وقد قبلوا كلامه من غير استنكار ولا رد، ورحبوا بعثمان رضى الله عنه، وعرضوا عليه أن يطوف بالبيت آمنا مطمئنا.
ولكن عثمان أبى أن يطوف، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غير ممكن من الطواف.
فقال ذو النورين التقى عثمان: ما كنت لأطوف حتى يطوف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وبذلك أدى عثمان رسالة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنهم استبقوه، لا ليؤذوه، ولعل ذلك لاستشارته أو الاستفسار منه، أو ودا ومحبة، أو حفاوة وتكريما.
وعندئذ راجت الأقوال بين المسلمين بأن عثمان قتل، وتبلبلت الأفكار واضطربت النفوس ووجدت عزمة القتال، ولم يكن مرادا ابتداء ولا مقصودا.
بيعة الرضوان
٥٠٨- خرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه من المدينة يريدون الحج ولم يريدوا قتالا، ولما غاب عثمان رضى الله عنه في مكة المكرمة، وشاعت القالة بأنه رضى الله تعالى عنه قد قتل، ولم يكن ذلك بعيد الاحتمال، أخذ أهبته للقتال لأن الاعتداء وقع بقتل الرسول، وهو رسول سلام أمر منكر وقبيح في ذاته، وفوق ذلك يتضمن في ذاته رفضا للسلام واعتداء على من أرسله، إذ الرسول لا يقتل، ولكن يرد إلى مأمنه، سواء أرفضوا الرسالة أم قبلوها.
لا بد إذن من الأهبة، وما خرجوا للقتال، فلا بد من أخذ البيعة به، لأن القتال برضا الجند، وتلك سنة نبوية في كل حروبه ﵊، فإنه يريد جندا مختارا يقدم نفسه برضا واختيار، محتسبا النية لله تعالى. طالبا ما عند الله.
لذلك أخذ البيعة على من معه، وكان يبايعهم على الموت، وعلى ألا يفروا من الميدان، لأن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم قرر القتال، وقال: لا نبرح حتى نناجز القوم، لأنهم بقتلهم ذا النورين عثمان يكونون قد رفضوا السلام.
كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فبايع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كل من معه، ولم يتخلف عن البيعة أحد إلا واحد، وما كان ليلتفت إليه.
ولقد رضى الله عن أولئك الذين قبلوا أن يغيروا ملابس الإحرام ويلبسوا ملابس القتال، وقال الله تعالى فيهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَعَلِمَ ما فِي
стр. 737
قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً. وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها، فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً. وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً. وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (الفتح- ١٨، ٢٤) .
وهكذا رضى الله تعالى عن أهل بيعة الرضوان، ووهبهم من بعد ذلك مغانم كثيرة، وبين أن أوّل هذه الغنائم أن كف أيديهم عنكم، فكانت هذه غنيمة عاجلة، وكان هذا فتحا مبينا، كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
عقد صلح على هدنة
٥٠٩- اقتنعت قريش بأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، ما جاء لقتال، وقد عادت القضب إلى أجفانها بعد أن عاد عثمان رضى الله عنه، واطمأنت القلوب، وعادت رغبة السلام وعزمته إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يريد خطة تمنع القتال، وتحفظ الحرمات.
بعثت قريش سهيل بن عمرو من بنى عامر بن لؤى، وقالوا: له ائت محمدا نصالحه ولا يكن فى صلحه، إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا.
ولا شك أن هذا شرط، - كما يقول علماء القانون- تعسفى وتحكمي، ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الرؤف الرحيم، كما وصفه رب العزة، لم يمانع في قبول ذلك، وإن ضج أصحابه بالرفض، وهم لا يعلمون ما يعلم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وما توجبه الرسالة، وتحتمه الدعوة إلى الإسلام، فما كانت دعوة الإسلام رهبا، بل كانت رغبا، وما كانت بالسيف بل كانت بالموعظة الحسنة.
اجتمع سهيل مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتم الاتفاق المبدئى على ما اشتمل عليه من التزامات، خلاصتها:
أولا: لا يزور المسلمون البيت حاجين هذا العام.
стр. 738
ثانيا: وضع الحرب عشر سنين.
ثالثا: أن من خرج من مكة إلى المدينة المنورة يرده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن عاد إلى مكة المكرمة مرتدا لا ترده مكة المكرمة إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
رابعا: من أراد أن يدخل في عهد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم دخل والتزم بالتزامه، ومن أراد أن يدخل مع قريش دخل، والتزم بالتزامهم.
لما تم الاتفاق الشفوى وقف عمر رضى الله عنه غضبان أسفا، وقال لأبى بكر: يا أبا بكر أليس حقا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قال أبو بكر: بلي، قال: أو لسنا بالمسلمين، قال: بلى.
قال: أو ليسوا بالمشركين، قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا، فقال أبو بكر رضى الله عنه:
يا عمر، الزم غرزه، أى أمره، فإنى أشهد أنه رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
ثم أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ألست رسول الله!! قال:
بلي، قال: أو لسنا بالمسلمين!! قال: بلي، قال: أو ليسوا بالمشركين!! قال: بلى. قال الفاروق:
علام نعطى الدنية في ديننا، قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الرفيق الأمين: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعنى.
عندئذ سكن عمر رضى الله عنه، وعلم أنه أمر الله تعالى، فسكت عنه الغضب، وكان ذا نفس لوامة، فندم على ما كان منه من قول، وكان يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي، وأعتق من الذى صنعت يومئذ مخافة كلامى.
كتابة الصلح:
٥١٠- تم الاتفاق على ما تشتمل عليه الوثيقة، ثم دعا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، فقال: اكتب. بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض سهيل ابن عمرو ممثل المشركين عند كتابة العهد، وقال: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فاعترض أيضا سهيل، وقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اكتب، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو:
стр. 739
(أ) اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن القتال، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه.
(ب) وأن بيننا عيبة مكفوفة أى (لا عداوة) ، وأنه لا إسلال ولا إغلال أى (لا سرقة ولا خيانة) .
(ج) وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
وقد شهد على العقد بعض المشركين، ومن المسلمين أبو بكر وعمر، وعلى بن أبى طالب، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.
وبعد تمام العهد تواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت، بنو بكر، فقالوا:
نحن في عقد قريش وعهدهم.
هذا ما كتب في العقد، وكان هناك أمر عملى توجب قريش تنفيذه، وقد رضيه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فقد قالوا تتميما للعهد، وإنك ترجع عنا عامك هذا لا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت فيها ثلاثا، ومعك سلاح الراكب:
السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها.
قبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وآثرها، مع ما فيها من شطط المشركين، لأنه يريد سلاما، وأن معه جيشا لا قبل لقريش به، وكان يستطيع أن يقاتل، والحجة قائمة عليهم، ولكنه النبى ﵊ المسالم الذى يعظ بالحكمة ويدعو بالرفق، وليس غليظ القلب.
أبو جندل:
٥١١- وبينما هم في مجلس الصلح لم يفارقوه، بل لم يتموا كتابته إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذى يمثل المشركين عند كتابة العقد، جاء وهو يرسف في الحديد، فلما رأى سهيل أبا جندل، قام إليه، فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد قد لجت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا أوّل من أقاضيك عليه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال سهيل: فو الله إذن لم أصالحك على شىء. وقد جاء في البخارى مع هذا الكلام أن النبى صلى الله
стр. 740
تعالى عليه وسلم قال: فأجزه لي، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، وقال بعض الحاضرين من المشركين: قد أجزناه لك، ولكن سهيلا هو وليه.
قال أبو جندل: أى معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون إلى ما قد لقيت. وقد جاء في رواية ابن إسحاق أنه وثب عمر بن الخطاب مع أبى جندل يمشى إلى جانبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، ويدنى قائم السيف منه، ويقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف، فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه، وذهبت القضية.
والنبى يمضى في عقده، مع ما أثاره في نفسه ونفوس المؤمنين مجيء أبى جندل يوسف في قيوده، وقال لأبى جندل: اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم.
مع تلك الكلمات التى تلقى بروح الصبر والاطمئنان في قلب أبى جندل كانت الثائرة تغلى في قلوب المسلمين، ولكن لا يتكلمون احتراما لمقام العهد، ولأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال إنه لا يخالف أمر ربه، ولكن الفاروق ثار بالقول مرة أخري، يقول: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل، قال: بلى: قال: فلم نعطى الدنية في ديننا إذن، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أعطيها وهو ناصرى.
قال عمر: أولست كنت تحدثنا أننا سنأتى البيت فنطوف به، قال: بلي، أفأخبرتك أنا نأتيه هذا العام؟ فإنك آتيه ومطوف به. وهذه رواية البخاري، وقد جمعنا بينها وبين رواية ابن إسحاق، فقدرنا أن عمر قالها مرتين وهو مظهر غضب المؤمنين مع طاعتهم ورضاهم بما حكم صلى الله تعالى عليه وسلم استجابة لأمر ربه.
التحلل من الإحرام:
٥١٢- كان لا بد أن يتحلل المسلمون من إحرامهم، على أن يؤدوا عمرة في عام آخر، وذلك بأن يقصروا شعرهم أو يحلقوه، وقد دعاهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحلقوا رؤسهم وينحروا، وابتدأ هو فحلق، وحلقوا وقصروا من بعده، وهذه رواية ابن إسحاق بسنده.
ولكن روى في البخارى أنه قال لأصحابه رضى الله عنهم لأنهم جميعا أهل بيعة الرضوان، قال لهم: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات.
стр. 741
فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، وكانت معه في هذه الغزوة فذكر ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة بعاطفة المحبة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والعاطفة الشريفة تنطق بالحق أحيانا قالت أم سلمة: يا نبى الله، أتحب ذلك، اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فخرج، فلم يكلم أحدا منهم، حتى فعل ذلك، ثم نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه.
فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، لعصيانهم، وهذه رواية البخاري، وقد كان فيها خبر الحلق وخبر النحر معا، وقصة النبى ﵊ مع أم سلمة رضى الله عنها، وإن هذا التفصيل زاد به البخارى عن ابن إسحاق، وزيادة الثقة مقبولة في ذاتها.
أحكام ثبتت في الحديبية
٥١٣- بعد صلح الحديبية جاء نسوة إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مؤمنات مهاجرات، ولم يردهن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنهن لم يشملهن العهد، الذى يوجب رد من يجيء مسلما من غير ولى أمره، وفي هذا جاء النص الذى يحرم بقاء المسلمة في عصمة كافر سواء أكان كتابيا أم كان من المشركين، ولذا قال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ، وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا، ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (الممتحنة- ١٠، ١١) .
وقد قال الحافظ ابن كثير: جاءت نسوة مؤمنات. فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ- حتى بلغ- بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ... (الممتحنة ١٠) فطلق عمر ابن الخطاب امرأتين كانتا في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبى سفيان، والآخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة.
قال ذلك ابن كثير في سرد ما كان في الحديبية، ولذلك قلنا إن تحريم زواج المسلمة بغير المسلم، وزواج المسلم بالمشركة جاء في الحديبية بعد إمضاء الصلح.
стр. 742
وهذه الآية تدل على ثلاثة أمور:
أولها- أن المسلمة لا تجوز للكافر سواء أكان كتابيا أم كان مشركا، والكتابى كافر لا كما أوهمت كتابة المحدثين ممن لا يمحصون الحقائق، ويقولون ما يقولون مجاملة، أو موادة للنصارى الذين لا يوادون المسلمين، فالنصرانى كافر بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وبما نزل على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وبالوحدانية، واليهودى كافر بالقرآن الكريم وبمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ووصف الله في القرآن الكريم اليهود والنصارى بأوصاف الكفر فقال الله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ (المائدة- ٧٣) وقال الله : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ (البينة- ١) .
والذين يجيزون زواج المسلمة بغير المسلم قد خرجوا عن إطار الإسلام، لأنهم أنكروا القرآن الكريم وأنكروا أمرا معروفا من الدين بالضرورة، وأجمع عليه المسلمون.
وتدل ثانيا على أن المسلم لا يجوز أن يتزوج مشركة، ومن كان عنده مشركة فليفارقها، وقد فهم ذلك الإمام عمر رضى الله ﵎ عنه، ففارق امرأتين كانتا تحته، وهما مشركتان، وأخذ ذلك من النهى في قوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ أى لا تتمسكوا بزواج الكافرين إن كان بينكم وبينهن زواج، لأن الكوافر جمع كافرة، لا جمع كافر، إذ لا يجمع وصف العاقل الذى يكون على وزن فاعل على فواعل، ولكن تجمع فاعلة على فواعل، كفاطمة وفواطم، وقافلة وقوافل، وأريد المشركات، لأنه الذى يتفق مع إباحة الكتابيات بقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ (المائدة- ٥) .
وتدل ثالثا- على أن العدالة توجب عند فسخ الزواج بهذا الحكم الشرعي، أن يرد إلى الأزواج المشركين ما أنفقوا على أزواجهم اللائى انفسخ زواجهن بالإسلام، فيرد إليهم الصداق، لأن الفسخ كان بحكم الإسلام يعد من قبل الزوجة.
وفي مقابل ذلك من ينفسخ زواجها من المشركات بحكم إسلام أزواجهن عليهن أن يردوا إلى المؤمنين ما أنفقوا من أموال، فى هذه الزيجة، وذلك لأن امتناعهن عن الدخول في الإسلام، وقد دخل الزوج في الإسلام يعد تفويتا لحقه فوجب التعويض عما أنفق، لأن سبب الفرقة من جانبها.
وإن المسلمين يستجيبون لحكم الإسلام، فيردون ما وجب من إعطاء ما أنفق هؤلاء، لأنه مما يؤدى إليه عقد المسالمة وما تؤدى إليه العدالة التى هى خاصة الإسلام مع العدو والولى على سواء، لقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (المائدة- ٨) .
стр. 743
ولكن لا يضمن أهل الإيمان أن يؤدى المشركون ما يجب عليهم إذا انفسخ الزواج بين المشركة والمسلم؛ ولذلك فرض القرآن الكريم أنهم لا يدفعون، والحكم في هذه الحال أن يؤخذ مما يجب إعطاؤه للمشركين مما أنفقوا، ويسدد للمؤمنين الذين استحقوا ما أنفقوا، ولم يؤد إليهم حقهم.
ويفهم منه أن بيت مال المؤمنين هو الذى يؤدى ما أنفق المشركون في الزيجة التى فسخت بحكم إسلام الزوج، لأن ذلك تنفيذ لحكم شرعى عام، ولأنه ما يوجبه روح العهد الذى عقد في الحديبية.
وأن المشركين يجب عليهم مجتمعين أن يؤدوا للمؤمنين ما أنفقوا في الزواج الذى فسخ للإصرار على الشرك، فإذا لم يؤد أخذ حق المؤمن من مجموع ما كان يجب على المؤمنين، هذا تفسير قوله تعالى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ، فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا (الممتحنة- ١١) وقد أخذنا المعنى في تفسير هذه الآية من تفسير الحافظ ابن كثير لهذه الآيات.
وإن هذا الحكم يفيد بطريق الإشارة إلى أن سبب التفريق إن كان من جانب الزوجة يجب عليها أن ترد ما أنفق الزوج بالمعروف، وتقدير المعروف للقاضي، كما كان تقدير ذلك في عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأمر المؤمنين. وبمقتضى تلك الإشارة: إذا أسلم زوج من لا دين لها، ولم ترض الدخول في دين كتابى أو الإسلام، فإنه يجب عليها أن ترد ما أنفق زوجها، أو ما خسر بسبب امتناعها عن الدخول في دين سماوى.
تنبيهات:
٥١٤- الأوّل:
أن هذه الأحكام الفقهية أخذت من نص الآية، وتفسيرها الذى يعد من التفسير بالآثار وهو تفسير الحافظ ابن كثير، ولم نرجع إلى كتب الفقه التى اختلفت فيها، ولا نقول إن هذه الأحكام منسوخة فإنا لا نعلم لها ناسخا، ولأنا نقول إن القرآن الكريم ليس فيه منسوخ وخصوصا في الأحكام الفقهية.
الثانى:
أن أكثر المحدثين ذكر أن هذه الآيات نزلت والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يغادر الحديبية، فقد قال أبو ثور: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بأسفل الحديبية حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاءه النساء نزلت هذه الآية، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين إذا جاءتهم امرأة من المسلمين (أى كانت تحت مسلم) وبقيت على شركها أن يردوا الصداق إلى أزواجهن.
стр. 744
التنبيه الثالث:
أنه لم يكن ذلك الحكم هو الوحيد الذى كان في غزوة الحديبية، وإن كان ثبوت هذا الحكم بالنفي، بل هناك أحكام أخرى ثبتت بعمل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد عقد لها ابن القيم في كتابه (زاد المعاد في هدى خير العباد) فصلا قائما بذاته فلنتبعه في ذلك.
أحكام فقهية أخرى:
٥١٥- نشير هنا إلى بعض ما ذكره ابن القيم:
(أ) منها إن الإحرام بالعمرة في أشهر الحج يجوز ويصح ويلزم الاستمرار فيه، وأن الإحرام بالعمرة وإن كان يجوز من غير مواقيت الإحرام، وهى الأماكن التى خصها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن المسافر عليه أن يحرم بالحج قبل اجتيازها، غير أن الإحرام من الميقات للعمرة أفضل، فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم أحرم بها من ذى الحليفة، كما أحرم بالحج.
(ب) ومنها أن إشعار الهدى سنة وأنه لا مثلة فيه، وذلك بأن يحدث في جسمه عند سوقه ما يدل على أنه مخصص للذبح في مكة المكرمة، وبالتالى فإن سوق الهدى للعمرة سنة في ذاته عند الإحرام، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ساق الهدى وأشعره، وكان في جملة ما ساق من هدى جمل لأبى جهل كان من أنفال بدر، وإن كان مغايظة للمشركين، وهذا يدل على أن غيظ المشركين ليفل من حدة سلطانهم، ولإثبات أن كلمة الله هى العليا، وأن العاقبة للمتقين، وأنه قال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (التوبة- ١٢٠) ومنها جواز الاستعانة بالمخلص من غير المسلمين إذا كان في الاستعانة به فائدة ولا ريب فيه، ولا مظنة لأن يترتب على الاستعانة إيذاء، من أى نوع كان، وإلا يمنع سدا للذريعة وذلك لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم استعان بعيينة الخزاعى، وكان كافرا، وجعله عينا على المشركين وكان أقرب إلى أن يعرف أحوالهم، لاختلاطه بهم، والمصلحة في ذلك، ولا ضرر. والحق في هذه القضية أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يستعن به ابتداء، بل إنه هو الذى قدم معلوماته، وإن خزاعة مسلمهم وكافرهم كانوا على مودة بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولذلك عند ما تم العهد بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وبين قريش دخلوا في عهده ولم يدخلوا في عهد قريش كبنى بكر، ورد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للمشركين عهدهم عند ما عاونوا بنى بكر على خزاعة واستعد لفتح مكة المكرمة.
стр. 745
وذكر ابن القيم أن من الأحكام الفقهية التى ظهرت في الحديبية استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجا لوجه الرأى وأمنا لطاعتهم، وتعرفا لمصلحة يختص بها بعضهم دون بعض، واستجابة لأمر الله في قوله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (آل عمران- ١٥٩) . وقد مدح عباده المؤمنين، بقوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ (الشورى- ٣٨) .
ونحن نرى أن النصوص توجب أن يستشير الإمام الرعية في إدارة شئونهم، وقد نرى استحباب ذلك في القتال، لا في شئون الكافة.
ومنها أن المشركين والفجار والفسقة وأهل البدع إذا طلبوا أمرا يعظمون به حرمة من حرمات الله تعالى، أو أمرا هو حق في ذاته أجيبوا إليه، فكل من يطلب أمرا هو حق في ذاته، أو محبوب لا إثم فيه، أجيب الطلب، ولو كان فاسقا مبتدعا، أو باغيا على الحق، أو مشركا، إلا أن يكون في ذلك ما يؤدى إلى التجرؤ على أهل الحق أو معاونة آثم لذات الإثم وإن ذلك موقف دقيق، إذ التعرف على حق لا يجر إلى باطل أمر دقيق لا يدركه إلا أهل الإيمان وأهل الإدراك السليم.
ومنها أن الحرم ليس مقصورا على المسجد الذى هو مكان الطواف؛ بل الحرم يشمل ذلك، وما حول مكة المكرمة، وأن كلمة الحرم تشمل كل ما حول مكة المكرمة.
ومنها أن المحصر بالحج أو العمرة وهو الذى يمنع من الوصول إلى البيت الحرام، وقد أحرم لزيارته معتمرا أو حاجا ينحر الهدى حيث أحصر، ومنها أن المصالحة مع الكفار جائزة، ولو كان فيها ضيم ظاهر إذا ترتب على ذلك مصلحة للمسلمين، والضيم ظاهر، والعبرة بالنتيجة، وإن كان الضيم في ذاته ضرر، فإنه يقدم بدفع أقل الضررين، وإن الصلح بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وكفار قريش في هذا الوقت كان خيرا في عواقبه، وإن لم يكن ظاهرا لكل المؤمنين أو لكثرتهم.
وهكذا كانت أعمال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تفيد أحكاما شرعية، سواء أكانت تتعلق بتدبير مصلحى، أو عبادة مقررة ثابتة.
وإنه إذا كان الأمر مصلحة، وجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يبدى ما يراه مصلحة، أو يعين على الواجب، لأن ذلك من قبيل النصيحة في الدين التى تجب المبادرة بها، فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم، «الدين النصيحة لله ولرسوله، ولكتاب الله، ولخاصة المسلمين وعامتهم» .
ولذلك تقدمت السيدة أم المؤمنين أم سلمة تطلب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يبادر هو بالعمل، فإذا حلق ونحر تبعوه، لأن العمل يؤثر في الاتباع أكثر من القول، ولم يجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غضاضة في أن يتبع ما أشارت به غير متردد، لأن الحق أحق أن يتبع، ولأن الحق
стр. 746
واجب الاتباع في ذاته، من غير نظر إلى مكانة الداعى بالنسبة للمشير، ولا إلى مقامه بالنسبة لمقامه، ولنتعلم أن هدى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن نتبع حيثما كان وممن يكون، ولنجعل للمرأة الكريمة الطاهرة العاقلة مكانتها وحق التقدير والاعتبار.
كانت الحديبية فتحا
٥١٦- عند قفول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعد صلح الحديبية نزلت سورة الفتح، فقد قال تعالى في ذلك:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (الفتح- ١، ٢) .
فسمى الله تعالى ذلك الصلح، وما وفق الله تعالى النبى ﵊ للقيام، فتحا وليس دنية في الدين كما خطر على عقول بعض المتقين من كبار المؤمنين، وكان فتحا لأنه أنهى القتال بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وبين قريش، وذلك في ذاته فتح، ولأنه فتح قلوبا كانت مغلقة وعقولا كانت عليها غشاوة حتى إنه أحصى عدد المؤمنين قبل الحديبية في مدى تسع عشرة سنة، ومن أسلم فى سنتين بعد الحديبية، فكان مثل الأوّل أو يزيد، لذلك كله كانت الحديبية فتحا، ولم تكن دنية، وفوق ذلك كانت تمهيدا لدخول مكة المكرمة بالفتح الأعظم الذى لم يجر فيه دم، ولم يكن قتال إلا فى بعض المتمردين، وكانوا قليلين، وكان فتحا، لأن المؤمنين استطاعوا تنفيذا لأحكام الصلح أن يدخلوا معتمرين، ثم متحللين محلقين ومقصرين.
وغفران ذنب الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ليس على حقيقة معنى الغفران، إنما هو متضمن الرضا والقبول لكل ما يفعله الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، سواء أكان في الماضى أم الحاضر أو القابل، فكل ما يفعله الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم مغفور، وتسميته ذنبا من قبل المجاز، فهو ليس إلا خطأ لأن ما يعتب به عليه، خطأ كما أخطأ في الأسري، وكما كان يقع منه، ليكون أسوة للناس، فيقروا بأن الإنسان إذا خضع لفكره وعقله ربما يخطيء ولو كان نبيا مرسلا، ولو كان خاتم النبيين محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، والصراط المستقيم الذى هداه الله تعالى هو طريق الدعوة فقد صار معبدا لا عوج فيه بعد هذا الفتح المبين، وإنه كان من الفتح المبين تضافر أهل الإيمان بالبيعة، فقد قال الله : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فَمَنْ
стр. 747
نَكَثَ، فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (الفتح- ١٠) .
ولقد كان من الفتح المبين أن نقيت جماعة الإسلام ممن لم تستقم قلوبهم وتكون خالصة للحق لا تبتغى سواه، ولذلك لم يخرج مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديبية إلا من أراد الله ، وأراد الحج، لا المغانم وما وراءها. ولذلك قال الله فيهم في سورة الفتح: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ، يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ، قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ، فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (الفتح- ١٥) .
ولقد أشار إلى الذين يستقبلهم المسلمون من أولى البأس والشدة، ولقد كان الذين خرجوا للاعتمار تعرضوا لاحتمال الحرب فتضافروا وبايعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أن يبيعوا أنفسهم لله تعالى، ولا يفروا، وقال ما تلونا من قبل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً. وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها، فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً
(الفتح- ١٨، ٢٠) .
وإنه كانت الحديبية التى سماها الله تعالى الفتح المبين سبيلا لأن يتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اليهود وينفرد لهم، ثم بعد ذلك يكون الاتجاه إلى الرومان، كما قال الله :
سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (الفتح- ١٦) .
وأولئك هم الرومان، والدخول إلى أرض الشام.
وإن الغاية توجب تحمل الوسائل، ولو كانت قاسية على النفس، وما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتجه إلى اليهود، وخضد شوكتهم في البلاد وقد اتخذوها للأذى والإيقاع ولم ينفع عهد ولا ذمة. ما كان أن يتجه إلى أولئك، وشوكة قريش تجرح من وراءه، فلابد أن يؤمن ظهره بعهد، ولو كان فيه ما توهمه بعض المؤمنين غبنا فاحشا، ولكنه الطريق المستقيم لتوجيه الدعوة الإسلامية إلى مواطنها.
وإن ذلك تصديق رؤيا النبى ﵊ التى رآها، بأنه سيدخل المسجد الحرام، ولكنها لا تتحقق واقعة إلا في عام قابل، وكان ذلك الصلح، فقد قال الله :
стр. 748
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ، لا تَخافُونَ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (الفتح- ٢٧، ٢٨) .
وهكذا كان ذلك الصلح فتحا وطريقا للفتح، ودخل به الناس في دين الله أفواجا، أفواجا.
يقول ابن شهاب الزهرى التابعى بحر العلم كما قال الإمام مالك، قال في الحديبية «فما فتح فى الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يتكلم أحد في الإسلام ليقول شيئا، إلا دخل فيه، ولقد دخل في تلك السنين (أى التى كانت قبل فتح مكة المكرمة) قدر ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر» .
ونضيف: وقضى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على نفوذ اليهود قضاء كاملا، واتجه إلى خارج الجزيرة العربية ينشر الإسلام فيها.
تنفيذ الصلح
٥١٧- كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا كل الحرص على الوفاء بالعهد، لأن الوفاء بالعهد في ذاته قوة، ولأن الله تعالى يقول: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا.
ولقد شك بعض المؤمنين في وفاء المشركين في عهدهم هذا، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: وفوا لهم، واستعينوا بالله تعالى عليهم.
ولذلك اتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الوفاء.
ولقد كان بعض المؤمنين ينظر إلى الأمر في هذا الاتفاق غير مطمئنين، إلا طاعة الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقد شق عليهم أمران:
أحدهما: ألا يتمكنوا من دخول البيت الحرام وقد أحرموا، ومعهم القوة التى يستطيعون أن يدخلوا بها، وليس عند قريش القوة الكافية لردهم، ولذلك تباطئوا في الاستجابة للتحلل من الإحرام بالحلق أو التقصير، على ما قصصنا من قبل.
стр. 749
الأمر الثانى: الشطط في شروط قريش، وفي إملاء العقد، وأشد شطط وغبن أن من خرج مسلما لا يقبله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل يرده إلى وليه، ومن عاد إلى مكة المكرمة مرتدا لا يردونه، فقد كان ظاهر الشرط أن فيه غبنا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ فيه عدم مساواة، ولكن إن نظرنا إلى الشطر الثانى وهو عدم رد من يخرج من الإسلام إلى الشرك، فإنه عند التأمل لا نجد فيه ضررا على المسلمين فما حاجة الإسلام إلى مرتد حائر، فليذهب إلى حيث شاء، بدلا من أن يكون شوكة في المسلمين، وقد يرضى أن يبقى منافقا، وينضم إلى صفوف أهل النفاق، فيكون عينا على المسلمين وعلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وأما بالنسبة للجزء الأوّل من الشرط، وهو أن من خرج من مكة المكرمة مسلما يرد إلى وليه، فقد كان بلا شك شاقا في ذاته، وخصوصا عند ما دخل عليهم أبو جندل يرسف في قيوده.
وإن هذا الجزء من الشرط وإن كان شاقا في مظهره صعب التحمل إلا لمن كان قوى الإيمان، فإن تطبيقه أدى في نتائجه إلى الضرر على المشركين، ولم يضار به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنون، حتى إن المشركين الذين كان الشرط من جانبهم ولمصلحتهم هم الذين طلبوا إلغاءه.
ولنذكر تطبيقه كما أوضحت كتب السيرة وصحاح السنة:
كان أوّل من طبق عليه الشرط أبو بصير عتبة بن شيد بن جارية، وكان ممن أسلم وحبس بمكة المكرمة، وقد استطاع أن يخرج من محبسه، وأراد الذهاب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فكتب إليه بعض المشركين يطلبون تسليمه بمقتضى الشرط وبعثوا رسولين يتسلمانه، وهما رجل من بنى عامر ابن لؤي، ومولى له، فقدما على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعنده أبو بصير فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا» قال: يا رسول الله أتردنى إلى المشركين يفتنوننى في دينى. قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: «يا أبا بصير انطلق، فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا» .
انطلق معهما، واندمج معهما في الحديث، وأظهر الاستسلام، حتى اطمأن إليه العامري، فقال: يا أخا بنى عامر أصارم سيفك هذا؟ قال نعم، قال أنظر إن شئت، فاستله أبو بصير، وأراد أن يختبر صرامته ثم علاه به حتى قتله، فولى المولى مسرعا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو جالس فى المسجد، فقال: إن هذا الرجل قد رأى فزعا، ثم قال له: ويحك مالك؟ قال إن صاحبكم قد قتل صاحبي، وبينا هو يشرح حاله، وكيف قتل العامري، طلع أبو بصير متوشحا بالسيف حتى وقف على
стр. 750
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال: يا رسول الله قد وفيت ذمتك، وأدى الله عنك عند ما أسلمتنى ليد القوم، وقد امتنعت بدينى أن أفتن أو يعبث بي، قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ويل أمه إنه محش حرب إن كان معه رجال، وفي رواية البخارى أنه قال: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد.
وقع في نفسه أنه سيرد إليهم بعد أن قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وإنها تفيد بلحنها أن له أن يعتمد على نفسه، وهو قادر على أن يعتمد.
خرج من حضرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وسار حتى وصل إلى سيف البحر. وقد علم المستضعفون بخبر أبى بصير، وقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه محش حرب إن كان معه رجال، فكل مستضعف يعمل على تخليص نفسه ويكون من رجال أبى بصير، فانفلت أبو جندل الذى جاء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يرسف في قيوده، ورده صلى الله تعالى عليه وسلم والتحق بأبى بصير.
وصار كل مستضعف لا يذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه سيرده، بل يذهب إلى رجال أبى بصير على سيف البحر.
وكونوا منهم عصابة تقطع طريق تجارة قريش؛ فما كانوا يسمعون بعير خرجت لقريش إلا تعرضوا لها، يقتلون رجالها، ويأخذون مالها، فلم يكن من مصلحتهم التمسك بشرطهم. بل إنهم تركوا الأخذ بالشرط، وأنهم إذ كانوا لا مأوى لهم، لهم الحق بأن يفعلوا بهم جزاء ما آذوهم، ولا حلف معهم إلا الأذى الذى قدموه لهم، وخوف الفتنة دفعهم لأن يقفوا ذلك الموقف منجاة لأنفسهم.
أرسلت قريش إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تناشده الرحمة إلا آواهم، وضمهم إليه، ولا يردهم. كان هذا الشرط الذى أزعج النفس المؤمنة ماله أن يكون خيرا للمؤمنين، وهو شرط عليهم، إنها النبوة التى أدركت ما لا يدركه عمر، ولا غيره، وإنه إلهام الله الذى جرى على لسان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «سيجعل للمستضعفين فرجا ومخرجا» .
وإنه لما توسلت قريش إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في إلغاء العمل بهذا الشرط، أرسل إلى أبى بصير أن يجيء إلى المدينة المنورة هو ومن معه، ليكونوا قوة للمؤمنين، فكتب إليه بالمجيء إلى المدينة المنورة، ولكن الكتاب لم يصله إلا وهو على فراش الموت، فتوفي، ولكن رجع أصحابه إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 751
هجرة المستضعفين:
٥١٨- وبعد أن فتح لمن يسلم بدار الشرك الباب للذهاب إلى المسلمين وألغى ذلك الشرط كان يحث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الذين يسلمون ألا يبقوا مستضعفين في أرض الشرك، بل عليهم أن يهاجروا، وإن ذلك مبدأ الإسلام أن يتجمع المسلمون، ولا يستمروا متفرقين في الأرض.
ومنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من إقامة المسلم بين المشركين ما دامت عنده قدرة على الخروج من بين ظهرانيهم، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تراءى نارهما. وقال: من حارب مع مشرك وسكن معه فهو مثله، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها. وقال: ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم بها.
وبذلك طلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من كل مستضعف أن يهاجر إلى حيث يتجمع المسلمون ما دام قادرا على ذلك، لأنه بهجرته إلى المسلمين يتحقق أمران.
أحدهما: أنه يخرج من حال استضعاف، وذلك بالخروج من ولاية الكفر أو الشرك إلى حيث العزة والمنعة وولاية المؤمنين فهم أهل ولاية الله وولاية الحق، وهى القوة وهى الأمن والقرار. ولقد أوجب القرآن الكريم ذلك فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً. وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (النساء- ٩٧، ١٠٠) .
وإن نصوص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عامة، ونص القرآن الكريم ملزم لا مناص من تنفيذه.
الأمر الثانى: أن في الهجرة تجميع المسلمين، وفي الجماعة قوة ليست في الفرد. وإن ذلك أمكن للوحدة، وأحفظ لهيبة أهل الإسلام.
وإنه قد يعترض على جعل الهجرة بالانتقال من أرض الاستضعاف إلى حيث القوة الإسلامية مبدأ دائما ومطلوبا مستمرا. قد يعترض على ذلك بقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح» .
стр. 752
ونقول في الجواب: إن الحديث مخصوص بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، أو بالهجرة من مكة المكرمة إلى غيرها، وأن الهجرة مطلوبة قبل الفتح، لأن المسلمين فيها كانوا يفتتنون عن دينهم، وكانوا في ذلة، ولا يستطيعون القيام بشعائر دينهم. فلما فتح الله تعالى على المسلمين مكة المكرمة، وصارت فيها الأحكام الإسلامية وصارت ولاية من ولايات الإسلام، لم يعد للهجرة سبب يوجبها، بل إنها أصبحت غير مطلوبة، وربما تضر ولا تنفع لأنها لو استمرت لخلا البيت الحرام من سكان حوله يقومون بسدانته، وهى أحب أرض الله إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وإلى ربه، وهى التى جعلها أرضا مباركة.
سرايا وبعوث
٥١٩- كانت سنة ست من الهجرة، خصبة بالدعوات الإسلامية وبث السرايا والبعوث لأجل تعرف الناس، والدعوة الإسلامية، وبيان حقائق الإسلام.
وقد كان أبرز ما فيها غزوتان: غزوة بنى المصطلق على الرواية التى تقرر أنها كانت في هذه السنة، وغزوة الحديبية أو صلحها، وكانت وحدها فتحا مبينا وتمهيدا للفتح الأكبر في سنة ثمان من الهجرة.
وكانت ثمة سرايا قبل الحديبية سنة ست، لأنها عقب غزوة الأحزاب للمدينة المنورة، وقد رأى النبى ﵊ ما رأى من قوة الإسلام برهانا وعقيدة، وقوته مادية بحيث تبين أنه لا يغلب لأنه مؤيد من الله تعالى، ففيها كان بعث أبى عبيدة بن الجراح إلى ذى القصة في أربعين رجلا مشاة حتى أتوها فهربوا منه في رؤس الجبال، وأسر منهم رجلا حضر به لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكان ذلك في ربيع من سنة ست.
وفيها بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زيد بن حارثة إلى بنى سليم فدلتهم امرأة من مزينة على محلة من محال بنى سليم، فأصابوا منها نعما وشاة وأسروا رجالا كان فيهم زوج هذه المرأة التى دلتهم واسمها حليمة فوهبه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لها وأطلقهما.
وفي سنة ست هذه قبل صلح الحديبية أخذت أموال قريش، وكان فيها أموال كانت مع العاص ابن الربيع الذى كان زوجا لزينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأطلقه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من غير فداء على أن يعيد زينب لأبيها فبر بما وعد.
لما أخذ المال الذى كان معه، وقتل من كان معه، وفرهو إلى المدينة المنورة، فلما جاءها استجار بزينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأكرمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأجاز
стр. 753
جوار زينب وأمر برد الناس ما أخذوا من العير، فرد كل واحد ما أخذ من هذه العير، حتى لم يفقد منها شيئا، حمل أبو العاص بن الربيع المال إلى مكة المكرمة، ورده إلى أهله، ورد ما كان لهم من الودائع، فلما تم ذلك أعلن إسلامه، وخرج مهاجرا إلى المدينة المنورة.
وإن هذه الرواية التى رواها ابن إسحاق تدل على أن إسلامه كان سنة ست، وكان قبل نزول آية:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ... الآيات الكريمات (الممتحنة- ١٠) .
وهذه رواية الواقدى أيضا، ولكن الحافظ ابن كثير يقول إن إسلامه كان سنة ثمان، وأن إسلامه تأخر عن تحريم بقاء المسلمات- أى زواج الكفار منهن-، وأنهم لا يحلون لهن، وإنى أميل إلى رواية الواقدي، ورواية ابن إسحاق، وهى أكثر اتساقا مع الآية.
فى شعبان سنة ست أيضا كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل يدعوهم إلى الإسلام، ولم يكن لقتال، وقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن هم أطاعوا فتزوج بنت ملكهم، فأسلم القوم، وتزوج عبد الرحمن بن عوف بنت ملكهم تماضر بنت الأصبع الكلبية، وهى أم أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وكانت هذه السرية في شعبان.
وفي هذه السنة سنة ست أيضا أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه في مائة رجل إلى حى من بنى أسد بن بكر، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه جمع لهم جمع يريدون به أن يمدوا يهود خيبر يعاونونهم على المسلمين، وهذا يدل على أنهم كانوا يستعدون لحرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فبعث عليا إليهم، فسار إليهم ليلا ونهارا، حتى أصاب منهم عينا لهم، فأقر أنهم بعثوا إلى خيبر، وأنه هو الذى يعرض عليهم أن تعطى خيبر لهم تمر خيبر.
وبذلك علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم يجمعون الجموع له، ولذلك لم يكن غريبا أن يتجه إليهم بعد الحديبية، لأنه تفرغ لهم.
سرية عكل وعرينة
٥٢٠- يقول ابن كثير إن هذه سرية كانت في سنة ست قبل الحديبية وقد نقلها عن الواقدى، وقال كانت في شوال سنة ست، أى قبل الحديبية بشهر، إذ الحديبية كانت في ذى القعدة الذى ولى شوالا.
стр. 754
وقالوا: إن السرية كانت بقيادة كرز بن جابر الفهرى إلى العرنيين الذين قتلوا راعى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم واستاقوا النعم، فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في آثارهم كرز بن جابر فى عشرين فارسا فردوهم، هذه قصة هذه السرية، خرج ناس استولوا على إبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقتلوا راعيها، فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذه السرية، فردت الإبل.
وفي القصة أخبار نجد من الواجب أن نذكرها، ونبين مقدار الاطمئنان في الرواية ونسبتها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
جاء في البخارى ومسلم عن أبى قلابة عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أنه قدم رهط من عكل ورعينة فأسلموا، واجتووا المدينة المنورة فأتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فذكروا ذلك، فقال ﵊: الحقوا بالإبل فاشربوا من أبوالها وألبانها، فذهبوا وكانوا فيها ما شاء الله تعالى ثم قتلوا الراعى وسرقوا الإبل، فجاء الصريخ إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم ترتفع الشمس حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكواهم بها، وقطع أيديهم وأرجلهم وألقاهم في الحرة يستقون فلا يسقون حتى ماتوا، وفي رواية عن أنس أنه قال: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه من العطش، وفي رواية للبخارى ومسلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمر فسمل أعينهم.
ولقد قال كمال الدين بن الهمام- من كبار فقهاء الحنفية: رواه جماعة المحدثين.
ولكن مهما تكن عدد المصادر التى روته فإنه حديث آحاد. وإن أهل الخبرة في علم الحديث يقولون إن رواته ثقات، وإن سنده متصل، وإنه لا إنكار في سنده، وإن كان آحادا، ولكنا ننظر في متنه، فإن الحديث يضعف بإحدى طريقين إما بضعف سنده، أو بضعف متنه بأن يكون مخالفا للمقررات الشرعية.
وإنا نرى أن متنه يخالف المباديء التى قررها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لوجوه.
أولها: أن فيه مثلة، بسمل الأعين، وأن المثلة منهى عنها، وإن قالوا أن المثلة لم يكن قد نهى عنها، فإننا أولا نقرر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يمثل بأحد من قتلى أحد، ولا من قتلى الخندق، فدل هذا على أنها كان منهيا عنها من قبل. وإن قيل إن الصحابة فعلوا معهم ذلك، لأنهم ارتكبوا ما يوجب حدا، وإذا كان الحد، فهو حد الحرابة الذى بينه الله تعالى بقوله: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ... إلى آخر الآيات.
وليس فيها سمل الأعين. ولا يقال إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأمر به، لأنه علمه في الرواية ولم ينكر.
стр. 755
ثانيها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن القتل عطشا، ولقد قالت الرواية أنه تركهم يموتون عطشا- حتى إنهم كانوا يكدمون الأرض من شدة العطش حتى ماتوا، ولا يقال أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما أمر بذلك، ولكن مفهوم هذه الرواية أنه علم، ولم ينكر.
ثالثها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإن القتل قصاصا لا يبرر ذلك» ، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن ليبيح ذلك في الحرب على أنهم ربما يعتبرون مقاتلين.
والخلاصة أننا لا نرى أن ذلك الخبر تصح نسبته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لمخالفته للمقررات الإسلامية التى قررها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك لا نقول إنه صحيح النسبة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
حد الحرابة
٥٢١- الفقهاء يسوقون قصة العرنيين وما نسب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كسبب في حد الحرابة أو قطع الطريق، ويرون أن ما نسب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فعله ينطبق على ما نص الله تعالى في كتابه من حد قطاع الطريق، ولكن ذكرنا أن ما ينسب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فعله، لا ينطبق كله على ما في حد الحرابة فليس في نص القرآن الكريم سمل الأعين، كما أنه ليس في نص القرآن الكريم القتل بالعطش، حتى يكدموا الأرض من شدة العطش، فلا يستسقون، وقد كذبنا نسبته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم لذلك.
ومهما يكن فإننا نذكر النص القرآنى في هذا المقام، ومدى ما ينطبق من قصة العرنيين عليه.
يقول الله تعالى في بيان هذا الحد: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة: ٣٢، ٣٣) .
ولا شك أن وصف الحرابة ينطبق على هؤلاء العرنيين، وقد نزلت بهم بعض عقوباتها، وهو قطع الأرجل والأيدى.
وما دمنا قد تعرضنا للحرابة أو لقطع الطريق، فإنه يجب أن نشير لبعض أحكامه، على قدر ما يتسع له المقام في سيرة النبى ﵊ الطاهرة، ويترك تفصيله لكتب الفقه، ولموضعه من بحوثنا في كتاب الجريمة وكتاب العقوبة في الفقه الإسلامى «١» .
стр. 756
المحاربون أو قطاع الطريق ناس يخرجون متفقين على القتل أو السرقة، وتكون لهم قوة يقاومون بها الدولة إفسادا من غير تأويل يتأولونه، بل سعيا بالشر والإفساد، ونرى ما يراه المالكية أنه لا تقتصر جرائم الحرابة على القتل والسرقة، بل تشمل كل المعاصى، كالزنا وشرب الخمر، ويدخل فيها كل المخدرات سواء أكانت سائلة أم جامدة، وسواء أكانت تتناول بالشرب أم بالتدخين.
وسواء أكانت هذه القوة التى يكونها المحاربون في مدينة أم غير مدينة ماداموا يستطيعون أن يقوموا بجرائمهم بعيدين عن أن يجاب المستغيث إذا استغاث، وللفقهاء كلام وخلاف في هذا المقام.
ويعد من المحاربين الجماعة التى تنفق على ارتكاب جرائمها. بطريق الغيلة وذلك في رأى مالك، والنص القرآنى يحتمل ذلك كله.
والعقوبات المقررة، هى القتل، والصلب، وتقطيع الأيدى والأرجل من خلاف والنفى من الأرض بالإبعاد في مكان ناء لا يستطيعون فيه ارتكاب جرائمهم. وعد الإمام أبو حنيفة أن من النفى السجن، لأن المقصود منع اجتماعهم.
وأكثر الفقهاء أن الإمام العادل يضع العقوبة على قدر الجريمة: فإن تولوا القتل قتلوا ولا فرق بين من باشره، ومن لم يباشره، لأن من لم يباشره كان معينا مع من باشره.
وإذا سرقوا وقتلوا، قتلوا وصلبوا، ويستوى في العقوبة المباشر وغير المباشر.
وإذا سرقوا وانتهبوا الأموال ولم يقتلوا فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإذا قطعت اليد اليمنى، يقطع معها الرجل اليسرى.
وإذا كانوا قد اتفقوا وهموا بالشر، ولكن لم يمكنوا فإن العقوبة تكون النفى، بتفريقهم بعيدا عن مكان تجمعهم.
هذا ما اختاره جمهور الفقهاء تابعين للتابعين في أقوالهم، ومن الصحابة عبد الله بن عباس رضى الله عنهما.
ويرى الإمام مالك رضى الله عنه أن الإمام مخير في هذه العقوبة أيا كانت الجريمة التى ارتكبوها، لأن الجريمة الأصلية هى الاتفاق على ارتكاب هذه المعاصى، ولو لم يمكنوا من تنفيذ إحداها، والإمام ينظر إلى ما هو الأنجع في ردعهم.
(تم بعون الله الجزء الثانى، ويليه الجزء الثالث)
стр. 757
الجزء الثالث
رسائله صلى الله تعالى عليه وسلم- طرد اليهود من البلاد العربية- تعميم الدعوة الإسلامية فى البلاد العربية- إسلام العرب- حال الأعراب- خروج الدعوة إلى أطراف الشام- حجة الوداع- زوجاته صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 758
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الجزء الثالث
بحمد الله وتوفيقه، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنا نقدم الجزء الثالث من السيرة الطاهرة المطهرة، سيرة خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
وفى هذا الجزء تكلمنا فى نشره للدعوة الإسلامية فى ربوع البلاد العربية، ومجاوزة حدودها إلى الشام والرومان ومصر، وإلى فارس، والعراق.
ففيه الكتب التى أرسلها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أمراء العرب، وإلى قيصر الرومان، ومقوقس مصر، والنجاشى فى الحبشة.
وفيه كان إجلاء اليهود عن البلاد العربية والاتجاه إلى الشام بالفتح المبين فكانت مؤتة، ومساورة الشام فى تبوك.
ثم كانت الدعوة المحمدية مبثوثة فى كل البقاع والأصقاع العربية حتى دانت بالطاعة للإسلام خاضعين، وبيان حال الأعراب، ثم كان كمال الدين بيانا للأحكام، وتوجيها للعمل.
ثم بيان انتقال النبى إلى الرفيق الأعلى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن أشرق نوره فى الأرض، وبلغ رسالة ربه.
اللهم املأ قلوبنا إيمانا بها، وأعمالنا طاعة لها، وأبعد الزيغ عن عقولنا، واغفرلنا ذنوبنا ما نعلم منها وما لا نعلم، إنك سميع الدعاء.
محمد أبو زهرة
стр. 759
رسائله صلى الله تعالى عليه وسلم
٥٢٢- وفى هذه السنة بعد الحديبية فرض الحج. وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن معه من جيش الإيمان كانوا قد أحرموا للحج.
وشرع الحج فريضة من بعد الحديبية مباشرة، وقالوا إنه كان قد شرع، وفرضه الله تعالى فى هذا الوقت مع أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يحج إلا فى السنة العاشرة.
وهذا رأى أكثر الفقهاء، فالحج لا يجب فور القدرة عليه، ولكن يجب أداؤه فى مدى العمر، وقال بعض الفقهاء يجب فور الاستطاعة على أدائه، وقالوا إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أخره إلى العاشرة لأنه لم يكن مستطيعا ذلك قبل العاشرة، لأن الأصنام لم تزل قبل التاسعة، وكان مشغولا بالدعوة، وبيان الشرع، حتى نزلت الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة) وسرد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الفرائض الشرعية بإيجاز، وأشهد المؤمنين على التبليغ.
وإنه بعد الحديبية تفرغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للدعوة، فلم يرسل سرايا للقتال.
ولكن أرسل رسلا للدعوة إلى الإسلام، وتبليغ الدعوة.
قال الواقدى: فى ذى الحجة من سنة ست بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ستة نفر مصطحبين حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية.
وبعث شجاع بن وهب إلى الحارث بن شمر الغسانى ملك عرب النصارى.
ودحية بن خليفة الكلبى إلى قيصر، هرقل ملك الروم.
وبعث عبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى ملك الفرس.
وبعث سليط بن عمرو العامرى إلى هوزة بن على الحنفى.
وعمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشى ملك النصارى بالحبشة، وهو أصحمة بن أبحر.
وسنتكلم عن الرسائل التى كانت مع هؤلاء الرسل عند الكلام على مكاتبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. والذى نقوله هنا هو أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد تفرغ للتبليغ، ولم يعد مقصورا على الجزيرة العربية وما حولها بل تجاوزها إلى الأقاليم الآخرى.
стр. 760
إلى خيبر
٥٢٣- أنهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما بينه وبين قريش بصلح مدته عشر سنين، ليكون للدعوة والتبليغ وإن لم يترك ذلك التبليغ أبدا، فلم تشغله الحرب عن التبليغ بل كان التبليغ فى أثناء الحروب، وليتجه إلى اليهود أولا، وإلى حرب الشام ثانيا، لأن الروم فى الشام قتلوا بعض من آمنوا من أهل الشام، ففعلوا مثل ما فعلت قريش، فحق قتالهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله.
ولذلك كان سيره من الحديبية إلى خيبر، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما كان يقاتل إلا فى ميدان واحد، فبعد أن انتهى من قريش انفرد لليهود الذين نقضوا معه كل العهود وكانوا إلبا عليه، يحرضون ويفسدون ويدسون. وكانت خيبر فى ذى الحجة على رواية عبد الرحمن بن أبى ليلى، فقد فسر قوله تعالى: وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً قال يعنى خيبر فقال إنها كانت فى ذى الحجة من السنة السادسة بعد عشرين يوما من صلح الحديبية، والواقدى يروى بسنده عن شيوخه أنها كانت فى السنة السابعة من الهجرة.
وقد عين الوقت ابن إسحاق فقال: قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة المنورة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم ثم خرج فى بقية المحرم إلى خيبر.
وبعض الروايات قالت إن غزوة خيبر كانت فى صفر سنة سبع.
ومهما يكن تعيين الزمن، فإن غزوة خيبر كانت أمرا لا بد منه، لأنه اجتمع أعداؤه من اليهود، وما كانوا يألون المؤمنين إلا خبالا؛ وينتهزون الفرصة لينقضوا.
وقد رأينا أنهم يمالئون غطفان، ويستخدمون قوة منهم، وقد بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على بن أبى طالب ليتعرف أمرهم والتقى بعين لهم، وأسر من أسر منهم.
فكانوا بلا شك يريدون أن ينتهزوا معاونة ليغيروا عليه أو يعاونوا من يحاربونه، وكان فيهم غلظة وشدة.
فلما اتجه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لغزو بنى النضير لكيلا يكون لليهود سلطان فى بلاد العرب كان لا بد أن تنضم إليهم غطفان، ولشدة عداوتهم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولقربهم من منازلهم، ولسبق تحالفهم مع الأحزاب لغزو المدينة، ولكن الله ردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (الأحزاب- ٢٥) .
وقد احتاط صلى الله تعالى عليه وسلم لذلك، فنزل موقعا يفصل بين غطفان وخيبر. ولنسرد قصة هذه الغزوة من وقت ابتدائها.
стр. 761
خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قاصدا خيبر، فلما أشرف عليها أخذ يضرع إلى الله تعالى طالبا النصر والمعونة، فقال لأصحابه: قفوا؛ وأخذ يدعو، وهم يرددون معه.
اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر أهلها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله تعالى.
خرج رسول الله إلى خيبر، سلك على عصر، وهو جبل قريب من المدينة المنورة، فبنى به مسجدا، ثم مر على الصهباء، ثم أقبل بجيشه ونزل بواد يقال له الرجيع، وهو فاصل بين خيبر غطفان، لكيلا يمكنهم من مظاهرة اليهود عليه، فحال بينهم، ولكنهم كانوا قد خرجوا لليهود لينفذوا ما أرادوا من معاونتهم، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل إلى ديارهم جماعة من مقاتليه، ليزعجوهم، فلما سمعوا من ورائهم حس أولئك الذين ذهبوا خلفهم فى أموالهم وأهليهم ظنوا أن المؤمنين خالفوهم إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا فى أهليهم وأموالهم.
وبذلك أمن رسول الله ﵊ شرهم، وخلوا هم بينه وبين اليهود، واختاروا لأنفسهم السلامة.
القائد حامل الراية:
٥٢٤- دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أرض خيبر وكانت أرض زرع وحرث، وقد خرجوا يحملون أدوات من مساحى يحملونها لحرث الأرض ومكاتل يجمعون فيها الثمار، أو ينقلون السماد الطبيعى من مكان إلى مكان بها، فلما رأوا جيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذعروا وقالوا محمد والخميس.
تقدم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لفتح قريتهم بحصونها، وقد قال ابن القيم، وصاحب معجم البلدان: كانت لهم حصون، هى حصن ناعم وحصن القموص، وقلعة الزبير، وحصن النطاة، والكتيبة والوطيح، والسلام، وهما حصنا أبى الحقيق، وحصن الزبير، وحصن الصعب بن معاذ.
كانت القيادة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه ستمائة وألف مقاتل، فيهم مائتا فارس، وكان قائد اليهود سلام بن مشكم ومعه أربعمائة وألف مقاتل، ولما قتل تولى القيادة أبو زينب بن الحارث.
وكان حامل راية المؤمنين بطل الجهاد على بن أبى طالب، فإنه ليلة أراد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غزو خيبر قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، وإليك الرواية كما رواها البخارى.
стр. 762
قال البخارى بسنده «إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فبات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها فقال ﵊: أين على بن أبى طالب، فقالوا: يا رسول الله يشتكى عينيه، فأرسل إليه فأتى فبصق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم، حتى يكونوا مثلنا. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: انفذ على رسلك، حتى تنزل ساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم.
ابتدأ القتال حول الحصون، ويقول ابن إسحاق: تقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الأموال يأخذ الأقرب فالأقرب منها، وفى هذه الأثناء خرج المرحب فارسهم فقصده على بن أبى طالب فقتله.
ثم تدانى جيش المؤمنين، يأخذ الأدنى فالأدنى، وأول حصن فتحوه والراية فى يد على كرم الله وجهه حصن ناعم، ثم القموص حصن أبى الحقيق، وكلما فتح حصن فر من كانوا فيه إلى الحصن الذى يليه، فيجتمع فيه مع من آلوا إليه فارين من حر السيف وقوة الإيمان، وكانت المبارزات أحيانا.
ولقد فتح القموص بعد حصار دام عشرين ليلة كما جاء فى سيرة ابن إسحاق، وكان فى أرض وخمة شديدة الحر، فجهد أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جهدا شديدا لوخم الأرض وحرارتها.
ولقد تحركت اليهود من بعد ذلك كما قال الواقدى إلى قلعة الزبير، وهى حصن منيع، فأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى حصاره ثلاثة أيام.
وقد جاء رجل يهودى يظهر من أمره أنه مال إلى الإسلام، كما يدل قوله وعمله، فقال للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، إن لهم سردابا وعيونا تحت الأرض.
يخرجون بالليل فيشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم، فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم خرجوا لك، فسار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى مائهم، فلما قطع عليهم خرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل من المسلمين يومئذ نفر وأصيب من اليهود عشرة، وافتتحه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكان آخر حصون النطاة.
стр. 763
وقد أحس المسلمون بقلة الزاد، وقالوا: والله يا رسول الله قد جهدنا وما بأيدينا شيء، فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ضارعا إلى ربه: «اللهم إنك عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدى شيء ما أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها غناء، وأكثرها طعاما وودكا» فغدا الناس، ففتح الله حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه.
وإنه بعد أن فتحت حصون النطاة قبل حصن الصعب بن معاذ تحول إلى الشق، وكانت به حصون ذوات عدد، فكان أول حصن بدأ به حصن أبى الحقيق، فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قلعة يقال لها سموان، فقاتل عليها أشد القتال، فخرج منهم رجل يقال له عزول، فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر، فقطع الحباب يده اليمنى، فأتبعه الحباب فقطع عرقوبه وبرز رجل آخر فقام إليه رجل من المسلمين، فقتله اليهودى، فنهض إليه أبو دجانة فقتله وأخذ سلبه، وأحجموا عن البراز.
بعد أن أحجم اليهود عن البراز كبر المسلمون وتحاملوا على الحصن فدخلوه، وأمامهم أبو دجانة فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب من كان فيه من المقاتلة وتقحموا الحصن كأنهم الضباب، ثم تحولوا إلى حصن آخر من حصون الشق، وهو حصن البزاة وامتنعوا به أشد الامتناع، فزحف إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه، وتراموا بالنبل، ورمى معهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده الكريمة، حتى أصاب نبلهم بنانه ﵊، فأخذ ﵊ من الحصى، فرمى حصنهم بها، فرجف بهم حتى ساخ فى الأرض، وأخذهم المسلمون أخذا باليد. هذا ما ذكره الواقدى فى تاريخه.
ويقول الواقدى مسترسلا فى بيان فتح الحصون:
ثم تحول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أهل الأظبية والوطيح والسلام حصنى أبى الحقيق، وتحصنوا أشد التحصين، وجاء إليهم كل من انهزم من النطاة إلى الشق، فتحصنوا معهم فى حصن وكان حصنا منيعا وفى الوطيح والسلام، وجعلوا لا يطلعون من حصونهم، حتى هم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم، فلما أيقنوا بالهلكة، وقد حصرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أربعة عشر يوما (أى فى هذه الحصون الأخيرة) نزل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حصون بن أبى الحقيق وطلب الصلح بعد أن تأكد أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نصب المنجنيق ليقضى على البنيان إذ تحصنوا بها ولا سبيل إلى الوصول إليهم إلا بهدمها لأنها حصون لا مساكن.
стр. 764
ويتبين من هذا البيان أمران:
أحدهما: أن الحصون التى أحصيناها كان كل واحد منها عنوانا لمجموعة حصون، وقد توالى سقوطها مجموعة مجموعة، بلا تخريب، ولكن يقاتل من فيها حتى يفروا إلى حصن آخر وراءها، ولذلك يقول ابن إسحاق: كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتدنى، أى يحارب الأدنى، فالذى يليه، حتى إذا تجمعوا فى الحصون الأخيرة، التقت فيها جموعهم الفارة، وتقاتلوا مستميتين، وبذلك طال الحصار، واشتد من خارجها. كما اشتدوا هم فى الدفاع من داخلها. فهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعمل المنجنيق، إذ لا يمكن الوصول إلى المقاتلين إلا بالهدم، ولا يلجأ إليه بمقتضى قانون الإسلام فى الحرب إلا عند الضرورة، إذا تترس به العدو ولا سبيل للوصول إليه، إلا بهدمه.
فلما رأوا أنهم مقتولون لا محالة سلموا.
الأمر الثانى: أن أشد قتال لقيه المسلمون كان فى خيبر، لأنهم قاتلوا قوما فى حصون، ولم يكن القتال فى العراء، والأعداء لا يواجهون المؤمنين، بل يقاتلون من وراء حصونهم: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ (الحشر: ٢) .
وقد انتصر المسلمون فى هذه الموقعة، فكان آخر انتصار على معقل اليهود فى البلاد العربية، ولم يستطيعوا فيها تدميرا من بعد، ولكن كان خبثهم فيما وراءها وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (آل عمران: ٥٤) وكان قتلى المسلمين: ٢١ شهيدا وسبى وقتل كثيرون من اليهود.
الصلح والغنائم
٥٢٥- لما هم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بنصب المنجنيق، وأيقنوا بالهلكة نزل إليه ابن الحصين مستسلما طالبا الصلح على النجاة بأنفسهم وتسليم ما بأيديهم، فصالحه بالإجمال على حقن دمائهم، وسيرهم، ويخلون بين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبين ما كان لهم من الأرض والأموال، الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة، وعلى أنه ليس لهم إلا ما كان على ظهر الناس يعنى لباسهم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قابلا عرضهم: «وبرئت منكم ذمة الله، وذمة رسوله، إن كتمتم شيئا» ، فصالحوه على ذلك.
قال ابن كثير: ولما كذبوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخفوا المسك (الجلد) الذى كان فيه أموال كثيرة لحيى بن أخطب، فتبين أنه لا عهد لهم فقتل ابن أبى الحقيق وطائفة من أهله بسبب نقض العهود والمواثيق.
стр. 765
هذا إجمال يجب أن نذكره بشيء من التفصيل معتمدين على السنة الصحيحة خصوصا فى التفرقة بين الأرض والنخيل والأموال المنقولة من صفراء وبيضاء وسبايا فإن لذلك موضعا فى الأحكام الشرعية.
إنه كان الاتفاق على أن يجلوا على أن يحملوا معهم ما تحمله الركائب ويتركوا الأموال المنقولة والنخيل وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أحصى أموالهم المنقولة من النقود والمتاع والجواهر، وقسمها بين القائمين على أساس أن الفارس له سهم ولفرسه سهمان، ومن لا فرس له وهو راجل فى الحرب سهم واحد، ولم يسهم للنساء بل رضخ لهن، والعبيد، فقد رضخ لهم بأن أعطاهم قدرا من الغنائم غير معين بتعيين ولا سهم.
روى أبو داود والإمام أحمد عن عمير مولى أبى اللحم قال: شهدت مع سادتى، فكلموا فىّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلدنى سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أنى أنا مملوك لى شىء من المتاع، وهذا الخبر يدل بظاهره على أن العبد يجوز له أن يملك، ولا يقال العبد وما ملكت يداه لسيده، وهذا رأى الظاهرية.
وذكر محمد بن إسحق أنه حضر فى غزوة خيبر بعض النساء يحملن الماء، ويداوين الجراح فرضخ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لهن، وقد روى عن امرأة من غفار، قالت: أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى نسوة من بنى غفار، فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك فنداوى الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا، قال: على بركة الله تعالى، فخرجنا معه.
فلما فتح الله تعالى خيبر رضخ لنا من الفيء ...
وروى الامام أحمد عن بعض النساء أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة خيبر وأنا سادسة ست نسوة، فبلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأرسل إلينا فدعانا، فقال ورأينا فى وجهه الغضب، فقال: «ما أخرجكن؟ وبأمر من خرجتن؟ قلنا: خرجنا، نناول السهام، ونسقى السويق ومعنا دواء للجرحى، ونغزل الشعر، فنعين به فى سبيل الله، فأمرنا فانصرفنا، فلما فتح الله خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال، ولعل المراد أنه أعطاهن، كما أسهم للرجال، لا أن سهامهن مساوية لسهام الرجال.
هذا التقسيم كان فى الأموال المنقولة، من صفراء وبيضاء وتمر ومتاع وغير ذلك من الأموال التى تنقل، أو الأموال السائلة، كما يعبر علماء المال فى عصرنا هذا.
стр. 766
خيانة وجزاؤها:
٥٢٦- وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد عاهدهم على أن يقدموا كل صفراء وبيضاء، وكل طعام ومتاع على ألا يكثر منه، وأن العهد كان على ذلك، فإذا كشف شيء كان مكتوما، فإن العهد ينقض، فلما تبين أنهم كتموا مالا نقض العهد، وقتل ابنى أبى الحقيق بسبب هذا النقض، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، والآن نفصل كيف كان اكتشاف الإخفاء وكيف أظهر.
حدث البيهقى عن عبد الله بن عمر ... أنهم غيبوا مسكا فيه مال وحلى لحيى بن أخطب، وكان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما فعل مسك حيى بن أخطب الذى جاء به من النضير؟ فقالوا: أذهبته النفقات والحروب، فقال ﵊: العهد قريب، والمال أكثر من ذلك ... وكان حيى قبل ذلك دخل خربة يطوف بها، فذهبوا فطافوا فى هذه الخربة فوجدوا المسك فى الخربة وبذلك كان نقض العهد، ويظهر أن الذين كانوا يسترون على هذا المسك هما ابنا أبى الحقيق فقتلهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم ينقض العهد برمته، بل نقضه بالنسبة للذين كتموه، وكانوا يعلمون بموضعه وأن الله تعالى قسم الأموال المنقولة بالأسهم، وكان سهم لله ولرسوله ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
ووزع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سهم ذى القربى على بنى هاشم، وبنى المطلب ولم يوزع على بنى عبد شمس ولا بنى نوفل، فمشى عثمان بن عفان من بنى عبد شمس، وهم الأمويون، وجبير بن مطعم من بنى نوفل، وقالا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أعطيت بنى عبد المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة منك، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن بنى هاشم وبنى عبد المطلب شيء واحد، لم يفارقونا فى جاهلية ولا إسلام.
وإنه لم يناصب أحد من بنى المطلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عداوة، والمطلب هو الذى ربى عبد المطلب، وعندما ضربت قريش حصارا على بنى هاشم فى شعب أبى طالب انضم إليهم فى الحصار بنو المطلب، ورضوا أن يكون ما ينزل بالهاشميين ينزل بهم، فكانوا قائمين بحق القربى، بينما أبو لهب الهاشمى أخو أبى طالب لم يرض الدخول مع إخوته.
الأرض والنخيل:
٥٢٧- هذا هو الأمر فى تقسيم البيضاء والصفراء والمتاع وسائر المنقولات، أما الأرض، فإنها لم تقسم كما قسمت الأموال، بل الأمر فيها كان على غير ذلك.
стр. 767
ذلك أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما أراد إجلاءهم بمقتضى الشرط الذى أخذه عليهم، قالوا يا محمد، دعنا نكون فى هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا لأصحابه عمال يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خيبر، على أن لهم الشطر من كل زرع ونخيل وشئ ما بدا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويستفاد من هذا أمران (أحدهما) أن الأرض تبقى فى أيدى المغلوبين، على أنهم غير مالكين لرقبتها، بل يعملون فى زراعتها ومراعاة أشجارها، ومساقاتها، ولهم شطر ما يخرج من زرع وثمر، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يأخذ الشطر، وكان يوزعه فى مصارف الغنائم.
الأمر الثانى أن ذلك غير ملزم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل له أن ينزع الأرض من أيديهم إذا أراد، ولا يريد إلا ما يكون فيه مصلحة للمسلمين.
وقال فى ذلك الامام مالك رضى الله عنه: إن الإمام مخير فى الأراضى المفتوحة إن شاء قسمها، وإن شاء أرصدها لمصالح المسلمين وإن شاء قسم بعضها، وإن شاء أرصد بعضها لما ينوبه فى الحاجات والمصالح.
وشطر الغلات الذى يئول للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم روى أنه كان يوزعه توزيع الغنائم، فيكون خمسه لله، وللرسول ﵊، ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأربعة الأخماس للغانمين، وكانوا أهل بيعة الرضوان، وغيرهم نحو أربعمائة وألف، ومن انضم إليهم من مجاهدى خيبر، فبلغ الجميع خمسمائة وألفا فكان يقسم الريع مقسم الغنيمة بينهم.
وروى أبو داود أن النصف الذى كان يخص المسلمين ما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقسمه قسمة الغنائم، بل كان يبقيه لمن نزل به من الوفود، والأمور ونوائب الناس، أى يجعله لمصالح المؤمنين من غير تخصيص، ويقول الحافظ ابن كثير: قد تفرد بهذه الرواية أبو داود.
ومهما يكن من الأمر بالنسبة لغلة النصف فإنه يتبين من هذا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جعل الأرض فى أيدى أهلها على أن يكونوا زارعين حارثين مصلحين فى الأرض غير مالكين لرقبتها، بل رقبتها لجماعة المسلمين، ولذلك كان للإمام أن يخرجهم منها حيثما كان فى ذلك مصلحة المسلمين.
وأن ما فعله عمر رضى الله ﵎ عنه فى أرض سواد العراق الذى أشرنا إليه عند الكلام فى أموال بنى النضير، يشبه هذا، وكان للإمام عمر رضى الله تعالى عنه أن يحتج به عندما خالفه جمع من الصحابة كان على رأسهم بلال رضى الله عنه.
стр. 768
وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقام عبد الله بن رواحة على المقاسمة بينهم وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فكان يأتيهم كل عام، فيخرجها عليهم، ويضمنهم الشطر، وكان عادلا لا يظلمهم، ولا يطفف شيئا من نصيب المسلمين، فشكوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شدة حرصه.
ولقد أرادوا أن يرشوه فقال: يا أعداء الله تطعموننى السحت، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلى، ولأنتم أبغض إلى من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملنى بغضى إياكم، وحبى إياه على ألا أعدل إياكم.
فهو لا يظلم لعداوة، ولا لمحبة، ولذلك قالوا: بهذا قامت السموات والأرض. ولما قتل عبد الله بن رواحة، فى مؤتة، ولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعده جبار بن صخر رضى الله تعالى عنه وكان من أهل الخبرة، فى خرص الزروع والثمار.
٥٢٨- وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوزع الزرع والثمار فى النصف الذى يخص المسلمين على تقسيم الغنائم وخصص أراضى لإخراج سهم من الأسهم، فجعل ما ينتجه حصن الشق ونطاة فى أسهم المسلمين ما ينتج منهما يكون نصفه قسمة على حسب سهام الفاتحين.
وكان ما ينتجه حصن الكتيبة مخصصا لخمس الله ورسوله ﵊ وذى القربى.
واليتامى والمساكين وابن السبيل وطعم رجال سواء بالصلح بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى أهل فدك.
وكان لنطاة والشق ثمانية عشر سهما، لنطاة خمسة والباقى للشق يأخذ الفاتحون هذه الأسهم الثمانية عشر.
وقسمت الثمانية عشر على ١٨٠٠ سهم، أى أن كل سهم فى النطاة والشق كان مقسما على مائة.
ويقول ابن اسحاق «قسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الكتيبة وهى واد خاص بين قرابته وبين نسائه، وبين رجال مسلمين، ونساء أعطاهم» وقد ذكر المقادير التى كان يعطيها لذوى قرابته ونسائه، ولبعض رجال المسلمين، فكان يقسم على الضعفاء وذوى الصلة كل على مقدار حاجته.
وهكذا كان التقسيم للغلات، ولم يقسم الأرضين، ولكن كان لكل طائفة سهام فى حصن معين من حصون خيبر، ولقد كان بعض المؤمنين يشرفون على الأرض من حيث إنتاجها وصلاحها،
стр. 769
وكان يتولى مقاسمة اليهود عبد الله بن رواحة أولا، فلما استشهد رضى الله تعالى عنه، تولاها جبار بن صخر، واستمر طول حياة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
فلما انتقل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى نفذ أبو بكر ما كان يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم لما توفى الصديق نفذ عمر شطرا من إمارته ما كان يفعله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثم بدا له أن يخرج الأرض من أيدى اليهود، ويعطيها ذوى السهام فيها. وذلك لأمرين: أولهما أنهم قتلوا فى عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رجلا أنصاريا، وهو عبد الله بن سهل وكان قد خرج فى أصحاب له يمتارون تمرا فانفرد عنهم، ووجد فى عين قد دقت ثم طرح فيها فأخذوه وأخفوه، ثم قدموا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم القسامة، واتهمهم من بعد ذلك عمر فى عهده بأنهم قتلوه.
واعتدوا ثانية فى عهد عمر على عبد الله بن عمر فقد خرج هو والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود إلى أموال المسلمين بخيبر يتعهدونها، وتفرقوا فى الأموال فقدعوا يديه (أى خلعوا أى أزيلت عن مفاصلها، وأصلح زملاؤه يده) .
فلما حضر إلى أمير المؤمنين فقال هذا عمل يهود، ثم قام فى الناس خطيبا، فقال:
«أيها الناس، إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان قد عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر فقدعوا يديه، كما بلغكم مع عدوكم على الأنصارى قبله، لا شك أنهم أصحابه ليس هناك عدو غيرهم. فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإنى مخرج يهود» .
وهذا مؤداه أنهم أصبحوا غير أمناء على المؤمنين، وقد ارتبطوا معهم بعلاقة المزارعة فكانوا يعاملونهم معاملة عدو، لا معاملة معاون.
الأمر الثانى الذى أوجب على عمر أن يخرجهم وخصوصا بعد ما أظهروا عداوتهم وحقدهم، أنه علم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال «لا يصبحن بجزيرة العرب دينان» ، فكان لا بد من إجلائهم، فدعاهم إلى الجلاء، وقال: من كان عنده عهد من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فليتجهز للجلاء. وإذا كان بقاؤهم فى الأرض فقد كان بالمشيئة وليس عودا دائما. وقد خصص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لكل ذى سهم دائم جزآ من الأرض يجمع شطر ثماره، فلما أجلى سيدنا عمر رضى الله عنه اليهود، قال لأصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «أيها الناس إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عامل يهود خيبر على أن يخرجهم إذا شاء، فمن كان له مال فليلحق به.
فإنى مخرج يهود» .
стр. 770
وجعل لكل مستحق من أسهم ثمراتها، على ما يخرجه سهمه يديره حيثما يريد.
وبالنسبة لأزواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فخيرهن رضى الله عنهن وعنه فقال لهن:
من أحب منكن أن أقسم فإنى أقسم مائة وسق على أن يكون لها أصلها وأرضها وماؤها ومن الزرع عشرين وسقا من شعير فعلنا، ومن أحب أن يعزل الذى لها فى الخمس كما هو فعلنا.
ويستفاد من هذا أن سيدنا عمر ما أخذ من نصيب فى سهم ذوى القربى على أنه لهن ليس بالوراثة، بل أخذه لهن من الخمس الذى لله وللرسول ﵊، ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فقد جعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لكل واحد مائة وسق أو مائتى وسق على اختلاف الرواية فى ذلك. وعشرين وسقا من شعير من غير اختلاف فى ذلك، فكان هذا استحقاقا ابتداء لا وراثة عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فخيرهن عمر رضى الله تعالى عنه بين أن يجرى عليهن ما كان يجريه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أوساق، وبين أن يعزل لهن ما ينتج ذلك، كما فعل مع كل المستحقين فى خيبر.
فدك
٥٢٩- لما رأى يهود فدك ما نزل بيهود خيبر، وهم أهل الحصون الممنوعة أصابهم الرعب، ورأوا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد أبقى الأرض فى أهل خيبر يرعونها ويغرسونها، ويصلحون شجرها على أن يكون لهم نصف ما ينتج، أى يعاملون كما عامل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أهل خيبر، وفدك أرض من أرض خيبر يسكنها يهود، لم يكن لهم حصون، ولم يقاتلهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن ألقى الرعب فى قلوبهم، فاستسلموا.
وقال رواة سيرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: إنها كانت كلها خالصة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كالشأن فى أموال بنى النضير، فلم تقسم سهاما كما قسم إنتاج خيبر، بل كانت كلها للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويقول ابن كثير: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعزل منها نفقة أهله لسنة، ثم يجعل ما بقى كمال الله تعالى يصرف فى الكراع والسلاح ومصالح المسلمين.
ويجب علينا فى هذا المقام أن نعيد تلاوة ما نزل فى أموال بنى النضير التى عدها العلماء بأنها كفدك فقد قال تعالى فى أموال بنى النضير وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِ
стр. 771
شَيْءٍ قَدِيرٌ. ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحشر: ٦: ١٠)
وإنه إذا كانت المقايسة ثابتة بين أموال بنى النضير، وفدك، فإن التعبير بأنها خالصة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم مؤداه أنها لا تقسم مقسم الغنائم فلا يكون للفاتحين المجاهدين أربعة الأخماس كما هو الشأن فى الغنائم، وإنما يكون مصرفها مصرف خمس الغنائم لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولذى القربى واليتامى والمساكين، لذلك يصرفه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى مصالح المسلمين، ويبقى له ما يكفيه وأهله منه بالمعروف.
وعلى ذلك نقرر أنه لم يكن مملوك الرقبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم حتى يورث، ويجرى فيه النزاع على الملكية كما توهم كتب السيرة وكتب التاريخ.
والذى أحسبه أن الاختلاف فى إدارتها، وتولى صرفها فى مصارفها باعتبار أنها ليست فى ظل الولاية العامة، بل لها ولاية خاصة، هى ولاية النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومن يخلفه من أهله، وبذلك انتهى أمرها فى عهد عمر رضى الله ﵎ عنه، ولنترك الكلمة بعد ذلك للحافظ ابن كثير فى تاريخه:
كانت هذه الأموال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة، وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة، ثم يجعل ما بقى مجعل مال الله تعالى يصرفه فى الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، فلما مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، اعتقدت فاطمة وأزواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أو أكثرهن أن هذه الأراضى تكون موروثة عنه ولم يبلغهن ما ثبت عنه من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه يكون صدقة.
ولما طلبت فاطمة وأزواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نصيبهن من ذلك، وسألوا الصديق أن يسلمه إليهن وذكر لهم قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «لا نورث ما تركناه صدقة» وقال: أنا
стр. 772
أعول من كان يعول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والله لقرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي، وصدق رضى الله عنه وأرضاه، فإنه البار الراشد، فى ذلك التابع للحق.
نحن لا نظن أن السيدة الزهراء التى هى قطعة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكون طلبها للميراث، وإنما طلبها أن تتولى هى الصدقة.
وقد صرح ابن كثير أن فاطمة طلبت بلسان العباس وعلى أن ينظرا فى هذه الصدقة وأن يصرفا ذلك فى المصارف التى كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصرفها فيها، فأبى عليهم الصديق ذلك، ونحن لا نفرض أنهم طلبوا ميراثا، فعلى كرم الله وجهه ما كان يجهل أن الأنبياء لا يورثون، وهو فقيه الصحابة، وكما قال صلى الله تعالى عليه وسلم أقضى الصحابة.
ويقول الحافظ ابن كثير أن فاطمة رضى الله ﵎ عنها، والصلاة والسلام على أبيها غضبت عليه فى ذلك ووجدت فى نفسها بعض الموجدة، ولم يكن لها ذلك، والصديق من قد عرفت هى والمسلمون محله من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقيامه فى نصرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتوفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ... «فلما كانت أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة إلى على والعباس، وثقلوا عليه بجماعات من سادات الصحابة ففعل عمر ذلك لكثرة أشغاله، واتساع مملكته، وامتداد رعيته» .
هذه عبارات الحافظ ابن كثير، وله مقامه فى علم السنة، والأخذ بمنهاج السلف، ولكن نلاحظ أن عباراته فى حق فاطمة التى تنتهى عترة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إليها لم تكن لائقة بمقامها من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا كان للصديق مكانته، فلفاطمة مكانتها من المحبة لأنها قطعة منه صلى الله تعالى عليه وسلم، فقوله عنها ما كان لها ذلك فيه تعد للحدود، بدليل أن عمر بن الخطاب من بعده نفذ ما طلبت، فلم تكن متجنية عندما وجدت موجدة على الصديق صديق أبيها.
وهناك عبارة لا نوافقه عليها، لأنه يقول أنهم ثقلوا على عمر رضى الله عنه بجماعة من سادات الصحابة، فإن هذه العبارة لا يصح أن تقال فى على ولا فى عمر، فمقام على أجل من أن يعبر عنه فى طلبه واحتكامه إلى الصحابة بكلمة ثقلوا، وما كان عمر بن الخطاب فاروق الإسلام من صفاته أن يخضع لإثقال أحد من الصحابة، فهو القوى فى الحق الذى لا يخشى فيه لومة لائم، وما كنا نود أن يقع هذا من الحافظ ابن كثير العالم السلفى الإمام، إنما الأمر الذى يتصور أن يكون من العباس وعلى أنهما احتكما إلى جمع من الصحابة فنزل عمر عند رأيهم، لأنه رآه أنه الحق، ولنذكر بقية ما قصه الحافظ ابن كثير.
стр. 773
فهو يقول أن الصدقة أعطيت لعلى والعباس رضى الله عنهما، فتغلب على على عمه العباس فيها، ثم تساوقا يختصمان إلى عمر، وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة، وسألا عمر أن يقسمها بينهما، فينظر كل واحد فيما لا ينظر فيه الآخر، فامتنع عمر عن ذلك أشد الامتناع، وخشى أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث وقال: انظرا فيها، وأنتما جميع، فإن عجزتما عنها، فادفعاها إلى، والذى تقوم السماء والأرض بأمره، لا أقضى فيها قضاء إلا هذا، فاستمرا فيه، ومن بعد إلى ولدهما إلى أيام بنى العباس تصرف فى المصارف التى كان يصرف فيها أموال بنى النضير وفدك، وسهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من خيبر.
حوادث ذات مغزى في خيبر
٥٣٠- فى أثناء خيبر، وفى أعقابها وجدت حوادث تدل على قوة إيمان بعض المؤمنين، وصدق ما وعدوا الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وحوادث فيها غدر من اليهود، وسماحة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الغالب.
منها أمر الأسود الراعى:
قصته تدل كيف يدخل الإسلام إلى القلوب المخلصة التى لم يرنقها هوى وما غلبت عليها شهوات، كان مع اليهود عبد أسود أجير عندهم يرعى غنما لهم وقد سمع اليهود يقولون أنه يدعى أنه نبى مرسل، فساقه هذا لأن يذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يسأله عما يدعو إليه، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذى نصر بالضعفاء والمساكين لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام، ولذا عرضه عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأسلم، وجمع قلبه الطيب بين الإيمان والأمانة.
فدعته الأمانة بعد الإيمان أن يقول لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنى كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهى أمانة عندى، فكيف أصنع بها، لم يقل له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنها للمؤمنين بحكم أنها غنيمة للغالب، ولكنه أجرى أمانة الرجل على رسلها، بل قال له اضرب فى وجوهها، فإنها سترجع إلى ربها، فأخذ حفنة من الحصا، فرمى بها فى وجوهها، وقال: ارجعى إلى صاحبك فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها، حتى دخلت الحصن، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر قتله.
قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنه شهيد وأنه دخل الجنة.
стр. 774
ومنها قصة أعرابى يجاهد ويرد المغنم:
٥٣١- روى البيهقى بسنده، أن رجلا من الأعراب جاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فامن به واتبعه فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، وغزا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وغنم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقسم المغنم، وقسم لهذا الأعرابى المؤمن، فأعطى ما قسم له، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا- وأشار إلى حلقه بسهم- فأموت فأدخل الجنة، فقال الرسول الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: إن تصدق الله يصدقك. رفض المال ولو أنه حق وحلال، ومنحة الغنيمة أخذها بحقها، وذلك فى سبيل أن يكون عمله خالصا لوجه الله تعالى، فهو لا يرد الحلال، ولكن لا يريد عوضا للجهاد.
ولما نهضوا للقتال كان معهم، فقتل بسهم أصابه حيث أشار إلى حلقه، فحمل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقدمه لله شهيدا، وقال: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا فى سبيلك، قتل شهيدا، وأنا عليه شهيد» .
وقد ضرب هذا الأعرابى المؤمن أعلى مثل للإيمان، وطلب ما عند الله وحده لا شيء سواه، فطلب رضوانه ولا يريد مغنما، فرضى الله ﵎ عنه.
مؤمن يتحايل لماله بمكة المكرمة:
٥٣٢- وإن الإسلام فتح الطريق أمامه، لا تحول بينه وبين انتشاره قوة الطغاة، ولا صد عن سبيل الله، أخذ يطوف فى البلاد العربية فيعشو إليه من يريد الهداية، ومن يصغى قلبه للحق والنور والهداية.
وكان من ذلك إسلام الحجاج بن علاط السلمى، فإنه لما فتحت خيبر وزال كل ما كان يصد عن الإسلام جاء الحجاج هذا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن لى مالا عند صاحبتى أم شيبة بنت أبى طلحة وكانت زوجه، وله منها ولد وأموال متفرقة فى تجارة مكة المكرمة والمؤمن يكون حريصا غير مستهين ولا يكون بخيلا، وفرق بين البخل والحرص، لأن الحرص معناه ألا يفرط فى حق اكتسبه بحله، ولا يكون هملا فرطا لا يعطى كل ذى حق حقه، ولا يفرط فى حقه مع التسامح فى موضعه أما البخل فإنه يشح بالمال ولا يضعه فى مواضعه.
فالمؤمن حريص غير مفرط، ولا بخيل، أراد الحجاج أن يصل إلى ماله وهو بمكة المكرمة، ولو أعلن إسلامه منع ماله، فاستأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخفى أمره، ويقول ما يسهل
стр. 775
الوصول إلى ماله من غير تعمد للكذب، ولا خدع لمؤمن، فأذن له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
خرج الحجاج إلى مكة المكرمة، حتى إذا التقى برجال من قريش يستمعون الأخبار، ويسألون عن أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر، وهم يعلمون أنها قرية الحجاز، ريفا ومنعة ورجالا، فهم يتحسسون الأخبار، ويسألون الركبان.
فلما قابلوا الحجاج، ولم يكونوا علموا بإسلامه، ولم يظهره لهم، فسألوه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وعن أمر خيبر، وقالوا له قد بلغنا أن القاطع (أى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم) قد سار إلى خيبر، (وهى بلد يهود وريف الحجاز) .
قال: قد بلغنى ذلك، وعندى من الخبر ما يسركم، هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا لم نسمع أبدا بمثله قط، وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله، حتى نبعث به إلى أهل مكة، فيقتلوه بين أظهرهم.
أعينونى على جمع مالى بمكة المكرمة، وعلى غرمائى، فإنى أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى هنالك.
فقاموا فجمعوا له ماله يحثون الغرماء على ذلك.
وكان له عند امرأته مال موضوع، وأراد أن يأخذه، فطلب منها لعله يصيب من فرص البيع قبل أن يسبقه التجار.
تسامع الناس بخبر هزيمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والناس يصغون دائما إلى ما يحبون، ويذيعونه وينشرونه فرحين مستبشرين، ويعميهم حبهم عن فحص الخبر ووزنه أو الشك فيه، بل يطمئنون إلى ما يحبون من غير تمحيص.
وفى مكة المكرمة محبون للنبى من ذوى قرباه، وعلى رأسهم العباس عم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فهاله الخبر، فذهب إلى الحجاج فسأله: ما الخبر الذى جئت به، فأشار إلى العباس أن عنده أخبارا وطلب إليه أن يسايره حتى يفرغ من جمع ماله، ويلقاه فى خلاء.
حتى إذا فرغ من جمع كل شيء كان له بمكة المكرمة، وأجمع الخروج لقى العباس رضى الله عنه، وقال: احفظ عنى حديثى يا أبا الفضل ثلاثا، فإنى أخشى الطلب، ثم قل ما شئت، قال:
أفعل، قال: فإنى والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم صفية بنت حيى، ولقد افتتح