاء فى إعجاز القران منحرفين فى دينهم؟ لم يبين لنا البيرونى أى الوجهين أراد بالمنع. لئن أراد الأول، وهو منع بالتحريم وذلك لا يقتضى الامتناع، فقد يكون من بعض المكلفين من يعصى، فيأتى بمثلها، أو يزيد عليها، لأن الناس ليسوا معصومين عن المخالفة، ولا أحد من البراهمة يعتقد جواز وجود أمثالها، ولذلك نرجح أن يكون الامتناع فى زعمهم بصرفه، ونكتفى من الإشارة إلى كتبهم بهذا القدر. البوذية: ١٠- بعد أن حرفت البرهمية وجعل الناس فى عقيدتها طبقات كان لابد أن يكون من بينهم من يغيّر، ولا يرضى بهذه الطبقات، ولذلك ظهر من بينهم من لا يرضى وهو من رجال الطبقة الأولى، وبلغ أقصى الغاية فيها، وهو بوذا، الذى ولد سنة ٥٦٠ قبل المسيح ﵇، وكانت دعاية بوذا تخفيف ويلات الإنسانية التى أرهقها نظام الطبقات. ولقد اتجه فى سبيل تخفيف ويلات الإنسانية إلى الدعوة لتخفيف الحاجات وكف النفس عن الشهوات، وهذه الشهوات هى التى تشقى، فإذا كانت ويلات الناس تجىء إليهم من ناحية أهوائهم وشهواتهم، واتساع مطالبهم، والرغبة فى المزيد منها، فإن تخفيف ويلات الحياة يكون بتربية النفس على الاستغناء عن أكثر مطالبها. والاكتفاء بالقليل ومجانبة الأهواء والشهوات. فإنها هى التى تجعل النفس طلعة، تحب اللذائذ وإن كانت عاقبتها سيئة، فكان من الواجب السيطرة على الأهواء. وقد وضع منهاجا للتربية النفسية، الخط الأول منه يبدأ باجتناب الأهواء، والاتجاه إلى الأمور بقلب سليم منها، فإن النفس تشرق، ويكون إدراكها سليما، ثم يكون من بعد ذلك الاعتقاد سليما، ومن بعد الإدراك يكون النطق الصادق. ثم العمل القويم، ثم السلوك الحسن، ثم الجماعة التى تقوم على الأخلاق. [مبادىء بوذا الخلقية] ويقرر مبادىء خلقية، فهو يقول فى النهى عن أمور عشرة: ١- لا تقتل أحدا. ٢- لا تسرق ولا تغضب، ولا تأخذ ما لا لم يقدم إليك. ٣- لا تكذب، ولا تقل قولا غير صحيح. ٤- لا تشرب خمرا، ولا تتناول مخدرا. ٥- لا تزن ولا تأت بأى أمر يتصل بالحياة الجنسية يكون محرما.

стр. 13

٦- لا تأكل طعاما لم ينضج. ٧- لا تتخذ طيبا، ولا تكلل رأسك بالزهر. ٨- لا ترقص، ولا تحضر مرقصا، ولا حفل غناء. ٩- لا تقتن فراشا وثيرا، فلا تقتن أرائك وطنافس، ولا وسائد ولا حشايا رافهة. ١٠- لا تأخذ ذهبا ولا فضة. وإن هذه المبادىء البوذية فيها عيب، وهى ناقصة. أما عيبها، فإنها لا تعتمد على عقيدة موجهة، بل يروج عن بوذا أنه أنكر أن يكون ثمة إله منشىء للوجود، ولهذا شاعت عبادة الأوثان فيمن جاؤا بعده، فلم تنق قلوبهم، لأنه لم تسلم عقيدتهم، وكانت وهما من الأوهام ضل فيها العقل، ولم يهتد إلى سواء السبيل. ويضاف إلى هذا عيب اخر، وهى أنها تزهد فى الحياة، وتمنع الانتفاع بخيراتها. فكأنما مباهج هذه الحياة، إنما خلقت لكى ترى وتشتاق النفوس لها، ثم تحرم على الإنسان. وأما النقص فلأن فضائلها سلبية، هى نهى لا طلب، ومنع لا التزام، فالخير فيها لا يطالب به، ولكن يتجنب الشر. إن الفضائل الإنسانية تتكون من عنصرين، عنصر إيجابى وهو تقديم النفع الإنسانى والقيام بحق الإنسان على أخيه الإنسان، والاتصال بالتعاون بين الناس بعضهم مع بعض، وذلك هو العنصر القوى فى الفضيلة، والعنصر الثانى الامتناع عن الإيذاء، وهذا هو العنصر السلبى، وهو الأدنى، والأول هو اللباب، وهو الخير الحقيقى، بل إنه يمنع غيره، فإن النفع يمنع بعض الأذى، فإذا اقتصرت البوذية على السلب نقص معنى الكمال فيها. وإن تكاليف البوذية قد يستطيع تنفيذها الخواص، ولا يمكن أن يكون تنفيذها عاما، والمذاهب لا يلاحظ فى تطبيقها الخاصة، بل لابد أن يكون تطبيقها عاما، وهى كالمذاهب الصوفية يطبقها الشيوخ، ويقاربهم المريدون، ولا يمكن أن تكون نظاما عاما يطبقه الجميع. [أقسام البوذيين] ولهذا لم يطبقها الجميع، بل انقسم البوذيون أنفسهم إلى قسمين: (أحدهما) البوذيون الذين أخذوا أنفسهم بالتعاليم السابقة لا يحيدون عنها، وقيدوا أنفسهم بأنواع من الأطعمة، وحرموا غيرها، ولا يختارون للباسهم إلا الخشن من الثياب، لما راضوا أنفسهم عليه من ترك لذات الحياة لتكون الحياة تحت سيطرتهم، ولا يخضعوا لسلطانها.

стр. 14

(ثانيهما) البوذيون المدنيون، وأولئك لم يطبقوا المنهاج الشاق ، فاختاروا لأنفسهم طريقا وسطا ليس فيه إفراط فى اللذائذ، ولا شدة فى تركها. أخذوا ببعض الأخلاق البوذية من تواضع وصدق وأمانة، ونالوا بعض الملاذ التى لا تعقب ألما، ولم يندفعوا فى اجتراح الشهوات، حتى لا يصابوا بالام الحرمان إن لم يستطيعوا. وخلاصة القول أنهم أخذوا من المبادىء السلبية المبادىء الخمسة الأولى، وهى ألا يقتلوا، ولا يسكروا، ولا يكذبوا، ولا يزنوا، وتركوا الباقيات من المنهيات، فلم يحرموها على أنفسهم. ولقد كان ذلك الانقسام سبيلا لأن يكثر المدنيون، ولأن يوجد فريق لا يأخذون بشىء من هذه المبادىء بل يتركونها وراءهم ظهريا. وبذلك ضعف العقل واحده عن أن ينشىء دينا امرا وناهيا. الكونفوشيوسية: ١١- وإن البوذية التى ولدت فى الهند كان أكثر تابعيها فى الصين لا فى الهند، وقد انتقلت إليها وثنية، كما كانت فى الهند، واقترن بها ما ليس منها، وانحرفت العقول. ولكنها إذا انتقلت إلى الصين قد احتضنتها بيئة امتازت من بين البيئات بالوثنية والتمسك بكثير من المبادىء العملية التى تتفق مع قانون الأخلاق إلى حد كبير، ولكن لعدم اعتمادها على عقيدة قوية، كانت فى قلوب شاغرة، وإذا سكنت المبادىء فى قلوب شاغرة عن الإيمان جف عودها، ولم تقو على البقاء. كان فى الصين فيلسوف يسمى فى لغة الفرنجة كونفوشيوس، وهو تحريف لاسمه الأصلى فى الصين، وهو «كونج فوتس» ، وقد أخذ ذلك الفيلسوف بالمذهب البوذى، ولكنه أخذ بمبدأ البوذيين المدنيين، وكان مذهبه ليس دينا يتبعه، ولكنه إصلاح يدعو إليه. ومع وجود المنهج العلمى فى إصلاح كونج فوتس نجد بجواره فيلسوفا كان أسنّ من كونج فوتس إذ أن هذا ولد سنة ٥٥١ قبل الميلاد، أى أنه يعاصر بوذا، والفيلسوف الاخر واسمه لوتس، كان يكبر الأول بنحو خمسين عاما، ومذهبه هو الاعتزال أو أن ينجو بنفسه ومن يتابعه من المفاسد. وقد التقى الفيلسوف الشاب كونفوشيوس الذى يرى أن مبادىء الأخلاق يكون أساسها النفع الإيجابى، لا الاعتزال السلبى، بالشيخ لوتس الذى لا يرى إلا الاعتزال السلبى، فتحاورا.

стр. 15

قال الشيخ للشاب: «إن الخير ليس في محاولة إصلاح المجتمع الفاسد بالعمل والاختلاط، إذ أن الاختلاط يفسده، بل الخير كل الخير في الزهادة والقناعة والاعتزال، والتسامح، ومقابلة السيئة بالحسنة، وهي العفو» . قال الشاب للشيخ: «إذا كان واجب كل شخص من احاد الأمة أن يعتزل في كهف من الكهوف فمن الذي يبقي في المدن يعتمرها، وفي الأرض يفلحها ويزرعها، وفي الصنائع يمهر فيها، ومن الذي ينسل ويعمل ليبقي الكون عامرا ببني الإنسان؟ وإذا كان الاعتزال مقصورا علي الحكماء، والفضلاء، فمن الذي يربي الإنسان ويؤدبه، أم يترك الناس حائرين بائرين لا هادي ولا مرشد» . عقيدة الصين القديمة: ١٢- ومهما تكن اراء كونغ فوتس من الحكمة والصواب فقد اختلط بها ما ليس سائغا، فقد كان يعتقد بالهة، وبأن السماء مرتبطة بالأرض، فيصلح الكون إذا صلح الإنسان، ويفسد بفساده، لقد كان كونج فوتس يعتقد ما يعتقده الصينيون القدماء. وأساس هذا الاعتقاد أنهم يعبدون ثلاثة أشياء: السماء، والأرواح المسيطرة على ظواهر الأشياء، (الملائكة) ، وأرواح الاباء. والسماء التى يعبدونها لا يقصدون بها تلك القبة الزرقاء، بل يقصدون الأفلاك ومداراتها، والقوى المسيطرة التى تسيطر عليها وتسيرها فى مدارتها. وباتصالها بالأرض والرياح والأمطار تنبت الأرض، وكانت عبادتهم للسماء لاعتقادهم أنها عالم حى يتحرك حسب نظام دقيق محكم، وللسماء السلطان الأكبر على العالم، إذ أن كل ما فيه من قوى مسيرة خاضع لسلطان السماء. وظاهر كلامهم أنهم لا يفرضون للكون- سمائه وأرضه- قوة منشئة مغايرة هى المدبرة والتى تحفظ العالم، وتحول قواه، فهم بذلك يعدون منكرين لله الواحد الأحد الفرد الصمد، وعلى ذلك يكون الأساس الذى بنيت عليه عقيدتهم باطلا. وهم يعتبرون التحول والتغير فى الكون على حسب مداركهم، وعلى أساس عقيدتهم السقيمة، فهم يرون أن العالم قسمان مادى وروحى وأن الروحى، هو الذى يسير المادي، فهم بهذا يرون أن المنشيء من ذات الكون لا من قوة فوقهم، وبذلك يتقاربون من الفلسفة الأيونية. ومع أنهم لا يؤمنون بالواحد الأحد المنفرد بذاته عن المشابهة يؤمنون بالقضاء والقدر، ويرون أن السماء هى التى تقدر وتقضي، فلا مفر من حكمها فى زعمهم، ولا خلاص من سلطانها فى اعتقادهم.

стр. 16

ويؤمنون بأن الأحكام القدرية مرتبطة هى والأمور الكونية، بالأخلاق الإنسانية، فإذا كانت الأخلاق مستقيمة استقام الكون، وإذا فسدت اضطرب، فكلما كان الاعتدال والانسجام والعدالة بين الناس استقام الكون ولا يضطرب. وما الزلازل وما خسف الأرض وكسوف الشمس وخسوف القمر إلا من فساد الأخلاق، وعدم استقامتها. وهى أمارات على ذلك، وإذا كان السلوك غير القويم يحدث الاضطراب، فالسلوك القويم يجلب الخير، والبركات، ويجعل كل ما فى الكون يجيء على ما يحبه الإنسان ويرضاه. وعلى ذلك يكون المؤثر فى الكون ثلاثة: أولها: السماء بسلطانها، والأرض بقبولها لحكم السماء، والإنسان بإرادته الخلقية. فإن اختار خير الأخلاق وأفضلها واتجه إليها فإن مظاهر الكون تكون لخير الإنسان. فالجو يمتليء بالنسيم العليل، والحرارة المنعشة غير اللافحة، والغيث المحيى لموات الأرض من غير أن يخرب العمران، ويصير غيثا، وتكون الشمس المشرقة، والنهار المبصر والليل الساجى. ١٣- وبذلك نجد أن العقيدة الصينية فاسدة، والخلق الصينى قوي، والإرادة الصينية قويمة ولكنها قائمة على عقائد فاسدة، وما يقوم على الفاسد لابد أن ينهار، إذ هو قائم على شفا جرف هار، غير مستقر ولا ثابت الدعائم. وإذا كانت الفلسفة اليونانية ووليدتها الرومانية قد عجزتا عن تكوين حكم خلقى له مقياس ثابت لا يتغير بتغير الأعراف ولا بتغير الأماكن والأزمان، فإن الصين قد وصلت إلى حكم عملى حسن فى جملته يتجه إلى الخير فى غايته. ولكنه لم يقم على دعائم ثابتة من إيمان، خالية من الأوهام، وعقيدة بعيدة عن الأخيلة غير المحققة ولا الثابتة. إن العقيدة الصالحة هى التى توجد الأخلاق الثابتة، وهى التى توجد المجتمع الفاضل الذى يريد الخير بدافع من إيمان ثابت الدعائم قوى الأركان. ١٤- وننتهى من هذا السياق الذى انتقلنا فيه من اليونان والرومان سائرين إلى الشرق الأدنى فالشرق الأقصى- إلى أن العالم كله فى الفترة التى كانت قبل المسيح وخاتم النبيين محمد ﷺ ، كان يموج فى مضطرب فسيح من الاراء والمنازع المتناحرة. وإنه فى الوقت الذى كانت الوثنية تضيق فيه ذرعا بالواحدانية التى جاء بها موسى وخلائفه، وجاء بها عيسى وحملها حواريوه- كان الشرق الأقصى بعيدا عن هذه الدعوات إلى الواحدانية، فكانت فيه

стр. 17

مجوسية الفرس، ووثنية الهندوس، وظلم الطبقات، ثم كان من وراء ذلك عبادة الأفلاك والنجوم والأرواح فى الصين. كان العالم إذن يموج بفساد الفكر، وفساد العمل، واضطراب الحكم، وانقطاع الصلة بين الحاكم والمحكوم، وسيطرة الأقوياء على الضعفاء، وقد اشتد الطغيان. وثنية اليونان والرومان: ١٥- وبجوار تلك كانت أوروبا تعيش فى ظلمات الوثنية، وكان غربها من الوندال والسكسون قبل المسيح يعيشون فى جاهلية عمياء، لم يكن فيها هاد ولا مرشد، كما تعيش بعض القبائل فى مجاهل أفريقية، ولا فرق بينهم إلا فى اللون، فأولئك بيض وهؤلاء سود ولكن الفعل واحد، والوحشية متقاربة، ولعل البيض أغلظ أكبادا، وأقسى قلوبا. ١٦- ولما جاءت المسيحية جاءت إليهم بعد أن شاهت، واعتراها التغيير والتبديل، وذلك لأن الفلسفتين اليونانية والرومانية من بعدها عجزتا عن إصلاح الأخلاق، وبث الاطمئنان فى القلوب، والرضا فى النفوس، فكان لابد من دين يقود العقل إلى ما فيه خير العباد. وقد فقدت الأوثان قوة تأثيرها فى الجماعات، إذ أن الفلسفة قد أيقظت العقول، وإن لم تهدها، وحركت الأفهام ودفعتها إلى التفكير، وإن لم تهدها إلى الصراط السوى الذى يسلكه من يستضيء بنورها واحدها، فكان لابد من دين بجوارها، وخصوصا أن المدائن الرومانية لم يكن فيها التناسق الاجتماعى الذى يجعل كل إنسان يرضى بما قسم له من حظ. إن التاريخ يحكى أن توزيع الثروة فى الدولة الرومانية لم يتحقق فيه العدل الاجتماعي، فبينما ترى الترف فيمن أفاءت عليهم الدولة بالغنائم والأسلاب من الفتوح الرومانية ترى ألوف الألوف من الناس قد حرموا ما يتبلغون به فى حياتهم، فاستولى عليهم الإحساس بالظلم، والناس لا يشقون بالام ذاتية وحرمان ذاتى بمقدار ما يشقون لسعادة غيرهم التى امتنعت عليهم، وكذلك كانت الالام فى سواد الرومان، ولولا بقايا من الصبر عندهم لانفجروا فى ثورات ما حقة لا تبقى ولا تذر. مزج الفلسفة بالدين: ١٧- وفى هذا الوقت أرادوا أن يمزجوا الفلسفة بالدين أو يحلوا الفلسفة محل الدين، إذ أخذت التماثيل تفقد قوتها، ولم يعد لها سلطان فى التأثير فى نفوس الشعوب، وفقدت معابد الأوثان ما كان لها من روعة، ولقد كان يعتور النفس الرومانية حينئذ عاملان قويان كلاهما فيه شدة وبأس، فشعورهم بالبأساء

стр. 18

والالام يجعلهم فى حاجة إلى عزاء من الدين، وسلوى بالجزاء فى يوم اخر غير يوم الشقاء الذين يعيشون فيه، والعامل الثانى الذى أضعف هذه السلوى هو أن الالهة التى تمثلوها فى الأوثان فى زعمهم قد فقدت قوة تأثيرها. وقد أرادت الفلسفة أن تحل محل الأديان، ولكنها لم يكن لها تأثيرها، فاتصلت بالأديان والتقت بها التقاء تعاون، وليس التقاء تخاصم وتناحر، كما كان الشأن بينهما. جاء فى كتاب (المباديء الفلسفية) «إن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذيب الاراء الدينية، وترتيبها والتقدم بها إلى الشعور الدينى اللجوج بفكرة فى العالم قد تقنعه. فأوجدت نظما دينية تتفق مع الأديان فى النظر فيما وراء المادة اتفاقا يختلف قلة وكثرة» . وهنا نجد الفلسفة اليونانية التى تسمى الأفلاطونية الحديثة تحاول الالتقاء بالديانتين اللتين كانتا بارزتين فى ذلك الإبان، وقد تخاذلت وثنية اليونان والرومان عن أن تقف واحدها فى الميدان، فأتى باراء فى خلق العالم تقرر أن منشيء الكون الجدير بالعبادة فى نظرها يشتمل على ثلاثة أمور: أولها- أن الكون صدر عن منشيء أزلى دائم لا تدركه الأبصار ولا تحده الأفكار ولا تصل إلى معرفة كنهه الأفهام. ثانيها- أن جميع الأرواح شعب لروح واحدة، وتتصل بالمنشيء الأول بواسطة العقل الذى صدر عن المنشيء صدور المعلول عن علته، فهما متلاقيان فى القدم. ويصبح التعبير عن المنشيء الأول بالاب وعن العقل بالابن، وإن كان أحدهما ليس متخلفا عن الاخر فى الزمان. ثالثها- أن العالم فى تدبيره وتكوينه خاضع لهذه الثلاثة. التثليث فى الفلسفة: ١٨- وخلاصة القول أن المنشيء الأول هو مصدر كل شيء، وإليه معاده لا يتصف بوصف من أوصاف الحوادث، فليس بجوهر، ولا بعرض، فليس بفكر كفكرنا، ولا إرادة كإرادتنا، ولا وصف له إلا أنه واجب الوجود، يتصف بكل ما يليق به، يفيض على كل الأشياء بنعمة الوجود، ولا يحتاج هو إلى موجد له. وأول شيء صدر عن هذا المنشيء فى نظر صاحب تلك المدرسة- وهو أفلوطين- هو العقل، صدر عنه كأنه متولد منه، ولهذا العقل قوة الإنتاج، ولكن ليس كمن تولد عنه.

стр. 19

ومن العقل انبثقت الروح التى هى واحدة الأرواح، وعن هذا الثالوث يصدر كل شيء، ومنه يكون التدبير والخلق. ويلاحظ أمران: أولهما- أنه التقت الأفلاطونية الحديثة مع الدين ، وصارا يضربان على نغمة واحدة هى نغمة ذلك التثليث، وهو ما اشتملت عليه النصرانية التى حالت إليها المسيحية التى تزعمها من تركوا ما دعا إليه المسيح ﵇. وبها تلتقى الفلسفة مع ذلك الدين، وتلتقى الوثنية التى تتعدد فيها الالهة وتكوّن منهما تلفيق متناسق أو غير متناسق، من غير نظر إلى كون هذا الامتزاج مزيجا قد اختفت فيه ظواهر العناصر الممتزجة فى مزاج واحد، أم لم تختف. الأمر الثانى- أن شيخ هذه المدرسة هو أمنيوس المتوفى سنة ٢٤٢ ميلادية ، اعتنق الديانة المسيحية الأولى التى جاء بها أتباع المسيح ﵇ فيما نظن، ثم ارتد عنها إلى وثنية اليونان الأقدمين. وجاء من بعده أفلوطين المتوفى سنة ٢٧٠ م. وقد تعلم فى مدرسة الإسكندرية أولا، ثم رحل إلى فارس والهند، وهناك استقى ينابيع الصوفية الهندية واطلع على اراء بوذا ومذهبه، وبراهمة الهند وديانتهم، وعرف اراء البوذيين فى بوذا، وقد رفعوه إلى مرتبة الإله، والبراهمة فى كرشنة، وقد رفعوه أيضا إلى مرتبة الإله، وقد عاد من بعد هذه الرحلة التى تزود منها بالزاد البرهمى والبوذى إلى الإسكندرية التى كانت مهد مدرسته المثلاثة على النحو الذى بيناه. ١٩- فى هذه الموجة الفكرية كان يعيش العالم فى القرن الثالث من مولد المسيح ﵇، وقد استمر ذلك الاضطراب الفكرى أمدا بعده، حتى جاء القرن السادس، وقد زادت المنازع وتخالفت المناهج، وانحل الفكر انحلالا شديدا فيما يتعلق بالاعتقاد. وانشقت النصرانية التى انحرفت عن تعاليم المسيح عيسى بن مريم على نفسها، فكان منها الملكانية وكان منها اليعقوبية، واشتد الخلاف بينهما، حتى انتقل الخلاف إلى عداوة فكرية ثم إلى عداوة تشبه العداوة الجنسية، وأغرى الله تعالى بينهم بالعداوة والبغضاء، وتفرقت النفوس والأفكار، وضعف الاعتقاد، وانحل الإيمان، فإنه كلما انتقلت العقائد إلى أن تكون موضع مجادلات تضعف، ويعرض لها الشك، وينتهى اليقين، وكذلك كان الأمر فى الأرض التى كانت تعتنق النصرانية فى القرن السادس، فى البلاد التى كانت تجاور الجزيرة العربية وفى الجزيرة نفسها.

стр. 20

٢٠- فالمسيحية إبان القرن السادس الميلادى قد ضعف الإيمان بها، لكثرة الجدل فيها، ولم تكن قد استقرت الأفكار حولها، واقتصرت على اتجاه معين من اتجاهاتها. فابتدأت أولا باضطهاد الوثنية لها، وتجسس اليهود على النصاري، واختفى المسيحيون فى أكنان من أرض الروم وفلسطين مستسرين بعقائدهم. وكلما ظهر فريق منهم قوبل بالاضطهاد، والأذى المرير، وتبارى فى ذلك ملوك الرومان، وقد جعلوا عمل أمرائهم الذين يرسلونهم هو ذلك الأذى ليئدوا ذلك الدين الجديد فى مهده، ويقبروه فى حجر ولادته. وقد تكاثرت المصادر الدالة على ذلك الاضطهاد، وقد جاء فى كتاب (تاريخ الحضارة) ما نصه «قد كتب بلين وكان واليا فى اسيا إلى الإمبراطور تراجان كتابا يدل على الطريقة التى كان يعامل بها المسيحيين قال: «جريت مع من اتهموا بأنهم نصارى على الطريقة الاتية، وهو أنى أسألهم إذا كانوا مسيحيين، فإذا أقروا أعيد عليهم السؤال ثانية وثالثة مهددا بالقتل، فإن أصروا أنفذ فيهم عقوبة الإعدام مقتنعا بأن غلطهم الشنيع، وعنادهم الشديد يستحقون بهما هذه العقوبة، وقد وجهت التهم إلى الكثيرين بكتب لم تذيل بأسماء من كتبوها، فأنكر المتهمون أنهم نصاري، وكرروا الصلاة على الأديان الذين ذكرت أسماءهم أمامهم، وقدموا الخمور والبخور لتمثال أتيت به عمدا مع تماثيل الأديان، بل إنهم شتموا المسيح، ويقال إنه من الصعب إكراه النصرانى الحقيقى على شتم المسيح، ومنهم من اعترفوا بأنهم نصاري، وكانوا يقرون بأنهم يجتمعون فى بعض الأيام قبل طلوع الشمس على العبادة، وعلى إنشاد الأناشيد إكراما للمسيح، وتعاهدوا بينهم لا على ارتكاب جرم بل على ألا يسرقوا ولا يقتلوا ولا يزنوا وأن يوفوا بعهداهم، ورأيت من الضرورى أن أعذب امرأتين ذكرتا أنهما خادمتا الكنيسة، بيد أنى لم أقف على شيء سوى خرافة سخيفة» . وقد كثر الاضطهاد، وكان نيرون يجعل من النصارى مشاعل تسير فى موكبه، إذ يطليهم بالقار، ويشعل فيهم النار. وتسير تلك الشعلة فى احتفاله بنفسه. وأوقع دقلديانوس بنصارى مصر أشد الاضطهاد، وأنزل بهم العذاب، وقتل فى مصر المسيحية التقتيل الذربع الماحق، حتى أنه اعتبر تاريخ ذلك العذاب هو ابتداء التاريخ القبطى. ٢١- وبعد زوال الاضطهاد ظهرت الخلافات على أشدها، فكانت بقايا الواحدانية تظهر على لسان أريوس، ومعه أكثر كنائس الشرق، وأكثر الكنائس فى فلسطين، وكثير من كنائس مصر. ولما أراد قسطنطين أن يدخل فى النصرانية جمع مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م وأعلن ثمانية عشر وثلاثمائة من المجتمعين ألوهية المسيح، فأخذ بقولهم مع أن المجتمعين ابتداء فى المجمع كانوا يبلغون ٢٠٤٨ أو يزيدون، ولكن أراد أن تتغير المسيحية إلى ما يقرب من الفلسفة والوثنية على أن يبقى اسم المسيحية وإن خلت من لبها، وهى الواحدانية التى تحارب الوثنية.

стр. 21

ثم توالت بعد ذلك المجمع الذى مال بالمسيحية عن معناها مجامع أخري، وأول مجمع عام انعقد بعد ذلك كان المجمع القسطنطينى الأول سنة ٣٨١ ميلادية وفيه أضيفت إلى مناصب الألوهية روح القدس لتتم عناصر الأفلاطونية الحديثة التى أشرنا إليها انفا. ولكن يظهر أن ألوهية المسيح التى قررها مجمع نيقية لم تكن قد استقرت فى الأذهان، فقد جاء من بعد ذلك نسطورس، واعتقد أن المسيح ابنا للإله بالحقيقة، إنما البنوة مجازية، إذ هو ابن بالنعمة والمحبة، لا بالألوهية، فاجتمع مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١، ليبطل قوله، ويكفروه كشأنهم فى كل من يجهر برأى. توالت من بعد ذلك الخلافات المفرقة، فمنهم من قرر أن مريم ولدت المسيح الإنسان ثم فاضت عليه البنوة الإلهية التى هى اللاهوت، فيقولون أن فى المسيح صفتين هما اللاهوت والناسوت، أو الإنسان والإله، والابن هو مجموع الاثنين، وهو الأقنوم. والاخرون يقولون إنه طبيعة واحدة تجسد فيها العنصر اللاهوتي، ومريم ولدت الناسوت واللاهوت معا، فقد ولدت الإنسان والإله. وقد اعتنقت الكنيسة المصرية واحدة الطبيعتين وولادة مريم لهما معا. وكان الخلاف الشديد بينهما، وكان النزاع وكان الجدل، وكل جدل يحل الاعتقاد، ويضعف قوته، ويخضد شوكته، ولا يجعل له قوة دافعة مانعة. وقد اشتد ذلك كله فى القرن الخامس والسادس. وبذلك نقول مقررين أمرين: أولهما - أن القرن السادس كانت العقائد فيه غير قارة فى النفوس، والاراء تخلق وتعتنق ثم يتعصب لها، وليس التعصب دليلا على قوة الاعتقاد، بل التعصب دليل على الانحراف النفسي، والنظر الجانبي، وكذلك كان تعصب الملكانيين ضد اليعقوبيين، إذ كان فى جملته إدراكا جانبيا منحرفا. العصبية هى المسيطرة فيه، وليست قوة اليقين هى المسيطرة. ثانيهما - أن النفوس فى القرن السادس كانت مهيأة للعقيدة الصحيحة تعتنقها إذا ظهرت بيناتها، وقام الاستدلال المنطقى عليها، وخصوصا أن الأفكار المرددة كانت أوهاما، أو أقوالا غير متميزة تميزا عقليا، ولم تكن قد استقرت استقرارا يجعل التعصب لها يشبه الطائفية، كما حدث من بعد بين النصاري، وبين اليهود.

стр. 22

وهكذا نرى المسيحية التى خلفت المسيحية الحقيقية التى جاء بها المسيح رسول الله ﷺ ، جاءت إلى النفوس قلقة غير مستقرة، بل إنها مضطربة غير ثابتة. فإذا كانت أوثان الرومان قد فقدت قوة تأثيرها، وحل فى ربوع الوثنية ديانة تأخذ من اليهودية طرفا بأخذها بأحكام التوراة إلا ما خالف الأناجيل، وتأخذ من الوثنية بأطراف، ولا تكاد تأخذ من الدين الحقيقى شيئا- فإن ذلك المزيج الجديد لم يستقر، بل جاء مضطربا واهنا حتى نهاية القرن السادس الهجري، فكانت النفوس مهيأة لدين جديد هو الدين الحق. العرب ٢٢- طفنا بتفكيرنا حول العالم من غربه القريب والبعيد، إلى شرقه الأدنى والأوسط والأقصي، ولم نعرج على البلاد العربية، ونحسب أنها القلب، وأنها ذؤابة الفكر الأدبي، فإليها تأرز الحقائق الدينية قديما وحديثا، ومنها خرجت أصوات الأنبياء، خرجت ابتداء من أطرافها، ثم ختمت الرسالة الإلهية فى قلبها، ولقد هاجر إبراهيم أبو الأنبياء إلى بلاد العرب وولد فيها ولده إسماعيل الذى كان أول البشرى وحمد الله على ولادته ومن بعده إسحاق، والأول من جاريته هاجر. والثانى من زوجته سارة، وقال من بعدهما الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ. وقد كان من ولده اسماعيل قريش الذين كانوا ذؤابة العرب، ولهم مكانة الزعامة فيهم، كما سنبين عند الكلام عن الكعبة المكرمة، فإليهم يأرزون، وإلى تلك البنية يحجون. وكانت قريش ومن يتبعونها على الدين الذى جاء به أبو الأنبياء إبراهيم ﵊، فكانوا فى أصلهم مواحدين لا يعبدون غير الله تعالي، فلا يعبدون صنما، ولا حجرا، ولا حيوانا، وليس فيهم ألوهية لمخلوق إلا ما كان ممن وفدوا إليهم من النصارى كنصارى نجران ونصارى تغلب وغيرهم.. وقد كان يقوى توحيدهم صلتهم بإبراهيم ﵇، وشرفهم فى الانتساب إليه عن طريق ولده إسماعيل ﵇، ولكن طرأ عليهم ما حالت به أحوالهم، وتغيرت بسببه عقائدهم، وذلك لتقادم الزمن بينهم وبين إسماعيل ﵇ حتى نسوا ما عرفوا. دخول الوثنية أرض العرب: ٢٣- تواردت عبادة الأوثان على النفس العربية، والتفكير العربى من نواح ثلاث: أولاها- أن بقايا من الديانات القديمة كانت فيها وثنية، وإن لم تكن سائدة فى البلاد، فقوم نوح كان فيهم وثنية، وقيل إنه كان عربيا، أو خاطب العرب، وقد قص الله خبر أوثانهم فقال تعالى:

стр. 23

وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً «١» . ولا شك أن هذه الأثارة من بقايا الوثنية تبقي، وإن لم تكن سائدة مسيطرة، وإنك لترى أن بعض المتدينين بديانات سماوية يبقى فى نفوسهم بعد اعتناقها بقايا أشربت بها نفوسهم، وتجرى اثارها فى بعض ارائهم، وإذا لم تصل إلى أن تكون رأيا يقنع، فإنها قد تكون تقليدا يتبع. الثانية من جيرانهم الرومان. فإن الوثنية الرومانية كانت على مقربة من العرب من قبل المسيح ومن بعده، فعدوى العقائد تسرى كعدوى الأمراض، ومن الاختلاط الذى كان بين بعض العرب والرومان فى الاتجار كانت العقائد الدينية تجيء إليهم، وخصوصا أن دولة الرومان كانت أقوى سلطانا من الجماعات العربية، وأن بعض القبائل العربية كانت تخضع لسلطان الروم، كالغساسنة، فإنهم كانوا تحت سلطان الرومان، وكانت لهم تبعية للرومان، ووراء هذه التبعية الاختلاط، ووراء الاختلاط العدوى. والناحية الثالثة ذكرها ابن إسحاق صاحب السيرة فقال: «يزعمون أن أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت والتمسوا الفسيح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتي أدي ذلك إلي أن كانوا يعبدون ما استحسنوه من الحجارة وأعجبهم، حتي خلفت من بعدهم خلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا أبعد ما كانت عليه الأمم من الضلالات» . ويذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه أن ابن هشام قال: «حدثني أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلي الشام، فلما قدم ماب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق راهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فتمطرنا، ونستنصر بها فتنصرنا. فقال لهم: ألا تعطونني منها صنما، فأسير به إلي أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة ونصبه وأمر الناس بعبادته» . وعمرو بن لحي هذا كان سيد خزاعة، وكانت لخزاعة سدانة البيت الحرام، فكان لها بهذا سلطان في التوجيه. يعظمون ما تعظمه. وإن هذا يدل علي مقدار العدوي التي جاءت من الرومان، فما كان في الشام إنما هو من أثر وثنية الرومان، وإن ذلك يؤكد أن وثنية العرب كان للعدوى أثر فيها وإن كان ثمة أسباب قوتها. ومهما تكن الأسباب فقد توافرت، حتى دخلت الوثنية الأرض العربية، وبين ذرية إبراهيم حاطم الأوثان الذي جعلها جذاذا.

стр. 24

وقد سيطرت الوثنية على أعمالهم حتى لقد ورد عن أبى رجاء العطاردى أنه قال: «كنا فى الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب فحلبنا عليها ثم طفنا بها» . لم ينسوا الله فى وثنيتهم: ٢٤- لقد أغرم العرب بعبادة الأوثان إغراما شديدا، حتى صارت جزا من مداركهم وعقولهم، وأصبحوا يستنصرون بالأحجار، ويظنون أنها تجيب سؤلهم، ولكنهم مع ذلك لم ينسوا الله تعالى خالق هذا الوجود ومنشئه، وكانوا كما قال تعالى عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «١» . وهنا تفترق الوثنية الرومانية واليونانية عن وثنية العرب، إذ أن وثنية العرب فيها إيمان بالله، وإن لم يكن واحدانية، بل كانوا يشركون مع الله تعالى غيره، أما الاخرون فقد كانت نظرية الحلول تسرى فيهم، ولا يجيء فى وثنيتهم ذكر الله تعالى قط. والسبب الجوهرى فى هذه التفرقة أن الأصل عندهم هو التوحيد، كما تلقوه عن إسماعيل وإبراهيم ﵉، فكان بقية مما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب، كما قال تعالى فى كتابه الكريم وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ، فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «٢» . الأمر الثانى- هو احترام الكعبة والبيت الحرام، وهو ما ورثوه عن إبراهيم ﵇، فقد كانوا مع وثنيتهم فيهم بقايا من عهد إبراهيم من تعظيم البيت والطواف والحج والعمرة والوقوف على عرفات والمزدلفة وهدى البدن، والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه، ويقول ابن إسحاق فى سيرته: كانت كنانة قريش إذا أهلوا قالوا: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فيواحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده، ويقول تعالى لمحمد وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ. «٣» ومن أجل أن العرب كانوا يحاولون الجمع بين إيمانهم بالله تعالى وإيمانهم بالأوثان نقول أن إيمانهم بالأوثان لم يكن قويا مستغرقا كما ال إليه أمرها عند الرومان، وخصوصا قبل البعث المحمدي، كما أن إيمانهم بالله تعالى لم يكن صحيحا، لأن الإيمان بالله لا يتحقق إلا إذا كان المؤمن يؤمن بواحدانيته لا يشرك به أحدا فى ذاته ولا فى الخلق والتكوين، ولا فى العبادة، فلا عبادة إلا لله تعالى واحده.

стр. 25

ولكن الذى يدل عليه الجمع بين الإيمان بالله تعالي، والإيمان بالأوثان هو أن اعتقادهم فى الأوثان لم يكن قويا مكينا، بل هو اضطراب فى الاعتقاد، ولا استقرار فيه، بحيث تستقر النفس وتطمئن، وكيف يستقر عقل، يجمع قبضة من التراب أو يقتطع قطعة من الحجر يجعله معبوده، ويعبده أطراف النهار وزلفا من الليل، وهو مع ذلك يجزم بأنه ليس بخالق، ولكنه مخلوق. وإذا كانت الوثنية قد ضعفت فى اخر أمرها قوة الأوثان، فإن أوثان العرب خلقت فكرتها ضعيفة يوجد ما ينازعها، أو يجعلها قلقة غير مستقرة إذ هى فى نفسها تحمل عوامل ضعفها وردها، ولكنه التقليد الأعمي، الذى سد مسالك الإدراك على العقل. القلوب فارغة من إيمان: ٢٥- إن الذى ذكرناه أن القلوب والعقول كانت فارغة تحتاج إلى ما يملؤها ويسد فراغها، ولا يتركها شاغرة فى شرق الأرض وغربها، يستوى فى ذلك قاصى الأرض ودانيها، فالشرق الأقصى كما يعبر رجال السياسة لم يكن فيه إيمان بشيء، وقد كانت الأوهام هى التى تسيطر، والأوهام وإن استحكمت فى نفوس من تسيطر عليهم غير صالحة للبقاء، إنما الذى يصلح للبقاء مما يسيطر على النفوس هو ما يكون متفقا مع حكم العقل، والتفكير السليم. والأوهام وإن قويت لا تستطيع مقاومة العقل، ومثل الأوهام كمثل الضباب يبدده ضوء الشمس، فكذلك العقل يبدد ضباب الأوهام، ويشكف عن المدارك غمتها. والهنود تسيطر عليهم أوهام أشد، وظلم اجتماعى غير صالح للبقاء، والفرس ظهر عندهم مذاهب هدامة تهدم الإنسانية. فتجتثها من جذورها أو تهدم أخلاقها التى يتماسك بها احادها. والرومان وما كان تحت ظلهم قد فقدوا الإيمان، فاستبدلوا بالوثنية النصرانية التى ابتدعوها، ولكن لم يثبت بها إيمان إلى القرن السادس. وليس فقد الإيمان كان خاصا بالعقيدة فيما وراء الطبيعة، بل كان مفقودا فى القيم الإنسانية الخلقية كما هو مفقود فى العبادة والألوهية، فلم يكن ثمة خلق إنسانى سليم، بل كان كل شعب ينظر إلى الاخر نظرة العداء، وأصبح التفكير الخلقى مقصورا على معاملة أبناء الوطن الواحد، لا أبناء الإنسانية عامة. وعم ذلك ولم يخص، حتى كان الفلاسفة لا يؤمنون بحق الشعوب، فأفلاطون قد كان يعتبر ما عدا اليونان من الناس برابرة، وكل من يبعد عن وطنه فرسخا أو دونه يسترقه من يلقفه من غيره، وقد وقع الرق على أفلاطون نفسه، حتى افتدى، وهكذا قد فقد الإيمان بالقيم الإنسانية كما فقد الإيمان بالألوهية.

стр. 26

فكانت أماكن الإيمان شاغرة من القلوب، فلابد أن يكون من يملؤها، لابد من محمد رسول الله رب العالمين، ولابد أن يقوم فى وسط الأرض يدعو أهل الأرض فى ال أرض النبوة الأولي . أرض النبوة الأولى ٢٦- قرأت لبعض كتاب الفرنجة كلاما يتحدث فيه عن أورشليم وبيت المقدس، يقول فيه إن أورشليم وما حولها البقعة المباركة كانت مدرسة الأنبياء، ففى وسطها تربى الأنبياء، وعلت أصواتهم بالرسالة، وأنه لا مدرسة للنبوة غير هذه المدرسة، ففيها ظهر داود وسليمان وعيسي، وهى التى أرادها موسي، ودعا بنى إسرائيل لأن يدخلوها، فقالوا إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها «١» . وذلك القول فيه حق، وفيه باطل، أما الحق فهو ما ينبيء عنه من مكانة أورشليم التى بها المسجد الأقصى مسرى النبي، وثالث المساجد التى تشد إليها الرحال، والتى كان منها المعراج، والقبلة الأولى للإسلام، وهى بهذا وبغيره سميت فى القران الكريم والمصادر الدينية السماوية الأرض المقدسة. أما الباطل فى كلام ذلك الكاتب فهو: أولا- فى قصره النبوة على أورشليم وما حولها، فإن القصر ليس بسليم، فإنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وبعد أن قص الله تعالى قصص عدد من الأنبياء قال تعالى فى كتابه الكريم: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ «٢» وإننا لا نذهب بعيدا عن أورشليم فإنه بجوارها الجزيرة العربية وأطرافها كان فيها الأنبياء أصحاب الرسالات التى جاءت بها كتب سماوية وذكرتها التوراة والقران، مما سنذكره فى هذا الموضوع قريبا إن شاء الله تعالي. ثانيا- لأنه فهم أن للنبوة مدرسة يتربى فيها الأنبياء، وذلك باطل لأن النبوة رسالة من الله تعالى لخلقه، لا تكون بمدرسة يتخرج فيها الأنبياء، ولكن تكون بوحى من الله تعالي، وتكليف منه سبحانه وتعالي، سواء أكان ذلك الوحى بخطاب أوحى به إليه، أو بكلام الله تعالى من وراء حجاب، كما كان الشأن بالنسبة لموسى ﵇، أو برسول من الملائكة ينقل عن الله تعالى لمن اصطفاه من خلقه نبيا أو رسولا، فاعتبار أورشليم مدرسة للنبوة كلام ليس دينيا وليس علميا، ولا يتفق مع تاريخ الأنبياء المرسلين عليهم الصلاة والسلام. ٢٧- وإذا سأل سائل: لماذا بعث محمد ﷺ فى الجزيرة العربية وفى الحجاز منها، ولم يبعث فى أورشليم كما بعث داود وسليمان وعيسى عليهم الصلاة والسلام؟

стр. 27

نقول فى الجواب عن ذلك: إن أكثر الأنبياء وخصوصا أصحاب الرسالات كموسى وإبراهيم ونوح وإسماعيل وإسحاق لم ينشئوا بأورشليم كما توهم ذلك الكاتب الفرنجى الذى لم يعرف معنى الرسالة والرسل، ولم تكن الجزيرة العربية خالية، بل هى كانت مبتعث الأنبياء أصحاب الرسالات من القديم، والذين كانوا فى أورشليم إن استثنينا عيسى ﵇ وداود وسليمان لم يكونوا أصحاب كتب يعمل بها أقوامهم وإنما كان يعمل أكثرهم بكتب نزلت على غيرهم، وأكثرهم كان يعمل على إقامة توراة موسي. أما الرسل الذين جاؤا فى الجزيرة العربية فقد كانوا أصحاب رسالات، ينفذونها بأنفسهم، ولم يكن عملهم مقصورا على بيان الرسالات لمن سبقوهم، ولقد بين الله واحدة الرسالة الإلهية التى اختلفت كتبها، ولم يختلف معناها، فذكرها فى قوله تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ «١» . وأولئك هم أولو العزم من الرسل، ولم ينشأ فى أورشليم منهم إلا عيسى ﵇، والاخرون كانوا تابعين من البلاد العربية، أو مما حولها من أرض كنعان، أو من أطراف الجزيرة كأرض سيناء. فالبلاد العربية هى موطن الرسالات الأولي، بها ابتدأت الرسائل الإلهية، وبها ختمت، فلم يكن غريبا أن يبعث محمد ﷺ فى تلك البلاد، وينبثق نوره فى الافاق من أهل المدر، وأهل الوبر فيها. هذا إجمال نعرج إليه ببعض التفصيل: إدريس عربى: ٢٨- إن الحقيقة أن البلاد العربية كانت مهد النبوة، فإدريس ﵇ الذى رفعه الله تعالى مكانا عليا، والذى تقول الأخبار، أنه كان فى البطن الثالث لادم أبى الخليقة، قالوا أنه كان عربيا وفى أرض العرب، وليس لدينا دليل يجعلنا نؤمن بأنه البطن الثالث لادم، ولذلك نطرح القول فى ذلك غير مكاذبين ولا مصادقين، ولا نحسب أنه من أساطير الأولين. وإنما الذى نتمسك به هو أنه صديق من الأنبياء الذين وصفهم الله تعالى بذلك الوصف الكريم. فقد قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا. وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا «٢» ، فهو صديق، وهو رفيع المكانة عند الله تعالي، لأنه سبحانه رفعه مكانا عليا. ويغلب على الظن أنه لم تكن نشأته بأورشليم، لأن أورشليم أنشأها يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة وأتم التسليم.

стр. 28

وقد جاء فى كتاب قصص الأنبياء لأبى الفداء أن إدريس فى سلسلة نسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد جاء فيه ما نصه: «إدريس ﵇ قد أثنى الله تعالى عليه بالنبوة والصديقية وهو فى عمود نسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم» . ومادام فى عمود نسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعد عربيا، ولا يعد من أورشليم، ولا شك أن الحكم فى هذه المسألة الموغلة فى التاريخ لا يعد حكما قاطعا، ولكنه حكم راجح، وأكثر مسائل التاريخ الحكم فيها ظنى لا قطعى. نوح عربى: ٢٩- تضاربت الروايات عن منشأ نوح ﵇ أكان ببابل أم كان بالجزيرة العربية، ولكن الثابت أنه من البلاد العربية، وذكروا أن سفينته مرت فى مقابل الكعبة أربعين مرة، ولقد أكد ابن كثير أنه دفن فى البلاد العربية، فقد قال ابن كثير فى قبره: وأما قبره ﵇، فروى ابن جرير والأزرق عن عبد الرحمن بن ساباط مرسلا أن قبر نوح بالمسجد الحرام أى بالموضع الذى بنى فيه المسجد الحرام. ويقول ابن كثير: «وهذا أقوى وأثبت من الذى يذكره كثير من المؤرخين من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم (أى فى القرن الثامن الهجري) بكرك نوح، وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك» . والحق أنا نميل إلى أنه طوف بالافاق. فإذا كان منشؤه ببابل، فهو قد اوى إلى بلاد العرب حصن الديانات الأولي، ومنابع النبوة. هود نبى الله كان عربيا: ٣٠- هود أقدم من إبراهيم ﵇، كان من قوم عاد، وكانوا عربا يسكنون بالأحقاف، وكثيرا ما كانوا يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام. ويذكر ابن كثير أنه يقال إن هودا أول من تكلم بالعربية، ويقول ابن كثير.. «وزعم وهب بن منبه أن أباه (أى أبا هود) أول من تكلم بها، وقال غيره: أول من تكلم بها نوح ﵇، ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل العرب العاربة، وهم قبائل كثيرة منهم عاد، وثمود وجرهم، وغيرهم، وأما ولد إسماعيل، فيسمون العرب المستعربة.

стр. 29

وقد قالوا إن هودا كان أول نبى بعد نوح ﵇، وربما يوميء إلى ذلك ما حكاه الله تعالى فى خطابه لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «١» . ونرى من هذا النص أنه يوميء إلى أن هودا جاء من بعد نوح، وأن قومه كانوا خلفاء من بعد نوح ثم يؤتى بالإشارة من جهة أخرى أن قوم نوح كانوا فى أرض العرب، كما كان خلفاؤهم، والله أعلم. وإن عادا كانوا من أقوى قبائل العرب منعة، وأقواها شكيمة، ولكن كانوا أشدها غرورا، كما قال الله تعالى عنهم: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ «٢» . وهكذا نرى هودا ﵇ يجادل قومه بالحسنى أو التى هى أحسن، وهم يجادلونه بالعنف أو الطغيان حتى أهلكهم الله تعالى بريح صرصر عاتية. صالح عربى: ٣١- صالح ﵇ هو نبى ثمود، وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذى بين الحجاز وتبوك، وقد مر بديارهم رسول الله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك فى الغزوة التى قد غزاها. كان يدعوهم إلى التوحيد، وكانت بينته ناقة لا يمسوها بسوء، وإلا كانوا خاسرين كما قال تعالى حكاية عن سيدنا صالح وقومه: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً، فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٣» ولقد كان قوم صالح من بعد عاد قوم هود. إذ كانوا خلفاءهم، وكانوا أقوى وأكثر عددا كما قال تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ، وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً، وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ «٤» .

стр. 30

ولكن ثمود بعدت عن أمر ربها، واعتدوا على صالح، فنزل عليهم عذاب واصب وأبادهم. ويروى أن المسلمين رأوا البئر التى كانت تشرب منها الناقة، وذلك فى غزوة تبوك، فقد روى عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله ﷺ بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الابار التى كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها وملأوا القدور، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التى كانت تشرب منها الناقة. إبراهيم أبو العرب المستعربة وإسماعيل: ٣٢- لقد ولد إبراهيم فى أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل. وقيل إن إبراهيم ولد بغوطة دمشق فى قرية يقال لها برزة فى جبل يقال له جبل قايسون، ولكن ابن عساكر راوى الخبر يقول «والصحيح أنه ولد ببابل» . ولكن إبراهيم لم يستقر فى بابل، بل كان ينتقل فى الأقاليم، فارتحل إلى كنعان حيث أرض فلسطين، ثم ارتحل إلى حران، والجزيرة، والشام. وكانت عبادة الكواكب سائدة فى البلاد التى نزل بها. وكان هو يدعو إلى عبادة الله تعالى الواحد القهار، ولقد حطم الأوثان وجعلها جذاذا، وقد حاول المشركون أن يحرقوه بالنار لما فعل بالهتهم، فألقوه فى النار، وهو لا يعتمد إلا على الله تعالي، وقال حسبنا الله ونعم الوكيل، فاستجاب الله لدعائه، وجعل النار بردا وسلاما عليه، فقال سبحانه: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ. وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ «١» . أرادوا أن يغلبوا فغلبوا، فهم أرادوا الأذى لإبراهيم، وأراد الله الخير له، فكان كيدهم شرا، وأراد إحباط ما صنعوا وكانوا الأخسرين، لأنه لم يتم لهم مأرب، وحقق لإبراهيم الغاية. ولم يجد إبراهيم مهاجرا إلا فى بلاد العرب، هاجر إليها بعد أن طوف ما طوف، إذ أن أم ولده إسماعيل هاجرت بولدها إلى مكة فرارا به، وطمأنينة عليه، وكان معها إبراهيم، أو هو الذى أخذها إليه. هربت بابنها إسماعيل إلى موضع مكة. ومعها أبوه خليل الله. وقد أصابها العطش، فأخذت تسعى إلى الماء بين الصفا والمروة حتى رأت عينا ثرة، فملأت سقاءها وشربت هى وولدها. ولقد شب إسماعيل عن الطوق، وتعلم العربية، ورزقه الله هو وأمه رزقا حسنا، كان يأتيهما من غير حساب، وكان الخليل يزورهم الوقت بعد الاخر.

стр. 31

بناء الكعبة: ٣٣- وفى إحدى الزورات التقى الشاب بأبيه، فصنع كل منهما ما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد، على شوق بعد طول غياب، فقال الأب لولده الشاب: يا إسماعيل إن الله تعالى أمرنى بأمر. قال الشاب: اصنع ما أمرك به ربك. قال الشيخ: وتعيننى عليه؟ قال الشاب: وأعينك عليه. قال الشيخ لابنه: فإن الله أمرنى أن أبنى ها هنا بيتا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. فعندئذ رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة، وإبراهيم يا بني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بالحجر الأسود فوضعه، ليكون علامة ابتداء الطواف وانتهائه فى مراته. وهذا ما بينه الله تعالى فى قوله تعالت كلماته: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «١» . استقر بإبراهيم المطاف بأن بنى ذلك البيت، أول بيت وضع للناس، فشرفت البلاد العربية به، وشرفت بإبراهيم الذى جعلها تختار بناءه بأمر الله تعالي. فإبراهيم إذا كان مولودا ببابل، وإن بيته أول بيت لله تعالى بناه بالبلاد العربية، فليست البلاد شريفة به وبابنه فقط، بل هى شريفة بأن ابنه أبو العرب المستعربة. وإذا كان إبراهيم أبا الأنبياء حقا وصدقا، فإنه لم يبن بيتا بأمر الله تعالى إلا فى البلاد العربية، ولم يبن ذلك البيت بكنعان ولا ببابل ولا بغيرهما، فكانت الجزيرة العربية أرض النبوة الأولى حقا وصدقا. ولا غرابة فى أن يكون مبعث محمد ﵊ فيها. إنما تكون الغرابة إن خرج نبته الطاهر من غيرها.

стр. 32

شعيب ومدين: ٣٤- جاء شعيب بعد إبراهيم وبعد لوط. وقيل أنه كان بعد يوسف ﵈، ومن المؤكد أنه جاء بعد لوط لأنه جعل من إنذاره لقومه أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم لوط، فقد قال الله تعالى عنه: وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ «١» . وإن هذا النص القرانى السامى يدل على أمرين: أولهما: أن مبعث شعيب ﵇ كان بعد مبعث هود وصالح ولوط، فقد جعل فى بيانه ما حدث لأقوام هؤلاء من عذاب دنيوى ما حق كان موضع إنذار لهم. ثانيهما: أنه يدل على أن قوم لوط كانوا فى العرب، ولذلك قال : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ «٢» فهم كانوا على مقربة منهم، فهم كانوا مثلهم فى أطراف أرض العرب من ناحية الشام، إذ قد اختار لوط محلة غير المحلة التى كان بها عمه إبراهيم عليهم جميعا الصلاة والسلام، فهم من صفوة خلق الله الذين اصطفاهم على عباده، وكانوا رسلا مبشرين ومنذرين، وتركوا رسالات خالدة خلدها القران الكريم. ولا نترك الكلام فى شعيب من غير أن نذكر كلمتين: إحداهما: أنه بعث لمدين، وأهل مدين هم أهل الأيكة، إذ كانوا يعبدون شجرة عظيمة هى الأيكة، وهم أصحاب يوم الظلة، وقد ذكر علماء تاريخ الأنبياء أن يوم الظلة يوم فيه حر شديد أصابهم، وأسكن الله تعالى هبوب الهواء عليهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ظل ولا ماء، ولا دخول فى الأسراب، فهربوا من محنتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها، ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا أرسلها الله تعالى عليهم ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة من السماء فأزهقت الأرواح، وخرت الأشباح. هذا ما ذكره ابن كثير فى معنى الظلة والصيحة التى أصيب بها قوم شعيب، وقد ذكر الرجفة والصيحة، فقد قال فى قصتهم فى سورة الأعراف فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ «٣» ، وجاء فى سورة هود أنه وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ «٤» .

стр. 33

وهى عقوبات متتالية، أرهقتهم الذلة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، حتى فروا من أماكنهم، فجاءتهم الغمامة فرجوا أن يستظلوا بها، أو أن يجدوا فيها الرحمة، فكانت الصيحة العنيفة وكانت الرجفة التى أصابتهم. وقد قال فى ذلك ابن كثير: جمع الله تعالى عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات، وأشكالا من البليات، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات. سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات، وصيحة عنيفة أخمدت الأصوات، وظلة أرسل منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات. الكلمة الثانية أن أهل مدين امتازوا من بين عبدة الأوثان بأنهم جمعوا مع عبادة الشجرة فساد الأخلاق وسوء المعاملات بعضهم مع بعض، كانوا يطففون فى الكيل والميزان، وكانوا قطاع طريق، يقطعون السبيل ويخيفون المارة، يأخذون الفائدة الزائدة، ويدفعون الناقص، فإن استدانوا نقصوا من الدين، فكانوا بذلك أشد فسادا، ولذلك كان نهى نبيهم لهم عن الفساد، فقال لهم: ولا تعثوا فى الأرض مفسدين، فلا يفسد الجماعات إلا التعامل الفاسد، وهو مبيد جمعها، لقد كانوا قليلا، فكثرهم الله، ولكنهم أضعفوا نخوتهم، وأماتوا عزتهم، فانصرفوا إلى الفساد. ولقد كان أوضح ما دعاهم إليه شعيب ﵇ هو الوفاء والمعاملة الطيبة، والتعاون على البر والوفاء بالحقوق، بدل التعاون على الإثم. وكان شعيب فصيح العبارة، قوى البيان والتأثير، حتى لقد روى فى بعض الاثار أنه خطيب الأنبياء، ومدين من بلاد العرب على أطراف الشام، جاء فى قصص الأنبياء لأبى الفداء فى أرض مدين ما نصه: «كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم التى هى قريبة من أرض معان من أطراف الشام مما يلى ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة، ومدين قبيلة عرفت بهم، وهم من بنى مدين بن مديان» «١» . موسى كلف الرسالة فى أرض العرب: ٣٥- لقد نشأ موسى بمصر حيث ولد بها، وتربى فى دار فرعون، وترعرع فى هذا، وكان فى رعاية الله، لا فى رعاية فرعون، إذ كان يتوجس منه خيفة، ولكن صنعه الله تعالى على عينه، فحماه وأعطاه النبوة، فكان كليم الله تعالي.

стр. 34

ولكنه لم تبلغ إليه رسالة ربه فى أرض مصر منبته، ومرباه، بل كلمه ربه من وراء الشجرة خارج مصر حيث البلاد العربية. ذلك أن موسى عندما قتل من المصريين رجلا اعتدى على اخر من بنى إسرائيل قوم موسى، وحرض على أن يقتل اخر لولا أنه أدرك أن هذه فتنة، وقال لمن حرضه من قومه إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ «١» ، ولما أخبر أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه خرج من مصر، واتجه تلقاء مدين وهو يحس بالحاجة إلى الغوث والمعونة، وهو يقول رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ «٢» ، وهو يقول أيضا راجيا الهداية من ربه: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. «٣» وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ «٤» : أى تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم غيرهما. وكانتا لا تسقيان غنمهما إلا من فضل الماء الذى يبقى بعد سقى الرجال، وأنهم كانوا بعد سقيهم يضعون صخرة على العين، فلا تتمكن الفتاتان إلا من سقى غنمهما من فضل الرجال، فقال موسى الفقير إلى رحمة الله، للفتاتين الضعيفتين فى بدنهما كما هو ضعيف النفس لفقره، والضعيف يحنو على الضعيف ما خَطْبُكُما قالتا: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ «٥» فجاء موسى إلى الصخرة فرفعها بعد أن صدر الرعاء وسقى لهما. بعد ذلك قصت الفتاتان على أبيهما قصة القوى الأمين، فاستأجره ثمانى حجج أو عشرا، حتى انقضت المدة، وهى عشر سنين لأنه قضى أطول الأجلين، أى أتمها عشرا. فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً، قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ «٦» . ومدين كما جاء فى قصص الأنبياء لأبى الفداء، هى المدينة التى أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب ﵇، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى ﵇. فمدين كما ترى من بلاد العرب، هى التى جاءت فيها الرسالة. بعد أن أقام موسى ﵇ فيها عشر سنين، بعد فيها عن بيئة فرعون فصفت نفسه. وقد يقال إن النص يفيد أنه كان بجانب الطور، أى فى أرض سيناء، ونحن نقول أن ذلك حق، ولكن بعد أن صفت نفسه من فرعون واثاره وطغيانه، وتربيته قومه على الذلة والخنوع، حتى كان فى مصر الرخاء والخصب والذلة مجتمعات.

стр. 35

وكيف يوفق بين كون مدين ببلاد العرب على أطراف الشام، وكون موسى كلف الرسالة بجانب الطور. يجيب عن ذلك السؤال أبو الفداء فى قصص الأنبياء: «وسار بأهله» أى من عند صهره ذاهبا فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر فى صورة مختف، فلما سار بأهله، ومعهم ولدان وغنم قد استفادها مدة إقامته بمدين، ومهما يكن من الأمر، فإن الله اصطفى موسى كليما له ورسولا إلى فرعون، وشعيب استنقذه من أرض مصر، مدة عشر سنين، بعد فيها عن جو فرعون المعتم، ليلقى أمر ربه بتبليغ رسالته إلى فرعون الذى طغى أن راه استغنى. أرض العرب مأوى الفارين بدينهم: ٣٦- كانت أرض العرب مأوى لأصحاب الديانات الذين فروا من الضطهاد، فاتخذوها مستقرا ومقاما، فهى أرض النبيين أصحاب الرسالات العامة، وهى أيضا مأوى الديانات التى نبتت فى غير أرض العرب عندما اضطهدوا فى ديارهم، ونزل بهم البلاء من التتار الذين جاسوا خلال ديار بنى إسرائيل ومزقوهم كل ممزق، وهم أولو البأس الذين بعثهم الله تعالى، ثم من بعد ذلك الرومان الذين ضربوا عليهم الذلة والمسكنة، وكانوا لا يعترفون لهم بحقوق الرومان، ولم يدخلوهم فى الجنسية الرومانية مع أنهم فى حكمهم وتحت سلطانهم، ورعاياهم، ولكنهم الرعايا الأدنون، وهم من فوقهم، ولذلك لم يجد كثيرون منهم مأوى يأوون إليه إلا البلاد العربية التى كانت حصن الذين يفرون بدينهم، ولا يجدون ملجأ إلا أرض النبيين الأولين التى لم يتغلب عليها. وقد وجدوا الملاذ ابتداء فى أرض اليمن فاستظلوا بظل قوم تبع، ومع أنهم كانوا وثنيين وجدوا فى حكمهم ظلا ظليلا، استظلوا به، وأخذوا حريتهم فيه، وقد اعتنق اليهودية بعض اليمنيين، ولكن اليهود لا يعتبرون اليهودية دينا فيه إصلاح البشر وصلاحه، ولكنهم يعتبرونه جنسية، ويقولون مقالهم المزعوم الفاسد، نحن أبناء الله وأحباؤه، ولذلك لم يضموا اليمنيين الذين دخلوا فى اليهودية إليهم، ولم يضعوهم فى جماعتهم، ويسمونهم السامرة، ولقد عاشروا الأوس والخزرج فى موطنهم الأصلى باليمن. ولما هاجر أولئك الوثنيون إلى يثرب حيث الجناب الخصيب، وحيث المنجع المريع، هاجر اليهود أيضا، إلى ما حول يثرب فهاجر بنو النضير وبنو قريظة، وبنو قينقاع، وخيبر. ولم يندمجوا فى الشعب العربى، بل اتخذوا حصونا تحتويهم حيثما أقاموا، وانتجعوا الخصيب من الأرض، فكان لهم النخيل والتمر فى يثرب، امتلكه الذين أقاموا فيها من بنى قينقاع والنضير، وقريظة. وامتلك أهل خيبر مثلها. وكانوا كشأنهم أثرين يحبون أنفسهم. ولا يتعاونون مع أهل البلاد، فكانوا لا يتعاملون مع العرب، وإن تعاملوا معهم بخسوهم وخانوهم عهودهم، كما قال تعالي: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ

стр. 36

إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «١» فالعرب الذين أووهم وأنزلوهم أرضهم، أبواهم عليهم المعاملة الطيبة، ونظروا إليهم على أنهم دونهم وأنهم أميون، والأمى يؤكل حقه فى زعمهم الباطل، ومنطقهم الأثيم. وجانبوهم، وتحيزوا فى حيز دونهم، وعاشوا بجوارهم يأخذون ولا يعطون. النصرانية: ٣٧- كما أوت اليهودية إلى أرض الحرية أرض العرب أوت النصرانية إليها عندما كانت مضطهدة من الرومان، وكان اليهود يغرونهم بهم كما روى عن محاولتهم إغراء الرومان بالسيد المسيح ﵇ نفسه. وقد لجأت النصرانية إلى أرض نجران، ويظهر أنهم كانوا من النصارى الذين فروا من حكم القياصرة الذين اضطهدوهم، ويظهر أنهم كانوا فى ابتداء أمرهم مواحدين حتى غشيت الوثنية تلك الديانة السماوية بالتثليث وادعاء الألوهية لعيسى بن مريم، وأمه، والروح القدس. فقد جاء فى كتاب (الاكتفاء) ما نصه: كان بنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم على الإنجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له عبد الله التامر، وكان موضع أصل ذلك الدين بنجران، وهى بأوسط العرب فى ذلك الزمان. وإن استقامة أهل نجران على أصل دين المسيح ﵇ كانت قائمة فيهم، حتى عصر النبى ﷺ حتى ذكرهم القران الكريم بالثناء عليهم فقال ﵎: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ «٢» .

стр. 37

رجل صالح: وقد قالوا فى أخبار نجران أنه مع مكانة عبد الله، كان رجلا صالحا من نصارى الشام، ويظهر من سياق الأخبار أنه كان ممن فر بدينه هاربا من أرض الرومان، إما لاضطهادهم النصارى، وإما لأنه رأى بعد زوال الاضطهاد أن الرومان وجهوها وجهة وثنية، وانحرفوا بها عن التوحيد الذى هو لبها وأصلها. وذلك الرجل اسمه «فيميون» كان رجلا زاهدا صالحا مجتهدا عاملا لا يأكل إلا من كسب يده، كان حريصا على أن يعيش مستخفيا، لا يريد أن يعرفه الناس، فما أن يعرف فى قرية، حتى يخرج منها إلى غيرها، ولكن فضله كان يكشفه. ولعل السر فى استخفائه أنه كان مضطهدا، فأراد ألا يعرف، وأن يذهب إلى أماكن متفرقة يحتقب عقيدته الخالصة، حتى لا يكون اضطهاد يقع به. ولقد تبعه فى ذهوبه وجيئته شاب اسمه صالح، اتبعه اتباع المريد للشيخ، فكان ينزل معه حيث نزل، ويرحل من حيث ارتحل. وبينما هما يسيران اختطفتهما سيارة، واسترقهما من فيها، وباعوهما، وقد رأى من ابتاع فيميون فى عبده المزعوم خيرا كثيرا، إذ كان يقوم من الليل ويصلى، غير ابه لرق الجسد، ما كانت له حرية العبادة. وكان أهل نجران يعبدون نخلة، كما كان أهل مدين من قبل يعبدون أيكة، وقد أخذ ذلك الزاهد الطيب يدعو لله واحده، ويسيطر بدينه على من استرق بدنه. قال لهم: إنما أنتم فى باطل، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، ولو دعوت عليها الله الذى أعبده واحده لا شريك له لأهلكها. قال الرجل: فافعل. فإنك إن فعلت دخلنا فى دينك، وتركنا ما نحن عليه. فقام فيميون وتطهر وصلي، ثم دعا الله تعالى عليها، فأرسل الله تعالى عليها ريحا فاقتلعتها، فاتبعه عند ذلك الكثيرون، وذاعت حاله ودعاؤه، وما كان للشجرة بعد الدعاء. وبذلك دخلت نجران فى دين (فيميون) فحملهم على الشريعة الحق من دين عيسى ﵇. ولا شك أن هذا الخبر لا يخلو من الأساطير، وخصوصا أن فيه بعض الأوهام، وقد ضربنا عن ذكرها صفحا، واكتفينا منها بما يقبل التصديق، ولا يوجد ما يدل على الكذب، أو يوهم بأنه غير معقول فى ذاته.

стр. 38

وأنه مهما يكن فيه من مبالغات لا ينفى العقل وجودها فإنه لا شك أن النصرانية دخلت نجران وفى أول دخولها كانت مسيحية المسيح، لا النصرانية التى دخلها الانحراف من بعدها، وإذا كانت قد غشيتها غواشى التحريف فى أهل نجران من بعد، فإن بقية من الاستقامة النفسية كانت فيهم عندما التقوا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولقد كان مع أهل نجران من العرب من دخل النصرانية غيرهم كنصارى بنى تغلب الذين كانوا مع المسلمين، واستمروا حتى عصر الراشدين، ومع انتشار النصرانية فى أهل نجران بدعاة المسيحيين الأصليين كان ملكها باقيا على وثنيته، وقد رأى الشعب يخرج منه الدعاة الذين يدعون إلى توحيد المسيحية الأولى مخلصين، فشدد فى إيذاء هؤلاء الدعاة ونكل بهم، وأوجد فيهم صنوفا من العذاب ابتدعها، ولم يسبق بها. أصحاب الأخدود: ٣٨- وإن أهل نجران أخلصوا فى المسيحية وقبلوا فى سبيلها العذاب الشديد، ورضوا به عن أن يغيروا دينهم غير مطمئنين إلى عقيدة سواه، وابتلوا فى ذلك، فأبلوا بلاء حسنا، وصبروا. وذلك أن ذا نواس سار إليهم وأراد حملهم على اليهودية، أو أن يعودوا إلى الوثنية، فأبى أهل نجران أن يخالفوا، وأن يرتضوا بالعذاب بدل أن يغيروا ويبدلوا فحفر لهم أخدودا، أى شق لهم فى الأرض شقا طويلا امتد، وألقى بهم فى النار التى أثارها فى هذا الأخدود، وحرقهم، فما غيروا وما بدلوا، حتى قالوا أنه ألقى فيها نحو عشرين ألفا أبادهم، وهؤلاء هم الذين جاء ذكرهم فى القران الكريم فقال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ «١» . وهكذا نرى أن الذين عذبوا ذلك العذاب سماهم القران الكريم مؤمنين، مما يدل على سلامة اعتقادهم وحسن إيمانهم، وأنهم يؤمنون بالعزيز الحميد، لا يؤمنون بشيء سواه، فلا تثليث ولا شريك. وإذا كان هؤلاء هم نصارى نجران، فهو دليل على أنه لم يصل إليهم التحريف النصرانى، أولم يكن قد دخل التحريف بعد إلى الدين المتين. وكأنه قد نزل بأولئك المؤمنين الصادقين ما نزل بهم من القياصرة قبل قسطنطين أمثال دقلديانوس ومن قبله نيرون وغيرهما ممن أذاقوا النصارى الخسف والهوان.

стр. 39

اختصاص الجزيرة العربية [أسئلة] ٣٩- ولماذا اختصت الجزيرة العربية بالرسالات الأولى: رسالة إدريس، ونوح وهود، وصالح، وكان لإبراهيم الفضل فى إنشاء البيت، وكان شعيب قد بعث فى مدين بها، وانبعث نور رسالة موسى ﵇ منها. ثم لماذا كانت مهجر اليهود عندما نزل بهم الأذي، ونزل بهم سوء العذاب؟ ولماذا وجد المسيحيون الأول فيها مأوى؟ [الجواب] ونجيب عن هذه الأسئلة بأمور ثلاثة: أولها: أن البلاد العربية ليست بلادا متوحشة، كما يتوهم الذين يحكمون بغير بينات، أو الذين يرمون الكلام على عواهنه، أو الذين يتجنون على الحقائق مغرضين غير منصفين، إنما هى بلاد فيها ذكاء ونفوس صافية كصفاء سمائها، وقوة الاستجابة فيها متكافئة مع قوة المقاومة. وليس لأحد أن يدعى أن بلادا فى العصور القديمة كانت أكثر منها تحضرا، فأوربا كانت فى غربها تعيش كالوحوش، فالواندال أو سكسون وغيرهم لم تصل إليها حضارات قبل أن تصل المسيحية، وما وصلت إليهم إلا بعد أن شاهت، وانحرفت عن أصلها، بينما كان الشرق فى القديم مهد الحضارات، ومهد الديانات، ومهد الرسل، واختصت الجزيرة العربية بأنها كانت أصفى الشرق، ففيها انبعثت رسالات الله تعالي، ومن حولها كأرض كنعان وأرض بابل، وغيرهما مما يحوطها، أو من يدخل فى دائرتها كاليمن والبحرين وما وراءهما. الأمر الثانى: أن الجزيرة العربية مع ذكاء أهلها واستقامة نفوسهم، وإن انحرفت أحيانا عقولهم، معتصم حصين، فبيداؤها، وقراها، وبرها فيها حصون لمنع الاعتداء الوحشى من الأمم التى اشتدت إغارتها فى الماضي، فإذا كان النبيون قد قووموا فى إقناعهم ابتداء، فإنهم إذا كانت ديانتهم في حصنين منيعين: حصن من الأرض المانعة لكل أجنبى من أن يقتطعها، وحصن من النفوس التى إذا أمنت قاومت واعتزت بإيمانها، وأن استقامة النفوس وقوتها هى التى بها تتميز أخلاق الأمم، فإن العقول إذا انحرفت تقوم وتستقيم، والقلوب إذا غشيتها غاشيات الضلال فى نفوس ملتوية غير مستقيمة فإن الحق لا يصل إليها إلا من رحم الله. واعتبر بحال العرب بين دولتين قويتين من الدول التى صاقبتها، فإنهما لم تتجاوزا فى سلطانهما أطرافها، ولم تتمكن إحداهما أن تنتقل من الأطراف إلى داخلها، فإنهما عندئذ تجدان قلوبا صلدة قواها ضوء الشمس الساطع، وقوة الحياة فيها، والتعرض لأوابد الحيوان ليلا ونهارا.

стр. 40

الأمر الثالث: قوة الشكيمة وقوة الخلق العربي، وما امتاز به العربى من جود، وسماحة، وحسن تأت إذا وجد القيادة الحكيمة، فإن العربى أنف إلا إذا رأى القائد الحكيم الذى يقوده، ولعل أحسن تصوير للنفس العربية ما قاله الإمام الحكيم عمر بن الخطاب عندما تولى إمرة المؤمنين. فقد قال رضى الله عنه «مثل العرب كمثل جمل أنف فليعلم قائده أين يقوده» . [عناصر تبوئ العرب الصدارة في الدعوة إلى الحق] وبذلك يلتقى فى العرب عناصر ثلاثة تجعلهم فى موطن الدعاة إلى الحق فى المكان الأول. العنصر الأول: قوة فى النفس تقاوم، ولا تستسلم ، واعتبر ذلك فى النصارى المؤمنين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، ولما حاول تبع أن يغيرهم ووضعهم فى الأخدود، ما نال مأربا، ولا وصل إلى مبتغى. العنصر الثانى: صفاء نفسى وقوة مدارك ، احتفظوا بها حتى فى جاهليتهم، وصدق النفس، والصدق فى القول، والعمل الذى يوجهون إليه. العنصر الثالث: الأنفة وألا يطيعوا فى ذلة ، بل يتبعون فى هداية ورشد مختارين، غير مجبرين، ولقد جاءت بعثة النبى ﷺ فيهم، فبدت هذه السجايا، وشقت طريق النور فى وسط الظلمات. الله أعلم حيث يجعل رسالته ٤٠- نعم، الله واحده هو الذى يختار مكان الرسالة، والذين يحملون الرسالة، والذين ينزل عليهم الوحي، ويبلغون رسالة الله تعالى إلى خلقه، فاختار الله تعالى أرض العرب، لأنها أرض الرسالات العامة التى جاء بها النبيون الذين أرسلوا مبشرين ومنذرين، وأوتوا الكتاب الإلهى بقوة. وفيها العبر وفيها المثلات، وفيها الاثار التى تدعو إلى الاعتبار، وهى لا مطمع فيها لتحكم أو تسيطر، وهى التى لم تغلب عليهم قوى الشر، وإن كانت فيهم عيوب، فهى التى تتعلق بالعلم، ولا تتعلق بالنفس، وهى التى لم يجر فيها الذل الذى يفرضه الملوك الذين يفسدون النفوس، ويجعلون أعزة أهلها أذلة كما قال الله تعالى حكاية عن بلقيس: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ «١» . ولقد كانت نفوس أولئك الذين لم يتمرسوا بظلم الملك هى التى حملت رسالة العزة إلى بقاع الأرض، وإذا كانوا قد أبوا حكم الملوك فى جاهليتهم، فقد قوضوا عروشهم بعد إسلامهم، هم أعداء التحكم الفردى، وهم الذين قوضوا قصورهم انتهاء، بعد أن أشربوا حب الإسلام وحملوا لواءه شرقا وغربا. وإنه لو كان لنا اختيار فى أرض غير العرب، لأعيانا الاختيار، لأنها أرض العزة، فلا ذلة فيها، وأرض الحرية، وهى أرض الشجاعة، ولا ينقل دين العزة والإقدام، والعمل الصالح إلا الأحرار الذين يتأبون الدنية،
следующие страницы →