← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9801

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (297 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود]ـ المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (المتوفى: ٩٧٤هـ) عني به: بوجمعة عبد القادر مكري ومحمد شادي مصطفى عربش الناشر: دار المنهاج - جدة الطبعة: الأولى - ١٤٢٦ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

ب ين يدي ا لكتاب (أ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رافع درجات المخبتين، ومجيب دعاء المضطرين، ومفرّج الكرب عن المهمومين، وجاعل الصّلاة على الشّفيع سببا للغفران، وبابا لتفريج الأحزان، وحرزا من وساوس الشّيطان. فصلوات الله تترى، وسلامه يتوالى على من خصّه الله تعالى بالرّتب العليّة، والمقامات السّنيّة، وشرّفه بالمقام المحمود والحوض المورود، وحلّاه من الأخلاق بأجمل البرود، وعلى آله الأطهار الأبرار، وصحابته الغر الميامين الأخيار، والتّابعين لهم بإحسان. أمّا بعد: فإنّ الصّلاة على الحبيب الشّفيع ترياق للقلوب، وماحية للذنوب، ومرقاة إلى كلّ أمر محبوب، بها يحلّق الموفّق في أجواء العلياء، ويتدرّج في سلّم الارتقاء، حتى يبلغ مراتب الأولياء. كيف لا؟! وقد صلى عليه خالقه والملائكة الكرام، وأمرنا بذلك تنويها بعظم المقام، ثم فصّلت السّنّة الغرّاء مزايا الصّلاة والسّلام، على من بعثه الله تعالى رحمة للأنام، فاغترف الموفّقون من هذا المنهل الرّويّ، وبلغ بها المقرّبون الشّأو القصيّ، وهرولت بالمحبين نجب الأشواق، إلى تلك الآفاق، فتذوقوا من أسرار الصّلاة والسّلام، المشفوعة بالمحبة والإعظام، فأنار الله تعالى بواطنهم، وصفّى قلوبهم، وحلّقت أرواحهم في رياض الذّكر فرتعوا، واعتصموا بالله ففازوا وربحوا، فتلك تجارة لن تبور. (ب) هذا، وقد تفنن أعلام الإسلام قديما وحديثا في الإشادة بفضلها، والترغيب في الإكثار منها، وتبيان أسرارها وعوائدها، فمن بين مقلّ ومكثر، وباسط ومختصر،

стр. 3

والكلّ يستقون من سنّة المصطفى، ويروون في فضلها أحا د يث من لا ينطق عن الهوى ﷺ ، وآثار سلفنا الصالحين أولي القرون الخيّرة. وكان ممن أدلى بدلوه في هذا الشّان، وألّف في فضلها وفوائدها علّامة عصره، وفقيه مصره، ومحدث قطره، الشيخ أحمد بن ح ج ر الهيتمي، صاحب التاليف النافعة، والمباحث الهامّة، المبرز في علمي الرواية والدّراية، فكان كتابه واسطة العقد بين المؤلفات، لما حوى من عيون الفوائد وغرر التنبيهات، وهو وإن كان خميص المباني فإنه بطين المعاني، جمع بين التحقيق وحسن السبك، وتطابق الاسم والمسمّى، فكان درّا منضودا، وأسلوبا متميزا، وسفرا حافلا بكلّ معنى بديع، ولا غرو فمحبّره من فحول المؤلفين، والأساتذة المتفقهين. (ج) ولا مراء أنّ نشر هذا الكتاب وأترابه في هذا العصر المتخم بالملاهي والمغريات، من أهم المطلوبات، فقد أصبحت الأرواح مثقلة بالنزوع إلى الملذّات والشّهوات، والأنفس موثقة بأغلال العصيان، والقلوب نافرة عن طاعة الدّيان، فكان الناس بحاجة إلى التذكير بفضل الصّلاة والسّلام على البشير النذير، فإنها دواء القلوب القاسية، وصقل للأرواح النّائية عن رياض الذّكر. (د) ولما كان لهذا الكتاب المبارك خصائصه وصداه في عالم المعرفة.. احتضنته دار المنهاج خدمة للإسلام وأهله، وأعادت طباعته في ثوب قشيب، وتحقيق مفيد، معتمدة في ذلك على أصول صحيحة، ونسخ عديدة؛ ليخرج الكتاب مبرّأ من وصمة التصحيف، وعيب التحريف، ويعانق حسن المظهر جمال المحتوى، إضافة إلى تعليقات نافعة، وإيضاحات يتطلبها السّياق في بعض المواطن. والله وليّ التّوفيق الناشر

стр. 4

ترجمة الإمام الفقيه أحمد ابن حجر الهيتمي المكي «١» اسمه ونسبه: هو الشيخ العلامة الفقيه الإمام أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر السّلمنتي، الهيتمي، الأزهري، الوائلي، السعدي، المكي، الأنصاري، الشافعي. سمي ب (ابن حجر) لأن جده كان ملازما للصمت. والسّلمنتي: نسبة إلى (سلمنت) من بلاد حرام، من أقاليم مصر الشرقية؛ حيث كانت أسرته بها قبل انتقالها إلى محلة أبي الهيتم. والهيتمي- بالتاء المثناة الفوقية-: نسبة إلى محلة أبي الهيتم «٢» ، قرية من أعمال مصر الغربية. والأزهري: نسبة للأزهر. وابن حجر- ﵀ من بني سعد من الأنصار الذين هاجروا إلى مصر أيام الفتوحات، وهم من بطون قبيلة وائلة.

стр. 5

مولده ونشأته: ولد بمحلة أبي الهيتم في رجب أواخر سنة (٩٠٩ هـ) ، ومات أبوه وهو صغير، فكفله جده لأبيه- الذي عمّر أكثر من مئة وعشرين عاما- ثم مات الجد، فكفله شيخا أبيه الإمامان: الشمس الشناوي، والشمس محمد السروي ابن أبي الحمائل. ثم إن الشناوي تولى رعايته ونقله إلى مقام السيد البدوي بطنطا، حيث تلقى مبادىء العلوم هناك. طلبه للعلم: في سنة (٩٢٤ هـ) نقله الشمس الشناوي إلى الجامع الأزهر، فبدأ بقراءة الحديث، والنحو، والمعاني والبيان، والأصلين، والمنطق، والفرائض والحساب، والطب. قال ابن حجر- ﵀ بعد ذكره تحصيل هذه العلوم: (حتى أجاز لي أكابر أساتذتي بإقراء تلك العلوم وإفادتها، وبالتصدر لتحرير المشكل منها، بالتقرير والكتابة وإشادتها، ثم بالإفتاء والتدريس، على مذهب الإمام المطّلبيّ الشافعي ابن إدريس، ثم بالتصنيف والتأليف، فكتبت من المتون والشروح ما يغني روايته عن الإطناب في مدحه، والإعلام بشرحه، كل ذلك وسني دون العشرين) اهـ «١» شيوخه: أخذ الإمام ابن حجر عن جمع من كبار علماء عصره، ولقي عددا من كبار المعمّرين والمسندين من العلماء، وصنف في أخذه عنهم وتراجمهم «ثبتا» ضمّنه أخبارهم، وأسانيده الشهيرة إلى أمات كتب العلم، ونحن ذاكرون هنا أبرزهم وأجلهم بحسب ترتيب وفياتهم:

стр. 6

١- شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (٨٢٦- ٩٢٦ هـ) «١» ، أشهر فقهاء مصر في عصره، وإليه انتهت مشيخة الشيوخ، وكان هو الملجأ لكل المعضلات، له مصنفات عديدة اشتهرت بالبركة، مات ﵀ عن مئة عام. أخذ عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، والبلقيني، والشهاب الغزي، والمراغي، والنويري، وطبقتهم. أخذ عنه ابن حجر ﵀ حديث الأولية، وكان معظّما له جدا، وكثيرا ما يحيل على مصنفاته، قال ابن حجر: (ما اجتمعت به قط.. إلا قال: أسأل الله أن يفقهك في الدين) ، وأطنب في الثناء عليه في «ثبته» جدا، وقال في حقه: (أجلّ من وقع عليه بصري من العلماء العاملين، والأئمة الوارثين، وأعلى من عنه رويت ودريت من الفقهاء الحكماء المسندين ... ) إلخ. ٢- الإمام زين الدين عبد الحق بن محمد السنباطي (٨٤٢- ٩٣١ هـ) «٢» ، أحد صفوة العلماء الأعلام، وكان مولده بسنباط، ووفاته بمكة. أخذ عن البدر العيني، والجلال البلقيني، وابن الهمام، والولي السنباطي، وأجاز له الحافظ العسقلاني. درس عليه ابن حجر بعض الكتب الستة في جمع كثير، وأجازه بباقيها. ٣- الشمس ابن أبي الحمائل (ت ٩٣٢ هـ) «٣» واسمه: محمد السروي. أخذ عن الشرف المناوي يحيى بن محمد (ت ٨٧١ هـ) وبه تخرج الشمس الشناوي، ووالد ابن حجر الشيخ محمد بن علي بن حجر. ٤- الشهاب الصائغ، أحمد بن الصائغ الحنفي (ت ٩٣٤ هـ) «٤» . كان علامة في المعقول والمنقول.

стр. 7

أخذ عن أمين الدين الأقصرائي، والتقي الشّمنّي، والكافيجي. وكان مبرّزا في الطب. درس عليه ابن حجر ﵀ علم الطب. ٥- الشمس الدّلجي، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الدّلجي، العثماني، الشافعي، (٨٦٠- ٩٤٧ هـ) «١» المولود بدلجة، قرية بصعيد مصر غربي النيل. أخذ بالقاهرة والشام عن جمع؛ منهم: البرهان البقاعي، والقطب الخيضري، وابن رزيق، والسّخاوي. وله شرح على «الشفا» . أخذ عنه ابن حجر ﵀ علم المعاني والبيان، وكذلك الأصلين والمنطق. ٦- الشمس الضيروطي، محمد بن شعبان بن أبي بكر بن خلف الدمياطي، المشهور بابن عروس المصري، (٨٧٠- ٩٤٩ هـ) «٢» . أخذ عن الكمال ابن أبي شريف، والنور المحلّي. وقد درّس بمقام الإمام الشافعي، وله شرح على «المنهاج» للنووي، وغيره. أخذ عنه ابن حجر ﵀ علم النحو. ٧- أحمد بن عبد الحق السنباطي، الشافعي، المصري (ت ٩٥٠ هـ) «٣» ، أخذ عن والده وتفقه به، ووعظ بالمسجد الحرام لمّا حجّ مع أبيه. أخذ عنه ابن حجر ﵀ الأصلين أيضا. ٨- أبو الحسن البكري، محمد بن محمد بن عبد الرحمن البكري، الصديقي، الشافعي (ت ٩٥٢ هـ) «٤» .

стр. 8

أخذ عنه ابن حجر ﵀ عدة علوم، وقرأ بمعيته «صحيح مسلم» على شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحجّا معا، وجاورا سنة (٩٣٤ هـ) ، له شرح على «المنهاج» ، وعلى «العباب» في الفقه. ٩- الشمس الحطابي، محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب، الرعيني، الأندلسي، (ت ٩٥٤ هـ) «١» . أخذ عن السخاوي، وعبد الحق، والنويري، وغيرهم. أخذ عنه ابن حجر ﵀ علم النحو والصرف. ١٠- الشهاب الرملي، أحمد بن أحمد بن حمزة الرملي، المصري، الشافعي (٩٥٧ هـ) «٢» ، من أجل تلامذة شيخ الإسلام زكريا، وصار بعد وفاة شيخه إمام علماء مصر. قرأ عليه ابن حجر ﵀ قبل العشرين. كما أن ابن حجر أخذ عن يوسف الأرميوني، المتوفى سنة (٩٥٨ هـ) . والناصر اللقاني، المتوفى (٩٥٨ هـ) ، الفقيه المالكي المعروف. وناصر الدين الطبلاوي، محمد بن سالم الأزهري، المتوفى (٩٦٦ هـ) . بل إن بعض شيوخه مات بعده؛ كالعلامة الإمام محمد بن عبد الله الشنشوري الفرضي، المتوفى سنة (٩٨٣ هـ) . وعدد بعض الباحثين شيوخ ابن حجر فأوصلهم إلى (٣١) شيخا، ذكرنا أبرزهم وأجلهم «٣» .

стр. 9

مقاساته في الطلب وخروجه إلى مكة: كان ابن حجر ﵀ يتردد على مكة المكرمة، وقد جاور بها في بعض السنين. وأول زيارة سنة (٩٣٤ هـ) مع شيخه البكري. ثم مرة ثانية سنة (٩٣٨ هـ) . ثم في سنة (٩٤٠ هـ) قرر الرحلة إلى مكة والإقامة بها، وكان سبب خروجه من مصر ما حصل من سرقة بعض كتبه من قبل بعض الحسّاد، وهو كتابه «بشرى الكريم» الذي شرح به العباب شرحا عظيما، ولم يزل متأثرا بذلك الحادث، حتى إنه كان كثير الدعاء بالعفو عن ذلك الفاعل، ويقول: سامحه الله وعفا عنه. وقال ذاكرا مجاهداته والشدائد التي عاناها: (قاسيت في الجامع الأزهر من الجوع ما لا تحتمله الجبلة البشرية لولا معونة الله وتوفيقه، بحيث إني جلست فيه نحو أربع سنين ما ذقت اللحم إلا في ليلة، دعينا لأكل فإذا هو لحم يوقد عليه، فانتظرناه إلى أن ابهارّ الليل، ثم جيء به، فإذا هو يابس كما هو نيء، فلم أستطع منه لقمة. وقاسيت أيضا من الإيذاء من بعض أهل الدروس التي كنا نحضرها ما هو أشد من ذلك الجوع، إلى أن رأيت شيخنا ابن أبي الحمائل قائما بين يدي سيدي أحمد البدوي، فجيء باثنين كانا أكثر إيذاء لي، فضربهما بين يديه فمزقا كل ممزق) «١» . كل هذه الأسباب كانت حاملة له على مغادرة مصر والإقامة بمكة، فسكنها لمدة (٣٤) سنة، حتى توفي بها، وكان منزله بالحريرة قريبا من سوق الليل، كما كانت له خلوة برباط الأشرف قايتباي بقرب المسجد الحرام.

стр. 10

زملاؤه وأقرانه: كان لابن حجر ﵀ أقران وزملاء كثر، منهم: ١- شمس الدين، محمد بن أحمد الرملي، (٩١٩- ١٠٠٤ هـ) ، وقد شارك ابن حجر ﵀ في الأخذ عن والده الشهاب الرملي المتقدم ذكره، وشاركه في القراءة والحضور على شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «صحيح البخاري» . وكانا كفرسي رهان، وجرت بينهما خلافات فقهية، ومسائل علمية، وخلافهما من الخلاف المعتبر عند متأخري فقهاء الشافعية، وألفت الرسائل والكتب في ذكر الخلاف بينهما في مسائل الفقه «١» . ٢- العلامة المحدث بدر الدين الغزي، الشافعي (ت ٩٨٤ هـ) ، لقيه بمصر، وقرأ بمعيته بعض «صحيح البخاري» على شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ثم اجتمع به في مكة سنة (٩٥٢ هـ) . ٣- العلامة عبد العزيز بن علي الزمزمي، الشافعي، المكي (ت ٩٧٦ هـ) ، كان من أعز أصحابه بعد سكناه أم القرى، وكان يسير معه للقاء الشيوخ والأعيان، وقد أصهر ابنه الشيخ محمد بن عبد العزيز عند مترجمنا ابن حجر ﵀ وأعقب مفتي مكة العلامة عبد العزيز الثاني بن محمد الزمزمي، وقد أدرك جده، وأخذ عنه.

стр. 11

تلامذته: بعد استقرار الإمام الهيتمي ﵀ بمكة.. شاع حديثه، وانتشر ذكره في الآفاق، فقصده طلاب العلم من كل فج، وتخرج به أكابر الفقهاء في القرن العاشر الهجري، فمن أعلام تلامذته وكبارهم: ١- الفقيه الإمام الشيخ عبد الرحمن بن عمر بن أحمد العمودي، (ت ٩٦٧ هـ) ، من أهل قيدون بحضرموت «١» . قال في حقه العلامة عبد القادر الفاكهي- تلميذه-: (أخذ عنه أخذ رواية، أخذ شيخ عن شيخ، كما قيل في أخذ أحمد عن الشافعي) اهـ ٢- العلامة المتفنن الشيخ عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي، المكي، الشافعي (٩٢٠- ٩٨٢ هـ) ، له مؤلفات كثيرة، أخذ عن ابن حجر ﵀ ولازمه طويلا، وصنف رسالة سماها: «فضائل ابن حجر الهيتمي» «٢» . ٣- العلامة الشيخ عبد الرؤوف بن يحيى بن عبد الرؤوف الزمزمي الواعظ (٩٣٠- ٩٨٤ هـ) ، من أكبر تلامذة ابن حجر، أخذ عنه فأكثر، درس على يديه عدة فنون، وهو الذي جمع فتاوى شيخه الكبرى، وشرح «مختصر الإيضاح» له، وغير ذلك، ويخطىء بعض الناس فيظنه محمد عبد الرؤوف المناوي!! «٣» ٤- محدث الهند الإمام العلامة محمد طاهر الفتّني، الهندي، الحنفي «٤» ، (٩١٣- ٩٨٦ هـ) ، له «مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار» مطبوع، أخذ عن ابن حجر الهيتمي، وأبي الحسن البكري.

стр. 12

٥- السيد الشريف الإمام العلامة الفقيه شيخ بن عبد الله بن شيخ العيدروس، (الأوسط) مصنف «العقد النبوي» ، (٩١٩- ٩٩٠ هـ) ، أخذ عن أبيه وشيوخ تريم، وجاور بمكة ثلاث سنين، من (٩٤١) إلى (٩٤٤ هـ) ملازما لطلب العلم والعبادة، فأخذ عن الشيخ ابن حجر وعبد الله باقشير وآل الفاكهي وغيرهم، وله من ابن حجر إجازة فاخرة «١» . ٦- الإمام شهاب الدين أحمد بن قاسم العبّادي، المصري، الشافعي، الأصولي، المتكلم، (ت ٩٩٤ هـ) ، له حواش على تحفة شيخه ابن حجر، اعترض فيها على مواضع منها، وله حاشية على «الورقات» تسمى: «الآيات البينات» ، وغير ذلك «٢» . ٧- السيد الشريف العلامة القاضي عبد الرحمن ابن الشيخ شهاب الدين الأكبر العلوي، الحسيني، التريمي (٩٤٥- ١٠١٤ هـ) ، أخذ عن شيوخ عصره، وجاور بمكة مدة، وأخذ بها عن الشيخ ابن حجر الهيتمي «٣» . مؤلفاته: عدها بعض الباحثين فبلغت (١١٧) مؤلفا في شتى فنون العلم؛ من حديث، وفقه، وسيرة، وتراجم، ونحو، وأدب، وأخلاق، وعقيدة، وغير ذلك. إلا أن أبرز الفنون التي اشتهر بها- ﵀ هو علم الفقه، وله في ذلك اليد الطولى، وما «تحفته» التي عليها المدار والاعتماد في الإفتاء عند الشافعية.. إلا أصدق دليل على ذلك. ومن مؤلفاته ﵀: ١- «الفتح المبين بشرح الأربعين» ، يعني: «الأربعين النووية» ، طبع

стр. 13

بمصر سنة (١٣٠٧ هـ) ، وعليه حاشية للشيخ حسن المدابغي المصري، وهو شرح مفيد ونافع. ٢- «الفتاوى الحديثية» ، طبع عدة مرات، وفيها فوائد عزيزة المنال، وليست خاصة بعلم الحديث، بل اشتملت على عدة فنون. ٣- «فتح الإله بشرح المشكاه» مخطوط، صنفه سنة (٩٥٤ هـ) بعد إلحاح وطلب من بعض علماء الهند، وهو شرح على «مشكاة المصابيح» في الحديث. ٤- «الفتاوى الفقهية الكبرى» ، جمعها بعض كبار تلامذته- وهو عبد الرؤوف الواعظ الزمزمي- طبعت بمصر قديما، وهي في (٤) مجلدات، وبهامشه فتاوى الشهاب الرملي. ٥- «تحفة المحتاج بشرح المنهاج» ، صنفه ابن حجر ﵀ في ستة أشهر فقط، وهو كتاب مهم ومحقق في فقه السادة الشافعية، وعليه مدار الفتوى في حضرموت خصوصا وبعض بلدان المسلمين، وقد وضعت عليها الحواشي العديدة، واعتنى بها علماء الشافعية من شتى البلدان، واختصرها البعض، وحشّى عليها البعض «١» .

стр. 14

٦- «المنهج القويم بشرح مسائل التعليم» ، وهو شرح ل «المقدمة الحضرمية» ، صنفه ابن حجر ﵀ سنة (٩٤٤ هـ) بطلب من الفقيه عبد الرحمن العمودي، وقد انتفع به طلاب العلم أيما انتفاع، حتى إن بعض تلامذة ابن حجر يقول فيه «١» : (قلّ أن ترى طالبا ليس عنده منه نسخة) اهـ وقد اهتم أهل العلم والفقهاء بهذا الشرح، فوضعت عليه الحواشي والتعليقات الكثيرة «٢» .

стр. 15

٧- «المنح المكية في شرح الهمزية» شرح فيه همزية الإمام البوصيري رحمه الله تعالى (ت ٦٩٥ هـ) ، وقد عنيت دار المنهاج بطباعته بحلّة جديدة بتحقيق علمي مميز. ٨- «الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود» وهو هذا الكتاب الذي أكرمنا الله تعالى بخدمته. هذا ذكر لبعض مصنفات ابن حجر ﵀، أما بقية كتب ابن حجر الفقهية؛ «كالإيعاب» ، و «الإمداد» ، و «فتح الجواد» ، و «شرح الإيضاح» ، وبقية الكتب الآخرى؛ ك «الصواعق» ، و «الزواجر» ، و «كف الرعاع» ، و «الإعلام بقواطع الإسلام» ، وغيرها.. فالكلام عنها يطول، ومن أراد التوسع ومعرفة هذه الكتب ووصفها وما يتعلق بها.. فعليه بالبحث الموسع عن ابن حجر المذكور ضمن مصادر الترجمة. ونكتفي أن نشير هنا إلى كتابه الفريد الجامع المسمّى «أسنى المطالب في صلة الأقارب» ، وهو كتاب كبير، حوى نفائس الفوائد، وهام في بابه، وقد طبع مؤخرا «١» .

стр. 16

وفاته: ولمّا كبرت سنه ﵀.. ابتدأ به مرض ألجأه إلى ترك التدريس لمدة نيف وعشرين يوما، وكتب وصيته في الحادي والعشرين من رجب (٩٧٤ هـ) ، وفي ضحوة الإثنين (٢٣) من الشهر المذكور لبى نداء ربه راضيا مرضيا. وصلي عليه تحت باب الكعبة الشريفة، ودفن في المعلاة بقرب من موضع صلب ابن الزبير ﵄، في التربة المعروفة بتربة الطبريين. ورثاه الشعراء، وبكى عليه الناس زمنا، وكان لموته رنة حزن وأسف عمت بلاد الحرمين واليمن ونواحيها. ﵀ رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار. وهذه أبيات أوردها العلامة العيدروس في «النور السافر» لصاحبه الفقيه أحمد باجابر، يمدح بها ابن حجر قال فيها [من الكامل] : قد قيل من حجر أصمّ تفجرت ... للخلق بالنص الجلي أنهار وتفجرت يا معشر العلماء من ... حجر العلوم فبحرها زخار أكرم به قطبا محيطا بالعلا ... ورحاؤه حقا عليه تدار «١»

стр. 17

وصف النسخ الخطّيّة اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب المبارك على ثلاث نسخ خطّيّة: الأولى: نسخة مكتبة باريس الوطنية (فايدا) ، ذات الرقم (١١٥٣/ ١) ، وهي نسخة كاملة ضمن مجموع. عدد أوراقها (٨٩) ورقة، متوسط عدد أسطرها (٢١) سطرا، متوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٢) كلمة، خطها نسخي معتاد، يعود تاريخ نسخها إلى القرن العاشر. ورمزنا لها ب (أ) . الثانية: نسخة المكتبة الرفاعية المحفوظة في المكتبة الوقفية الإسلامية بحلب، والتي آلت إلى مكتبة الأسد الوطنية بدمشق برقم (١٧٥٢٠) ، وهي نسخة كاملة. عدد أوراقها (٥٥) ورقة، متوسط عدد أسطرها (٣٥) سطرا، متوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٢) كلمة، خطها نسخي مستعجل، وعليها تملكات، وناسخها السيد محمد إدريس الأنبابي المصعدي رحمه الله تعالى. في آخرها إجازة بخط المؤلف رحمه الله تعالى لمالكها العلامة محمود بن محمد بن حسن البابي الحلبي المعروف بابن البيلوني. ورمزنا لها ب (ب) . الثالثة: نسخة مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، ذات الرقم (١٨٨) ، وهي نسخة كاملة. عدد أوراقها (١١٧) ورقة، متوسط عدد أسطرها (١٩) سطرا، متوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٠) كلمات، خطها نسخي معتاد، وعليها تملكات. ورمزنا لها ب (ج) .

стр. 18

منهج العمل في الكتاب - عارضنا الكتاب على ثلاث نسخ خطّيّة. - ضبطنا النصّ ضبطا نسأل الله تعالى فيه السداد والتوفيق، وأن يكون على النحو الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى. - رصّعنا الكتاب بعلامات الترقيم المناسبة وفق المنهج المعتمد في الدار. - خرّجنا أحاديث الكتاب وآثاره بحسب الوسع. - أحلنا النصوص إلى مظانها التي ذكرها المصنف ما أمكننا. - أضفنا ما كان مناسبا من العبارة لتقويم المعنى، وجعلناه بين معقوفين [] . - شرحنا بعض الكلمات الغامضة. - صنعنا فهارس للكتاب على النحو التالي: فهرس الأحاديث والآثار. فهرس تفصيلي للموضوعات.

стр. 19

خاتمة الحمد لله الذي بحمده والصلاة على نبيه تبتدأ الأمور وتختتم، الذي أسبغ علينا جلائل النعم، والصلاة والسلام على صاحب الفضل الأعم، والنور الأتم، المبعوث رحمة لسائر الأمم، وعلى آله ذوي الفضائل والشيم، وأصحابه أولي المحاسن والكرم. وأخيرا: هذا كتاب «الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود» نقدمه بهذا التحقيق العلمي الدقيق، والشكل الفني الأنيق لكل طالب علم وكل محب لرسول الله ﷺ ، راجين من الله القبول. وكتابنا هذا قد جمع من الفوائد نفائسها، ومن المسائل شواردها، ومن المواعظ مؤثّرها، ومن الأقوال أزكاها، ومن الأحوال أصفاها؛ فجاء درّة برّاقة في سلك درر مؤلفات العلامة ابن حجر رحمه الله تعالى. وقد عشنا مع هذا الكتاب في رحلة التحقيق والتدقيق، والبحث والتعليق حقبة من الزمن نتقلب في رياض الصلاة على النبي ﷺ ، ونتفيأ في ضلال الرحمة والسكينة، ونعبق من روح فوائده العطرة، ونجني من لذيذ ثماره الدانية. وفي الختام: نتوجه إلى المولى سبحانه أن يتقبل منا، وأن يحققنا بالمحبة الصادقة لهذا الحبيب ﷺ ، والحمد لله رب العالمين.

стр. 20

صور المخطوطات المستعان بها

стр. 21

راموز ورقة العنوان للنسخة (أ) راموز الورقة الأولى للنسخة (أ)

стр. 22

راموز الورقة قبل الأخيرة للنسخة (أ) راموز الورقة الأخيرة للنسخة (أ)

стр. 23

راموز ورقة العنوان للنسخة (ب) راموز الورقة الأولى للنسخة (ب)

стр. 24

راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ب) راموز ورقة العنوان للنسخة (ج)

стр. 25

راموز الورقة الأولى للنسخة (ج) راموز الورقة الأخيرة للنسخة (ج)

стр. 26

الدّرّ المنضود في الصّلاة والسّلام على صاحب المقام المحمود للإمام العلّامة الفقيه المحقّق شهاب الدّين أحمد بن محمّد بن عليّ بن حجر الهيتميّ الشّافعيّ رحمه الله تعالى (٩٠٩- ٩٧٤ هـ)

стр. 27

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [خطبة الكتاب] الحمد لله الذي اختصّ نبيّنا محمدا ﷺ بما امتاز به على سائر الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقرّبين، وأوجب على الكافّة توقيره وتعظيمه والقيام بحقوقه سرّا وعلنا؛ ليكونوا من المهتدين. وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أنتظم بها في سلك الأئمة الوارثين. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الّذي شرّفه الله تعالى بصلاته وسلامه عليه في الملأ الأعلى من ملائكته، وبأمره بذلك لعباده المؤمنين. صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، صلاة وسلاما دائمين بدوام ربّ العالمين. أمّا بعد: فإن خدمة الجناب المحمّديّ من آكد الواجبات، وأهمّ المطلوبات، وأشرف الوسائل، وأفضل الشمائل؛ فلذلك أردت أن أنتظم في سلك من فاز بهذا الفخر الأعظم، وسلك سنن هذا الصراط الأقوم، بجمع كتاب في فضائل الصلاة والسلام عليه؛ ليكون وسيلة لي أقدّمها بين يديه، رجاء أن يقابلها بباهر جوده، وأن يثيب عليها بالتأهيل لاستجلاء ماثره وشهوده، وأن يلحظها منه بعين القبول، وأن يبلّغني بسببها أعظم المأمول، حتى تصير كفاية لي في المهمّات، وعدّة أتحصّن بها من جميع المحن والنائبات، وقربة أكتسب بها مواهبه السنية، وسوابغ نعمه العليّة. فقصدت إلى ذلك على غاية من الإيجاز، حتى إنها بالنسبة إلى غيرها تكاد

стр. 28

أن تعدّ من الألغاز، لمّا أنّ همم أبناء الزمان آلت إلى الدّعة والرفاهية، ومالت عن المعالي الباقية، إلى الأعراض الفانية، فلا ترى منهم من أحاط ببعض كتب هذا المقصد الأسنى إلا الشاذّ النادر، الذي خلّصه الله تعالى من الحظوظ والعنا؛ لاشتمالها على بعض البسط وزيادة التأصيل والتفريع، ككتاب الحافظ «١» المسمى ب «القول البديع» ، هذا مع أنه أحسنها جمعا، وأحكمها وضعا، وأحقّها بالتقديم، وأولاها بالإحاطة، بما فيه من التحقيق والتقسيم. فمن ثمّ أدرجات مقاصده في كتابي هذا، مع زيادات عليه، إليها يفتقر العاملون، وعليها يعوّل المحققون، وتحقيق لما أهمله، وتقييد لما أرسله، وإيضاح لما أغفله، بتحرير بديع، وأسلوب منيع «٢» ، سائلا من ذي الجلال والإكرام بجاه من جعلت هذا خدمة لجنابه الرفيع: أن يتقبله مني بفضله، ويجعله متكفّلا لي بجميع ما أؤمّله من جوده الوسيع؛ إنه بكل خير كفيل، وهو حسبي ونعم الوكيل. وسميته: «الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود» وقد رتّبته على مقدّمة، وفصول، وخاتمة.

стр. 29

مقدّمة في الكلام على قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً في هذه الآية فوائد: [فوائد هذه الآية:] [الفائدة] الأولى: أنها مدنية، ووجه مناسبتها لما قبلها: أنها كالتعليل له، لاشتماله على أمر أصحابه خصوصا «١» ، وأمّته عموما بتعظيم حرمته، ولزوم الأدب معه ظاهرا وباطنا، وبالانقياد له، وبالنهي عن فعل ما يخلّ بتعظيمه واحترامه إلى قيام الساعة. فكأنّ قائلا يقول: ما سبب هذا التشريف العظيم الذي لم يعهد له نظير؟ فقيل له: سبب ذلك ما تفضّل الله تعالى به عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً إعلاما منه تعالى لعباده؛ حتى يتمّ انقيادهم لما أمروا به ونهوا عنه؛ بذكره لهذه المنزلة الرفيعة لنبيّه محمد ﷺ عنده، من أنه يصلّي عليه هو وملائكته، ثم أمرنا معشر المؤمنين بالصلاة عليه والتسليم، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلويّ والسفليّ. وفي «الكشاف» : (روي: أنها لمّا نزلت.. قال أبو بكر: ما خصّك الله تعالى يا رسول الله بشرف.. إلا وقد أشركنا فيه، فنزل: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ) «٢» ، قال الحافظ السخاوي: (لم أقف على أصله إلى الآن) «٣» .

стр. 30

قلت: يوافقه ما أخرجه أبو نعيم في «الحلية» في ترجمة سفيان بن عيينة: (أنه سئل عن: «اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ... » إلخ، فقال: أكرم الله تعالى أمّة محمد ﷺ فصلّى عليهم، كما صلّى على الأنبياء، فقال: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ، وقال لنبيه ﷺ : إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ، والسكن: من السكينة، فصلى عليهم كما صلى على إبراهيم [وعلى إسماعيل] وإسحاق ويعقوب والأسباط، وهؤلاء الأنبياء المخصوصون منهم، وعمّ الله تعالى هذه الأمة بالصلاة، وأدخلهم فيما أدخل فيه نبيّهم ﷺ ، ولم يدخل في شيء.. إلا دخلت فيه أمّته، ثم تلا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، وقال: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً، وذكر قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) «١» . وحكمة تغاير أسلوبي الآيتين؛ أعني: هذه وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ.. الإشارة إلى مزيد الخصوصية له ﷺ على سائر أمته؛ فإن إسناد الفعل إلى اثنين ليس كإسناده إلى واحد، ثم عطف آخر عليه، لإشعاره في الأول بأنه مسند إليهما أصالة، والثاني بأنه أصالة للأوّل وتبعا للثاني؛ فصلاة الملائكة على المؤمنين تابعة لصلاة الله تعالى عليهم، لا توجد بدونها؛ ضرورة التبعية، وصلاتهم عليه ﷺ بطريق الأصالة، فتوجد مطلقا؛ فالآيتان وإن استوتا في صلاة الله تعالى.. فهما متفاوتتان في صلاة الملائكة، وكفى بهذا تمييزا وإشادة بعليّ مرتبته، وإشارة لباهر رفعته ﷺ وشرّف وكرّم، على أنه يأتي أن معنى الصلاة في الآيتين مختلف؛ فحينئذ لا جامع بين الصلاتين إلّا الاسم فقط.

стр. 31

[الفائدة] الثانية: أصل الصلاة لغة يرجع إلى الدعاء، ومنه قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ، وقوله ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى طعام: فإن كان صائما.. فليصلّ» «١» ؛ أي: فليدع، كما قاله الأكثرون، وهو: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فالعابد داع كالسائل، وبهما فسّر ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أي: أطيعوني.. أثبكم، أو سلوني.. أعطكم، وبهذا- إن سلّم- اتضح أن اسم الصلاة الشرعية ليس حقيقة شرعية ولا مجازا شرعيّا، بل هو باق على موضوعه اللغويّ، وهو الدعاء بقسميه المذكورين؛ لأن المصلي من تحرّمه إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، فهو في صلاة لغوية حقيقة، فلا نقل ولا تجوّز، وإنما غاية ما فيه أن الشّارع خصّ لفظها ببعض موضوعه، وهو ذات الأركان، فهو كالدابة لذات الأربع، وهو لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصليّ. وبيّن الإمام المجد صاحب «القاموس» أن مادة (ص ل و) و (ص ل ي) موضوعة لأصل واحد هو الضم والجمع، وجميع تفاريعها وتقاليبها كيفما تصرّفت وتقلّبت.. راجعة لذلك، وذكر أمثلة ذلك مبسوطة موضّحة، منها: (الصّلا) أي: وسط الظّهر، أو ما انحدر من الوركين، والانضمام فيهما واضح. و (صلاه بالنار) : شواه؛ لأنه ينضم وتجتمع أجزاؤه. و (الصّلاية) لمدقّ الطّيب. و (المصلّي من أفراس الحلبة) : يجمع مع السابق. و (الصّلوات) «٢» : كنائس اليهود لاجتماعهم فيها.

стр. 32

و (المصولة) «١» : المكنسة تجمع الكناسة. و (الصّيلة) بالكسر: عقدة في العذبة. و (التّصويل) : كنس نواحي البيدر؛ أي: جمع ما تفرق منها. و (اللّوص) : اللّمح من خلل باب، أو الانحراف عن الطريق، كأنه طلب الاختفاء والانجماع. و (الولص) : الانضمام لريبة. و (الوصول للشيء) : الاجتماع به. فظهر وجه تسمية ذات الأركان صلاة؛ لما فيها من اجتماع الظاهر والباطن، أو لاشتمالها على جميع المقاصد والخيرات «٢» . وبهذا الذي حقّقه اندفع قول جمع: إن الصلاة مأخوذة من المصلّي، وهو الفرس السابق؛ لأنه يتبع غيره، والمصلّي يتبع الإمام. ووجه ردّه: أن تبع الإمام ليس أمرا لازما ولا مطّردا فيها، بخلاف الدعاء أو ما يقوم مقامه. وقول الزمخشري «٣» : إنها من الصلوين- بالسكون-: عرقان، وقيل: عظامان ينحنيان في الركوع والسجود، متفرقان من الصّلا، وهو عرق مستبطن في الظهر، منه يتفرق الصلوان عند عجب الذّنب، وذلك أن المصلي يحرك صلويه، ومنه المصلّي في حلبة السّباق لمجيئه ثانيا عند صلوي السابق. ووجه ردّه: ما مرّ من قصور هذا المعنى، بل بالغ الرازي في ردّ هذا: (بأنه يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة؛ لأن لفظ الصلاة من أشد الأشياء شهرة وأكثرها دورانا على ألسنة المسلمين، وهذا الاشتقاق من أبعد

стр. 33

الأشياء شهرة فيما بين أهل النقل، فلو جوّزنا أن مسمّى الصلاة في الأصل ما ذكر، ثم إنه خفي واندرس حتى صار بحيث لا يعرفه إلا الآحاد.. لجاز مثله في سائر الألفاظ، وبتجويزه ينتفي القطع بأن مراد الله تعالى منها معانيها التي يتبادر الفهم إليها؛ لاحتمال أنها كانت في زمانه ﷺ موضوعة لمعان أخر، وكان مراد الله تعالى تلك المعاني، إلا أنها خفيت في زماننا واندرست، كما وقع مثله في هذه اللفظة، ولمّا كان ذلك باطلا بإجماع المسلمين.. علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل) اهـ «١» والحقّ أن هذا لا يلزم الزّمخشريّ؛ لأن المشتق قد يشتهر اشتهارا تامّا ويخفى المشتقّ منه، إذ لا تلازم بينهما في الاشتهار؛ لأن الاشتقاق أمر اعتباريّ لا يعرفه إلا أهل الصناعة، وأمّا تبادر الفهم إلى معنى اللفظ.. فهو أمر بديهيّ يعرفه الخاص والعام بالسّليقة من غير تكلف؛ وحينئذ لا يلزم على كلام الزّمخشري شيء مما ألزمه، وإنما غاية ما فيه: أن شأن المعنى الحامل على الاشتقاق أو المقتضي له الاطّراد، والدعاء هو الأمر الظاهر المطّرد؛ فكان اعتباره في الاشتقاق أولى وأظهر. وللصلاة معان أخر استعملت فيها، لكنها ترجع إلى ما مرّ كالاستغفار، ومنه: «إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلّي عليهم» «٢» أي: أستغفر لهم، كما في رواية أخرى. والبركة، ومنه: «اللهم؛ صلّ على آل أبي أوفى» «٣» . والقراءة، ومنه: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ، والرحمة، والمغفرة. والحاصل: أن معناها يختلف بحسب حال المصلي، والمصلّى له، والمصلّى عليه، كما يأتي قريبا.

стр. 34

[الفائدة] الثالثة: اختلفوا في معنى الصلاة من الله تعالى ومن ملائكته على نبيّه ﷺ على أقوال: - فقيل: هي منه تعالى ثناؤه عليه عند ملائكته وتعظيمه، ورواه البخاري عن أبي العالية، وغيره عن الرّبيع بن أنس، وجرى عليه الحليميّ فقال في «شعب الإيمان» ما حاصله: (هي في اللسان التعظيم، وسمّيت بها ذات الأركان لما فيها من حني الصّلا، وهو وسط الظهر؛ لأن انحناء الصغير به للكبير تعظيم منه له عادة، ثم سمّوا قراءتها صلاة أيضا؛ لأن جميع ما اشتملت هي عليه من نحو قيام وقعود إنما أريد به تعظيم الربّ، ثم توسّعوا فسمّوا كل دعاء صلاة؛ لأن فيه تعظيم المدعوّ بالرغبة إليه، والمدعوّ له بابتغاء ما ينبغي له. ومعنى «الصلوات لله» أي: الأذكار المراد بها تعظيمه، والاعتراف له بجلالة القدر وعلوّ المرتبة.. مستحقة له، لا تليق بأحد سواه. فمعنى «اللهم صلّ على محمد» : اللهم عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كافة المقربين الشهود) اهـ «١» وتفسير (صلّ عليه) بالتعظيم لا ينافي عطف آله وأصحابه عليه في ذلك؛ لأن تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به. - وقيل: رحمته، ونقله التّرمذي عن الثّوري وغير واحد من أهل العلم، ونقل عن أبي العالية أيضا، وعن الضحاك، وجرى عليه المبرّد وابن الأعرابي، والإمام الماوردي وقال: (إن ذلك أظهر الوجوه) ، والفخر الرازي والآمدي، والزمخشري حيث قال: (لما كان من شأن المصلي أن

стр. 35

ينعطف في ركوعه وسجوده.. استعير لمن ينعطف على غيره حنوّا عليه وترؤّفا، كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حنوّها على ولدها، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤّف، ومنه قولهم: «صلى الله عليك» أي: ترحّم وترأّف) اهـ «١» ، والراغب حيث قال: (هي التزكية) «٢» . وأخرج الطبراني في «الأوسط» و «الصغير» حديثا يومىء إليه، وهو: «قلت: يا جبريل؛ أيصلي ربّك جلّ ذكره؟ قال: نعم، قلت: ما صلاته؟ قال: سبّوح قدّوس، سبقت رحمتي غضبي» «٣» ، وهذا السياق صريح في أن (سبّوح قدّوس) من كلامه تعالى؛ تنزيها لنفسه بنفسه، ولا بعد فيه، وكأنه أعجم على من زعم أنه من كلامه ﷺ قدّمه تنزيها بين يدي إخباره بصلاته تعالى على عبيده؛ حذرا من أن يتوهّم منه ما لا يليق به تعالى. واعترض هذا القول «٤» بأنه تعالى غاير بينهما بقوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ. وبأن الصحابة ﵃ لولا فهموا المغايرة بينهما.. ما سألوا عن كيفية الصلاة، مع كونهم علّموا الدعاء بالرحمة في التشهد: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ، وأقرهم ﷺ ، وإلا.. لقال لهم: قد علمتم ذلك؟! وبأن (رحم) متعدّ، و (صلى) قاصر، ولا يحسن تفسير القاصر بالمتعدي. وبأنه يستلزم جواز: (رحم عليه) .

стр. 36

ويجاب بأنه لا مانع من أن الصلاة رحمة خاصة، فلما فيها من ذلك الخصوص غوير بينهما بالعطف. ثم رأيت الزمخشري صرح بما يؤول لذلك، حيث قال في تفسير الآية: (الصلاة: الحنو والتعطّف، فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها وبين الرحمة كقوله: رَأْفَةً وَرَحْمَةً لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة أيّ رحمة) «١» . وبأنه إنما احتيج إلى السؤال عن كيفيتها ليحيطوا بذلك الخصوص، وليس المراد بتفسير (صلّى) ب (رحم) إلا بيان أن المعنى الموضوع له (صلّى) هو الموضوع له (رحم) ، مع قطع النظر عن معنى التعدّي واللزوم؛ فإن الرّديفين قد يختلفان في ذلك، وهو غير ضار، فزعم أن ذلك لا يحسن، وأنه يلزم جواز (رحم عليه) .. ليس في محله، على أنه يحسّن تعدية (صلّى) ب (على) دون (رحم) ما في الأول من ظهور معنى التحنّن والتّعطّف؛ بدليل ما مرّ عن الزمخشري. ولا يرد على هذا القول عطف الملائكة في: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ إما لما يأتي في معناها من الملائكة، أو لأن الملائكة لمّا كانوا مستجابي الدعوة.. جعلوا كأنهم فاعلون للرحمة والرأفة، قاله الزمخشري «٢» ، وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز. فالأولى أنها موضوعة هنا للقدر المشترك، وهو الاعتناء بالمصلّى عليه، كما يأتي عن الغزالي وغيره «٣» ، أو إرادة وصول الخير؛ فالله تعالى يريد وصوله إليهم برحمته إياهم، وملائكته يريدون ذلك بالاستغفار لهم. ولا يرد عليه أيضا إجماعهم على جواز الترحم على غير الأنبياء،

стр. 37

واختلافهم في جواز الصلاة؛ لما قرّرته من أن الصلاة أخص، ففيها معنى زائد على مطلق الرحمة، فجازت مطلقا اتفاقا، وامتنعت الصلاة على غير الأنبياء- على قول- رعاية لذلك المعنى الأخص، ومن ثم وجبت بعد التشهد مع اشتماله على الدعاء بالرحمة. وبهذا إن تأملته يظهر لك أنه لا خلاف في الحقيقة، وأن مال هذا القول والذي قبله إلى شيء واحد، والتخالف بينهما إنما هو في اللفظ فقط؛ إذ لا يسع أحدا أن يقول: إن صلاة الله تعالى على نبيه أو رحمته له ﷺ بمعنى صلاته على بقية المؤمنين أو رحمته لهم؛ لأن القدر اللائق به ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، فالرحمة وإن شملت الأمرين، لكنها بالنسبة للأنبياء أجل وأرفع، وهذا الأجلّ الأرفع فيه من الخصوص ما ليس في مطلق الرحمة، فخصّ باسم الصلاة، وخصّ اسمها باستعماله في الأنبياء؛ تمييزا له ولهم، وتنويها بشرفه ﷺ وشرفهم، فافهم ذلك وأعرض عن غيره. ثم رأيت عياضا ذكر ما يصرح بما ذكرته، حيث قال نقلا عن أبي بكر القشيري: (الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي ﷺ رحمة، وبهذا التقرير: يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين في أن الله وملائكته يصلّون على النبي، مع قوله قبله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق به ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها) اهـ ملخصا - وقيل: هي الاستغفار، ونقله ابن أبي حاتم عن ابن جبير ومقاتل، وروي عن الضحاك، ورجحه القرافي، وجرى عليه البيضاوي وغيره.

стр. 38

ولك أن تقول: هذا لا ينافي القولين الأولين «١» ؛ لأن المغفرة فيه بمعنى الرحمة المخصوصة المراد بها تعظيمه، والثناء عليه وتشريفه، والتنويه بعليّ قدره وشرفه بين ملائكته، مع مزيد الإفضال عليه من سوابغ إنعامه بما يليق بعظيم كماله. فاتضح أنه لا مخالفة في الحقيقة بين هذه الأقوال الثلاثة، وأن مالها ومرجعها إلى ما ذكرته، فتدبره «٢» . ثم رأيت في كلام ابن عطية ما يومىء إليه؛ فإنه قال: (صلوات الله على عبيده.. رحمته وبركته وتشريفه إياهم في الدنيا والآخرة، ونشره الثناء الجميل عليهم؛ أي: فهي تشمل ذلك كله، لكن الذي لنبينا ﷺ منه هو أكمله وأعلاه وأشرفه وأتمه) . ومن ثمّ قال بعضهم: (صلاة الله تعالى على خلقه خاصة وعامة، فهي على أنبيائه الثناء والتعظيم، وعلى غيرهم الرحمة، فهي التي وسعت كل شيء) اهـ ويؤيد ذلك قول الغزالي وغيره: (إن لفظ الصلاة موضوع للقدر المشترك، وهو الاعتناء بالمصلّى عليه) «٣» . وأما صلاة الملائكة عليه ﷺ : فقيل: هي الدعاء، ورواه البخاري عن أبي العالية، وغيره عن الربيع بن أنس والضحاك، وجرى عليه ابن الأعرابي وابن عطية وغيرهما. - وقال ابن عباس ﵄: الدعاء بالبركة، علّقه عنه البخاري «٤» .

стр. 39

- وقال المبرّد: رقة تبعث على استدعاء الرحمة، وهو معنى قول غيره: رقة ودعاء. - وقال الراغب: (الاستغفار) «١» ، وجرى عليه الماوردي. ولا خلاف في الحقيقة بين هذه الأقوال أيضا، كما هو ظاهر؛ لأنها منهم بمعنى الدعاء الشامل للدعاء بالبركة وبالمغفرة؛ أي: اللائقة بمقامه ﷺ ، وبغيرهما من سائر المراتب اللائقة به ﷺ ، والباعث عليها منهم ما ركّبه الله فيهم من الرقة والمعرفة بحقوقه ﷺ ، ومن خصّص الدعاء بالبركة أو المغفرة لم يرد أنهم لا يدعون له بغير ذلك؛ إذ لا دليل له على هذا الحصر، وإنما أراد النصّ على أظهر مقاصد الدعاء عنده، فاجتمعت الأقوال، واتضح المراد منها، وهو أنهم يطلبون له ﷺ من ربّه مزيد الثناء عليه وتعظيمه، والإفضال عليه من بركته ومغفرته، وغيرهما من سائر المراتب العليّة، مما يليق بباهر كماله وعليّ حاله، ﷺ وشرّف وكرّم. وأما صلاة مؤمني الإنس والجنّ عليه .. فهي بمعنى الدعاء؛ أي: طلب ما ذكر له ﷺ من الله ﵎. فائدة: عامة القرّاء على نصب (الملائكة) عطفا على اسم (إنّ) ، ثم قيل: (يصلّون) خبر عنهما، وقيل: عن الثاني، وخبر الجلالة محذوف لدلالة (يصلون) عليه، قيل: ويرجّحه تغاير الصّلاتين، وظاهر كلام أبي حيان ترجيح الأول، وعليه فتردّ حجة الثاني بأنه لا نظر للتغاير مع استعمال لفظ الصلاة للقدر المشترك كما مرّ بيانه، ثم رأيت بعضهم اعتمد ذلك أيضا، بل صوّبه فقال عقب حكايته أن (يصلّون) ليس خبرا عنهما للتغاير السابق:

стр. 40

(والصواب عندي: أن الصلاة لغة بمعنى واحد وهو العطف، ثم هو بالنسبة إليه تعالى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض) اهـ وقرىء بالرفع «١» ، وعليه فيحتمل أنه عطف على محل اسم (إن) «٢» ، و (يصلون) خبر عنهما، وأن يكون (يصلون) خبر الملائكة، وخبر الجلالة محذوف، وهو مذهب البصرييّن لما مرّ «٣» ، ولئلا يتوارد عاملان على معمول واحد، ولئلا يلزم الاشتراك والأصل عدمه، ولأنا لا نعرف في العربية فعلا واحدا يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الإسناد حقيقة. وبما قدّمناه من وضعها للقدر المشترك يردّ الأخيران؛ إذ لا اشتراك حينئذ، ولا اختلاف باختلاف المسند إليه. ثم القول بأن الضمير لله وملائكته.. لا ينافيه قوله ﷺ لمن قال: من يطع الله ورسوله.. فقد رشد، ومن يعصهما.. فقد غوى: «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله» «٤» وذلك لأن حكمة التشريك هنا: أن هذا قول من الله شرّف به ملائكته، فلا يتوهم منه نقص البتّة، ومن ثمّ جمع ﷺ نفسه مع ربّه في قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما» «٥» ، وأما الخطيب.. فمنصبه قابل للزّلل، فنطقه بهذه العبارة ربّما يتوهم منه- لنقصه- أنه إنما جمع بينهما في الضمير لتساويهما عنده.
следующие страницы →