المقدمة
هذا كتاب دراسي (أكاديمي) أريد منه بالدرجة الأولى عرض وتحليل الهيكل الأساسي المتفق عليه لأحداث سيرة الرسول ﷺ ، وتوزيع مساحات البحث بشكل متكافىء على كافة جوانب الموضوع.. وهذا الكتاب يجيء ثمرة طبيعية لتدريس هذه المادة في كلية الآداب ما يزيد على الست سنوات، الأمر الذي أتاح لي احتكاكا عمليا مباشرا بالموضوع، ودفعني للبحث عن أشد الصور المنهجية ملائمة لتوصيل المادة للطالب الجامعي، وتمكينه من الإحاطة بوحداتها الأساسية إحاطة علمية مركزة ومتوازنة، ترفض الجنوح صوب الخيال القصصي الإسرائيلي، والتهويل الأسطوري، أو التطرف- في الوقت ذاته- صوب النظرة المادية التي تقتل في السيرة روحها وتطمس على شخصيتها.
كما أن هذه الدراسة تسعى لتجاوز منطق الدفاع- قدر الإمكان- لكي تجعل الحقائق المجردة نفسها تشكل في ذهن الدارس النسق الحقيقي للسيرة، وتدفع كل ما علق بها في الماضي والحاضر من تهاويل وإضافات ومفتريات ما كان لها أن تصمد أمام (الواقعة) التاريخية نفسها، وليس غير الواقعة التاريخية حكما وقاضيا.
ومن ثم كان الرجوع إلى طبقة المصادر الأساسية في الموضوع (وبخاصة سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري ومغازي الواقدي وأنساب البلاذري وصحيح البخاري ... ) ، والتعامل المباشر معها. وتجاوز (التضخّم) الذي عانته المصادر المتأخرة، و (الارتجال) الذي مارسته المراجع الحديثة، أمران لازمان لبناء صورة أقرب إلى الواقع التاريخي قدر المستطاع «١» .
стр. 2
إن سيرة رسولنا ﷺ تجربة غنية بأحداثها، زاخرة بدلالاتها، متنوعة بمعطياتها، وما كان لباحث يسعى إلى إيفائها حقها من البحث والتحليل إلا أن يوسع نطاق رؤياه ويصبّ اهتماماته على هذه الجوانب جميعا؛ حركية وسياسية وعسكرية وشخصية وفقهية وروحية وواقعية وغيبية وعقيدية وحضارية.
ولم أشأ- من أجل تركيز الصورة وتحديد أبعادها بدقة- أن التزم الخط الزمني لأحداث السيرة، ذلك الخط الذي وقع في أسره معظم الباحثين، فضاعت في مجراه حقائق، وطمست دلالات وقيم، ما كان لها أن تضيع أو تنطمس لو قسمت وقائع السيرة إلى وحدات متجانسة خصص لكل وحدة منها مساحة مناسبة في البحث، استقصيت فيها سائر جوانبها ونسقت جلّ وقائعها، وحللت معظم دلالاتها وقيمها.
ومعروف أن التزام المجرى الزمني يدفع الباحث إلى أن يحشر في النقطة الواحدة، أو المقطع الواحد، مجموعة أحداث ووقائق متنافرة متقاطعة غير متجانسة، ويلجئه أحيانا أخرى إلى تقطيع الواقعة الواحدة إلى أجزاء متناثرة لا يضمها إطار واحد ولا يوحدها تجانس نوعي، وهذا- بطبيعة الحال- نتيجة محتمة للسعي وراء منطق التقسيم الرياضي الصارم للأيام والسنين، وهو الأسلوب الذي اعتمده مؤرخونا القدماء وعرفوه باسم (الحوليات) ، حيث لم يكن علم التاريخ ولا مناهج البحث فيه قد استكملت أسبابها بعد.
من أجل ذلك جاء هذا البحث يعرض أحداث السيرة كوحدات محددة الأبعاد، وبخاصة في عصرها المدني حيث تكثر الروايات وتتكاثف الأخبار وتزدحم التفاصيل.. تناولت فيها على التوالي: محمد بين الميلاد والنبوة، الدعوة في عصرها المكي، تحليل للهجرة، دولة الإسلام في المدينة، الصراع مع الوثنية، العلاقات بين الإسلام والجبهة البيزنطية- النصرانية، الصراع مع اليهود، ثم حركة النفاق في العصر المدني. وبقدر ما رأيت في بعض الروايات والأخبار قوة وأهمية، فوقفت عندها طويلا محللا مستنتجا، رابطا إياها في نسقها النوعي من الوقائع، بقدر ما لمست في روايات وأخبار أخرى ضعفا وانعدام أهمية فأغفلتها إغفالا تاما، أو مررت بها مرورا سريعا معتمدا في ذلك على المقياس الصارم وهو قبول كل ما لا يتعارض مع آيات القرآن الكريم ومعطيات السنن الصحيحة، ورفض ما عدا ذلك أو- على الأقل- عدم التسليم المطلق به.
стр. 3
إن اعتماد بعض المؤرخين المحدثين على عدد من مصادر المتأخرين (كالحلبي وأبي الفدا والمقريزي وابن الأثير.. إلخ) كمصادر محورية، وتغافلهم عن واحد أو أكثر من المصادر الأساسية الواردة، آنفا، جعلهم يتركون ثغرات عميقة في صلب أبحاثهم، كما دفعهم إلى سرد الكثير من الإضافات (المتأخرة) التي لا تعرفها المصادر الأولى، ومن ثم تضخيم وقائع السيرة إلى أضعاف حجمها الحقيقي على حساب الوقائع نفسها. لذا كان لا بد- مرة أخرى- من عرض كافة الروايات على معطيات القرآن والسنة والمصادر الأولى- على ما في الأخيرة من إضافات وثغرات- وعلى مقولات العقل الخالص، ثم على الأرضية التاريخية التي تحركت فوقها الأحداث، ونمت، واكتسبت ملامحها النهائية. وكل ما لا ينسجم مع هذا أو مع ذاك كان له أن يلغى من حساب المؤرخ الجاد، أو ينسحب- على الأقل- إلى الخط الثاني من روايات السيرة ووقائعها الغنية المتشابكة.
إن النبي العربي- يقول الدكتور جواد علي «١» - هو «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. وهو عبد الله ورسوله، ونبي وبشر مثل سائر البشر إلا في النبوة ونزول الوحي عليه. فقد ورد في القرآن الكريم: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ «٢» . وعلى هذه الآية وبوحيها يجب السير في تدوين السيرة النبوية وتاريخها، ولو سار المؤرخ بموجبها وبموجب وحي آيات القرآن الآخرى، لجنب نفسه الوقوع في المزالق والماخذ، وجعل السيرة النبوية، سيرة حية: سيرة نبي مرسل بالمعنى الإسلامي الصحيح الذي نجد روحه في الآية المذكورة. ولو جنب أصحاب السير المتأخرون سيرهم القصص الإسرائيلي الذي أدخل على السيرة وعلى الإسلام، والذي لا يتفق مع هذه الآية ومع أحكام القرآن، لأراحوا السيرة وجنّبوا الناس الأخذ بهذا القصص الذي بنى عليه بعض المستشرقين أحكاما وآراء أساءت كثيرا إلى الإسلام، وأرادوا بها التشكيك بصاحب الرسالة والمسلمين» «٣» .
стр. 4
ويؤكد المؤرخ المذكور أن «في أغلب الروايات التي يتصل سندها بكعب الأحبار أو محمد بن كعب القرظي أو النعمان السبائي، وهم من مسلمة يهود، أو غيرهم من مسلمة أهل الكتاب طابع القصص الإسرائيلي، وفي أغلبه دسّ على الرسول وعلى الإسلام، كما في قصة الغرانيق وفي أمور أخرى ... ويظهر من دراسة هذا النوع من القصص أن أصحابه كانوا يريدون من روايته ونشره وإدخاله بين المسلمين أمرا، وأن قلوبهم لم تكن مسلمة كألسنتهم، وأنهم كذبوا على التوراة والإنجيل أحيانا وذلك على سبيل التودد إلى المسلمين والتقرب إليهم على ما يبدو» .. ويمضي إلى القول بأن مما يلاحظ «أن معظم هذا القصص المتقدم هو ما يرد في الكتب المتأخرة، أما الكتب الواصلة إلينا من أول عهد المسلمين بالتدوين، فقد كانت تتحاشاه في الغالب، ولا تميل إليه ولا إلى الخوارق والمعاجز، وهو قصص مخالف لما جاء في القرآن الكريم عن الرسول ولحديث الرسول، ولروح الإسلام، ولهذا وجب أن يكون اعتماد المؤرخ على هذا الموارد المتقدمة المحترمة في نظر النقاد أمثال: كتب الصحاح في الحديث وسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري. وسندنا الأول بالطبع ومرشدنا قبل كل هذه هو القرآن» «١» .
وعلى المستوى الحربي يقول محمود شيت خطاب، بصدد المنهج الذي اعتمده في كتابه عن (الرسول القائد) : «وقد أغفلت ذكر الحوادث التي لا يمكن أن تحدث في الحرب فعلا، تلك الحوادث التي يرددها بعض المؤرخين ليثبتوا للناس أن انتصار الرسول ﷺ كان بالخوارق غير الاعتيادية بالدرجة الأولى، لا بتطبيق مبادىء الحرب. ومن الغريب أنهم يعتبرون ذلك من مظاهر الإيمان برسالة النبي.. لقد كان محمد واقعيا بعيدا عن الخيال، وكان إذا أراد شيئا هيّأ له أسبابه.. وقد عمل بكل مبادىء الحرب المعروفة، إضافة إلى مزاياه الشخصية الآخرى في القيادة، لهذا انتصر على أعدائه، ولو أغفل شيئا من الحذر والحيطة والاستعداد لتبدّل الحال غير الحال» «٢» .
ونحن نلتقي بهذا التحذير من تضخيم السيرة، وبخاصة فيما قبل البعثة، بحشد من القصص والإسرائيليات والخوارق، في كتاب محمد عزة دروزة القيّم
стр. 5
(عصر الرسول) فهو يقول: «من العجيب أن يكون في القرآن آيات كثيرة فيها الكفاية لرسم صورة صادقة لشخصية النبي ﷺ ، وفيها قرائن وإشارات ودلالات عديدة تساعد على التعرف على نشأته وسيرته قبل البعثة، ثم يعمد بعض المسلمين بل بعض علمائهم إلى تجاوز ذلك إلى ما لا تساعد عليه نصوص القرآن، بل ما تتناقض معه. فإذا كنت ممن تسنى لهم أن يستمعوا قصة من هذه القصص التي تتلى في حفلات المولد، فقد سمعت ولا ريب نماذج من الغلوّ الذي يكاد يجعل للنبي ﷺ شخصية لاهوتية أو في نطاق اللاهوتية. ولقد وقع غير واحد من كتاب السيرة والشمائل وشراحها في هذا الغلوّ (وبخاصة ما يتعلق بالميلاد) دون أن يكون لذلك أصل من قرآن أو سند من حديث صحيح أو دعامة من منطق معقول. ويبدو أن غلاة المسلمين لم يكتفوا بالوقوف عند الإنسان الكامل في النبي ﷺ الذي يتجلى بالتميز في عظم الخلق وصفاء النفس وكبر القلب وقوة الإيمان، والمهمة العظمى التي اضطلع بها، ورأوا أنه لا بد أن يكون من لوازم نبوته واصطفائه أن تكون ثمة مقدمات وبشائر» «١» .
لكن أيا من المؤرخين السابقين، أو غيرهم من المؤرخين الجادّين، لم يقل إن الضرورة المنهجية الملحّة لرفض الإسرائيليات والقصص والخوارق تدعونا أن نقطع السيرة عن أية صلة لها بعالم الغيب (الميتافيزيقا) - كما يرغب دعاة التفسير المادي للتاريخ أن يكون- لأن معنى هذا بوضوح نكران لنبوة الرسول ﷺ واتصاله عن طريق الوحي غير المرئي- بعالم (الغيب) في السماء، كما أنهم لم يقولوا- ولا أي من المؤرخين الجادين- أن رفض القصص والخوارق يدعونا بالضرورة إلى رفض الاعتقاد بأن الله سبحانه طمس على أعين المشركين الذين حاصروا دار الرسول ﷺ ، قبل هجرته، سعيا وراء قتله، أو أنه صدّهم عن إلقاء القبض عليه وهو مختبىء وصاحبه في الغار، أو أنه أنزل ملائكته من السماء لتنصر القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة في معركة بدر، ومعارك أخرى تلتها..
إن كثيرا من وقائع السيرة، وأخبارها أوضح من أن تتكلف فيها الشروح والتفاسير والتعليقات، ومن ثم فهي لن تحتاج إلا إلى قدر معقول من تنسيق المادة الأولية وترتيبها، قائم على منهج علمي في الانتقاء والاستبعاد، ليس كذلك
стр. 6
الذي اعتمده كثير من الباحثين المحدثين، وبخاصة طبقة المستشرقين الأولين التي حكّمت الظن وانساقت وراء الهوى، وهي تنتقي وتستبعد، أو تحلل وتستنتج وفق منهج بحث لا تقرّه بداهات العلم.
وهنا أحب أن أقف بعض الوقت لأعرض بإيجاز لهذه المسألة المنهجية، التي سوف لن أعود إليها مرة أخرى إلا لماما، خوف أن تندّ بي عن المنهج الموضوعي في دراسة السيرة من مصادرها (الأساسية) وبيئتها (الواقعية) بعيدا عن الرؤى والإسقاطات المعاصرة، شخصية ومذهبية، مما يتطلب بحثا آخر يضم مطولات من الردود والإثباتات والتحليل والمناقشات أحسب أنها تتم فعلا وأنها في طريقها إلى الظهور «١» .
يقول الدكتور جواد علي «.. أخذ على بعض المستشرقين تسرعهم في إصدار الأحكام في تاريخ الإسلام، وتأثرهم بعواطفهم لأخذهم بالخبر الضعيف في بعض الأحيان، وحكمهم بموجبه، ولإصدارهم أحكاما بنيت على الألفاظ المشتركة أو التشابه، مع قولهم بوجوب استعمال النقد، وباحتراسهم في الأمور ووجوب التأكد من معرفة الآخذ قبل الحكم عليه.. وآية ذلك أن معظم المستشرقين النصارى هم من طبقة رجال الدين أو من المتخرجين من كليات (اللاهوت) وأنهم إن تطرقوا إلى الموضوعات الحسّاسة من الإسلام حاولوا جهد إمكانهم ردّها إلى أصل نصراني. وطائفة المستشرقين من يهود وخاصة بعد تأسيس (إسرائيل) وتحكم الصهيونية في غالبيتهم، يجهدون أنفسهم لردّ كل ما هو إسلامي وعربي لأصل يهودي، وكلتا الطائفتين في هذا الباب تبع لسلطان العواطف والأهواء» «٢» .
ويمضي الدكتور جواد علي إلى القول بأن كثيرا من المستشرقين «غالوا في كتاباتهم في السيرة النبوية، وأجهدوا أنفسهم في إثارة الشكوك في السيرة. وقد أثاروا الشك حتى في اسم الرسول ﷺ ، ولو تمكنوا لأثاروا الشك حتى في وجود النبي. وطريقة مثل هذه دفعتهم إلى الاستعانة بالشاذ والغريب فقدموه على المعروف المشهور. استعانوا بالشاذ ولو كان متأخرا، أو كان من النوع الذي
стр. 7
استغربه النقدة وأشاروا إلى نشوزه، تعمدوا ذلك لأن هذا الشاذ هو الأداة الوحيدة في إثارة الشك. ومهما قالوا في نسبة التاريخ الصحيح في سيرة الرسول ﷺ فإن سيرة الرسول هي أوضح وأطول سيرة نعرفها بين سير جميع الرسل والأنبياء..
والذين يؤاخذون المستشرقين على سلوكهم هذا المسلك من النقد يؤاخذون كذلك من يحاول من المسلمين كتابة التاريخ متأثرا بعاطفته وهواه. فهم لا يريدون توجيه اللوم إلى المستشرقين وحدهم لتأثرهم بعاطفتهم ثم يتركون من يركب هذا المركب من الشرقيين دون لوم ولا تعنيف» «١» .
فالمنهج العلمي هو المنهج العلمي، والخروج عنه خروج عن العلم الصحيح سواء مارسه رجل في أقصى الغرب أم في أقصى الشرق، وسواء كان وراءه إنسان يتعبد في كنيسة أم يصلّي في مسجد.. والرسول ﷺ نفسه يقول (من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) .. ولم يحدد ﷺ هوية الكاذبين وانتما آتهم الدينية والجغرافية.
ويحدثنا الدكتور (صالح أحمد العلي) كيف أن بداية الحركة الاستشراقية في مواقفها الظنية والعاطفية من حياة الرسول ﷺ ، كانت قد جانفت العلم كثيرا، ثم بدأت تعتدل شيئا فشيئا، «لقد تناول المستشرقون الغربيون حياة الرسول ﷺ فيما تناولوا من الأبحاث عن التاريخ الإسلامي. ولا شك أن التعصب والتحامل كانا يطغيان على كتابات المستشرقين القدامى نظرا لتأثرهم بروح التعصب الديني الذي كان مسيطرا ومتبلورا بتأثير الحروب الصليبية، ونظرا لضعف معرفتهم باللغة العربية، وقلة المصادر المتوفرة لديهم. غير أنه لم يخل الغرب منذ أوائل العصور الحديثة من مفكرين معتدلين امتدحوا الإسلام «٢» ولكن منذ القرن التاسع عشر بدأ الاهتمام بدراسة المخطوطات العربية وطبعها، وأخذ المستشرقون يدرسون تاريخ الشرق لذاته متّبعين الطريقة العلمية التي كانت قد قطعت شوطا كبيرا من التقدم في الغرب. ومع أن فريقا منهم لم يتقن كل ذلك، إلا أن عددا غير قليل كان يتميّز بسعة الاطلاع، وبعد النظر، وعمق التفكير، مما ساعدهم على إنتاج مباحث تستثير التفكير والتقدير، رغم أنه لا يمكن القول بأن أحكامهم نهائية» «٣» .
стр. 8
ويعود جواد علي ليبين لنا كيف أن (كايتاني) وهو من كبار المستشرقين الأوائل الذين كتبوا عن حياة الرسول ﷺ ، كان يعتمد منهجا (معكوسا) في البحث يذكرنا بكثير من المختصين الجدد في حقل التاريخ الإسلامي، والذين يعملون وفق منهج خاطىء من أساسه إذ أنهم يبيّتون فكرة مسبقة ثم يجيئون إلى وقائع التاريخ لكي يستلّوا منها ما يؤيد فكرتهم ويستبعدوا ما دون ذلك. فلقد كان كايتاني «ذا رأي وفكرة، وضع رأيه وكوّنه في السيرة قبل الشروع في تدوينها، فلما شرع بها استعان بكل خبر من الأخبار ظفر به، ضعيفها وقويها، وتمسّك بها كلها، ولا سيما ما يلائم رأيه، لم يبال بالخبر الضعيف، بل قواه وسنده وعدّه حجة، وبنى حكمه عليه. ومن يدري؟ فلعله كان يعلم بسلاسل الكذب المشهورة والمعروفة عند العلماء، ولكنه عفا عنها وغضّ نظره عن أقوال أولئك العلماء فيها، لأنه صاحب فكرة يريد إثباتها بأية طريقة كانت، وكيف يتمكن من إثباتها وإظهارها وتدوينها إن ترك تلك الروايات وعالجها معالجة نقد وجرح وتعديل على أساليب البحث الحديث؟» «١» .
ومن المستشرقين أنفسهم من دفعهم جدّهم وموضوعيتهم- وهم ليسوا بالقليل- إلى نقد وتفنيد الأخطاء المنهجية التي مارسها رفاقهم في دراسة التاريخ عامة وحياة الرسول ﷺ خاصة، وإلى تعرية الدوافع التي تكمن وراء موقفهم هذا، سواء كانت محتشدة في الوعي أو منسربة في اللاشعور.. «لقد رأى (دينيه) أنه من المتعذر، إن لم يكن من المستحيل، أن يتجرد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم ونزعاتهم المختلفة، وأنهم لذلك قد بلغ تحريفهم لسيرة النبي والصحابة مبلغا يغشي على صورتها الحقيقية من شدة التحريف فيها، ورغم ما يزعمون من اتباعهم لأساليب النقد البريئة ولقوانين البحث العلمي الجاد فإنا نلمس من خلال كتاباتهم محمدا يتحدث بلهجة ألمانية، إذا كان المؤلف ألمانيا، وبلهجة إيطالية إذا كان الكاتب إيطاليا، وهكذا تتغير صورة محمد بتغير جنسية الكاتب. وإذا بحثنا في هذه السير عن الصورة الصحيحة فإنا لا نكاد نجد لها من أثر. إن المستشرقين يقدمون لنا صورا خيالية هي أبعد ما تكون عن الحقيقة! إنها أبعد عن الحقيقة من أشخاص القصص التاريخية التي يؤلفها أمثال (وولتر سكوت) و (إسكندر ديماس)
стр. 9
وذلك أن هؤلاء يصورون أشخاصا من أبناء قومهم، فليس عليهم إلا أن يحسبوا حساب اختلاف الأزمنة، أما المستشرقون فلم يمكنهم أن يلبسوا الصورة الحقيقية لأشخاص السيرة، فصوروهم حسب منطقهم الغربي وخيالهم العصري. وأن الدكتور (سنوك هيرغرنجة) ليقول بحق في نهاية نقده لكتاب المستشرق غريم (إننا نرى أن الأستاذ غريم لو اقتصر على درس السيرة النبوية القديمة وبحثها بعمق لكان أفضل، وأن الثمار التي كان يمكن أن يجنيها من مثل هذا الدرس لهي أجدر ببلوغ الغاية التي توخّاها، ولكنه ظن أن هذا عمل ليست له أهمية كبيرة، وأراد أن يطرف الناس بنبأ جديد ففشل في وضع السير النبوية) ..» «١» .
وفي ختام كتاب (آتيين دينيه) القيم (الشرق كما يراه الغرب) ترد بعض الآراء حول (المنهج) حيث يقول «لقد أصاب الدكتور سنوك هيرغرنجة بقوله «إن سيرة محمد الحديثة تدل على أن البحوث التاريخية مقضي عليها بالعقم إذا سخرت لآية نظرية أو رأي سابق» . هذه حقيقة يجمل بمستشرقي العصر جميعا أن يضعوها نصب أعينهم، فإنها تشفيهم من داء الأحكام السابقة التي تكلفهم من الجهود ما يجاوز حدّ الطاقة فيصلون إلى نتائج لا شك خاطئة «٢» . فقد يحتاجون في تأييد رأي من الآراء إلى هدم بعض الأخبار، وليس هذا بالأمر الهين، ثم إلى بناء أخبار تقوم مقام ما هدموا، وهذا أمر لا ريب مستحيل. إن العالم في القرن العشرين يحتاج إلى معرفة كثير من العوامل الجوهرية كالزمن والبيئة والإقليم والعادات والحاجات والمطامح والميول.. إلخ لا سيما إدراك تلك القوى الباطنة التي لا تقع تحت مقاييس المعقول والتي يعمل بتأثيرها الأفراد والجماعات» . ثم ما يلبث دينيه أن يضرب (مثلا عكسيا) فيقول: «ما رأي الأوروبيين في عالم من أقصى الصين يتناول المتناقضات التي تكثر عن مؤرخي الفرنسيين ويمحصها بمنطقها الشرقي البعيد، ثم يهدم قصة (الكاردينال ريشيليو) كما نعرفها، ليعيد لنا ريشيليو آخر له عقلية كاهن من كهنة بكين وسماته وطباعه!؟ إن مستشرقي العصر الحاضر قد انتهوا إلى مثل هذه النتيجة فيما يتعلق برسمهم الحديث في سيرة
стр. 10
الرسول ﷺ ويخيل إلينا أننا نسمع محمدا يتحدث في مؤلفاتهم إما باللهجة الألمانية أو البريطانية أو الفرنسية ولا نتمثله قط- بهذه العقلية والطباع التي ألصقت به- يحدّث عربا باللغة العربية» ، وينتهي المستشرق الفرنسي- الذي أعلن إسلامه- إلى القول «إن صورة نبيّنا الجليلة التي خلفها المنقول الإسلامي تبدو أجلّ وأسمى إذا قيست بهذه الصور المصطنعة الضئيلة التي صيغت في ظلال المكاتب بجهد جهيد» «١» .
ويحدثنا المستشرق البريطاني المعاصر (مونتكمري وات) في كتابه (محمد في مكة) كيف «إن عزيمة محمد في تحمّل الاضطهاد من أجل عقيدته، والخلق السامي للرجال الذين آمنوا به، وكان لهم بمثابة القائد، وأخيرا عظمة عمله في منجزاته الأخيرة، كل ذلك يشهد باستقامته التي لا تتزعزع؛ فاتهام محمد بأنه دجّال Imposteur يثير من المشاكل أكثر مما يحلّ، ومع ذلك فليس هناك شخصية كبيرة في التاريخ حطّ من قدرها في الغرب كمحمد. فقد أظهر الكتاب الغربيون ميلهم لتصديق أسوأ الأمور عن محمد. وكلما ظهر أي تفسر نقدي لواقعة من الوقائع ممكنا قبلوه» . ثم يقدم (وات) قاعدة منهجية تكاد تكون بديهة من بداهات المنهج الأساسية، إلا أنها في موقف الغربيين إزاء شخصية محمد تضيع ويوقف العمل بها.. «فإذا أردنا أن نصحح الأغلاط المكتسبة من الماضي بصدده، فيجب علينا في كل حالة من الحالات، لا يقوم الدليل القاطع على ضدّها، أن نتمسك بصلابة بصدقه، ويجب علينا ألا ننسى أيضا أن الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنا، وأنه في مثل هذا الموضوع يصعب الحصول عليه» «٢» .
وفي مكان آخر يضرب (وات) بالمستشرق الفرنسي (لامانس) مثلا على الانحرافات المنهجية التي يمارسها كثير من المستشرقين، وبخاصة ذلك (الخطأ) الذي سبق أن ذكرناه والذي يقوم على جعل الوقائع التاريخية مجالا انتقائيا للتدليل على فكرة مسبقة أو اتجاه محدّد سلفا. إن لامانس «للأسف!! يتجاوز الأدلة كثيرا في ناحية أخرى، إذ أن طريقته العابثة (!!) في المعالجة ليست طريقة علمية (!!) ، فهو يرفض هذا الرأي ويقبل الآخر حسب أفكاره الخاصة ومعتقداته، دون أن يعبأ بالموضوعية. ففي عبارة (الأحابيش وعبيد أهل مكة) نجد أن (الواو)
стр. 11
تفسيرية تشير إلى أن الأحابيش من ضمن العبيد، بينما نجد في عبارة (الأحابيش ومن أطاعهم- أي القرشيين- من قبائل كنانة وأهل تهامة) أن (الواو) تدل على تمييز تام. ولكن لماذا يفعل لامانس ذلك؟ يبدو أنه يؤكد تحقيق النظرية التي يحاول التدليل عليها» «١» .
ونحن نستطيع أن نحصل على عشرات، بل مئات، من هذا (الانتقاء الكيفي) أو التفسير (الاختياري) للنصوص التاريخية في كثير من كتب المستشرقين وبخاصة أجيالهم الأولى. فبروكلمان- على سبيل المثال- لا يشير إلى دور اليهود في تأليب الأحزاب على المدينة، ولا إلى نقض بني قريظة عهدها مع الرسول ﷺ في أشد ساعات محنته، ولكنه يقول «ثم هاجم المسلمون بني قريظة الذين كان سلوكهم غامضا على كل حال» «٢» . ويتغاضى (إسرائيل ولفنسون) عن حادثة نعيم ابن مسعود في معركة الخندق كسبب في انعدام الثقة بين المشركين واليهود «٣» ، ولعله يريد أن يوحي بذلك أن اليهود لا يمكن أن يخدعوا!!
ودرمنغم يشير هو الآخر، وبوضوح أشد، إلى الأزمة المنهجية التي تعرّض معظم البحاث الغربيين عن حياة الرسول ﷺ لأخطاء لن يغفرها العلم، وكيف أنها في العقود الأخيرة- بدأت تخف تدريجيا. إن سيرته- يقول درمنغم- «تحاط في زماننا بكثير من التحفظات، ولا ريب في مجاوزة النقد للحد أحيانا على وجوه مختلفة مع الأسف، ولكن من المؤكد أنه لا يحدث اليوم عن حياة محمد بتعابير ووجهات نظر كالتي جاءت في كتب التراجم الأخيرة التي ظهرت في المكتبة الفرنسية منذ خمسين سنة ككتاب واشنطن أرفنج» ، ويمضي درمنغم إلى القول بأنه «جد في البحث العلمي بعض العلماء في القرن التاسع عشر ومنهم كوسان دوبرسفال وموير وفيسل ومرغليوث ونولدكه وشپرنجر وهورغرنجه ودوزي، ثم تناوله- أي النبي ﷺ مؤخرا كايتاني ولا مانس وماسنيون ومونته وكازانوفا وبيل وهوار وهوداس وأرنولد ومارسيه وغريم وغولدسيهر وغودفروا ومونبيه وغيرهم.
ومن المؤسف حقا أن غالى بعض هؤلاء المتخصصين في النقد أحيانا، فلم تزل كتبهم عامل هدم على الخصوص.. ومن المحزن ألا تزال النتائج التي انتهى إليها
стр. 12
المستشرقون سلبية ناقصة، ولن تقوم سيرة على النفي، وليس من مقاصد كتابي أن يقوم على سلسلة من المجادلات المتناقضة ... ومن دواعي الأسف أن كان الأب لامانس، الذي هو من أفضل المستشرقين المعاصرين، ومن أشدهم تعصبا، وأنه شوّه كتبه الرائعة الدقيقة وأفسدها بكرهه للإسلام ونبي الإسلام فعند هذا العالم اليسوعي أن الحديث إذا وافق القرآن كان منقولا عن القرآن، فلا أدري كيف يمكن تأليف التاريخ إذا اقتضى تطابق الدليلين تهادمهما بحكم الضرورة، بدلا أن يؤيد أحدهما الآخر؟» «١» .
وهذا يقودنا إلى موقف بعض المستشرقين من القرآن، كمصدر أساسي من مصادر السيرة، ذلك أن اعتماد القرآن في هذا المجال يمكن أن يعتبر سلاحا ذا حدين، اعتمد جانبه الإيجابي مؤرخون كجواد علي وصالح أحمد العلي ومحمد عزة دروزة، واعتمد الجانب السلبي مستشرقون كوات وشپرنجر، وولفنسون، وغيرهم، وذلك بنفي الكثير من أحداث السيرة، ما دامت لم ترد في القرآن الكريم؛ وكأن القرآن كتاب تاريخي خاص بتفاصيل حياة محمد ﷺ !! وهذا مكنهم من عملية انتقاء مغرضة ذات طابع سلبي معاكس، وهي التشكيك ورفض كل رواية لا ترد مؤيداتها في القرآن، إذا كان في هذه الرواية تمجيد للنبي ﷺ ، أو إذا كان في نفيها تأكيد لأحدى وجهات النظر الاستشراقية.
فمثلا نجد Sprenger يرى أن اسم النبي ورد في أربع سور من القرآن هي آل عمران والأحزاب ومحمد والفتح، وكلها سور مدنية، ومن ثم فإن لفظة (محمد) لم تكن اسم علم للرسول قبل الهجرة، وإنما اتخذه بتأثير قراءته للإنجيل واتصاله بالنصارى «٢» !! وإذا كان النبي ﷺ قد التقط اسم (محمد) من خلال قراآته لنبوآت الإنجيل فأين ذهب إذن (محمد) الحقيقي الذي بشر به العهدان القديم والجديد؟
وهنالك مثل آخر، إن إسرائيل ولفنسون يشير، بصدد مهاجمة يهود بني النضير، إلى أن مؤرخي العرب يذكرون سببا آخر لإعلان الحرب على هذه الطائفة اليهودية ذلك هو محاولتهم اغتيال الرسول ﷺ «لكن المستشرقين- يقول ولفنسون ينكرون صحة هذه الرواية ويستدلون على كذبها بعدم وجود ذكر لها في سورة
стр. 13
الحشر التي نزلت بعد إجلاء بني النضير.. والذي يظهر لكل ذي عينين (!!) أن بني النضير لم يكونوا ينوون الغدر بالنبي واغتياله على مثل هذه الصورة لأنهم كانوا يخشون عاقبة فعلتهم هذه من أنصاره «١» ولو أنهم كانوا ينوون اغتياله غدرا لما كانت هناك ضرورة لإلقاء الصخرة عليه من فوق الحائط، كان في استطاعتهم أن يفاجئوه وهو يحادثهم إذ لم يكن معه غير قليل من أصحابه «٢» » ، ويبدو أن ولفنسون يغافل هنا مسألة التركيب النفسي (لليهودي) وتجنّبه المعروف لأيّة مجابهة حقيقية!!
إننا في مجال الانتقاء والتفسير والنفي الاعتباطي هذا، نرجع- مرة أخرى- إلى عبارة (وات) الذكية والتي قالها في هذا الصدد، لكنه لم يلتزم العمل بها دائما!! .. «.. إذا أردنا أن نصحّح الأغلاط المكتسبة من الماضي بصدد محمد، فيجب علينا في كل حالة من الحالات لا يقوم الدليل القاطع على ضدها أن نتمسك بصلابة بصدقه، ويجب ألا ننسى أيضا أن الدليل القاطع يتطلب لقبوله أكثر من كونه ممكنا، وإنه في مثل هذا الموضوع يصعب الحصول عليه» «٣» .
وفضلا عن هذا، نجد أن الطابع العلماني، الوضعي، للمناهج الغربية في تعاملها مع تاريخنا، أوقع عددا من المستشرقين في خطأ آخر مفاده أن الرسول ﷺ لم يكن يخطو خطوة واحدة وهو يعلم مسبقا ما الذي يليها!! أي إن نشاطه كانت توحي به الظروف (الراهنة) ومتطلباتها ولوازمها. وأبرز مثل في هذا المجال ما ذكره (فلهاوزن) وعدد من رفاقه حول قومية الحركة الإسلامية في عصرها المكي، وأنها لم تنتقل إلى المرحلة العالمية- في العصر المدني- إلا بعد أن أتاحت لها (الظروف) ذلك، ولم يكن الرسول ﷺ ليفكر بذلك من قبل، وما قالوه حول اعتماد الرسول ﷺ أسلوب (اللاعنف) في العصر المكي وتحوله إلى القوة بعد أن شكل دولة في المدينة وتجمع حوله المقاتلون «لقد كان في وسع محمد- يقول فلها وزن- من طريق عقيدة تتجاوز دائرة معتنقيها الدائرة التي ترسمها رابطة الدم، أن يحطم رابطة الدم هذه لأنها لم تكن بريئة من العصبية وضيقها، ولا كانت ذات صبغة خارجية عارضة، هذا هو الذي جعلها لا تتسع لقبول عنصر غريب عنها، ولكن محمدا لم يرد ذلك. ومن الجائز أيضا أنه لم يكن يستطيع أن
стр. 14
يتصور إمكان رابطة دينية في حدود غير حدود رابطة الدم» «١» .
وفي مكان آخر يقول «وليس ثمّ ما يدعو الإنسان لأن يعيب عليه- أي محمد- أنه حقق إنشاء مملكة الله في الأرض على الأساس الطبيعي الذي وجده أمامه، فهو وإن كانت الضرورات العملية، في كثير من الأحيان، قد اضطرته أو هي انحرفت به إلى استعمال وسائل غير مقدّسة، من غير أن يسند ذلك إلا إلى الله، فلا يسوغ للمؤرخ من أجل ذلك أن يعتبره منافقا» «٢» .
ويرفض (سير توماس أرنولد) في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) هذه الرؤية الخاطئة فيقول «من الغريب أن ينكر بعض المؤرخين أن الإسلام قد قصد به مؤسسه في بادىء الأمر أن يكون دينا عالميا برغم هذه الآيات البيّنات «٣» .. ومن بينهم السير وليم موير إذ يقول (إن فكرة عالمية الرسالة قد جاءت فيما بعد، وأن هذه الفكرة، على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها، لم يفكر فيها محمد نفسه، وعلى فرض أنه فكر فيها، فقد كانت الفكرة غامضة، فإن عالمه الذي كان يفكر فيه إنما كان بلاد العرب، كما أن هذا الدين الجديد لم يهيّأ إلا لها. وأن محمدا لم يوجه دعوته، منذ بعث إلى أن مات، إلا للعرب دون غيرهم) . وهكذا نرى أن نواة عالمية الإسلام قد غرست، ولكنها إذا كانت قد اختمرت ونمت بعد ذلك فإنما يرجع هذا إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والمناهج» «٤» .
وفي مكان آخر يقول أرنولد «لم تكن رسالة الإسلام مقصورة على بلاد العرب بل إن للعالم أجمع نصيبا فيها، ولم يكن هناك غير إله واحد، كذلك لا يكون هناك غير دين واحد يدعى إليه الناس كافة» «٥» .
ولم يقف أرنولد وحده؛ بمواجهة هذا الخطأ الواضح إنما هناك كولدزيهر «٦»
стр. 15
ونولدكه «١» وسخاو «٢» الذي يؤكد «أن الرسالة الإلهية ليست مقصورة على العرب، بل إن إرادة الله تشمل جميع المخلوقات، ومعنى ذلك خضوع الإنسانية كلها خضوعا مطلقا. وقد كان لمحمد بوصفه رسولا من الله، حق المطالبة بهذه الطاعة، وقد كان عليه أن يطالب بها، وهذا ما ظهر من أول الأمر جزء لا ينفصل من جملة ما أراد تحقيقه من مبادىء ... » «٣» .
ويرفض أرنولد الخطأ الآخر الذي يرى أن محمدا قد تحوّل إلى القوة بمجرد أن واتته الظروف، وهو رأي قد صرّح به- نقلا عن فلهاوزن- بعض الباحثين ولاسيما ميور عندما تحدث عن مذبحة بني قريظة فقال «إن الدعائم التي سار عليها محمد قدما كانت سياسية محضة، إذ أنه لم يكن قد أقر حتى ذلك الحين طريقة إكراه الناس على اعتناق الإسلام أو معاقبتهم على رفضه..» «٤» .. إذ يقول أرنولد «إنما المهم أن نتبين كيف أن محمدا، عندما رأى أنه على رأس جماعة مسلّحة من أتباعه لم يتحوّل دفعه واحدة، كما قد يريدنا البعض على الاعتقاد، من داعية مسالم إلى متعصّب يحمل سيفه بيده ويفرض دينه على كل من استطاع، وقد أكّد الكتّاب الأوروبيون على ذلك مرارا» «٥» .
إلا أن أرنولد لم ينج من الوقوع في الخطأ نفسه عند ما يقول «كانت رغبة محمد ترمي إلى تأسيس دين جديد، وقد نجح في هذا السبيل، ولكنه في الوقت نفسه أقام نظاما سياسيا له صفة جديدة متميزة تميزا تاما. وكانت رغبته بادىء الأمر مقصورة على توجيه بني وطنه إلى الاعتقاد بوحدانية الله» «٦» .
غير أن أسوأ نموذج يمكن أن نجده لهذه الانحراف المنهجي، حول مسألة تأثر الرسول ﷺ بالظروف الراهنة، وتحركه وفق مستلزماتها، ما ذكره بندلي جوزي، أحد رواد التفسير المادّي للتاريخ الإسلامي، في كتابه (من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام) حيث يقول «إن سياسة النبي مع المكيين قد تغيّرت كثيرا في المدينة تحت تأثير عوامل جديدة ولأسباب عديدة أوجدتها الظروف وأدى إليها الاختيار وحب النبي لوطنه الأصلي وأهله وذويه إلى غير ذلك من
стр. 16
الانفعالات النفسية والعوامل السياسية التي ظهرت بعد موقعتي بدر وأحد وحصار المدينة، وكان من نتائجها أن النبي أخذ يلطّف من سياسته نحو إخوانه المكيين، كما أن أصحاب السلطة في مكة رأوا- بعد ما أصابهم في موقعة بدر، وبعد ما لحق بتجارهم من الخسائر- أن يتساهلوا في أمور كثيرة مع النبي على شروط تضمن لهم بقاء الكعبة والحج وعكاظ على ما كانت عليه قبل الإسلام، وأن يشملهم بالعفو- إلا بعض أشخاص- ويشركهم في عمله الجديد الذي أخذوا يتوقعون منه خيرا لأنفسهم. وربما كان من شروط التفاهم «١» أن يبقى النبي في المدينة وألايتعرض في كلامه لأمورهم المالية، فكانت الحديبية، وسياسة (تأليف القلوب) أو بعبارة أخرى سياسة التسامح والتساهل المتبادل) Compromis (فصار الناس (يدخلون في دين الله أفواجا) لا عن اعتقاد بصحة الدين الجديد الذي لم يكونوا يعرفون عنه إلا الشيء القليل، بل عن رغبة في التقرب من أصحاب السلطة الجدد، وحفظا لمراكزهم القديمة وثروتهم المجموعة في أجيال. يخيل لي- يقول جوزي- إن من جملة الشروط التي اتفق عليها الطرفان في الحديبية أو في زمان ومكان آخرين، أن يكفّ النبي عن الطعن في الملأ المكي، وأن لا يحرّض صعاليك العاصمة الحجازية وأرقاءها عليه، وهذا- على ما يظهر لي- أحد أهم أسباب خلو السور المدنية، ولاسيما تلك التي نزلت في الدور الأخير، من العبارات القارصة والطعن في سكان مكة «٢» . وهناك سبب آخر لا يقل خطورة عن الذي ذكرناه الآن، وهو أن حالة النبي الاجتماعية في المدينة تغيرت- كما هو معلوم- تغيرا ظاهرا أدى إلى تغيير نفسيته. فكان من نتائج هذا التغيير ومن الأسباب التي ذكرنا بعضها وغيرها مما لم نذكر (؟) أن بعض إصلاحات النبي الاجتماعية والدينية جاءت مبتورة، وفيها شيء مما يدعوه الأوروبيون:
التساهل» «٣» .
ويمضي بندلي جوزي إلى القول بأن «الدور المكي كان دور تمهيد
стр. 17
واستعداد، دور بثّ دعوة جديدة بين طبقات الأمة، دور حرب ونزاع كلامي بين رجل ثابت في مبادئه، مخلص في عمله، وبين طبقة من الناس شعرت بالخطر على ثروتها وزعامتها في البلاد، فهبّت تقاوم ذلك الرجل وتناوئه، دور جهود وأحلام لو تحققت كلها لقلبت البلاد رأسا على عقب. ما أجمل هذا الدور وما أعظمه وما أحلى تلك الأحلام والمساعي التي بذلت في تحقيقها!! وأما الدور الثاني فكان دور عمل وتنظيم، ودور حروب وافتتاحات، ودور سياسة ومكاشفات أدّت إلى تساهل من الطرفين. ومعنى التساهل في مثل هذه الثورات الاجتماعية هو التنازل عن بعض مطالب أو مبادىء، أو التلطّف في الطلب، والرجوع عن بعض الأفكار، أو وضعها في قالب يرضاه الفريقان. وهذا ما كان من أمر النبي العربي، ورئيس جمهورية مكة (أبو سفيان) الخبير المحنك الذي كان يتكلم بلسان الملأ المكي، هذا يعترف بسيادة النبي الروحية والعالمية، ويهجر الأوثان، ويؤدي الزكاة ويقيم الصلاة، وذاك يتعهد أن تبقى مكة مركز البلاد العربية الديني وأن يجعل لأعيان مكة وقادة أفكارها حظا في إدارة المملكة أو الجمهورية الروحية الجديدة، وأن يتركهم وشأنهم يتاجرون ويعيشون كما يشاؤون. أما الفريق الثالث (أي الفقراء) ، وهو الطرف الذي استعرّت الحرب لأجله، وظهرت الدعوة لتحسين أحواله، فقد أرضوه في بادىء الأمر بشيء من الصدقات والزكاة ثم نسوه أو تناسوه بعد وفاة النبي وخلفائه الأولين، فرجع إلى حالته الأولى بل إلى ما هو أسوأ منها» «١» .
إن فهم السيرة لا يمكن أن يتم إلا وفق نظرة شمولية تدرس حركة الإسلام كخطوات في برنامج شامل مرسوم في علم الله، ومحدّد في قرآنه، وأن الرسول ﷺ لم يكن سوى منفّذ لهذا البرنامج بأسلوب يعتمد على قدراته وأخلاقيته وذكائه وإمكاناته الفذة في التخطيط والتنفيذ.. ورغم أن القرآن الكريم نزل منجّما، وراحت آياته تنزل على مكث لكي تلامس الأحداث وتعلق عليها (بعد وقوعها) إلا أنه بمجموعه كمبدأ (أيديولوجية) لا يخرج عن نطاق كونه برنامجا إلهيا شاملا ترتبط ممارساته الجزئية بكليّات شاملة محددة سلفا في علم الله. ومن ثم فإن (الظروف الراهنة) ليست هي الحتمية المؤقتة التي تحدد مسار الإسلام وخطى
стр. 18
رسوله إنما هناك (الهدف) الذي يفرض أحيانا (وقفة) ضد الأعراف والظروف و (تمردا) عليها و (انقلابا) شاملا على مواضعاتها، وهذا ما يبدو واضحا منذ أول لحظة، في الشعار الحاسم الذي طرحه الرسول ﷺ بوجه الجاهلية (لا إله إلا الله!!) ، فأي ظرف راهن، موقوت، أوحى بهذا الشعار الانقلابي الشامل الذي جاء يدمر على الوجود الجاهلي جلّ قيمه وأهدافه ومعالمه ومفاهيمه وعاداته وتقاليده؟!
إن توماس أرنولد يشير إلى ذلك بوضوح عندما يقول «لا يعزب عن البال كيف ظهر جليا أن الإسلام حركة حديثة العهد في بلاد العرب الوثنية، وكيف كانت تتعارض والمثل العليا في هذين المجتمعين تعارضا تاما. ذلك أن دخول الإسلام في المجتمع العربي لم يدل على مجرد القضاء على قليل من عادات بربرية وحشية فحسب وإنما كان انقلابا كاملا لمثل الحياة التي كانت من قبل ...
والواقع أن المبادىء الأساسية في دعوة محمد كانت تعارض كثيرا ما كان ينظر إليه العرب نظرة ملؤها التقدير والإجلال حتى ذلك الحين، كما أنها كانت تعلّم حديثي العهد بالإسلام أن يعدوا من الفضائل صفات كانوا قبل إسلامهم ينظرون إليها نظرة الاحتقار» «١» .
إن القرآن الكريم كان قضية فوقية جاءت آياته لتقود الإنسان في كل زمان ومكان إلى عصر جديد، ولم يكن (ينفعل) انفعالا مؤقتا بالوضع السائد، سلبا وإيجابا، كما يتصور معظم المستشرقين مسيحيين وماركسيين، وإنما كان ينظر نظرة شمولية بعيدة كل البعد عن ردّ الفعل المباشر، وهذا هو الذي يفسر لنا الكثير من الأخطاء التي مارستها مناهج البحث الغربية.
ونحن لا نطلب من الغربيين هنا أن يؤمنوا أن القرآن منزل من السماء وأن محمدا رسول.. وإنما نطلب أن يكونوا أكثر تجرّدا وموضوعية فينظروا إلى سيرة الرسول ﷺ كوحدة عضوية متكاملة، وإلى القرآن الكريم كبرنامج Ideology مترابط، تعلو معطياته على الظروف الموقوتة زمانا ومكانا، رغم ملامساتها اليومية المباشرة للوقائع الزمانية والمكانية، ولكنها الملامسة التي تنبثق عنها قيم ودلالات
стр. 19
ذات طابع شمولي ما كان للمستشرقين أن يغافلوا عن أبعادها!!
وكما كشف المستشرقون، بتعمقهم ونفاذهم وإحاطتهم، النقاب عن الكثير من الجوانب المضطربة الغامضة في تاريخنا الإسلامي عامة، بما فيه سيرة الرسول ﷺ ، إلا أنهم- بأخطائهم المنهجية آنفة الذكر- طرحوا الكثير من النتائج والمعطيات الموضوعية الخاطئة، وهذا أمر طبيعي، فالخطأ لا ينتج إلّا الخطأ، والبعد عن الموضوعية، لا يقود إلا إلى نتائج لا تحمل من روح العلم والجدية إلا قليلا.
وليس هنا مجال عرض هذه المعطيات والنتائج، ومناقشتها، فلهذا مجال آخر كما سبق وأن ذكرنا ... إلّا أننا نطرح فيما يلي نماذج محدودة فحسب من حصاد ضخم يمكن أن يجنيه كل دارس بتأن ورويّة، لما كتبوه عن حياة الرسول ﷺ وهو حصاد يحمل في ثناياه عناصر تناقضه واضطرابه وخروجه عن البحث المنهجي الدقيق.
يقول بروكلمان: «في هذه الأثناء كان مسلمو مكة، على ما تقول الروايات، يعانون أزمة جديدة. ذلك أن حديث محمد عن إسرائه العجيب، برفقة جبريل إلى بيت المقدس، ومن ثم إلى السماء، كان قد أوقع موجة من الشك في نفوس بعض المؤمنين، ولكن أبا بكر ضرب بإيمانه الراسخ مثلا طيبا لهؤلاء المتشككين فزايلتهم الريب والظنون. ومن الجائز أن تكون هذه الرحلة السماوية التي كثيرا ما أشير إليها بعد في الأساطير الغريبة التي خلفتها لنا الكتب الإسلامية جميعها، أقدم من ذلك عهدا، ولعلها ترجع إلى الأيام الأولى للبعثة النبوية. وأمثال هذه الرؤى في أثناء تهجّد العرّاف معروفة ثابتة لدى بعض الشعوب البدائية» «١» .
«وقد حالت الظروف بين الرسول وبين الشروع في شن حملة نظامية مباشرة على المشركين. فقد كانت فكرة الشرف العربية القديمة تمسك المهاجرين عن محاربة إخوانهم من قريش في حين كان المدنيون غير شديدي الميل إلى تعكير صفو السلم مع جيرانهم الأقوياء.. حتى إذا كان شهر رجب الحرام وجه جماعة من الغزاة بأوامر سرّية، فوفقت إلى مباغتة قافلة بالعروض، كانت حاميتها
стр. 20
العسكرية تتقدمها مطمئنة إلى حرمة الشهر، فأصابت غنائم عظيمة عادت بها إلى المدينة. ولكن هذا النقض للقانون الخلقي القبلي لم يلبث أن أثار عاصفة من الاستنكار في المدينة نفسها، فما كان من محمد إلا أن أنكر صنيع أتباعه، الذي تم وفقا لرغباته بلا خلاف، وعزاه إلى سوء فهم لأوامره. ولم يجرؤ على إعلان شرعية الحرب ضد المشركين، وتوزيع الغنائم حتى في الشهر الحرام، إلا في آيات متأخرة، بعد أن كانت الغنائم العظيمة قد أثارت مطامعه إثارة كافية» «١» .
«وتأثرت اتجاهات النبي الدينية، في الأيام الأولى من إقامته في المدينة، بالصلة التي كانت بينه وبين اليهود، وأغلب الظن أنه كان يرجو، عقب وصوله إلى المدينة، أن يدخل اليهود في دينه، وهكذا حاول أن يكسبهم عن طريق تكييف شعائر الإسلام بحيث تتفق وشعائرهم في بعض المناحي.. ولم يطل العهد بمحمد حتى شجر النزاع بينه وبين أحبار اليهود، فالواقع أنهم على الرغم مما تم لهم من علم هزيل في تلك البقعة النائية، كانوا يفوقون النبي الأمي في المعلومات الوضعية وفي حدة الإدراك. فالفجوات المختلفة التي تكشف عنها علمه بالعهد القديم والتي كان قد تركها عارية في السور المكية، لم يعد من الممكن أن تظل خافية عليهم. ولكن إشارتهم الساخرة إلى هذه الفجوات كانت أعجز من أن تزعزع إيمانه بصحّة ما يوحى إليه» «٢» .
«وكان على محمد أن يعوّض خسارة (أحد) التي أصابت مجده العسكري، من طريق آخر، ففكر في القضاء على اليهود، فهاجم بني النضير لسبب واه» «٣» .
«وفي سنة ٦٢٨ (٧ هـ) حاول النبي أن يعوض فشله الظاهري في الحديبية فقاد المسلمين في حملة على المستعمرة اليهودية الغنية في خيبر» «٤» .
стр. 21
دوزي: «كان محمد يشاطر بني جلدته نظرتهم (القائمة على الاحتقار) إلى اليمنيين والزراع حتى ليؤثر عنه أنه سمع رجلا ينشد بيتا يشير فيه إلى أنه حميري وليس أسلافه من ربيعة ولا مضر، فقال له ما معناه: أفّ لك، إن هذا نسب يبعدك عن الله ورسوله. ويقال أيضا أنه رأى محراثا في بيت رجل من أهل المدينة، فذكر له أنه ما دخل دار قوم إلا دخلها الذل. إلا أنه لما يئس من حمل أهل جنسه من التجار والبدو على اعتناق مبادئه، ولما رأى أنه مهدد في حياته منذ أن مات عمه وحاميه أبو طالب، فقد اضطر لتناسي هذه النظرة وقبول كل مساعدة من أي جانب صدرت عنه. فرحب بوفود عرب المدينة الذين عطفوا عليه وأكرموه لما أنزل به المكيون من الاضطهاد والتنكيل» «١» .
«وطال أمد النضال بينهم وبين مشركي مكة حتى استغرق ثماني سنوات نشرت خلالها جيوش المسلمين الرعب في شتى بقاع شبه الجزيرة مما حمل كثيرا من القبائل على اعتناق الدين الجديد ... وانتهى الأمر أخيرا بفتح مكة، الذي يصوّر الذروة التي آلت إليها قوة محمد. ففي هذا اليوم تطلّع أهل المدينة للأخذ بثأرهم من هؤلاء التجار المتكبرين الساخرين بهم.. غير أن أحلامهم تلاشت إذ أمر الرسول قواده باصطناع الرأفة البالغة، وساعده المكيون- صامتين- في تحطيم أصنامهم المنصوبة في الكعبة.. تعبدها شتى القبائل التي اعترفت بمحمد رسولا لله، والغيظ يملأ قلبها، وكتمت في نفسها الانتقام إلى يوم تسنح لها فيه الفرصة من هؤلاء الأجلاف: يهود المدينة (!!) الذين دنسوا الشرف بغزوهم لبلدهم.
وبعد أن تم فتح مكة رأت القبائل الباقية على شركها عدم جدوى المقاومة واعتنقت الإسلام، تحت عامل الخوف من حرب مهلكة، إذ كان قواد محمد يدعون للدين حاملين القرآن في يد والسيف في أخرى» «٢» .
فلهاوزن: «ولم يبق الإسلام على تسامحه- بعد بدر- بل شرع في الأخذ بسياسة الإرهاب في داخل المدينة، وكانت إثارة مشكلة المنافقين علامة على ذلك التحول.. أما اليهود فقد حاول أن يظهرهم بمظهر المعتدين الناكثين للعهد. وفي غضون سنوات قليلة أخرج كل الجماعات اليهودية، أو قضى عليها في الواحات المحيطة بالمدينة حيث كانوا يكوّنون جماعات متماسكة كالقبائل العربية، وقد
стр. 22
التمس لذلك أسبابا واهية ... » «١» .
مركوليوث: «عاش محمد هذه السنين الست، بعد هجرته إلى المدينة على التلصص والسلب والنهب، ولكن نهب أهل مكة قد يبرّره طرده من بلده ومسقط رأسه وضياع أملاكه وكذلك بالنسبة إلى القبائل اليهودية في المدينة. فقد كان هناك على أي حال سبب ما- حقيقيا كان أم مصطنعا- يدعو إلى انتقامه منهم، إلا أن خيبر التي تبعد عن المدينة كل هذا البعد لم يرتكب أهلها في حقه ولا في حق أتباعه خطأ يعتبر تعديا منهم جميعا، لأن قتل أحدهم رسول محمد لا يصح أن يكون ذريعة للانتقام.. وهذا يبين لنا ذلك التطور العظيم الذي طرأ على سياسة محمد، ففي أيامه الأولى في المدينة أعلن معاملة اليهود كمعاملة المسلمين، لكنه الآن (بعد سنة ٦ هـ) أصبح يخالف تماما موقفه ذاك. فقد أصبح مجرد القول بأن جماعة ما غير مسلمة يعتبر كافيا لشن الغارة عليها ... وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي سيطرت على نفس محمد، والتي دفعته إلى شن غارات متتابعة، كما سيطرت على نفس الإسكندر من قبل ونابليون من بعد ... إن استيلاء محمد على خيبر يبين لنا إلى أي حد قد أصبح الإسلام خطرا على العالم» «٢» .
نولدكه: «لو أن القبائل العربية استطاعت أن تعقد بينها محالفات حربية دقيقة ضد محمد للدفاع عن طقوسهم وشعائرهم الدينية، والذود عن استقلالهم، لأصبح جهاد محمد ضدهم غير مجد، إلا أن عجز العربي عن أن يجمع شتات القبائل المتفرقة قد سمح له أن يخضعهم لدينه، القبيلة تلو الآخرى، وأن ينتصر عليهم بكل وسيلة، فتارة بالقوة والقهر، وتارة بالمحالفات الودية والوسائل السلمية» «٣» .
«كان النبي لا يتحرج في اختيار الوسائل التي تضمن له النجاح والظفر في الوقت الذي كان خياليا، ولم يكن له سلطان على خياله وعواطفه» «٤» .
بندلي جوزي «٥» : «لا شك أن النبي العربي لم يقصد بأقواله وأفعاله في مكة
стр. 23
والمدينة إلى أن يستأصل أسباب الشر الاجتماعي، ويقتل جميع جراثيمه، كما يحاول أن يفعل اليوم جماعة الاشتراكيين على اختلاف أسمائهم ونزعاتهم، بل كانت غايته الكبرى أن يخفف من وطأة تلك الأمراض على بعض طبقات الناس ممن خلقوا بعد قسمة الأرزاق أو وقعوا في الفقر والرق لأسباب لم يقو على مقاومتها، وإلا فلو أراد أن يقتل جراثيم الأمراض الاجتماعية كلها لكان لجأ بعد أن أصبح صاحب الأمر والنهي في جزيرة العرب، إلى وسائل غير تلك التي ذكرناها. وما مثل النبي من هذا الوجه إلا كمثل سائر الأنبياء الذين سبقوه، ولا سيما أنبياء بني إسرائيل، أي أنه فضّل استعمال الوسائل الأدبية- إلا فيما ندر من الظروف- على غيرها من الطرق التي لجأ إليها بعصرنا بعض مصلحي وسياسيي أوروبا كلينين وموسوليني وغيرهما.. وعليه يمكننا أن نقول إن محمدا أجاد في وصف الأمراض الاجتماعية العربية وتعدادها أكثر منه في علاجها واستئصال جراثيمها..» «١» .
مونتكمري وات: «إن زيارة محمد لحراء، وهو جبل قريب من مكة، بصحبة عائلته أو بدونها، ليست مستحيلة، ويمكن أن يكون ذلك للفرار من أتون المدينة خلال فصل الصيف للذين لا يستطيعون التوجه إلى الطائف، ويمكن للتأثير اليهودي- المسيحي ولا سيما مثل الرهبان، أو تجربة شخصية لمحمد، أن يكون قد أثار فيه الحاجة للخلوة والرغبة فيها» «٢» .
«تعتبر كلمة ناموس عادة مشتقة من كلمة Nomos اليونانية، وهي تعني إذن (الشريعة) أو (الكتب المقدسة) ، وهذا يتفق تماما مع ذكر موسى. وقد أبدى ورقة ملاحظة، بعد أن أخذ محمد يتلقى الوحي، وهي تعني أن ما نزل على محمد مماثل لكتب اليهود والمسيحيين المقدسة. كما أن محمدا سمع ما يوهمه بأنه مؤسس أمة ومشرع لها. وإذا كان محمد، كما يبدو، مترددا بطبعه، فإن هذا التشجيع بإقامة بناء ضخم على تجاربه يرتدي أكبر أهمية لتطوره الداخلي.. وقد تأثرت التعاليم الإسلامية اللاحقة كثيرا بأفكار ورقة» «٣» .
وفي مكان آخر من كتاب وات نقرأ هذه العبارات «ادعى كايتاني أن سكان المدينة رضوا بمحمد ككاهن أعلى فقط لأنهم كانوا بحاجة إلى الاستقرار الداخلي
стр. 24
في المدينة، وليس لأنهم يقبلون تعاليم القرآن بأكملها. وبعضهم كانوا مسلمين حقا.. ومن الممكن أيضا أن يكون محمد، نوعا ما، حاملا للأفكار اليهودية المسيحية في القرآن، بألفاظ عربية جاهلية، ولهذا أساء فهمها- كما يقول كايتاني ولكن المدنيين الذين كانوا يدافعون عن محمد كانوا يفهمون مبادىء الإسلام الأساسية ويؤمنون بها. فالله خالق الكون وسيّد العالم، وهو الحكم في اليوم الأخير، ومحمد حامل رسالة الله إلى العرب. وكان المسلمون يقيمون مجتمعا جديدا في المدينة، وكان هذا المجتمع يتطلب أساسا فكريا واضحا ومحددا. ومن الممكن أن يكون القليل من المسلمين في المدينة يدفعه حماس ديني قوي ولكنهم كانوا جميعا مؤمنين بالروابط الدينية ليشاركوا في بناء مجتمع يقوم على هذه الروابط بدلا من روابط النسب» «١» .
ويحضرنا، ونحن نعرض لتناقض المستشرقين في مسألة الأخذ عن الصحف القديمة، قول جواد علي بهذا الصدد «لا أهمية ولا معنى لقول شپرنكر أن محمدا قرأ وأخذ من مصدر آخر هو (صحف إبراهيم) المذكورة في القرآن الكريم. وقد ردّ على هذا الرأي نولدكه بقوله (لو فرضنا أن محمدا أخذ من هذه الصحف ونسبه لنفسه وادعاه على أنه وحي أوحى الله به إليه، لو فرضنا ذلك، فإن من غير المعقول عندئذ ذكر محمد لتلك الصحف في القرآن، لأن ذكرها فيه معناه إرشاد الناس إلى المورد الذي أخذ منه واتهام نفسه، ولهذا لا يعقل الأخذ بكلام شپرنكر) » «٢» .
ونمضي مع وات لنراه يقول في مكان آخر «لم يكن الإسلام.. حركة رجال من طبقة مستضعفة من حثالة الناس أو من طفيليين صعاليك حطوا رحالهم في مكة، ولم يستمد الإسلام قوته من رجال الدرجة السفلى من السلم الاجتماعي، بل من أولئك الذين كانوا في الوسط وأدركوا الفرق بينهم وبين أصحاب الامتيازات في الذروة، فأخذوا يقنعون أنفسهم بأنهم أقل امتيازا منهم، فنشأ صراع ليس بين الملاكين والمعوزين، بل بين الملاكين والذين هم أقل منهم» «٣» .
стр. 25
«كان الأشخاص الذين اتصل بهم محمد (في الطائف) ، وهم عبد ياليل وإخوته، ينتمون لقبيلة عمرو بن عمير المنتمية للأحلاف، فكانوا بذلك أنصار قريش، وربما راود محمدا الأمل باستمالتهم إليه بالتلويح لهم بتحريرهم من سيطرة مخزوم المالية» «١» .
ونتوقف عن سرد هذه (النماذج) للأخطاء (الموضوعية) التي قادت إليها الثغرات العديدة في (مناهج) البحث الاستشراقية لسيرة الرسول ﷺ ، فهي كثيرة لا يحصيها عدّ.. وننتقل- من ثمّ- لكي نعرض لهذه السيرة نفسها، وفق (منهج) أقرب ما يكون (لروح) هذه السيرة و (بنيتها) و (معطياتها) و (أرضيتها التاريخية) و (مصادرها الأساسية) .
أستميح القارىء عذرا إن قصّرت أو أخطأت، وأنتظر الفرصة التي يتيحها لي لتلافي التقصير وتسديد الخطأ.. فكل بنى آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون.. وصدق رسول الله.
عماد الدين خليل
стр. 26
الفصل الأول محمد ﷺ بين الميلاد والنبوّة
[١]
ولد محمد بن عبد الله ﷺ يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل (حوالي سنة ٥٧٠- ٥٧١ م) لأبوين عريقين في نسبهما ينتمي أحدهما، وهو عبد الله، إلى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب وتنتمي الآخرى، وهي آمنة، إلى وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب حيث تلتقي مع نسب زوجها عبد الله «١» . وكان منبت محمد ﷺ في أسرة لها شأنها بعض ما أعد الله لرسالته من نجاح. فالمجتمع العربي الأول كان يقوم على العصبيات القبلية الحادة، العصبيات التي تفنى القبيلة كلها دفاعا عن كرامتها الخاصة وكرامة من يمت إليها «٢» . وقد توفي أبوه، وهو في بطن أمه، خلال عودته من تجاره له إلى الشام، ونظرا إلى ما نعرفه من وجود الأوبئة في يثرب، ولا سيما وباء الملاريا (حمى يثرب) فلا يستبعد أن يكون هذا المرض هو السبب في وفاة عبد الله في المدينة ودفنه هناك «٣» .
وما أن رأت عينا محمد ﷺ النور حتى أرسلت أمه إلى جده عبد المطلب «إنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه» ، فجاءه وحمله إلى الكعبة حيث راح يدعو
стр. 27
الله ويشكر له ما أعطاه، ثم أعاده إلى أمه ريثما يلقى مرضعة له، ووقع اختياره على امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب «١» استصحبته معها إلى مضارب بني سعد حيث ظل محمد ﷺ يشب وينمو، يشرب من لبن مرضعته ويتنفس من هواء الصحراء الطلق ويزداد قوة وصحة وعافية، ولم يبلغ السنتين من عمره، حيث فطمته حليمة، حتى حملته وزوجها إلى أمه في مكة، وهما أحرص ما يكونان على مكثه فيهم لما كانوا يرون من بركته، فكلمات حليمة أمه وقالت لها «لو تركت ابنك عندي حتى يغلظ، فإني أخاف عليه وباء مكة» ، ولم تزل بها حتى أجابتها إلى طلبها «٢» .
وهناك، بعد أشهر من عودته إلى مضارب بني سعد، وقعت حادثة شق الصدر وعاد أخوه من الرضاعة يوما، وهو يلهث، فقال لأمه وأبيه، وهما يرعيان أغناما لهما خلف دورهم: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيضاء فاضجعاه وشقّا بطنه، فهما يسوطانه «٣» ، فخرجت حليمة وزوجها نحوه فوجداه قائما منتقع الوجه فسألاه: ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو.. وسرعان ما عادت به حليمة وزوجها إلى خبائهما «٤» . وظن الأب أن الغلام قد أصيب وطلب من زوجته أن تعيده إلى أهله قبل أن يستفحل به ذلك ويظهر، فحملته مرضعته وقدمت به إلى أمه فأعلمتها أنه قد بلغ، وأنها قد قضت الذي عليها، فأخذته أمه حيث ظلت ترعاه في حماية وإشراف من جده عبد المطلب. وعندما بلغ السادسة من عمره توفيت أمه بالأبواء، وهي في طريق عودتها إلى مكة في أعقاب زيارة لأهلها من
стр. 28
بني عديّ بن النجار قصدت بها أن تزيره إياهم، فتولى أمره جده عبد المطلب الذي كان يقعده إلى جواره في مجلسه في ظل الكعبة، ويقول لبنيه إذا ما أرادوا إبعاده عنه «دعوا ابني، فو الله إن له لشأنا» ثم يمسح ظهره بيده ويسرّه ما يراه يصنع «١» .
لم تطل رعاية الجد وعطفه الذي عوّض حفيده حدب الأب وحنان الأم، إذ ما لبث أن توفي، ومحمد لم يجاوز الثامنة من عمره فتولى أمره عمه أبو طالب، لأنه وعبد الله والد الرسول ﷺ كانا لأم واحدة «٢» ، ولم يكن أبو طالب بالرجل الموفور المال، وكان يعيل عددا من الأبناء الأمر الذي اضطر محمدا ﷺ أن يعينه في كسب قوته حسب طاقته، فكان يرعى له الأغنام وعندما قرر عمه الخروج في تجارة إلى الشام- وكان قد بلغ آنذاك التاسعة من عمره- رجاه أن يصحبه معه، فرق له أبو طالب وقال «والله لآخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا» «٣» .
لدى وصول المركب مدينة بصرى الواقعة على طريق التجارة إلى الشام، وهي أبعد مكان رآه الرسول ﷺ في حياته وأقصى موقع زاره في بلاد الشام «٤» نلتقي برواية طرحها عدد من مؤرخي السيرة القدماء دون نقد ولا تمحيص، تقول إنهم لما نزلوا قريبا من بصرى دعاهم إلى الطعام راهب يدعى (بحيرى) منقطع إلى صومعته يدرس فيها التوراة والإنجيل ويعبد الله.. فلما حضروا جميعا راح بحيرى يركز أنظاره على الصبيّ ويلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده كأنه كان يبحث ويمعن النظر في الصفات والملامح التي تحدثت عنها التوراة والإنجيل في النبي الذي حان موعد ظهوره. حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له: يا غلام، أسألك بحق اللّات والعزّى إلّا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فأجابه محمد: لا تسألني باللات والعزّى فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. قال بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه.
قال محمد: سلني ما بدا لك، فجعل بحيرى يسأله عن أشياء من حاله في نومه
стр. 29
وهيئته وأموره، فجعل محمد يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفاته.. فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابن أخي..
قال: ما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال بحيرى صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرا فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم «١» .
كان محمد ﷺ قد قام منذ صباه- لمساعدة عمه الفقير كثير العيال- برعي الأغنام لأهله وأهل مكة، كما قام بأعمال أخرى.. ولكن الرعي وهذه المساعدات لم تفده وقد بلغ هذا العمر، ولهذا كان أبو طالب يفكر في رزق يسوقه الله إليه يكون فيه أمن وطمأنينة له وكان ذلك عن طريق البيع والشراء والتجارة على عادة أغلب أهل مكة في ذلك العهد، وقد تكسّب محمد بالاشتغال بالبيع والشراء مستقلا بأعماله أحيانا ومشتركا مع غيره أحيانا أخرى.. وقد تاجر بشراء البزّ وبيعه يشتريه من سوق حباشة، على طريق اليمن، وهي سوق مشهورة لبيع هذه البضاعة، ويبيعه في مكة.. وقد عرف الرسول ﷺ بالأمانة والصدق في المعاملة، ولكنه لم يكسب من عمله في البيع والشراء مالا يذكر ولا ثروة تساعده وتساعد عمه أبا طالب في تمشية أموره.. لذا عرض عليه عمه أن يسهم في تجارة خديجة علها تدر عليه ربحا «٢» . وورد في بعض كتب السير «٣» أن محمدا قام لخديجة بسفرة أو سفرتين أو أربع سفرات إلى اليمن، إلى سوق حباشة أو إلى جرش، وذلك قبل قيامه بسفرته المشهورة إلى بصرى.. وأن خديجة دفعت له بعيرا عن كل سفرة قام بها إلى اليمن وأربع بكرات عن سفرته إلى بلاد الشام «٤» .
стр. 30
بلغ محمد ﷺ العشرين من عمره وبدأ يسهم في تجارب قريش السياسية والعسكرية والدينية، حيثما رأى في هذه التجارب حقا وعدلا، رافضا- من جهة أخرى- كل تصوراتها الخاطئة ومعتقداتها الوثنية وأخلاقياتها المتهافتة الساقطة..
اشترك، وهو في العشرين من عمره، في حرب الفجار التي سميت كذلك لوقوعها في الأشهر الحرم، والتي نشبت بين كنانة وقريش من جهة وبين قيس عيلان من جهة أخرى، وكان قائد قريش وكنانة فيها حرب بن أمية الذي تمكن وسط النهار أن يتجاوز الهزيمة التي مني فيها أول الأمر وأن يحقق النصر على قيس. وكان محمد ﷺ آنئذ ينبّل لأعمامه ويرد عنهم نبال عدوهم «١» . واشترك في حلف الفضول الذي تم عقده في أعقاب حرب الفجار التي يبدو أنها كانت الدافع الأساسي الذي استفز زعماء قريش لعقد هذا الحلف الذي يصفه ابن سعد بأنه «أشرف حلف كان قط» . وكان أول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم وغيرها من عشائر قريش في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما وتعاقدوا وتعاهدوا بالله «لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه» كما تعاهدوا على «التاسي في المعاش» وسموا ذلك الحلف (حلف الفضول) . وقد قال عنه الرسول ﷺ بعد نبوته، وهو يسترجع ذكرياته «ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم.. ولو دعيت به- في الإسلام- لأجبت» «٢» .
وقد روى كل من المسعودي واليعقوبي «٣» وعدد من المؤرخين أن سبب إنشاء هذا الحلف إنما كان بسبب الغبن الذي ألحقه أحد سادة قريش: العاص بن وائل السهمي برجل من اليمن، حيث ماطله في ثمن السلعة التي اشتراها منه، حتى يئس الرجل، فعلا جبل أبي قبيس ونادى قريشا وهي في مجالسها حول الكعبة بشعر يصف فيه ظلامته «فمشت قريش بعضها إلى بعض ... » . ويظهر من
стр. 31
دراسة الأصول القديمة لروايات حلف الفضول أن الحاجة إلى الأمن والاستقرار بعد حرب الفجار هي التي دفعت قبائل قريش إلى الاجتماع في دار عبد الله بن جدعان للتفاوض في أمر إحلال الأمن والسلام في مكة لأن حياة أهل مكة تقوم على الوافدين إليها من الحجاج والتجار، وأن الذي دعا إلى ذلك نفر من قريش وأن الذي تزعم الدعوة وتبناها وجمع بين الرؤساء هو عبد الله بن جدعان أحد أثرياء مكة «١» .
وفي الخامسة والثلاثين من عمره مارس ﷺ مهمة التحكيم في مسألة وضع الحجر الأسود. كانت قريش قد أجمعت أمرها على إعادة بناء الكعبة وتسقيفها بعد ما أصابها من السيول المنحدرة إليها من المرتفعات المجاورة، وبعد محاولة لسرقة محتوياتها من قبل نفر من قريش، وكانت الكعبة منضودة من حجارة بعضها فوق بعض من غير ملاط «٢» وكان البحر قد رمى بسفينة لرجل من تجار الروم قريبا من جدة، فتحطمت وحمل خشبها إلى مكة للإفادة منه في أعمال البناء. وصادف أن كان بمكة آنذاك رجل قبطي نجار فارتأوا ضرورة البدء بالعمل. وتعاونت قبائل قريش جميعا في البناء، كل تناول جانبا، هدما وبناء. وعندما بلغوا موضع الركن حيث يوضع الحجر الأسود، اختصموا، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الآخرى، فانحاز كل رجل إلى قبيلته، وتأهب الجميع للقتال. وظل الأمر على ذلك أربع ليال. وحينئذاك تقدم أبو أمية بن المغيرة- وكان عامئذ أسنّ قريش- فقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه. فأقرّوا رأيه، وراحوا ينتظرون أول داخل، فكان محمدا ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد!! فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال: هلمّ إليّ ثوبا، فجيء به، فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بجانب من الثوب ثم ارفعوه جميعا. ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ثم بنى عليه «٣» .
стр. 32
في الخامسة والعشرين من عمره كان محمد ﷺ قد اجتاز تجربة زواجه الأول وكانت تجربة ناجحة لعبت دورا كبيرا في حياته قبل البعثة وبعدها على السواء. وكان محمد قد اختير بوساطة عمه أبي طالب، من قبل السيدة خديجة ذات الشرف والمال في قريش ليكون أمينا لتجارتها إلى الشام برفقة خادمها ميسرة لما كانت قد سمعته عن محمد «من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه» .
وقد وافق محمد على القيام بالمهمة لقاء أجر غير زهيد قررت خديجة منحه إياه لدى عودته رابحا من الشام. ولقد عاد بعدئذ مضاعفا، بصدقه وأمانته ونشاطه ربح التجارة التي كلف بإدارتها، فأعجبت خديجة به، وزادها إعجابا وتقديرا ما حدثها به خادمها ميسرة عن أخلاق محمد وصفاته. وعلى عادة العرب في الوضوح والصراحة وعدم الالتواء، بعثت إليه من يقول له: إني قد رغبت فيك لقرابتك وشرفك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثم عرضت عليه الزواج. وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على خطبتها لو يقدر على ذلك «١» .
استشار محمد ﷺ أعمامه فخرج معه عمه حمزة ﵁ ودخل على خويلد بن أسد فخطب ابنته لابن أخيه، فوافق الأب وتم الزواج المبارك، فكان من ثماره أبناء رسول الله كلهم إلا إبراهيم، وهم: القاسم، وكان ﷺ يكنى به، وعبد الله (الذي يلقب بالطاهر والطيب) وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. وقد توفي القاسم وعبد الله قبل مبعثه، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن إلى المدينة «٢» .
[٢]
إن الإطار التاريخي لسيرة رسولنا ﷺ ، منذ مولده حتى وفاته، يضم حشدا كبيرا من الروايات، يكثر ويتكاثف في مرحلة ويقل ويتباعد طيلة الأربعين سنة التي سبقت مبعثه في غار حراء، فلا يكاد يغطي سوى مساحات قليلة من هذه
стр. 33
السنين الطويلة ولا يكاد يرسم سوى خطوط عريضة عن طفولة وشباب الرجل الذي قدّر له أن يعيد صياغة الحياة الدنيا بما ينسجم ونواميس الكون.. وتلك هي الصعوبة الكبرى في تاريخ الرجال الكبار في حياة البشرية. إن اهتمام الناس بأبطالهم يقتفي أثر النواميس الطبيعية ذاتها، فحيثما تجمعت الأضواء في جانب حيثما زادت الظلال المجاورة عتمة وخفاء.. وما أن يبرز البطل فجأة على مسرح الأحداث حتى تسلط عليه الأضواء فلا يتبقى من سيرته أية مساحة غير معرضة للإنارة والتلوين.. لكنه قبل أن يظهر.. قبل أن يجيء من وراء الكواليس، يحيطه الغموض، ويصعب على الناظرين تمييز جل مساحات حياته مهما امتدت سنوّ هذه الحياة..
إن أربعين سنة من حياة رسولنا العظيم ﷺ هي الأرضية التي أقيمت عليها نبوته الشامخة.. ترى ما الذي قدمته لنا الروايات عن أمداء هذه الأرضية؟ ..
النسب الأصيل لأمه وأبيه في بيئة (ترفض) الهجناء والمختلطين.. اليتم السريع للأب والأم ولما يتجاوز المولود عهد طفولته.. الفقر والحرمان في صحراء تزيد نار الفقر والحرمان اشتعالا.. رحلتان بعيدتان إلى الشام إحداهما صبيا برفقة عمه أبي طالب والآخرى شابا مسؤولا عن تجارة للسيدة خديجة.. الإسهام الحريص في عدد من الأحداث المهمة التي شهدتها مكة: حرب الفجار، حلف الفضول، بناء الكعبة.. الزواج بالسيدة خديجة بعد عودته من رحلته الثانية إلى الشام..
الرفض الحاسم لقيم الوثنية وعاداتها وأخلاقياتها وتقاليدها.. ثم فترات من العزلة والتأمل في غار حراء بعيدا عن صخب مكة وضجيجها.
وبين هذه الأحداث المرئية الأبعاد جميعا لمحات غير مرئية الأبعاد، ذات دلالة عميقة، أكدتها الروايات والأسانيد، جاءت بمثابة إرهاصات أولية عن أن هذا الإنسان سيلعب دوره في القضية الكبرى في تاريخ البشرية، قضية الحوار المفتوح بين السماء والأرض.. الخير العميم الذي راح يتدفق في مضارب مرضعته حليمة بعد إعسار وجفاف، شق صدره واستخراح علقة سوداء من قلبه قبل أن يتفتح وعيه على الحياة.. إشارات أولى عن نبوته تصدر عن الراهب (بحيرى) على تخوم الشام.. ولن نذكر هنا أية واقعة أخرى لعب الخيال الشعبي والإسرائيلي دورا بارزا فيها.
تلك هي النقاط الأساسية التي لم يتمكن (باحث) لحدّ الآن أن يعثر على ما
стр. 34
يفوقها أهمية أو ما يضيف إليها حقائق أخرى، ولن نلقي اللوم على رواتنا ومؤرخينا فتلك هي كما قلنا طبيعة التاريخ، فالأبطال- أنبياء وغير أنبياء- يظلون مجهولين يتحركون في مناطق الظلال لكي ما يلبثوا أن ينتقلوا فجأة لأداء أدوارهم حيث تسلط الأضواء.. ولنا أن نحمد الله سبحانه على أن هيأ لنا هذا القليل عن هذه المرحلة الطويلة الأساسية من حياة الرسول ﷺ . فهذه القلة- على ندرتها- يمكن أن تقدم لنا الكثير إذا ما استنطقناها بالأسلوب العلمي الهادىء الرصين، بعيدا عن ضجيج النزعات الخطابية والإنشائية والتهويلية.
إن البطل في التاريخ، نبيا أو غير نبي، لكي يلعب دوره الحاسم، لا بدّ أن يستكمل شرطين أساسيين أحدهما يتعلق بتكوينه الذاتي الخاص، والآخر بالعالم الذي يضطرب فيه عبر دوائره التي تبدأ بعلاقاته الضيقة ثم تتسع عبر الإقليم والوطن والجماعة والشعب والأمة، لكي تشمل العالم كله.. ومن ثم فإن أي حوار ينفتح بين الإنسان والعالم سوف لن يبعث أبطالا إن لم يكن كلا القطبين مهيأ لإنجاح ذلك الحوار.. وهكذا فإن أية دراسة عن حياة رسولنا ﷺ قبل مبعثه وبعده، سوف لن تتوغل في فهم هذه الحياة، توغلا كافيا، إن لم تضع في حسبانها هذين الطرفين، وتتمعن فيهما عن كثب بقدر ما تسعفها الوقائع والأحداث.
فأما ما يتعلق بالجانب الذاتي لسيرة الرسول ﷺ قبل البعثة فيبدو أن الظروف (البيئية) و (الوراثية) التي تسهم معا في تكوين الإنسان وتمنحه صفاته الخلقية والخلقية، وتصوغ بنيانه الجسدي والنفسي، وتحدد قدراته العقلية واستجاباته العاطفية قد اجتمعت لكي تجعل من محمد ﷺ الإنسان المهيّأ لتحمل المسؤولية التي أنيطت به بعد أربعين سنة من ميلاده.. أربعة عقود في حياة الإنسان المحدودة، تمثل امتدادا زمنيا طويلا أريد به أن يستكمل محمد الإنسان كل مساحات تكوينه الذاتي ونضجه البشري قبل أن يتاح له أول لقاء مع الوحي الأمين، وما أصعب اللقاء الأول بين ممثلي السماء والأرض، وما أشق الحوار!!
طيلة هذه العقود الأربعة ومحمد ﷺ يأخذ ويتلقى ويجابه ويهضم ويتمثل شتى المؤثرات الوراثية والبيئية لكي يحولها إلى خلايا تبني كيانه وسمات مادية وروحية تهيئة لليوم العظيم. فعن (أصالة) أبيه وأمه أخذ الرسول ﷺ في دمه وأعصابه أصالة الشخصية ووضوحها ونقائها، وكسب على المستوى الاجتماعي
стр. 35
احتراما وتقديرا في بيئة كانت تستهجن مجهولي الأنساب وتحتقر الخلطاء. ومن مرارة اليتم ووحشة العزلة وانقطاع معين العطف والحنان، قبس الرسول ﷺ الصلابة والاستقلال والقدرة على التحمل، والإرادة النافذة، والتحدي الذي لا تنكسر له قناة. وبالفقر والحرمان تربى ونما بعيدا عن ترف الغنى وميوعة الدلال واتكالية الواجدين. وعبر رحلته الأولى إلى الشام في رعاية عمه، فتح محمد ﷺ عينيه ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها إلى حيث المجتمعات المدنية التي تضطرب نشاطا وقلقا، والجماعات العربية التي فصلتها عن شقيقاتها في الصحراء الأم، سلطات أجنبية أحكمت قبضتها على الأعناق، وساقت الشيوخ والأمراء العرب إلى ما تريد هي وتهوى لا ما يريدون ويهوون.
وفي رحلته الثانية إلى الشام، مسؤولا عن تجارة السيدة خديجة، تعلم الرسول الكثير الكثير، عمّق في حسّه معطيات الرحلة الأولى وزاد عليها إدراكا أكثر لما يحدث في أطراف عالمه العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب، والسيّد والمسود، وإفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب، وكنه العلاقات بينها واختلاف البيئات والأوضاع.. ويزدادون مرونة وقدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع، وفهما لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور بعد اطلاع مباشر على عينات من هذا الإنسان في سعادته وهنائه، أو في تعاسته وشقائه.. وفوق هذا وذاك فقد أتيح للرسول في رحلته هذه تنمية وامتحان قدراته الخاصة التي تعلمها أيام الرعي صبيا، وها هو الآن (يدير) تجارة لسيدة تملك الكثير، فيعرف كيف يحيل القليل كثيرا، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة أمينا لا تلحق أمانته ذرة من غبار.. قديرا على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة.
ثم يجيء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك، متنوعا شاملا مغطيا شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنه أريد له أن يجرب كل شيء، أن يسهم عاملا في كل اتجاه، وأن يا بني عبر نشاطاته المتنوعة جميعا شخصية قادرة على التصدي لكل مشكلة، والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه أن يعيد حقا أو يقيم عدلا.. في حرب الفجار مارس الرسول ﷺ شؤون القتال، وفي حلف الفضول شارك في تجربة السياسة والحكم، وفي بناء الكعبة
стр. 36
أعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشاكل التي تلعب فيها المعتقدات والقيم والمقدسات دورا كبيرا.. وخلال هذا وذاك يتزوج الرسول ﷺ فيمارس في أعقاب زواجه ذاك، كبرى التجارب الاجتماعية في حياة الإنسان، وينجح في التجربة، ومن وراء نجاحه ذاك تقف السيدة البرّة التي وضعها الله في طريق رسوله لكي تكون سنده النفسي Caetani:Op.cit ;١ -١٣٨ Sprenger:die lehre
стр. 37
السنين الطويلة ولا يكاد يرسم سوى خطوط عريضة عن طفولة وشباب الرجل الذي قدّر له أن يعيد صياغة الحياة الدنيا بما ينسجم ونواميس الكون.. وتلك هي الصعوبة الكبرى في تاريخ الرجال الكبار في حياة البشرية. إن اهتمام الناس بأبطالهم يقتفي أثر النواميس الطبيعية ذاتها، فحيثما تجمعت الأضواء في جانب حيثما زادت الظلال المجاورة عتمة وخفاء.. وما أن يبرز البطل فجأة على مسرح الأحداث حتى تسلط عليه الأضواء فلا يتبقى من سيرته أية مساحة غير معرضة للإنارة والتلوين.. لكنه قبل أن يظهر.. قبل أن يجيء من وراء الكواليس، يحيطه الغموض، ويصعب على الناظرين تمييز جل مساحات حياته مهما امتدت سنوّ هذه الحياة..
إن أربعين سنة من حياة رسولنا العظيم ﷺ هي الأرضية التي أقيمت عليها نبوته الشامخة.. ترى ما الذي قدمته لنا الروايات عن أمداء هذه الأرضية؟ ..
النسب الأصيل لأمه وأبيه في بيئة (ترفض) الهجناء والمختلطين.. اليتم السريع للأب والأم ولما يتجاوز المولود عهد طفولته.. الفقر والحرمان في صحراء تزيد نار الفقر والحرمان اشتعالا.. رحلتان بعيدتان إلى الشام إحداهما صبيا برفقة عمه أبي طالب والآخرى شابا مسؤولا عن تجارة للسيدة خديجة.. الإسهام الحريص في عدد من الأحداث المهمة التي شهدتها مكة: حرب الفجار، حلف الفضول، بناء الكعبة.. الزواج بالسيدة خديجة بعد عودته من رحلته الثانية إلى الشام..
الرفض الحاسم لقيم الوثنية وعاداتها وأخلاقياتها وتقاليدها.. ثم فترات من العزلة والتأمل في غار حراء بعيدا عن صخب مكة وضجيجها.
وبين هذه الأحداث المرئية الأبعاد جميعا لمحات غير مرئية الأبعاد، ذات دلالة عميقة، أكدتها الروايات والأسانيد، جاءت بمثابة إرهاصات أولية عن أن هذا الإنسان سيلعب دوره في القضية الكبرى في تاريخ البشرية، قضية الحوار المفتوح بين السماء والأرض.. الخير العميم الذي راح يتدفق في مضارب مرضعته حليمة بعد إعسار وجفاف، شق صدره واستخراح علقة سوداء من قلبه قبل أن يتفتح وعيه على الحياة.. إشارات أولى عن نبوته تصدر عن الراهب (بحيرى) على تخوم الشام.. ولن نذكر هنا أية واقعة أخرى لعب الخيال الشعبي والإسرائيلي دورا بارزا فيها.
تلك هي النقاط الأساسية التي لم يتمكن (باحث) لحدّ الآن أن يعثر على ما
стр. 38
يفوقها أهمية أو ما يضيف إليها حقائق أخرى، ولن نلقي اللوم على رواتنا ومؤرخينا فتلك هي كما قلنا طبيعة التاريخ، فالأبطال- أنبياء وغير أنبياء- يظلون مجهولين يتحركون في مناطق الظلال لكي ما يلبثوا أن ينتقلوا فجأة لأداء أدوارهم حيث تسلط الأضواء.. ولنا أن نحمد الله سبحانه على أن هيأ لنا هذا القليل عن هذه المرحلة الطويلة الأساسية من حياة الرسول ﷺ . فهذه القلة- على ندرتها- يمكن أن تقدم لنا الكثير إذا ما استنطقناها بالأسلوب العلمي الهادىء الرصين، بعيدا عن ضجيج النزعات الخطابية والإنشائية والتهويلية.
إن البطل في التاريخ، نبيا أو غير نبي، لكي يلعب دوره الحاسم، لا بدّ أن يستكمل شرطين أساسيين أحدهما يتعلق بتكوينه الذاتي الخاص، والآخر بالعالم الذي يضطرب فيه عبر دوائره التي تبدأ بعلاقاته الضيقة ثم تتسع عبر الإقليم والوطن والجماعة والشعب والأمة، لكي تشمل العالم كله.. ومن ثم فإن أي حوار ينفتح بين الإنسان والعالم سوف لن يبعث أبطالا إن لم يكن كلا القطبين مهيأ لإنجاح ذلك الحوار.. وهكذا فإن أية دراسة عن حياة رسولنا ﷺ قبل مبعثه وبعده، سوف لن تتوغل في فهم هذه الحياة، توغلا كافيا، إن لم تضع في حسبانها هذين الطرفين، وتتمعن فيهما عن كثب بقدر ما تسعفها الوقائع والأحداث.
فأما ما يتعلق بالجانب الذاتي لسيرة الرسول ﷺ قبل البعثة فيبدو أن الظروف (البيئية) و (الوراثية) التي تسهم معا في تكوين الإنسان وتمنحه صفاته الخلقية والخلقية، وتصوغ بنيانه الجسدي والنفسي، وتحدد قدراته العقلية واستجاباته العاطفية قد اجتمعت لكي تجعل من محمد ﷺ الإنسان المهيّأ لتحمل المسؤولية التي أنيطت به بعد أربعين سنة من ميلاده.. أربعة عقود في حياة الإنسان المحدودة، تمثل امتدادا زمنيا طويلا أريد به أن يستكمل محمد الإنسان كل مساحات تكوينه الذاتي ونضجه البشري قبل أن يتاح له أول لقاء مع الوحي الأمين، وما أصعب اللقاء الأول بين ممثلي السماء والأرض، وما أشق الحوار!!
طيلة هذه العقود الأربعة ومحمد ﷺ يأخذ ويتلقى ويجابه ويهضم ويتمثل شتى المؤثرات الوراثية والبيئية لكي يحولها إلى خلايا تبني كيانه وسمات مادية وروحية تهيئة لليوم العظيم. فعن (أصالة) أبيه وأمه أخذ الرسول ﷺ في دمه وأعصابه أصالة الشخصية ووضوحها ونقائها، وكسب على المستوى الاجتماعي
стр. 39
احتراما وتقديرا في بيئة كانت تستهجن مجهولي الأنساب وتحتقر الخلطاء. ومن مرارة اليتم ووحشة العزلة وانقطاع معين العطف والحنان، قبس الرسول ﷺ الصلابة والاستقلال والقدرة على التحمل، والإرادة النافذة، والتحدي الذي لا تنكسر له قناة. وبالفقر والحرمان تربى ونما بعيدا عن ترف الغنى وميوعة الدلال واتكالية الواجدين. وعبر رحلته الأولى إلى الشام في رعاية عمه، فتح محمد ﷺ عينيه ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها إلى حيث المجتمعات المدنية التي تضطرب نشاطا وقلقا، والجماعات العربية التي فصلتها عن شقيقاتها في الصحراء الأم، سلطات أجنبية أحكمت قبضتها على الأعناق، وساقت الشيوخ والأمراء العرب إلى ما تريد هي وتهوى لا ما يريدون ويهوون.
وفي رحلته الثانية إلى الشام، مسؤولا عن تجارة السيدة خديجة، تعلم الرسول الكثير الكثير، عمّق في حسّه معطيات الرحلة الأولى وزاد عليها إدراكا أكثر لما يحدث في أطراف عالمه العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب، والسيّد والمسود، وإفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب، وكنه العلاقات بينها واختلاف البيئات والأوضاع.. ويزدادون مرونة وقدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع، وفهما لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور بعد اطلاع مباشر على عينات من هذا الإنسان في سعادته وهنائه، أو في تعاسته وشقائه.. وفوق هذا وذاك فقد أتيح للرسول في رحلته هذه تنمية وامتحان قدراته الخاصة التي تعلمها أيام الرعي صبيا، وها هو الآن (يدير) تجارة لسيدة تملك الكثير، فيعرف كيف يحيل القليل كثيرا، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة أمينا لا تلحق أمانته ذرة من غبار.. قديرا على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة.
ثم يجيء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك، متنوعا شاملا مغطيا شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنه أريد له أن يجرب كل شيء، أن يسهم عاملا في كل اتجاه، وأن يا بني عبر نشاطاته المتنوعة جميعا شخصية قادرة على التصدي لكل مشكلة، والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه أن يعيد حقا أو يقيم عدلا.. في حرب الفجار مارس الرسول ﷺ شؤون القتال، وفي حلف الفضول شارك في تجربة السياسة والحكم، وفي بناء الكعبة
стр. 40
أعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشاكل التي تلعب فيها المعتقدات والقيم والمقدسات دورا كبيرا.. وخلال هذا وذاك يتزوج الرسول ﷺ فيمارس في أعقاب زواجه ذاك، كبرى التجارب الاجتماعية في حياة الإنسان، وينجح في التجربة، ومن وراء نجاحه ذاك تقف السيدة البرّة التي وضعها الله في طريق رسوله لكي تكون سنده النفسي
واليقيني الأول في السنين الصعبة الطويلة التي تطيش معها ألباب الثائرين الذين بعثوا لتغيير العالم والانقلاب على الأوضاع والمألوفات.
هكذا تبدو حياة رسولنا الكريم قبل مبعثه، سلسلة مترابطة الحلقات، منطقية التعاقب من التجارب والخبرات في شتى المساحات: عائلية ونفسية واقتصادية وحركية وحربية وسياسية ودينية واجتماعية. أما البعد الأخلاقي في حياة الرسول المديدة هذه فيتمثل واضحا نقيا في انسلاخه الحاسم عن كل ممارسات الجاهليين اللاأخلاقية التي كانت تعج بها الحياة العربية في المدينة والصحراء: شربا للخمر واستمراء للزنى ولعبا للميسر وتصعيدا للربا وتهافتا على مال اليتيم ووأدا للبنات وظلما للذين لا يقدرون على ردّ الظلم، واستعبادا محزنا للذين لا يعرفون طعم الحرية.. ممارسات شتى لا يحصيها العدّ، كانت تجري على مسرح الجزيرة العربية، وممثلتها مكة، ليل نهار.. ويغدو من تعاقبها وتكرارها أن تصبح إلفا وعادة، ثم تتجاوز هذا لكي ما تلبث أن تصبح مفاخر ومكرمات يتبارى العرب في الإتيان بالمزيد المزيد منها.. ومحمد ﷺ بعيد عن هذا كله، منسلخ منه.. ولقد منحه موقفه النبيل هذا نظافة وطهرا لم يعرفهما إنسان قط، وعلمه في الوقت نفسه كيف يكون الرفض والتمرد على الوضع الدنيء، الوضع اللا إنساني مهما حمّل هذا الوضع من تبريرات انتقلت به من كونه إثما وفسقا وفجورا إلى مرتبة الإلف والعادة، ثم إلى مصاف القيم والمفاخر والمعتقدات.
ولم يبق- ثمة- إلا البعد الروحي- الفكري، وهو أشد الأبعاد ثقلا وخطرا في حياة الإنسان. والروايات القليلة التي تحدثنا عن عزلة الرسول ﷺ بعيدا عن صخب مكة وضجيجها، حينا بعد حين، وعن انقطاعه إلى الصحراء وحيدا، متأملا، باحثا، منقبا، مقلبا وجهه في أمداء السماوات والأرض.. هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتممة للصورة التي علينا أن نعرفها عن حياة الرسول ﷺ قبل مبعثه.