إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «١»
فالعرب الذين أووهم وأنزلوهم أرضهم، أبواهم عليهم المعاملة الطيبة، ونظروا إليهم على أنهم دونهم وأنهم أميون، والأمى يؤكل حقه فى زعمهم الباطل، ومنطقهم الأثيم. وجانبوهم، وتحيزوا فى حيز دونهم، وعاشوا بجوارهم يأخذون ولا يعطون.
النصرانية:
٣٧- كما أوت اليهودية إلى أرض الحرية أرض العرب أوت النصرانية إليها عندما كانت مضطهدة من الرومان، وكان اليهود يغرونهم بهم كما روى عن محاولتهم إغراء الرومان بالسيد المسيح ﵇ نفسه.
وقد لجأت النصرانية إلى أرض نجران، ويظهر أنهم كانوا من النصارى الذين فروا من حكم القياصرة الذين اضطهدوهم، ويظهر أنهم كانوا فى ابتداء أمرهم مواحدين حتى غشيت الوثنية تلك الديانة السماوية بالتثليث وادعاء الألوهية لعيسى بن مريم، وأمه، والروح القدس.
فقد جاء فى كتاب (الاكتفاء) ما نصه: كان بنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم على الإنجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له عبد الله التامر، وكان موضع أصل ذلك الدين بنجران، وهى بأوسط العرب فى ذلك الزمان.
وإن استقامة أهل نجران على أصل دين المسيح ﵇ كانت قائمة فيهم، حتى عصر النبى ﷺ حتى ذكرهم القران الكريم بالثناء عليهم فقال ﵎:
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ «٢» .
стр. 37
رجل صالح:
وقد قالوا فى أخبار نجران أنه مع مكانة عبد الله، كان رجلا صالحا من نصارى الشام، ويظهر من سياق الأخبار أنه كان ممن فر بدينه هاربا من أرض الرومان، إما لاضطهادهم النصارى، وإما لأنه رأى بعد زوال الاضطهاد أن الرومان وجهوها وجهة وثنية، وانحرفوا بها عن التوحيد الذى هو لبها وأصلها.
وذلك الرجل اسمه «فيميون» كان رجلا زاهدا صالحا مجتهدا عاملا لا يأكل إلا من كسب يده، كان حريصا على أن يعيش مستخفيا، لا يريد أن يعرفه الناس، فما أن يعرف فى قرية، حتى يخرج منها إلى غيرها، ولكن فضله كان يكشفه.
ولعل السر فى استخفائه أنه كان مضطهدا، فأراد ألا يعرف، وأن يذهب إلى أماكن متفرقة يحتقب عقيدته الخالصة، حتى لا يكون اضطهاد يقع به.
ولقد تبعه فى ذهوبه وجيئته شاب اسمه صالح، اتبعه اتباع المريد للشيخ، فكان ينزل معه حيث نزل، ويرحل من حيث ارتحل.
وبينما هما يسيران اختطفتهما سيارة، واسترقهما من فيها، وباعوهما، وقد رأى من ابتاع فيميون فى عبده المزعوم خيرا كثيرا، إذ كان يقوم من الليل ويصلى، غير ابه لرق الجسد، ما كانت له حرية العبادة.
وكان أهل نجران يعبدون نخلة، كما كان أهل مدين من قبل يعبدون أيكة، وقد أخذ ذلك الزاهد الطيب يدعو لله واحده، ويسيطر بدينه على من استرق بدنه.
قال لهم: إنما أنتم فى باطل، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، ولو دعوت عليها الله الذى أعبده واحده لا شريك له لأهلكها.
قال الرجل: فافعل. فإنك إن فعلت دخلنا فى دينك، وتركنا ما نحن عليه. فقام فيميون وتطهر وصلي، ثم دعا الله تعالى عليها، فأرسل الله تعالى عليها ريحا فاقتلعتها، فاتبعه عند ذلك الكثيرون، وذاعت حاله ودعاؤه، وما كان للشجرة بعد الدعاء.
وبذلك دخلت نجران فى دين (فيميون) فحملهم على الشريعة الحق من دين عيسى ﵇.
ولا شك أن هذا الخبر لا يخلو من الأساطير، وخصوصا أن فيه بعض الأوهام، وقد ضربنا عن ذكرها صفحا، واكتفينا منها بما يقبل التصديق، ولا يوجد ما يدل على الكذب، أو يوهم بأنه غير معقول فى ذاته.
стр. 38
وأنه مهما يكن فيه من مبالغات لا ينفى العقل وجودها فإنه لا شك أن النصرانية دخلت نجران وفى أول دخولها كانت مسيحية المسيح، لا النصرانية التى دخلها الانحراف من بعدها، وإذا كانت قد غشيتها غواشى التحريف فى أهل نجران من بعد، فإن بقية من الاستقامة النفسية كانت فيهم عندما التقوا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولقد كان مع أهل نجران من العرب من دخل النصرانية غيرهم كنصارى بنى تغلب الذين كانوا مع المسلمين، واستمروا حتى عصر الراشدين، ومع انتشار النصرانية فى أهل نجران بدعاة المسيحيين الأصليين كان ملكها باقيا على وثنيته، وقد رأى الشعب يخرج منه الدعاة الذين يدعون إلى توحيد المسيحية الأولى مخلصين، فشدد فى إيذاء هؤلاء الدعاة ونكل بهم، وأوجد فيهم صنوفا من العذاب ابتدعها، ولم يسبق بها.
أصحاب الأخدود:
٣٨- وإن أهل نجران أخلصوا فى المسيحية وقبلوا فى سبيلها العذاب الشديد، ورضوا به عن أن يغيروا دينهم غير مطمئنين إلى عقيدة سواه، وابتلوا فى ذلك، فأبلوا بلاء حسنا، وصبروا.
وذلك أن ذا نواس سار إليهم وأراد حملهم على اليهودية، أو أن يعودوا إلى الوثنية، فأبى أهل نجران أن يخالفوا، وأن يرتضوا بالعذاب بدل أن يغيروا ويبدلوا فحفر لهم أخدودا، أى شق لهم فى الأرض شقا طويلا امتد، وألقى بهم فى النار التى أثارها فى هذا الأخدود، وحرقهم، فما غيروا وما بدلوا، حتى قالوا أنه ألقى فيها نحو عشرين ألفا أبادهم، وهؤلاء هم الذين جاء ذكرهم فى القران الكريم فقال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ.
وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ «١» .
وهكذا نرى أن الذين عذبوا ذلك العذاب سماهم القران الكريم مؤمنين، مما يدل على سلامة اعتقادهم وحسن إيمانهم، وأنهم يؤمنون بالعزيز الحميد، لا يؤمنون بشيء سواه، فلا تثليث ولا شريك. وإذا كان هؤلاء هم نصارى نجران، فهو دليل على أنه لم يصل إليهم التحريف النصرانى، أولم يكن قد دخل التحريف بعد إلى الدين المتين.
وكأنه قد نزل بأولئك المؤمنين الصادقين ما نزل بهم من القياصرة قبل قسطنطين أمثال دقلديانوس ومن قبله نيرون وغيرهما ممن أذاقوا النصارى الخسف والهوان.
стр. 39
اختصاص الجزيرة العربية
[أسئلة]
٣٩- ولماذا اختصت الجزيرة العربية بالرسالات الأولى: رسالة إدريس، ونوح وهود، وصالح، وكان لإبراهيم الفضل فى إنشاء البيت، وكان شعيب قد بعث فى مدين بها، وانبعث نور رسالة موسى ﵇ منها.
ثم لماذا كانت مهجر اليهود عندما نزل بهم الأذي، ونزل بهم سوء العذاب؟ ولماذا وجد المسيحيون الأول فيها مأوى؟
[الجواب]
ونجيب عن هذه الأسئلة بأمور ثلاثة:
أولها:
أن البلاد العربية ليست بلادا متوحشة، كما يتوهم الذين يحكمون بغير بينات، أو الذين يرمون الكلام على عواهنه، أو الذين يتجنون على الحقائق مغرضين غير منصفين، إنما هى بلاد فيها ذكاء ونفوس صافية كصفاء سمائها، وقوة الاستجابة فيها متكافئة مع قوة المقاومة. وليس لأحد أن يدعى أن بلادا فى العصور القديمة كانت أكثر منها تحضرا، فأوربا كانت فى غربها تعيش كالوحوش، فالواندال أو سكسون وغيرهم لم تصل إليها حضارات قبل أن تصل المسيحية، وما وصلت إليهم إلا بعد أن شاهت، وانحرفت عن أصلها، بينما كان الشرق فى القديم مهد الحضارات، ومهد الديانات، ومهد الرسل، واختصت الجزيرة العربية بأنها كانت أصفى الشرق، ففيها انبعثت رسالات الله تعالي، ومن حولها كأرض كنعان وأرض بابل، وغيرهما مما يحوطها، أو من يدخل فى دائرتها كاليمن والبحرين وما وراءهما.
الأمر الثانى:
أن الجزيرة العربية مع ذكاء أهلها واستقامة نفوسهم، وإن انحرفت أحيانا عقولهم، معتصم حصين، فبيداؤها، وقراها، وبرها فيها حصون لمنع الاعتداء الوحشى من الأمم التى اشتدت إغارتها فى الماضي، فإذا كان النبيون قد قووموا فى إقناعهم ابتداء، فإنهم إذا كانت ديانتهم في حصنين منيعين:
حصن من الأرض المانعة لكل أجنبى من أن يقتطعها، وحصن من النفوس التى إذا أمنت قاومت واعتزت بإيمانها، وأن استقامة النفوس وقوتها هى التى بها تتميز أخلاق الأمم، فإن العقول إذا انحرفت تقوم وتستقيم، والقلوب إذا غشيتها غاشيات الضلال فى نفوس ملتوية غير مستقيمة فإن الحق لا يصل إليها إلا من رحم الله.
واعتبر بحال العرب بين دولتين قويتين من الدول التى صاقبتها، فإنهما لم تتجاوزا فى سلطانهما أطرافها، ولم تتمكن إحداهما أن تنتقل من الأطراف إلى داخلها، فإنهما عندئذ تجدان قلوبا صلدة قواها ضوء الشمس الساطع، وقوة الحياة فيها، والتعرض لأوابد الحيوان ليلا ونهارا.
стр. 40
الأمر الثالث:
قوة الشكيمة وقوة الخلق العربي، وما امتاز به العربى من جود، وسماحة، وحسن تأت إذا وجد القيادة الحكيمة، فإن العربى أنف إلا إذا رأى القائد الحكيم الذى يقوده، ولعل أحسن تصوير للنفس العربية ما قاله الإمام الحكيم عمر بن الخطاب عندما تولى إمرة المؤمنين. فقد قال رضى الله عنه «مثل العرب كمثل جمل أنف فليعلم قائده أين يقوده» .
[عناصر تبوئ العرب الصدارة في الدعوة إلى الحق]
وبذلك يلتقى فى العرب عناصر ثلاثة تجعلهم فى موطن الدعاة إلى الحق فى المكان الأول.
العنصر الأول: قوة فى النفس تقاوم، ولا تستسلم
، واعتبر ذلك فى النصارى المؤمنين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، ولما حاول تبع أن يغيرهم ووضعهم فى الأخدود، ما نال مأربا، ولا وصل إلى مبتغى.
العنصر الثانى: صفاء نفسى وقوة مدارك
، احتفظوا بها حتى فى جاهليتهم، وصدق النفس، والصدق فى القول، والعمل الذى يوجهون إليه.
العنصر الثالث: الأنفة وألا يطيعوا فى ذلة
، بل يتبعون فى هداية ورشد مختارين، غير مجبرين، ولقد جاءت بعثة النبى ﷺ فيهم، فبدت هذه السجايا، وشقت طريق النور فى وسط الظلمات.
الله أعلم حيث يجعل رسالته
٤٠- نعم، الله واحده هو الذى يختار مكان الرسالة، والذين يحملون الرسالة، والذين ينزل عليهم الوحي، ويبلغون رسالة الله تعالى إلى خلقه، فاختار الله تعالى أرض العرب، لأنها أرض الرسالات العامة التى جاء بها النبيون الذين أرسلوا مبشرين ومنذرين، وأوتوا الكتاب الإلهى بقوة.
وفيها العبر وفيها المثلات، وفيها الاثار التى تدعو إلى الاعتبار، وهى لا مطمع فيها لتحكم أو تسيطر، وهى التى لم تغلب عليهم قوى الشر، وإن كانت فيهم عيوب، فهى التى تتعلق بالعلم، ولا تتعلق بالنفس، وهى التى لم يجر فيها الذل الذى يفرضه الملوك الذين يفسدون النفوس، ويجعلون أعزة أهلها أذلة كما قال الله تعالى حكاية عن بلقيس: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ «١» .
ولقد كانت نفوس أولئك الذين لم يتمرسوا بظلم الملك هى التى حملت رسالة العزة إلى بقاع الأرض، وإذا كانوا قد أبوا حكم الملوك فى جاهليتهم، فقد قوضوا عروشهم بعد إسلامهم، هم أعداء التحكم الفردى، وهم الذين قوضوا قصورهم انتهاء، بعد أن أشربوا حب الإسلام وحملوا لواءه شرقا وغربا.
وإنه لو كان لنا اختيار فى أرض غير العرب، لأعيانا الاختيار، لأنها أرض العزة، فلا ذلة فيها، وأرض الحرية، وهى أرض الشجاعة، ولا ينقل دين العزة والإقدام، والعمل الصالح إلا الأحرار الذين يتأبون الدنية،
стр. 41
ولا يرضون بالذل، ويتحملون الشدائد، وليس ذلك إلا فى العرب، وأرض العرب، ولذلك ما أن انطلقوا بالإسلام إلا خرجوا من ديارهم يدعون إلى الحق، ويهدون إليه من غير توان، ولا فرار، ولا يأس، ولا يتركون البأس إلى الرخاء.. لأنهم تحملوا الام الصحراء.
وترى لو تصورنا أرضا للنبوة فى غير أرض العرب، أتكون فى أرض القياصرة حيث تطامن العامة لحكم القيصر، وديثوا بالصغار له نفوسهم، حتى حسبوه من طينة غير طينتهم، وحيث يختلفون فى كل شيء، وحيث لا يحكم بينهم إلا الهوي، وحيث العنصرية الجاثمة على الرؤس، وحيث رق النفوس لهوى الحكام، والخروج على كل منطق للمساواة الإنسانية.
وإذا لم يكن الرومان، أفتكون أرض الفرس هى أرض النبوة، وكسراهم فرض عليهم المذلة والهوان، وتوزعتهم سيادة الأشراف، حتى إذا بعدوا عن ذل الملك، وجدوا ذل الحاشية، ووجدوا أنهم يتنقلون فى الذل والهوان، وقد لانت نفوسهم، وخنغوا وهانوا أمام الملوك، وهل هؤلاء فى ذلتهم هم الذين يحملون دعوة الإسلام إلى العزة؟ وهل هم فى رقهم النفسى هم الذين يدعون إلى الكرامة الإنسانية التى سجلها الله تعالى فى قوله تعالت كلماته: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ، وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا «١» .
لا يمكن أن تكون دعوة الحق ممن تمرسوا بالظلم، حتى أمات نخوتهم أو ممن ألفوا الخضوع، حتى لا يستطيعوا التفصى عنه، والخروج منه، ولا ممن قنعوا بالحياة الدون، ورضوا بالهون، إنما لا يدعو إلى العزة ولا إلى الحرية إلا الأحرار.
وهل تتصور أن تكون أرض الفراعنة هى التى تدعو إلى إسقاط حكم الفراعنة، وإعلان أن الناس قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، وما انتقلوا من حكم الفراعنة إلا لمن هو أطغي، وأشد بغيا، وأكثر عتوا وفسادا، فهم يسارعون فى الذل والهوان، وينتقلون فيه من قطاع إلى قطاع، ومن جانب إلى جانب، لا يتململون، ولا يضجون ولا يثورون لقهر قاهر، أو ظلم ظالم، بل إنهم يألفون الخضوع حتى يحسب الدارس لهم أنهم يستطيبونه، ويستمرئونه، ويعاونون من يذلهم وينغضون رؤسهم على من يحاول أن يبث فيهم روح العزة والكرامة، بل يحسب أنهم يجدون العزة عبئا لا يمكن احتماله، وحملا لا يمكن حمله، ووزرا يرزحون تحته.
قال لهم فرعون: أنا ربكم الأعلي، فصدقوه. وقال لهم: أليس لى ملك مصر، وهذه الأنهار تجرى من تحتى فلم يكذبوه. وقال لهم: ليس لكم من إله غيري، فقالوا: أنت الإله.
لقد تضعضعت نفوسهم، حتى ألفوا الذلة فصبت عليهم، وقبلوا أن يكونوا قوما بورا.
стр. 42
وإن الذلة كانت تجرى فى دمائهم، حتى إنه إذا جاءهم من يريد لهم العزة استنكروا ما يدعو إليه، وإن صدقوه جعلوه معبودا أو كالمعبود، وأطاعوه فى الخير والشر، وتصوروا فيه ما ألفه اباؤهم من تقديس لقوله، وإطاعة لعمله، يذوقون الجوع والعري، ويرضون، لأنهم كانوا مع فرعون فلا يتصورون الطاعة، إلا لمن يشبه.
إن موسى ﵇ عندما بعثه الله تعالى بعثه فى غير مصر، وفى غير أرض فرعون، ولما دعا فرعون بدعوة الحق لم يجد مستجيبا إلا من السحرة، وعدد من الشعب ليس بالكثير، فما امن من قوم فرعون إلا قليل، وخرج ببنى إسرائيل ناجيا بهم. وأطبق البحر على فرعون، وخرج إلى سيناء ليدعو بدعاية الحق، ولكنهم لم يصلحوا لتمرسهم بما كان عليه المصريون حتى أنهم أرادوا أن يتخذوا من عجل صنعوه لأنفسهم إلها، كما كان المصريون يعبدون العجل، وهانت نفوسهم كشأن المصريين، حتى أن موسى عندما طلب منهم أن يدخلوا الأرض التى كتب الله تعالى لهم أن يدخلوها، غلبت عليهم شقوتهم، وغلب عليهم الذل الذى أذاقهم فرعون كؤوسه.
واقرأ ما حكاه القران الكريم عنهم، فقد قال موسى يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. قالُوا يا مُوسى، إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ، فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «١» .
كان ذلك من تأثير إذلال فرعون، فكتب الله عليهم التيه أربعين سنة، حتى يتربوا على البأس والقوة، ويجيء جيل يغالب. ولو تركنا الشرق الأدنى إلى الهند لوجدنا الطبقات قد قتلت فيها النخوة، ودفعت شعبها إلى الاستسلام للذل، إذن فليس لدعوة الحق والعزة والحرية إلا العرب.
стр. 43
مكة المكرمة
٤١- إذا كانت الجزيرة العربية موطن النبوة الأولى، وقد ثبت أن خليل الله تعالى إبراهيم ﵇ اوى إلى بلاد العرب بعد تطوافه بين العراق وأرض كنعان، وبنى بيت الله تعالى، وقد وجد فى الدعوة إلى الواحدانية فيها مستجيبا، وأنشأ فيها بيت الله الذى قال الله تعالى فيه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً «١» .
كانت مكة المدينة الممتازة بين العرب، وقد تضافرت أسباب كثيرة فى العرب جعلتها مناط عزتهم، وملتقى اجتماعهم، وجماع لغتهم، وكان من أهم هذه الأسباب وأبرزها:
(أ) أن أبا الأنبياء هو الذى ابتدأ بإنشائها، وكانت من بعده مدينة العرب العظيمة وقطبها الذى تدور حوله قواها، وهى وسكانها أولاد إبراهيم، ذوو المكانة العظمى عند العرب استجابة لدعاء إبراهيم إذ قال ﵇، كما حكى الله : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ، وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ. رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ. «٢»
فكانت الاستجابة لدعوة إبراهيم ﵇ أن كان العرب يفدون إليها من كل فج عميق، من وقت أن أنشأ إبراهيم البيت الحرام، وصار مثابة للناس وأمنا، وملتقى العرب أجمعين، مع اختلاف قبائلهم، وتباين منازعهم.
(ب) وكان سكان مكة المكرمة هم قريشا الذين كانوا أعلى العرب فكرا إن كان العلو بالفكر، وأشرفهم نسبا، إن كان التفاخر بالنسب، ولسانهم كان أقوى الألسنة أداء، وأفصحها لفظا، وأشرقها أسلوبا، ولذلك كان العرب يجتهدون فى أن تكون اثارهم الأدبية بلغة قريش، فكان الشعراء حريصين أشد الحرص على أن يكون شعرهم بلغة قريش، ويعتزون بأن يكون على نهج اللسان القرشى.
ولقد ذكر رواة الأدب أن من ينال قصب السبق يعلق شعره على أستار الكعبة، كأنما يسجل بين العرب ماثره الشعرية، ومكانته بين الناس.
стр. 44
(ج) وجود البيت الحرام بها، وهو أعلى الأسباب، إذ أنه صار بيت العرب الدينى، ومستقر شرفهم، إليه يحجون، وبه يأمنون، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ «١» .
لقد كانوا لتقديسهم لمكانة البيت، يحرمون على أنفسهم أن يقتلوا أو أن يقتتلوا داخل الحرم، حتى أنهم مع تشديدهم فى الأخذ بالثأر مما فرق جمعهم كانوا يحرمونه على أنفسهم فى الحرم المكى، زاده الله تعالى تشريفا وتكريما، وأن الرجل كان يلقى قاتل ابنه أو أخيه فلا يمسه بسوء لمكان التقديس النفسى، بل إنهم لا يحترمون المكان فقط، بل يحترمون أيضا الزمان الذى يكون فيه الحج إلى بيت الله الحرام، فكانوا لا يتقاتلون فى أشهر الحج، ولا شهر العمرة، وهو ما يسمى بالأشهر الحرم، وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذى بين جمادى وشعبان، إذ كانت فيه عمرة مضر، ولذلك سمى رجب مضر.
وقد أقر الإسلام من بعد حرمة البيت، ومنع القتال فى الأشهر الحرم إلا إذا كان فيها اعتداء، فإنه يكون من ظلم النفس ألا يدافع المعتدى عليه عن نفسه.
(د) لقد كانت الصحراء العربية موضع تنازع بين القبائل، ولم يكن فى القبائل من تقرر لها نظام، إلا مكة، وإن لم تكن فيه صفة الدولة، بيد أنه كان سلطانا ناشئا من تعاونهم، وتضافرهم، وتلاقيهم، فهو نظام حر ناشىء ومنفذ بين قوم أحرار، وإن لم تكن دولة ابتداء، فإنه يجوز إذا اتسع السلطان، ووجدت المقدرة الثابتة، يصلح أن تكون فيه دولة العرب من بعد، لأنهم يجدون فيها الرياسة المختارة من الشعب، بمقتضى الإرادة العربية التى تتلاقى فيها القبائل، وبمقتضى الانتخاب الطبيعى فى البلاد العربية.
(هـ) وكانت قريش بمكة المكرمة ذات اتصال تجارى بين الروم والفرس، فكانت فيها المتاجر تغدو وتروح ذاهبة إلى اليمن حاملة بضائع الروم إليها، ومن اليمن تنفذ إلى ماوراءها فى أرض الفرس، وكانت بضائع الفرس التى تؤخذ من اليمن تذهب إلى الشام لتصل إلى ماوراءه من الرومان.
والسبب فى أن مكة كانت لها تلك الميزة الاقتصادية أنها كانت فى وسط البلاد العربية بين اليمن والشام، وأن المواصلات إبان ذلك كانت عن طريق البر بالصحراء العربية، وفوق ذلك النزوع التجارى فى أهل قريش، احترفوا التجارة، واتخذوها مرتزقا لهم، إذ لم يكن فى مكة زرع يغنيهم.
وكان العرب يتخذون موسم الحج سبيلا للصفق فى الأسواق التى تعقد فى أيام الحج، ومن هذه الأسواق عكاظ، وغيره، وكان هو أكبرها.
стр. 45
ولرغبة العرب البيانية قد اتخذ الشعراء من هذه الأسواق سوقا لترويج شعرهم، فكانت الأسواق فيها الزاد المادى، وفيها الزاد البيانى.
وقد قال الله تعالى فى روح قريش التجارية لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «١» .
(و) ويجب أن يذكر فى هذا المقام أن الوثنية سادت العرب، فنسوا دين إبراهيم، ودين هود وصالح وغيرهم وسرت فيهم الوثنية سريان النجاسات فى الماء الطاهر القراح، ولعل قريشا فى مكة اخر من دخل فى الوثنية، كما تحدث أخبار العرب، فالوثنية سرت إليهم من غيرهم، ولم تنبعث من أرضهم، ولكنها موجة من الموجات التى كثرت فى ذلك العصر، وما سبقه، حتى لقد حسب بعض الناس أنها موجة من التفكير الدينى سرت فى العرب، ووفدت إليهم من حولهم، وجاءت إليهم من أرض غير أرضهم.
وقد أشرنا من قبل إلى أن العرب وخاصة قريشا لم يكن إيمانهم بالأوثان إيمانا متغلغلا فى النفس، إذ أنه كان مع الاعتقاد فى الأوثان اعتقاد بأن الله هو خالق الكون، وبقية من تعاليم إبراهيم ﵇، فمناسك الحج كانوا يقومون بها على اختلاف أو انحراف، وألفاظه الموروثة كانت تردد على تحريف يقرب من وثنيتهم.
وكون بقايا من ديانة إبراهيم فيهم كان يجعلها موضع الرسالة، وإذا كانت الوثنية قد قاومت التوحيد الذى جاء به محمد ﷺ فما كانت كلها من أجل الاعتقاد، بل من تسلط العصبية الجاهلية، والمنافسة فى الشرف بين بطون قريش وأفخاذها، كما سنبين إن شاء الله تعالى عندما نتحدث فى مقاومة الشرك للواحدانية، وذلك بمقاومة زعماء مكة للنبى ﷺ .
كانت مكة جماع العرب، فكانت بها دار الندوة التى تجمع أقيال العرب وكبراء القبائل، من شتى الجزيرة، من اليمن جنوبا إلى الغساسنة بالشمال، فإذا أهم العرب أمر واحتاجوا إلى أمر جامع لا يجدون مثابة تجمعهم إلا دار الندوة فى أرض مكة المكرمة، وكانت الرياسة فيها لقريش، وأقربهم كان من جدود النبى ﷺ ، وكان ﵊ يحضر ندوة قريش فى صدر حياته، وكان مع هدوء طبعه، واطمئنان نفسه يلفت الأنظار، وتتطلع إليه الأبصار.
يروى أنه كما جاء فى كتاب «زهر الاداب» حضر الندوة قيل من أقيال اليمن، فرأى الرسول، كلما عرض ما يراه خيرا اطمأن إلى القول اطمئنان المؤمن، وإذا كان ما يرى فيه غير الخير أحد البصر، فى
стр. 46
هوادة، من غير هوان، فقال ذلك القيل: «مالى أرى هذا الغلام ينظر إليكم تارة بعينى لبؤة وتارة بعينى عذراء خفرة، والله لو أن نظرته الأولى كانت سهاما لانتظمت أفئدتكم فؤادا فؤادا، ولو أن نظرته الثانية كانت نسيما لأنشرت أموآتاكم» .
ومكة فوق ذلك لها المكانة فى التاريخ الدينى القديم، فقد ذكرت فى الديانات القديمة، واليهودية والنصرانية. وقبل أن نخوض فى ذلك نتكلم فى ناحية حول حال مكة المكرمة.
أول بناء فى مكة المكرمة وبلوغها هذه المنزلة:
٤٢- وإن مكة قد صارت مطمع امال العرب، لما ذكرنا من معان دينية وقومية وثقافية وتجارية، ولكن لابد من معرفة وقت قدسيتها، ونيلها هذه المكانة بين العرب، وإن ذلك أمر لابد منه فى دراستنا عن النبى الذى ظهر فى هذه المدينة. واتصالها بماضيها القريب والبعيد.
كان مكان مكة وسط البلاد العربية، وقد ذكر ياقوت الحموى وضعها فى كتابه «معجم البلدان» فذكر أنها بقعة من الأرض تحيط بها الجبال الجرداء من كل جوانبها، وينفذ من بين هذه الجبال المحيطة ثلاثة مسالك، أحدها سلك بها إلى طريق اليمن، ويصلها الثانى بطريق جدة حيث سيف البحر، ويكون مرفأ جدة، ويصلها الثالث بطريق الشام، حيث يمر بيثرب، وبذلك يتضح اتصالها منذ القدم، وإن كانت الشقة بعيدة.
وقد كانت البقعة التى أنشئت فيها تلك المدينة التى تتوسط البلاد العربية، ملتقى القوافل، ومنتجعها فى السفر، حيث تأوى وتستريح بين جبالها حيث كان فى الوادى حول هذه البقعة ماء العيون، وكان بجوارها أو على قرب منها أماكن منثورة، كان يلوذ بها التجار بقوافلهم.
وإن إبراهيم عندما أوت إلى هذه البقعة هاجر جاريته وولدها إسماعيل وألهمه الله تعالى بناء الكعبة، التى كانت أول بيت للعبادة، كما تلونا من قبل، وإن إنشاء ذلك البيت المقدس هو الذى أدى إلى تكوين المدينة، وإن هذا تصوير للوقائع التى حدثت، والتى ذكرها القران الكريم فى محكم التنزيل.
وإن فى التاريخ ما يدلنا دلالة راجحة على ابتداء بناء المدينة، وإن معرفة ابتداء المدن فى ذلك الماضى السحيق لا يمكن أن يكون على وجه جازم أو راجح، فإن المدن لا توجد مساكنها فى أمثال هذه العصور البعيدة التى تنشأ فى الصحراء، ولم تكن فى أرض لها حكومة ثابتة قائمة، تنشىء وتخطط، وتبنى وتهندس، إنما الذى يتصور أنها ابتدأت ببناء المسجد، ثم تدرجات، ثم أخذ الزمان يزيدها بناء، والعمران يدخل إليها
стр. 47
شيئا فشيئا، وإن تصورها على أساس التصور الذى أو مأت إليه المصادر الدينية، فإنه يكون إنشاؤها قبل ميلاد المسيح بنحو تسعة عشر قرنا.
ويستفاد من هذا أن الكعبة قد بنيت، أو على الأقل بناها إبراهيم ﵇ قبل دخول القبائل الارية الهند، لأنها دخلت فيما نظن قبل ميلاد المسيح ﵇ بنحو خمسة عشر قرنا، وعلى ذلك لا تكون ثمة غرابة فى أن يجىء ذكر مكة والكعبة، والتبشير بمحمد ﷺ فى كتب الفيدا المقدسة عند الهنود كما سنبين إن شاء الله تعالى.
ومهما يكن فإن الذى بنى الكعبة إبراهيم، والتفت من بعده حوله الأبنية، سواء أكان ذلك قبل تجمع الأبنية لتكون مدينة مكة أم كان بعد التجمع، وفصل القران الكريم ذلك فى نصوص كثيرة.
ولكن الذين يحاولون مهاجمة القران الكريم من ناحية التشكيك فى الوقائع التاريخية التى يشتمل عليها، ينكرون أو يفترون، أو يثيرون الشك المجرد.
فيثير الريب قوله إن قصة إبراهيم وإسماعيل من صنع اليهود قالوها ليربطوا بينهم وبين العرب برابطة من قربى النسب، حتى يكونوا أولاد عمومتهم، ليحسنوا إيواءهم، إذ يؤوون إليهم ذوى قرابتهم لرابطة الرحم بينهم، ويسوق شاهدا لكلامه التباعد بين الوثنية العربية، وبين دين إبراهيم ﵇ الذى كان مواحدا، وكان هادم الأوثان.
وفى الحق أن ذلك الكاتب أو المؤرخ غلبت عليه شهوة التشكيك فى القران فساق كلاما لا يا بنى على أى أساس علمى من وقائع ثابتة، لأنه كان يجب أن يا بنى الطعن على وقائع ثابتة، إنه يحاول هدم أمر معروف مقرر، ذكره التاريخ قرنا بعد قرن، حتى جاء إلى هذه العصور، وقد تطابقت عليه الكتب السماوية حتى المحرفة منها، فقد جاء ذكر إبراهيم وإسماعيل فى التوراة، أى كتب العهد القديم التى يؤمن بها المسيحيون، وأنهم جاؤا إلى بلاد العرب.
فقد جاء فى التوراة (أي كتب العهد القديم عند المسيحيين)
قد جاء فى الإصحاح السادس خبر هاجر الجارية وحملها، وذهابها بابنها فى البرية (أى الصحراء) «هو ذا الرب قد أسكننى عن الولادة، ما دخل إلى جاريتى لعلى أرزق منها بنين ... لما رأت هاجر أنها حملت صغرت فى عينها، فقالت ساراى لإبراهيم: ظلمى عليك، وقعت جاريتى إلى حضنك، فلما رأت أنها حبلت صغرت فى عينيها، يقضى الرب بينى وبينك، فقال إبراهيم لساراى: هو ذا جاريتك فى يدك افعلى بها ما يحسن فى عينيك، فأذلتها ساراى، فهربت من وجهها، فوجدها ملاك الرب على عين الماء فى البرية، على العين التى فيها طريق شور، وقال: يا هاجر جارية ساراى، من أين أتيت؟ وإلى أين
стр. 48
تذهبين، فقالت: أنا هاربة من وجه مولاتى ساراى. فقال لها ملاك الرب: ارجعى إلى مولاتك، واخضعى تحت يديها، وقال لها ملاك الرب: تكثيرا أكثر نسلك فلا يحصى، وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى وتلدين وتدعينه إسماعيل، لأن الرب قد سمع لضراعتك، وأنه يكون إنسانا وحشيا، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن» .
وجاء فى الإصحاح الحادى والعشرين: «مضت وتاهت فى برية بير سبع، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار، ومضت وجلست مقابله بعيدا على مرمى القوس، لأنها قالت:
لا أنظر موت الولد، فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الرب هاجر من السماء: لا تخافى، لأن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو، قومى احملى الغلام، وشدى يدك به، لأنى سأجعله أمة عظيمة، وفتح الله عينها، فأبصرت بئر ماء، فذهبت وملأت القربة ماء، وسقت الغلام، وكان الله تعالى مع الغلام، فكبر، وكان وسكن فى برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر» ..
٤٣- (أ) هذه نصوص صريحة فى التوراة تدل على أن إسماعيل ولد من هاجر جارية سارة، وأنه ولد فى برية فاران، وهى قد كانت حول الكعبة، وأن هذا حجة على منكر أن يكون إسماعيل من ولد إبراهيم أو أنه جاء إلى أرض الحجاز، وأن اليهود قالوا هذا ليتقربوا إلى العرب، بحسبان أنهم أولاد عمومة.
(ب) وعلى أن هذا التشكيك أمر مثير، من غير بينة، ولا دليل، وكأنه يشك فى التوراة أيضا، وما كانت إصحاحات التوراة مقارنة لتقريب اليهود من العرب، بل إنها سابقة على ذلك.
وإن الشك الذى أثاره تدل الأمور الثابتة على مناقضة ما أثاره، وذلك لأن الطبع اليهودى فى ماضيهم وحاضرهم أنهم لا يعترفون لأحد بدين غير دينهم، وأنهم كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ويقولون وهم بين ظهرانى العرب: ليس علينا فى الأميين سبيل ... وأن المعروف أنهم كانوا فى البلاد العربية يستعلون على العرب ويظنون أنهم الأعلون بما أوتوا من كتاب.
(ج) وفوق ذلك فإن العمومة المدعاة من اليهود لا أصل لها فى زعم ذلك الكاتب النحرير، فكانت للعرب العدنانية التى تنتهى إلى إسماعيل ﵇، وهم الذين يسمون العرب المستعربة، واليهود، عندما اووا إلى العرب فارين بدينهم من عنت التتار، ومن بعدهم الرومان، ومن أذاقوهم العذاب أكؤسا، إنما أووا إلى أرض عرب قحطان، فهل يعقل أن يتملقوا القحطانيين بادعاء النسب إلى العدنانيين، والارتباط بينهم برباط القرابة بالعمومة ونحوها، إنما المعقول الذى لم يدركه الكاتب النحرير أن يكون الادعاء عند القحطانيين، لا عند العدنانيين، ولا يصدق كلام ذلك إلا أن يكون تصرفهم مخالفا كل معقول، ويأتون عكس ما يريدون، كعقل ذلك الكاتب.
стр. 49
(د) وإن تاريخ العرب المحفوظ أن العرب العدنانية لهم تاريخ ثابت موصول تلقاه أهل العقول بالقبول، وما يتلقاه العلماء بالقبول لا ينقض بمجرد الشك، بل لا يرفض إلا بدليل يناهضه، وبينات تقاومه، ولا يقاوم بمجرد الشك وإلا ضاعت الحقائق، وضلت الأفهام، وظواهر الأحوال شاهد يؤخذ به، حتى يقوم الدليل على خلافه.
(هـ) وأن الزعم بأن أولاد إسماعيل وثنيون، وإبراهيم ﵇ كان مواحدا، فكيف يلتقيان، أو القول بأن العرب وثنيون، والمواحد لا يمكن أن يكون أبا للوثنيين، منطق فاسد، لأن مؤداه أن من يكون مواحدا يجب أن تكون سلالته كلها من الأولاد الصلبيين إلى اخر الذرية، ولو كانوا فى الطبقة المتممة للمائة، مواحدين، وذلك كلام باطل، فإنه قد ينحرف الأبناء عن وصايا الاباء، وإذا كان ذلك غريبا فى الطبقة الأولى، أو ما يكون قريبا منها، فإنه لا يكون غريبا فى الطبقات البعيدة من الذرية.
وإن إبراهيم ﵇ قد طوف فى الافاق داعيا إلى التوحيد محاربا للوثنية، وترك أثره واضحا فى العرب وخصوصا ذريته، فقد كانت ذريته مواحدة، سالكة سبيل الحق فى عبادتها، ولكن القلوب إذا تقادم العهد قد تنحرف شيئا فشيئا حتى تصل إلى الوثنية، فالوثنية، عارضة على العقل العربى، وخصوصا ذرية إبراهيم ﵇، فإن الوثنية لم تكن أصيلة فيهم، ومع ذلك كان فى وثنيتهم بقايا من تعاليم إبراهيم ﵇، وما كانوا يؤمنون بأن أوثانهم لها قوة الخلق والإنشاء، كما كان عند المصريين القدماء، وكما كان عند اليونان والرومان، بل كانوا يقرون بأن الخلق والتكوين لله تعالى واحده، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «١» ، ويقولون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «٢» .
وإن تفكير ذلك الكاتب المستشرق فيه غرابة من حيث المنهاج العلمى المستقيم من ناحية أمرين:
أولهما: أنه من الاستهانة بأى منهاج عقلى أن يثير عالم الشك من غير أى مسوغ للريب من أمور تقترن بالأمر الجازم المقطوع به، فإن ذلك إثارة لطريقة السوفسطائيين الذين يشكون فى حقائق الأشياء شكا مجردا من غير أى باعث علمى، أو من غير أى بينة تسوغ الشك، حتى يحارب اليقين، ولكن هذه الأمور البدهية نسيها ذلك الباحث إن صح هذا الوصف له، وما أنساه إلا شيطان التعصب المردى الذى ينزل من علياء العلم إلى مهاوى العمى. فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ «٣» .
ثانيهما: أن من الحقائق الاجتماعية والنفسية، أن العقائد فى الناس تتحول وتتغير، ويجرى عليها نظام التغير، ويستمر فى طريقه، ما لم يكن هناك كتاب ثابت يهدى إلى الحق، ويرشد الضال فيهتدى، ويكون ميزانا يمنع الانحراف.
стр. 50
مكة المكرمة موطن تقديس لأجل الكعبة المشرفة:
٤٤- وإن التاريخ الإنسانى العام جاء فيه ذكر مكة والكعبة، وقد ورد اسمها فى مصادر التاريخ اليونانية واسمها فى كتاب بطليموس الإسكندرى ماكورايا «١» . وإنها أقدم من ذلك، فإنها تمتد فى القدم إلى تسعة عشر قرنا قبل الميلاد، وذكره لها فى القرن الثانى بعد الميلاد، لا يومىء من قرب أو بعد، إلى أنها كانت غير موجودة قبل ذلك العصر، وليس إنشاؤها فيه إذ هو إخبار عن الموجود، وليس بيانا لوقت الوجود.
والمؤرخون بشكل عام ذكروا أنه كان فى غرب الجزيرة العربية أماكن للعبادة كانت فيها مكة، وما حولها من الصفا والمروة. وعرفات، والمزدلفة، ومنى كانت بالقرب منها، فإذا كان المؤرخون يذكرون أماكن للعبادة فى غرب الجزيرة العربية فهى هذه الأرض.
وقد جاء فى كتاب تاريخ الإسلام لجواد على: «قد ذهب أو غست ميل إلى أن المعبد الذى قال عنه ديودور الصقلى أنه معبد مشهور هو مكة» «٢» .
ويستفاد من هذا أمران:
أولهما: أن مكة كانت قائمة بشهادة التاريخ العام.
وثانيهما: أن الكعبة كانت بها، وكانت معبدا يفد إليه الحجيج من كل مكان من بلاد العرب، يقصدها القاصى والدانى من تلك البلاد.
٤٥- هذه شهادات المؤرخين بتقديس الكعبة فى القديم، وبمنزلتها عند العرب، واجتماعهم حولها مع تفرقهم منازع، وقبائل وعصبيات أحدثت حروبا مدمرة، ودماء مهراقة، مع ذلك يلتفون متحابين أو غير متحابين، ولا اخذين بثاراتهم احتراما للبيت، وتقديسا لهذه البنية التى زادها الله تعالى تكريما وتشريفا.
стр. 51
المكان والزمان
[المكان]
٤٦- كانت مكة هى المكان المختار للرسالة، وقد أشرنا إلى ما كانت تمتاز به بين البلاد العربية، فأشرنا إلى مكانتها الثقافية، فهى ملتقى العرب، ولغتهم أفصح اللغات، وشعراؤهم يعملون على أن تسجل أشعارهم بلغة قريش، فكأنها التى تختص بوصف الفصحى واللغات الاخرى بجوارها كاللغات العامية بجوار الفصحى فى عصرنا الحاضر، وهى ملتقاهم الدينى، فإليها يحجون وينسلون من كل أرضها، ويلتقون فى أسواقها ونجوعها، بها تروج بضائعهم، ويروج أدبهم، وفيها يتفاخرون من غير ملاحاة ويتجادلون من غير مجافاة، وفيها تحقن الدماء، وتغمد السيوف فى أجفانها، ويلتقون على التدين والمحبة، ولا يلتقون على العداوة والبغضاء، الامهم يطرحونها وأحقادهم يستدبرونها، ولا يرون أمامهم إلا النسك على قدر مداركهم وتبادل المنافع، والقول الطيب، ومع أن كل قبيلة لها صنمها فى الكعبة على ظاهرها، كانوا يجتمعون فى العبادة على تقديس البيت الحرام مطرحين ما عداه.
وكانت مكة مع هذه المنزلة الثقافية والدينية والاجتماعية ملتقى القوافل التى تجىء من اليمن ومن أقصى الشرق، والقوافل التى تجىء من أقصى غرب الجزيرة، فتلتقى فيها المتاجر، وتلتقى فيها العقول الناقلة للحضارات، ولو نقلا سطحيا، ولا يصل إلى أعماق القلوب، ولكنه يمس المدارك، وأنه فى مكة ويثرب تلتقى البداوة ببعض الحضارة، فيكون مزج بين رقة الحضارة، مع خشونة البادية، فيكون مزيج غير متميع، وقوة نفس فى غير جفوة، ويلتقى صفاء البداوة والحضارة العربية فيها، فينتفى الخبث، ويبقى اللب الكريم.
وإن أكثر الرسالات الإلهية التى كانت على مقربة من الرسالة المحمدية كانت فى أرض تكون على مقربة من البوادى أو هى فى البوادى ومثلها كالواحات فى وسط الصحراء لأن أولئك تكون نفوسهم قابلة للجديد من الرسالة، وغير متخلفة فى مداركها.
(١) إذ يكون فيها الصفاء الصالح لتلقى تكليفات الوحى الإلهى، وفيها المدارك المتقبلة التى تزن وتفكر وتربط حاضرها بماضيها، وتستخرج من ماضيها ما ينير لها حاضرها، من غير إعنات فكرى ولا إجهاد نفسى، والمقاومات للرسالة تكون أعراضها ظاهرة، يمحوها الزمان القصير، إذ ليست مستكنة فى أغوار النفوس، وخبايا القلوب، بل إنها على سطحها، والتغيير يعرو السطوح، ولا يتجه إلى عميق القلوب.
(ب) وإن المدائن ذوات الحضارات تكون فيها عادات راسخة، وتقاليد ثابتة، وأفكار سائدة، فلكى تدخل العقيدة الجديدة يجب تفريغ الأذهان مما امتلأت، حتى يكون ثمة حيز للتفكير الجديد، إذ أن
стр. 52
العلوم وما يتصل بها من فلسفات سواء أكانت حقا أم كانت باطلا تملؤها، وإذا جاء الدين الجديد كانت المصارعة بين ما ألفوا، وما جدلهم، وأقل أبواب المصادمات المجادلة، والمجادلة مع المتعصبين تضيع فيها الحقائق، ولا يبدو جوهرها نقيا صافيا.
وإن الأفكار العلمية ولو خطأ تركز فى النفس، والتقاليد المستحكمة المسيطرة تشتد حتى تصل إلى أغوارها فلا يسهل الوصول إلى اقتلاعها.
وقد يقال إن أهل البادية لهم عادات وتقاليد، كما أن أهل الحضارات لهم ذلك، ونقول فى الجواب عن ذلك: إن تقاليد البدو لا ترتكز على عناصر فكرية تتغلغل فى الأذهان، وتسيطر على القلوب كالأفكار والاراء فى بلاد الحضارات، وما يكون فى دائرة العمل من غير تغلغل فى النفس لا يكون راكزا ثابتا، كالذى يكون منشؤه التفكير العميق.
(ج) وإن التجارب قد أيدت ذلك، فإن الدين الجديد يسهل دخوله فى البادية الصافية نفوس أهلها.
(د) وإن أى دين لابد له من ناس يحملونه، ويسيرون به، وأهل البادية الذين يكون عندهم نوع من التفكير والرقى النفسى يكونون أقوى نفسا، وأشد جلادا، وأكثر احتمالا، ولقد قرر الاجتماعيون أنهم هم الذين يحملون أعباء الجهاد فى سبيل ما يعتقدون مادامت أوضاع الحضارة لم تصب قلوبهم. بل فيهم بأس وقوة احتمال.
وإن الشواهد قائمة، فإننا نجد الأديان التى جاءت برسل أوحى إليهم من السماء كان بعثهم فى الأرض التى تكون بين الحضارة والبداوة، وكان التابعون دائما من أهل البأس والقوة الذين عاشوا فى الصحراء، وقاوموا لأواءها، ولم يكونوا من أهل المدن التى أصيبت بطراوة التحضر.
واعتبر ذلك بموسى ﵇، فقد أرسل إلى قوم فرعون، ولكن ما نزلت عليه الرسالة إلا فى أرض مدين المتاخمة لحدود الشام، وما وجد الذين يستجيبون له من أهل مصر، وما كانوا هم الذين حملوا عبء التبليغ من بعده، وحمله غيرهم.
ولقد كان بنو إسرائيل أضعف فى نفوسهم من أن يحملوا عبئها من بعده؛ وذلك لأنهم مردوا على أخلاق المصريين وإن لم يكونوا منهم، فكان لابد من أن يتربوا على البأس فى البادية، ليستطيعوا حملها، ولذلك قال تعالى لموسى ﵇ إذ أمرهم نبيهم موسى ﵇ أن يدخلوا الأرض
стр. 53
المقدسة التى كتب لهم أن يدخلوها وإن لم يقيموا فيها: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «١» .
ولقد فهم بعض الكتاب أن المواحدين كانوا فى الساميين فقط، وجاء بعض الأوربيين، وعلل ذلك بأن العقل السامى عقل سطحى، لا يفهم من العقيدة إلا التوحيد، ولا يتصور المعنى الفلسفى فى التثليث، وهذا الكلام يأتى على عقيدته بالنقض، لأن عقيدته المسيحية جاء بها سامى، فلابد أن يكون ما أتى به، وما دعا إليه يتفق مع السامية التى لا تهضم فلسفة التثليث وأن يكون التثليث الذى نسب إليه لا تشتمل عليه دعوته، ولا تدعو إليه رسالته، وليس ما اشتملت عليه عقيدته.
على أن العقل الارى قد اعتنق الواحدانية فى أصل الديانة البرهمية التى جاءت بها القبائل الارية، فدعوى الاقتصار فى الواحدانية على العقل السامى يأتى على أصل التثليث بالنقض، وينتهى بأن التثليث من أوهام الفلاسفة، وليس من عقائد الرسل.
ولعل ما ذكرنا من أن القبائل الارية التى جاءت تحمل الديانة البرهمية من بوادى اسيا، قرينة على أن الرسائل الإلهية، إنما تنزل فى الأرض التى تكون بادية قريبة من المدائن، أو تكون فى طريق القوافل، فقد جاءت إلى الهند التى كانت مملوءة بالأنهار والأحراش، وفيها تحضر نوعا ما، ولم يكن فيها صفاء البادية، وبأسها، وقوتها وسذاجتها، وسلامة فطرتها، ولذلك سرعان ما حرفت العقيدة إلى الصورة التى جاءت بعد ذلك من نظام الطبقات الظالم.
وقد أشرنا من قبل إلى أن الرسائل الإلهية غير محصورة، وأن الله تعالى ذكر أنه لم يقص في القران أخبار كل النبيين، فقد قال تعالت كلماته: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ «٢» .
وسيتبين عند الكلام في البشارات التي بشرت بالنبي ﷺ أن من البشارات ما جاء في كتاب الفيدا الذي هو أعلي مصادر الديانة البرهمية، وبينا في وضوح أنها في أصلها ديانة توحيد، كما جاءت بالفيدا النصوص الدالة علي ذلك مما يدل علي أنها ديانة منزلة ابتداء، وإن انحرف عنها القوامون عليها، وشاهت إلي الحال التي الت إليها من عصور سابقة ولا تزال قائمة إلي الان.
٤٧- من هذا البيان الموجز يتبين أن البيئة الطبيعية بمكة وما حولها وما لها من مزايا امتازت بها كانت من المرشحات لأن تكون موطن النبوة وموطن خاتم النبيين، فإذا كانت النبوة قد ابتدأت بإبراهيم أبي الأنبياء وإسماعيل ابنه، فإن ختام النبوة فى العالمين كانت بها أيضا، برجل من ولد إسماعيل.
стр. 54
فهى أصلح مكان لأن ينبعث منها الدين الجديد الخالد إلى يوم القيامة حيث يلتقى العرب جميعا فيها، وحيث الأمن والسلام فيها، وحيث القدسية التى تملأ النفوس تنبعث من أرضها، وحيث دار الندوة التى يتشاور فيها العرب أجمعون.
وكان المكان أصلح الأرض، لأن تغرس فيه أغراس الدين الجديد وأن يؤتى أكله.
والعرب أصلح الجماعات لأن يحملوا عبء الدعوة إليه، والدفاع عنه وحمايته من سطوة الملوك، وطغيان الجبارين حول العرب، ومن ورائهم فهم أهل البأس والنجدة.
ولغة قريش فى مكة أصلح اللغات لأن ينزل بها القران الكريم الذى أعجز العالمين عن أن يأتى أحد بمثله، فالمكان صالح لأن يبعث رسول الله طهرا، وثقافة وقوة بأس، وجلادا، ولغة، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «١» .
الزمان:
٤٨- إذا كان المكان الذى اختاره الله تعالى لخاتم النبوة مكانا يدرك العقل البشرى صلاحيته، ويعلم بالاختيار مكانته، فإن الزمان قد تهيأت فيه الأسباب لدين يجمع الإنسانية، ويهديها، والقلوب قد فرغت، وأصبح العالم فى حاجة إلى هداية من السماء، إذ قد صار الناس على فترة من الرسل، فالديانة السماوية حرفت، وانحرف تابعوها، وغيروا وبدلوا وحولوها عن غايتها، وبعدوا عن الحق فيها.
والأوثان قد تزايلت قوتها وضعفت مكانتها، وأدركت العقول موضع الوهم فيها، فالهة اليونان قد زالت الأوهام التى تحيطها، والأوثان الرومانية تكشف للناس أنها أحجار لا تنفع ولا تضر، وأنها ليس فيها سر يمنع أو يمنح، يضر أو ينفع، يشفى أو يسقم، وعلى فرض أنها لم تذهب الأوهام حولها، فهى خرافات يجب إزالتها، وفساد فى العقول يجب إصلاحه.
وكانت الإمبراطورية الرومانية تعبث برعاياها، وتفرض عليهم طاغوتها، وهم لا حق لهم يستطيعون به تقويمهم، والنفوس قد ضلت وزلت، ولكنها لم ترض وتطمئن، فهى هالعة جازعة، لأنها كانت تفرض على الشعب دينها وإن كان لا يرتضيه، وتفرض عليه عقائد لا يؤمن ولا يرضى بها، كما كانت الحال فى الشعب المصرى الذى فرض عليه دينها، أو عقيدتها، كما فرض عليه سلطانها، وجعلتهم عبيدا أو كالعبيد.
والرومانيون فى داخل أرضهم، وفى الشعوب التى منيت بحكمهم، كانت التفرقة بين الناس عندهم واضحة جلية.
стр. 55
كانت التفرقة أولا، من حيث تحكم رجال السلطان فى الرعية، واختصاصهم بالمال يجيء إليهم من الغنائم التى يغتنمونها فى الحروب، وحرمان بقية الرعية من المال والسلطان معا، والناس لا يشقون لالام ذاتية فقط، وإن كان الحرمان فى ذاته يحدث ألما نفسيا، ولكنهم يألمون من ذلك، ومن رؤية النعمة فى يد غيرهم يرتعون ويلعبون، ويعبثون، ولا حق لأحد فى أن يعترض عليهم أو يلومهم، أو يوجه إليهم نقدا.
والتفرقة من الناحية الثانية فى أن الشرف كل الشرف لطبقة الأشراف والمهانة كلها فى الطبقة المحكومة، والشريف الرومانى يعلو على كل احاد الرعية من الضعفاء.
والرق فى أرض الرومان كانت تتكاثر أسبابه، حتى إنه يسوغ لأى إنسان يرى شخصا من أى شعب أن يسترقه، والحكم للقوى فى العلاقات الإنسانية كلها، وكأن أرض تلك الدولة أجمة يفترس قويها ضعيفها.
والأحكام بين الناس تسير على مقتضى تلك النظم المقيتة التى تفرض التفرقة بين الناس.
والمرأة عندهم أمة لأبيها قبل الزواج، وأمة لزوجها فى بيت زوجها ولو قتلها لا عقوبة عليه.
وهكذا ترى نظاما اجتماعيا أهدرت فيه الحقوق الإنسانية الأساسية التى تثبت للإنسان بمقتضى أنه إنسان. وشاع الفساد، وظهر فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس.
كان لابد من تغيير لهذه الحال، ومن إصلاح لهذا الفساد، لأن الله لا يحب الفساد، والله لا يريد ظلما للعباد، فلابد من أن يكون من يغير هذه النظم، وليس فى الناس من يغير، ويبدل بالفساد صلاحا، وبالضلالة هدى، ولا يكون من الإنسان لأن ابن الأرض ترك لأخيه الإنسان فأكله أو أذله، أو أهدر إنسانيته، لابد من رسالة السماء تكون فى أرض تصاقب الرومان، وهم ذوو بأس وقوة.
٤٩- وإذا تركنا غرب الجزيرة العربية وشمالها، واتجهنا إلى شرقها وجنوبها، فإنا نجد أرض فارس، وما فيها من انحلال سياسى وظلم، وانحلال اجتماعي، وانحلال فى الأسرة، وظلم فى الحكم، نجد كسرى يعتبر الشعب كله عبيدا أو كالعبيد، ومن حوله من رؤساء ودهاقين يسوغون ذلك للناس، ولا يكادون يسيغونه، وأن العقائد المختلفة التى تواردت على العقل الفارسى جعلته فى متاهات فكرية يضل فيها السارى، وتظلم النفس، والطبقية التى سرت إليها من الهنود الذين على مقربة منها حلتها اجتماعيا وإن كانت لم تصل إلى مثل ما كان عليه الهنود. والأسرة كانت غير قائمة على أسس قوية وسليمة، فقد كان الولد يتزوج أمه وأخته، ويتزوج الرجل ابنته، وغير ذلك مما يضعف النفس فى العلاقة الزوجية، وينحدر به الإنسان إلى أحط من الحيوان، وكان مذهب مزدك الذى جاء فى اخر الحكم الفارسى الذى حل
стр. 56
المجتمع الفارسي، وضاعت فيه الأنساب واستبيحت الأموال حتى وهنت الحقوق، وضعف تثمير الأموال، واختلط الحابل بالنابل، وما كان فى المستطاع أن يغير النظام بنظام من فارس، فإن التجارب فى المذاهب السابقة من زرادشتية إلى مانوية إلى مزدكية، لم تنجح فى إصلاح، بل كانت كالأدوية التى تزيد الداء العضال استشراء فى الجسم، فتكون هى أسبابا لتقوية الانحلال، فالزرادشتية دعت إلى القوة، فتحكم القوى فى الضعيف، والمانوية دعت إلى إنهاء ابن الإنسان من هذه الأرض مما اضطر كسرى لقتله، وجاء من بعد ذلك مزدك، فنشر الفساد وانهار به المجتمع الفارسى انهيارا.
إذن لابد من هداية السماء، لتستقيم الأمور، فكانت فى أرض العرب التى تجاورهم، كان من أرض العرب الرسول الأمين ﷺ .
٥٠- واذا تجاوزنا فارس وخراسان وما وراءهما، نجد الهند والصين، وعندئد نجد حيرة العقول واضطرابها، نجد مجتمعا مضطرب التفكير، قد حرفت البرهمية، حتى صارت وثنية بعد أن كانت ديانة مواحدة، وصار براهما إلها مجسما فى أعينهم، مع أنه فى حقيقته رسول أرسله الله تعالي، قد جسموه، وجعلوا بعضه يخلق منه، خلق من أعلاه، وخلق من سواعده، وخلق من ركبتيه، وخلق من قدميه، وحالوا بين الخلق والحق، ثم فرقتهم الفرقة والطبقية، ورضوا بالتنافر بينهم بدل التحاب والتواد، وتقطع بينهم أمرهم، حتى صاروا هدفا يراد، ومقصدا يقصد.
وصارت الأوهام تسيطر عليهم، حتى توهموا فى أحد رجال الدين عندهم أنه إله أو ابن إله، ونحلوه من الصفات ما لا يكون لبشر عادي، وذكروا أن النصارى تبعوه، إلى اخر ما قيل مما أخذه عنهم النصارى من بعدهم.
ولما اتجهت بعض النفوس إلى إصلاحهم كانوا فى حيرة من أى الأبواب تدخل فى الإصلاح، لأن معرفة المداخل والمخارج فى باب التهذيب الدينى لا تكون إلا بدين، ولم يكن ثمة دين مرشد، ولا نبى مبعوث يدعو إلى الحكمة وإلى الصراط المستقيم.
فاقتصروا على ما يوميء إليه الإحساس، فجاء بوذا وأتى بعقيدة هى إلى الحرمان أقرب منها إلى الإصلاح والإيجاب ورفع الإنسان وتكوين الإرادة المتجهة إلى الفضيلة الإيجابية والعمل النافع المثمر، وعمارة هذه الأرض، وإقامة المصالح على أسس خلقى مكين.
وإن الحرمان لا ينتج ولا يثمر، ولا يطبقه العامة، وإن ادعاه الخاصة، ولذلك لم يكتب لهذا المذهب الأخذ به أخذا كاملا، أو قريبا منه، أو حتى إرادته إلا عند بعض الاحاد الذين سموا فى الماضى والحاضر الفقراء، وقد راضوا أنفسهم على الحرمان غير المنتج.
стр. 57
ولما انتقل المذهب إلى الصين أثمرات فيه ثمرات غير إيجابية، وكانت كلها تتجه إلى الحرمان، وقد أراد بعض المصلحين أن يحول الشعب إلى الناحية الإيجابية، ولكن ضلال الفكر، حال بينهم وبين إدراك الحقائق، وقد ضلوا فى تفكيرهم ضلالا بعيدا على النحو الذى ذكرناه فى صدر كلامنا، وإن الإشارة فيه تغنى عن العبارة والإيجاز يقوم فى ذلك مقام الإطناب.
فكانت حالهم تقتضى هاديا مرشدا لا يكون من بينهم، ولا يكون ممن على شاكلتهم، بل يكون من الله تعالي، وإذا كانوا قد عبدوا السماء، فهدايتهم تجيء من خالق الأرض والسماء.
وقد يقول قائل: إنه بلا ريب كان العالم يحتاج إلى رسالة من السماء، وإلى رسالة محمد ﵊ خاصة التى دعت إلى تهذيب النفس وتقوية الجسم، وأن يكون الإنسان ربانيا نافعا. فهل سد الفراغ فى أوروبا واسيا فى مجاهل العالم، ومعالمه؟ والجواب عن ذلك أن الشريعة لا تزال قائمة ثابتة، وما جاء به محمد لا يزال يدعو إلى الحق، ويوجه ويهدي، وأتباع محمد هم الذين قصروا فى العبء الذى حملوه ولم يقوموا بحق الأمانة التى ائتمنهم محمد ﵊ عليها بأمر ربه، والله بكل شيء محيط.
البشارات
٥١- إذا كانت الدنيا كلها كانت تتطلع إلى وجود النبى ﷺ ليصلح الناس، وليعلمهم الكتاب والحكمة، وليهدى من تبلغه الدعوة، وهم ممن يؤمنون بالغيب ويهدون إلى صراط مستقيم، فإن البشارات كانت تجيء إليهم برسول قد قدر الله زمانه، وسيدركهم إبانه، ولم تكن البشرى من الكتب السماوية التى كانت على مقربة من النبي ﷺ ، وهى اليهودية والنصرانية فقط، بل كانت البشرى مما وراء ذلك مما دل على أن هذه الكتب جاء بها رسول، وكانت هذه الكتب مما اشتمل عليه ما يدعو إليه من توحيد الله تعالى العليم العزيز، الذى جاءت النذر والبشرى بما يدعو أهل الإيمان إليه.
وأقدم الكتب التى اشتملت على هذه البشارة بمحمد ﷺ كتب الهنود القدماء، فإن كتابهم فيدا الذى أشرنا إليه، قال بعض المطلعين من المسلمين أن فى فيدا ما يدل على التبشير بوجود الرسول محمد خاتم النبيين، وإليك ما قال ذلك الكاتب ننقله مما نقله عنه الأستاذ المرحوم عباس محمود العقاد فى كتابه «مطلع النور» جاء فى هذا الكتاب القيم ما نصه:
يقول الأستاذ عبد الحق إن اسم الرسول العربى أحمد مكتوب بلفظه العربى فى الساما فيدا من كتب البراهمة، وقد ورد فى الفقرة السادسة والفقرة الثامنة من الجزء الثانى ونصها: «إن أحمد تلقى الشريعة من ربه، وهى مملوءه بالحكمة، وقد قبست منه النور، كما يقبس من الشمس» .
стр. 58
ولا يخفى المؤلف وجوه الاعتراضات التى قد تأتى من جانب المفسرين البرهميين، بل ينقل عن بعضهم أنه وقف عند كلمة «أحمد» فالتمس لها معنى هنديا وحاول إن يجعلها تفيد أننى واحدى تلقيت الحكمة من ربى ... قال الأستاذ عبد الحق ما فحواه، أن العبارة منسوبة إلى البراهمي، (فانزا كانفا) من أسرة كنفا، ولا يصدق عليه أنه واحده متلقى الحكمة من أبيه» «١» .
ويستفاد من هذا الكلام أمران:
أولهما:
أنه ورد ذكر أحمد فى كتاب الفيدا كما ورد ذكر هذا الاسم الكريم فى التوراة والإنجيل.
ثانيهما:
أن البراهمة الذين حرفوا تعاليم هذه الديانة، التى كانت فى الأصل ديانة توحيد، حاولوا أن يحرفوا الكلم عن مواضعه، ويغيروا المعنى بتفسيرها بغير مجراها.
ولا شك أن التفسير التحريفى لهم يخالف ما يدل عليه الأصل كما قرر الأستاذ عبد الحق، وفوق ذلك فإن العبارة تفيد بنصها «أن أحمد تلقى الشريعة من ربه» ويخالفه التفسير المنحرف، فإن الذى تلقاه بالنص أحمد هو الشريعة وإنه تلقاها من ربه لا من ابنه، والفرق واضح بين الأب والرب إلا إذا كانوا يجعلون الرب أبا كما قال النصارى من بعدهم.
وقد يقول قائل إن البرهمية لم يأت بها رسول نزل عليه أمر من الله، وإن الجواب عن ذلك أن نصوص كتبهم تفيد كما ذكر البيروني، أن براهما كان مرسلا ولم يكن إلها، ولم يكن ابن إله، وقد نقلنا لك ما ذكره البيرونى فارجع إليه.
لقد جاء فى كتب الهنود كما قررنا تبشير بمحمد ﷺ ، كما جاءت بكتب فيدا، التى اعتبرها الهنود أصلا لعبادتهم، ولقد ذكر الأستاذ عبد الحق أن وصف الكعبة ثابت فى كتب الاثار فافيدا، ويسميها الكتاب بيت الملائكة، ويذكر من أوصافها أنها ذات ثمانية جوانب، وأبواب تسعة، والأستاذ عبد الحق يعبر عن الأبواب بالأبواب المؤدية إلى الكعبة، وهى باب إبراهيم، وباب الوداع، وباب الصفا، وباب على، وباب عباس، وباب النبى ﷺ ، وباب الزيارة، وباب الحرم.
ويفسر الجوانب الثمانية، كما فسر الأبواب. فيذكر أنها جبال تكتنف البيت الحرام، وهى جبال خليج، وقيقعان، وجبل هندى، وجبل لعلع، وجبل كدا، وجبل أبى حديد، وجبل أبى قبيس.
стр. 59
ولا يلتفت الكاتب إلى ما قاله البراهمة المحرفون من أن البيت هو مثل الإنسان وجسمه، وذلك لأنه قول لا اعتبار له، إذ أنه يتنافى مع وصف القدسية المذكورة وصفا للبيت، ولا إلى أنه بيت الملائكة، فلا يوصف الإنسان بأنه بيت الملائكة.
ويسترسل الكاتب فى بيان أن كتب البراهمة قد اشتملت على إشارة إلى ما يلاقيه النبي ﷺ من عداوات، ويشير إلى عدد الذين حاربوا النبي ﷺ فى موقعة بدر وانتصاره عليهم «١» .
وقد تشكك بعض النصوص فى الكاتب الهندي، ولكن الكاتب لم يعتمد على أوهام توهمها، لم يعتمد على وهمه، أو خياله، إنما اعتمد على المنقول، وفسره تفسيرا تحتمله الألفاظ، ولا يجافى العقول، والذين خالفوه فسروها تفسيرات لا تقلبها العبارات. بل تناقضها، وهى مخالفة للمعقول، كتفسيرهم بيت الملائكة والقداسة بأنه جسم الإنسان، وكتفسير الرب بالأب، وغير ذلك.
٥٢- ولقد ذكر الكاتب الأستاذ عبد الحق إشارة تبشر بالنبى محمد ﷺ من كتاب زاندافستا، إنه وصف فى هذا الكتاب ببعض الأوصاف التى جاءت فى القران الكريم، فقد وصف بأنه رحمة للعالمين، والله تعالى يقول فى الكتاب المبين وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢» وذكر أنه يدعو إلى الواحد الأحد الذى ليس له كفء، وليس له أول ولا اخر، ولا ضريع ولا قريع، ولا صاحب ولا أب ولا أم، ولا ولد، ولا مسكن ولا جسد، ولا شكل ولا لون ولا رائحة.
ولا شك أن هذه أوصاف للذات العلية، وهى من الواحدانية فى الذات والصفات وواحده الخلق والتكوين ثابتة واضحة، والنتيجة لهذا واحدة العبارة فلا يعبد إلا الله تعالى.
ويقول الأستاذ العقاد «ويشفع (أى الأستاذ عبد الحق) ذلك بمقتبسات كثيرة من كتب الزرادشتية تنبيء عن دعوة الحق التى يجيء بها النبى الموعود، وفيها إشارات إلى البادية العربية، ويترجم نبذة منها إلى اللغة الإنجليزية معناها بغير تصرف «إن أمة زرادشت حين ينبذون دينهم، يتضعضعون، وينهض رجل فى بلاد العرب يهزم أتباعه فارس ويخضع الفرس المتكبرين، وبعد عبادة النار فى هياكلهم يولون نحو كعبة إبراهيم التى تطهرت من الأصنام، ويومئذ يصبحون وهم أتباع للنبى رحمة العالمين وسادة لفارس ومديان، وطوس وبلخ، وهى الأماكن المقدسة للزرادشتين ومن جاورهم، وإن نبيهم ليكونن فصيحا يتحدث بالمعجزات «٣» .
стр. 60
وهنا نقف وقفة قصيرة، فإن هذا الكلام يدل على أن زرادشت كان نبيا، وأن ديانته ديانة سماوية، وإلا ما اشتملت على هذه البشارات، وما كان لها عندنا اعتبار، لولا أصلها السماوي، وكيف يتفق هذا مع ما يقال فى كتب الفرنجة من أن زرادشت كان يدعو إلى القوة، وإلى معاضدة الأقوياء، وإفناء الضعفاء حتى وجدت فلسفة فى أوربا تدعو إلى إفناء الضعفاء.. وألا يكون لهم مكان فى الوجود، وذلك يتنافى كل المنافاة مع أخلاق النبوة السماوية، وما تدعو إليه الأخلاق الإنسانية الكاملة، فإن حق الحياة ثابت لكل الأحياء، والضعيف لا يموت أو يبخع بحق قانون الأخلاق وقانون السماء، ولكن يعاون ويعيش، حتى يبلغ أجله.
والجواب عن ذلك أن هذه النصوص موجودة فعلا فى كتب الزرادشتية وهى تؤدى بمنطقها إلى أنها جاءت على لسان رسول فى كتاب سماوي، فقد وقعت الحوادث، كما ذكرت، فقد تضعضع الشعب الفارسى فعلا، وأدخل أرضه العرب فعلا، وكان الفارسيون حملة العلم الإسلامى الذى كان رحمة للعالمين. وذلك لا يكون إلا من وحى السماء. فليس لنا إلا أن نقول أن هنا رسولا ورسالة، وكتابا ينطق بوحى الله تعالى.
أما ما ينحل إلى زرادشت من أنه كان يدعو إلى القوة فإن كان يراد بها أن يكون المؤمن برسالته قويا فى خلقه وعقله وجسمه، فإن ذلك حق، وهو يتفق مع مباديء الأخلاق، ورسائل الرسل، وقد أثر عن محمد ﷺ أنه قال: «المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف، وفى كل خير» وليس فى هذا ما يمنع أن يكون نبيا مرسلا، داعيا إلى التوحيد؟
وإن كان يراد أنه يغلب القوة على الحق فذلك باطل، وتقوله أوهام الأوربيين وهو جدير بساستهم، ولا نظن إلا أن فلاسفتهم الذين زعموا هذا قد حرفوا القول عن مواضعه، كما حرفوا دعوة المسيح ﵇، وادعوا له الألوهية وهو منها براء، وما قال لهم إلا ما أمر الله تعالى به.
وكذلك ما يزعمون من أنه أوجب إفناء الضعفاء، إنه فيما نرى دعا أهل الإيمان إلى أن يدرعوا بالقوة، وأن يعالجوا الضعيف، لا أن يفنوا الضعفاء.
وخلاصة القول فى هذا المقام أن البشارات جاءت فى هذه الكتب، وهى صادقة فيما قالت، وتنتج إثبات النبوة لمن وجدت فى كتبه، وليس لنا أن نطعن فى صدق ما تنتجه، لمجرد أوهام توهمها ناس ينكرون الواحدانية، وادعوا على عيسى أنه إله، أو أنه ابن الله، فليس غريبا أن يدعوا على غيره ما دونها.
وقد يقول قائل إن القران الكريم عندما ذكر الذين بشروا بالنبى ﷺ لم يذكر هؤلاء، بل ذكر أن الإنجيل فيه أن المسيح ﵇ بشر برسول يأتى من بعده اسمه أحمد، وذكر أن التوراة فيها محمد
стр. 61
عليه الصلاة والسلام مكتوب، كما قال تعالي: وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ، قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» .
والجواب عن ذلك أن أهل الكتاب كانوا يجادلون النبي ﷺ إذ كانوا على مقربة من دعوته، فكان يحاجهم بما عندهم، وكانوا هم يعرفون النبي، ويستفتحون على المشركين عندما كانوا ينازلونهم بالنبى ﵊ قبل أن يبعث، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
على أن رسالة النبى ﵊ ما كانت تستمد من شهادة السابقين، إنما كانت قوتها تستمد من ذاتها، وتحمل فى نفسها الشهادة بصدقها، والبينات الناطقة بأنها حق، وأنها من الله العزيز الحكيم.
محمد فى التوراة:
٥٣- جاء ذكر محمد ﵊ فى التوراة بالإشارة الواضحة، ومع أنه جرى فيها التغيير والتبديل لم يمح ذلك ما فيها من إشارات بينات واضحات إلى رسالته ﵊ مما جعل اليهود يعرفونه على وجه اليقين، كما يعرفون أبناءهم، واستفتاحهم على المشركين به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا.
وقد عنى الأستاذ عبد الحق ببيان النصوص العبرية التى فيها البشارة بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت ترجمتها هى «إن الرب جاء من سيناء ونهض من ساعير لهم، وسطع من جبل فاران، وجاء مع عشرة الاف قديس وخرج من يمينه نار شريعة لهم» .
وجبل فاران إنما هو بمكة، وقد قال عبد الحق فى ذلك: «إن الشواهد القديمة جميعا تنبيء عن وجود فاران فى مكة، وقد قال المؤرخ جيرون، واللاهوتى يوسبيوس إن فاران عند بلاد العرب على مسيرة ثلاثة أيام إلى الشرق من أيلة، ولا يكتفى بالنقل العبرى وترجمته، بل ينقل عن النص العربى المترجم أن إسماعيل سكن برية فاران بالحجاز، ثم يقرر أن سفر العدد من العهد القديم جاء فيه أن بنى إسرائيل ارتحلوا
стр. 62
من برية سيناء فحلت السحابة فى برية فاران.. ويستنبط من ذكر عشرة الالاف الذين ذكروا على أنهم محمد وأصحابه عندما خرجوا فى غزواتهم إلى مكة، وإلى الشام، فقد بلغوا هذا العدد، وكانوا من الصحابة الأطهار. ويسوق ما جاء فى التوراة من أن موسى كليم الله تعالى بشر بمحمد ﵊ بقوله: «إن نبيا مثلى سيقيم الرب إلهكم من إخوانكم أبناء إبراهيم» .
ويسترسل الكاتب المحقق فى بيان ما جاء بالتوراة من إشارات فيذكر أن عبارة «نبى من أبناء إبراهيم مثلي» تثبت أنه محمد ﵊، إذ لم يجيء أى نبى بعد موسى ﵇ بشريعة كاملة تبين كل الأحكام غير القران الكريم الذى نسخ بعض الأحكام التى جاءت فى التوراة «١» .
وهكذا نجد التوراة قد بشرت بالنبى وإشارات التبليغ قائمة فيها، حتى بعد أن عراها التغيير والتبديل.
وإن هذا الكلام لا يبشر فقط بالنبى ﵊، بل يبين مكان الرسالة، ومنبعثها الذى تعم منه مشارق الأرض ومغاربها، ففاران كما جاء فى أخبار المؤرخين والمحققين من الكتاب الأقدمين، كان بينها وبين أيلة مسيرة ثلاثة أيام، وكما جاء فى كثير من أقوال المؤرخين كانت حول مكة أو بمكة.
وقد ذكر الأحمديون الذين عنوا بترجمة معانى القران الكريم، وإن كنا نخالفهم فى أصل ترجمة القران، كما نرى الرأى المبطل لاعتقادهم، مع ذلك نأخذ كلامهم فى التبشير بالنبى ﷺ ، فإن اللؤلؤة الفائقة لا تهون لهوان غائصها الذى استخرجها، والحكمة ضالة المؤمن يلقفها أنى وجدها.
ذكر الأستاذ المرحوم العقاد ما قاله الأحمديون، فقال:
«ومن الجماعات التى عنيت عناية خاصة بهذه النبوات جماعة الأحمدية الهندية التى ترجمت القران (أى معانيه) إلى اللغة الإنجليزية، فإنها أفردت للنبوات والطوالع عن ظهور محمد ﵊ بحثا مستفيضا فى مقدمة الترجمة.. قالت فيه إن نبوءة موسى الكليم تشتمل على ثلاثة أجزاء، وهى التجلى فى سيناء، وقد حصل فى زمانه، والتجلى من ساعير، أو جبل أشعر، وقد تجلى فى زمن السيد المسيح، لأن هذا الجبل، على قول الجماعة الأحمدية، واقع حيث يقيم أولاد يعقوب الذين اشتهروا بعد ذلك بأبناء أشعر، وأما التجلى الثالث فمن أرض فاران، وهى أرض التلال التى بين المدينة ومكة.
وقد جاء فى كتاب (فصل الخطاب) أن الأطفال يحيون الحجاج فى تلك الأراضى بالرياض من برية فاران ... وقد أصبح أبناء إسماعيل أمة كبيرة، كما جاء فى وعد إبراهيم، فلا يسعهم شريط من الأرض على تخوم كنعان ولا وجه لإقامتهم، حيث أقام العرب المنتسبون إلى إسماعيل، ولا باعث لهم
стр. 63
على انتحال هذا النسب، والرجوع به إلى جارية مطرودة من بيت سيدها، وقد جاء فى التوراة أسماء ذرية إسماعيل الذين عاشوا فى بلاد العرب.
ومن نبوءة أشعياء التى سبقت مولد السيد المسيح بسبعمائة سنة أن أبناء أسماعيل كانوا يقيمون بأرض الحجاز، ففى هذه النبوءة يقول النبى أشعياء فى الإصحاح الحادى والعشرين: «تبيتين بقوافل الدادانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان، بإسكان أرض تيماء، وأووا الهارب بخبره، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة، ومن أمام شدة الحرب، فإنه هكذا قال إلى السير فى مدة سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد فيدا» . ويقول المترجمون من الجماعة الأحمدية فيفسرون هزيمة فيدا بهزيمة المكيين فى وقعة بدر، وهى الهزيمة التى نزلت بهم فى وقعة بدر بعد هجرة النبى ﷺ إلى المدينة «بنحو سنة كسنة الأجير» «١» وهذا النص يشير، وكل تبشيرات الكتب بالأخبار المستقبلة تكون بالإشارة التى لا تخفى على المتأمل، وربما لا يفهمها من يأخذ بظواهر الألفاظ، لا بمراميها وغاياتها، وإن التفسير بالظواهر لا يجدى ولا يؤدى معانى، والاتجاه إلى المرامى التبشيرية يجعل للألفاظ معانى قائمة بذاتها وواضحة.
ويسوق جماعة الأحمدية فى مقدمة تفسيرهم بالإنجليزية، فينقلون عن إصحاح فى سفر أشعياء، «وهو يرفع راية للأمم من بعيد، ويصف لهم من أقصى الأرض، فإذا هم بالعجلة يأتون، وليس فيهم وازع ولا عائر، لا ينعسون ولا ينامون، ولا تنحل حزم حقائبهم، ولا تنحل سيور أحذيتهم، سهامهم مملوءة، وجميع قسيهم ممدودة، حوافر خيلهم كأنها الصوان» .
وإن هذا النص يدل على الدعوة إلى الحج، وهى قد تدل على بعض قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا، وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ، وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ، فَكُلُوا مِنْها، وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ «٢» .
وجاء فى سفر أشعياء فى الإصحاح الثامن: «ولا تقولوا فتنة لكل ما يقول هذا الشعب فتنة، ولا تخافوا خوفة ولا زهوا، وقدسوا رب الجنود فهو خوفكم وهو رهبتكم، ويكون مقدسا، وحجر كل صدمة، وصخرة عثرة وكما شرقا لسكان أورشليم، فيعثر بها كثيرون، ويسقطون فيتكسرون، ويعلقون فليفظون، صدا شهادة، أختتم الشريعة بتلاميذى، فاصطبر للأب السائر وجهه فى بيت يعقوب» .
стр. 64
ذاك، وإننا نرى أن الإشارة بعيدة أو أن الدلالة يعسر إدراكها على وجه يقينى، وحسبنا ما مضى من نقول ففيها ما يكفى.
محمد فى الإنجيل:
٥٤- جاءت البشارة بمحمد ﷺ فى الأناجيل أوضح إشارة منها فى التوراة، ولنضرب لذلك بعض الأمثال:
(أ) جاء فى الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل متى على لسان المسيح يخاطب بنى إسرائيل:
«هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا، لأنى أقول لكم، إنكم لا تروننى من الان حتى تقولوا مبارك الاتى باسم الرب» فهو يدل على أن هناك من يأتى بعده مباركا باسم الرب، ولم يأت بعده إلا محمد ﵊.
(ب) وفى الإصحاح الحادى والعشرين من هذا الإنجيل على لسان السيد المسيح ما نصه:
«لذلك أقول لكم، إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه» .
(ج) وجاء فى إنجيل يوحنا فى الإصحاح الأول حديث يوحنا مع الكهنة فى اللاويين، إذ سألوه:
من أنت، فاعترف ولم ينكر، وقال: إنى لست أنا المسيح، إذن ماذا! أأنت إيليا، فقال: لا. قالوا: أأنت النبى! فأجاب: لا. فقالوا له: من أنت لنعطى جوابا لمن أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ فى البرية.
ولا شك أنه كان تنبؤ عن نبى ليس هو المسيح ولا هو نبيا، فمن يكون هو غير محمد رسول الله ﷺ .
(د) وجاء فى الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا الذى صرح بألوهية المسيح فيما يزعمون، جاء فيه على لسان المسيح، «إنه خير لكم أن أنطلق لأنى إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم، ومتى جاء إليكم يبكت العالم على خطيئته وعلى بره، وعلى دينونة الله، فأما على خطيئته فلأنهم لا يؤمنون به، وأما على بره فلأنى ذاهب إلى أبى ولا تروننى أيضا، وأما على دينونة الله، فلأن رئيس هذا العالم قد دين، وأن لدى أمورا كثيرة أقولها لكم، ولكن لا تستطيعون أن تتحملوها الان، وإنما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشد كم إلى الحق جميعه، لأنه لا يتكلم عن نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور اتية، وذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم، وبعد قليل لا تبصروننى» .
стр. 65
وإن هذا الكلام إذا اطرحنا عبارات الاب، والألوهية المدعاة، يتبين أنه ينبيء عن المعزى الذى يجيء بعده. وأنه ينطلق ليخلى له الطريق، وأنه يبكت العالم على خطيئته، وهو إنكار نبوة المسيح، ويبكت على بر بالمسيح فى زعمهم، لأنه يبكتهم على ادعائهم ألوهية المسيح وبنوته لله المنزه عن الصاحبة والولد.
ثم إنه يصرح إلى أنه يدعو إلى الحق جميعه، لأنه أتى بالشريعة كاملة غير منقوصة، خالدة لكل زمان ومكان، ولكمالها كانت هى الخالدة، فمن غير محمد يكون إذن المعزى للخليقة، الذى ينكر الخطايا، وينكر غلو أهل الكتاب فى دينهم؟ إنه محمد رسول الله ﷺ .
وقد جاءت نصوص الأناجيل الحاضرة بأن المسيح يبشر بالفارقليط، والفارقليط هو أحمد إذ أن ذلك هو المعنى اللفظى للفارقليط «١» .
على فترة من الرسل:
٥٥- إن نظرت إلى العالم شرقا فى أقصاه، أو غربا فى أقصاه، أو القريب الداني، أو البعيد النائى، فإنك واجد أن العالم فى حاجة إلى من يهديه من ضلاله، فالفلسفة لا تصلح الناس، ولو استقامت على الطريقة، لأنها إن أقنعت الخاصة لا تملأ نفوس العامة، ولا تهديها إلى سواء السبيل، وهى ما استقامت فما أصلحت أحدا.
والعقائد قد اعتراها التحريف، فاليهود حرفوا التوراة عن معناها، ونسوا حظا كثيرا مما ذكروا به، ونظروا إلى الناس جميعا، على أنهم دونهم، وأنهم ليسوا عباد الله مثلهم، وأن الله تعالى خالقهم كما خلق غيرهم، بل زعموا أنهم المختارون وأن كل الناس دونهم، وبذلك عاثوا فى الأرض فسادا، ولما ذلوا وهم على الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار، حقدوا على الخليقة وعملوا بكل الوسائل للكيد لغيرهم غير متحرجين ولا متأثمين، بل إنهم يغرون بالعداوة بين الناس، وينشرون الفساد فى غير تحفظ، ولا مراعاة لأى جوار فى أى مكان، فكان لابد من نبى يأتى بدين قوى يكفكف غرورهم وينهنه من غلوائهم.
والنصرانية انحرفت، وخرجت عن مباديء المسيح وغلوا فيه، واستبدلوا بأدب المسيح وسماحته استعلاء واستكبارا فى الأرض وعتوا وفسادا. فكان لابد من رسول بشير ونذير، يهدى إلى الحق وإلى صراط مستقيم.
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. «٢»
стр. 66
خاتم النبيين
الرسول ﷺ
стр. 67
محمد من أوسط قريش نسبا
٥٦- التقى أبو سفيان بن حرب بهرقل بعد أن ظهر أمر نبوة النبى ﷺ . وشاعت دعوته، وسمع الرومان برسالته، فسأله عن النبى ﷺ أسئلة كان من بينها السؤال عن نسب النبى ﷺ ، فقال أبو سفيان، وهو خصم شديد اللدد قوى الخصومة عندما سئل فى ذلك، فقال غير كاذب: «إنه من أوسط قريش» أى أعلاهم، لأن الأوسط هو الأعلى والأشرف. فقال هرقل: هكذا يبعث الأنبياء من أشرف الناس نسبا.
وأخبار القران عن الأنبياء السابقين تثبت أنهم كانوا من أعلى الناس فى قبائلهم من حيث مكانة أسرهم، ولنضرب لذلك مثلا بشعيب ﵊، فقد كان من رهط شريف، وكان نسيبا فيهم، ولقد قال الله تعالى فى مجادلته لقومه قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ، وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً، وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ، وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ. قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ، وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا، إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ «١» .
وإن هذا النص الكريم يدل على أن شعيبا ﵇ كان من قبيل فيهم شرف، وفيهم عزة ومنعة، وبذلك كان من أوسط العشائر وأعلاها فى مدين.
ومحمد ﷺ كان من أسرة فيها سمو وعلو فى قومه، وقد روى ابن عباس أن النبى ﷺ قال: «لم يزل الله ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة صفيا مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت فى خيرهما» .
وفى الصحيح من حديث واتلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم» .
وبذلك يتقرر أن محمدا ﵊ كان رفيع النسب، وليس المراد بشرف النسب أن تكون عشيرته ذات مال كثير، وأن يكون قد نال منهم تركة مثرية كبيرة، فإن المال لا يكون نسبا، وقد كان عمه أبو طالب كبير البطحاء وشريفها، وكان مع ذلك فى المال قلا، والنبى ﷺ مع علو نسبه بين العرب كان فقيرا، وكان يتيما، وكان يرعى الغنم، فليس علو النسب والشرف ملازما لكثرة المال، أو قوة البطش، أو عظمة السلطان، إنما شرف النسب أن يكون من كورة يعلو احادها عن النقائص، ويخشون العار من أن يقعوا فى رذيلة يستنكرها العرف، ويستهجنها ذوو العقول السليمة، وأن يكون لهم شرف نفسى، ولم يجعل النبى ﵊ شرفه فى العرب بالمال، أو السطوة، بل جعل شرفه بأنه من خيرهم نفسا وبيتا، وقد قال ﵊: «جعلنى فى خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» .
стр. 68
وانظر إلى أبى سفيان الذى كان من أعلى قريش عندما سأله هرقل أجاب بالصدق والأمانة، وإن كان صدقه حجة عليه، ومعطيا للنبى ﷺ قوة، واستعلاء بدعوته ورسالته، ويقول أبو سفيان وهو على الشرك: «لولا أنى أخشى أن تحفظ عنى كذبة فى العرب لكذبت» .
٥٧- ولماذا كان الأنبياء لا يكونون إلا من كورة عرفت بشرف النفس وعلو المحتد، وإن تولدت الرفعة من غير كبرياء، واحترام النفس من غير استعلاء. ذلك لأن الرسالة تحتاج إلى دعوة قوية لا يرنقها كدرة التعييب، أو عدم الثقة، أو نقص فى شرف النفس، أو رميه بالرذيلة ابتداء، وإن كان هو فى ذاته كاملا.
إن النبى الذى ليس فيه رفعة، ولم يعرف بأنه من عشيرة ذات تقاليد فاضلة، كان أول ما يبادر به هو الرد، لعدم شرف أسرته، وإنما نجد النبيين كانوا يعيرون بأن أتباعهم من أراذل القوم، لا من أشرافهم، ولا من ذوى النسب، ويتخذون ذلك ذريعة لرد الدعوة، وإن كانوا فى ذلك ظالمين، وإن رد قوم نوح أبى الإنسانية الثانى ليبين هذا، فقد قال تعالى عنه وعن قومه الذين ردوه فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ، وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ. قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها، وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ. وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ. وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ، وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً، اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ، إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ «١» .
إن اعتراضهم على أن الذين اتبعوا نوحا ﵇ هم أراذلهم اعتراض ظالم، ولكن الله تعالى أرحم بعباده من أن يأتيهم بنبى مغمور فى أسرته، منكوب فى أمر أمته، مرذول ابتداء عند قومه، فيبادرون بعدم تصديقه، ويجاهرون ابتداء بمخالفته، ويصرون، ويأخذون حجتهم من حال عشيرته وما يألفون، وإن التأثير فى الأقوام لا يكون بإكراه النفوس على عكس ما يبدولها، وما تبادر برده، لأن المبادرة بادى الرأى بالرد تجعل النفس تبتديء بالانحراف عن الخط المستقيم الذى تدركه العقول، وإذا انحرفت زاوية التفكير بأمر منفر بادى الرأى، فإنه يستمر فى خط الانحراف ولا يرجع إلى الحق إلا بعسر، وإنه كلما استطال خط
стр. 69
الانحراف انفرجت الزاوية، ويصعب التلاقى من بعد، ورضى الله تعالى عن على كرم الله وجهه إذ يقول: «إن للقلوب شهوات، وإقبالا وإدبارا، فإن القلب إذا أكره عمى» ودعوات الرسل للهداية، وليست للعماية.
٥٨- ولا شك أنه يجب أن يكون للرسول ﷺ منعة من قومه، لأنه يبادر الناس بالمجاهرة بغير ما يعلمون، وبغير ما يعتقدون، ويصدع مفاجئا بما لا يريدون، وأنهم بلا ريب يجدون أنه لا يدفع ما يجئ على غير رغبتهم بالحسنى، بل بالمقاومة الحقيقية القوية، وإذا لم يكن له منعة من قومه يقتلونه فجر دعوته قبل أن يصبح صباحها، أو يكون لها ضوء فى المجتمع ولو كان ضئيلا، فإنه من بعد يكون نورا، ولو أطفئ النور عاش فى ظلام لا يضئ أبدا، وانظر إلى قصة قوم شعيب، إذ أنه لم يمنعهم من أن يقتلوه إلا رهطه، فقد قالوا فيما حكاه القران الكريم عنهم مما تلونا.. وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ «١» فلو كان الرسول فى غير رهط يمنعه، وفى غير منعة تدفع أعداءه لماتت دعوته فى مهدها.
وما لنا نغوص فى الماضى قريبا كان أو بعيدا، ونحن بين يدى حضرة الرسول ﵊، إذ أن قريشا عندما صدع الرسول ﷺ بأمر ربه، عارضته، ولجت فى المعارضة، ولما لجت فى المعارضة ساورتها نزعة الشر لقتله، وما كان يمنعها إلا أسرته، وشرف هذه الأسرة، ومكانتها عند العرب، وخوفها من أن تبادر بالثأر، ودفع العار، حتى تمكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يخرج بدعوة الحق من الفجر الذى يشق الظلام إلى الصباح المشرق المنير، بل إلى الضحى الذى يملأ الوجود ضياء، عندئذ قيض الله تعالى من يمنعه، وقد وقفت الدعوة تناضل عن نفسها، وترد كيد الكائدين.
٥٩- وقد يقول قائل إنهم إن لم يستطيعوا النيل من شخصه، فقد نالوا ممن يتبعونه، ووقفوا محاجزين دون أن تصل دعوته إلى الضعفاء، فلم يمنعهم مكانه فى أسرته من أن ينالوا من صحابته، ويعوقوا رسالته، وقد مات فعلا بعض الضعفاء من الصحابة تحت حر العذاب.
ونقول إن هذا دليل على أنه لو كان صاحب الدعوة كأولئك الضعفاء لم يوجد من يمنعه- لقتلوه، وقالوا إنه أصلها فلو قتلناه لزالت، فيستكلبون عليه وتموت الدعوة فى مهدها، فيعجلون بوقفها.
وإنه يلاحظ أن الأذى الذى كان ينزله المشركون من قريش بالمؤمنين كان يتفاوت مقداره بمقدار قوة أسرهم، ومكانتهم فى النسب الذى كان موضع فخارهم، فكان لأبى بكر وعثمان، لون ما كان لال ياسر، وال خباب بن الأرت، وكان لهؤلاء الذين لا ناصر لهم أشد ما يلاقى الإنسان من أخيه الإنسان،
стр. 70
حتى كانوا كالذين عذبوا بالأخدود كما نوهنا من قبل، وكما جاء فى القران تعالت كلماته، وسمت عن القيل عباراته.
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ناله الأذى، وأصابه العنت من أولئك، ولكن دون أن يفكروا فى قتله إلا بعد أن يئسوا من أن يقفوا الدعوة. وبعد أن وجدوه يعمل على توجيه دعوته إلى خارج مكة، وقد أخذ نورها يتجه إلى القبائل العربية، فحاولوا أن يقتلوه، ولكن قد ان له ﵊ أن ينشيء دولة الإيمان، وقد تكاملت عناصر تكوينها، ولكن فى غير أرض مكة.
وهكذا اختبر الله أهل الإيمان بالشدائد، حتى هاجروا فرارا بدينهم لأن الشدائد تملأ القلوب صرامة، وتعطى الإرادة عزيمة، فلا تهن ولا تضعف، ولا تحزن ولا تيئس من روح الله، ومن أن تكون كلمة الله تعالى هى العليا، وهكذا يربى الرجال الذين يكونون دعائم الحق، قال تعالت كلماته أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، مَتى نَصْرُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ «١» .
٦٠- كان لابد لنبى الرحمة أن يكون فى كل حياته رحيما، فيربى على الرحمة بالضعفاء صغيرا، يكون بينهم ضعيفا ليحس بالام الضعفاء والمساكين، فليس رحيما من لم يذق مثل ما فيه حال الضعفاء.
وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع أنه كان نسيبا من أعلى نسب فى قومه قد كان فى المال قلا، وابتدأ حياته يتيما، ثم كان أجيرا فى رعى الغنم، فالتقى فيه مهذّبان: أحدهما- النسب الرفيع الذى يجعله لا يتجه إلى سفساف الأمور، بل يتجه إلى معاليها، ليتكافأ نزوعه مع شرفه، فيتلاقيا، ويتوافرا على إعلائه، وبذلك حفظ محمد شرف النسب، فكان الصادق الأمين، الذى لم يكن فيه ما ينقص نسبه، ويضعف شرفه العظيم، فكان النبيل حقا وصدقا، وكان الكامل بين ذوى الأنساب، والمتبع من غيرهم.
المهذّب الثانى اليتم وقلة المال، وإن هذا المهذّب من شأنه أن يجعله موطأ الكنف للضعفاء من العبيد، والعاملين والفقراء، فلا يستكبر، ولا يستعلي، بل يكون قريبا منهم، أليفا معهم من غير أن يناله ذل الفقر، وضعف الحاجة واستخذاء المسكين، فهو العالى الرفيع، وهو الذى ينبع معين الرحمة من بين جنبيه، فإن الرحمة تنبع من بين الشدائد والرحيم هو الذى يذوق الشديدة من غير أن تذله، ليرحم غيره، ولا يعترى نفسه حقد على من هو أعلى منه، بل هو ينظر دائما إلى من دونه ليعليه، وليحميه، ويعينه.
стр. 71
إن هذين التهذيبين قد توافرا فى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فاتجه منذ صباه إلى معالى الأخلاق التى تليق بذوى الشرف والرياسة، ولم يتخذ الشرف سبيلا للاستطالة على غيره.
وإن يتمه وفقره، وعمله فى ميدان الأجراء الضعفاء جعله قريبا مألوفا غير متعال، يحس أنه من الضعفاء فى إخلاصهم، ومع الأشراف فى امتناعهم عن الدنية فى أعمالهم، وفى كل أحوالهم ... كان العطوف الأليف.
وإنه يلاحظ فى استقراء أحوال الناس أن الضعفاء دائما إذا لم ترنق قلوبهم بحقد، ولا حسد للناس على ما اتاهم الله من فضله، يكون فى قلوبهم إخلاص، ومع الإخلاص إشراق النفوس الذى ينزع بها إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، ذلك لأن قلوبهم لم تصبها كدرة الهوى، والشهوات واللذات التى يدفع إليها المال، أو يسهل سبيلها، واستغراق النفس بها، فيكون الإنسان قريبا من الإيمان سرعان ما يدخل قلبه الإيمان، ولذلك كان أول من يجيب دعوة الأنبياء ويؤمن بها، وأول من يجيب دعوة أى حق ويؤمن بها الضعفاء والفقراء بهذا القيد الذى ذكرناه، وهو ألا يدنس قلوبهم حقد، ولا حب انتقام، ولا حسد يطفيء موضع الإيمان فى قلوبهم.
لقد أوتى النبى ﵊ الرحمة بالضعفاء، لأنه أحس بأنه منهم، من غير أن يناله ما عساه يكمن فى نفوس الضعفاء من استكانة، ورضا بالدون من السجايا المرهقة المذلة، لأن الضعيف إذا لم يصب بالحقد أصيب بنوع من الرضا بالقليل، وعدم المطالبة بحقه الهضيم، وإن ذلك قد يجر إلى الاستخذاء، والنبى ﵊ أوتى مزايا الفقر من إخلاص واتجاه إلى الطريق المستقيم، من غير تدلى الضعفاء إلى هوان، أو إذلال، لأن علو النسب منعه، وأبعده عن ذلك، فالتقت فيه الحسنيان، حسنى النسب، والإخلاص لله سبحانه وتعالي، فكان ذلك تهيئة للرسالة الإلهية الرافعة للإنسانية.
стр. 72
النسب الطاهر
٦١- يذكر المؤرخون للسيرة الطاهرة، سيرة خير الأنام محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ولكن لا تعرف سلسلة النسب كاملة إليه، بل إن التاريخ لا يحفظ إلا عشرين منها، فهو محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، بن هاشم واسمه عمرو، ابن عبد مناف، واسمه المغيرة، ابن قصى واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، ابن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان.
وهذا التعريف بنسبه الكريم، هو المجمع عليه بين كتاب السيرة، ولقد كان ذلك التعريف كما تدل الرواية عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، فقد كان يقول: «كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذا انتهى إلى عدنان أمسك، ثم يقول: كذب النسابون، قال الله تعالى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً «١» .
وإن هذا الخبر المنسوب للنبى ﵊ يدل على صدق تلك السلسلة الكريمة أبا عن جد إلى أن ينتهى إلى عدنان، وإن حفظ النبى لهؤلاء فقط يدل على أمرين:
أولهما- الشك فيمن فوقهم، وأنه لم يصل إليه عن طريق صحيح، وأنه وصل إلى الناس عن طريق النسابين، وأن النسابين قد يدفعهم الفخر إلى الكذب والافتراء.
ثانيهما: أنه يدل على صدق هذا النسب، فما كان النبى ﷺ ليقول إلا حقا فهو الصادق الأمين، ويظهر أن ذلك القدر من النسب الرفيع هو الذى كان معلوما فى حكم المتواتر، أو المشهور عند العرب، وغيره موضع شك، والقول فيه رجم بالغيب، وأخذ بالتوهم أو الظن، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا.
وما كان أولئك معروفين إلا لأنهم أثرت عنهم ماثر، صارت مفاخر لذرياتهم، وإن كان النبى ﵊ لم يفخر قط بنسبه. ومع ذلك هو من خيار الأقوام، فقد قال ﵊:
«ولدت من خيار من خيار من خيار» فهو يذكر الخير فيهم، ومكان الشرف فى أسلافه، ويمتنع من أن يستعالى بهم، والتفاخر استعلاء واستطالة بالنسب، وقد يكون فيه شحناء، والشحناء ليست من شأنه صلى الله تعالى عليه وسلم.
٦٢- وإن الظاهر أن أولاد عدنان قد أقاموا بمكة منهم من هو فى سلسلة نسب النبى ﵊، وذلك لأن إسماعيل ﵇، كانت إقامته قرب مكة، وهو بانى الكعبة، ولأن النسابين
стр. 73
ذكروا أنه كان أولئك العشرون بها، ولأنهم كانوا معروفين فيها كابرا عن كابر، وما يعرفون إلا لإقامتهم بمكة التى قام بها الأخلاف من بعدهم، ولتقديس الكعبة ومكة، ووفود الناس إليها من كل فج عميق.
ولقد ذكروا أن بعض ذرية عدنان أقام باليمن، وأنسل فيها نسلا، وذلك لأن عدنان ولد له ولدان أحدهما معد، والثانى عك، فتزوج هذا من الأشعريين، وهم بنو أشعر الذين يقيمون باليمن، فانتقل إلى موطن زوجته باليمن، ثم كان من بعض منهم من كان بعض ولده يخرج من مكة، وينفرد بالبقاء فيها من يدخل فى سلسلة النسب، كما رأيت فى معد، وأخيه عك فهذا هاجر إلى اليمن مع أسرة زوجه، وبقى معد فيها.
وجاء معد. فكان مثل أبيه فكان من أولاده قضاعة الذى تنسب إليه هذه القبيلة، وكان نزار هو الذى استمر بمكة، حتى كان منه ولده من بعده من يدخلون فى نسبه ﵊.
وكان من أولاده ربيعة الذى ينسب إليه الربعيون، وأنمار، وإياد، وهذان كانا أبوين لقبيلتين، وكان ابنه مضر الذى كان جد النبى ﵊، وهو الذى أقام بمكة المكرمة.
وكان لمضر ولدان هما إلياس، وغيلان، ومضر خيرهما، هو الذى يدخل فى نسب النبى ﵊، ويظهر أنه فى عهد إلياس أخذ بنو إسماعيل يغيّرون ما ورثوا من شريعة إبراهيم وإسماعيل ﵉ فأنكر عليهم ما غيروا من سنن ابائهم وسيرتهم. ويقول فى ذلك صاحب كتاب «الاكتفاء» : بان فضله عليهم، ولان جانبه لهم، فأيد جميعهم رأيه، ورضوا به رضاء لم يرضوه لأحد من ولد إسماعيل، فردهم إلى سنن ابائهم، حتى رجعت سنتهم قائمة على أولها.
وجاء من بعد إلياس ابنه مدركة، واسمه عامر، وله ابنان اخران، لكن هذا كان المختار منهم، وسماه مدركة لأن إبلا كانت قد نفرت منهم، فتقاصر الولدان الاخران عن تتبعها، ونهض عامر، لردها من نفارها، وقد بعدت، فأدركها فردها، فسمى مدركة وصفا لهذا العمل، وكان لمدركة خزيمة وهذيل فكان خزيمة المختار ليكون جدا للنبى ﵊، كان جدا لهما، وولد لخزيمة- كنانة وأشد وأشدة والهون، وكان كنانة هو المختار ليكون النبى ﵊ من صلبه.
وكان لكنانة عدة أولاد، ولكن الذى اختار الله تعالى، ليجرى فى صلبه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو النضر المختار من بينهم، ويقال إن النضر هذا هو الذى جمع قريشا، ولكن الأكثرين على أنه فهر حفيده الذى هو جد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
والنضر كان له أولاد كان أنجبهم فهر جد النبى ﵊.
стр. 74
وكان فهر هو مجمع قريش، وكان يسمى قريشا، وقد كان فيه حكمة، وخلق سوي، وقد قال فى وصيته التى قالها لولده غالب الذى أعقبه فى الزعامة وهو المختار ليكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من صلبه، فقد قال لابنه غالب عندما حضرته الوفاة:
«يا بنى إن فى الحزن قبل المصائب إقلاق النفوس، فإذا وقعت المصيبة برد حرها، وإنما أقلق فى غليانها، فإذا أنا مت فبرد حر مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، وبما ترى من اثارها فى محبى الحياة، ثم اقتصر على قليلك، وإن قلت منفعته، فقليل ما فى يدك، كان خيرا لك من كثير ما أخلق وجهك.
وقد كان غالب له أولاد، وقد خلفه فى زعامة قريش لؤى، وقد كان لؤى هذا فيه كلمة كأبيه وجده، بدت وهو غلام حديث، فقد جرت مناقشة بينه وبين أبيه غالب دلت على حكمة قلبهما.
قال الغلام لأبيه: يا أبت من رب معروفا قل إخلافه، ونضر ماؤه، ومن أخلفه أهمله، وإذا أهمل الشيء لم يذكر، وعلى المولى تكبير صغيره ونشره، وعلى المولى تصغير كبيره وستره.
فقال الأب الحكيم: «إنى لأستدل بما أسمع من قولك على فضلك وأستدعى لك به الطول على قومك، فإن ظفرت بطول، فعد به على قومك، وكف غرب جهلهم بحلمك، ولم شعثهم برفقك، فإنما تفضل الرجال الرجال بأفعالها، ومن قايسها على أوزانها أسقط الفضل، ولم تعل به على أحد، وللعليا فضل أبدا على السفلى.
خلف الغلام بعد أن اكتمل رجلا أباه، وقد ولد له أولاد، كان كعب أعقلهم، وأفضلهم، وهو جد النبي، وقد كان حكيما كأبيه وجده، ويذكر رواة السيرة أنه قال هذه الخطبة:
«أيها الناس اسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج ونهار وضاح، والسماء بناء والأرض مهاد والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا، لتضربوا عن أمرها صفحا، الاخرون كالأولين، والدار أمامكم، واليقين غير ظنكم، صلوا أرحامكم واحافظوا أصهاركم، وأوفوا بعهدكم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروآتاكم، ولا تصونوها عما يجب عليكم، وعظموا هذا الحرم، وتمسكوا به، فسيكون له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبى كريم» .
هذا ما يقوله كتاب السيرة فى نسبة الخطبة إليه، وليس لنا أن نحكم بصدق النسبة أو تكذيبها، ولكن نحملهم مغبة ذلك، إن صدقا وإن كذبا.
وقد كان لكعب بن لؤى أولاد خيرهم مرة جد النبى ﵊، وقد كان أحد الرجال الذين تفاخر بهم قريش.
وقد جاء من بعد مرة كلاب، وهو جد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 75
ثم جاء من بعده ولده قصى وهو خير أولاده، وأظهرهم، وأبينهم أثرا فى قريش فهو الذى جمع الله به قريشا، وكان اسمه زيدا، فسمى مجمعا، لما جمع من أمرها، ويسمى قصيا لتقصيه أمورها، وإن قصيا على هذا جد قريب، وليس من الأجداد الذين يبعد عهداهم به ﵊، وله شأن خاص فيما يتعلق بسدانة الكعبة، ورياسة الندوة وغيرها، فلابد أن نخصه بكلمة.
قصي:
٦٣- قد ترك أبوه كلاب ولدين أحدهما قصي، والثانى زهرة، وكلاهما جد للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقصى جده ﵇، وهو الجد العصبة، وأما زهرة فهو جده لأمه، فهو الجد الرحمي، وكأن كلابا بهذا قد جمع الله تعالى له شرفين، فهو جد النبى ﵊ لأبيه ولأمه، فالتقى فيه الشرفان.
وقد طوف قصى فى بلاد العرب، فهو فى أول حياته لحق بأمه فى قضاعة، فأقام معها، وقد كان فتى قويا كريما أبيا يأبى الضيم والعار، ناضل يوما شابا من قضاعة فنضله قصي، فغضب المنضول، وحزت فى نفسه حرارة السهام، وسبة الهزيمة، فتنازعا فى القول، فقال المهزوم: ألا تلحق بأهلك فلست منا. ويظهر أنه إلى هذا الوقت ما كان يعرف أباه وشرفه، فقد عاد إلى أمه وشكا لها من مرارة القول الذى سمعه، فقالت له: أنت والله يا بنى أكرم منه نفسا ووالدا، ونسبا، وأشرف منزلا، وأنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشى، وقومك بمكة عند البيت الحرام، وفيما حوله، تفد العرب إلى ذلك البيت.
أجمع قصى بعد ذلك الخروج، واللحوق، وضاق ذرعا بالبقاء غريبا، فقالت له أمه: لا تعجل، حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج فى حاج العرب، فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض الناس «١» .
انتقل قصى إلى أسرة أبيه فى مكة بعد أن جاءت الأشهر الحرم، وخرج حاجا. وكان جلدا بهذا نسيبا، ولم يلبث أن نال سدانة البيت الحرام. ولم تكن من قبله لقريش بل كانت لخزاعة. وكان له الأمر فى إجازة الحج للناس، وكان ذلك لغير قريش، فانتزع تلك الولاية بحيلة الداهية، وقوة ذى البأس.
ولى بهذا قصى سدانة البيت، وإمرة مكة، وجمع قومه من منازلهم، واجتمعت فى يده بمقتضى الولاية سدانة البيت وإمرة مكة والحجابة والرفادة والسقاية والندوة واللواء، ومعنى الحجابة أن يملك مفاتيح