← Сира

Сира · id 9800

خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم

محمد أبو زهرة

Полный текст (1 104 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

زواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأم المؤمنين زينب ٤٨٢- نزل في السورة التى تسمت باسم غزوة الأحزاب أمران، تحريم التبنى، وتطبيق التحريم فى زواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش، ولذلك أوجبنا على أنفسنا الكلام في زواجها في هذا المقام، لأن هذا الزواج كان تطبيقا لحكم شرعى، وأعقب زواجها حكم شرعى، فحق علينا بيان الأحوال التى أحاطت بزواجها. نزل تحريم التبنى في أوّل سورة الأحزاب، إذ قال الله ﵎: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ، وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ، ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ، وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ، وَمَوالِيكُمْ (الأحزاب- ٣، ٤) . كان ذلك تحريما قاطعا، لا ريب فيه، ولذلك جاز للرجل أن يتزوج امرأة من يتبناه لأنه ليس ابنه، ووصف زوجة الابن التى يحرم الزواج منها بأن يكون ابنه من صلبه، لا أن يكون ابنا بالادعاء، ولذلك قال الله تعالى في ذلك في باب المحرمات وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ (النساء- ٢٣) . ذلك لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يقرر حكم الإسلام بأن تكون الأسرة مترابطة بالأرحام لتكون قوية، ولا يكون فيها دخيل ليس من رحمها، ولا من صلبها، ولا من دمها، لأنه يفسدها، ويحرم ذا الحقوق من حقوقه، وينافى القاعدة المقررة في القرآن بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. ٤٨٣- ولقد كان التبنى شائعا في البلاد العربية مأخوذا من القانون الرومانى، وقد ألحق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زيد بن حارثة به بناء على ذلك العرف المأخوذ من قانون الرومان، وذلك قبل البعث المحمدى، وقبل نزول الوحى على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ذلك أن زيدا هذا كان عبدا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فعثر عليه أهله عنده صلى الله تعالى عليه وسلم، وأرادوا أن يفتدوا رقه بثمنه، فقال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: هو لكم إن اختاركم، فأرادوا أخذه، فاختار أن يبقى مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعتقه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وألحقه به بعد البعثة إكراما له، كما كان العرف في البلاد العربية، ولم يعد ابن حارثة فكان ينادى زيد بن محمد.

стр. 702

وقد تزوجته القرشية زينب بنت جحش، وهى نسيبة بين العرب، على أنه قرشى، وأنه أعظم العرب وأوسطهم نسبا، وهو من أنفسهم، كما قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (التوبة: ١٣٨) على قراءة فتح الفاء. فلما نزلت الآيات التى تلوناها بتحريم التبنى، ونفى الادعياء، تململت بحياتها مع زيد إذ أنه لم يعد ابن محمد، بل أصبح الأمر الحقيقى فيه أنه ابن حارثة. شكا الزوج من تعالى زينب عليه بنسبها، فكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول له: أمسك عليك زوجك واتق الله. وكان الله تعالى قد أمر نبيه محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بألا يمنع زيدا من طلاقها لأن الله تعالى قد قضى أمرا، وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب: ٣٦) . قضى الله أن يطلق زيد زينب، وإذا انتهت العدة تزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر الله، ليكون ذلك تطبيقا عمليا لمنع التبنى، وليضرب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك الأمثال على إهمال التبنى ونفيه نفيا مؤكدا بالعمل. تزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تنفيذا لأمر ربه ولكيلا يكون حرج في أزواج أدعيائهم. ولم يكن زواجه ﵊ شهوة أو رغبة إلا أن تكون استجابة لأمر الله تعالى، وكذبت الإسرائيليات التى أدخلت على كبار المؤرخين كابن جرير الطبرى الذى تولى كبر إذاعة هذا الكذب الإسرائيلى والنصرانى، وكذب أولئك الكتاب الأوربيون الذين راحوا يروجونها آثمين، وإن كانوا لا يعرفون الإثم، وكذب الذين يقلدونهم تقليدا أعمى، ويحتذون حذوهم كحذو النعل بالنعل. ٤٨٤- وإن الآيات في هذا المقام صريحة بأمر الله تعالى بالزواج، وصريحة في أن ذلك لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، وصريحة في أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليس أبا لأحد من رجالهم، صريحة في كل ذلك، ومع ذلك كان التقليد وترويج الكذب لهما الأثر، ففسد الفهم، وكانت الآفة في نفوسهم وفهمهم، لا في الوقائع ذاتها. ولنتل الآية، وهى توضح الحقيقة. وتكذب الكذابين، والذين إيف تفكيرهم بالكذب الرائج، قال الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ

стр. 703

الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (الأحزاب- ٣٦، ٣٧) ، والذى أخفاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو أمر الله تعالى له بالزواج منها بعد طلاقها، وأن الله تعالى قدر له أن يطلقها، وهذا هو الذى أبداه فلا حب ولا عشق، والذى كان يخشاه من الناس أن يصدعهم بالزواج من امرأة دعيه، وذلك أمر غير مألوف عندهم، وكان يجب أن يخشى الله تعالى ولا يخشى الناس، لأن إرضاء الناس بغير الحق لا يجوز من داعية إلى الحق صادع به. ثم يقول سبحانه وتعالت كلماته في الأمر الذى أبداه فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (الأحزاب- ٣٧) . ولقد بين سبحانه من بعد ذلك أن الزواج بأمره سبحانه، وأنه ليس على النبى من حرج في تنفيذ أمر الله تعالى، همس الناس، أو صمتوا، فقال تعالت كلماته: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً. الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً. ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (الأحزاب- ٢٨، ٤٠) . وبهذه النصوص ثبت تحريم التبنى، وعدم الاعتراف به في الإسلام، وطبق ذلك على سيد الأنبياء والمرسلين والعف الكريم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فلعن الله الأفاكين في هذا الزمان الذين لا يفكرون، ويقصدون إلى الأمر المختلف، ولا يحاولون أن يتعرفوا المعنى المؤتلف. منع دخول بيوت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من غير استئذان: كان منزل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بيتا للمؤمنين أجمعين، وخصوصا أنه كان على مقربة من المسجد، بل إنه متصل به، وكان أقرب البيوت إليه، بيت عائشة رضى الله عنها. ٤٨٥- ويظهر أن المسلمين ما كانوا يجدون حرجا في الدخول إلى منزله ﵊، والمؤمنون الذين أشربوا آداب الإسلام، وهذب الإسلام طبعهم يستأذنون، ولا يدخلون لغير موجب، ولا يتخذون فيه مجلسا، فلما كان ناس لم يتحلوا بهذا النوع من التهذيب الإسلامى، كان لا بد من بيان ينهى، وقد كان، وسمى علماء الحديث الآيات التى بينت ذلك النهى آيات نزول الحجاب، بأن لا يدخل أحد إلا بإذن، وألا يدخل بيت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مستأنسا لحديث.

стр. 704

ونزل ذلك الحجاب في ليلة زفاف زينب بنت جحش الصالحة المعتصمة بدينها للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد روى عن أنس بن مالك أنه لما تزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا وجلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يتهيأوا، فلما رأى ذلك قام فقاموا، وقعد ثلاثة نفر، وجاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فأخبرت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم انطلقوا. ٤٨٦- روى الخبر، البخارى ومسلم. وخلاصته كما ترى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أولم لهم بوليمة، فلما طعموا لم ينتشروا، فتهيأ للقيام فلم يقوموا ثم قام فعلا، فقام من قام، وبقى ثلاثة لم يشعروا بما ينبغى فبقوا، فدخل صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أهله وهم جلوس، ثم انطلقوا بعد. وروى البخارى حديثا آخر في هذا المعنى عن أنس خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنه يثبت أن الدعوة كانت عامة وواسعة، يقول أنس: بنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بزينب بنت جحش، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجىء قوم، فيأكلون ويخرجون ويجىء القوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت يا نبى الله ما أجد أحدا أدعوه، قال ارفعوا طعامكم، وبقى ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت، ورحمة الله وبركاته، قالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، ويقول لهن، كما يقول لعائشة، ويقلن له، كما قالت عائشة، ثم رجع فإذا رهط ثلاثة في البيت يتحدثون وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شديد الحياء، والروايات متلاقية، وإن كان في بعضها زيادة تفصيل. ٤٨٧- كان هذا سببا مقاربا لنزول آية منع دخول بيت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ، وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ، وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ، وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً. إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً. لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ، وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ، وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ، وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، وَاتَّقِينَ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (الأحزاب- ٥٣، ٥٥) .

стр. 705

هذا تعليم من الله تعالى لقوم يحتاجون إلى هذا التعليم وهو تهذيب وتأديب، ليكون المجتمع مبنيا على مودة ورحمة، وألا يكون إيذاء نفسى، يكبته الحياء عند أهل الحياء. وجوب الاستئذان عامة: أوجب الإسلام بنص القرآن ألا يدخل أحد بيتا حتى يستأنس بأهله ويسلم عليهم ويستأذن منهم، لتربية النفوس، ولتكون الثقة كاملة بين الناس فلا يرتاب مرتاب، ولا يشك شاك، وقد قال الله في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ، حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا، وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (النور- ٢٧، ٢٩) . ٤٨٨- وبين سبحانه حكم من يكونون في داخل البيت من الخدم، ومن ملكت أيمانهم، فأوجب الاستئذان في العشية، وقبل صلاة الفجر، ومن بعد الظهيرة، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ، طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ، فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ، وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (النور- ٥١، ٦٠) . غزوة بنى لحيان ٤٨٩- بنو لحيان هم الذين جاؤا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يطلبون إليه أن يرسل إليهم من يعلمهم الإسلام ويحفظهم القرآن، فأرسل إليهم ستة من أصحابه المؤمنين الفقهاء في الإسلام، وتبين أنهم أرادوا أن يقدموهم لقريش أسرى يسترقونهم، فقتلوا بعضهم، وباعوا الباقين بمكة المكرمة فعذبهم المشركون، ثم قتلوهم أفجر قتلة، إذ قتلوهم صلبا. كان لا بد أن يؤدبهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على سوء ما فعلوا، وليس ذلك انتقاما كما يتوهم من لا يستطيعون تمحيص الحقائق، إنما هو قصاص أولا، ولا بد أن يتولى القصاص

стр. 706

ولى الذين قتلوا، ووليهم الله ورسوله والمؤمنون. كما قال تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (المائدة- ٥٥) . ثم لابد من تأديبهم، بإنزال أشد النكال بهم، لأنهم خدعوا في أمر الدعوة، فلابد أن ينزل بهم ما يكون فيه عبرة لغيرهم، حتى لا يرتكبوا تلك الخديعة باسم الهداية. بعد بنى قريظة أقام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة بقية ذى الحجة من سنة خمس، والمحرم وصفر وشهرى ربيع، يعلم الناس أمر دينهم، ويبلغ الدعوة، ويتصل بالقبائل العربية داعيا مرشدا، ويعلم شعار الإسلام ومبادئه لأصحابه الذين حملوا فقه الإسلام لمن بعده. وفي جمادى الأولى خرج إلى بنى لحيان يطالب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدى وأصحابه، وكان ذلك في سنة ست من الهجرة. ولقد ذكر البيهقى أن ذلك كان في سنة أربع، ولكن ابن إسحاق ذكر أنه كان في سنة ست، ونحن نختار ما اختاره ابن إسحاق، فهو أوثق في أخبار السيرة، كما قال الشافعى رضى الله عنه: الناس فى السيرة عيال على محمد بن إسحاق. خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جمع من أصحابه، وأراد أن يصيب من الغادرين غرة، فخرج من المدينة إلى طريق على الشام، ليوهم أولئك أنه يقصد غيرهم، والحرب خدعة، وبعد أن سار أمدا عرج على اليسار متجها إلى مكة، وأغذ السير سريعا، ليدركهم قبل أن يتنبهوا إلى مقصده. ولكنهم حذروا خوفا، وقد أدركوا أن القوة قد آلت إلى أهل الإيمان بقيادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وتمنعوا في رؤس الجبال. وعندئذ علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه أخطأ من غرتهم ما أراد. فاتجه إلى غسان في مائتى راكب من أصحابه حتى نزلها، وأرسل اثنين من الفرسان يتعرفان النواحى. وإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن سار في القبائل متعرفا داعيا، مبينا شرع الله تعالى لمن يلقاه من أهل الصحراء، قفل راجعا إلى المدينة المنورة. وإنه في هذه الرحلة المباركة، وإن لم يتمكن من تأديب الفجرة الغادرين على غدرهم وخيانتهم فقد تعرف البلاد على حالها والصحراء وقبائلها، وهو يدعو إلى دينه، حيثما وجد سبيلا للدعوة وأرهب مع ذلك أهل الشر من القبائل العربية، ونشر هيبة الإسلام فيها مما جعلهم يفكرون في أمر هذا الدين الجديد الذى جاء بالحق والقسطاس، ومعه القوة التى تحميهما.

стр. 707

فالنبى لم يرجع من الغنيمة بالإياب، بل رجع بالغنيمة الكبرى، وهى نشر الدعوة، ومعرفة الذين يدعوهم وبسط سلطان الله في الأرض العربية، ليعمها الإسلام، ثم يكون من بعد ذلك لمن وراءها من أرض الشام، وغيرها. غزوة ذي قرد ٤٩٠- خرجت غطفان بعد الخندق محنقة، لأنها طمعت في صلح. ولم يعزمه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بل كان مراوضة لتخذيلهم عن قريش، وقد تم بعض ذلك، عادت مع قريش مذمومة مدحورة، ولكن ما لم تستطعه بحرب أرادت أن تأخذه بالسلب والنهب والإغارة الجزئية، والغصب، ثم الفرار، فصاروا كشطار العرب، بل كلصوصهم، يستوى في ذلك من كان قائدا، ومن كان مقودا. أغار عيينة بن حصن الفزارى في خيل من غطفان على نوق لقاح للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالغابة، وفيها رجل من بنى غفار وامرأته. فقتلوا الرجل، وساقوا المرأة مع اللقاح، وكانوا بهذا كقطاع الطريق الذين يقومون بالسلب والنهب، ورأوا أن ذلك أنكى للمسلمين من أن يلتقوا معهم في حرب تشتجر فيها السيوف، وإن كان ذلك أبعد عن المروءة، والخلق العربى الكريم. كان بعض فرسان المؤمنين قد علم بأمرهم، منهم سلمة بن الأكوع، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس، وقد أصبح يريد الغابة، حتى إذا كانوا بثنية الوداع نظر إلى بعض خيول المعتدين، فصرخ: واصباحاه، ثم خرج يشتد في آثار القوم، وكان رجلا قويا مثل السبع، حتى لحق القوم، وأخذ يردهم بالنبل، ويقول، إذا رمى: خذها وأنا ابن الأكوع. اليوم يوم الوضّع (أى اللئام) . وكانوا من قوة الرمى يحاولون أن ينقضوا عليه، فإذا وجهت خيلهم نحوه انطلق هاربا من لقائهم وجها لوجه، ولكنه يعارضهم ليتمكن من الرمى، فإذا رمى يقول: خذها وأنا ابن الأكوع، ولما بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما كان من هؤلاء، وسمع صياح ابن الأكوع دعا الفرسان من المهاجرين والأنصار، فكان أوّل فارس تقدم المقداد بن الأسود، وتوالى من بعد ذلك الفرسان الذين يتبعونهم فارسا بعد فارس. وقد رأى رجلا من رزين اسمه أبو عياش، معه فرس، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك، فقال رضى الله عنه: أنا أفرس الناس، ولكنه ما جرى به خمسين ذراعا، حتى طرحه أرضا. فتولى الفرس غيره، وهكذا تولى الفرسان يلاحقون الفارين السالبين.

стр. 708

خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع الفرسان، وأقام على المدينة ابن أم مكتوم، وسار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من أصحابه، واستنقذوا بعض اللقاح، ولم ينقذوها كلها، ولكنهم قتلوا من أدركوه من القوم، واستمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في سيره حتى نزل بالجبل من ذى قرد، وتلاحق عليه الناس، وأقام عليه يوما وليلة. عاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد قسم على كل مائة رجل جزورا. وقد نجت امرأة الغفارى على ناقة من إبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند ما شغل القوم بالفرار من فرسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وكانت قد نذرت لله تعالى إن نجاها عليها أن تنحرها، فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند ما علم عزمتها، وقال بئسما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها، ثم تنحرينها، إنه لا نذر فى معصية الله تعالى، ولا فيما لا تملكين، إنما هى ناقة من إبلى، فارجعى إلى أهلك على بركة الله تعالى. وقد روى حديث امرأة الغفارى عن الحسن البصرى موقوفا. وبذلك انتهت هذه الغزوة التى دفعت غارة من غارات الأعراب. غزوة بنى المصطلق ٤١٩- ذكر ابن إسحاق بسنده أنها كانت في شعبان من سنة ست من الهجرة، وروى أنها كانت في شعبان سنة خمس، وقال الواقدى في تاريخه إنها كانت بعد ليلتين من شعبان سنة خمس. ولقد ذكر بعض الكاتبين في عصرنا أنه يستحيل أن تكون في سنة ست، لأنه جاء في عقبها حديث الإفك، وذكر فيه مجاوبة بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وملاحاة بينهما وسعد بن معاذ كان قد مات أثر جرح بعد قريظة سنة خمس. وإن هذه الملاحاة لم تكن بين ابن عبادة وسعد بن معاذ، وإنما كانت بين أسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، وعلى ذلك لا دليل من حديث الإفك على أنها كانت في الخامسة. وفي الحقيقة أنا لا نجد في الروايات ترجيحا بينها، ونميل إلى أنها كانت في الخامسة، وقبل الخندق غير ترجيح، ولكن نأخذ بترتيب ابن إسحاق، ونضعها بعد الخندق، لأننا نقبل أن نكون عيالا

стр. 709

على ابن إسحاق، كما قال الشافعى رضى الله ﵎ عنه: «الناس عيال في السيرة على محمد بن إسحق» . علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن بنى المصطلق يجمعون الجموع له، وهم من خزاعة، وعلى منهاج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه إذا تأكد أن قوما يريدون الإغارة عليهم بادرهم قبل أن يبادروه، فإنه ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على المدينة المنورة أباذر الغفارى وخرج إليهم كما يقول الواقدى في سبعمائة من أصحابه، حتى التقى في ماء عندهم يسمى المريسيع. وكان لواء المهاجرين مع أبى بكر الصديق، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة، وقيل كان لواء المهاجرين مع عمار بن ياسر. وأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينادى فيهم فنادى أن قولوا لا إله إلا الله تمنعوا وأموالكم فأبوا إلا القتال. فقاتلهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بجيش المؤمنين فما أفلت منهم، فقتل منهم عشرة، وأسر سائرهم وسبى نساءهم. وقد حدث في هذه الغزوة أن رجلا من المؤمنين اسمه هشام بن صبابة أصابه رجل من الأنصار وهو يظن أنه مباح الدم من الأعداء. كان ذلك القتل خطأ فكان له دية مسلمة إلى أهله، وقد وداه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فجاء أخوه مقيس بن صبابة من مكة المكرمة مظهرا الإسلام، فطالب بالدية فأعطاه الرسول الدية، وأقام مع المؤمنين حتى تمكن من قتل قاتل أخيه، مع أن القتل كان خطأ، ثم عاد مرتدا إلى مكة المكرمة، وبذلك ارتكب جريمتين: أما الجريمة الأولى: فهى أنه قتل بعد أن أخذ الدية، والقتل كان خطأ فلا قصاص وأخذ الثأر معتديا آثما. والجريمة الثانية أنه ارتد بعد إسلام أظهره. ولهاتين الجريمتين كان يستحق إباحة دمه وإحداهما تسوغ قتله. ولذلك أباح النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دمه، ولذلك كان من الذين أهدر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم فتح مكة المكرمة دماءهم، وإن تعلقوا بأستار الكعبة.

стр. 710

وإن هذا يدل على أن الردة توجب القتل، ويصدق عليه قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» . ودلالة إباحة دم مقيس هذا لقتله قاتل أخيه أو لردته، ولذلك كانت الدلالة احتمالية من حيث تعيين السبب. إثارة فتنة وإطفاؤها: ٤٩٢- فى هذه الغزوة ثارت فتنة، ولكن أطفأها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحكمته. ذلك أن الناس كانوا يردون الماء، وفيهم أجير لعمر بن الخطاب يقال جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم أجير عمر هذا مع سنان بن وبر الجهنى حليف بنى عوف من الخزرج فاقتتلا، فصاح الجهنى: يا معشر الأنصار، وصاح أجير عمر: يا معشر المهاجرين. ولم يجب الأنصار صرخة حليفهم، ولا المهاجرون صرخة أجيرهم، ولكن النفاق استغل ذلك لتكون تارة ثائرة. غضب عبد الله بن أبى بن سلول زعيم المنافقين مع رهط من رجاله، وكان في مجلسهم زيد ابن أرقم، ولم يكن منافقا بل كان مؤمنا. قال ابن أبى بن سلول: قد ناقرونا، وكاثرونا في بلادنا والله ما عدنا وجلابيب قريش (أى المهاجرين) إلا كما قال الأوّل: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دوركم. سمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأبلغه الخبر بعد فراغه من غزوة عدوه، وكان عنده عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال له عمر: مر به عباد بن بشر فليقتله. قال ذلك عمر بحمية الإيمان، ولكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو الحليم الذى يعالج النفوس والأمور قال: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ولكن أذن بالرحيل، فارتحل الناس.

стр. 711

فالعلاج إن لم يكن حاسما للفتنة، فهو مانع من أن تتأجج نيرانها، ذلك أن الفتن إذا عرضت للنفوس، وتبادلتها الأقوال، ورددتها الألسنة يكثر القول الذى يلهبها، وإطفاؤها أو تخفيفها يمنع ترديدها، وشغل الناس بغيرها. فكان الأمر بالرحيل شغلا للناس عنها. جاء عبد الله بن أبى بن سلول إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ينفى ما نسب إليه، لأن المنافق يستتر دائما، ويمنع أن ينكشف، فإذا بدا بعض أمره حاول إعادة ستره. قال ساترا كاذبا حالفا: ما قلت ما قال، ولا تكلمات به. وكان في زعم قومه شريفا عظيما، فقال بعض من حضر من الأنصار من أصحابه حدبا على ابن أبى، أو تخفيفا لوقع الأمر، قال: عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل. ومهما يكن من الأمر فقد عالج النبى الموقف بشغل الناس بالرحيل قبل ميقاته، حتى لقد قال أسيد بن حضير للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا نبى الله لقد رحت في ساعة مبكرة ما كنت تروح فى مثلها. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أو ما بلغك ما قاله صاحبكم؟ قال: وأى صاحب يا رسول الله؟ قال: عبد الله بن أبى بن سلول. قال: وما قال؟ قال زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه إن شئت وهو الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبت منه ملكا. مشى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصار في صدر ذلك اليوم الثانى حتى آذتهم الشمس. ويقول في تعليل ذلك ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالأمس. إنه عند ما نزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن آذتهم الشمس، ومست جنوبهم الأرض حتى ناموا.

стр. 712

وفي النوم لم يذكروا ما كان من خلاف، ولم يحسوا إلا بالتعب، فشغلهم التعب الجسمى عن القلق النفسى، فانطفأت نار هذه الفتنة، لتكون فتنة أشد إيذاء، وأبلغ تأثيرا، وكانت أيضا من النفاق والمنافقين، وشاعت نيرانها، حتى شملت بعض المؤمنين من الأنصار، وبعض المهاجرين من ذى القربى ممن أشيعت حولها الفتنة. ولقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند ما بلغه التنادى يا معشر المهاجرين، ونادى الآخر يا معشر الأنصار، قال النبى: دعوها فإنها منتنة، أى دعوى خبيثة جاهلية، حتى نتنت بقدمها. وعند ما علم عبد الله بن عبد الله بن أبى، وقد كان مؤمنا قوى الإيمان بما قال أبوه، وما حرض به، مشى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنه قد بلغنى أنك تريد قتل عبد الله بن أبى فيما بلغك عنه، فإن كنت لابد فاعلا فمرنى، فأنا أحمل إليك رأسه. فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده منى، وإنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل أبى يمشى في الناس، فأقتل رجلا مؤمنا بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بل نرفق به، ونحسن صحبته ما بقى معنا. وكان لفعله أثر شديد في نفس النبى وإن كان قد عالجه بما كان فيه الوقاية من تفاقمها، فقد كان لها أثر في نفوس المؤمنين، فكان قوم ابن أبى حريصين على منعه من أى فتنة ولومه على كل قول يكون منه بما يدل على قلبه، فكانوا هم الذين يعاقبونه، ويأخذونه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر بن الخطاب، كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لأرعدت أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر رضى الله تعالى عنه مذعنا: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعظم بركة من أمرى. هذا وقد أنزل الله تعالى جزآ من سورة المنافقين في هذا الأمر، فقد قال الله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ. وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ، وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ، وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. سَواءٌ

стр. 713

عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (المنافقون- ١- ٨) . هذا حكم الله على المنافقين، وقد حكم الله تعالى بأنهم لا يفقهون، ولا يجزيهم استغفار الرسول لهم، لأنهم عثوا في كفرهم إذ الكفر من غير نفاق جهل وحمق وعناد، ومنشؤه غالبا من عدم إدراكهم الحق، فهم لا يذعنون، وتوبتهم قريبة إذا زالت غواشى الضلال والجهالة. أما النفاق فهو دركتان فى الكفر هو عناد وحقد من غير جهل، ومحاولة لستر الحقائق وإبعادهم ذرائع الإيمان عن نفوسهم، ومحاولتهم طمس الحقائق في قلوبهم، فطبع على قلوبهم، ولذلك وصفهم الله بأنهم لا يفقهون، فلا يشق نور الحق قلوبهم المعتمة. الأسرى والسبايا من بنى المصطلق: ٤٩٣- أثخن المسلمون في بنى المصطلق، إذ لم تبق فيهم قوة يستطيعون أن يغيروا بها على المؤمنين فإنه قتل منهم من قتل، وسيق الباقون أسرى وسبايا، ولم يسترقهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهائيا فقد شد الوثاق ابتداء، وقيل إنه وزعهم غنائم على المحاربين، ولكنه أطلقهم في النهاية، ونرى أنه تدرج في معاملة الأسرى، ونرجح بهذا المعنى أن غزوة بنى المصطلق كانت بعد غزوة قريظة، ذلك أنه فى غزوة قريظة قتل الرجال، وسبى النساء، وباعهن في نجد في خيل اشتراها في مقابلهن قوة للمسلمين. أما في هذه وهى غزوة بنى المصطلق فقد تصرف صلى الله تعالى عليه وسلم تصرفا حكيما أدى إلى ألا يباع منهم أحد، حتى بعد تقسيمهم بين الغانمين، وألا يسبى منهم امرأة بعد تقسيمهم. فإن كتب السيرة تروى ما ثبت في صحاح السنة، وذلك أن الناس قسموا الرجال والنساء بينهم، وأبقى رسول الله جويرية بنت الحارث التى صارت من بعد من أمهات المؤمنين، ولنترك الكلمة لابن هشام الذى روى بعض الروايات، فهو يقول: يقال أنه لما انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من غزوة بنى المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث، دفعها إلى رجل من الأنصار وديعة وأمره بالاحتفاظ بها. وقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن ضرار لفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التى جاء بها

стр. 714

للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب» من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال: «يا محمد، أصبتم ابنتى، وهذا فداؤها» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا» فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله، فو الله ما اطلع على ذلك إلا الله تعالى. أسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما الرسول؛ فدفع الإبل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت، وحسن إسلامها، فخطبها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أبيها، فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم. وقد أعتق بعد ذلك كل من كان في يده واحد منهم، وقالوا: أنسترق أصهار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. هذا ما قاله ابن هشام، ولم يذكر الرواية التى اعتمد عليها، وإن كانت الصحاح توميء إلى ذلك، وإن لم تفصله ذلك التفصيل، وهذا الخبر يدل على أن الرق لم يكتب على أم المؤمنين جويرية. ولكن ابن إسحاق روى عن أم المؤمنين ما يفيد أن رقا قد كتب عليها، وإليك ما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها وعن أبيها، وإليك ما رواه عروة بن الزبير عن عائشة قالت: «لما قسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سبايا بنى المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس أو لابن عم له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستعينة في كتابتها ... فدخلت؟ فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث، سيد قومه، وقد أصابنى من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسى، فجئتك أستعين على كتابتي، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «هل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضى عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت» . وإن الفارق بين الروايتين أن ما ذكره ابن هشام، أن أباها هو الذى زوجها من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه لم يجر عليها الرق إذ افتداها أبوها بالإبل، وذكر فيها الصداق، وهو أربعمائة درهم، أما رواية ابن إسحق فكتبت أن الرق قد كتب عليها، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دفع عنها ما كاتبت عليه. ونحن نرى أن سياق ابن هشام أكثر انسجاما، واتساقا مع أحكام الإسلام، إذ أن وليها هو الذى زوجها، وذلك مبدأ مقرر في الإسلام، ولم يجز للمرأة أن تعقد زواجها بنفسها إلا أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه، وخالفه جمهور الفقهاء.

стр. 715

وفوق ذلك في رواية ابن إسحق ما قد يكون علة في الحديث، ففيه أنه نسب لعائشة رضى الله تعالى عنها وقد وصفتها بأنها امرأة حلوة مليحة: «فو الله ما أن رأيتها على باب حجرتى فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها صلى الله تعالى عليه وسلم ... ما رأيت فدخلت» وإنا نرى أن هذه العبارة، لا يليق أن تنسب لعائشة، لمكانتها في الإسلام، ولا أن ينسب ما تضمنته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وكتب السنة لم تذكر ما ذكرته رواية ابن إسحاق. ومهما كان الأمر في هذه الروايات فإن زواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ترتب عليه عتق قومها جميعا. وإنا نقول إن زواجه صلى الله تعالى عليه وسلم منها كاف لأن يدع المسلمون ما بأيديهم من الأسرى والسبايا، إذ عتق بزواجها رجال مائة دار من العرب، وقد أسلم قومها، ودخلوا في ظل الإسلام، وكانت تجمع منهم الزكاة. خطأ في الإدراك: ٤٩٤- لما أسلموا صاروا في ظل الدولة الإسلامية وتابعين لحكم المدينة، فأرسل إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبى معيط ليجمع منهم الزكاة. لما سمعوا به ركبوا إليه، فظنهم مغيرين عليه فهابهم، ويظهر أنهم كانوا يستقبلونه لا ليغيروا ولا ليثوروا، ولا ليحاربوا. عاد إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره أن القوم قد هموا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأثار بذلك ثائرة بعض المسلمين، وكان منهم من أكثر في القول بغزوهم. وما كان أساس الأمر إلا سوء فهم للأمور، فقد قدم وفدهم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. قالوا يا رسول الله: سمعنا رسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أننا خرجنا لنقتله، وو الله ما جئنا لذلك. والظاهر أن إساءة الفهم كانت منه، وفرض أنهم جاؤا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خوفا من غزو جرى على ألسنة بعض المؤمنين بعيد، لأنه من الضرورى حمل حال المؤمن على

стр. 716

الصلاح، ولذا قيل أنه نزل في هذا الموضع قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (الحجرات- ٦) والله أعلم بما تخفى الصدور. حديث الإفك ٤٩٥- اختصت غزوة بنى المصطلق بأن جاء في أعقابها أمور تتبعها أحكام لسياسة الجماعة، وإصلاح النفوس ومداواة مرضى القلوب. فكان فيها معاملة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمن وقعوا في الأسر والسبى بعد أن أثخن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في محاربيه، وقد كان عمله يتجه إلى المن بدل الفداء وقتل الرجال وسبى النساء، وعمل الرسول سنة متبعة، فهو لا يفرض الرق إلا إذا كان يتوقع أن تكون بينه وبين من أسر منهم حرب، وقد كان يتوقع مع اليهود حربا قد يأسرون من المسلمين فيها، فيسترقون ويسبون فعاملهم بما يتوقع أن يعاملوا بمثله، والحرب بينه وبينهم لم تنته بعد، ولم يثخن في قوتهم، بل لا تزال لهم قوة مرهوبة ولم يكن يتوقع من بنى المصطلق من بعد ذلك حربا، وكان في أثنائها نفاق المنافقين الذين اتجهوا إلى إشعال فتنة بين المهاجرين والأنصار وهم قوة الإسلام، وقد عالج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأمر بالترفق بالمنافقين، حتى ينكشف أمرهم ويلفظهم قومهم، ويكون تأديبهم من أهليهم، ثم لا يكون لنفاقهم قوة التأثير، إذ لا يخدع بهم أحد من أهل الإيمان، وينالهم الضلال، وبذلك بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كيف يعامل المنافقون بتركهم، حتى يذوى عودهم من ذات نفسه مع التحذير منهم. والأمر الخطير في ذات نفسه، وكان فيه إيذاء للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأهله، وهو حديث الإفك، الذى كان في ذاته إثما عظيما، وفي آثاره خطيرا في المجتمع، إذ من شأنه أن يشيع الفاحشة في المجتمع، ويدنسه بظهور الرذيلة فيه، وفوق ذلك فيه هجوم على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وفيه استهانة بمقام صاحب الرسالة الذى كرمه الله تعالى في السموات وفي الأرض، وقال الله تعالى في شأنه لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب- ٢١) . وقد اشترك في هذا الحديث المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبى الذى قالت فيه أم المؤمنين عائشة الطهور: إن الذى تولى كبره عبد الله بن أبى. وكان مع المنافقين زلل لبعض المهاجرين والأنصار، فلم تنزه فيه ألسنة أهل الإيمان من قبيل الاستهانة بالأخبار، وقبولها من غير تمحيص، ولا التفات لمغزاها ومرماها، بل كان تشهيا للحديث مجردا

стр. 717

من كل اعتبار، فكان هذا من بعد تنبها إلى وجوب العمل على حماية المجتمع من مروجات الشر، ومن الخرص بالظنون، والاحتفاظ بكرامات البيوتات، ولقد قال تعالى في ذلك: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. والخير فيما شرف الله به بيت النبوة، وفيما أعقبه من تطهير نفوس الذين خاضوا فيه بإقامة الحد عليهم بجلدهم ثمانين جلدة، ثم ما بين الله أن الإثم الذى اكتسبه بعض المهاجرين لا يمنع معونتهم من خير يسدى، فحسبهم عقوبة الحد الزاجر. ٤٩٦- ونذكر الآن حديث الإفك، كما جاء في كتب السيرة وصحاح السنة: كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يختار من نسائه للسفر معه عند ما يريد السفر بالقرعة، فكانت القرعة في غزوة بنى المصطلق على أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق، فخرجت معه في هذه الغزوة وفي عودتها نزلت لحاجتها، فتخلفت عن الركب، ولنترك لابنة الصديق ذكر القصة، وقد وافق ما جاء في الصحيحين عن هذا الأمر. قالت في سفره ﵊ لبنى المصطلق، «فلما فرغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من سفره ذلك جاء قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة، نزل منزلا فبات فيه بعض الليل، ثم أذن مؤذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس فخرجت لبعض حاجتى؛ وفي عنقى عقد ... فلما فرغت انسل من عنقى ولا أدرى، فلما رجعت إلى الرحل ألتمسه في عنقى فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى مكانى الذى ذهبت إليه، فالتمسته، حتى وجدته. وجاء القوم خلافى الذين كانوا يرحلون إلى البعير (أى أنهم ساقوا البعير الذى كان يقلها) وقد كانوا قد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج، وهم يظنون أنى فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدوه على البعير، ولم يشكوا أنى فيه، ثم أخذوا برأس البعير، فانطلقوا به، فرجعت إلى المعسكر، وما فيه داع ولا مجيب، قد انطلق الناس، فتلففت بجلبابى، ثم اضطجعت مكانى، وعرفت أنى لو افتقدت لرجع الناس إليّ، فو الله إنى لمضطجعة، إذ مربى صفوان بن المعطل السلمى، وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته، فلم بيت مع الناس، فرأى سوادى فأقبل حتى وقف، وكان يرانى قبل أن يضرب الحجاب فلما رآنى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنا متلفلفة في ثيابى، قال: فما خلفك يرحمك الله؟ فما كلمته ثم قرب إلى البعير فقال: اركبى، واستأخر منى، فركبت وأخذ برأس البعير وانطلق سريعا يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس، فلما

стр. 718

اطمأنوا طلع الرجل يقود بى، فقال أهل الإفك ما قالوا، وارتج العسكر، والله ما أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة» . هذه عبارة أم المؤمنين الصادقة بنت الصديق تبين الواقعة، كما هى؛ وكما عاينت وشاهدت، ولنتركها تذكر ما شاع ومن أشاع، فهى تحكى الوقائع، وتحكى خلجات نفسها المؤمنة الباكية وهى في غضارة الصبا. «فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة لا يبلغنى من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإلى أبوى، لا يذكرون منه قليلا ولا كثير، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعض لطفه بى، وكنت إذا اشتكيت رحمنى ولطف بى، فلم أزل في شكواى، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل على وعندى أمى تمرضنى، قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك، حتى وجدت في نفسى فقلت: يا رسول الله- حين رأيت ما رأيت من جفائه لى- لو أذنت لى، فانتقلت إلى أمى فمرضتنى، قال: لا عليك. فانقلبت إلى أمى، ولا علم لى بشيء، مما كان حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة ... فخرجت ليلة لبعض حاجتى ومعى أم مسطح ابنة أبى رهم بن عبد، فو الله إنها لتمشى إذ عثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح، قلت: بئس لعمرو الله ما قلت لرجل من المهاجرين، وقد شهد بدرا!! قالت: أو ما بلغك الخبر، فأخبرتنى بالذى كان من قول أهل الإفك، قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله قد كان، فو الله ما قدرت على قضاء حاجتى، ورجعت، فو الله ما زلت أبكى، حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدى، وقلت لأمى: يغفر الله لك!! تحدث الناس بما تحدثوا به، ولا تذكرى لى من ذلك شيئا!! قالت: أى بنية خففى عليك الشأن، فو الله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر، إلا كثرن وكثر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فخطبهم، ولا أعلم بذلك فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذوننى في أهلى، ويقولون عليهم غير الحق. والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل ما علمت منه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى. قالت أم المؤمنين عائشة: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح، وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم تكن امرأة من نسائه يناصبني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضارني لأختها، فشقيت بذلك.

стр. 719

فلما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير: يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج، فمرنا أمرك، فو الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد بن عبادة، وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا، فقال: كذبت لعمرو الله، ما تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا لأنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمرو الله، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين، وتساور الناس. حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر. فدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليّ، فدعا على بن أبى طالب، وأسامة بن زيد، فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا ثم قال: يا رسول الله أهلك، وما نعلم عنهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما على فإنه قال: يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك، فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بريرة يسألها، فقام إليها فضربها ضربا شديدا «١» . ويقول: أصدقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتقول (بريرة) : والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة إلا أنى كنت أعجن عجينى، فامرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتى الشاة فتأكله. ثم دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعندى أبوى، وعندى امرأة من الأنصار، وأنا أبكى وهى تبكى، فجلس، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة، إنه قد بلغك من قول الناس فاتقى الله، إن كنت قد قارفت سوآ مما يقول الناس، فتوبى إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، فقلص الدمع، حتى ما أحس منه شيئا. وانتظرت أبوى أن يجيبا عنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يتكلما، وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسى وأصغر شأنا من أن ينزل في قرآنا يقرأ، ويصلى به الناس، ولكنى كنت أرجو أن يرى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما يكذب الله به عنى لما يعلم من براءتى، ويخبر خبرا، وأما قرآنا ينزل في، فو الله لنفسى كانت أحقر عندى من ذلك. ولما لم أر أبوى يتكلمان قلت لهما ألا تجيبان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقالا: فو الله لا ندرى بما نجيبه، ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر في تلك الأيام، فلما استعجما على استعبرت فبكيت، فقلت: لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إنى لا أعلم إن أقررت

стр. 720

بما يقول الناس، والله تعالى يعلم أنى منه بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت يقولون لا تصدقونى، ثم التمست اسم يعقوب أذكره، ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ، فو الله ما برح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مجلسه، حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجى بثوبه، ووضع وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فو الله ما فزعت، وما باليت، قد عرفت أنى بريئة، وأن الله تعالى غير ظالمى، وأما أبواى فو الذى نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما حزنا من أن يأتى من الله تحقيق ما قال الناس، ثم سرى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجلس، وإنه ليتحدر عن وجهه مثل الجمان- فى يوم شات- فجعل يمسح العرق من وجهه، ويقول: أبشرى يا عائشة قد أنزل الله براءتك. قلت: الحمد لله. ثم خرج على الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله تعالى من القرآن الكريم، ثم أمر بمسطح ابن أثالة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم. ٤٩٧- ذكرنا القصة مع طولها، كما جاءت على لسان المجنى عليها، وقد اخترنا تلك الرواية لما فيها من جمع لكل معانى الروايات، لأنها تصور نفس تلك الصبية الكريمة التى لم تكن قد تجاوزت الرابعة عشرة من سنها. امتحن الله تعالى تلك الصبية الطاهرة لزوج أعظم رجل في الوجود الإنسانى وابنة صاحبه في الغار، وهى في سن قريب من الطفولة، امتحنت أولا- بأن تخلفت عن الركب، وصارت في أرض قفر وحدها، فلم تصرخ ولم تولول، بل فوضت مؤمنة أمرها لربها، وتجلببت بجلبابها، ونامت آمنة مطمئنة منتظرة أمر الله فيها عالمة أن الله لا يضيعها، ويجيء رجل مكتمل عرف بالتقوى، بل قيل أنه حصور ليس له في النساء أرب، فاسترجع عند ما رآها، وعجب أن يرى في الليل، وفي هذا المكان الموحش، وهو يسترجع ويقول: ظعينة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وينيخ لها البعير، فتركبه من غير معونة أحد، وليس معها مكان الرحيل بها وهو هودجها، إذ أنه حمل على بعيرها، زعم من رفعوه إليها أنها فيه، لصغر ثقلها. وإنها من بعد ذلك تستقبل المدينة بصخبها وجلبها، ونفاق بعضها، وفضول الأكثرين الذين لا يتركون الظن أو التظنن، وهو من الإثم، كما قال الله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (الحجرات- ١٢) . وإذا ظنوا أشاعوا غير ناظرين إلى عاقبة، ولا إلى أثر القول، ولا إلى موضوع القول، ومكانة صاحبته فى أهلها وبعلها، ومكان من يناله السوء من إشاعة، ويندفع في ترداده غير عالم له بحقيقة، ولكنها ظن السوء المجرد وشهوة قول الفتنة، والفضول الذى يسود بعض الناس، وما أصدق قول الله تعالى في وصف

стр. 721

الذين خاضوا، وهم الجماعات الإنسانية قلوا أو كثروا، وهو يقدم لهم أحسن الأدب، وما يجب التحلى به عند ما يقال القول من أحمق مأفون، أو منافق مفتون، يقول تعالت كلماته: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (النور ١٥- ١٧) . نعم إنهم تلقوه بألسنتهم، لا بعيونهم، وأخذوه من الألسنة المرددة، لا من مصادر العلم المتيقنة، وأشاعوه بالأفواه لتزجية القول في المجالس، والسمر الماجن الفاسد، ويحسبون ذلك أمرا سهلا، معتادا، وهو عند الله تعالى أعظم الفرية، وإن المؤمن لا يتلقاه بالترويج والإشاعة إنما يرده، أو يبعدوا الفضول عن أنفسهم، وإنه لا ينبغى ترداده، بل رده، لأنه بهتان عظيم. وهنا قد شاعت قالة السوء، ورددها المهاجر والأنصارى والمنافق والمخلص في غير تحر ولا احتراس عن لغو القول وبهتانه، هنا نجد عظمة الرسول، وإيمانه بأن الطيبين للطيبات وحسن ظنه بأهله. وقوة إيمانه النبوى وضبط نفسه، وصبره، فيقول شاكيا الناس إلى الناس: ما بال رجال يؤذوننى في أهلى، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى. لام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الرجال الذين أشاعوا القول الكاذب، وتضمن قوله لوم الذين استمعوا إليهم. ولقد كان ذلك إنهاء لترداد القول، لأن الذى نفى الخبر وكذبه هو صاحب الشأن، وهم من علموه لا ينطق عن الهوى. فكان ذلك إطفاء للثائرة. ولكن إذا كان ذلك القول من أخلاق النبوة فقد بقى حكم البشرية، والبشرية لها سلطان لم تكذب ولم تصدق، ولكن النفس ارتابت، والارتياب ينساب في النفوس إذا كانت له أسباب ولو بالظن الذى لا دليل على صدقه. وهنا نجد التعليم العالى من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لمن يختبره الله تعالى بمثل تلك القالة الآثمة. فهو لا يسارع إلى أهله يبادرهم بالاتهام أو الإيذاء، أو غير ذلك مما يرتكبه ابن الإنسان في غضبه أو ريبه، بل إنه يتلقى ذلك بالصبر الكظيم الهاديء الذى يميل إلى التبرئة، ولا يميل إلى الاتهام. ولكن أمرا لا يملكه وهو ألا يبدو عنه أثر للألم المكين، وإن لم يظهر لعنا ولا سخطا، بل إنه لا يفكر في أن يذكر لها الخبر، حتى تتبرأ، فتكون الزوبعة قد هدأت والسحابة العارضة قد تبددت، ولكنها

стр. 722

لا تعلم، وقد كانت غافلة عما يجرى بين الناس من قول، قد أطفأه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإعلان كذبه وبهتانه. ولكن الصبية الطاهرة المؤمنة تعلم، والقول يجرى بشأنها من الآثمين الذين لعنهم الله تعالى في كتابه، إذ قال: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (النور- ٢٤) وأى ذنب أعظم إثما من رمى هذه المؤمنة الغافلة الوفية ابنة الصديق وزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بمنطق العقل والإيمان لا يصدق، وبمنطق النفس البشرية يرتاب، فاستشار خواصه، فكلهم كذب، وشدد في التكذيب، وهو يقول إنك طيب لا يختار الله تعالى لك إلا طيبا، نسب ذلك لعمر بن الخطاب الفاروق. وقد سأل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اثنين من القريبين من بيته، وهما أسامة بن زيد، وعلى بن أبى طالب. سأل أسامة، فأثنى خيرا، وكلامه في أم المؤمنين عائشة يترقرق فيه بشر الاطمئنان. وسأل عليا القاضى الذى قال فيه «أقضاكم علي» فأجاب إجابة قوية لم يتهم ولم يكذب، ولم يثن، ولم يهاجم، بل وقف كما يقولون موقفا محايدا. وفي الحق إن ذلك هو السبيل لإزالة الريب، قال: يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف. وإن هذا لا شك ما كانت أم المؤمنين ترضاه من على بطبيعة المرأة المحبة المخلصة المثالية، وهو مهما يكن أثره في قلب أم المؤمنين يؤيد حياد على في القضية، وهو يجعله أقرب إلى الاتباع، يقول على القاضى المحقق: سل الجارية فإنها تصدقك، أخذ التحقيق طريقه، فسأل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بريرة، فقالت ما أدخل الاطمئنان في قلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وابتدأ يزيح غشاء الشك. قالت: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا، إلا أنى كنت أعجن عجينى، فامرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتى الشاة فتأكله. كان الاطمئنان وإن لم يكن كاملا، وخصوصا أن الوصف الذى وصفتها به هو من أسباب إشاعة قول السوء من الأفاكين الآثمين، فإذا كانت غلبة النوم تسببت في أن تأكل الشاة عجين بريرة، فقد كانت غلبة النوم هى التى فتحت باب الاتهام الآثم للأفاكين. بعد أن استأنس النبى بدليل البراءة بعد أن برأها بإيمانه، وبعد أن علمت هى، واجهها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى حبه في الدنيا والآخرة، قال لها ما يدل على أنه غير خاف ولا تارك

стр. 723

له، يا عائشة، إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقى الله، وإن كنت قد قارفت سوآ مما يقول الناس، فتوبى إلى الله. فإن الله يقبل التوبة عن عباده. لقد كانت تبكى، فجف الدمع من قوله، لأنها كانت ترجو فيه الرضا بعد الجفوة، ترجوه رضا مطلقا لا رضا معلقا، وترجو ألا يكون منه، وهو الحبيب الرسول النفى المطلق في مواجهته، وتلفتت الصبية المؤمنة المحصنة الطاهرة أن يجيب عنها أحد، وقد قال أحب حبيب لها في الوجود ما لا يقطع بالنفى المطلق، المثبت لبراءتها، فلم يجب أبواها، وكانت في حيرة البريء الذى يجرى حوله الاتهام، ويحيط بها من كل جانب، رأت أنها إن كذبت لا تصدق، وإن أثبتت كذبت. فتركت أمرها لله تعالى، لا ترجو سواه، وما كانت تظن أنها بلغت مبلغ أن ينزل قرآن يتلى ويصلى به في براءتها، وإنها تزعم أنها أصغر من ذلك، ولكن مقامها عند الله كبير لأنها صبرت مطمئنة إلى حكم الله تعالى، ورضيت بأن يكون وحده هو الذى يعلن براءتها، فنزلت الآيات الكريمات المبرئات بالدليل، إذ قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً، وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ. لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ، وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ

стр. 724

وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَأَيْدِيهِمْ، وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (النور- ١١، ٢٦) . ٤٩٨- هذه حادثة الإفك والبهتان، وننظر فيما تشير إليه الآيات الكريمات التى نزلت ببراءة الطاهرة الصادقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها. تشير الآية الكريمة أولا إلى أن أكثر الشر في الجماعة يجيء من أمور يحسبها الناس أمورا هينة وليست هينة في ذاتها، بل هى إثم كبير، كما أنها ليست هينة في آثارها لأنها تحل المجتمع وتشيع الفاحشة فيه، وتهون الرذائل ويكون فيه رأى عام غير فاضل، بل رأى عام فاسد، ولا تفرخ الرذائل إلا في رأى عام فاسد، ولذلك شدد القرآن الكريم في وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ليكون رأى عام فاضل يحث على الفضيلة، ويدفع الرذيلة. وتدل الآية ثانيا على أن الشهادة في الفاحشة، لا تكون إلا بأربعة شهداء وإلا كان القول كاذبا عند الله تعالى مهما تكن مكانة القائل الاجتماعية، ولذلك اقترن بهذه القالة الفاسدة حد القذف. وتدل ثالثا على أن الظالم لا يظلم ولا يمنع من الخير مادام قد استوفى عقابه على ما ارتكب، لقد كان أبو بكر رضى الله ﵎ عنه يمد مسطحا وهو ذو قرابة به، فلما خاض في حديث الإفك، قطع عنه فنزل نهى الله تعالى عن ذلك في قوله تعالى في الآيات التى تلوناها، وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى إلى آخر الآية الكريمة. وتدل هذه الآية على أمرين: أولهما: أن الزكاة يجوز إعطاؤها للعصاة وقد أخطأ في ذلك بعض الفقهاء، فإنها قد تمنعهم من كثير من الجرائم، وقد تدنى قلوب العصاة، فإن الجفوة تولد الجرائم، والعطاء يرطب النفوس فلا تجفو، وتحس بأن عيشها مؤتلفة مع الجماعة أدنى إلى الراحة. ثانيهما: أن الإعطاء عند الجفوة يقرب ويمنع البعد، وأن الصدقة تطفيء المعصية وتجلب الغفران، ألا ترى إلى قوله تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم «ليس الواصل بالمكافىء، إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة» . وتدل رابعا على طهارة نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم طهارة مطلقة لأن الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين، فتلك سنة الله تعالى في خلقه، ولم تكن مخالفتها إلا في امرأة فرعون التى ذكرها القرآن

стр. 725

بالخير، وقد كانت مع شر خلق الله، وكذلك في امرأة نوح ولوط اللتين خانتا هذين الرسولين الطاهرين، وقد قال تعالى في ذلك: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ، إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (التحريم- ١١، ١٢) . ويقول الله تعالى قبل هاتين الآيتين: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما، فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (التحريم- ١٠) . فكان نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من الطيبات. الأثر النفسى من على كرم الله وجهه: ٤٩٩- يبدو من سياق القصة كما روتها أم المؤمنين عائشة رضى الله ﵎ عنها أن كلام على رضى الله تعالى عليه لم يقع من نفسها موقع الرضا، كما وقع كلام أسامة، وكما وقع كلام الصحابة الذين قالوا خيرا. وذلك لأن عليا كرم الله وجهه لم يكن في كلامه ما يرضى، ولكن كان في كلامه ما يكون سبيلا لإنهاء الموضوع، ولكيلا يشغل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر عارض. وما كان يرضى كلام على عائشة، لأنه لم يشهد بالبراءة كما شهد غيره، ولعلها كانت ترى أنه أعلم ببراءتها أكثر من غيره من الصحابة، ولأن له بالبيت الذى هى فيه صلة، فشهادته تكون أقوى من شهادة غيره. ولأنه قال كلاما لا يرضى من لها مكانة عائشة في قلب النبى، لأنه قال: النساء غيرها كثيرات وأن له أن يستخلف غيرها. وإذا كان ذلك لم يرض البريئة الطاهرة، فإنه كان السبيل إلى صرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى التحقيق، ووراء التحقيق كان الاطمئنان الابتدائى، ثم كان وراءه الإبراء لها من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثم الإبراء لها من الله تعالى. ولقد استرسل المؤرخون في ذكر ما بينها وبين على كرم الله وجهه، حتى جعلوه سبب الخروج عليه في واقعة الجمل، وقالوا ما قالوا في ذلك.

стр. 726

ونحن نقول إنه بلا ريب لم يرض على عاطفتها، ولكنها في ظنى ما أبغضته، وإن خالفته على كلام في ذلك، وإن الدليل على أنها لم تبغضه أنه عند ما نعى إليها ذهبت إلى قبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقالت: جئت أنعى إليك أحب أصحابك إليك، جئت أنعى إليك صفيك المجتبى، وحبيبك المرتضى، على بن أبى طالب. وما كان من شأنها أن تبغض أحب أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليه، فرضى الله عنها وكرم الله وجهه. حد القذف ٥٠٠- أحسب أن حد القذف قد شرع لهذه المناسبة التى شاعت فيها قالة السوء، وحديث الإفك، لأن الآيات جاءت متصلة بعضها ببعض، إذ أنه ذكر فيها نصاب الشهادة بالزنا، وهو أربعة شهداء وأنه إذا لم يكن الشهداء الأربعة، فإن الرامى بالزنا يكون كاذبا، وهذا الحد هو جزاء الكذب، وقد ذكر الله تعالى الحد في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، وَأَصْلَحُوا، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ونلاحظ أن الآية دلت على عقوبة أصلية مادية، وهى ضربهم ثمانين جلدة، وذكرت عقوبتين تابعتين معنويتين. إحداهما: ألا تقبل لهم شهادة أبدا، لأنهم كذبوا في مقام يجب الاحتراس فيه، ولأن الله تعالى وصفهم بأنهم الكاذبون، وحصرهم في وصف الكذب فقال تعالى: لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ، وكيف تقبل شهادة من حصر فى الكذب بحكم الله تعالى، ولذلك منع قبول شهادتهم أبديا، فقال تعالى: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً. الثانية من العقوبات التبعية وصفهم بالفسق، وهذا الوصف يستمر إذا لم يتوبوا، فالاستثناء بالتوبة إنما هو من وصف الفسق، فلا يكون التائب توبة نصوحا فاسقا، بل لا يكون مذنبا، لأن التوبة تجب الذنوب، كما قال تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (طه- ٨٢) . ولقد طبق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حد القذف على مسطح وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش التى منعها دينها من أن تخوض في حديث

стр. 727

الإفك مع أنها الضرة التى كانت تناصى عائشة رضى الله عنهما المنزلة عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان قد نزل حد القذف من قبل. وهنا يرد سؤال: إن الذين تحدثوا حديث الإفك كانوا أكثر من ثلاثة، فقد تناول القول به غير ثلاثة، بل إن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت: إن الذى تولى كبره عبد الله بن أبى، فلماذا لم يقم الحد، إلا على هؤلاء الثلاثة. ونقول في الجواب عن ذلك أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر أن هؤلاء قد صرحوا بالرمى ويظهر أنه قام الدليل على أنهم تكلموا، ولم يقم الدليل على غيرهم. ولكن أم المؤمنين عائشة قالت إن الذى تولى كبره رأس المنافقين فكيف لا يحد، وهو الآثم الأوّل. ونقول في الجواب عن ذلك أنه بلا ريب هو الذى تولى كبر هذا، بالتنبيه على ما يسهل على غيره الرمى، من غير أن يصرح بالرمى، ويدس الخبر في الناس بلحن القول من غير تصريح، فيحمل الناس على أن يتكلموا، وهو لا يظهر الكلام إلا بين خاصته الذين يشيعون الإفك بتوجيه الأذهان إليه من غير أن يصرحوا، فهم يوعزون بالقول، ولا يظهرون، ويدفعون غيرهم، ولا يتكلمون، وتلك حال المنافقين يستترون ولا يتكلمون، وبذلك تتحقق في غيرهم شروط إقامة الحد، ولا تتحقق فيهم، والله أعلم. والقذف هو الرمى بالزنى، سواء أكان رميا للرجل أو المرأة. حد اللعان ٥٠١- واللعان نزل عقب بيان حد القذف وقبل حديث الإفك، وحد القذف سببه رمى الرجل أو المرأة بالزنا إذا لم يكن بينهما عقد زواج، أى يكون المقذوف ليس زوجا للقاذف. أما اللعان فإنه يكون عند ما يرمى الزوج زوجته، واللعان أن يحلف الزوج الرامى أربع مرات أنه صادق فيما يرمى به زوجته من الزنا أو نفى الولد منه، والخامسة أن لعنة الله تعالى عليه إن كان من الكاذبين، فالحلف تضمن سلبا وإيجابا، والإيجاب كان بالحلف على وقوعه، والسلب كان بالحلف باستحقاق لعنة الله إن كان كاذبا. وقد ثبت بقوله تعالى بعد آية حد القذف: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ، فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخامِسَةُ

стр. 728

أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (النور- ٦، ٩) . وكان اللعان إذا كانت الزوجية قائمة وقت الرمى بالزنا بأن تكون قائمة حقيقة، أو حكما بأن تكون في عدة الطلاق الرجعى. واختص رمى الزوج لزوجته بألا تكون شهادة أربعة، لأنه لا سبيل لأن يحضر أربعة يشهدون واقعة زنى زوجته، ولأن الغيظ الذى يكون عليه الزوج لابد أن يطفأ ولو بالقول في حضرة الحاكم. ولقد جاء رجل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: يا رسول الله، إن الرجل يجد الرجل مع أهله، وإن قتله قتلتموه، وإن تكلم ضربتموه، وإن سكت، سكت على غيظ، اللهم بين، فنزلت آية اللعان مبينة كاشفة. وإنه إذا تم اللعان فرق بين الزوجين، فرقة أبدية عند جمهور الفقهاء، وأجاز أبو حنيفة العودة إليها بعقد جديد ومهر جديد إذا كذب نفسه. وقد قال بعض الناس في أيامنا هذه هل يطبق حد اللعان إذا رمت المرأة زوجها بالزني، ولم يكن عندها شهداء أربعة. ونقول في الجواب عن ذلك أن اللعان ورد بالنص في حال ما إذا رمى الزوج زوجته، وكان تفصيله في الحلف أربعة إيجابية، وواحد سلبى، أما المرأة، فكان أربعة سلبية وواحد إيجابى. ولا يمكن ثبوت الحدود إلا بالنص، إذ أنها تدرأ بالشبهات، فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» . ولا يمكن أن نثبته بالقياس، لأن علة القياس غير ثابتة بقدر واحد في المقيس والمقيس عليه، إذ أن المرأة وعاء النسل للرجل، فمن حقه أن ينفى نسب الولد إذا كان من غيره، ولأن زنى المرأة أشد خطرا على الأنساب من زنا الرجل، فليسا مشتركين في علة التخفيف من القذف إلى اللعان، ولأن المرأة في بيت الرجل، فالحكم منه بالزنا عليها قد يكون من غير حضور شهداء، يشهدون. أما الرجل فالزنا منه في أكثر الأحوال يكون خارج المنزل، فعلمها به، إما أن يكون من غير بينة، بل بالحدس والتخمين أو بإخبار الناس من غير تعيين للمخبرين، وذلك هو الغالب، وإما أن يكون بمخبرين معينين، وفي هذه الحال تثبت الرمى بالزني، ويكون حينئذ حد القذف، وما يترتب عليه من عقوبات مادية وتبعية، والله هو العليم بذات الصدور.

стр. 729

حد الزنا ٥٠٢- الآيات تتلى وإليك آية حد الزنا، وآية حد القذف، وآيات الإفك، وهذا التوالى الكافى ينبيء عن أن يكون النزول في وقت واحد أو متقارب، ومناسبة واحدة. ونشير في هذا المقام إلى أن الزنا وردت فيه آيات يبين بعضها بعضا. أولها: قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما، إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (النساء- ١٦) . فهاتان الآيتان تفيدان أن ثمة عقوبة تخص المرأة، وأخرى تعم الرجل والمرأة، فأما التى تخص المرأة، فإمساكها في البيوت حتى تموت أو يجعل الله تعالى لها سبيلا بالزواج، كما هو الظاهر الواضح. وأما التى تعم الرجل والمرأة، فهو الإيذاء، وقد جاءت السنة بعقوبة للرجل تقابل عقوبة المرأة التى تخصها، وهو التغريب سنة، وهذا يقابل الإمساك في البيوت. والإيذاء لهما بينته آية النور، ولم تكن ناسخة، كما جاء على أقلام كثيرين من الكتاب، لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر التوفيق بين النصين، والجمع هنا ممكن، وهو واجب، لأن كل آية تتمم الآخرى أو تبينها، كما في الآيات الواردة في عقوبة الزنا. والإيذاء المبين في سورة النور هو قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (النور- ٢، ٣) . وجاءت بعد ذلك آيات حد القذف، ثم آيات اللعان ثم حديث الإفك والبهتان الذى يصور جريمة الرمى بالزنا، وأنها تشيع الفاحشة في الدين، وتفسد الجماعة، وتجعلها تعيش في مجتمع معتم بالرذيلة، والاستهانة بها. ويجب التنبيه هنا إلى أمرين- أحدهما- أننا لا نقول جازمين أن هذه الآيات المتعلقة بهذه الحدود، قد نزلت كلها عقب غزوة بنى المصطلق أو في أثنائها، أو عند حديث الإفك، والذى يغلب علينا أن حد القذف والزنى قد نزل قبلها بقليل أو بكثير كما أشرنا، ولذلك طبق حد القذف على الذين

стр. 730

ارتكبوا ذلك الإثم، ولا يقال إنه قد طبقت عليهم عقوبة لم تكن ثابتة وقت ارتكابهم ما حقت عليهم بسببها، وإن العقوبات تطبق على الحوادث اللاحقة ولا تطبق على الحوادث السابقة، كما يقرر علماء القانون الوضعى، وإن كان في ذلك القول نظر يوجب تمحيصه. التنبيه الثانى: أن العقوبات في الإسلام تسير سيرا طرديا مع منازل المرتكبين، فتكبر العقوبة مع كبر المجرم، وتصغر مع صغره، لأن الجريمة مهانة، والمهانة تهون على الصغير، لأن نفسه مهينة في نظره، والمهانة من ذى المنزلة أمر كبير. ولذلك جعل الإسلام العقوبة المقدرة على العبد نصفها إذا وقعت الجريمة على الحر، وقد قال تعالى في شأن الإماء فَإِذا أُحْصِنَّ، فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ، فإذا كانت الحرة إذا زنت تجلد مائة، فإنه إذا زنت الأمة تجلد خمسين. وكذلك الأمر بالنسبة للعبد، وكذلك الأمر بالنسبة لكل الحدود، لا فرق بين حد وحد، وكل ذلك في العقوبات القابلة للتنصيف. ولقد أجمع الفقهاء على أنه يجب تخفيف ما على العبد بعد تنصيفه، فيكون السوط الذى يجلد به العبد أخف من سوط الحر. الحديبية ٥٠٣- انتشر الإسلام في الصحراء العربية، تبعه من تبعه، وعلم بأمره الكثيرون، وكان من الأعراب مؤمنون كما كان منهم مسلمون، أعلنوا إسلامهم، وإن لم تؤمن قلوبهم، وكان منهم من استمر على شركه، ولكن صار في المسلمين قوة ولهم هيبة تجعل الذين بقوا على شركهم ينظرون إلى الدعوة للتوحيد، والإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم على أنها ذات مكانة جعلتهم يفكرون ويقدرون، ولا يكتفون بالرد بادى الرأى، والإنكار المطلق من غير تفكير ولا تدبر. والقول الجملى أن الريب دخل قلوبهم من ناحية عبادة الأوثان، وهم يعلمون الله تعالى بذاته وصفاته، ولا شك أن ريبهم في أوثانهم هو الطريق لأن يدخلوا في دين الفطرة مؤمنين آمنين، صارت الدعوة الإسلامية تملأ الآفاق، ولم يعد أحد من الأعراب أو من لف لفهم يفكر في غزو المدينة فهى محروسة بحراسة الله تعالى، مصونة بكلاءة الله تعالى. فإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أمن غزو الأعراب، أو أن يدخلوا في أحلاف مع أعدائه، فقد آن له أن يتجه إلى قريش الذين يناصبونه العداوة، لا ليقاتلهم، فهو لا يقاتل إلا دفاعا، كما رأينا في سراياه وغزواته السابقة.

стр. 731

ولكن قريشا تعاديه والحرم المكى الشريف تحت سلطانها، فلا بد أن يفرغ من عداوتها، تمكينا للدعوة، وتعبيدا للسبيل إلى الحج، الذى هو نسك من نسك الإسلام، ولأنه صلى الله تعالى عليه وسلم يريد التفرغ لليهود الذين تجمعوا في خيبر، وهم وحدهم الذين يريدون الانقضاض على المدينة، زاعمين أنها ديارهم أخرجهم منها، وقتل من قتل منهم. فكان لابد أن يعرف أمر قريش، وأن يعرف أهم يسهلون له أداء فريضة الحج، بقية ديانة إبراهيم فى أرض العرب، أم أنهم يقفون في سبيله كما وقفوا دائما. لابد أن يقرن النية بالعمل، فذهب ليحج، وكانت موقعة الحديبية التى سماها الله تعالى فتحا مبينا، لأنها أزالت الحواجز النفسية التى كانت تحاجز بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وبين قريش، والتقى بهم الأمين الحبيب الذى عرفوه في صباه، وشبابه، وزالت المحاجزات بسبب الخلاف والنفور، والحرب. غزوة الحديبية: ٥٠٤- فى ذى القعدة سنة ست من الهجرة النبوية، كما تطابقت كل الروايات، وهى من أشهر الحج، اعتزم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من أصحابه الحج، وكان معه سبعمائة، ولكن قال جابر بن عبد الله: كان معه أربع عشرة مائة أى نحو ١٤٠٠، وهذا معقول، فقد كان جيشه صلى الله تعالى عليه وسلم مرهبا لقريش، وما كان يرهبها ما دون الألف، ولقد ذكر ذلك العدد، وهو ١٤٠٠ (أربعمائة وألف) البخارى وغيره، ورقم السبعمائة لابن إسحاق. خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهم لا يريدون حربا، بل يريدون حجا جامعا، ولكنه ما أن وصل إلى عسفان حتى لقيه بشر بن سفيان الكعبى، ويظهر أن قريشا قد علمت أو ظنت خروج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهى الحذرة المتحفزة. قال بشر بن سفيان: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذى طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الرحيم بقومه راجيا الإسلام فيهم، وإن حاربوه: يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب، فإن أصابونى كان ذلك الذى أرادوا، وإن أظهرنى الله تعالى عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش، فو الله لا أزال أجاهد على هذا الذى بعثنى الله به، حتى يظهره، أو تنفرد هذه السالفة.

стр. 732

بعد هذا لم يرد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يلقى مقاتليهم، حتى لا يسبق السيف الرأى، وهو يريد أن يحج، ولا يريد أن يرغمهم، بل يريدهم مختارين، لأن الاختيار يؤلف، والقتال ينفر، والإجبار بالسيف يرمض النفس، ويكلمها، ولا يريد ﵇ كلما، بل يريد شفاء للقلوب من غيظها. ندب رجلا يخرج بالمسلمين إلى طريق غير طريقهم فسار في طريق وعث، حتى وصل ثنية المراد مهبط الحديبية من أسفل مكة. ولما رأت خيل قريش كروا راجعين ليكونوا بمكة المكرمة والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالجيش إلى ثنية المراد. بركت ناقته، وكأن الله تعالى قد اختار له هذا المكان، فلما بركت الناقة قال الناس خلأت، فقال ﵇: (ما خلأت) وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعونى قريش اليوم إلى خطة يسألونى فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها، قال ذلك لأنه جاء وهو الهادى الداعى إلى الحق ليقرب نفوسهم بعد الحرب التى شنوها، ومكنه الله تعالى منهم. قال لجيشه: انزلوا، فقالوا: ما بالوادى ماء، ولم يكن به ماء، ولكن قلب مطمورة، فأعطى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سهمه رجلا من رجاله، فنزل به في قليب من تلك القلب وغرز فيه السهم، فجلس النبى للرواء حتى شرب الناس. المراسلة بين الفريقين: ٥٠٥- كان مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جيش قوى، ولم تكن مكة على استعداد للحرب، ولو أراد أن يدكها بجيشه دكا لفعل، ولكنه أتى للحج، وليطفئ حربا، ويبر رحما، ويزيل نفرة، وليذهب بوحشة الحروب التى خلفتها. ولذلك أعلن المسالة وإرادة الحج من غير أن يقهرهم أو يذلهم. جاء إليه بديل بن ورقاء مع رجال من خزاعة فكلموه صلى الله تعالى عليه وسلم، وسألوه ما الذى جاء به، فأخبرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ما جاء يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته، وقال ما قاله من قبل لغيره. رجعوا إلى قريش، فقالوا لهم: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد وإن محمدا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرا لهذا البيت، فاتهموهم وجابهوهم، وقالوا: وإن جاء لا يريد قتالا، فو الله لا يدخلها علينا عنوة ولا تحدث بذلك العرب، ولكنهم مع هذه العنجهية لم يزيلوا ما بينهم وبين النبى صلى الله

стр. 733

تعالى عليه وسلم، فأرسلوا له مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر بن لؤى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما رآه مقبلا: هذا رجل غادر، وقد كلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه ما جاء للقتال، ولكن لزيارة البيت. ومع أن قريشا لا تريد حتى زيارة البيت أرسلت حليس بن علقمة، وكان يومئذ سيد الأحباش الذين كانوا يعينونهم في القتال فلما رآه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال ﵇: إنه من قوم يتألهون- أى يذعنون- لظاهر العبادة، فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه، فلما رأى ما يسيل عليه من عرض الوادى من قلائد أشعرت بأنه هدى للحج، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. اكتفى حليس بالنظر إلى الهدى عن المحادثة، فرجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، إعظاما لما رأى. حدثهم بما رأى فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابى لا علم لك. غضب الحليس عند ذلك، وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أفصد عن بيت الله تعالى من بعد ما جاء معظما له، والذى نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا لحليس: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. ما زالوا طامعين في أن يكون لهم من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما يرضيهم من غير أن يقاتلوه، فأرسلوا إليه عروة بن مسعود الثقفى، وقد ذكر لقريش أنه بمنزلة الولد، لأن أمه كانت من بنات عبد شمس، وقد ذكر من جاء إليهم بعد لقائه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنهم لقوه بالتعنيف وسوء الحظ كما قالوا لبديل الخزاعى، وكما قالوا للحليس سيد الأحباش، تبين أن صلتهم به وثيقة، وأنه سيكون أمينا في رسالته مع رغبته في نصرتهم، وقال في ذلك: قد سمعت بالذى نابكم، فجمعت من أطاعنى من قومى ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. خرج عروة بن مسعود هذا، وقد اطمأن إلى ثقتهم به، حتى أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال: جمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لنقضها (أى يكسرها لهم) . إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل «١» قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، والله الكافى بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا.

стр. 734

وكان أبو بكر رضى الله عنه خلف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له: أنحن ننكشف عنه. ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يكلمه مما يدل على جرأته وصلفه وخشونته وعبثه. وكان المغيرة بن شعبة واقفا على رأس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو بالحديد، فكلما مد يده إلى لحية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقرع يده، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل ألا تصل إليك- أى تقطع فلا تصل إليك-. قال عروة الغليظ الجافى للمغيرة بن شعبة: ما أفظك، وما أغلظك؟ فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. رد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بنحو مما كلم به من سبقوه. قام عروة بن مسعود الثقفى من عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد رأى ما يصنع به أصحابه، وعاد إلى قريش يقول لهم. «يا معشر قريش، إنى قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشى في ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا في قوم قط، مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم» . كان كل الرسل الذين يرسلونهم يؤكدون لهم أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ما جاء لقتال، بل جاء حاجا، ويريد أن يصل الرحم التى قطعوها. غدر وعفو: ٥٠٦- غدر من جانب قريش، وعفو من جانب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه فى الوقت الذى تأكد لهم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما جاء مقاتلا، لأنه جاء محرما وساق الهدى، ولأنه في الشهر الحرام، ولأنه جاء يطلب المودة، ولا مودة في قتال، فى هذا الوقت فكرت قريش في الاعتداء، فإنه روى عن ابن عباس أنهم بعثوا أربعين أو خمسين رجلا منهم، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليصيبوا من أصحابه أحدا.

стр. 735

فأخذ أولئك أخذا، وسيقوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانوا قد رموا المعسكر بالحجارة والنبل، وكان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأخذهم رهائن أو نحو ذلك. ولكن الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم قد عفا عنهم. رسول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ٥٠٧- كانت الرسل يجيئون إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من قبلهم، ومنهم من ينقل الأمر كما هو، وربما كان منهم من يحرف في القول، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يريد أن يوجه الخطاب إليهم برسول يرسله إليهم، يتعرف أحوالهم وما تطويه نفوسهم، وما يقدر عليه ويفعله من بعد ذلك يكون عن بينة. اتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الفاروق عمر بن الخطاب، وهو نعم الرسول، وقد كان في الجاهلية يقوم ببعض أعمال السفارة بين القبائل، وبين العرب وغيرهم، ولكن عمر ببطشه وقوته على الشرك، كان يعمل حساب لقائه معهم، وقد يحبسونه، فلا يؤدى حق السفارة التى اختاره لها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذا قال غير راد لأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن يعرض الأمر عليه، قال: يا رسول الله، إنى أخاف قريشا على نفسى، وليس بمكة من بنى عدى بن كعب أحد يمنعنى، وقد عرفت قريش عداوتى إياها، وغلظتى عليها، ولكن أدلك على رجل أعز بها منى، عثمان بن عفان، فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عثمان بن عفان، فبعثه إلى أشراف قريش، وأبى سفيان، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته. ذهب عثمان إلى مكة المكرمة للقيام بهذه السفارة، وهو الرجل الذى لا عنف فيه، وهو أموى له عصبة من بنى أمية تمنعه وتجيره. وقد التقى أوّل ما التقى بأبان بن سعيد بن العاص الأموى حين دخل مكة المكرمة أو قبل أن يدخلها، وهو في طريقه إليها، فلقيه لقاء المحبة بسبب الرحم، ولأن عثمان رضى الله عنه كان رفيقا ودودا، وحمله بين يديه، وأجاره، بأن جعله في جواره، وذلك يوجب عليه حمايته، واستمر في جواره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. انطلق عثمان، حتى أتى أبا سفيان وعظاماء قريش، فبلغهم رسالة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وسلمها إليهم، وأنه ما جاء للقتال، وإنما جاء زائرا للبيت معظما لحرمته.

стр. 736

وقد قبلوا كلامه من غير استنكار ولا رد، ورحبوا بعثمان رضى الله عنه، وعرضوا عليه أن يطوف بالبيت آمنا مطمئنا. ولكن عثمان أبى أن يطوف، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غير ممكن من الطواف. فقال ذو النورين التقى عثمان: ما كنت لأطوف حتى يطوف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وبذلك أدى عثمان رسالة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنهم استبقوه، لا ليؤذوه، ولعل ذلك لاستشارته أو الاستفسار منه، أو ودا ومحبة، أو حفاوة وتكريما. وعندئذ راجت الأقوال بين المسلمين بأن عثمان قتل، وتبلبلت الأفكار واضطربت النفوس ووجدت عزمة القتال، ولم يكن مرادا ابتداء ولا مقصودا. بيعة الرضوان ٥٠٨- خرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه من المدينة يريدون الحج ولم يريدوا قتالا، ولما غاب عثمان رضى الله عنه في مكة المكرمة، وشاعت القالة بأنه رضى الله تعالى عنه قد قتل، ولم يكن ذلك بعيد الاحتمال، أخذ أهبته للقتال لأن الاعتداء وقع بقتل الرسول، وهو رسول سلام أمر منكر وقبيح في ذاته، وفوق ذلك يتضمن في ذاته رفضا للسلام واعتداء على من أرسله، إذ الرسول لا يقتل، ولكن يرد إلى مأمنه، سواء أرفضوا الرسالة أم قبلوها. لا بد إذن من الأهبة، وما خرجوا للقتال، فلا بد من أخذ البيعة به، لأن القتال برضا الجند، وتلك سنة نبوية في كل حروبه ﵊، فإنه يريد جندا مختارا يقدم نفسه برضا واختيار، محتسبا النية لله تعالى. طالبا ما عند الله. لذلك أخذ البيعة على من معه، وكان يبايعهم على الموت، وعلى ألا يفروا من الميدان، لأن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم قرر القتال، وقال: لا نبرح حتى نناجز القوم، لأنهم بقتلهم ذا النورين عثمان يكونون قد رفضوا السلام. كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فبايع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كل من معه، ولم يتخلف عن البيعة أحد إلا واحد، وما كان ليلتفت إليه. ولقد رضى الله عن أولئك الذين قبلوا أن يغيروا ملابس الإحرام ويلبسوا ملابس القتال، وقال الله تعالى فيهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَعَلِمَ ما فِي

стр. 737

قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً. وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها، فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً. وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً. وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (الفتح- ١٨، ٢٤) . وهكذا رضى الله تعالى عن أهل بيعة الرضوان، ووهبهم من بعد ذلك مغانم كثيرة، وبين أن أوّل هذه الغنائم أن كف أيديهم عنكم، فكانت هذه غنيمة عاجلة، وكان هذا فتحا مبينا، كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. عقد صلح على هدنة ٥٠٩- اقتنعت قريش بأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، ما جاء لقتال، وقد عادت القضب إلى أجفانها بعد أن عاد عثمان رضى الله عنه، واطمأنت القلوب، وعادت رغبة السلام وعزمته إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يريد خطة تمنع القتال، وتحفظ الحرمات. بعثت قريش سهيل بن عمرو من بنى عامر بن لؤى، وقالوا: له ائت محمدا نصالحه ولا يكن فى صلحه، إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا. ولا شك أن هذا شرط، - كما يقول علماء القانون- تعسفى وتحكمي، ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الرؤف الرحيم، كما وصفه رب العزة، لم يمانع في قبول ذلك، وإن ضج أصحابه بالرفض، وهم لا يعلمون ما يعلم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وما توجبه الرسالة، وتحتمه الدعوة إلى الإسلام، فما كانت دعوة الإسلام رهبا، بل كانت رغبا، وما كانت بالسيف بل كانت بالموعظة الحسنة. اجتمع سهيل مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتم الاتفاق المبدئى على ما اشتمل عليه من التزامات، خلاصتها: أولا: لا يزور المسلمون البيت حاجين هذا العام.

стр. 738

ثانيا: وضع الحرب عشر سنين. ثالثا: أن من خرج من مكة إلى المدينة المنورة يرده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن عاد إلى مكة المكرمة مرتدا لا ترده مكة المكرمة إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. رابعا: من أراد أن يدخل في عهد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم دخل والتزم بالتزامه، ومن أراد أن يدخل مع قريش دخل، والتزم بالتزامهم. لما تم الاتفاق الشفوى وقف عمر رضى الله عنه غضبان أسفا، وقال لأبى بكر: يا أبا بكر أليس حقا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال أبو بكر: بلي، قال: أو لسنا بالمسلمين، قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين، قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا، فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا عمر، الزم غرزه، أى أمره، فإنى أشهد أنه رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ألست رسول الله!! قال: بلي، قال: أو لسنا بالمسلمين!! قال: بلي، قال: أو ليسوا بالمشركين!! قال: بلى. قال الفاروق: علام نعطى الدنية في ديننا، قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الرفيق الأمين: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعنى. عندئذ سكن عمر رضى الله عنه، وعلم أنه أمر الله تعالى، فسكت عنه الغضب، وكان ذا نفس لوامة، فندم على ما كان منه من قول، وكان يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي، وأعتق من الذى صنعت يومئذ مخافة كلامى. كتابة الصلح: ٥١٠- تم الاتفاق على ما تشتمل عليه الوثيقة، ثم دعا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، فقال: اكتب. بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض سهيل ابن عمرو ممثل المشركين عند كتابة العهد، وقال: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فاعترض أيضا سهيل، وقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اكتب، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو:

стр. 739

(أ) اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن القتال، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه. (ب) وأن بيننا عيبة مكفوفة أى (لا عداوة) ، وأنه لا إسلال ولا إغلال أى (لا سرقة ولا خيانة) . (ج) وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه. وقد شهد على العقد بعض المشركين، ومن المسلمين أبو بكر وعمر، وعلى بن أبى طالب، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. وبعد تمام العهد تواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت، بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. هذا ما كتب في العقد، وكان هناك أمر عملى توجب قريش تنفيذه، وقد رضيه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فقد قالوا تتميما للعهد، وإنك ترجع عنا عامك هذا لا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت فيها ثلاثا، ومعك سلاح الراكب: السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها. قبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وآثرها، مع ما فيها من شطط المشركين، لأنه يريد سلاما، وأن معه جيشا لا قبل لقريش به، وكان يستطيع أن يقاتل، والحجة قائمة عليهم، ولكنه النبى ﵊ المسالم الذى يعظ بالحكمة ويدعو بالرفق، وليس غليظ القلب. أبو جندل: ٥١١- وبينما هم في مجلس الصلح لم يفارقوه، بل لم يتموا كتابته إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذى يمثل المشركين عند كتابة العقد، جاء وهو يرسف في الحديد، فلما رأى سهيل أبا جندل، قام إليه، فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد قد لجت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا أوّل من أقاضيك عليه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال سهيل: فو الله إذن لم أصالحك على شىء. وقد جاء في البخارى مع هذا الكلام أن النبى صلى الله

стр. 740

تعالى عليه وسلم قال: فأجزه لي، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، وقال بعض الحاضرين من المشركين: قد أجزناه لك، ولكن سهيلا هو وليه. قال أبو جندل: أى معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون إلى ما قد لقيت. وقد جاء في رواية ابن إسحاق أنه وثب عمر بن الخطاب مع أبى جندل يمشى إلى جانبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، ويدنى قائم السيف منه، ويقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف، فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه، وذهبت القضية. والنبى يمضى في عقده، مع ما أثاره في نفسه ونفوس المؤمنين مجيء أبى جندل يوسف في قيوده، وقال لأبى جندل: اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم. مع تلك الكلمات التى تلقى بروح الصبر والاطمئنان في قلب أبى جندل كانت الثائرة تغلى في قلوب المسلمين، ولكن لا يتكلمون احتراما لمقام العهد، ولأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال إنه لا يخالف أمر ربه، ولكن الفاروق ثار بالقول مرة أخري، يقول: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل، قال: بلى: قال: فلم نعطى الدنية في ديننا إذن، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أعطيها وهو ناصرى. قال عمر: أولست كنت تحدثنا أننا سنأتى البيت فنطوف به، قال: بلي، أفأخبرتك أنا نأتيه هذا العام؟ فإنك آتيه ومطوف به. وهذه رواية البخاري، وقد جمعنا بينها وبين رواية ابن إسحاق، فقدرنا أن عمر قالها مرتين وهو مظهر غضب المؤمنين مع طاعتهم ورضاهم بما حكم صلى الله تعالى عليه وسلم استجابة لأمر ربه. التحلل من الإحرام: ٥١٢- كان لا بد أن يتحلل المسلمون من إحرامهم، على أن يؤدوا عمرة في عام آخر، وذلك بأن يقصروا شعرهم أو يحلقوه، وقد دعاهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحلقوا رؤسهم وينحروا، وابتدأ هو فحلق، وحلقوا وقصروا من بعده، وهذه رواية ابن إسحاق بسنده. ولكن روى في البخارى أنه قال لأصحابه رضى الله عنهم لأنهم جميعا أهل بيعة الرضوان، قال لهم: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات.
следующие страницы →