ويجاب بأنه لا مانع من أن الصلاة رحمة خاصة، فلما فيها من ذلك الخصوص غوير بينهما بالعطف.
ثم رأيت الزمخشري صرح بما يؤول لذلك، حيث قال في تفسير الآية:
(الصلاة: الحنو والتعطّف، فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها وبين الرحمة كقوله: رَأْفَةً وَرَحْمَةً لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة أيّ رحمة) «١» .
وبأنه إنما احتيج إلى السؤال عن كيفيتها ليحيطوا بذلك الخصوص، وليس المراد بتفسير (صلّى) ب (رحم) إلا بيان أن المعنى الموضوع له (صلّى) هو الموضوع له (رحم) ، مع قطع النظر عن معنى التعدّي واللزوم؛ فإن الرّديفين قد يختلفان في ذلك، وهو غير ضار، فزعم أن ذلك لا يحسن، وأنه يلزم جواز (رحم عليه) .. ليس في محله، على أنه يحسّن تعدية (صلّى) ب (على) دون (رحم) ما في الأول من ظهور معنى التحنّن والتّعطّف؛ بدليل ما مرّ عن الزمخشري.
ولا يرد على هذا القول عطف الملائكة في: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ إما لما يأتي في معناها من الملائكة، أو لأن الملائكة لمّا كانوا مستجابي الدعوة.. جعلوا كأنهم فاعلون للرحمة والرأفة، قاله الزمخشري «٢» ، وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز.
فالأولى أنها موضوعة هنا للقدر المشترك، وهو الاعتناء بالمصلّى عليه، كما يأتي عن الغزالي وغيره «٣» ، أو إرادة وصول الخير؛ فالله تعالى يريد وصوله إليهم برحمته إياهم، وملائكته يريدون ذلك بالاستغفار لهم.
ولا يرد عليه أيضا إجماعهم على جواز الترحم على غير الأنبياء،
стр. 37
واختلافهم في جواز الصلاة؛ لما قرّرته من أن الصلاة أخص، ففيها معنى زائد على مطلق الرحمة، فجازت مطلقا اتفاقا، وامتنعت الصلاة على غير الأنبياء- على قول- رعاية لذلك المعنى الأخص، ومن ثم وجبت بعد التشهد مع اشتماله على الدعاء بالرحمة.
وبهذا إن تأملته يظهر لك أنه لا خلاف في الحقيقة، وأن مال هذا القول والذي قبله إلى شيء واحد، والتخالف بينهما إنما هو في اللفظ فقط؛ إذ لا يسع أحدا أن يقول: إن صلاة الله تعالى على نبيه أو رحمته له ﷺ بمعنى صلاته على بقية المؤمنين أو رحمته لهم؛ لأن القدر اللائق به ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، فالرحمة وإن شملت الأمرين، لكنها بالنسبة للأنبياء أجل وأرفع، وهذا الأجلّ الأرفع فيه من الخصوص ما ليس في مطلق الرحمة، فخصّ باسم الصلاة، وخصّ اسمها باستعماله في الأنبياء؛ تمييزا له ولهم، وتنويها بشرفه ﷺ وشرفهم، فافهم ذلك وأعرض عن غيره.
ثم رأيت عياضا ذكر ما يصرح بما ذكرته، حيث قال نقلا عن أبي بكر القشيري: (الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي ﷺ رحمة، وبهذا التقرير: يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين في أن الله وملائكته يصلّون على النبي، مع قوله قبله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق به ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها) اهـ ملخصا
- وقيل: هي الاستغفار، ونقله ابن أبي حاتم عن ابن جبير ومقاتل، وروي عن الضحاك، ورجحه القرافي، وجرى عليه البيضاوي وغيره.
стр. 38
ولك أن تقول: هذا لا ينافي القولين الأولين «١» ؛ لأن المغفرة فيه بمعنى الرحمة المخصوصة المراد بها تعظيمه، والثناء عليه وتشريفه، والتنويه بعليّ قدره وشرفه بين ملائكته، مع مزيد الإفضال عليه من سوابغ إنعامه بما يليق بعظيم كماله.
فاتضح أنه لا مخالفة في الحقيقة بين هذه الأقوال الثلاثة، وأن مالها ومرجعها إلى ما ذكرته، فتدبره «٢» .
ثم رأيت في كلام ابن عطية ما يومىء إليه؛ فإنه قال: (صلوات الله على عبيده.. رحمته وبركته وتشريفه إياهم في الدنيا والآخرة، ونشره الثناء الجميل عليهم؛ أي: فهي تشمل ذلك كله، لكن الذي لنبينا ﷺ منه هو أكمله وأعلاه وأشرفه وأتمه) .
ومن ثمّ قال بعضهم: (صلاة الله تعالى على خلقه خاصة وعامة، فهي على أنبيائه الثناء والتعظيم، وعلى غيرهم الرحمة، فهي التي وسعت كل شيء) اهـ ويؤيد ذلك قول الغزالي وغيره: (إن لفظ الصلاة موضوع للقدر المشترك، وهو الاعتناء بالمصلّى عليه) «٣» .
وأما صلاة الملائكة عليه ﷺ :
فقيل: هي الدعاء، ورواه البخاري عن أبي العالية، وغيره عن الربيع بن أنس والضحاك، وجرى عليه ابن الأعرابي وابن عطية وغيرهما.
- وقال ابن عباس ﵄: الدعاء بالبركة، علّقه عنه البخاري «٤» .
стр. 39
- وقال المبرّد: رقة تبعث على استدعاء الرحمة، وهو معنى قول غيره:
رقة ودعاء.
- وقال الراغب: (الاستغفار) «١» ، وجرى عليه الماوردي.
ولا خلاف في الحقيقة بين هذه الأقوال أيضا، كما هو ظاهر؛ لأنها منهم بمعنى الدعاء الشامل للدعاء بالبركة وبالمغفرة؛ أي: اللائقة بمقامه ﷺ ، وبغيرهما من سائر المراتب اللائقة به ﷺ ، والباعث عليها منهم ما ركّبه الله فيهم من الرقة والمعرفة بحقوقه ﷺ ، ومن خصّص الدعاء بالبركة أو المغفرة لم يرد أنهم لا يدعون له بغير ذلك؛ إذ لا دليل له على هذا الحصر، وإنما أراد النصّ على أظهر مقاصد الدعاء عنده، فاجتمعت الأقوال، واتضح المراد منها، وهو أنهم يطلبون له ﷺ من ربّه مزيد الثناء عليه وتعظيمه، والإفضال عليه من بركته ومغفرته، وغيرهما من سائر المراتب العليّة، مما يليق بباهر كماله وعليّ حاله، ﷺ وشرّف وكرّم.
وأما صلاة مؤمني الإنس والجنّ عليه
.. فهي بمعنى الدعاء؛ أي: طلب ما ذكر له ﷺ من الله ﵎.
فائدة:
عامة القرّاء على نصب (الملائكة) عطفا على اسم (إنّ) ، ثم قيل:
(يصلّون) خبر عنهما، وقيل: عن الثاني، وخبر الجلالة محذوف لدلالة (يصلون) عليه، قيل: ويرجّحه تغاير الصّلاتين، وظاهر كلام أبي حيان ترجيح الأول، وعليه فتردّ حجة الثاني بأنه لا نظر للتغاير مع استعمال لفظ الصلاة للقدر المشترك كما مرّ بيانه، ثم رأيت بعضهم اعتمد ذلك أيضا، بل صوّبه فقال عقب حكايته أن (يصلّون) ليس خبرا عنهما للتغاير السابق:
стр. 40
(والصواب عندي: أن الصلاة لغة بمعنى واحد وهو العطف، ثم هو بالنسبة إليه تعالى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض) اهـ
وقرىء بالرفع «١» ، وعليه فيحتمل أنه عطف على محل اسم (إن) «٢» ، و (يصلون) خبر عنهما، وأن يكون (يصلون) خبر الملائكة، وخبر الجلالة محذوف، وهو مذهب البصرييّن لما مرّ «٣» ، ولئلا يتوارد عاملان على معمول واحد، ولئلا يلزم الاشتراك والأصل عدمه، ولأنا لا نعرف في العربية فعلا واحدا يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الإسناد حقيقة.
وبما قدّمناه من وضعها للقدر المشترك يردّ الأخيران؛ إذ لا اشتراك حينئذ، ولا اختلاف باختلاف المسند إليه.
ثم القول بأن الضمير لله وملائكته.. لا ينافيه قوله ﷺ لمن قال: من يطع الله ورسوله.. فقد رشد، ومن يعصهما.. فقد غوى: «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله» «٤» وذلك لأن حكمة التشريك هنا: أن هذا قول من الله شرّف به ملائكته، فلا يتوهم منه نقص البتّة، ومن ثمّ جمع ﷺ نفسه مع ربّه في قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما» «٥» ، وأما الخطيب.. فمنصبه قابل للزّلل، فنطقه بهذه العبارة ربّما يتوهم منه- لنقصه- أنه إنما جمع بينهما في الضمير لتساويهما عنده.
стр. 41
وقيل: الفرق أن ما مرّ عن الله ورسوله جملة واحدة، فلا يحسن فيها الإتيان بالمظهر، وما وقع في كلام ذلك الخطيب جملتا مدح وذمّ، فحسن الإظهار.
ويردّ بأن هذا تحسين لفظيّ، فتركه لا يوجب أنه ﷺ يقول له: «قم- أو اذهب- بئس الخطيب أنت» فالحق هو الجواب الأول.
وقال جماعة: سبب الزّجر أنه وقف على (يعصهما) ، وسكت سكتة، واستدلّوا بخبر لأبي داود «١» .
[الفائدة] الرابعة:
قال الحليمي ما حاصله: (القصد بالصلاة عليه ﷺ التقرّب بأدائها إلى الله ، وقضاء حقّه؛ فإنه تعالى وإن أوجب له تلك الأمور- أي: السابقة في قولنا عنه آنفا: فمعنى «اللهم صلّ على محمد» اللهم عظّمه في الدنيا ... إلخ- لكن ما هو منها ذو درجات يجوز إذا صلّى عليه أحد فاستجيب له.. أن يزاد به في كل ما ذكر رتبة ودرجة، ويدل على أن قولنا: اللهم صلّ على محمد صلاة منّا عليه.. أنّا لا نملك إيصال ما يعظم به أمره ويعلو به قدره إليه، إنما ذلك بيد الله ﵎، فصحّ أن صلاتنا عليه الدعاء له بذلك، وابتغاؤه له من الله جل ثناؤه، قال: وقد تكون بمعنى السلام عليه؛ أي: كانت أو لتكن الصلاة من الله عليه؛ لأن التمني على الله سؤال له، كما في غفر الله له؛ أي: اللهم اغفر له) اهـ «٢»
ويردّ ما ذكره آخرا بأن الأحاديث الآتية مصرحة بالفرق بين الصلاة والسلام عليه ﷺ .
وتبعه ابن عبد السلام فقال: (ليست صلاتنا عليه شفاعة منا له؛ فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله تعالى أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا،
стр. 42
فإن عجزنا عنها.. كافأناه بالدعاء، فأرشدنا لمّا علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه ﷺ ، لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا، وإفضاله علينا؛ إذ لا إحسان أفضل من إحسانه ﷺ اهـ
وقال جمع: فائدتها للمصلي لدلالتها على نصوح العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة، والاحترام للواسطة الكريمة، فهي محبة له، وتوقير من أعظم شعب الإيمان، لما فيها من أداء شكره الواجب علينا، لعظيم منّته علينا بنجاتنا من الجحيم، وفوزنا بالنعيم المقيم، فالمصلّي داع ومكمّل لنفسه حقيقة؛ لأنا إذا صلّينا عليه ﷺ .. صلى الله علينا، ولأنا إنما نذكره بإذكار الله لنا، فهو الذاكر في الحقيقة، ومن أحبّ شيئا.. أكثر من ذكره.
والحاصل: أن في الصلاة عليه ﷺ فائدة له بطلب زيادة ما مرّ له بزيادة درجاته فيه؛ إذ لا غاية لفضل الله تعالى وإنعامه، وهو ﷺ لا يزال دائم الترقّي في حضرات القرب، وسوابغ الفضل، فلا بدع أن تحصل له بصلاة أمته زيادات في ذلك لا غاية لها ولا انتهاء «١» ، وفائدة للمصلّي بحصول ما مرّ له.
ومن حصر الفائدة في الثاني.. إنما أراد بذلك تنبيه المصلّي، وحثّه على تحصيل الكمال المسبّب له عن صلاته، ولم يرد خلوّها عن فائدة تحصل له ﷺ منها، ومن أراد ذلك- كما أومأ إليه كلام بعضهم-.. فقد شذّ وأبعد واستروح وتقوّل، وكيف! وهو ﷺ يقول في الحديث المشهور: «ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها لا تكون إلا لعبد،
стр. 43
وأرجو أن أكون أنا هو ذلك العبد، فمن سأل لي الوسيلة.. حلّت له شفاعتي يوم القيامة» «١» .
ثم رأيت ما سأذكره قريبا عن الغزالي، وناهيك به نفاسة وتحقيقا، وهو صريح فيما ذكرته، فتأمل آخره.. يظهر لك الصواب في ذلك.
ويؤيّده أيضا قول بعضهم: الصلاة عليه ﷺ من العبد دعاء، ودعاء العبد إما بقضاء الله تعالى لحوائجه، أو بأن يثني على حبيبه، ويزيد في تشريفه وإشهار ذكره ورفعته، ولا شك أن الله تعالى يحب ذلك، وكذا رسوله، فالمصلّي عليه قد صرف سؤاله ورغبته إلى طلب محابّ الله تعالى ورسوله، وآثر ذلك على طلب حوائجه، فقد آثر الله ومحابّه على ما سواه، والجزاء من جنس العمل.
قيل: ولم يتركه ﷺ ربّه تحت منّة أمّته حتى عوّضهم منه بأمره بالصلاة عليهم بقوله جلّ وعلا: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ.
تنبيه:
سئل ابن سيرين عن الدعاء بالمغفرة للميت الصغير- مع أنه لا ذنب له- فأجاب بأنه ﷺ غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وأمرنا بالصلاة عليه، وكأنه يشير إلى أن الدعاء بالمغفرة لا يستلزم وجود ذنب، بل قد يكون لزيادة درجات القرب «٢» ، كما يشير إليه استغفاره ﷺ في اليوم والليلة مئة مرّة، فاندفع قول بعضهم: يحتمل أن المراد بطلبها للطفل في قولهم في دعاء صلاة الجنازة: (اللهم اغفر لصغيرنا وكبيرنا) ..
стр. 44
تعليقها ببلوغه وفعله الذنب، أو طلبها لوالديه، أو لأحدهما، أو لمن ربّاه.
فائدة:
سئل الغزالي رحمه الله تعالى عن معنى صلاة الله تعالى على من صلى عليه ﷺ في الحديث الآتي: «من صلى عليّ واحدة.. صلى الله عليه عشرا» «١» ، وعن صلاتنا عليه، وعن معنى استدعاء أمته الصلاة، أيرتاح بذلك، أم شفقة على الأمة؟ فأجاب: أما صلاة الله تعالى على نبيّه ﷺ وعلى المصلين عليه: فمعناه إفاضة أنواع الكرامات، ولطائف النعم عليهم، وأما صلاتنا عليه وصلاة الملائكة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.. فهو سؤال وابتهال في طلب تلك الكرامة، ورغبة في إفاضتها عليه.
ثم قال: وأما استدعاؤه الصلاة من أمته.. فلثلاثة أمور:
أحدها:
أن الأدعية مؤثّرة في استدرار فضل الله تعالى ونعمته ورحمته سيّما في الجمع الكثير كعرفة والجمعة، فإن الهمم إذا اجتمعت وانصرفت إلى طلب ما في الإمكان وجوده على قرب كالمطر ودفع الوباء وغيره.. فاض ما في الإمكان من الفيض الحق بوسائط الرّوحانيات المسخرين لتدبير العالم الأسفل، المقيمين لتفقدهم، وإنما أثرّت الهمم لما بين الأرواح البشرية والرّوحانيات العالية من المناسبة الذاتية؛ فإن هذه الأرواح مجانسة لتلك الجواهر، وإنما يقطع مجانستها التدنس بكدورات الشهوات، ولذلك تكون همة القلوب الزكية الطاهرة أسرع تأثيرا، وتكون في حال التضرع والابتهال أنجح؛ لأن حرقة التضرّع تذيب كدورة الشهوات عن القلب في الحال، أو تضعفها وتكسر من ظلمتها، ولذلك قلّما يخطىء دعاء الجمع؛ إذ لا يخلو
стр. 45
عن قلوب طاهرة، ثمّ يزيدها التعاون تأثيرا دائما، وإنما كان في يوم الجمعة وقت مبهم يستجاب فيه الدعاء؛ لأن اجتماع القلوب الصافية فيه في وقت واحد مبهم، لا يدرى متى يتفق، لكن الغالب أن اليوم لا يخلو عنه، وهو وقت النفحات التي يتعرض لها، وربما كان اجتماع الهمم يوم الجمعة عند الأسباب الجامعة كابتداء الخطبة وابتداء الصلاة وهو أولى، وإن كان الأولى عدم الجزم بتعيين وقت، ولذلك تتوقع النفحات في الأسحار لصفاء القلوب، فإذا كانت الأدعية مؤثرة في استجلاب مزايا الفضل، وكان ما وعد به ﷺ من نحو الحوض والشفاعة وسائر المقامات المحمودة غير محدود على وجه لا تتصوّر الزيادة فيها.. كان استمداده من الأدعية استزادة لتلك الكرامات.
الأمر الثاني:
ارتياحه به كما قال ﷺ : «إني أباهي بكم الأمم» «١» كما يرتاح العالم في مدة الحياة بكثرة تلامذته، وكثرة ثنائهم وثباتهم، ودعائهم الدالّ على رشدهم، وعلى كمال تأثير إرشاده فيهم، وعلى كمال محبتهم له؛ بسبب إرشاده إياهم، فكذلك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يرتاحون.
ولا يبعد أن يكون لهم جزء في الدعاء والصلاة، مع سقوط الحواس الخمس، فليس الإدراك محصورا فيها، بل في القلب باب مفتوح في الباطن إلى الملكوت «٢» ، تغلقه الشواغل والشهوات، وربما يفتحه الندم الدافع لهما حتى يطلعه على الغيب، بل على أحوال الموتى حتى يعرف ما يفعل الله بهم من عقوبة أو رحمة، فإذا لم يبعد أن تحصل لنا معرفة بأحوالهم مع انغماسنا في هذا العالم المظلم.. لم يبعد أن تحصل لهم معرفة بمجاري أحوالنا، مع أنهم في عالم القدس والصفاء ودار الحيوان، ولاطلاع النائم على أحوال الموتى،
стр. 46
واطلاعهم على أحوال الناس [ما] يطول ذكره، ولكن أصله أن في الموجودات الرّوحانيات موجودا، جميع تفاصيل الأمور الجزئية مما كان وسيكون منقوشة فيه، لا نقشا يدرك بالحس الظاهر، بل كنقش القرآن في دماغ المقرىء، ويعبّر عن ذلك باللّوح المحفوظ أو الكتاب، ويستعد قلب النائم بسبب النوم لمطالعته ذلك اللّوح، فيتجلّى له من الأمور المستقبلة، وأحوال الموتى شيء خاصّ؛ بسبب حصول استعداده، ومناسبة لا يوقف عليها بالقوة البشرية.
الأمر الثالث:
الشفقة على الأمة بتحريضهم على ما هو حسنة في حقهم وقربة لهم، بل الصلاة ليست حسنة واحدة، بل قربات؛ إذ فيها تجديد الإيمان بالله تعالى أولا، ثم برسوله ﷺ ثانيا، ثم بتعظيمه ثالثا، ثم بالعناية بطلب الكرامات له رابعا، ثم بتجديد الإيمان باليوم الآخر وأنواع كراماته خامسا، ثم بذكر آله سادسا، ثم عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، ثم بتعظيم الله بسبب نسبته إليه تعالى سابعا، ثم بإظهار المودة لهم ثامنا، ولم يسأل ﷺ من أمته أجرا.. إلّا المودة في القربى، ثم بالابتهال والتضرّع في الدعاء تاسعا، والدعاء مخّ العبادة، ثم بالاعتراف- عاشرا- بأن الأمر كله إليه، وإنما النبي ﷺ وإن جلّ قدره فهو عبد محتاج إلى فضله ورحمته تعالى، وإلى مدد الله تعالى له، وأنه ليس له من الأمر شيء، وأن الله لو أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه، والأنبياء ومن في الأرض جميعا، ويحرمهم من فضله ورحمته.. فلن يملك لهم أحد من الله شيئا.
فهذه عشر حسنات سوى ما ورد الشّرع الشريف به من أن الحسنة الواحدة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها فقط.
وسرّه أيضا: أن الجوهر الإنسانيّ بطبعه حنّان إلى ذلك العالم العلوي؛ لأنه مقتبس منه، وهبوطه إلى العالم الجسماني غريب عن طبيعته، والسيئة تضبطه عن الرّقيّ إلى ذلك العالم على خلاف طبعه، والحسنة ترقّيه إلى موافقة
стр. 47
الطبع، والقوة التي تحرك الحجر إلى فوق ذراعا واحدا هي بعينها إن استعملت في تحريكه إلى أسفل.. حرّكته عشرة أذرع وزيادة؛ فلذلك كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، ومنها أنه يوفّى أجره بغير حساب، وهي الحسنة التي لا يدافع تأثيرها، كحجر إن هوى من شاهق لا يصادمه دافع، فإنه لا يتقدّر مقدار هويّه بحساب حتى يبلغ الغاية والنهاية، والله أعلم.
[الفائدة] الخامسة
: عبّر بالجملة الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار؛ لتدل على دوام صلاة الله تعالى وملائكته على نبيّه ﷺ ، وهذه مرتبة عليّة باهرة لم توجد لغيره ﷺ وإن وجد أصل الصلاة لإبراهيم ﵇ وآله، كما يفيده حديث التشهد الرادّ على من زعم أنه ليس في القرآن ولا في غيره- فيما علم- صلاة من الله على غير نبينا ﷺ ، وفي ذلك تلويح أيّ تلويح، وإرشاد أتمّ إرشاد للمؤمنين بأنهم ينبغي لهم إدامة الصلاة عليه ﷺ ؛ تأسّيا بالله وملائكته في ذلك.
وكما أفادت الجملة الدّوام لكونها اسمية.. كذلك تفيد التجدّد؛ نظرا لخبرها، كما قالوا: حكمة العدول عن (الله مستهزىء بهم) إلى يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: قصد استمرار الاستهزاء، وتجدّده وقتا فوقتا.
وهذا أتم وأجمع من تشريف الله تعالى لآدم صلّى الله على نبينا وعليه وسلّم بأمر الملائكة بالسجود له لاختصاصه بالملائكة، والصلاة شاركهم تعالى فيها، والتشريف الصادر عنه تعالى أبلغ مما يختص به الملائكة.
وأيضا: فسجودهم لآدم كان تأديبا، وأمرهم بالصلاة على نبينا ﷺ كان توقيرا وتعظيما.
وأيضا: فذاك وقع مرة وانقطع، وهذا دائم إلى يوم القيامة.
وأيضا: فأمرهم بالسجود لآدم إنما هو لأجل ما كان بجبهته من نور محمد
стр. 48
صلى الله عليه وسلم، قاله الرازي «١» .
وعدّيت الصلاة هنا ب (على) مع أنها تعدّى لغة ب (اللّام) للخير وب (على) للشر؛ لأنها ضمّنت معنى الإنزال؛ أي: ينزل عليه رحمته، أو اللهم أنزل عليه رحمتك، أو معنى الاستعطاف؛ أي: يعطف عليه رحمته، أو اللهم اعطف عليه رحمتك، ورجّح هذا لما بين الصلاة والعطف من المناسبة، بخلافها مع الإنزال.
تنبيه:
حكى الإمام أبو بكر بن فورك: (أن المراد بالصلاة في خبر «وجعلت قرّة عيني في الصلاة» «٢» : صلاة الله عليه وملائكته، وأمره الأمة بذلك إلى يوم القيامة؛ لأنه تعالى لما قطع حكمه بالصلاة عليه، وأخبر عن ملائكته بمثله.. تحقّق ﷺ ذلك، فاعتمده وقرّت عينه فيها بالقطع بما له عند الله تعالى من تمام الرحمة وكمال النعمة.
وعبّر بالجعل ليدلّنا أنه فعل به، لا أنه بنفسه مدّع فيه، أو ناظر إليه من حيث هو، فلا يعجب به، ولا يعدل عنه.
وكما أنه حبّب إليه من الدنيا ما حرس فيه.. كذلك جعل ثمّ قرّة عينه فيما عظّم به؛ ليكون في ظاهر الدنيا والدين جميعا محروسا محفوظا منظورا إليه مكلوآ محوطا «٣» ﷺ اهـ ملخّصا
وهذا وإن احتمل، لكن الأصحّ: أن المراد الصلاة المعهودة ذات الأركان، لما فيها من المناجاة، وكشف المعارج، وشرح الصدر.
وعبّر بالنبيّ دون اسمه على خلاف الغالب في حكايته تعالى عن أنبيائه؛
стр. 49
إشعارا بما اختصّ به ﷺ من مزيد الفخامة «١» والكرامة وعلوّ القدر، كما أشير لذلك أيضا بقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ ثم أكّد ذلك الإشعار ب (أل) التي هي للصلة «٢» ؛ إشارة إلى أنه ﷺ المعروف الحقيق بهذا الوصف، المقدّم به على سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وفيه الهمز من النّبأ؛ أي: الخبر، فهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأنه مخبر ومخبر عن الله .
وتركه من النّبوة وهي المكان المرتفع، لا الرفعة- خلافا لمن زعمه كالزّمخشريّ ومن تبعه، كما حقّقه صاحب «القاموس» - سمّي به لارتفاع مكانته عند ربّه تعالى، وبهما قرىء في السبع، وقرأ نافع بالهمز في جميع القرآن إلا في موضعين: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ، لكن قال سيبويه: الهمز رديء لقلة استعماله، لا لمخالفته القياس، ويؤيّده أن أعرابيا قال له ﷺ : يا نبيء الله- بالهمز- فقال ﷺ : «لست بنبيء الله، ولكن نبيّ الله» «٣» ، وفي رواية «المستدرك» للحاكم: «لا يغيّر اسمي» ، أي: لإيهامه خلاف المراد، وهو أنه أخرج من مكة إلى المدينة، من قولهم: نبأت من أرض إلى أرض إذا أخرجت منها إليها، ويؤيّد ذلك ما في رواية أنه لما أنكر عليه.. قال له: «إنا معشر قريش لا ننبر» «٤» ، وأشار الزمخشريّ إلى أن سبب النهي أن عدم الهمزة يستلزم الرّفعة بخلاف الهمز؛ إذ ليس كل منبأ رفيع المحل، والأظهر الأول «٥» .
стр. 50
[الرسول أخصّ مطلقا من النبيّ]
والرسول أخصّ مطلقا من النبيّ؛ إذ هو: من أوحي إليه بشرع، لا مطلقا- فلا تدخل أمّ موسى ومريم ﵉ ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر به..
فرسول، سواء أكان له كتاب، أو نسخ لبعض شرع من قبله، أو لا كيوشع، هذا هو المشهور.
[قول ابن عبد السلام: النبوّة أفضل من الرسالة]
واختار ابن عبد السلام: (أن نبوّة الرسول أفضل من رسالته؛ لأن النبوة متعلقة بالحقّ من طرفيها، إذ هي إخبار عما يستحقه الربّ تعالى من صفات الجلال ونعوت الكمال، فهي راجعة إلى التعريف بالإله وما يجب له، والرسالة متعلقة بالحق من طرف، وبالخلق من طرف، وما تعلق بالحق من طرفيه أفضل، وأيضا فالنبوة متقدّمة) «١» والجمهور على خلافه.
ويردّ ما احتج به بأن الرسالة متضمنة لطرفي النبوة؛ لاندراجها فيها اندراج الأعم في الأخص؛ فهي مشتملة عليها مع زيادة وصف الرسالة، وعلى فرض التغاير، فوصف الرسالة فيه الإقبال بالناس على الحق، وتعريفهم إيّاه، والنبوة قاصرة عن ذلك، فكانت الرسالة أفضل على كل تقدير، وتقدّم النبوة لكونها وسيلة.. لا يقتضي أفضليتها، بل مفضوليتها «٢» .
[بلاغة قوله تعالى: وملائكته]
وعبّر ب (ملائكته) دون الملائكة؛ إشارة إلى عظيم قدرهم، ومزيد شرفهم بإضافتهم إليه تعالى، وذلك مستلزم لتعظيمه ﷺ بما
стр. 51
يصل إليه منهم؛ فإن العظيم لا يصدر عنه إلا عظيم.
ثم فيه التنبيه على كثرتهم، وأن الصلاة من هذا الجمع الكثير الذي لا يحيط بمنتهاه غير خالقه وبارئه.. واصلة إليه ﷺ على ممرّ الأيام والدهور، مع تجددها من سائر أفرادهم عليه كل وقت وحين، وهذا أبلغ تعظيم وأنهاه، وأشمله وأكمله وأزكاه.
وقد ورد في كثرتهم ما يبهر العقل ويفوق الحصر، ومنه حديث الطبري:
«إن لكل آدمي عشرة منهم موكلون به ليلا، وعشرة نهارا» .
وصحّ: «إن الله جزّأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وجزآ سائر الخلق ... » الحديث «١» .
وفي حديث المعراج المتفق على صحته: «إن البيت المعمور يصلّي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا.. لم يعودوا إليه آخر ما عليهم» «٢» .
وفي حديث الترمذي وغيره: «أطّت السماء وحقّ لها أن تئطّ «٣» ، ما فيها موضع أربع أصابع.. إلا وعليه ملك واضع جبهته ساجدا» «٤» ، زاد الطبراني والطبري في حديثيهما: «ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كفّ.. إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد» «٥» .
وروى ابن المبارك، وإسماعيل القاضي، وابن بشكوال، والبيهقي، والدارمي عن كعب أنه قال: «ما من يوم وليلة.. إلا وينزل عند الفجر سبعون
стр. 52
ألفا يحفون بقبره ﷺ ، ويصلون عليه إلى الليل، ثم ينزل سبعون ألفا إلى الفجر، وهكذا حتى يقوم من قبره ﷺ في سبعين ألفا يزفونه» «١» ، وفي لفظ: «يوقرونه» «٢» .
فتأمل هذه الخصّيصة التي اختص بها نبينا ﷺ من بين سائر الخلق، وهي إدامة تتابع صلوات الملائكة، مع ما هم به من الكثرة البالغة الباهرة عليه كل وقت.. تعلم أن صلوات الأمة عليه ﷺ بالنسبة لذلك قليل من كثير.
[بلاغة قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]
وعبّر ب (الَّذِينَ آمَنُوا) دون الناس الشامل للكفار؛ إشارة إلى أن الصلاة عليه ﷺ من أجلّ الوسائل وأنفعها، والكافر لا وسيلة له، فلم يؤت بلفظ يشمله.
[الكفار مخاطبون بالفروع المجمع عليها]
فإن قلت: هو مخاطب بالفروع على الصحيح، قلت: هو ذلك بالنسبة لعقابه عليها في الآخرة فحسب، على أن محل تكليفه بها حيث أجمع عليها، كما بينته في «شرح الإرشاد» «٣» وغيره، ومن ثمّ استثني من مخاطبتهم بها معاملتهم الفاسدة المقبوضة، وأنكحتهم الفاسدة، وعدم الحدّ في شرب الخمر.
قال الحليمي: (أمر الله تعالى عباده بها بعد إخبارهم أن الملائكة يصلون؛ لتنبيههم بأن الملائكة مع انفكاكهم عن التقيد بشريعته.. يتقرّبون إلى الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه، فنحن أولى وأحقّ وأحرى وأخلق) اهـ «٤»
[أنه ﷺ مرسل للخلق عامة]
وزعمه عدم إرساله إليهم مبنيّ على رأيه الذي وافق فيه المعتزلة: أنهم أفضل من الأنبياء مطلقا، والذي عليه محققو أهل السنة: أن خواصّنا وهم
стр. 53
الأنبياء أفضل منهم مطلقا، وعوامّنا وهم الصلحاء كأبي بكر وعمر ﵄ أفضل من عوامهم، وخواصّهم كجبريل أفضل من عوامّنا.
نعم؛ تبع الحليميّ على عدم إرساله إليهم جمع، منهم الفخر الرازي، بل نقل الإجماع على ذلك، وتبعه النّسفي، وليس كما زعما؛ إذ لا إجماع في ذلك، على أن عبارة الفخر: (أجمعنا) ، وهي تقال لإجماع الخصمين، فليس في كلامه تصريح بإجماع الأمة «١» ، ومن ثمّ اختار المحققون أنه مرسل إليهم؛ ويدل له خبر مسلم: «وأرسلت إلى الخلق كافة» «٢» بل أخذ منه البارزي أنه مرسل حتى إلى الجمادات والحيوانات بأن ركّب فيها إدراك حتى آمنت به ﷺ ؛ إعلانا بعظيم شرفه، ومزيد خصوصيته.
[الأنبياء أفضل من الملائكة والأدلة على ذلك]
قال الفخر الرازي: (وقع الإجماع على أن أفضل النوع الإنساني نبيّنا محمد ﷺ ؛ لقوله ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» «٣» ، واستثنوه من الخلاف في التفضيل بين الملك والبشر، والبشر أفضل من الجن اتفاقا) اهـ
وما ذكره من استثنائه ينازعه فيه كلام الزمخشري؛ فإنه من المعتزلة وهو قائل بأفضلية الملك عليه.
ووجه الدليل في الخبر الذي ذكره: أنه إذا فضل جميع أولاد آدم، ومنهم من هو أفضل من آدم اتفاقا.. فأولى أن يفضل آدم، ويدل له أيضا: «آدم فمن دونه تحت لوائي» «٤» .
стр. 54
وبيّن بعضهم ذلك بوجه آخر هو: أنه تعالى بعد أن ذكر الأنبياء المشهور كل منهم بخصلة معينة من خصال الشرف.. أمره أن يقتدي بجميعهم بقوله عز قائلا: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ، ومحال أن يقصر عن عدم امتثال ذلك، ويلزم من امتثاله جمعه لجميع ما تفرق فيهم من صفات الكمال، فيكون أفضل منهم بنص هذه الآية.
ولمسألة التفضيل بين الملك والبشر تتمّات ذكرتها أول «شرح الأربعين حديثا» التي جمعها الإمام النووي قدّس الله روحه، ونور ضريحه، آمين «١» .
واحتج بعضهم لأفضلية الملك على البشر بهذه الآية، زاعما أن تقديم الملائكة عليه ﷺ في الذّكر يقتضي تقديمهم في الأفضلية، وليس كما زعم.
أمّا أولا: ف (الواو) لا تفيد ترتيبا، والتقديم الذّكري ليس نصّا في ذلك، لكنه ظاهر فيه، إلا أن يقوم دليل على خلافه، وهنا قامت الأدلة على تفضيل نبينا ﷺ ، بل سائر الأنبياء على الملائكة:
منها: قوله تعالى
بعد ذكر جمع من الأنبياء: وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ، والملائكة من جملة العالمين.
وقوله: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. جَزاؤُهُمْ إلخ، والبرية: الخليقة، والملائكة من جملتهم، والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا يشملون الملائكة بقرينة قوله: جَزاؤُهُمْ والملائكة لا يجازون، بل منهم خدم لأهل الجنة، والموكلون بجهنم وغيرهم، وأيضا فلفظ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مخصوص شرعا- كما قاله ابن عبد السلام- بمن آمن من البشر، فلا تندرج فيه الملائكة بعرف الاستعمال.
وقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ وهذا يشملهم، ولا شك أن المسخّر له مقصود بالذات، وغيره بالعرض.
стр. 55
ومنها: اختصاص الأنبياء بأنهم الذين قامت بهم حجة الله على خلقه
، وبأن آدم منهم سجد له الملائكة، والمسجود له أفضل من الساجد.
ومنها: أن للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد
والغزو، ومخالفة الهوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على البلايا والمحن.
ومنها: أن طاعات البشر أكمل
؛ لأن الله تعالى كلفهم بها مع وجود صوارف عنها قائمة بهم وخارجة عنهم، ولا شك أن فعل الشيء مع مشقته ووجود الصارف عنه.. أبلغ في الطاعة والإذعان من فعله مع عدم ذلك؛ إذ لا امتحان فيه بوجه.
لا يقال: جعلت صلواتهم كالتشريف له ﷺ ، وذلك يدل على أفضليتهم عليه؛ لأنا نقول: يبطل ذلك أمر المؤمنين بالصلاة عليه أيضا؛ بل ربما يعكس ذلك، ويقال: جعلت صلواتهم قربة منهم إليه، وهذا صريح في أفضليته عليهم.
واحتج كثيرون لأفضليتهم بقوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا لأن اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم دالّ على استغنائهم عن الاستغفار لأنفسهم، وإلا لبدؤوا بأنفسهم لخبر: «ابدأ بنفسك» «١» ، والأنبياء محتاجون للاستغفار، قال تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.
ولك ردّه بمنع دلالته على ذلك الاستغناء؛ لأن عدم الإخبار عنهم به لأنفسهم لا يدل على عدم وقوعه منهم، ولو سلمناه.. فالاشتغال به يحتمل أنه لإيثارهم المرتبة العليا، وهي النفع المتعدي الأفضل غالبا من النفع القاصر، فدعاؤهم لغيرهم متعدّ، ولأنفسهم نفع قاصر، وليس لعصمتهم؛ فإن الأنبياء معصومون مع أنهم مأمورون به؛ لأنه لا يستلزم ذنبا، بل قد يكون في حقهم للترقي في درجات القرب، والمراد بالذنب في وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ: مخالفة
стр. 56
الأولى والأفضل الصادرة منه ﷺ في نادر من الأحيان لاجتهاد ظهر له، فأمر بتدارك ذلك بالاستغفار منه؛ حتى يترقى إلى ما لا يصل إليه غيره من درجات الكمال، ونهايات الإجلال.
على أنه قيل: إن استغفارهم للبشر كالعذر لمّا طعنوا فيهم بقولهم:
أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ أي:
فبان خلاف ما ظنوه، ولا سيّما «١» لما تميز عليهم آدم بمرتبة الخلافة الكبرى، والعلم المحيط بسائر الأسماء ومسمياتها، المقتضي لخضوعهم له، ودخولهم تحت تلمذته وتبعيّته، حتى علّمهم وأنبأهم من تلك العلوم بما بهرهم واستصغرهم، حتى أمروا بالسجود له، وهذه شواهد لأفضليته وتميّزه عنهم.
وقيّد الإمام الخلاف في الملائكة بالسماوية، وظاهر كلام غيره أنه لا فرق.
نعم؛ قال ابن عبد السلام: (محل الخلاف في أرواح الأنبياء والملائكة، أما أجساد الملائكة.. فهي لكونها خلقت من نور أفضل) «٢» ، ويؤيده قول ابن المنيّر «٣» : (مذهب أهل السنة: أن الرسول أفضل من الملك باعتبار الرسالة، لا باعتبار عموم الأوصاف البشرية، ولو كانت البشرية بمجردها أفضل من الملائكة.. لكان كل بشر أفضل من الملائكة، معاذ الله تعالى) اهـ
стр. 57
نعم؛ ما اقتضاه كلامه من قصر المفاضلة على الرسول دون النبي.. غير مراد.
وقال الشيخ عز الدين: (لا يفضّل الملائكة إلا هجّام بنى التفضيل على حالات توهمها، ولا شك أن القليل من أعمال الأعرف خير من الكثير من أعمال العارف، قال: وليس لأحد أن يفضّل أحدا على أحد، ولا أن يسوّي أحدا بأحد حتى يقف على أوصاف التفضيل والتساوي) اهـ «١»
هذا، وبقي في المسألة أقوال أخر، أحدها مذهب المعتزلة: أن الملائكة أفضل مطلقا، ووافقهم أئمة من أهل السنة كالباقلّاني، والأستاذ أبي إسحاق، وأبي عبد الله الحاكم، والحليمي، والرازي في «المعالم» ، وأبي شامة، ولمّا روى البيهقي في «الشعب» أحاديث المفاضلة.. قال: (ولكلّ دليل ووجه، والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو عليه) اهـ «٢»
واستفيد منه: أن ذلك لا يجب اعتقاده، لكن قضيّة كلام التاج السبكي وجوبه، ويؤيد الأول قول صاحب «التعريف» : (مذهبهم السكوت عن التفاضل، وقالوا: الفضل لمن فضّله الله تعالى، ليس بجوهر ولا عمل، ولم يروا أحد الأمرين أوجب من الآخر بخبر ولا عقل، وليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها، فلنفوّض إلى الله تعالى، ونعتقد أن الفضل لمن فضّله الله تعالى) اهـ
وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني: (اتفقوا على أن عصاة المؤمنين دون الأنبياء والملائكة، واختلفوا في المفاضلة بين المطيعين والملائكة على قولين) ، قال ابن يونس في «مختصر الأصول» بعد ذكر القولين: (وقال الأكثرون منا: المؤمن الطائع أفضل من الملائكة) ، والمعتمد من هذا
стр. 58
الخلاف ما قدمته أولا عن محققي أهل السنة من التفصيل.
وناداهم ب (يا) إشارة إلى تنزيل القريب الغافل منهم منزلة البعيد، وأما قول العبد: (يا الله) مع أنه أقرب إليه من حبل الوريد.. فهو لاستصغاره نفسه، استبعادا لها عن مظان القرب؛ لما سبق من التفريط في جنب الله تعالى.
و (أي) وصلة لنداء ما فيه (أل) ، والاسم التابع له صفة دائما؛ لأن (أيا) لا يستقل بنفسه، وفيه تدريج من الإبهام إلى التوضيح لضرب من التأكيد، ولأنه أوقع في النفس.
وفصل بينهما ب (ها) التي للتنبيه؛ معاضدة لحرف النداء، وتأكيدا لمعناه، وعوضا عما تستحقه (أي) من الإضافة، ولاستقلال هذه الصيغة بأوجه من التوكيد كما تقرر كثرت في القرآن؛ لأن كل ما نادى الله به عباده من نحو أمر أو نهي أو وعد أو وعيد.. أمور عظام، وخطوب جسام، ويبعد الميل والتفطن إليها مع غفلتهم عنها، فاقتضى الحال نداءهم على الوجه الأبلغ، ليحملهم على الانقياد لما قصد منهم.
واعلم: أن للأصوليين في دخوله ﷺ في نحو هذه الصيغة أقوالا:
عدمه مطلقا، وهو شاذ.
ودخوله مطلقا، وهو الأصح.
[بلاغة قوله تعالى يا أَيُّهَا]
والدخول إلا فيما صدّر بأمره بالتبليغ نحو قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ، وتوقف بعضهم في دخوله هنا من حيث إن قرينة سياق: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى هنا ظاهرة في اختصاص هذا الحكم بالمؤمنين دونه، وفيه نظر؛ لأن ما قبل هذه الآية صريح في اختصاصه بالمؤمنين، وأما هي.. فلا قرينة فيها على الاختصاص، مع صحة تناول الأمر له ﷺ ، لما يأتي أنه كغيره في وجوب الصلاة عليه ﷺ في الصلاة.
стр. 59
[اختلاف الأصوليين في دخوله ص في صيغة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ونحوها]
واختلفوا أيضا في تناول هذه الصيغة للإناث، وجمهور الأصوليين على عدم دخولهن، ونص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه، ومن انتقد بأنه يلزم عليه ألا يشاركن الذكور في ذلك الحكم.. فقد أبعد؛ لأنا نلتزم ذلك، ونقول: لم تستفد المشاركة إلا من خارج كإجماع أو قياس جليّ؛ أي: أنه لا فارق إلا الذكورة والأنوثة، ولا معنى لها في نحو ما نحن فيه، بخلاف الجهاد ونحوه.
[الفائدة] السادسة: [في حكم الصلاة عليه ص]
استفيد من قوله تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ أنّا مأمورون بالصلاة عليه، وقد اختلف العلماء في ذلك على عشرة أقوال:
١- مستحبة، وزعم ابن جرير الإجماع عليه.. مردود، ويتعين حمل هذا القول على ما زاد على المرة؛ لقول القرطبي المفسر: (لا خلاف في وجوبها في العمر مرة) «١» .
٢- واجبة في الجملة بغير حصر، وأقل ما يحصل به الإجزاء مرة في العمر، وزعم بعض المالكية الإجماع عليه، ولا دليل له في قول ابن عبد البر: (أجمع العلماء على أنها فرض على كل مؤمن بهذه الآية) .
٣- واجبة مرة في العمر ككلمة التوحيد؛ لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارا، والماهية تحصل بمرة، وعليه جمهور الأمة، منهم أبو حنيفة ومالك وغيرهما.
٤- واجبة في التشهد.
٥- واجبة في مطلق الصلاة، وتفرد بعض الحنابلة بتعين دعاء الافتتاح لها.
٦- يجب الإكثار منها من غير تعيين بعدد.
٧- تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره مرارا.
стр. 60
٨- تجب في كل دعاء.
٩- تجب كلما ذكر، وبه قال جمع من الحنفية، منهم الطحاوي، وعبارته: (تجب كلما سمع ذكره من غيره، أو ذكره بنفسه) ، وجمع من الشافعية، رضي الله تعالى عنهم، منهم الأئمة المجتهدون: الحليمي، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، وجمع من المالكية، منهم: الطّرطوشي «١» ، وابن العربي، والفاكهاني، وبعض الحنابلة، وقيل: وهو مبني على القول الضعيف في الأصول: إن الأمر المطلق يفيد التكرار، وليس كذلك، بل له أدلة أخرى كالأحاديث الآتية التي فيها الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء، والوصف بالبخل والجفاء «٢» ، وغير ذلك مما يقتضي الوعيد، وهو على الترك من علامات الوجوب.
واعترض هذا القول كثيرون بأنه مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله؛ إذ لم يعرف عن صحابي ولا تابعي.
وبأنه يلزم على عمومه ألا يتفرغ السامع لعبادة أخرى.
وأنها تجب على المؤذن، وسامعه، والقارىء المارّ بذكره، والمتلفظ بكلمتي الشهادة، وفيه من الحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه.
وبأنّ الثناء على الله تعالى كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به.
وبأنه لا يحفظ عن صحابي أنه قال: يا رسول الله صلى الله عليك.
وبأن تلك الأحاديث المحتج بها للوجوب خرجت مخرج المبالغة في تأكيد
стр. 61
ذلك وطلبه، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة ديدنا.
ويمكن الانتصال عن جميع ذلك «١» :
أما الأول: فلأن القائلين بالوجوب من أئمة النقل، فكيف يسعهم خرق الإجماع؟! على أنه لا يكفي في الرد عليهم كونه لم يحفظ عن صحابي أو تابعي، وإنما يتم الرد إن حفظ إجماع مصرّح بعدم الوجوب كذلك، وأنّى بذلك؟!.
وأما الثاني: فممنوع، بل يمكن التفرغ لعبادات أخر.
وأما الثالث: فللقائلين بالوجوب التزامه، وليس فيه كبير حرج.
وأما الرابع: فلأن جمعا صرحوا بالوجوب في حقه تعالى أيضا.
وأما الخامس: فلأنه ورد في عدة طرق عن عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أنهم لمّا قالوا: يا رسول الله.. قالوا صلى الله عليك.
وأما السادس: فلأن حمل الأحاديث على ما ذكر لا يكفي إلا مع بيان سنده، ولم يبينوه.
ثم القائلون بالوجوب كلما ذكر.. أكثرهم على أن ذلك فرض عين على كل فرد فرد، وبعضهم على أنه فرض كفاية.
واختلفوا أيضا هل يتكرّر الوجوب بتكرّر ذكره ﷺ في المجلس الواحد؟ قال بعض شراح «الهداية» من الحنفية: (يكفي مرة على الصحيح) ، وقال صاحب «المجتبى» منهم: (يتكرر، وفي تكرر ذكر الله تعالى لا يتكرر) ، وفرّق بينهما هو وغيره بما فيه نظر، ويمكن الفرق بأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والتوسعة، وحقوق العباد مبنية على المشاحّة والتضييق ما أمكن.
١٠- وعاشر الأقوال: أنها تجب حتى عليه ﷺ في القعود
стр. 62
آخر الصلاة بين التشهد وسلام التحلّل، وهذا هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، ومن نسب إليه قولا بعدم الوجوب.. فقد أغرب، ووافقه عليه جماعة من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فقهاء الأمصار.
فمن الصحابة رضوان الله عليهم: ابن مسعود، فقد صح عنه أنه قال:
(يتشهد الرجل في الصلاة، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو لنفسه) «١» ، وعنه أيضا: (لا صلاة لمن لم يصلّ فيها على النبي ﷺ «٢» ، وأبو مسعود البدري، وابن عمر، فقد صح عنه:
(لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهّد وصلاة على النبي ﷺ ، فإن نسيت من ذلك شيئا.. فاسجد سجدتين بعد السلام) «٣» .
ومن التابعين: الشعبي، فقد صح عنه: (كنا نعلّم التشهد، فإذا قال:
«وأن محمدا عبده ورسوله» .. يحمد ربه ويثني عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يسأل حاجته) «٤» ، وأخرج البيهقي عنه: (من لم يصلّ على النبي ﷺ في التشهد.. فليعد صلاته) ، أو قال:
(لا تجزىء صلاته) «٥» ، والإمام أبو جعفر محمد الباقر، فقد روى البيهقيّ عنه نحو ما ذكر عن الشعبي، وصوّبه الدارقطني، ومحمد بن كعب القرظيّ، ومقاتل بن حيّان، بل قال شيخ الإسلام والحفّاظ الشهاب ابن حجر: (لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب إلا ما نقل عن إبراهيم
стр. 63
النّخعي، مع أنه يشعر بأن غيره كان قائلا بالوجوب) «١» .
ومن فقهاء الأمصار: أحمد، فإنه جاء عنه روايتان، والظاهر أن رواية الوجوب هي الأخيرة؛ فإنه قال: كنت أتهيّب ذلك، ثم تبيّنت؛ فإذا الصلاة على النبي ﷺ واجبة، قال صاحب «المغني» : (فظاهر هذا: أنه رجع عن قوله الأول إلى هذا) «٢» ، وإسحاق بن راهواه فقال في آخر الروايتين عنه: (إذا تركها عمدا.. بطلت صلاته، أو سهوا.. رجوت أن تجزئه) ، وهو قول عند المالكية اختاره ابن العربي منهم، وهو لازم للقائلين بوجوبها كلما ذكر ﷺ ؛ لتقدم ذكره في التشهد، وقد صرح به من الحنفية أصحاب «المحيط» و «التحفة» و «الغنية» و «المفيد» .
[أدلة وجوب الصلاة عليه ص في التشهد عند الشافعية]
نعم؛ وجوبها بعد التشهد لتقدم ذكره آخره لا يستلزم كونه شرطا لصحة الصلاة، إلا أنه يردّ على القائلين بأن الشافعي ﵁ شذّ في قوله بالوجوب.
إذا تقرر ذلك.. فالأدلة على الوجوب متظاهرة متكاثرة.
منها: أن رجلا قال: يا رسول الله؛ أما السلام عليك.. فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك؟ فصمت ﷺ ، ثم قال: «إذا أنتم صليتم.. فقولوا: اللهم صلّ على محمد النبي الأميّ وعلى آل محمد ... » الحديث «٣» ، رواه جماعات وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وقال الدارقطني: إسناده حسن متصل، والبيهقي: إسناده صحيح، وابن إسحاق وإن كان فيه، لكنّه صرّح بالتحديث في رواية؛ فصار حديثه مقبولا صحيحا على شرط مسلم، كما ذكره الحاكم، فتأمل قوله: «إذا نحن صلينا في صلاتنا» ، وجوابه صلى الله عليه
стр. 64
وسلم بقوله: «إذا أنتم صليتم.. فقولوا اللهم صلّ ... » إلخ.
ونوزع فيه: (بأنه إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على من صلى على النبي ﷺ في التشهد، وعلى تقدير أن يدل على إيجاب الصلاة.. فلا يدل على هذا المحل المخصوص) اهـ
ويردّ بأن الأحاديث الآتية ناصّة على الوجوب، وعلى محله؛ بقوله: «إذا صليت فقعدت ... » «١» إلخ، فعلى تسليم ألادلالة في هذا.. فالدلالة في غيره الآتي، بل ثمّ دليل آخر أبداه البيهقي، وهو: أن الآية لمّا نزلت وكان ﷺ قد علّمهم كيفية السلام عليه في التشهد- وهو داخل الصلاة- فسألوا عن كيفية الصلاة فعلّمهم.. فدل على أن المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدم تعليمه لهم، واحتمال كونه خارج الصلاة بعيد، كما قاله عياض وغيره، وقول ابن دقيق العيد:
(ليس فيه تنصيص على أن الأمر به مخصوص بالصلاة) .. يجاب عنه بأن فيه إيماء إلى ذلك كما تقرر، وعلى التنزّل فالدلالة في غيره كما مرّ، وإنما لم تجب الصلاة على الآل بهذا الحديث؛ لما يأتي في مبحثها.
ومنها: حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: «إذا تشهد أحدكم في الصلاة.. فليقل: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد» «٢» وصححه جماعة، ووهّموا بأن فيه مجهولا عن مبهم، وله طريق أخرى فيها ضعيف، وأخرى فيها مختلط، لكنه ثقة، وقد يؤخذ من تعدد طرقه: أنه حسن، وبه مع ما هو مقرر: أن الحسن عند جمع مرادف للصحيح.. يردّ على من وهّم المصححين له.
ومنها: للشافعي ﵁ عن كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الصلاة: «اللهم صلّ على محمد وآل
стр. 65
محمد ... » الحديث «١» ، أخرجه البيهقي من طريقه، وزعم أنه يحتمل أن المراد بقوله: (في الصلاة) أي: في صفة الصلاة عليه؛ لأن أكثر الطرق تدل على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة، لا عن محلها.. يردّ بأنه لا أثر لهذا الاحتمال البعيد، على أن الحديث الذي قبله والذي بعده يبطل هذا الاحتمال؛ للتصريح فيهما بالصلاة ذات الأركان.
وإذا ثبت أنه كان يقول ذلك في صلاته.. فيلزمنا التأسي به فيه؛ لقوله في الحديث الصحيح: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «٢» ، ومن المقرر أن الأصل وجوب مثل فعله إلا ما خصه الدليل.
ومنها: حديث فضالة أنه ﷺ سمع رجلا يدعو في صلاته لم يمجّد الله، ولم يصلّ على النبي ﷺ ، فقال ﷺ : «عجل هذا» ، ثم دعاه فقال له- أو لغيره-: «إذا صلى أحدكم..
فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما شاء» أخرجه أبو داود والترمذي وصححه، وكذا ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم وقال: هو على شرط مسلم، وفي موضع آخر: على شرطهما، ولا أعرف له علة «٣» .
وفي رواية للترمذي: «ثم ليصلّ على النبي ﷺ ، ثم ليدع بعد بما شاء» «٤» .
وفي أخرى له أيضا وللطبراني وابن بشكوال- ورجالها ثقات إلا رشدين بن سعد، لكن حديثه مقبول في الرقائق-: بينما رسول الله ﷺ
стр. 66
قاعد؛ إذ دخل رجل فصلّى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال ﷺ : «عجلت أيّها المصلّي، إذا صليت فقعدت.. فاحمد الله بما هو أهله، ثم صلّ عليّ، ثم ادعه» ، ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله وصلّى على النبي ﷺ ، فقال ﷺ : «أيها المصلّي، ادع تجب» ، وفي رواية: «سل تعطه» «١» ، ففي هذه الأحاديث الصحيحة دلالة ظاهرة، بل صريحة لما ذهب إليه الشافعي من إيجابها وتعين محلها.
وبقيت أحاديث أخر منها، لكنها لا تقوم بها الحجة وحدها، وإنما تفيد التقوية بانضمامها إلى الأولى، كحديث: «كان ﷺ يعلمنا التشهد: التحيات لله ... إلخ، ثم يصلّي على النبي ﷺ » وفيه ضعيف «٢» .
وحديث: «يا بريدة؛ إذا جلست في صلاتك.. فلا تتركنّ الصلاة عليّ» وسنده ضعيف أيضا «٣» .
وحديث: «لا صلاة إلا بطهور، وإلا بالصلاة عليّ» وفيه متروك وضعيف «٤» .
وحديث: «لا صلاة لمن لم يصلّ على نبيه ﷺ » وفيه من ليس بالقوي «٥» ، ولكن له طريق أخرى صححها المجد الشيرازي «٦» ، لكن نظر فيه بأنه إنما يعرف من الأولى.
стр. 67
وحديث: «من صلّى صلاة لم يصلّ فيها عليّ وعلى أهل بيتي.. لم تقبل منه» وفيه ضعيف «١» .
إذا علمت ما ذكرته من أن الشافعي لم يتفرّد بالقول بوجوبها في الصلاة، بل وافقه جماعة من الصحابة، وجماعة من التابعين، وكثيرون ممن بعدهم، ومن أن الأحاديث الصحيحة الكثيرة مصرحة بما قاله.. ظهر لك بطلان قول ابن جرير وابن المنذر والخطابي والطحاوي تشنيعا عليه: (لا سلف له في هذا القول، ولا سنّة يتبعها) ، وأن الشناعة والشذوذ بهم أحق وألصق، وأنهم تساهلوا في ذلك ولم ينصفوا.
وممن شذّ وتساهل وتقوّل: ابن بطال المالكي، حيث زعم: (أن من أوجبها.. فقد رد الآثار، وما مضى عليه السلف، وأجمع عليه الخلف، وروته الأمة عن نبيّها) اهـ
وكذلك ما وقع لعياض في «الشفا» من إنكاره على الشافعي رضي الله تعالى عنه، ونسبته إلى الشذوذ بنحو هذا التعصب والتساهل «٢» ، ومن ثم شنّع عليه جماعة، منهم: ابن القيّم الحنبلي، فقال: (قوله: «إن الناس شنعوا على الشافعي رضي الله تعالى عنه» .. لا معنى له، فأيّ شناعة في ذلك؛ وهو لم يخالف نصا ولا إجماعا ولا قياسا ولا مصلحة راجحة؟! بل القول بالوجوب من محاسن مذهبه، وأما نقله للإجماع.. فقد تقدم رده، وأما دعواه أن الشافعي رضي الله تعالى عنه اختار تشهّد ابن مسعود.. فيدل على عدم معرفته باختيارات الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ فإنه إنما اختار تشهّد ابن عباس) اهـ «٣»
قال ابن الصلاح: (قد نسبوا الشافعي رضي الله تعالى عنه للتفرد، وليس كذلك، ولو تفرد بذلك.. لكفى بتفرده) اهـ
стр. 68
وزعم أنه لا دلالة في حديث فضالة؛ لأنها لو كانت واجبة لأمر تاركها بالإعادة، كما أمر المسيء صلاته.. مردود باحتمال أن الصلاة هنا نافلة، أو أنه لمّا سمع ذلك الأمر.. بادر إلى الإعادة من غير أن يؤمر بها، أو أن الوجوب وقع عند فراغه.
وبه ردّ على من زعم أيضا: أنه يلزم من وجوبها تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه علّمهم التشهد، وقال: «ثم ليتخيّر من الدعاء ما شاء» «١» ، ولم يذكر الصلاة عليه.
ووجه رده: احتمال أن فرضيته إنما طرأت بعد تعليمهم التشهد.
وقول الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود: «إذا قلت هذا- أي:
التشهد- فقد قضيت صلاتك» «٢» .. مردود بأن هذه زيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها.. فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهد.
وأجاب بعضهم عما مرّ من عدم الأمر بالإعادة: (بأن الترك نشأ عن اعتقاد عدم الوجوب جهلا، والأمر إنما يفيد الوجوب عليه من حينئذ؛ ففيه دليل على عذر الجاهل بعدم الوجوب، ومن ثم لم يأمر المسيء صلاته بإعادة ما مضى من الصلوات، مع إخباره له بأنه لا يحسن غير تلك الصلاة عذرا له بالجهل) اهـ
وفيه نظر؛ لأن قضية كلام أئمتنا أن محل العذر بالجهل إنما هو في نحو الكلام القليل وغيره مما لا يخلّ بأجزاء ماهية الصلاة، وأما ما يخلّ بذلك، كترك ركن من أركانها.. فلا عذر بجهله مطلقا، سواء أعذر الجاهل لقرب إسلامه ونشأته ببادية بعيدة أم لا، والفرق: أن الأركان ونحوها يجب تعلّم
стр. 69
جميعها على كل أحد، فلا يعذر أحد بالجهل بها، بخلاف ما عدا ذلك؛ لأنه يضايق في نحو الركن لتوقف وجود الماهية عليه ما لا يضايق في غيره، فتأمل ذلك؛ فإنه مهمّ.
واستدل بعضهم لوجوبها في الصلاة بأنها واجبة عليه إجماعا، وليست خارج الصلاة واجبة إجماعا، فتعين أن تجب في الصلاة، وليس في محله؛ إذ كلّ من إجماعيه ممنوع، كما علم مما قدمته.
ومن زعم أن الشافعي رضي الله تعالى عنه هو المستدل بذلك.. فقد وهم، والذي استدل به في «الأمّ» قريب مما قدمته آنفا عن البيهقي.
تتمة: [في صلاة رسول الله ص على نفسه]
اختلف في وجوبها عليه ﷺ في أماكن أخرى وستأتي، وتجب أيضا بالنذر؛ لأنها من أعظم القربات، ولو خاطب ﷺ مصلّيا.. لزمه أن يجيبه فورا بالنطق، وإن كان في فرض؛ لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ، وتخصيص بعض المالكية الوجوب بالنفل، أو بلفظ الصلاة عليه، أو بلفظ القرآن.. لا دليل عليه، ومرّ وجوبها عليه ﷺ في صلاته، وكان ﷺ يصلّي على نفسه خارجها، كما هو ظاهر أحاديث، كقوله ﷺ حين ضلت ناقته وتكلم منافق فيها: «إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله ﷺ » «١» ، وقوله حين عرض على المسلمين ردّ ما أخذ من أبي العاصي زوج ابنته زينب قبل إسلامه:
«وإن زينب بنت رسول الله ﷺ سألتني ... » الحديث «٢» ، واحتمال أن الصلاة عليه ﷺ فيهما من الراوي بعيد جدا.
стр. 70
[حكم السلام عليه ص]
والسلام فيما ذكر كالصلاة لوجوبه في التشهد، وتصريح الحليمي بوجوبه كلما ذكر.. يوافق ما مرّ عنه في الصلاة، وسوّى ابن فارس اللغوي بينه وبين الصلاة في الفرضية؛ أي: لأن كلّا منهما مأمور به في الآية، والأمر للوجوب حقيقة، إلا إذا ورد ما يصرفه عنه، ويجب بالنذر كالصلاة.
وبما تقرر من تساويهما.. سقط ما قيل: (هما متعاطفان في الآية؛ فلم اختلف في وجوبها دون وجوبه، وكان القياس العكس أو التشارك؟!) اهـ
وسقط أيضا جواب هذا بأن بينهما عموما وخصوصا مطلقا، كالإنسان والحيوان؛ فالخاص وهو الصلاة هنا يستلزم العام الذي هو السلام هنا، من غير عكس.
السابعة:
إنما أكد التسليم بالمصدر دون الصلاة؛ لأنها مؤكّدة ب (إن) ، وبإعلامه تعالى أنه يصلّي عليه وملائكته، ولا كذلك السلام، فحسن تأكيده بالمصدر؛ إذ ليس ثمّ ما يقوم مقامه، وإلى هذا يؤول قول ابن القيّم: (التأكيد فيهما وإن اختلفت جهته؛ فإنه تعالى أخبر في الأول بصلاته وصلاة ملائكته عليه مؤكدا له ب «إن» ، وبالجمع المفيد للعموم في الملائكة، وفي هذا من تعظيمه ﷺ ما يوجب المبادرة إلى الصلاة عليه ﷺ من غير توقف على أمر؛ موافقة لله وملائكته في ذلك، وبهذا استغني عن تأكيد «يصلّي» بمصدر، ولمّا خلا السلام عن هذا المعنى، وجاء في حيّز الأمر المجرد.. حسن تأكيده بالمصدر تحقيقا للمعنى؛ وإقامة لتأكيد الفعل مقام تقريره، وحينئذ فكما حصل التكرير في الصلاة خبرا وطلبا.. كذلك حصل التكرير في السلام فعلا ومصدرا) «١» .
وأيضا: فهي مقدّمة عليه لفظا، والتقديم يفيد الاهتمام، فحسن تأكيد السلام؛ لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره، وأضيفت إلى الله تعالى وملائكته
стр. 71
دونه، وأمر المؤمنون بهما؛ لأن له معنيين: التحية والانقياد، فأمرنا بهما لصحتهما منا، ولم يضف هو لله تعالى ولا لملائكته؛ حذرا من إيهام أنه فيهما بمعنى الانقياد المستحيل في حقهما.
وقد يقال أيضا: الصلاة منهما متضمنة للسلام بمعنى التحية الذي لا يتصور منهما غيره، فكان في إضافة الصلاة إليهما استلزام لوجود السلام منهما بهذا المعنى، وأما الصلاة منا.. فهي وإن استلزمت التحية أيضا، إلا أنا مخاطبون بالانقياد، وهي لا تستلزمه، فاحتيج إلى التصريح به فينا؛ لأن الصلاة لا تغني عن معنييه المتصوّرين في حقنا المطلوبين منا، وهذا أولى مما قبله؛ لأن ذلك يرد عليه قوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ، وقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ ولا يرد هذان على ما ذكرته، فتأمله.
وبما تقرر من أن السلام يأتي بمعنى التحية- وهذا هو المراد من سلام الله تعالى على أنبيائه-.. اندفع استشكال سلام الله تعالى عليهم بأنه دعاء، وهو لا يتصور من الله تعالى؛ لأنه الطلب، والله تعالى مدعو ومطلوب منه، لا داع وطالب.
وسقط أيضا قول بعضهم: (هذا إشكال له شأن، فينبغي الاعتناء به، ولا يهمل أمره، فقلّ من يدرك سرّه) ، وجوابه: أن الطلب يتضمن ثلاثة:
طالبا، ومطلوبا، ومطلوبا منه؛ فهذه الثلاثة أركان، وتغايرها ظاهر في الطالب لشيء من غيره، أما الطالب لشيء من نفسه.. فيتّحد فيه الطالب والمطلوب منه، وهذا هو الموجب لغموض هذه المسألة؛ لأن حقيقة الطالب مغايرة لحقيقة المطلوب منه، فيتعذر طلب الإنسان من نفسه، وكشفه: أن الطلب من باب الإرادات، والمريد كما يريد من غيره أن يفعل شيئا، فكذلك يريد من نفسه هو أن يفعله، والطلب النفسي وإن لم يكن الإرادة، فهو أخص منها، وهي كالجنس له، فكما يعقل أن المريد يريد من نفسه.. فكذلك يطلب منها؛ إذ لا فرق بين الطلب والإرادة.
стр. 72
والحاصل: أن طلب الحيّ من نفسه أمر معقول يعلمه كل واحد من نفسه، بدليل أنه يأمرها وينهاها، قال تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، والأمر والنهي طلب، فتصوّرا من الإنسان لنفسه بالنص، فكذا بقية أنواع الطلب.
وحكمة مجيئه في حقه تعالى بلفظ التنكير، مع كون التعريف في حق العبد أفضل، بل واجب في سلام التحلل من الصلاة.. أن في صدوره منه تعالى على من مرّ غاية التعظيم والتشريف لهم، فلم يحتج إلى مؤكد بخلافه من العبد؛ فإنه لم يقترن به ما يغني عن طلب تأكيده بالتعريف، فكان أولى في حقه، بل يلزمه فيما مرّ للاتباع، مع عدم قيام المنكّر مقام المعرّف.
ويأتي السلام أيضا بمعنى: السلامة من النقائص، وهو العصمة، وبمعنى السلام الذي هو اسم من أسمائه تعالى؛ فمعنى السلام على محمد ﷺ على الأول: اللهمّ سلّمه من النقائص، وعلى الثاني: حفظ السلام- أي: الله- عليه؛ أي: اللهمّ احفظه، فهو على حذف مضاف، ومعناه على أنه بمعنى الانقياد: اللهم صيّر العباد منقادين مذعنين له ﷺ ولشريعته.
قال ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» : (قد يتمحض السلام لمعنى التحية ولمعنى الانقياد، وقد يتردد بينهما كقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً أي: التحية أو السلامة، وكقوله: وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ. سَلامٌ، فإذا أبدل سلام من «ما» .. احتمل الأمرين أيضا؛ أي:
لهم سلامة أو تحية من الله تعالى أو ملائكته) اهـ
وفي السلام من أسمائه تعالى ستة أقوال:
أي: ذو السلامة من كل آفة ونقيصة؛ أي: من كل وجه ذاتا وصفة وفعلا، فيكون من أسماء التنزيه.
стр. 73
أو مالك تسليم العباد من المهالك؛ أي: فهو المعطي له، فيرجع لصفة القدرة.
أو ذو السلام على المؤمنين في الجنة، فيرجع للكلام القديم.
أو الذي سلّم خلقه من ظلمه.
أو سلّم المؤمنين من العذاب.
أو المسلّم على المصطفين من عباده في الدنيا.
واختار ابن فورك وغيره الأول، وعليه يفارق القدوس بأن السلام للتنزيه عن أفعال النقص، والقدوس للتنزيه عن صفاته، كذا قيل، وهو غفلة عما مرّ في معنى السلام على القول الأول، فالوجه أن يفرق بأن السلام للمعنى الأعم كما مرّ «١» ، والقدوس لأخصّ من ذلك، وهو التنزيه عن صفات النقص.
تنبيه:
نقل ابن عرفة عن ابن عبد السلام: أنه يكفي أن يقال: ﷺ ، وعن غيره: أنه أنكر ذلك، وقال: لا بد أن يزيد (تسليما) ، وكأنه أخذ بظاهر: وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، وليس أخذا صحيحا كما يظهر بأدنى تأمّل.
وإذ انتهت المقدمة، فلنشرع في فصول الكتاب بعون الملك الوهاب، فنقول وبالله التوفيق:
стр. 74
الفصل الأول في الأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ
في أي وقت كان وفي الأمر بتحسينها، وأن علامة أهل السّنة الإكثار منها، وغير ذلك قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً؛ مرّ أن الآية مدنية، وذكر أبو ذر الهروي: أن الأمر بها كان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: في ليلة الإسراء.
أخرج ابن عدي في «الكامل» وغيره: أنه ﷺ قال:
«صلوا عليّ صلى الله عليكم» «١» .
وقال ﷺ : «صلوا عليّ؛ فإن الصلاة عليّ كفارة لكم وزكاة، فمن صلى عليّ صلاة.. صلى الله عليه عشرا» «٢» سنده صحيح على ما قاله العراقي، لكنه معترض بأن فيه انقطاعا وعلّة.
وقال ﷺ : «صلوا عليّ؛ فإنها لكم أضعاف مضاعفة» ذكره الديلمي بلا إسناد تبعا لأبيه.
وقال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: (أوصاني رسول الله ﷺ أن أصلّيها- أي: الضحى- في السفر والحضر، وألّا أنام إلّا على وتر، وبالصلاة على النبي ﷺ وهو ضعيف «٣» .
стр. 75
ويروى مما لم يعرف له أصل: «الصلاة عليّ نور يوم القيامة عند ظلمة الصراط، ومن أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى يوم القيامة.. فليكثر من الصلاة عليّ» .
ويروى أيضا: «أكثروا من الصلاة عليّ؛ لأن أول ما تسألون في القبر عني» قال الحافظ السخاوي: (لم أقف له على سند، وربما يستدل له بثبوت السؤال للمرء في قبره عنه ﷺ «١» .
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صليتم عليّ.. فأحسنوا الصلاة؛ فإنكم لا تدرون لعلّ ذلك يعرض عليّ، قولوا: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك ... » الرواية الآتية بتخريجها «٢» .
وفي رواية مرسلة: «إنكم تعرضون عليّ بأسمائكم وسيماكم، فأحسنوا الصلاة عليّ» «٣» .
وروى التّيمي عن زين العابدين عليّ بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم أنه قال: (علامة أهل السنة كثرة الصلاة على رسول الله ﷺ .
وذكر ابن الجوزي في كتابه «سلوة الأحزان» : (أن آدم لمّا رام القرب من حواء.. طلبت منه المهر، فقال: يا ربّ؛ ماذا أعطيها؟ قال: يا آدم؛ صلّ على صفيي محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل صلّى الله عليهما وعلى سائر الأنبياء والمرسلين) .
وجاء بسند ضعيف جدّا أنه ﷺ قال: «بكاء الصغير إلى شهرين شهادة ألاإله إلا الله، وإلى أربعة أشهر الثقة بالله تعالى، وإلى ثمانية